← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الجنوب، في المدن أو غيرها. كما سنتناول بعض الجوانب المتعلقة بالتعليم مثل المرتبات وإعداد التلاميذ والبرنامج الدراسي. وقد كشفت تقارير المفتشين (وهم مستشرقون مرتبطون بالإدارة الاستعمارية) عن صمود المقاومة الثقافية وموقف المتعلمين من توجيهات الإدارة. إن عمق الثقافة الوطنية يكمن في دراسة تفاعلاتها مع مخططات الاستعمار الفرنسي، وقد كانت تمثل خطا موازيا للثقافة الفرنسية إلى أن ظهرت الحركة الإصلاحية، فاشتد التنافس بين الثقافتين وساعد ظهور الأحزاب الوطنية على دعم هذه المقاومة. إن هذا الفصل لن يغطي كل أنواع التعليم الأصلي، فقد كان علينا أن نخصص فصلا للتعليم في الزوايا والمدارس الحرة التي أنشأها بعض الرواد ثم الحركة الإصلاحية منذ بداية القرن، وبعض الأحزاب بعد الحرب العالمية الثانية. فالفصلان اللذان يتناولان التعليم الأصلي يكمل بعضهما البعض إذن. لقد كنا عالجنا موضوع التعليم العربي الإسلامي خلال العهد العثماني بأنواعه وأطواره، فلا سبيل إلى الرجوع إليه هنا (١). ولذلك فأننا سنبدأ حديثنا عن التعليم منذ الاحتلال الفرنسي لنعرف انطباع الفرنسيين وغيرهم أثناء السنوات الأولى من (اكتشافهم) للجزائر ومجتمعها. ثم نتتبع تطور هذا التعليم في عهد الاحتلال وكيف استجاب أو تفاعل مع الضغوط الجديدة التي فرضتها السلطات الفرنسية، ونعرف الدور الذي قام به في استمرار الثقافة وتغذية الروح الوطنية إلى ظهور حركة النهضة والإصلاح التي تنادى فيها الجميع بالتعليم الوطني القائم على اللغة العربية والروح الإسلامية والأخذ بالعلوم الحديثة. وقبل أن نتحدث عن الآراء والتقارير التي كتبت حول التعليم العربي الإسلامي (الأصلي) من قبل الفرنسيين أثناء اكتشافهم للحياة الجزائرية، دعنا نذكر بأنه لا يمكن تصور مسيرة هذا النوع من التعليم دون معرفة العلاقة بينه

стр. 982

وبين أملاك الوقف. إن الأوقاف (الأحباس) كانت هي المصدر الأساسي للتعليم والمعلمين والمكتبات والمساجد والحركة العلمية على العموم. ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال صادرت السلطات الفرنسية جميع أملاك الوقف وضمتها لأملاك الدولة الفرنسية المعروفة (بالدومين). ومن ثمة نضب معين التعليم والمعلمين وتوقفت الحياة العلمية وشغرت المساجد والمدارس والزوايا. وأصبح بعض رجال الدين موظفين عند الدولة الفرنسية تمنحهم إدارتها في الجزائر رواتب محددة بعد أن قل عددهم وتدجنت أفكارهم. وقد درسنا في فصل آخر موضوع الأوقاف ومال ريعها وحرمان المستفيدين منها بطريقة منافية لشروط الوقف. ولكن وجب التنبيه على ضرورة الربط بين هذا الفصل وذاك. كل الذين درسوا موضوع التعليم في الجزائر غداة الاحتلال اندهشوا من كثرة المدارس وحرية التعليم وكثرة المتعلمين ووفرة الوسائل من أجل التعلم، كالمداخيل الوقفية، ومحلات الأوقاف والأجور العالية. وفي المدن كما في الأرياف كان التعليم جزءا أساسيا من حياة الناس. وكان المعلم والمتعلم موضع تقدير الجميع، وحب العلم كان جزءا من العبادة. كما اندهش أولئك من وفرة المدارس التي كانت تزيد ربما عن نسبة السكان. وكان التعليم حرا وخاصا ويكاد يكون مجانيا وإجباريا قبل أن تشرعه فرنسا لأبنائها بعد ١٨٧٣. فالسيد والمسود والحاكم والمحكوم كلهم سواء في البذل من أجل تعليم أبنائهم في ديموقراطية متناهية، إذ يلتقي أولاد الأغنياء وأولاد الفقراء على صعيد واحد ويتلقون نفس البرنامج على يد نفس المعلم، وبنفس اللغة والروح. وربما وظف الأغنياء معلمين (مؤدبين) خاصين لأبنائهم. ولكن هذا الوجه المشع لصورة التعليم غداة الاحتلال لا يخلو أيضا من عيوب شأن كل التجارب الإنسانية. ونحن وإن كنا سنعرض إلى هذه العيوب فيما سيأتي، فإننا نبادر إلى القول بأن التعليم، كأهله، لم يتطور مع الزمان وحاجة الإنسان إلى التقدم والابتكار وتقليد التجارب الناجحة عند الشعوب

стр. 983

الأخرى. حقيقة أن الجميع تقريبا كانوا يعرفون القراءة والكتابة، وتكاد الجزائر تخلو عندئذ من الأمية، ولكن الذين يواصلون دراستهم إلى التعليم العالي عدد قليل. وكانت طرق اكتشاف المواهب ضعيفة أو معدومة. وكان حفظ القرآن الكريم ومعرفة اللغة العربية نوعا من الت عبد وجزءا من التعمق في الدين وليس وسيلة لفهم الحياة وخوضها والصراع الفكري مع الأمم الأخرى. وقد اختفت من البرنامج أو كادت دراسة التاريخ الإسلامي والعلوم الطبيعية والرياضيات والحساب والجبر والطب وعلوم الفلاحة والتجارة. وحين سيطر الفرنسيون على الوضع في الجزائر - بعد ١٨٥٠ - فرضوا أيضا شروطهم على الاستمرار في تدريس اللغة العربية والعلوم الإنسانية. فقد شجعوا اللهجات العربية والبربرية الدارجة، لإماتة الفصحى، وفرضوا اللغة الفرنسية في المدارس الابتدائية وغيرها من مؤسسات التعليم مثل مدرسة ترشيح المعلمين والمدارس الشرعية. ثم تدخلوا أيضا في طريقة تدريس الفقه فحذفوا منه بعض الأبواب فأصبح ممنوعا مثلا على المدرس أن يدرس باب الجهاد، ومنعوا أحيانا تدريس التوحيد، وأجبروا المعلمين على تحفيظ القرآن للأبناء دون تفسيره لهم، وطاردوا حتى المداح أو الشاعر الشعبي الذي ينشد في الأسواق والحفلات لكيلا يتعرض للتاريخ والغزوات والأبطال. ومع ذلك كان مسؤولو هذا التعليم يقاومون سرا وعلانية، كما سنرى، مستخدمين مختلف الوسائل لتمرير رسالتهم التربوية، ذلك أن التعليم ليس بالقلم والقرطاس فقط، ولكن بالمثل الأعلى والكلمات المعبرة والتوجيه القويم والنصائح الخالصة. وإذا كان الفرنسيون قادرين على مراقبة التعليم العربي الإسلامي في المساجد والروايا والمكاتب، فإنهم لم يكونوا قادرين على مراقبة التربية والتوجيه الصالح اللذين يبثهما المعلمون في تلاميذهم. ومن هؤلاء ستكون البذرة الخيرة للنهضة والحركة الإصلاحية.

стр. 984

حالة التعليم العربي الإسلامي غداة الاحتلال بعد مصادرة الأوقاف ونفي العديد من العلماء وترهيب الباقين، ترك الفرنسيون التعليم يموت دون الإعلان عن ذلك رسميا. اشتغلوا بالاستيلاء على الأراضي وتوطين أبنائهم فيها ومحاربة المقاومين، وأهملوا كل ما يتعلق بتعليم الجزائريين. وبعد حوالي عشر سنوات أخذ بعض مسؤولي المكاتب العربية (وهم عسكريون) يكتبون التقارير عن وضع التعليم عند المسلمين (الجزائريين) وموقفهم من المدرسة الفرنسية عموما. ومن هذه الكتابات تقرير الجنرال بيدو، وتقرير فاليري، وتقرير الجنرال درماس، وتقرير ليبيشو، ثم تقرير ديهو تبول. ففي فترة الأربعينات من القرن الماضي، نصبت لجان رسمية، وزار الجزائر أمثال أليكسس دي طوكفيل، وخرجوا جميعا برأي عن تجربة التعليم في الجزائر ماضيا وحاضرا. ويتلخص هذا الرأي فيما يلي: ١ - الاستمرار في إهمال التعليم العربي الإسلامي وعدم رد الأوقاف إليه، رغم تشبث السكان به ومقاطعتهم المدرسة الفرنسية. ٢ - إنشاء تعليم مزدوج خاص بالجزائريين تدرس فيه اللغة العربية على أن تكون فيه الفرنسية وعلومها هي السيدة، ابتداء من سنة ١٨٥٠. ٣ - ترك التعليم في الزوايا الريفية والمعمرات على ما هو عليه مع مراقبة برنامجه ومعلميه حتى لا تكون الزوايا مراكز لمعاداة الفرنسيين. وقد اعترفت جميع التقارير بأن التعليم العربي الإسلامي كان منتشرا بين الجزائريين بشكل ملفت للنظر قبل الاحتلال، وأنهم بقوا متشبثين به رغم مصادرة الأوقاف وهجرة العلماء أو نفيهم. يقول لويس رين. كان القرآن في الجزائر هو كل شيء، هو المعلم والتعليم. وكان الفرنسيون كلما حاولوا مشروع إصلاح فكروا في عدم المس بالمشاعر الإسلامية، لكن المتعلمين (الجزائريين) الخبراء أصبحوا بمرور

стр. 985

الزمان، نادرين مما سهل على فرنسا تمرير مشاريعها. لقد كان هدف فرنسا منذ ١٨٣٠ هو الحط من التعليم القرآني وتعويضه تدريجيا بتعليم أكثر عقلنة وأكثر علمية، وبالخصوص أكثر فرنسة (فرنسية). وقد نجحت فرنسا (وهو يكتب سنة ١٨٨٤) في الفصل بين الدين والتعليم اللذين كانا في الماضي لا ينفصلان (١). وفي الوثائق الفرنسية الرسمية أن التعليم العربي الإسلامي كان على العموم مزدهرا سنة ١٨٣٠. وهو يتألف من مستويات التعليم الثلاث المعروفة اليوم: الابتدائي والثانوي والعالي. وكان التعليم الثانوي والعالي مجانا، أما الابتدائي فقد كان بأجر اختياري ضعيف، وفي أغلب الأحيان يدفع الأجر عينا. وجميع أنواع التعليم لا تقدم إليها الدولة (الجزائرية) أية مساعدة، فكان تعليما حرا بمعنى الكلمة. وكانت المدارس متصلة بالمساجد في أغلب الأحيان، ويشرف عليها وكلاء الشؤون الدينية، وهي تتغذي من أملاك الأوقاف الخيرية. ولكن منذ الاحتلال دخلت أملاك الأوقاف في أملاك الدولة الفرنسية، فأهملت المدارس الإسلامية، وتوقف التعليم الابتدائي والثانوي، ولم تبق إلا بعض الزوايا البعيدة والمعزولة حيث الدروس العليا (٢). ويضيف تقرير آخر أن المعلمين كانوا أيضا أحرارا. فهم لا يخضعون إلى أية ترقية، وشهرتهم هي التي تدل عليهم، وهذه الشهرة تكون في العلم والأخلاق الكريمة والسلوك الجيد، كما أنهم كانوا يحصلون على الشهادة (الإجازة) من أستاذ معروف. وكانت المدارس كثيرة، ورواتب المعلمين مضمونة من مداخيل المساجد (الوقف). وكان مشاهير الأساتذة يأتيهم المتعلمون من أماكن بعيدة - وقد أقيمت الزوايا المجاورة للمساجد لإيواء أمثال هؤلاء الغرباء. وكان عدد هذه الزوايا في مدينة الجزائر وحدها ستا، اثنتان لأهل الشرق وثلاثة لأهل الغرب وواحدة لأهل المدينة (الجزائر). وقد

