← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الشرعية - الفرنسية الثلاث. ولا شك أن تحرر أفكار ابن الخوجة وقلمه وفصاحة لسانه كانت تخدم هذا الاتجاه الفرنسي الجديد. ولكن بعض الجزائريين، مثل عمر راسم، كانوا يرون فيه داعية إصلاح وأبا لنهضة، فهو من مستوى عبد القادر المجاوي والشيخ أطفيش المعاصرين له، رغم صغر سنه نسبيا، إذ توفي عن خمسين سنة فقط (١). ٧ - الحفناوي بن الشيخ: خلافا لزميله محمد بن مصطفى خوجة. كان الحفناوي بن الشيخ يمتاز بعدة أمور، منها أنه ابن بادية، ثم انتقل إلى الحاضرة، وأنه تعلم في الزوايا ثم لدى الفرنسيين، وأنه جمع إلى التحرير في المبشر التدريس في الجامع الكبير، ثم أنه تولى الفتوى المالكية وطال عمره حتى نضج بل هرم. ولد بقرية الديس قرب بوسعادة سنة ١٨٥٠. وكانت المنطقة عندئذ ما تزال تحت تأثير ثورة الزعاطشة، التي أدت إلى احتلال بوسعادة ونواحيها وانتصاب المكتب العربي بها (الإدارة الفرنسية الجديدة)، ونفي أبرز الشيوخ الذين أيدوا الثورة مثل محمد علي بن شبيرة وأخيه. ولم تكن زاوية الهامل قد تأسست بعد. والزاوية المعروفة والقريبة عندئذ هي زاوية علي بن عثمان

стр. 1052

بطولقة. فذهب إليها الفتى الحفناوي، بعد أن تعلم على والده مجموعة من المبادئ في النحو والصرف والعروض والفقه والتوحيد والمنطق والحساب والبلاغة. كانت تلك أول غربة للفتى الحفناوي حيث قضى في زاوية طولقة أربع سنوات. ولكن ذلك لم يشبع نهمه العلمي فتوجه بعد ذلك إلى زاوية ابن أبي داود بتاسلنت في زواوة، وهي الزاوية التي تخرج منها أيضا محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل. وقد أشاد الحفناوي بزاوية ابن أبي داود في مؤلفاته، فقال إنها أم الزوايا العلمية. ولا ندري كم بقي هناك، إذ رجع ليدرس الحديث على الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي في زاويته الجديدة. ولكن تعطشه للعلم أبى عليه أن يرضى بما عنده، فذهب إلى نفطة حيث الزاوية العزوزية الشهيرة بالعلم والطريقة الرحمانية. ومن الملاحظ أن الزوايا التي تردد عليها الشيخ الحفناوي كلها رحمانية. ولا ندري إن كان قد اكتفى بنفطة أو ذهب أيضا إلى حاضرة تونس. وبعد سنوات من الرحلة في سبيل العلم والتلقي عن شيوخ كثيرين، توجه إلى العاصمة سنة ١٨٨٣ في ظروف غير معروفة. وتولى بها وظيفة رسمية بعد سنة من وصوله، يقولون أنه جاء العاصمة ليبحث عن مسائل في كتب التراث. ولكن العاصمة عندئذ كانت مدينة أروبية، فهل أرسلته بعض الجهات في المكتب العربي لهذا الغرض (١)؟. ومنذ وصوله لاحظ عليه المستعرب (الشيخ آرنو)، مدير جريدة المبشر النباهة فأخذه عنده ليخلف الصحفي الشهير أحمد البدوي. وكان آرنو Arnaud متوليا أيضا وظيفة (رئيس المترجمين) بالإدارة الفرنسية، فلازمه الحفناوي فترة طويله، وتعلم على يده اللغة الفرنسية، والعلوم العصرية، كما يقول الحفناوي عن نفسه، وظل الحفناوي في جريدة المبشر إلى أن توقفت عن الصدور سنة ١٩٢٧. وكان يقوم فيها بدور المحرر والمصحح، ولكن الموضوعات كانت من اختيار

стр. 1053

الفرنسيين، فكان يترجم من الوثائق الفرنسية، وكان يشيد بالآثار العلمية الفرنسية ترغيبا للجزائريين وإرضاء للفرنسيين، فمدح باستور وأبرز دوره في اكتشاف داء ودواء الكلب ولكنه ربط بين ذلك ودور العرب في الطب. كان الشيخ الحفناوي واسع المعارف، جماعا للكتب والوثائق، قوي الذاكرة. وقد ازدوجت لغته وتعمقت ثقافته العربية والفرنسية بالمطالعة والاتصال بأعيان المترجمين الفرنسيين. وقد استغل هؤلاء قدرته اللغوية ومعارفه العربية الإسلامية، لصالحهم، وكان أول من استغله هو (الشيخ آرنو) - كما يسميه. وقال عنه أنه الترجمان الأكبر بالحكومة العامة وأنه هو شيخه في العلوم العصرية واللغة الفرنسية، وأنه هو الذي رباه عقليا وعلميا فارتقى إلى (درجة أفتخر بها على أبناء وطني) (١)، وقال أنه قد علمه أيضا التواضع القلبي والترفع القالبي على أهل الكبرياء، ووصفه بأنه رجل حكيم، وقد لازمه اثني عشر سنة. هذه العلاقة قد نوه بها الحفناوي نفسه. وهناك علاقة أخرى لم يذكرها هو وإنما ذكرها الفرنسيون أنفسهم. يقول ديبون وكوبولاني Copolani و Dupont إن الشيخ الحفناوي قد وضع نفسه تحت تصرفهما أثناء تأليف كتابهما الضخم (الطرق الدينية الإسلامية). وأنه صحح بمعارفه الغزيرة Prodegue ترجماتهما في موضوع الطرق الصوفية. وقد خصاه بالشكر، وهو الوحيد الذي نوها به من علماء الجزائر، على مساعدتهما (٢). ومن الشخصيات الأخرى التي عمل معها الحفناوي بن الشيخ مدراء الشؤون الأهلية المحنكين مثل دومينيك لوسياني وجان ميرانت J.Mirante أما الأول فقد نشر كتابه (تعريف الخلف) في عهد