стр. 986

اختفت جميعها ولم تبق منها بعد سنة ١٨٤٦ سوى واحدة كانت تقع في سوق الجمعة. وكل هذه الزوايا كانت تصونها وتتعهدها أموال الأوقاف قبل مصادرتها. وكذلك لم يبق من المدارس القديمة إلا عدد ضئيل، وأصبح التعليم في الباقي منها ناقصا. واختفت كثير من المساجد أيضا بالهدم والتحويل عن الغرض الأصلي. أما خارج مدينة الجزائر، فإن التقرير يذكر أن المدارس الشهيرة والزوايا كانت متوفرة ثم اختفت نتيجة للاحتلال والإهمال ومصادرة الأوقاف وهجرة العلماء أو نفيهم. ومن هذه مدرسة صالح باي بقسنطينة، ومدرسة قرومة الواقعة على وادي الزيتون شرقي العاصمة، ومدرسة (زاوية) سيدي محمد بن عبد الرحمن بجرجرة، وبسهل متيجة كانت زاوية مربوني بالأربعاء، وزاوية سيدي خير الدين بين الخشنة وبني موسى، وزاوية النميلي في بني موسى، وزاوية سيدي السعيد بين بوفاريك والدويرة، وزاوية سيدي الحبشي بأولاد منديل، ثم زاوية البراكنة قرب شرشال (١). ويضيف التقرير أن الزوايا الواقعة في أوساط القبائل والأعراش قد اختفت أيضا نتيجة الحروب المريرة والحملات العسكرية الفرنسية، إذ تشتت المعلمون والمتعلمون، واختفت المخطوطات. كما أن المعلمين عموما تضاءل عددهم حتى في المدن لضعف الرواتب وعدم انتظام الدروس واستقرار الحياة العلمية. كان برنامج التعليم يكمل بعضه بعضا. ففي الابتدائي يحفظ الطفل كل أو أجزاء من القرآن الكريم، ويتقن الكتابة والقراءة، ويتعلم مبادئ الدين، ويحفظ المتون والنصوص الضرورية. وفي الثانوي يواصل المطالعة والفقه والتوحيد ودراسة النحو والصرف وأوليات التفسير ومصطلح الحديث والسيرة النبوية. وأما الدراسات العليا فتشمل الفقه أيضا وأصول الدين والتوحيد

стр. 987

والتاريخ الإسلامي وبعض الحساب والفلك والجغرافية والطب والتاريخ الطبيعي. وقد لاحظت التقارير أن التعليم الأول كان يحصل عليه أبناء الطبقة الغنية وكذلك التعليم العالي الذي لا يواصله عادة إلا الطبقة التي كرست حياتها للعلم حتى أصبح فيها وراثة. والمقصود هنا هو علم الدين. وقد أضاف بعضهم إلى مواد التعليم العالي الهندسة، وعلم الرسم والزخرفة والخطاطة وكتابة الوثائق (١). والمدارس لم تندثر دفعة واحدة. ففي العاصمة كانت حوالي مائة مدرسة سنة ١٨٣٠ لم يبق منها سنة ١٨٤٠ سوى حوالي ٢٤ مدرسة (مسيد) يتردد عليها ٦٠٠ تلميذ. وفي سنة ١٨٤٦ انخفض عدد هذه المدارس إلى ١٤ فقط يتردد عليها بين ٣٢٠ و ٤٠٠ تلميذ. ومع ذلك فإن الأولياء كانوا يفضلون هذا النوع من المدارس لأولادهم على المدرسة الفرنسية. لقد كانت المدارس تحت إشراف (الطلبة) (٢) الذين يعلمون التلاميذ اللغة العربية والقرآن الكريم ومبادئ الدين. وهي منتشرة بكثرة خارج العاصمة، سيما قسنطينة ومنطقة زواوة. ويقول التقرير أن هذه المدارس بقيت حتى الآن (١٨٤٦) خارج مراقبة السلطات الفرنسية. وقد أوصى التقرير بضرورة وضع كل أنواع التعليم تحت الرقابة، لأن (الوجود الفرنسي لا يمكن أن يتأسس نهائيا ... إلا إذا تولت السلطة المديرة تعليم كل الأجيال الجديدة في البلاد وأمسكته بيدها) (٣). وسنذكر عدد المدارس والزوايا بعد قليل. وفي تقرير أوغيست ليبيشو عن التعليم وصف (حي) للتجربة الإسلامية فيه ومدى معاناته بعد الاحتلال. وكان السيد ليبيشو نفسه مسؤولا عن التعليم

стр. 988

في الجزائر. وقد شهد أن التعليم العربي - الإسلامي كان منتشرا في المدن والأرياف وحتى في الخيام. وكانت المدارس والزوايا تضم المخطوطات أيضا. ولكن كل ذلك تغير، حسب رأيه، فالحملات العسكرية بعثرت كل تجمعات الطلبة والعلماء. ولم يبق إلا بعض المدارس التي لا تقدم سوى تعليم غير كامل على الإطلاق. ذلك أن دراسة الدين قد أهملت، بينما لا يمكن فهم الدين إلا بالرجوع إلى الشروح التي يجب لفهمها إتقان اللغة العربية. وأصبح المتعلمون نادرين تدريجيا. وبذلك كثر أعداء فرنسا، حسب قوله. أما عن المخطوطات فقد قال أنها أيضا تبعثرت وأتلفت في معظمها، وكانت هي أساس التعليم (١). وقد جاء في تقرير الجنرال دوماس أنه بعد عشرين سنة من الاحتلال لم يعد في إمكان السلطات الفرنسية أن تجد من توظفه في القضاء إلا بصعوبة. وتمثل ذلك في الشؤون الدينية والتعليمية الأخرى. أما عن الأدب والثقافة والفن فلا حديث. وتؤكد مختلف الكتابات الفرنسية على هذا التحول الذي أصاب التعليم العربي - الإسلامي نتيجة الاحتلال. وقد جاء في إحداها أن التعليم التقليدي (وهو هذا الذي سميناه الأصلي) قد توقف عن أداء مهمته، لظروف الحرب من جهة، والاستيلاء على الأوقاف من جهة أخرى، وهجرة المعلمين أو نفيهم من جهة ثالثة. فقد خربت المدارس الثانوية (وهي التي كان منها يتخرج العلماء)، وغادر المتعلمون الزوايا القريبة من مراكز الاحتلال. والأساتذة إما اكتفوا بأداء الشعائر الدينية دون التعليم وإما انتقلوا إلى أماكن غير محتلة. وامتنع (الأهالي) عن إرسال أولادهم إلى المدرسة الفرنسية، لأن المدرسة في نظرهم هي حيث يتعلم الطفل القرآن والصلوات وقواعد الدين، بينما المدرسة الفرنسية لا تعلمهم إلا اللغة وربما تعلمهم أيضا مبادئ دين آخر. ومن ثمة اقترح صاحب التقرير (وهو غير مذكور): العودة إلى النظام القديم في التعليم الابتدائي والثانوي (بعد خمسة عشر عاما من الإهمال، لأن

стр. 989

التقرير مكتوب حوالي سنة ١٨٤٥). مع الرقابة التامة والدقيقة للفرنسيين على هذا التعليم حتى في اختيار المؤدبين في الابتدائي والمدرسين في الثانوي، كما اقترح صاحب التقرير إدخال بعض المواد كالحساب والجغرافية في برنامج التعليم الابتدائي، وإدخال التاريخ والفيزياء والكيمياء إلى برنامج الثانوي. واقترح كذلك جلب المعلمين من تونس ومصر، لخلو الجزائر منهم عندئذ أو لعداوتهم للفرنسيين. أما بالنسبة للتعليم العالي فقد اقترح التقرير تركه إلى حين آخر، أي عندما يصل الجيل الذي سيتكون تحت الإدارة الفرنسية إلى المرحلة العالية. ومعنى ذلك توقيف دورة الحياة العلمية. وما دام القرآن نفسه قد مجد العلم فقد اقترح صاحب التقرير أن يبقي التعليم التقليدي على ما هو عليه في المدارس الصناعية والزراعية (الفرنسية) لأن المسلمين سيقبلون عليه باعتباره واجبا دينيا. ومن الطبيعي أن يوصي التقرير بأن يكون الهدف من كل هذه المحاولات هو خدمة الوجود الفرنسي في الجزائر (١). وبعد احتلال قسنطينة كتب الجنرال بيدو تقريرا عن التعليم فيها، وقدمه إلى وزير الحرب. وقد جاء فيه أن التعليم في قسنطينة كان منتشرا بصورة غير متوقعة للفرنسيين، فقد كان فيها مدارس من مختلف المستويات الإقليمية. فمدارسها الثانوية والعالية تضم بين ٦٠٠ و ٧٠٠ تلميذ يدرسون علوم التفسير (القرآن) وعلوم الحديث، ومحاضرات في الحساب والفلك والبلاغة والفلسفة. كما يوجد بها ٩٥ مدرسة ابتدائية (مكتب) يتردد عليها بين ١، ٣٠٠ و ١، ٤٠٠ طفل. وكانت دروس المساجد (وعددها ٣٥ مسجدا) والمدارس الثانوية (وعددها سبع) غاصة بالمستمعين، والأساتذة لهم شهرة تجلب إليهم الطلبة من بعيد. والمدارس الابتدائية تابعة للمسجد أو الزاوية. والنفقات جميعا كانت من الأوقاف المخصصة للمسجد أو الزاوية. وكان المؤدب يعينه

стр. 990

ناظر الأوقاف بوصية من العائلات، وهو (المؤدب) يقوم بدور الإمام والحزاب أيضا. وله منزل خاص به، وله أجر من أولياء التلاميذ يقدر بحوالي ١٤ ف. بالإضافة إلى الهدايا التي يتلقاها بمناسبة الأعياد وعددها أحد عشر عيدا، ويتلقى أيضا تبرعات مختلفة سيما عندما يحفظ التلميذ أجزاء من القرآن. وبذلك قدر دخل المعلم (المؤدب) بحوالي ثلاثين فرنكا سنويا، زيادة على عطاءات أهل الخير والإحسان. ولكن منذ الاحتلال تدهور كل ذلك. ففي عشر سنوات (١٨٤٧) (١)، كاد يختفي التعليم في هذه المدينة (قسنطينة) العريقة في خدمة العلم والعلماء. ولم يبق من ٦٠٠ أو ٧٠٠ تلميذ في الثانوي سوى ٦٠ فقط. والمدارس الابتدائية التي كانت تسعين لم يبق منها سوى ثلاثين، ولا يتجاوز الأطفال فيها ٣٥٠ بعد أن كانوا بين ١، ٣٠٠ و ١، ٤٠٠. هذه إذن هي رسالة فرنسا الحضارية للجزائريين. وقد كان صاحب التقرير (الجنرال بيدو) والمعلق عليه (دي طوكفيل) صريحين جدا في ذلك. فقد قال بيدو أننا أهملنا التعليم في عاصمة الإقليم (قسنطينة) مما سيعطي لرجال الزوايا أهمية كبيرة ويزيد من نفوذهم وقوتهم بين السكان. وواضح من تقرير الجنرال أن خوفه ليس على الجزائريين من الجهل، ولكن على مصير الوجود الفرنسي من نفوذ الزوايا. ذلك أن اختفاء المعلمين قد حول أنظار الناس إلى شيوخ الزوايا في الأرياف. أما دي طوكفيل فهو صاحب الصيحة الشهيرة: (إننا جئنا لإضاءة الشموع فأطفانا الموجود منها)، وهو يقصد هنا بالشموع المدارس. ولكن دي طوكفيل كان أيضا في صالح الرسالة الحضارية الفرنسية وتثبيت الاستعمار في الجزائر (٢). لقد نقصت المدارس والمساجد بعد أن حولت مداخيل أملاكها (الأوقاف) إلى أملاك الدولة كما ذكرنا، وتوقفت الدولة الفرنسية المحتلة عن