стр. 1054

إدارته، وهو الذي وفر المال لطبعه على نفقة حكومة جونار. وأما الثاني (ميرانت) فقد نشر بالتعاون معه كتابا في حفظ الصحة مترجما إلى العربية من تأليف الفرنسي (دركل)، وغير ذلك. وبالإضافة إلى ذلك كان الشيخ الحفناوي يكتب في جريدة (كوكب افريقية) التي أسستها حكومة جونار وأسندت إدارتها إلى زميله الشيخ محمود كحول (١). فأين كل ذلك من التدريس الذي نحن بصدده؟ منذ ١٨٩٧ تولى الشيخ الحفناوي أيضا التدريس في الجامع الكبير بالعاصمة. إنه لم يكن من خريجي المدارس الشرعية الفرنسية وإنما من خريجي الزوايا المرابطية والصوفية. ومع ذلك وجد طريقه إلى الوظيف الديني التعليمي الذي كان من المفروض أن يقوم به المفتى نفسه. وإلى جانب ذلك نلاحظ أنه قد جمع بين العمل في إدارة المبشر والتدريس في المسجد. فهل هذا امتياز له؟ إن أفكاره الظاهرية تتماشى مع الأفكار التي يريد الفرنسيون ترويجها بين الجزائريين. ويبدو أنه لم يكن له طموح سياسي ولا تطلع إلى زعامة، بل كان كما قال عن نفسه، متواضعا يحب العمل، وقد وجده في الثقافة، وقد غرق فيها باللغتين، ولا يهمه ما إذا كانت هذه الثقافة تخدم بلاده أو بلاد الآخرين. إن محيط الشخصيات الفرنسية التي ذكرناها والتي كان يتعايش معها قد وضع الضباب على عينيه، فلم يعد يرى أبعد من يومه. والغريب أننا نجده متأثرا بثقافته الصوفية في كتابه (تعريف الخلف) ولا نكاد نجده متأثرا بالعلوم العصرية التي افتخر أنه تعلمها على يد ارنو. وسنرى ذلك في حديثنا عن كتابه في جزء لاحق من موسوعتنا هذه. إذا كان كثير من القضاة والمدرسين يفتحرون بأنهم تلاميذ عبد القادر المجاوي، فإننا لا نجد إلا القليل النادر من الذين يفتخرون بأنهم تتلمذوا على الشيخ الحفناوي بن الشيخ، رغم طول عمره. حقا إن المجاوي كان مدرسا بالمهنة في مدرسة قسنطينة ثم الجزائر، أما الحفناوي فكان مدرسا

стр. 1055

بالهواية. فابتداء من سنة ١٨٩٧ أخذ يدرس مواد لغوية ودينية في الجامع الكبير. ومن تلاميذه فيها الشيخ والمؤرخ عبد الرحمن الجيلالي الذي ترجم له في كتابه (تاريخ الجزائر). وبين توقف جريدة المبشر عن الصدور سنة ١٩٢٧ وتوليه وظيفة الفتوى سنة ١٩٣٦ بقى الشيخ الحفناوي مدرسا للعامة من جهة ولتلاميذ المدارس العربية - الفرنسية من جهة أخرى. ويبدو أنه لتواضعه أو لحيائه كان، كما يقول عنه تلميذه الجيلالي، ينيب عنه تلاميذه في الخطابة على المنبر منذ توليه الفتوى، إلا مرة واحدة. ومن الجدير بالذكر أنه تولى الفتوى خلفا للشيخ محمود كحول (ابن دالي) الذي اغتيل في ظروف غامضة سنة ١٩٣٦. أما التدريس فلدينا بعض تقارير المفتشين الذين قيموا تجربة الشيخ الحفناوي، حسب الرغبة الفرنسية من دروس المساجد التي استحدثت حوالي ١٩٥٥. وكان من أهل الطبقة الأولى كزميله ابن الخوجة. وكنا قد جمعنا عدة تقارير فيها اسمه من بين المدرسين لكنها للأسف ضاعت منا. ولم يبق لنا إلا التقرير الذي أشار إليه عبد الحميد زوزو، وهو يرجع إلى سنة ١٩٠٦ - ١٩٠٧. واسمه فيه هو أبو القاسم الحفناوي، وكان يدرس خمس مرات أسبوعيا، ويحضر إليه عمال الجامع، وبعض خواص المسلمين القاطنين مدينة الجزائر، لتوسيع معارفهم الدينية، وكان درسه في الفقه، رغم أن ذلك ليس من مهمات الدروس الجديدة. ولعل الجامع الكبير كان استثناء في ذلك، لصلته بالعامة، ولذلك لم نجد من بين الحضور تلاميذ المدارس الفرنسية. ويهمنا حكم المفتش وهو ويليام مارسيه، على الشيخ الحفناوي. فقد قال عنه أن له ثقافة واسعة، وفكرا حرا، وأسلوبا واضحا. وهو يعطي المستمعين إليه مبادئ العلوم الأروبية، وأنه ناجح في طريقة تقديمها إليهم دون مصادمتهم، وهم يستفيدون منه. وهذا يعني أن مهمته قد تحققت في نظر الفرنسيين (١).

стр. 1056

توفي الشيخ الحفناوي بمسقط رأسه الديس، سنة ١٩٤٢ عن أكثر من ٩٥ سنة. ولعله عجز وتقاعد قبل تاريخ الوفاة. ولقد عاش أحداثا جساما مرت بالجزائر، وتداول عليها عدد من الحكام والقيادات الجديدة. وقد عاش حتى رأى سقوط فرنسا سنة ١٩٤٠. ترى هل غير رأيه فيما كان يقول ويكتب في بداية القرن؟ (١) إن كل كتاباته المعروفة إنما ظهرت بين ١٩٥٥ - ١٩١٥. فلماذا توقف قلمه بعد ذلك؟ وهل دون به ما لم يصلنا؟. ٨ - عبد الحليم بن سماية: من أسرة علمية بالعاصمة. كان أبوه علي بن سماية من المدرسين في مدينة الجزائر مدة طويلة، وكان أيضا من محرري جريدة المبشر (٢). ولد عبد الحليم في ١٥ يوليو، ١٨٦٦، حوالي نفس التاريخ الذي ولد فيه معاصره وبلديه محمد بن مصطفى خوجة. ولعل لكليهما أصولا عثمانية بالمصاهرة أو بارتباطات أخرى. يبدو أنه درس في مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية بعد إصلاحات ١٨٧٧، وهي التي كان والده أستاذا بها. فهو يحسن الفرنسية أيضا، وفي نفس الوقت تمكن من اللغة العربية والعلوم الإسلامية. فهو من ذلك الجيل الذي درس في المدرسة بعد فرنستها بقرارات شأنزي، على ما نعتقد. ونعرف أيضا من مصادر مختلفة أنه زار بلاد الشام، ولعله أدى فريضة الحج، وانتقل إلى تونس حيث أقام أياما من أجل أخذ الإجازة عن أحد العلماء وهو: محمد بن عيسى الجزائري