стр. 991

صيانة المساجد، كما أنها لم تصن مساكن الطلبة والعلماء التي كانت مجانية. ونقصت قيمة العملة المتداولة، فلم تعد الوظيفة التي أصبح عليها رجال الدين يكفي دخلها، ولذلك لم تعد أمرا ممتازا يتنافسون عليه. وقد زاد أولياء التلاميذ في أجور المعلمين (المؤدبين) ولكن غلاء المعيشة أدى بالعائلات إلى توجيه الأبناء إلى أعمال أخرى أكثر ربحا، كما توقفوا عن استقبال الأقارب وأبناء الأعراش من خارج قسنطينة. بينما تدهور حال المدرسين والعلماء وافتقروا وأصبحوا متذمرين. وأدى كل ذلك إلى انخفاض مستوى التعليم ونقص مدته والمواظبة عليه. وكانت نتيجة هذا الوضع في مدينة قسنطينة هي رحيل التلاميذ القادرين إلى زوايا المناطق غير المحتلة بعد، مثل منطقة زواوة ومناطق الجنوب، طلبا للعلم. هذه الصورة السوداء التي رسمها تقرير الجنرال بيدو عن التعليم في قسنطينة وتدهوره وبعثرة أهله يتفق معه فيها زائر انكليزي زار هذه المدينة في نفس الفترة تقريبا. يقول الرحالة بلاكسلي: كانت الأوقاف كثيرة، وهي مورد التعليم المجاني. وكانت تزيد أحيانا عن حاجة المدرسة والمسجد فيخصص منها جانب للفقراء أيضا. وقد حضر بلاكسلي مع المستشرق شيربونو درسا كان يلقيه بعض المدرسين فقال أنه مدرس يمتاز بالذكاء والجاه، وكان الدرس في تفسير القرآن الكريم. أما في وقت الزيارة فقد أصبحت المدارس والمساجد والزوايا (مهجورة وخرابا في كل مكان بالجزائر). كما أن فقر السكان الذي جاء في أعقاب مصادرة أموال الأوقاف كان بدون شك السبب الرئيسي في هذا الخراب، رغم أن الحرب كانت سببا آخر أيضا (١). ونفهم من ذلك أنه بعد الاستيلاء على المدن ومصادرة الأوقاف وهجرة العلماء، قصد المتعلمون الراغبون المناطق البعيدة عن الفرنسيين لمواصلة

стр. 992

تعلمهم العربي والإسلامي، ومنه ذلك التعليم الذي كان منتشرا في مدارس وزوايا منطقة زواوة. ويقول تقرير كتب عن بجاية وما حولها سنة ١٨٤٠ أن كل دشرة (قرية) كان لها طالب يحسن اللغة العربية، وهو يقوم في نفس الوقت بوظيفة إمام المسجد، ويعلم الأطفال الكتابة والقراءة وحفظ القرآن، وله أجر يشترك فيه الجميع، وكان بعض هؤلاء الطلبة قد حصلوا على مبادئ الفقه في الزوايا، وهم يحكمون بالصلح بين الناس أيضا. وفي كل قبيلة أماكن مخصصة للتعليم وتكوين التلاميذ في المواد التي ذكرناها، في أماكن عادة تكون قريبة من الزاوية التي فيها أو كان فيها مرابط اشتهر بين الناس بالورع والتقى. والدراسة مجانية ومدتها غير محددة، والجميع، المعلمون والتلاميذ، يعيشون من تبرعات وإحسان القبائل المجاورة، وأحيانا من مداخيل مخصصة لهم بمقتضى الأوقاف التابعة للزاوية منذ عهود سالفة. والزاوية مكان مقدس لدى الجميع ولا أحد يجروء على انتهاك حرمتها. وأبرز هذه الزوايا في المنطقة هي زاوية شلاطة التي كانت تبعد مسافة يومين عن سوق بجاية، وهي تقع على الضفة اليسرى لوادي آقبو. وتسمى أيضا زاوية ابن علي الشريف. ولها سمعة علمية تجاوزت حدود الجزائر إذ كانت الهدايا تأتيها من فاس وتونس وأسطنبول (١). وفي دراسة هانوتو ولوتورنو عن منطقة القبائل (٢) ما يؤكد هذه الظاهرة كما سنرى، فقد قالا إن كل فرد في المنطقة يعرف القراءة والكتابة، وللسكان مدارس عامة، واعتزاز قوي بدعم هذه المدارس إذ يرون في ذلك واجبا دينيا ونخوة خاصة. ولغة التدريس هي اللغة العربية والمواد كلها إسلامية، وهي تتبع المنهج الإسلامي. والتعليم في هذه المؤسسات على مرحلتين: ابتدائي وثانوي. وهناك بعض المدارس الخاصة تحت إشراف المرابطين، وهم يقومون عليها بحماس ديني قوي، فهم يستقبلون العديد من الشباب

стр. 993

ويوفرون لهم المسكن والمأكل، ويعلمونهم مجانا، وكان التعليم نفسه عموميا. وهذه الظاهرة كانت عامة، كما لاحظها مختلف الكتاب، ونعني ظاهرة انتشار الكتابة والقراءة وحفظ القرآن في المدن والأرياف على السواء، حسب برنامج موحد يقوم على دراسة العلوم الإسلامية باللغة العربية. ولاحظ أحد الضباط الفرنسيين أن منطقة ميزاب كانت تتبع نفس المنهج وبحماس كبير حتى أنه لا يوجد إلا عدد قليل جدا هناك لا يعرف القراءة والكتابة. وقال أن أعمال الحساب عندهم منتشرة حتى أن تجارهم في مدن التل يقومون بالحسابات في سجلاتهم دون وسائط. والتعليم عندهم يجري في المساجد على يد (الطلبة) أيضا. وكل مدينة لها جامع خاص بذلك. لكن السكنى للطلبة كانت في أماكن مخصصة لهم خارج المسجد، والطلبة (المعلمون) لا يأخذون أجرا من أولياء التلاميذ، وكل أجورهم يأخذونها من الأوقاف. وتوزع مداخيل الوقف نوعا لا نقدا (١). هذا عن التعليم الابتدائي، أما الثانوي فيحصلون عليه في المساجد الكبيرة بالدروس العامة المتطورة أو بالهجرة في سبيل العلم إلى مناطق أو بلدان أخرى. فإذا كان حال العلم غداة الاحتلال هو الازدهار والانتشار والاحترام، فأين هو بعد ربع قرن من ذلك؟ لقد أهمل الفرنسيون التعليم في المدن والأرياف، على السواء، لأسباب مختلفة منها اغتصاب موارده، وكثرة الحروب، ومشاركة الطلبة في واجب الجهاد. وبعد ضعف التعليم بل نكاد نقول انهياره في المدن على إثر الاحتلال، بقي التعليم في الزوايا والمعمرات، فخرج إليها التلاميذ واغتربوا فيها طلبا للعلم والمقاومة الثقافية. وبعد نجاح الاستعمار في التوغل في الريف أيضا ومراقبة المعلمين

стр. 994

والتلاميذ ضعف التعليم هناك أيضا وحوصر إداريا بالقوانين ولغويا بالفرنسية، سيما منذ الستينات، وفي هذه الأثناء نشأت زوايا جديدة مثل زوايا الهامل وأولاد جلال وقصر البخاري، وفتحت زاوية نفطة أبوابها للجزائريين، وظلت زوايا زواوة مستمرة في التعليم إلى ثورة ١٨٧١. وكل هذه الزوايا ترجع إلى الطريقة الرحمانية عدا زاوية قصر البخاري التي كانت شاذلية. ومع ضغط الاستعمار في عهد الجمهورية الثالثة كادت حركة التعليم العربي - الإسلامي تختفي، وهكذا ارتمى الناس في أحضان الطرق الصوفية والغموض والدروشة، واعتقدوا أن الخلاص لم يعد بالسلاح ولا بالتعليم ولكن ببركة الشيخ الصوفي والمرابط. وسنعرف التطور الذي حدث منذ العشرية الأخيرة من هذا القرن، سواء في ميدان التعليم العربي الإسلامي أو في الميدان السياسي والفكري أو في الميدان الصوفي. أما في الناحية الغربية فقد أصيبت حركة التعليم بالشلل، نتيجة الحروب القاسية أثناء المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر. فقد تعرضت المدن الرئيسية إلى تبادل الأيدي عدة مرات. فهذه تلمسان ومعسكر، ومستغانم ووهران، تعرضت جميعا إلى خروج أهلها منها عدة مرات، ومنهم بالطبع المعلمون والتلاميذ. وتوقفت مدرسة مازونة عن وظيفتها مدة طويلة، وتعرضت المكتبات والمساجد والزوايا والمدارس إلى النهب والهدم، والهجران. وقد اعتمد الأمير عبد القادر على فئة العلماء والمثقفين في إدارته، فجعل منهم القضاة والخلفاء والكتاب. ورغم اهتمامه بالتعليم في الخيام وفي المدن التي كانت تحت يده، فإن حركة التعليم قد تأثرت بشدة، ونفس الشيء يقال عن مليانة والمدية اللتين كانتا تابعتين لحكم الأمير إلى سنة ١٨٤٠. ومن الزوايا الريفية في الجهة الغربية زاوية القيطنة التي توقفت أيضا عن أداء مهمتها في التعليم أثناء المقاومة، سيما بعد ١٨٣٦. وقد عاشت هذه الظروف زاوية سيدي محمد بن عودة ناحية زمورة الغربية، وزاوية سيدي العريبي نواحي مينة، والتي يمتد نفوذها من مستغانم إلى أم السنام (الأصنام قديما)، وزاوية أولاد سيدي دحو، بمعسكر، وزاوية أولاد سيدي الشيخ

стр. 995

بالبيض، وزاوية أولاد سيدي عمار بن دوبة (كاشرو) الخ. ومنذ حوالي الستينات ظهرت زوايا جديدة نصبت نفسها للتعليم العربي الإسلامي رغم المراقبة والمضايقة الفرنسية والقيود القانونية وجفاف الموارد. ومن ذلك زاوية أولاد الأكراد بتيهرت (تيارت). وقبل أن نختم هذه الفقرة حول وضع التعليم العربي الإسلامي غداة الاحتلال في رأي الكتاب والملاحظين، نذكر أن بعضهم قد حكم على هذا النوع من التعليم بالفشل لأسباب: منها ما ذكرنا كالحروب ومصادرة الأوقاف الخ. ومنها اختفاء الطلبة والعلماء حتى أنه لم يبق منهم إلا بعض الطاعنين في السن، وفيهم من لا يكاد يعرف القراءة والكتابة (إنهم طاعنون في السن وإن جهلهم لا يعادله إلا البؤس العميق). الذي أصبحوا عليه. ومعنى ذلك أن الفرنسيين انتظروا عن قصد إلى أن أصبح وضع هذا التعليم كالمريض الميؤوس منه. وبعض الذين بقوا من متعلمي الزوايا قد تولوا وظائف أخرى غير التعليم الذي أصبح، كما لاحظ تقرير بيدو، تعليما لا يعيش أسرة ولا يقيم الأود. وتعترف بعض المصادر الفرنسية بأن اختفاء التعليم العربي - الإسلامي أو فشله يرجع أيضا إلى هدم العديد من المدارس والزوايا أثناء الثورات المتأخرة مثل ١٨٥٧، ١٨٦٤، ١٨٧١. وقد حدثت الأزمات الاقتصادية خلال الخمسينات والجوائح الماحقة بين ١٨٦٧ - ١٨٦٩. ثم إن الزوايا كانت تعيش من الأوقاف (الأحباس) إلى سنة ١٨٦٣، ولكن في هذه السنة صدر المرسوم الشهير حول تمليك الأرض والذي قضى على أوقافها أيضا إذ كان كثير من الزوايا يعيش على الأرض الموقوفة، فلم يبق للزوايا بعد ذلك من الموارد سوى الزيارات التي يأتي بها أتباع الزوايا في مواسم معينة، وقد تدخلت السلطات الفرنسية في هذه الزيارات أيضا فمنعتها عمن تشاء وأبقتها فقط لبعض من الشيوخ الذين خدموا فرنسا بإخلاص. وليس السبب الاقتصادي هو وحده الذي كان وراء فشل الزوايا في أداء دورها - والتعليم من أبرزه - ذلك أن مجالات العمل أمام المتخرجين منها أصبحت معدومة تقريبا. فالفرنسيون كانوا يعتبرونها ملجأ للتعصب الديني