стр. 1057

الأصل والذي هاجر وأصبح من كتاب الدولة التونسية. واتسعت ثقافة ابن سماية نتيجة لظروف أخرى يطول بنا الحديث لو ذكرناها بالتفصيل، فقد تبنى مذهب الشيخ محمد عبده في الإصلاح، وكان مواظبا على الاطلاع على مجلة المنار، وحين زار الشيخ عبده الجزائر سنة ١٩٠٣ نزل بدار الشيخ عبد الحليم، وكان هو مرافقه الدائم، وله صور معه، ومراسلات، ومدح ورثاء له بالشعر ونحوه، سنذكرها في فصل الجزائر والمشرق. والأمر الثاني هو حضور ابن سماية مؤتمر المستشرقين الرابع عشر بالجزائر سنة ١٩٠٥، وإلقاؤه بحثا فيه عن وضع الإسلام عندئذ. والثالث هو دوره في معارضة التجنيد الإجباري، وتزعمه للتيار الرافض له على أساس ديني وأخلاقي، وفهم الفرنسيون منه أنه موقف مؤيد للدولة العثمانية وحركة الجامعة الإسلامية. وقد وجد ابن سمايه مساندة قوية في ذلك من عمر راسم وعمر بن قدور وغيرهما من أعيان الصحفيين الوطنيين. رغم ثقافته المزدوجة، فإن إنتاجه العلمي غير قوي. فلم يبلغ إنتاجه مبلغ إنتاج ابن أبي شنب ولا ابن الخوجة ولا الحفناوي. له مقالات في الصحف المعاصرة، ومشروع كتاب لم يظهر، فيما نعلم، ويدل شعره ونثره على قدرة كبيرة لو أحسن توظيفها. ولعل مهنة التدريس قد استأثرت به، كما هو حال الكثير من المدرسين الذين تفرغوا لتكوين التلاميذ بدل الكتب. وقد كان متأثرا بروح العصر التقليدية أيضا، وهي البحث عن أسانيد العلم، عن طريق الإجازات. فإلى جانب رحلته إلى تونس لهذا الغرض حيث حصل على الإجازة في كتاب (المواقف) للعضد، هناك رحلته إلى زاوية الهامل حيث لقى الشيخ محمد بن بلقاسم، وبقى عنده أياما وأجازه، وله إجازة أيضا من قاضي تلمسان في وقته: شعيب بن علي. وقد يكون له إجازات أخرى بالمراسلة أو بالاجتماع أثناء رحلته إلى المشرق (١).

стр. 1058

تولى ابن سماية التدريس بمدرسة الجزائر التي أصبحت تسمى الثعالبية، منذ حوالي ١٨٩٦، عند إعادة تنظيم المدارس على أثر إصلاحات ١٨٩٥. وهذا التدريس لا يعنينا هنا، إنما يعنينا التدريس في المسجد الذي تولاه في الجامع الجديد. وكانت تقارير المفتشين الفرنسيين تشيد به وبعلمه وبطريقته في التدريس وفصاحة لسانه. وكان من الذين نالوا أوسمة علمية تشجيعأ لهم أو اعترافا بفضلهم في أداء مهمة التدريس في الجامع والقسم العالي في المدرسة. وكانت الأوسمة توصى بها تقارير المفتشين، وقد نالها في عهد جونار عدد من الأساتذة، سيما الذين بدأوا حياتهم في المدرسة الفرنسية. بعض المترجمين لابن سماية لا يقدمون معلومات موثقة يمكن الاعتماد عليها دون مراجعة ومقارنة. من ذلك أن الشيخ الكبابطي كان جد ابن سماية لأمه، وأن والده (علي) أو جده (عبد الرحمن) قد درس في مصر ثم رجع إلى الجزائر. وأن عبد الحليم قد بدأ قراءته بالمدرسة القرآنية، ثم انهمك يقرأ من مكتبة والده. وأنه درس الكيمياء والطبيعة على الأستاذ جولي (الإسكندر A.Joly) في المدرسة الشرعية - الفرنسية. وأنه تعلم الفلك على عارف باي، وهو نجل عارف باشا حاكم بغداد، حين زار الجزائر. كما تذكر بعض المصادر أنه تعلم أيضا اللغة العبرية، وكان يلبس اللباس العربي الإسلامي ويعتز به، كما كان يفعل ابن أبي شنب والمجاوي وابن الكبابطي وغيرهم. وهذا التقليد كانت تشجع عليه الإدارة أيضا لأنه في نظرها يزيد من تأثيرهم على العامة والتلاميذ بخلاف ما إذا قلدوا الفرنسيين في ذلك إذ تذهب هيبتهم وينتفي تأثيرهم (١). هناك تقريران عن ابن سماية كمدرس ناجح في الجامع الجديد. الأول كتبه ويليام مارسيه، ووصفه فيه بفصاحة اللسان وحرية الفكر وسلامة اللغة، وقال عنه أنه من المتعاونين البارزين في المدرسة أيضا (القسم العالي)، كما أن مستوى درسه في الجامع كدرسه في المدرسة. أما المادة

стр. 1059

التي حضر له فيها المفتش فهي النحو والبلاغة، وكان الشيخ عبد الحليم ولوعا بالأدب العربي ونصوصه. أما الحاضرون له فهم عمال المسجد وبعض الخواص من أعيان المدينة، إضافة إلى طلبة القسم العالي من المدرسة الثعالبية. وفي تقرير آخر للمفتش ديستان، وصفه بالمثقف المتمكن والمتنفذ في مدينة الجزائر. وكان ذلك على أثر حملة التجنيد الإجباري (١٩١٢). وقال التقرير أن له درسين في المسجد عام وخاص. وهو يستعمل دفتر المناداة. وعدد الحضور يتراوح بين العشرة والثلاثين. مع نفس تصنيف التلاميذ السابق. غير أن الدروس الخاصة يحضرها تلاميذ السنة الأولى للمدرسة مع تلاميذ أحرار مترشحين لدخول نفس المدرسة. وكان الدرس الخاص (للتلاميذ) في مادة النصوص الأدبية من كتاب (المستظرف) وغيره. أما الدرس العام فهو في التفسير وشرح الأحاديث. وأما عدد الساعات الأسبوعية في كلا التقريرين فواحد، وهو خمسة لقاءات. ولكن التقرير لاحظ أن الشيخ كان متغيبا في عطلة منذ ١٥ أبريل ١٩١٢. وإذا كان عدد المواظبين عليه حوالي ١٢ في الدرس الخاص وحوالي ٢٠ في الدرس العام، فإن حركة التعليم المسجدي كانت غير قوية، إذ لا يوجد في العاصمة سوى أربعة مساجد تجري فيها الدروس على النحو المشار إليه. وهو عدد سنوي تقريبا، لأن التفتيش يجري سنويا (١). وباعتبار ابن سماية من الطبقة الأولى كان راتبه ١٨٠٠ ف سنويا، ابتداء من سنة ١٩١٥.

стр. 1060

٩ - محمد السعيد بن زكري: من أبرز مدرسي العاصمة في الفترة التي نتناولها. وقد تولى ابن زكري بالإضافة إلى التدريس، الإمامة والإفتاء. ولكننا لا نجده في تقارير المفتشين، فهل انقطع عن التدريس قبل وفاته سنة ١٩١٤ بفترة؟ إن مكانته وتلاميذه وآثاره تجعله من مشمولات هذا الفصل. وقد كان الشيخ ابن زكري من المتعلمين العصاميين. لم يدرس دراسة منتظمة، وإنما تخرج من المساجد والزوايا، فكان من القلائل الذين وصلوا بعد ذلك إلى أكبر منصب تخصصه فرنسا لرجال الدين الإسلامي. ولد ١٢٦٧ (١٨٥١) في بني زكري بمنطقة زواوة أثناء ثورة الشريف بو بغلة وفتح عينيه على الانتفاضة التي استمرت في عهد لاله فاطمة نسومر والحاج عمر. ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى وقعت الثورة الرحمانية بقيادة الشيخ الحداد والباشاغا المقراني. ولكنه مع ذلك حفظ القرآن في جامع القرية ثم التحق بزاوية الشيخ عبد الرحمن اليلولي التي بقى بها سنوات. وظل يتنقل بين الزوايا أو المعمرات لإتمام دراسته، إلى أن وصل إلى العاصمة سنة ١٢٩٧ (١٨٩٠). وقد قال عن نفسه أنه منحدر من نسل أحمد بن زكري المغراوي التلمساني المتوفى سنة ٩٠٠ (١٤٩٤) بتلمسان (١). ويعتبر ابن زكري نفسه من الأشراف. ولعله قد درس بالعاصمة في أماكن غير رسمية قبل أن يصبح إماما في جامع سيدي رمضان سنة ١٨٩٦. وفي هذه السنة حصل على وسام الأكاديمية (التعليم). وكان لابن زكري علاقة مع مدير الشؤون الأهلية، دومينيك لوسياني الذي يعرف كيف يختار ضحاياه. وقد ذكر لوسياني نفسه أنه استعان بالشيخ ابن زكري في ترجمة قصائد الشاعر الشعبي إسماعيل أزيكيوي. كما استعان بغيره في ترجمة كتاب (أعز ما يطلب) لابن تومرت، والسلم المرونق للأخضري، الخ. ويبدو أن ابن زكري كان من الفقهاء المتمكنين من علمهم. وكان عارفا بعلم الكلام أيضا، ولكن مادته فيه هي

стр. 1061

عقيدة السنوسي (أم البراهين). ويقول تلميذه وصديقه الشيخ أبو يعلى إنه كان يتبع سيرته في ذلك، إذ كان ابن زكري يقرئ أم البراهين وتعاليق السنوسي عليها ثم شروح وحواشي الدسوقي والباجوري عليها أيضا (١). ولابن زكري بعض المؤلفات المطبوعة، مثل (أوضح الدلائل) الذي سنتناوله. في جزء آخر. وله مراسلات مع معاصريه أمثال بلقاسم بن سديرة. وابتداء من ١٨٩٦ عين ابن زكري أيضا أستاذا للفقه في المدرسة الشرعية - الفرنسية بالجزائرة ويغلب على الظن أن ترشيحه إلى ذلك كان على يد لوسياني نفسه. وفي سنة ١٩٠٨ عين مفتيا للمذهب المالكي في العاصمة في الوقت الذي عين فيه ابن الموهوب في قسنطينة. وقد روى تلميذه أبو يعلى أن حديثا دار بين لوسياني وابن زكري حول ثورة ١٨٧١ وحول منع الفرنسيين لتدريس باب القتال (الجهاد) في الفقه، فأيد ابن زكري ذلك المنع، فاستغرب لوسياني منه ذلك. ولما استفسره أجابه بذكاء وحسن تخلص قائلا: إن للقتال شروطا في الإسلام وقواعد وآدابا وأحكاما، لم تتوفر للقائمين بتلك الثورة (١٨٧١) التي جرت على الوطن مصائب لا تحصى، وأن الذين قاموا بها هم الجهلة وأن الدين والعلماء لا دخل لهم فيها. وقد تبنى أبو يعلى هذا الرأي أيضا (٢). وتظهر الصلة بين ابن زكري ولوسياني في حادثة أخرى، وهي أزمة التجنيد الإجباري سنة ١٩١٢. كانت أزمة حقيقية، لأنها هزت المجتمع الجزائري وحصحصت الحق من الباطل، وكشفت عن أوجه الذين كانوا مع الإدارة والذين كانوا مع الشعب، مع فرنسا أو مع العالم الإسلامي. وقد تصدى عبد الحليم بن سماية معارضا باسم الشعب الجزائري، وهو ليس مفتيا ولا قاضيا ولكن مدرسا رسميا. وكان موقف ابن زكري حرجا لأنه كان على كرسي الفتوى، فإما أن يؤيد فيسقط في أعين المعارضين والشعب وينضم إلى