стр. 996

والتراث العربي الإسلامي. ولذلك زعزعوها من جذورها. ولم يكونوا يثقون في المتخرجين من الزوايا ولا من الذين يتخرجون من القرويين أو الزيتونة أو من الأزهر. وقد أسسوا المدارس الشرعية الرسمية الثلاث لتخريج من يحتاجونه في الوظائف الدينية والقضائية دون الحاجة إلى خريجي الزوايا أو معاهد المغرب أو تونس أو مصر. وبنى الفرنسيون بعض المدارس الابتدائية العربية - الفرنسية لتنافس تعليم الزوايا والمعمرات وللتأثير على جيل من المتعلمين لا رابطة بينه وبين ما يسمى التعليم الديني أو التقليدي. ولم يعد في استطاعة الزوايا التوسع في أوساط الأعراش وفي المدن كما في الماضي لأن مرسوم الأرض المشار إليه أخذ صلاحيات كثيرة من القيادات العربية السابقة وبدأ في تدجينها بتقليص مساحات نفوذها ونزع أهم اختصاصاتها وإدخال منافسين جددا ليسوا من أهل السيف. وبذلك ضعف التعاون الذي كان بين أصحاب الزوايا (المرابطين) والأجواد أو الحكام في هذا المجال، ونعني به مجال التعليم. وما دامت الزوايا لم تجد طريقا للتوسع فقد انطوت على نفسها، كما ذكرنا، واستعملت وسائل أخرى ربما تكون غير علمية كالاكتفاء بتحفيظ القرآن، واللجوء إلى اتخاذ الرموز والتلغيز وكتابة الحروز، وتمني الأماني على الله. ولكن يجب ألا يفهم من هذا اختفاء الزوايا ودورها التعليمي تماما. فرغم التدهور الذي أصابها خلال الستينات، كما ذكرنا، فإنها قد استمرت في أداء مهمتها في بعض المناطق كالجنوب وزواوة والأوراس. وكان بعضها يكتفي بالحد الأدنى (المسموح به) وهو تحفيظ القرآن الكريم ومبادئ الدين كزاوية تماسين التجانية وزاوية قمار، وزاوية أولاد الأكراد وزاوية العطاف، وبعض زوايا المدن التابعة للطرق الصوفية كالحنصالية في قسنطينة. ويذهب روبير آجرون إلى أن السلطات الفرنسية قد قامت بغلق بعض الزوايا اعتباطيا، تبعا للضغط عليها من الكولون، بعد ١٨٧٠ (١). ولعل ما زاد في إضعاف دور الزوايا التعليمي قبول بعض رجالها التوظف في الوظائف المدنية

стр. 997

الفرنسية بعد الثمانينات (١). ولكن كل ذلك لم يجعل الزوايا ترفع العلم الأبيض. فقد بقي (في الزوايا خبايا) كما يقولون، ومن هذه الخبايا سيتخرج جيل مطعم بالتأثير العربي الإسلامي وبالجو العام الفرنسي، وسيكون هو العمود الفقري لحركة الإصلاح القادمة. وقد وجد هذا الجيل احتياطيا قويا في خريجي المعاهد الإسلامية الذين كانوا مهمشين وغرباء في بلادهم، إلى أن فتح الفرنسيون مجال التعليم من جديد في عهد كامبون، بشرط طلب الرخصة حسب قانون أكتوبر ١٨٩٢، فأقدم الجزائريون على إحياء التعليم في مختلف مجالاته، في الزاوية والمسجد والمدرسة. وعند حديثنا عن الشيوخ الذين أوكل إليهم التعليم المسجدي سنعرف من كان منهم خريج الزاوية، ومن كان خريج المدرسة الشرعية، ومن درس في المعاهد الإسلامية خارج الجزائر. تلك آراء ومواقف الفرنسيين وبعض الأروبيين من التعليم العربي الإسلامي في الجزائر ومصيره. وقد اعتنى عدد من الجزائريين أيضا بهذا التعليم، بل دعاته، وانتقد منهجه ودعا إلى إصلاحه وتطويره. ومن الجزائريين من وظفته السلطة الفرنسية للدعوة إلى التعليم الفرنسي فقط، كما سنرى ذلك في آراء كتاب جريدة (المبشر). ولكن معظم الجزائريين لم يدعوا إلى نبذ تراثهم التعليمي، بل دعوا لتطويره لكي يتماشى مع الروح الإسلامية نفسها ومع روح العصر. ومن هؤلاء عبد القادر المجاوي في رسالته (إرشاد المتعلمين) وبعض كتبه الأخرى، ومحمد بن أبي شنب في ترجمته لبعض النصوص المتعلقة بالتربية عند المسلمين، ومحمد السعيد بن زكري في رسالته (أوضح الدلائل). وكل هؤلاء فعلوا ذلك قبل ظهور الحركة الإصلاحية الباديسية. وفي عهد هذه الحركة وقع تطوير التعليم العربي الإسلامي فعلا، وحلت المدرسة، كما قال جوزيف ديبارمي، محل المسيد (أو المكتب)، وحل المعهد محل الزاوية، بل أن الزاوية طورت نفسها أيضا لتواكب العصر والحاجة.

стр. 998

وقد لخص الشيح أبو يعلي الزواوي حالة هذا التعليم في جمل قصيرة ومفيدة سنة ١٣٦٧ هـ في مقالة نشرها في البصائر. فوصف التعليم العربي الإسلامي بأنه كان بدون إشراف الحكومة في العهد العثماني وأنه كان يكتفى بتعليم القرآن والعربية تبركا فقط، وأن الزوايا وغيرها لم تكن تتبع إدارة موحدة ولا برنامج يضبط مراحل التعليم، ثم قال: (وبينما نحن كذلك ... إذ استولت علينا فرنسا فصار الأمر ضغثا على إبالة، فتمادى عدم الفرض على طلب العلم وفقدان الباعث ... فالحكومة الفرنسية اعتنت بلسانها فبثته وأيدته وعززته، فتوقف الكثير من الناس، ولم يرغبوا فيه خشية أن يتفرنجوا ويتفرنسوا ويتخلقوا بخلق الإفرنج المباينة للعربية والإسلامية. ثم هم كذلك إلى ما بعد ثورة عام ١٨٧١، فتم الاستيلاء على جميع الوطن جبرا وقهرا، فتمكنت الحكومة في البادية (١)، التي كانت بمعزل عن التعليمين العربي والإفرنجي، فأسست المدارس الفرنسية، وألزمت الناس ببعث أولادهم إلى تلك المدارس إجبارا، وقررت لذلك عقوبات للمتخلف فتم الدست على العربية وخلفتها الفرنسية، وأقيمت مقامها، فالأولاد الذين كانوا يقرأون العربية تركوها فصاروا يقرأون الفرنسية منذ نحو ثلثي القرن. ثم من الطامة الكبرى أن قد صار المعلمون في تلك المدارس الفرنسية ينهون عن العربية بأنها تتعب الأولاد وتشوشهم وتكلفهم ما لا يطيقون، وأن لا بد من الاقتصار على الفرنسية، وأن من خالف ذلك أو قاوم أو نازع يعاقب بالأنديجينية، فانعدمت العربية ...) (٢). والشيخ أبو يعلى يقصد هنا الصراع بين اللغتين في مراحله المختلفة. ولا يفهم منه أن الفرنسية كانت منتشرة لتعليم الجزائريين

стр. 999

لأننا عرفنا أن نسبة المتعلمين منهم أيضا كانت ضئيلة جدا. التعليم في المدارس القرآنية كل مسلم تقريبا يعرف طريقة حفظ القرآن التقليدية عند الأطفال: الجامع في المدن، والشريعة (الخيمة) في البادية، والمؤدب، واللوحة، وقلم القصب، ودواة السمق، والطين، والعصا، والجلوس المربع، ورفع الأصوات بالقرآن عند الحفظ، والتنافس على الحفظ بين الأطفال، ثم الختم والاحتفال به في المنازل، وأخيرا التخرج كطالب والقرآن في الصدر، كما يقولون. لكن هذا تبسيط كبير للموضوع. وهو ما آل إليه تعليم القرآن في العهد الفرنسي. لقد درس الفرنسيون وضع هذا التعليم منذ أوائل الاحتلال، ورأوا أنه تعليم قاعدي تنبني عليه الدراسات الإسلامية في البلاد، وفي العالم الإسلامي كله. فإذا حاربوه ومنعوه ثارت عليهم ثائرة السكان، فاتفقت كلمتهم على الإبقاء عليه مع تجريده من مؤسساته في المدن، كما سنرى، والتحكم في المؤدبين من الناحية المالية والفكرية، وقطع التواصل بينه وبين التعليم المتوسط والثانوي، ومنع المؤدبين من تجاوز الحفظ إلى التفسير والتفهيم أو تعليم أي مادة أخرى معه، ثم إنشاء المدارس الضرة إلى جانبه، ونعني بها المدارس الفرنسية ذات الطراز العصري والبرنامج العملي والمنهج المتطور. وبذلك أصبح حفظ القرآن نوعا من العبادة فقط كالصلاة التي لم يمنعها الفرنسيون أيضا. ولكنه حفظ لا يقدم شيئا للمتعلم في الحياة إلا العقيدة في البركة. وقد حاولت بعض الزوايا منذ الستينات أن تربط بين حفظ القرآن وبرنامج التعليم، فكان التلاميد فيها ينتقلون من الابتدائي القرآني إلى المتوسط فالثانوي. وبذلك استمرت تجربة التعليم القديمة في هذه الزوايا. وكان المتخرجون منها يدخلون أحيانا إحدى المدارس الشرعية الرسمية (قبل ١٨٧٦)، ويتفوقون في مسابقاتها على زملائهم. وكان بعضهم أيضا يغترب في المغرب أو تونس لمواصلة التعليم، ولكن الأغلبية الساحقة كانت تكتفي بما حصلت عليه في الزاوية لعدم وجود غيره، وقد بقيت قاعدة تعلمهم هي

стр. 1000

حفظ القرآن الكريم. ومن جهتهم لجأ الفرنسيون لجلب المسلمين إلى المدارس الفرنسية القليلة التي أنشأوها منذ ١٨٥٠ (حوالي ٣٦ مدرسة في الجملة) إلى إدخال مادة حفظ القرآن فيها والعهد بها إلى (طالب) مسلم. وكاد التلاميد في هذه المدارس يحفظون القرآن بطريقة جديدة، وهي الجلوس على المقاعد وفتح المصاحف وحفظ الآيات التي يعينها الطالب لهم. ولكن هذه التجربة كانت قصيرة الأمد إذ أن الغرض منها هو، كما قلنا، جلب أبناء المسلمين إلى المدارس الفرنسية والتغلب على الفكرة القائلة أن الفرنسيين سينصرون أولاد المسلمين. لقد كان نوعا من التحايل المؤقت، ذلك أن التلميذ بعد مادة القرآن كان يتفرغ كلية للغة الفرنسية وموادها وتاريخ فرنسا وجغرافيتها وعلومها الخ. ثم أن المدارس المذكورة قد ألغيت بقرار سنة ١٨٧١، كما سبق. ولقد كان الجزائريون مستعدين للتطور لو وجدوا من يأخذ بيدهم إليه. فبعد أن أمكن لفكرة التعليم أن تنتشر قاموا بتنظيم مدارسهم القرآنية، وأصلحوها وربطوا بين أجزاء التعليم. وأصبح التلميذ في المدرسة الإصلاحية العصرية يحفظ القرآن ويقرأ العلوم الأخرى المكملة له. كما يدرس العلوم العملية واللغات. وهذا هو دور المدارس الحرة التي بدأت تجربتها سنة ١٩١٣، ولكنها نشطت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وهذا لا يعني اختفاء التعليم القرآني التقليدي. بل إنه نشط وتوسع مع الإيمان بضرورة التعلم ومع وجود الرابطة بينه وبين المدارس الابتدائية الجديدة. ... أما من الناحية التاريخية فعلينا أن نبدأ من البداية. فما مصير المدارس القرآنية مثلا في المدن التي استولى عليها الفرنسيون كالجزائر وقسنطينة وبجاية وغيرها؟ كان بمدينة الجزائر أكثر من مائة مدرسة قرآنية عند الاحتلال (١). ولكن مصيرها كان مصير المساجد والزوايا، وهو الهدم أو

стр. 1001

التحويل عن الغرض الأصلي بجعلها مخازن ودكاكين، أو إعطائها إلى جمعيات فرنسية. وكانت معظم المدارس القرآنية ملاصقة للجامع أو الزاوية، فهي جزء منه أو منها، وهي داخلة في الاستفادة من الأوقاف من جهة الصيانة والإضاءة والتجهيز بالماء ونحوه. وهذه قائمة لبعض المدارس القرآنية التي هدمت منذ الاحتلال في مدينة الجزائر، مع تاريخ هدمها (١). ولاحظ أنها تذكر إلى جانب المسجد أو الزاوية التي كان مصيرها في الغالب واحدا: ١ - مدرسة تابعة لجامع ساباط الحوت (جامع البطحاء)، شارع القناصل، تاريخ الهدم ١٨٥٤. ٢ - مدرسة جامع السلطان، شارع تريكولور، تاريخ البيع والهدم ١٨٣٨. ٣ - مدرسة جامع خير الدين (جامع الشواش)، قرب مدخل الجنينة، هدمت مع قصر الجنينة ١٨٣١. ٤ - مدرسة جامع ستي مريم (جامع ابن نيقرو)، تاريخ الهدم ١٨٣٨. ٥ - جامع مدرسة فرن ابن شاكر، شارع طولون، بعد جعله ثكنة، حول إلى مدرسة للبنات المسلمات (٢). ٦ - جامع سوق الكتان، شارع الباب الجديد، بعد استعماله من المصالح العسكرية. جعل مدرسة فرنسية (ودادية) ثم هدم.

стр. 1002

٧ - مدرسة جامع الشيخ الثعالبي (وهو غير الزاوية الحالية)، شارع لاشارت، تاريخ الهدم ١٨٥٩. ٨ - مدرسة جامع الرحبة القديمة، كان الجامع يستعمل مدرسة قرآنية، هدمت وضمت إلى إحدى الدور، ١٨٤٠. ٩ - مدرسة بجوار الجامع المذكور السابق، أعطيت لملاك أروبي، ١٨٤١. ١٠ - مدرسة جامع عبد ي باشا، منذ ١٨٧٠ وهي وهو ثكنة عسكرية. ١١ - مدرسة مسيد الغولة، ألحقت بمكاتب الكاتب العام للحكومة. ١٢ - مدرسة القهوة الكبيرة أو مدرسة (مسيد) ابن السلطان، هدمت ١٨٣٦. ١٣ - المدرسة العنانية (المولى بوعنان) كانت ملحقة بالجامع الجديد. مصيرها غير معروف لنا. ١٤ - مدرسة حي القيسارية، هدمت منذ بداية الاحتلال ودخلت في ساحة الحكومة (ساحة الشهداء). ١٥ - مدرسة جامع السيدة، بناها ساري مصطفى، هدمت مع الجامع، سنة ١٨٣٠. وهي أول عملية هدم لمؤسسة دينية - علمية. ١٦ - مدرسة (مسيد) الديوان. مصيرها غير معروف لنا. ١٧ - مدرسة ساحة الجنينة قرب زاوية الشرفة (الأشراف). لا نعرف مصير المدرسة لكن الزاوية المذكورة باعها وكيلها، كما قيل، إلى أحد الأروبيين سنة ١٨٣٢، وفي ١٨٤١ صادرتها السلطات وضمتها إلى المكاتب الرسمية. ١٨ - مدرسة (مسيد) الدالية، خربت ١٨٣٩. ١٩ - مدرسة زاوية الشبارلية. هدمت ودخلت في بازار (سوق) أورليان سنة ١٨٤٠.

стр. 1003

٢٠ - مسجد الركرك، يقوم مقام مدرسة قرآنية. هدم ١٨٣٩. ٢١ - مدرسة جامع الحاج حسين (أحد الباشوات، المدعو ميزمورطو)، هدمت المدرسة والجامع سنة ١٨٣٦، استمر الهدم ١٨ شهرا. ٢٢ - مدرسة كوشة بولعبة، هدمت ١٨٤١. ٢٣ - مدرسة مسجد سيدي الهادي، جعلها الفرنسيون مدرسة عربية - فرنسية (١)، ثم هدما معا ١٨٥٥. ٢٤ - مدرسة شيخ البلاد، من أحدث وأهم المدارس (٢)، هدمت ١٨٤٨. ٢٥ - مدرسة (مسيد) كوشة الوقيد. دخلت في الساحة التي أقامها الجيش الفرنسي بأعلى المدينة. ٢٦ - مدرسة (مسيد البرميل)، هدم سنة ١٨٥٥. إن هذه المعلومات استيقناها من ألبير ديفوكس الذي كتب عن الموضوع خلال الستينات. وبدون شك فإن عددا آخر من المدارس القرآنية كان مصيره أيضا الهدم والتعطيل والخراب لاغتصاب الأوقاف (٣). ويقول رحالة أوروبي زار مدينة الجزائر سنة ١٨٥٤، أنه لم يبق من حوالي مائة مدرسة سوى النصف. ولا نظن أنه بقي الكثير بعد ذلك. فقد استعمل الفأس والمطرقة والجراف في المساجد والقباب والزوايا، وكانت المدارس تنهار معها بالتبعية. وكانت معظم المدارس القرآنية في أعلى المدينة تبعا للمؤسسات الدينية والسكان. ولا شك أن سكان المدينة لم

стр. 1004

يهملوا أولادهم بعد ذلك، فقد أصروا على لسان المفتي الكبابطي سنة ١٨٤٣ على ضرورة تعلم أولادهم القرآن قبل كل شيء. ولعل بعضهم اضطر إلى جلب المعلمين (المؤدبين) إلى منازلهم. ونحن وإن كنا نعرف ما يجري في هذه المؤسسة وطقوسها ومنهج التعليم فيها فإننا نورد هنا وصفا حيا لبعض الزوار الأجانب للمدرسة القرآنية أو الكتاب. فيقول السيد بولسكي: إن حصة الحفظ تجري في مدرسة (مكتب) صغير مفتوح عادة على الشارع. وكل المارة يشاهدون ما يجري. الأرض مغطاة بالحصير، والتلاميذ يجلسون عليها حفاة متربعين. ويقف المؤدب وسطهم بعصا في يده. وللتلاميذ ألواح خشبية يكتبون عليها بأقلام مبراة من القصب. وهم يكتبون من إملاء المؤدب. وبعد أن يطلع المؤدب على ما كتبوا، يقرأون جميعا بصوت عال. إن هناك الكثير من الضجيج في هذه المكاتب (يعني أصوات الأطفال وهم يقرأون). وقلما يفقد المؤدب صبره، وقلما يستعمل العصا، وله شخصية مهابة، والتلاميذ غالبا ما يظهرون الحماس والاهتمام. ثم أن الصياح والقراءة العالية تشغل التلاميذ عما يجري في الشارع وعن الزوار. إن هناك علاقة متينة وثقة متبادلة بين المؤدب والتلاميذ. وقد يؤدب المؤدب التلميذ بكلمات يترتب عليها أسفه. وعلاقة الود والاحترام بين المؤدب والتلميذ تستمر مدى الحياة ولا تنتهي بالخروج من المدرسة. وعدد التلاميذ الحاضرين لا يكاد يتجاوز الإثني عشر. ويغادر التلميذ المدرسة إذا وصل عمره الرابعة عشرة. ويدفع كل واحد منهم إلى المؤدب حوالي ربع بوجو شهريا (١). وهذا وصف آخر لمدرسة قرآنية - في العاصمة أيضا حوالي ١٨٤٧. وفيه بعض الاختلاف يدل على أن التجربة غير واحدة للزآئرين. فالمؤدب هنا شيخ طاعن في السن، متكئ في المكتب، وله نظارتان قديمتان، وصوت متهدج ومرتعش. وبيده عصا قلما يستعملها. والمكتب عبارة عن دكان ضيق حشر

стр. 1005

فيه التلاميذ حشرا، وهم هنا حوالي ثلاثين تلميذا. كل تلميذ له لوح يكتب عليه بحبر معين. فهو يكتب الآيات ثم يحفظها بصوت واحد مع زملائه. ثم يمحو الآيات بعد أن تنقش في الذاكرة، وهكذا إلى آخر الحصة. وليس هناك شرح لأية كلمة. والتلاميذ لا يفهمون ما يقرأون. إذا حفظ التلميذ القرآن يسمى (طالبا)، وإذا أراد المزيد ليصبح فقيها فعليه أن يقصد المساجد ليتعلم على أيدي العلماء دروس الفقه وغيره من المعارف. ولكن القليل من التلاميذ فقط يفعلون ذلك. إن عدد هؤلاء العلماء قليل جدا، ولذلك فإن معظم الخريجين يبقون (طلابا)، وإذا رغب أحدهم في التجارة فعليه أن يتعلم الحساب، ولكن من النادر أن يصلوا إلى تعلم الكسور. إن الغني والفقير يشتركان في نفس التعليم ويحصلان على نفس الدرجة، مع فارق قليل، من الثقافة الفكرية. فتاجر التمر مثلا يعرف ما يعرفه البرجوازي، وهكذا (١). إن هذا النوع من التعليم كان يجري في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يغرون الجزائريين بإرسال أبنائهم إلى المدرسة العربية - الفرنسية (الحضرية) التي فتحوها سنة ١٨٣٦، وظلت يتيمة وفقيرة من التلاميذ. ونفس الموقف وقفوه بعد فتح ما سمي بالمدرسة العربية - الفرنسية سنة ١٨٥٠، وهي الوحيدة أيضا. وبينما أقبل يهود الجزائر وهم في نظر الفرنسيين، (أندجين) كالمسلمين، على تعليم أبنائهم في المدرسة الفرنسية، حتى لقد كان لديهم سنة ١٨٤٧ مدرستان إحداهما للبنين والأخرى للبنات - فإن المسلمين ظلوا خائفين على أولادهم من التعليم الفرنسي وتمسكوا بالتعليم القرآني وحده. ويثبت إحصاء سنة ١٨٣٨ إن عدد أطفال اليهود وحدهم بلغوا ٦٨٣ تلميذ في الابتدائي، بينما لم يتجاوز أطفال المسلمين في كل المناطق المحتلة سوى ٤١٧. (منهم ٣٥٢ في العاصمة، و ٤٥ في عنابة، و ٢٠ في مستغانم) (٢). وأمام الاستيلاء على الأوقاف وهدم المدارس، وإفقار المؤدبين وهجرة

стр. 1006

العلماء، تدهورت حالة التعليم القرآني في مدينة الجزائر، رغم إصرار الآباء على حماية أبنائهم. وكانت خطة الفرنسيين هي القضاء على هذا التعليم، كما أشرنا، دون مواجهة. فبدخول سنوات الخمسين وجدنا الكتاب يتحدثون عن تدهور ما بقي من المدرسة القرآنية في العاصمة. يقول موريل أن هدف هذه المدرسة (الكتاب) هو تحفيظ القرآن للأطفال، ولكن هذا الهدف قلما حصل. ذلك أن الفقر يمنع كثيرا من الآباء، من توفير أجرة المعلم البسيطة، ويجعلهم يسحبون أطفالهم بسرعة من المدرسة، إذا كانوا قد أرسلوهم إليها أصلا. وكانت في الماضي بعض المعلمات للبنات أيضا، ولكن الآن لم يبق منهن إلا النادر. فساد الجهل النساء المسلمات (١). وقد أكد ديتسون بعد عدة سنوات نفس الظاهرة، إذ قال أن الحضر يتعلمون، ولكن الفقر قد أضر بهم، لذلك يمكن القول أن أطفالهم قد بقوا جاهلين. ولكنه قال أن المدارس القرآنية متوفرة. ووصف إحداها بأنها تضم ٢٤ تلميذا، وقدم وصفا حيا آخر عن حياة هذه المدرسة (الكتاب) (٢). من مؤدبي مدينة الجزائر الذين تخرج عليهم تلاميذ كثيرون الشيخ سيدي عمرو. وقد أشاد به المفتي حميدة العمالي وقال أنه قرأ عليه القرآن وختمه على يده. ووصفه بأنه (شيخنا وبركتنا سيدي عمرو مؤدب الصبيان، وقد بلغ من العمر ما ينيف على التسعين سنة). وكان الشيخ سيدي عمرو قد أخذ على سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري مؤسس الطريقة الرحمانية في الجزائر. كان، كما قال العمالي، ورعا زاهدا. وعند وفاته سنة ١٢٧٥ (١٨٥٨) دفن في ضريح شيخه سيدي محمد بن عبد الرحمن بالحامة (٣). وهذا التنويه يثبت العلاقة الودية والاحترام الذي بقى بين الشيخ المفتي والشيخ المؤدب، كما أشار إلى ذلك من قبل أحد الكتاب الأجانب وكما هو