стр. 1062

(حزب فرنسا) الذي كان زعماؤه من النخبة، وإما أن يعارض فتغضب منه السلطات الفرنسية ويكون بذلك قد وقف موقفا سياسيا لا يقفه من كان متوليا وظيفة رسمية. وقد رأى لوسياني أن ينقذ جلد ابن زكري فنصحه بالسفر إلى الخارج أثناء الأزمة. وهكذا سافر الشيخ إلى بلاد الشام سنة ١٩١١. وقد حضر لوسياني الاجتماع الذي انعقد بمدينة الجزائر لمناقشة موضوع التجنيد علنا مع والي الجزائر، كما حضره ابن سماية، كما ذكرنا، وكان اجتماعا صاخبا، نقله قلم عمر بن قدور في وقته (١). وفي هذه الأثناء كان لوسياني ومارسيل موران (أستاذ وعميد كلية الحقوق) يعدان أيضا مشروعا آخر وهو تدوين الفقه الإسلامي. وكان لوسياني في حاجة إلى خبرة ابن زكري في الفقه. فاستعان به، كما استعان بغيره. وقد ذكرنا أن بعض المدرسين قد تخرجوا على يدي ابن زكري. فقد جمع بين تدريس الفقه في مدرسة الجزائر والتدريس في الجامع الكبير، والإمامة في جامع سيدي رمضان. وكلها وظائف لا تكاد تخرج عن الفقه. وقد بقي ابن زكري في وظيفة الفتوى إلى وفاته سنة ١٩١٤. ولا ندري إن كان قد حج أثناء رحلته المشرقية، وكم بقي هناك، ومدى صلته بالشيخ طاهر الجزائري الذي كان عندئذ هاربا إلى مصر خوفا من الشبان الأتراك. وكانت بين ابن زكري والشيخ طاهر مراسلات وصلات قبل ذلك (٢). وأننا إذا عدنا إلى حياة ابن زكري وإالى حياة الشيخ أبي يعلى الأولى توقفنا علامات استفهام كثيرة. ولكن ما أكثر علامات الاستفهام أمام الآخرين أيضا!. ١٥ - محمد العاصمي: ومن هؤلاء الشيخ محمد العاصمي فقد كان من المثقفين العصاميين، أمثال ابن زكري والحفناوي بن الشيخ. جاب المساجد

стр. 1063

والزوايا والبادية والحاضرة، وحصل على علم غزير، وكانت له نفس بعيدة الهمة تواقة إلى المناصب فوجد ما يريده، ولكن على أي طريق؟ ولد محمد العاصمي حوالي ١٨٨٨ بأولاد إبراهيم نواحي بوسعادة. وقد درس في قسنطينة (على من؟) ثم رحل إلى تونس فدخل جامع الزيتونة، ونال الإجازات وليس الشهادات. ومن شيوخه فيه أحمد الأمين بن عزوز، وهو من آل ابن عزوز جهة طولقة ومؤسسي زاوية نفطة الشهيرة. وبعد ذلك رجع العاصمي إلى زاوية الهامل، فدرس على الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، عمدة هذه الزاوية في وقته، ثم سافر إلى القرويين أيضا، فأخذ بها عن بعض المشايخ، وهكذا امتلأ وطابه بعلوم العصر الإسلامية وعلوم الحياة والسياسة أثناء العقد الأول من هذا القرن، وهو فترة دقيقة من حياة الجزائر وحياة العالم الإسلامي كله. وكما تنوعت دراساته تنوعت أيضا وظائفه. بدأ مساعدا (كاتبا؟) عند الباشاغا ابن الأحرش في الجلفة من ١٩١٢ إلى ١٩١٩، أي فترة التجنيد الإجباري والحرب الأولى. وكانت المنطقة ما تزال تحت نفوذ المكاتب العربية عندئذ، فالذي يوظف في الحقيقة ليس الباشاغا ولكن السلطات الفرنسية. ثم أصبح الشيخ العاصمي إماما في أحد مساجد العاصمة (جامع بورقيسة (؟)) عام ١٩٢٠. وأخذ بعد ذلك ينشط في الأدب والدين، فنجده في جمعية تسمى (المهذبة)، وهي جمعية أدبية لا تهتم بالسياسة ولكن تهتم بالأدب والمسرح. وشارك مع الشيخ أحمد توفيق المدني في تحرير (تقويم المنصور) فكتب له فصلا، ووصفه الشيخ المدني بأنه كاتب كبير وجوالة. والكلمة التي كتبها العاصمي للتقويم عنوانها (المجتمع الجزائري وعماد نهضته الراهنة). وقد امتدح فيها الشعب الجزائري على تمسكه بالوطنية (التقاليد) ومعارضته لموجة التحضر. ورأى أن الإسلام من أقوى دعائم هذا التمسك الخ. وهو شعب، في نظره، يحب الحرية واللغة العربية، ويكره الجمود كما يكره الطفرة. وهذه خلاصة رأي رجل لا شك أنه استخلصه بعد تجربة.

стр. 1064

وقد تطورت الحياة بالشيخ العاصمي، فرغم علمه وقلمه الظاهري وابتعاده عن الشعوذة والدجل، كما قال، فإننا نجده قد انضم إلى الجهة التي تساند الإدارة الفرنسية سنة ١٩٣٢. فكان يكتب في جريدة (الإخلاص) لسان حال جمعية علماء السنة التي عارضت اتجاه جمعية العلماء الإصلاحي. ولعل وظيفته الرسمية، وليس قناعته، هي التي أملت عليه ذلك الموقف. وهذا الموقف أيضا هو الذي جعله يبقى في إطار الوظائف الرسمية ويتدرج فيها، فكان يعطي دروسا في اللغة العربية في جامعة الجزائر، وتولى الإمامة بجامع سيدي رمضان، ثم بالجامع الكبير، ومنذ ١٩٤٤ تولى الفتوى بالجامع الجديد. وكان الشيخ العاصمي، موهوبا، وله قلم بارع، وفكر ناصع، وطموح يشبه الغرور. ومن الصعب على أمثاله أن يعيش في ظل الاستعمار الحرور، فهو إما أن يحترق معه أو يحترق خارجه (١). ولا ندري كيف سيكون موقف العاصمي من ثورة ١٩٥٤ لو أدركها. وسنتحدث عن بعض إنتاجه في مكان آخر. ... بدون شك هناك غير هؤلاء من المدرسين في العاصمة موظفين وأحرارا، سيما في فترة ما بين الحربين. ومن أبرزهم الشيخ العقبي الذي غطى على الجميع بين ١٩٢٩ - ١٩٤٠. وقد نتناول حياته في موضوع آخر. وما أردنا بذكر الذين أتينا عليهم إلا لنعرف مدى هذه السياسة التي تبنتها السلطة نفسها وسمتها تنشيط المساجد. فهل حققت الهدف منها؟ وهل كان نوع التدريس يتماشى مع تقاليد التعليم المسجدي؟ قبل أن نجيب على ذلك