стр. 1007

واقع حال المؤدبين والتلاميذ في تقاليد الجزائريين. إذا كان بعض الكتاب، مثل ديفوكس وأوميرا، قد درسوا حالة البنايات الدينية فإنهم قلما درسوا حالة المدارس القرآنية إلا باعتبارها جزءا من المساجد أو الزوايا أو الأضرحة، بما في ذلك المدارس الثانوية مثل مدرسة الجامع الكبير ومدرسة القشاش. ولكن الفرنسيين عموما عرفوا العلاقة الوطيدة بين الدين والتعليم أو بين المسجد والمدرسة. وإذا كان مس المشاعر الدينية للمسلمين يخيفهم، فإن المس بالتعليم كان لا يخيفهم، ولذلك أهملوه وتركوه يموت بالتدرج. ولكن حركة التاريخ أبت ذلك. سبق أن عرفنا من تقرير الجنرال بيدو أن عدد المدارس القرآنية في قسنطينة سنة ١٨٣٧ بلغ ٩٥ مدرسة وأنه لم يبق منها بعد عشر سنوات (١٨٤٧) سوى ٣٠ مدرسة. أما الباقي فقد سقط بفؤوس ومطارق الحقد على كل ما هو إسلامي أو عربي في الجزائر. وإذا كانت مدرسة سيدي الكتاني (مدرسة صالح باي) قد انتعشت حين جعلت مقرا للدراسات الشرعية - الفرنسية، منذ ١٨٥١، فإن مدارس أخرى قد حولت عن وجهتها أو هدمت نتيجة مد الطريق الوطني (العربي بن المهيدي اليوم)، ونتيجة هدم دار الباي الحاج أحمد (١). من ذلك مدرسة جامع سيدي الأخضر التي بناها أيضا صالح باي، فقد عطلها الفرنسيون عن غرضها واغتصبوا أوقافها وجعلوها مقرا لكرسي (حلقة) اللغة العربية الذي أحدثوه ليتعلموا هم العربية ويعلموا الجزائريين الفرنسية. وكان السيد شير بونو أول من فتح ورأس هذا الكرسي وقام بهذه المهمة في المدرسة المذكورة، منذ ١٨٥٦. وكذلك حولوا جامع وزاوية (مدرسة) سيدي التلمساني إلى جمعية فرنسية - دينية تسمى (سيدات ليون باستور) سنة ١٨٥٣. وكان مصير مدرسة جامع رحبة الطابية أو الشيخ علي مخلوف (توفي ٥٨٦ هـ) أتعس من ذلك. إن قاعة الصلاة فيها (المصلى) قد حولت إلى إسطبل لخيول فرقة الصبايحية، ثم اندثرت،

стр. 1008

وبقيت المدرسة فقط فلم تترك لتعليم المسلمين ولكن حولت إلى مقر للجمعية الأثرية التي كانت تصدر المجلة الشهيرة ب (روكاي). وكان مع جامع سوق الغزل مدرسة أيضا، ولكن تحويل الجامع إلى كنيسة عطل المدرسة عن مهمتها (١). وهكذا تعرقل التعليم الابتدائي الإسلامي وتوقف الناس عن استقبال أبناء الريف في قسنطينة، كما لاحظ تقرير بيدو. وقد وقع لمدارس بجاية وعنابة نفس المصير بعد الاحتلال، لأنها كانت تابعة للبنايات الدينية التي وقع هدمها ومصادرة أوقافها. وظاهرة الفقر التي أشار إليها بعض الكتاب نتيجة توقف الموارد هي ظاهرة عامة، ولا سيما في المدن حيث ركز الاحتلال قواعده من البداية. فمدن مثل وهران ومستغانم عانت مدارسها نفس المصير الذي عانته فيها المساجد والزوايا والأضرحة، ومحاولة تعويض المدارس القرآنية بمدرسة عربية - فرنسية (٢). أما في الريف والمناطق غير المحتلة فقد استمرت المدارس القرآنية على أداء وظيفتها في مقاومة عنيدة، رغم أحداث المقاومة والثورات المتوالية. يقول الإسكندر بيلمار عن موقف الأمير عبد القادر من التعليم: لقد جعل التعليم مهمة أساسية، باعتباره سلطانا ومسلما، كما جعل من مهامه الأساسية رفع شأن الدين والعلم. ولكي ينتعش الدين الذي حارب به الفرنسيين، أنشأ الأمير مدارس يتعلم فيها الأطفال الصلوات وقواعد الإسلام والقراءة والكتابة. أما الذين يرغبون منهم في مواصلة التعلم، فكان عليهم أن يتوجهوا إلى الزوايا أو المساجد (٣). ومعنى هذا أن الأمير رتب التعليم من الابتدائي القرآني إلى الثانوي المسجدي إلى العالي أيضا. وقد كان خبيرا في ذلك ويعرف مراحل التعليم من زاوية جده في القيطنة، وكان هو قد درس

стр. 1009

على نفس الوتيرة، وكان يشارك بإلقاء الدروس على جنوده في التفسير وغيره. وبذلك كانت المدن التي تحت يده إلى حوالي ١٨٤٣ - مليانة، المدية، تلمسان، معسكر، تاقدامت، الخ - كلها تنشط في التعليم القرآني كأساس للدراسات الثانوية والعالية بالمنهج الإسلامي. ومنذ واقعة الزمالة (١٨٤٣) كان التعليم القرآني قد انحصر في الخيام رغم صعوبة الحياة ومطاردات العدو. في إحصاءات نشرت سنة ١٨٥١ جاء أن المدارس القرآنية في الريف بلغت ٨٥١ مدرسة وكانت كلها تعلم القرآن والكتابة والقراءة. ويتردد عليها حوالي ١٠، ٩٢٥ تلميذ. وهذا بفضل جهود المواطنين لأن الدولة الفرنسية لم تفعل شيئا، بل إن الحروب ومصادرة الأوقاف وإفقار العلماء جعل حركة التعليم تسوء (١). وفي تقرير رسمي رفع إلى رئيس الجمهورية الفرنسية سنة ١٨٥١ من قبل وزير الحرب، أنه لا وجود لتعليم فرنسي في الأرياف - البوادي -. ولا يتعلم الأطفال سوى القرآن على يد (الطلبة)، الذين يدفع الآباء إليهم مبلغا من المال، وأنه لا وجود لمدارس حائطية لذلك وإنما هناك خيام فقط. ومعنى هذا أن التعليم في الأرياف بعد عشرين سنة من الاحتلال بقي على حاله: نفس المكان، نفس المنهج، والجديد فيه هو فقط أن الدولة الفرنسية اغتصبت من السكان مواردهم وشردت معلميهم. والغريب أن صاحب التقرير يتحدث عن فرض غرامات جديدة على الجزائريين لتنظيم مدارسهم. وهو يصف ذلك بشيء من الزهو والاعتزاز. وقد كان على الدولة المحتلة أن تفعل شيئا إزاء ذلك ولكن الضباط في الأقاليم، كما يقول التقرير، (قاموا بفرض تضحيات مالية) على السكان من أجل تنظيم مدارسهم. وقد ذكر نماذج لذلك: بني سليمان (دائرة البليدة)، وثنية الأحد، وتنس، وسيدي بلعباس، ونواحي تلمسان، وسكيكدة، وباتنة. ففي هذه النقاط تأسست، حسب التقرير، مدارس من

стр. 1010

أموال الأهالي (١). ولكن أية مدارس؟ إنها ليست القرآنية بدون شك، وأنها ليست العربية - الفرنسية أيضا لأن هذه أنشئت بمراسيم وقرارات خاصة وعددها محدود وأماكنها كذلك، بحيث كان منها سنة ١٨٥١ ست مدارس فقط، فلعلها كانت إذن مدارس أنشأتها إدارة المكاتب العربية لفتح نواة للمدرسة الفرنسية الموازية للقرآنية، مستغلين في ذلك إنشاء المدارس الشرعية الرسمية الثلاث (واحدة في كل أقليم) وحماس الناس للتعليم بالعربية فيها، ولو كانت تحت السلطة الفرنسية. فقد كانت المدارس الثلاث المذكورة تقبل أبناء الزوايا وخريجي المدارس القرآنية، كما سنرى. والمنهج التعليمي كان موحدا تجده في الجنوب وفي الشمال على السواء. فهو في بسكرة والأغواط والبيض وهو في ورقلة وتقرت والوادي، وفي المنيعة وتوات وبشار بنفس النمط. وقد أشرنا إلى انتشار التعليم القرآني في ميزاب وعناية المواطنين هناك به، فالمدرسة القرآنية هي هي في كل مكان، ملاصقة للجامع في كل مدينة. وليس في ميزاب زوايا. وعلى رأس كل مدرسة أحد العزابة، فهو المدير والقائم بالتربية والتعليم، وإذا كثر التلاميذ يستعين بقدماء التلاميذ الذين معه. وتقوم المدارس القرآنية بتعليم وتحفيظ القرآن، وتعليم القراءة والكتابة والرسم القرآني، إلى جانب التربية الدينية كالعقائد وحفظ بعض الأحاديث، وأداء الصلوات، وحسن الأخلاق (٢). ومن الخطإ حصر دور المدارس القرآنية في تحفيظ القرآن الكريم، لأنه في الواقع يمتد إلى التربية الدينية والأخلاقية، وهذا هو الجانب الذي أراد الفرنسيون القضاء عليه، مع احتفاظهم باستظهار التلميذ للقرآن فقط. ولدينا صورة مفصلة عن التعليم القرآني في منطقة زواوة خلال الخمسينات رسمها الكاتبان هانوتو ولوتورنو (٣). عند إنشاء مدرسة تقوم (الجماعة) المشرفة على الحياة العامة، باستدعاء معلم، وهو عادة الإمام في

стр. 1011

القرية. ويقوم المعلم (المؤدب) بتعليم الأطفال في جامع القرية، بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الأطفال الجزائريون في كل مكان، فهو يحفظهم القرآن، أو بعضه، مع مبادئ القراءة والكتابة والدين. وهناك ثلاث حصص في اليوم مجموعها حوالي سبع ساعات ونصف: ثلاث ساعات صباحا، وثلاث في الظهيرة، وبين الساعة والنصف والساعتين في المساء قبل المغرب. يذهب الأطفال إلى مدرسة عند سماع الأذان الذي يؤديه المعلم نفسه. والعطلة عندهم تبدأ من ظهيرة يوم الأربعاء إلى ظهيرة يوم الجمعة. ولهم ثلاث عطلات سنوية، وهي ١٥ يوما قبل و ١٥ يوما بعد كل عيد أضحى وفطر، وعشرة أيام في عاشوراء. ومجموعها ٧٢ يوما. وتسمى فترة العطلات أو الراحة (تزويق الألواح) لأن التلاميذ عنئذ يزوقون ألواحهم برسومات مختلفة الألوان، ثم يمرون في مجموعات على البيوت مظهرين الرسومات أو التزويقات، ويطلبون البيض من النساء. ومن تفاصيل هذه الصورة أنه من حق المعلم (المؤدب) معاقبة التلاميذ يدويا إذا رأى ما يستوجب ذلك. ومن العقاب جذب الأذن، والضرب بالعصا التي لا تفارق المعلم. وقد يرى إبقاء التلميذ في الجامع بعض الوقت دون أكل أو شرب. ومصاريف التعليم يقوم بها أهل القرية. ولا يشترك المرابطون في الدفع رغم أن أولادهم هم المستفيدون الأولون من التعلم. وقد تقرر الجماعة أن يدفع كل ولي تلميذ، مبلغا سنويا للمعلم يختلف من ٥ إلى ١٢.٥٠ فرنك. وإذا لم يجمع هذا المبلغ الإجباري يتطوع الأولياء بدفع هدايا للمعلم، حسب حظوظهم وثروتهم. أما في الزوايا التي فيها المرابطون فقط فإن الآباء هم وحدهم الذين يدفعون راتب المعلم. وإذا كان المعلم بدون عائلة وغريبا عن القرية فإنه يأكل بالتناوب عند العائلات التي لها تلاميذ، والنوبة تكون على الدار وليس على عدد التلاميذ الذين يقرأون. وهناك حياة اجتماعية ملازمة لتعليم القرآن. فيوم افتتاح المدرسة يقيم الآباء مادبة يحضرها المعلم والتلاميذ والأولياء وأعيان القرية أو الزاوية. وتسمى هذه المناسبة (زردة). وفي نفس اليوم يقدم التلاميذ هدية من النقود

стр. 1012

لمعلمهم تختلف من حوالي ٦٠ سنتيم إلى فرنك واحد. ولكن العائلات الغنية تظهر عندئد سخاء ملفتا للنظر. وعندما يبدأ التلميذ في حفظ القرآن تقوم عائلته بتحضير وجبة يحضرها المعلم والتلاميذ، وأثناءها تقدم هدية جديدة للمعلم. وهناك حفلة كبيرة تقيمها العائلة أيضا إذا حفظ التلميذ القرآن الكريم كله، وهي عادة تكون عشاء عاما بالكسكسي واللحم. لا شك أن هذه التفاصيل ليست خاصة بمنطقة زواوة، وأن كل الذين مروا بهذه الطريق، مهما كان مكانهم، سيذكرون العادات والتقاليد الملازمة للمدارس القرآنية. وقد تختلف التفاصيل والجزئيات كأجور المعلمين وسن دخول التلاميذ وخروجهم، وتوزيع الحصص، وما إلى ذلك. ولكن المؤكد أن المنهج واحد، وهو منهج لم تضعه دولة ولا وزارة ولا حزب ولا لجنة معينة، إنه منهج وضعه الدين والحاجة إلى صيانته وعبادة الله في أحسن وجه، والجميع يشتركون في تقديس القرآن، واحترام العلم، وحرمة المعلم. وذلك هو مبلغ علمهم. وعندما وقع الاحتلال وتغلغل الفرنسيون في البلاد وتسربوا إلى صفوف العباد، حاولوا أن يضعضعوا هذه العلاقة بين السكان والدين، وبينهم وبين اللغة، ثم بينهم وبين أنفسهم. إذا كان التعليم القرآني قد أصيب بنكبة في المدن منذ الاحتلال للأسباب التي ذكرناها، فإنه قد أصيب أيضا في الأرياف إصابة قوية منذ ١٨٧١، لأسباب مختلفة، منها القضاء على مدارس وزوايا منطقة زواوة، وتغلغل الآباء البيض فيها، وإجبار الأهالي هناك على إرسال أطفالهم إلى المدرسة الفرنسية فقط (١)، دون غيرهم من الجزائريين. ومنها احتلال ميزاب منذ ١٨٨٢ وفرض المراقبة على حركة التعليم التي كان يديرها الشيخ محمد بن يوسف أطفيش هناك ومحاولته توحيد الجهود من أجل بعث تعليم حيوي قائم على تعاليم الإسلام وتقاليد السلف. ومنها أيضا التسرب إلى المناطق الصحراوية مثل وادي سوف ووادي ريغ وورقلة وتوات وتيديكلت، واستعمال الطرق الصوفية لهذا الغرض، وهي الطرق التي لم يعد لها سر. ومن جهة أخرى أدت ثورة بوعمامة (١٨٨١)، إلى السيطرة على منطقة

стр. 1013

الجنوب الغربي وضرب زاوية أولاد سيدي الشيخ وبعثرة الحركة التعليمية أيضا في الجهة. وفي الأوراس قامت ثورة العمري ثم ابن جار الله خلال السبعينات مما أدى إلى تشديد قبضة السلطات الفرنسية على الطرق الصوفية هناك وحتى على القياد والعناصر البارزة التي كانت، رغم خدمتها لفرنسا إداريا، تساند حركة التعليم القرآني. ومن جهتها قامت الجمهورية الثالثة بإجراءات انتقامية ضد الجزائريين،. فإلى جانب غلق المدارس القرآنية والزوايا في مناطق الثورات، ومصادرة الأراضي الباقية في أيدي الثائرين وإعطائها إلى مشردي الألزاس واللورين، فرضت الضرائب الثقيلة على المشاركين في الثورات من قريب أو من بعيد، ونفت الأعيان و (الطلبة) الذين رأت فيهم الأعداء الدائمين. وقد ضرب ذلك الإجراء حركة التعليم القرآني في الصميم، لا سيما في الأرياف، بعد أن ضربها في المدن. وقد زاد الطين بلة أن الجمهورية الثالثة ألغت التعليم الابتدائي المزدوج الذي كان قد بدأه العسكريون سنة ١٨٥١، فألغت تلك المدارس القليلة بقرار، ودمجت المعهد العربي - الفرنسي (الكوليج) في الجزائر وقسنطينة، في الثانويات الفرنسية. وأحكمت قبضتها على المدارس الشرعية الرسمية المعدة لتخريج القضاة ونحوهم. وقد استمر هذا العداء للتعليم القرآني وغيره، إلى بداية التسعينات. واذا شكا الجزائريون من إهمال تعليمهم رغم دفعهم الضرائب الثقيلة المتنوعة للميزانية ورغم حقوقهم المشروعة والمهضومة في الأوقاف، أجابهم بعض ممثلي الكولون في شيء من السخرية والاستعلاء: أن لديهم (أي الجزائريين) أكثر من ألفي مدرسة قرآنية، ألا يكفيهم ذلك؟. حقيقة أنه كان للجزائريين حوالي هذا العدد من المدارس القرآنية، ولكن التعليم العربي الإسلامي يشكل حلقات متواصلة، ولا يتألف من حلقة واحدة. فالابتدائي يحتاج إلى المتوسط وهذا إلى الثانوي، وهكذا. ومن أين يتغذى إذن التعليم القرآني إذا انعدمت الدروس المسجدية الرفيعة وحلقات الزوايا المفيدة ونهبت كنوز المخطوطات، وغاب مشاهير العلماء والفقهاء؟

стр. 1014

إن هذه الحلقة هي التي حطمها الفرنسيون منذ الاحتلال وجردوا التعليم القرآني من كل حيوية، ومنعوا المؤدبين من تفسير الآيات وتفهيم التلاميذ محتوياتها، كما قطعوا الصلة بينهم وبين التعليم المسجدي وتعليم الزوايا الذي هو الحلقة الوسطى إلى الثانوي والعالي. فلا غرابة إذن أن يقول لوروي بوليو L.Beaulieu سنة ١٨٨٦ أن معلمي المدارس القرآنية جهلة تقريبا، وهم لا يعرفون إلا القراءة والكتابة، وهم في العادة من خريجي الزوايا. ثم أنهم يسمون (الطلبة)، ولهم رخص لتحفيظ القرآن يمنحها لهم حاكم المنطقة العسكري. ولا شك أن حديثه هنا يصدق على التعليم القرآني في الريف حيث يعيش معظم الجزائريين وحيث الزوايا كان لها صوت نافذ. ويرى السيد بوليو أيضا أن عده هذه المدارس (القرآنية) قد قدر سنة ١٨٧٨ بما يقرب من ألفي (٢٠٠٠) مدرسة، يتردد عليها حوالي ثمانية وعشرين ألف تلميذ (٢٨، ٠٠٠). وقارن بينها وبين المدارس الفرنسية الابتدائية (الموجهة للفرنسيين) (١). وبالطبع لم يكن للجالية الفرنسية في الجزائر هذا العدد من المدارس، وإنما هو قد ذكر العدد السابق لكي يسكت دعاة تعليم الجزائريين أمثال جول فيري J.Ferry والبان روزي A.Rozet، ولكي يتخلص رؤساء البلديات الذين عهدت إليهم سلطة بلادهم بفتح المدارس (للأهالي) من مخصصات ميزانية البناء وأجور المعلمين، فلم يفعلوا. كان الحاكم العام، الجنرال شأنزي Chanzy، ضد التعليم القرآني، وكان يعتبره تعليما معاديا لفرنسا. ولم يكن وحده في ذلك، فقد سبقه إليه معظم الحكام الآخرين، سيما ديقيدون De Guydon، فإذا كان الحكام أنفسهم ضد هذا النوع من التعليم الإسلامي، فماذا سيكون مصيره؟ ولعل الفرق بين حاكم وآخر هنا هو أن شأنزي قد طال عهده (حوالي ست سنوات) وأنه أصدر قرارا يحد فيه من فتح المدارس القرآنية ويضع نصوص العقوبة للمخالفين. فكانت الرخص لفتح هذه المدارس قبل شأنزي يمنحها جنرالات المناطق العسكرية أو الولاة في المناطق المدنية. لكن شأنزي رفض منح هذا (الشرف) لمؤدبي الصبيان، وأصدر بدلا من ذلك قرارا ينص على أن كل الرخص سيمنحها منذئذ

стр. 1015

(١٨٧٧) إداريون فقط مثل رؤساء البلديات أو الضباط السامين، بعد أخذ رأي المساعد الأهلي (جزائري) في المدرسة الفرنسية، أو رأي شيخ الدوار الذي يتبعه المؤدب الراغب في فتح المدرسة القرآنية والاستقرار فيه. وأضاف قرار شأنزي أن هذه الرخص يجب أن يرفضها المسؤولون المذكورون بصفة مطلقة بالنسبة: ١ - لمن كان أجنبيا من (الطلبة) (أي المعلمين - المؤدبين). ٢ - للطلبة الراغبين في فتح مدرسة قرآنية عامة في مكان توجد فيه مدرسة بلدية (فرنسية) وفيها مساعد أهلي (١)، أو مدرسة عربية - فرنسية. وكوسيلة أخرى من وسائل الحرب ضد المدارس القرآنية والتعليم العربي - الإسلامي على العموم، فإن قرار شأنزي زاد في التضييق حتى أصبح من المستحيل تقريبا منح الرخصة. فقد نص على أنه إذا كان طالب الرخصة جزائريا وليس من الدوار الذي يرغب الإقامة فيه، فلا بد أولا من جمع المعلومات المفصلة عن هذا الطالب في المكان الذي كان يقيم فيه قبل ذلك، عن طريق السلالم الإدارية، أي البحث عن سلوكه، وماضيه، وسلوك وماضي أهله في علاقتهم بالفرنسيين. أما إذا أرادت إحدى العائلات أن تأتي بمؤدب لأطفالها فقد اشترط قرار شأنزي شروطا أخرى. فعلى هذه العائلة أن تطلب هي الرخصة لهذا الطالب المؤدب، سواء كان جزائريا أو أجنبيا، وأن تكتب عليها ملاحظة وهي أنها رخصة خاصة بالإقامة مع الإشارة إلى كونه معلما خاصا لعائلة فلان. ومن ثمة يمنع عليه فتح مدرسة أو قبول تلاميذ آخرين غير أولاد العائلة الطالبة للرخصة. وهذه العائلة هي التي تدفع له أجره، وهي الضامنة فيه أمام الإدارة الفرنسية (٢). واضح أن الهدف من هذا القرار الصادر من حاكم يكره التعليم العربي الإسلامي، هو تكريس جهل الجزائريين بلغتهم ودينهم من جهة وتمكين المدرسة الفرنسية من التوغل في المناطق الريفية من جهة أخرى.