стр. 1065

علينا أن نذكر نماذج من المدرسين أيضا في كل من ولاية وهران وولاية قسنطينة. كان في ولاية الجزائر كلها عشرة مساجد، تلقى فيها هذه الدروس الرسمية، أربعة منها في العاصمة، والستة الباقية في كل من البليدة والمدية وشرشال، ومليانة وتيزي وزو، وأم السنام (الأصنام). وبعد حوالي عشر سنوات من تنظيمها كان عدد الحضور (سنة ١٩١١) ١٥٢ تلميذا في الدروس العامة، و ١٤٦ في الدروس الخاصة بينما عدد المسجلين ٢٩٨. ونفس العدد كان سنة ١٩١٥. وهذا هو التوزيع على المراكز العشرة: الجامع الكبير بالعاصمة: ٤٢ والجامع الجديد: ٤٢، وجامع صفر: ٢٥، وجامع سيدي رمضان: ٤ فقط. أما خارج العاصمة فكالآتي: شرشال: ٢٥، أم السنام: ١٦، البليدة: ١٤، المدية: ١٥، تيزي وزو: ٨، مليانة: ٨. ويقول التقرير إن جملة الحضور للدروس الخاصة والعامة هو: ٢٩٨. وقد نقص العدد سنة ١٩١٨ فكان ١٨٠ فقط (أي مجموع التلاميذ الحاضرين في الدروس الخاصة والعامة) (١). التدريس بإقليم الوسط (غير العاصمة) ونريد الآن أن نتعرف على عدد من المدرسين في أقليم الجزائر (خارج العاصمة)، وكيف يحكم الفرنسيون على المدرسين ودروسهم، وما كانوا متوقعين منهم ومنها وماذا وجدوا. وننبه من جديد إلى أن بعض التقارير قد ضاعت منا سنة ١٩٨٨، ولكن ما بقي منها يكفي في نظرنا لتوضيح المقصود. ١ - شرشال: كان المدرس فيها سنة ١٩٠٥ - ١٩٠٦ هو السيد حسن الدوعاجي عبد القادر، ولم يذكر التقرير ما إذا كان له درس عام وآخر خاص، وإنما ذكر أنه كان يلقى درسا في التوحيد والفقهء والغالب على الظن أن هذا هو موضوع الدرس الموجه للعامة. وقد وصف المدرس بأنه متحمس

стр. 1066

جدا لمهمته، وأنه متعلم وخريج مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية. وتنبأ له المفتش بأنه سيصبح (عالما شهيرا) لأنه شخص جاد. وربما دل ذلك التعبير على أن هذا المدرس ما يزال شابا. وقد اشتكى للمفتش بأن حضور التلاميذ لدروسه في الجامع يعرقل المصلين عن الصلاة. ويفهم من هذا أمران أن درسه كان يحضره أيضا التلاميذ الصغار السن، وأن مواعيد الدروس لا تراعى أوقات الصلاة (١). وفي سنة ١٩١٥ كان مدرس شرشال هو ابن حمودة أحمد بن محمد، وهو من مواليد شرشال في ١٩ فبراير ١٨٨٧. وقد تخرج من القسم العالي في مدرسة الجزائر الشرعية الفرنسية أيضا سنة ١٩٥٩، حيث واصل من سنة ١٩٠٣ كل مراحل التعلم فيها. وكان حاملا للشهادة العليا لهذه المدرسة، إضافة إلى دبلوم اللغة العربية الذي تمنحه مدرسة (كلية) الآداب بالجزائر. وبمجرد تخرجه سمى مدرسا في شرشال براتب ٩٥٥ ف سنويا. ولعله قد حل محل من كان قبله. وإذن فهو جديد في مهمته، وقد فتشه مدير المدرسة التي تخرج منها، وهو السيد ديستان. ولكن تقرير السنة الموالية (١٩١١) ذكر أن السيد ابن حمودة قد سمى أستاذا في مدرسة سان لويس بالسينغال (٢). ولكن تقرير المفتش نفسه لسنة ١٩١٢ يقدم لنا شخصية أخرى في شرشال، وهو حمود حمدان بن الطيب. وقد ولد حمود بمدينة الجزائر في ٢٧ أكتوبر ١٨٨٦، وتخرج من مدرستها الشرعية المذكورة أيضا بين ١٩٠١ و ١٩٠٨، فهو خريج القسم العالي، ومن الجيل الذي تكون في هذه المدرسة بعد إعادة تنظيمها، ودخل التدريس بالمساجد بعد تنظيمه الجديد. وكان تعيينه الأول في جامع سيدي بلعباس سنة ١٩٠٨ براتب شهري قدره ٧٥ ف. وبطلب منه نقل إلى شرشال في ١٥ نوفمبر ١٩١٠ بنفس الراتب. ويصفه

стр. 1067

التقرير بأنه كان متعلما متحمسا وله ضمير حي، كما له بعض التأثير في شرشال. وله درس خاص بالتلاميذ وآخر للعامة، وله حوالي ٢٥ تلميذا، وقد أبدى رغبته في الانتقال إلى مدرسة الجزائر أو التدريس في أحد المساجد بها ... وتحقق له ذلك بعد حين، كما سنرى. وقد أوصى له المفتش بالشكر على حماسه وذكائه ونشاطه وحسن أدائه لمهمة التدريس (١). قلنا أن السيد حمود قد تحقق طلبه في الانتقال إلى العاصمة. ففي تقرير سنة ١٩١٧ نجده قد سمى مدرسا في جامع صفر، وهو المكان الذي شغر بوفاة محمد بن مصطفى خوجة، كما سبق. أما مكان حمود حمدان في شرشال، فقد عمره السيد نور الدين عبد القادر بن إبراهيم الذي لم يقدم عنه المدير الجديد لمدرسة الجزائر وهو المفتش سان كالبر، سوى معلومات ضئيلة في هذه السنة. فعدد تلاميذه لا يتجاوز التسعة. ولكن العدد ازداد في السنة الموالية (١٩١٨) حتى وصل إلى ٣٩. وقد أشاد به نفس المفتش هذه السنة، فقال أنه خريج القسم العالي في مدرسة الجزائر، توظف في القضاء أولا بلقب عدل في كاسينيو ثم في شرشال، قبل أن يعين مدرسا في نفس هذه المدينة في ١٤ مارس ١٩١٦ مكان السيد حمود حمدان المذكور. وفي ١٩١٩ أكد نفس المفتش على ذكاء وإخلاص ونشاط المدرس نور الدين عبد القادر، غير أن تلاميذه هذه السنة كانوا حوالي ١٦ فقط (٢). ٢ - البليدة: اختلف على البليدة أيضا عدد من هؤلاء المدرسين. وقد ضاعت منا بعض المعلومات المتعلقة بهم، ولكننا نجد في أقدم تقرير بقى عندنا عنهم، أن مدرس البليدة سنة ١٩٠٧ كان يدرس لتلاميذه الحساب والفقه والتوحيد. ولم يذكر صاحب التقرير، وهو السيد ويليام مارسيه، اسم

стр. 1068

المدرس وإنما انتقده بقوله إن أهل البليدة غير مستفيدين منه، كما قال أن هذه المدينة لم ترشح سوى تلميذ واحد لمدرسة الجزائر خلال السنوات الست الماضية (١). وكان المدرس في البليدة سنة ١٩١٥ هو سيدي عبد الرحمن بن أحمد زروق الذي انتقده ديستان أيضا في تفتيشه. ولعله هو نفسه المدرس الذي انتقده أيضا مارسيه. فقد قال عنه ديستان أنه تقليدي في دروسه ومنهاجه، فهو لا يستعمل السبورة ولا طريقة المساءلة. ولعل هذا النقد نابع من كون الشيخ ليس من خريجي المدارس الشرعية الفرنسية. إن سيرة تعلمه تشهد أنه من خريجي المساجد والدروس العامة (الزوايا؟) بالأسلوب الإسلامي التقليدي. فقد ولد بالمدية (وفي تقرير آخر أنه ولد بالبليدة) سنة ١٨٤٧، وبعد أن قرأ بها على الحاج علي بن رقية وسى الحاج الطاهر، توجه إلى تلمسان حيث أخذ على الشيخ الحرشاوي المدرس بها. ثم توظف في الإمامة بجامع البليدة في تاريخ غير مذكور، ولكن في سنة ١٨٩٩ (١٧ غشت) سمى مدرسا رسميا بنفس الجامع براتب قدره ٩٥٥ ف سنويا. وفي تقرير ١٩١٢ الذي أعده نفس المفتش (ديستان) أن تعليم الشيخ زروق كاف ولكن تأثيره بسيط. ولاحظ التقرير أن من بين تلاميذه عندئذ شابا عمره عشرون سنة، يدعى محمد بابا عمر (٢). وكان للشيخ زروق درس عام وآخر خاص. ورغم النقد الموجه إلى طريقته في التدريس فقد بقى الشيخ في وظيفته إلى ١٩١٤ حين وجدنا السيد قلال منور قد حل محله في سبتمبر، وكان قلال من خريجي مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية (٣)، وهو ما كان المفتشون حريصين عليه كثيرا في مختلف المساجد.

стр. 1069

إن الملاحظات العامة التي يبديها المفتشون عادة على المدرسين الذين درسوا بالطريقة التقليدية ولم يتخرجوا من المدارس الفرنسية هي التالية: عدم الاحتفاظ بسجلات التلاميذ، وعدم استعمال السبورة، وحضور أبنائهم لدروسهم، وكون تعليمهم غير عصري، ولا يبثون الأفكار الفرنسية في الحاضرين، ثم أن بعضهم كان مرابطا ويستعمل التصوف في دروسه، وأخيرا فإنهم لا يعرفون اللغة الفرنسية، وكذلك تلاميذهم غالبا. ومن أجل ذلك كانت كل التقارير (الجزائر، قسنطينة، وهران) توصى باستبدال الشيوخ بخريجي المدارس الشرعية - الفرنسية، سيما المتخرجون من القسم العالي بمدرسة الجزائر. ٣ - المدية: مدرس جامع المدية سنة ١٩١٥ هو السيد الحسيني محمد بن الحاج بن عيسى. ولد في المدية سنة ١٨٤٥. وقد درس بها على الشيخ علي بن رقية، كما درس في مدينة الجزائر على الشيخ محمد السعيد بن زكري. وحصل على إجازات ممن قرأ عليهم. واشتغل بعض الوقت معلما حرا، دون ذكر المكان، ولعله كان يلقى دروسا للعامة برخصة من السلطات الفرنسية. وقد سمى في ٢٢ نوفمبر ١٨٩٩ مدرسا بجامع المدية براتب ٩٥٥ ف سنويا. وكان الشيخ الحسيني ذا مكانة رفيعة لدى أهل المدية. وكان تعليمه كافيا في نظر المفتش، رغم أنه من أهل الطريقة التقليدية، أي لم يتخرج من المدارس الفرنسية. وكان عمره سنة ١٩١٥ سبعين سنة، ولذلك أوصى له المفتش بوسام اعتراف (١). ومن الواضح أن الشيخ الحسيني قد طال عهده في التدريس بالمدية. ولم يذكر التقرير عدد تلاميذه، ولا مواد تدريسه، والغالب أنه كان يلقى درسا عاما وآخر خاصا. ٤ - مليانة: أما في مليانة فالمدرس الذي بقي فترة طويلة أيضا هو الشيخ الشريف بن عودة بن الحاج سي أحمد. وهو من مواليد وادي الروينة (قرب الشراقة) سنة ١٨٦٢. وقد درس الفقه على الشيخ دوبه الحاج محمد