стр. 1016

ويبدو أنه كان لهذا الإجراء نتائجه. فقد انكمشت الكتاتيب وكادت تنعدم في بعض الجهات، سيما تلك الواقعة تحت النظر المباشر للسلطات الفرنسية. فقد شنت الحرب على العربية والإسلام في منطقة زواوة، كما ذكرنا، على يد الإدارة وكذلك على يد الكنيسة بقيادة الكاردينال لافيجري. ولاحظ الدارسون سنة ١٩٠٤ أن أرياف منطقة التيطري أصبحت أمية تماما في القراءة والكتابة باللغة العربية، إذ ليس فيها مدارس عربية ولا زوايا. ولم يجد هذا الدارس سوى الآغا عبد القادر بن الجيلاني يعطي تعليما قرآنيا محدودا ناحية المدية. وأصبح وجود معلمي القرآن نادرين حتى إن من كان يرغب منهم في معرفة اللغة العربية عليه أن يذهب إلى زوايا منطقة زواوة، لأن زاوية الهامل وزاوية قصر البخارى فقدتا جاذبيتهما بعد وفاة شيخيهما (القاسمي والموسوم)، وكان الأطفال يذهبون أحيانا إلى الشيخ سيدي العربي بن الطاهر في معسكر (موران)، ولكن حظهم كان ضعيفا في التعليم (١). وإصلاحات ١٨٩٢ الخاصة بالتعليم للجزائريين كان أول ضحاياها التعليم القرآني أيضا. فمن جهة انغرست إلى جانب الزوايا الشهيرة بتعليم القرآن مدرسة فرنسية (أهلية). ومن جهة أخرى حددت شروط فتح المدرسة القرآنية ولم يعد الأمر متروكا للزاوية أو المؤدب. فقد نص مرسوم ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ على ضرورة أن يلبي المؤدبون في المدارس القرآنية (الكتاتيب) شروط الصحة، وهذا شيء مهم ولا جدال فيه، ولكن الذي يلفت النظر في هذا المرسوم هو الاشتراط عليهم عدم استعمال وظائفهم لتعليم أمور أخرى غير القرآن، تلك (الأمور الأخرى) المضادة للأمن العام والتي (تعود إلى عهود مضت). ونص المرسوم على الغلق الدائم أو المؤقت للمدارس التي تخالف هذا القانون (٢). وقد تعلل ألفريد بيل A.Bel الذي درس موضوع المدرسة القرآنية بالتفصيل، بأن الأهالي إنما كانوا يرسلون أولادهم إلى المدرسة القرآنية ليتعلموا شؤون دينهم فقط متمثلة في القرآن والصلوات ... وهذا في أصله صحيح ولكن عند أي نقطة تتوقف معرفة الدين، هل هي حفظ أجزاء من القرآن والوقوف على فرائض

стр. 1017

القرآن والوقوف على فرائض الصلاة؟ ذلك ما يريد الفرنسيون الاكتفاء به، فإذا تجاوزه المؤدب (المعلم) فإنه يكون قد دخل في السياسة وأزعج الأمن العام ورجع إلى الماضي، أي التعصب الديني في نظرهم. ومهما كان الأمر فإن تفاؤل الفرنسيين كان برقا خلبا، لأن الجزائريين لم يتخلوا أبدا عن المدرسة القرآنية. وقد طوروها بأنفسهم، كما ذكرنا، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ومنها ما بقي على ما كان عليه شاهدا على التحدي والمقاومة العنيدة، لا سيما في المناطق الريفية النائية أو التي ظلت عسكرية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. في الدراسة التي أشرنا إليها يذكر الفريد بيل ملامح التعليم القرآني في وقته (١٩٠٨)، ويبدو أنه لم يتغير عما كان عليه منذ ١٨٣٠. ومع ذلك فآراء الفريد بيل، هذا المستشرق المعادي للعرب والمسلمين والذي تولى وظائف بارزة مثل إدارة مدرسة تلمسان، هي آراء جديرة بالتأمل. وإن نصائحه إلى الإدارة الفرنسية ضد التعليم القرآني لتدل على تفاؤله الساذج، رغم علمه وكثرة تجاربه وتآليفه. يقول وهو يتحدث عن التجربة منذ إصلاح ١٨٩٢، أن تلاميذ المدرسة القرآنية قد تركوها إلى المدرسة الابتدائية الفرنسية، وبعضهم كان يجمع بين المدرستين. وسيحل، في نظره، التعليم اللائكي (غير الديني) للفرنسية والعربية في المدرسة الفرنسية الخاصة بالأهالي، محل المدارس القرآنية بالتدرج. ثم أن المدرسة التحضيرية التي تنوي فرنسا إقامتها (وقد فعلت) في الأرياف، ستجعل الأطفال الجزائريين يتركون التعليم القرآني، لأن معظم الآباء إنما يرسلون أولادهم إليه ليتخلصوا منهم فقط. وفي هذه المدرسة التحضيرية écoles préparatoires - سيتعلم الطفل القراءة والكتابة بالعربية والفرنسية، ويتلقى مبادئ الحساب ومعارف مفيدة، تجعل منه عاملا ماهرا (وهو هدف التعليم الفرنسي الجديد). وبهذه الطريقة يخرج الطفل من المدرسة القرآنية ويذهب إلى المدرسة التحضيرية الفرنسية. وبعد أن قدم الفريد بيل صورة مفصلة عن المدرسة القرآنية (الكتاب)، والتلميذ والمعلم والأدوات (اللوح، والدواة، وقلم القصب ...) ومنهج التعليم يقول: إن التلميذ لا يفهم أي شيء مما يحفظ، ويمنع عليه أن يسأل

стр. 1018

ذلك، كما أن الطالب الذي لا يفهم هو أيضا، يحذر التلميذ أن يسأله. وهذا رأي مبالغ فيه لأن المؤدب يعرف قوى التلميذ العقلية، فهناك أمور يعلمها له ويصارحه بها وهناك أمور تترك إلى مرحلة لاحقة. وما دام القانون الفرنسي يشترط عدم التفسير والتفهيم والشرح، فهل الذي يلام هو المنهج التعليمي أو التعسف الإداري؟ إن كثيرا من الكلمات كانت تؤول وتصل إلى الإدارة بطريقة مفخمة فتؤدي بالمعلم المسكين إلى المساءلة بل والسجن، تحت طائلة قانون الأهالي الاستثنائي. وفي عهد بيل هذا كان التعليم القرآني غير مجاني، ولكن الفقير معفى من الدفع. وليس هناك أجر محدد للمعلم. ففي المدن قد يصل ما يدفعه الموسرون إلى خمسة فرنكات للشهر. ولكن بعضهم يدفع أقل من ذلك. والدفع في الريف سنويا وهو عادة زمن الحصاد، ويدفع عينا لا نقدا، كما ذكرنا. وفي الريف والمدينة يقدم الآباء هدايا للمعلم، سيما في المواسم الدينية وعند ختم التلميذ لأجزاء من القرآن أو كله. وقد انتقد السيد بيل منهج التعليم القرآني، كما انتقده قبله زميلاه هانوتو ولوتورنو (١). وكل النقد كان منصبا بالدرجة الأولى على طريقة الحفظ دون الفهم. فالتركيز على تقوية الحافظة مما يترتب عليه، في نظر بيل، النظر إلى القرآن عند التلميذ نظرة تقديسية. وهكذا فإن روح البحث تعتاد على الكسل، كما تعتاد على الثقة في القيم الخارقة للعادة Surnaturel رجاء المساعدة من الله. إن وجود المدرسة (المسيد) والشريعة في القرية في حد ذاته يعتبر بركة عند السكان. وهذه في نظر بيل، هي عقيدة الشعوب البدائية في كل مكان، إذ تعتقد أن كل شيء مكتوب له قوة خارقة، فما بالك إذا كان المكتوب قرآنا! ثم أن التلميذ الذي حفظ القرآن يعتبر محظوظا عند الله، وهو لا يقوم بعمل يدوي، ولا يبقى له سوى جمع بعض المريدين من حوله،

стр. 1019

اعتقادا فيه أنه كائن شبه خارق للعادة، قادرا بفضل حفظه للقرآن، على صد كل المصائب. ويعتقد بيل أن (الطالب) الذي تكون بهذه الطريقة يعيش عيشة مشكلة. فهو يكسب معاشه من الصدقات، ويتقاضي أجرا على الأحجبة التي يكتبها لإخوانه في الدين. وقد أجاب بيل عن أصل المشكل بنفسه حين قال إن هذا الطالب يرضى بهذه العيشة التدجيلية (شارلتان) إذا لم يستطع أن يفتح مدرسة قرآنية. إن كل هذه الحياة المعضلة للطالب المشرد هي كونه لم يجد موردا للرزق مما تعلمه. وقد صدق السيد بيل في عدد من النقاط التي انتقد بها التعليم القرآني كالاكتفاء بالحفظ، وجمود الذهن، والكسل العقلي، وما إلى ذلك. وهذا بالطبع ليس من التربية في شيء، وليس مستمدا من القرآن نفسه ولا من السنة. وعلماء التربية المسلمون وضعوا الأساس للتعليم الصحيح (١). ولكن ظاهرة التخلف أوصلت التعليم القرآني، وغيره، إلى الحد الذي وصفه بيل. بقي سؤال، وهو ما دور الإدارة الفرنسية في ذلك؟ أليست إدارة احتلال وبيدها الميزانية والمسؤولية على التعليم الإسلامي والفرنسي؟ فماذا فعلت؟ أننا لا نقول أن الإدارة مسؤولة عن كل التخلف، ولكنها كانت شاهدة عليه ومشجعة له وكرسته في الطرق الصوفية المنحرفة وفي العلماء المدجنين وفي المدارس القرآنية التي تخرج أمثال الطالب الذي يتحدث عنه. وبدل أن يقترح بيل الارتقاء بهذا التعليم وإخراجه من الهوة التي وضعه فيها الإداريون والخبراء الفرنسيون أخذ يهوى بفأسه على رأس المؤدبين والتلاميذ وكتاب

стр. 1020

الأحجبة لأنهم لم يتعلموا تعليما صحيحا على الطريقة العصرية الفرنسية. فهو يقول: أنه من النادر أن تجد عارفا بالقرآن يواصل دراسته. ومن الأندر أن يستطيع من واصل دراسته التخلص من رواسبه على مخه، تلك الرواسب التي تركها فيه التعليم القرآني (١). أما كون العارف بالقرآن تندر مواصلته للدراسة فذلك هو (فضل) فرنسا على الجزائر، كما يعرف ألفريد بيل. وأما تأثير التعليم القرآني على مخ المتعلم، فذلك طبيعي، وذلك ما يريده المسلمون، ولكن بيل يريد أن يقول: علينا أن نخلص الجيل من الرواسب بالتخلص من التعليم القرآني بتاتا. وقد أشار إلى ذلك في البداية. التعليم في المساجد بعد انتهاء الأطفال من المدرسة القرآنية يتوجه الراغبون منهم إلى المساجد والزوايا لمواصلة تعليم متوسط وثانوي. وقد تصل بعض الدروس فيه إلى مستوى التعليم العالي في مراحل متقدمة. وقد درسنا هذا الموضوع في الجزء الأول وقلنا أن من نقائص التعليم في الجزائر خلال العهد العثماني هو انعدام مؤسسة قارة وقوية للتعليم الاسلامي ذات إشعاع وطني مثل القرويين في فاس والزيتونة في تونس والأزهر في مصر. كانت دروس التعليم الثانوي والعالي مبعثرة في الجزائر وليس لها منهج أو مراحل تقطعها. كانت اجتهادية وظرفية، فهي خاضعة لمهارة وشهرة المدرسين ومناسبة الظروف السياسية والاقتصادية. وقد عرفنا أن بعض المدرسين البارزين كانوا يأتون من البلدان المجاورة إلى الجزائر للتدريس ونحوه فعوضوا بعض النقص، كما أن أذكياء الطلبة والطموحين منهم كانوا يهاجرون، في سبيل الحصول على العلم، ولكن بعد الاحتلال وقعت أمور أخرى أثرت على مسيرة التعليم الثانوي والعالي. فإذا كانت المدارس القرآنية قد استمرت في المدن، كما ذكرنا، رغم الصعوبات، فإن مراحل التعليم الأخرى قد عرفت تدهورا كبيرا لأسباب.
следующие страницы →