стр. 1070

بوادي الروينة ثم على الشيخ الهادي بدوار الشرفة (الأخضرية). فهو حينئذ من المتعلمين العصاميين، ثم انتصب هو للتعليم في مسقط رأسه مدة خمس سنوات، وبعدها انتقل إلى البرواقية ثم إلى مليانة، وفي المدينة الأخيرة سمى مدرسا في شهر غشت ١٨٩٩. وليس له من الشهادات سوى الإجازات التي منحه إياها شيوخه بالطريقة القديمة. وكان راتبه السنوي ٧٠٠ ت. وقد وصفه تقرير ١٩٠٧ بأنه شاب متحمس لدرسه، وأنه يدرس النحو والفقه. ولا ندري كيف يوصف من قارب الخمسين من عمره بالشباب. وكان يلقي درسه في حجرة مجاورة لجامع سيدي أحمد بن يوسف. وقد لاحظ تقرير ١٩١٠ أن الشيخ طلب زيادة المرتب وتسميته مدرسا في المدرسة، فهو غير قانع بوظيفة المدرس بالجامع أو ما حوله. ويقول عنه تقرير ١٩١٢ أن راتبه قد وصل إلى ٩٥٥ ت. وهي زيادة قليلة، وأنه متمكن من النحو العربي، وأن له درسا عاما وآخر خاصا، ولكن تأثيره معدوم (١). ٥ - أم السنام (الأصنام): حسب تقرير ١٩٠٧ أن المفتي هو الذي كان المدرس بها. وهو يدرس النحو والفقه. فمن هو؟. أنه كان من الشيوخ الذين يعتبرهم الفرنسيون تقليديين أيضا، ومع ذلك كانت له مكانة وعلم وتأثير في وقته، قل من تمتع بها أمثاله عندهم. فهو الشيخ بو مزراق الونوغي بن أحمد. ولد بمجانة سنة ١٨٦٢. وقد تخرج من زاوية الهامل قرب بو سعادة على الشيخ محمد بن أبي القاسم، ثم دخل مدرسة الجزائر، ولكنه غادرها في السنة الثانية لأسباب لا نعرفها. وله إجازات من شيوخه الأولين، سيما محمد بن بلقاسم، ومحمد بن عبد الرحمن الديسي، ومحمد ابن الحاج محمد، الخ. سمى أولا إماما بالقليعة ثم في جوان - يونيو ١٩٠٤ سمى مدرسا ومفتيا بأم السنام، براتب ٩٥٥ ت سنويا. وكانت دروسه للتلاميذ لا تلقى في الجامع بل في حجرة مجاورة له. وهي الحجرة المخصصة عادة للتعليم القرآني. ولاحظ عليه المفتش أنه كان يستعمل السبورة.

стр. 1071

وهناك ملاحظات أخرى جاءت في تقارير المفتشين عنه. من ذلك أنه كان قد اشتغل في جريدة المبشر أيضا. وهي الجريدة الرسمية الموجهة للجزائريين. والملاحظة الأخرى هي أنه كان غير راض بوظيفته بل طلب وظيفة معلم في المدرسة، وكانت صحته غير جيدة، حسب التقرير. ولذلك حولته السلطات الفرنسية ابتداء من سنة ١٩١٥ إلى باريس، ليكون إماما في المسجد ولتمكينه من العلاج. وكان ذلك خلال الحرب الأولى وأثناء تواجد آلاف الجنود والعمال الجزائريين بفرنسا. ولكننا نعرف من مصادر أخرى أنه قام بكتابة رد، مع زميله عبد الرحمن قطرنجى، على دعوة شيخ الإسلام في اسطانبول للجهاد ضد فرنسا واتهام فرنسا بسوء معاملة المسلمين في الحرب (١). وقد كرر تقرير ١٩١٢ نفس طلبات الشيخ بو مزراق، ولكنه امتدحه بأنه مدرس ناجح، حي الضمير. وله مكانة واعتبار في البلدة. وأن له درسين خاصا وعاما (٢). ولا شك أن للفرنسيين مقاييسهم الخاصة في انتقاء الأشخاص والحكم عليهم. ونحن إذا رجعنا إلى تقرير سنة ١٩١١ وجدنا عدد التلاميذ في الدروس العامة لا يتجاوز ستة عشر (٣). ٦ - تيزي وزو: مدرس هذه المدينة هو السيد مطاهري بن الصادق بن سي أحمد. من مواليد سيسل أومالو سنة ١٨٧٧. ولا نعرف أولياته في التعليم، لأن التقرير لم يذكرها، ولكننا نعلم أنه قد درس بعد ذلك في مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية، وقطع فيها كل المراحل إلى أن حصل على دبلوم الدراسات العليا. شغل في البداية وظيفة خوجة. ولا نعلم متى تخرج من المدرسة ولا متى سمى في هذه الوظيفة. ولكنه في غشت سنة ١٩١٥ سمى مدرسا بجامع تيزي وزو براتب ٩٥٥ ف سنويا. وقد وصفه تقرير سنة ١٩١٢

стр. 1072

بأنه متعلم بما فيه الكفاية، ولكنه كان قليل الاهتمام بوظيفة التدريس بالجامع. وكان له درس عام وآخر خاص، ولكن لا تأثير له. وقد جاء في تقرير آخر (سنة ١٩١١) أن عدد الحضور في الدرس العام ثمانية فقط (١). ومع ذلك فقد بقي السيد مطاهري في هذه الوظيفة التي لا يرغب فيها عدة سنوات. ولم تخلصه منها، فيما يبدو، إلا الحرب، إذ جاء في تقرير سنة ١٩١٥ أن السيد مطاهري قد استدعى للخدمة العسكرية وأن مكانه أصبح شاغرا (٢). ٧ - بو سعادة: تأسست مراكز جديدة للتدريس في ولاية الجزائر القديمة في غير المراكز العشرة المذكورة سابقا. ومن هذه المراكز بو سعادة. فقد وجدنا في تقرير سنة ١٩١١ أن المدرس هناك هو الشيخ عبد القادر بن الحاج، الذي سمى مدرسا في ٢٤ يوليو ١٩٥٥، وكان راتبه ٧٢٠ ف سنويا. وكان الشيخ ابن الحاج يلقي درسه في الجامع. وكان عدد الحاضرين يوم التفتيش ثمانية فقط، من بينهم أحد أبناء الشيخ. وكان ابن الحاج يدرس التوحيد والأدب والبلاغة والحساب والنحو والمنطق والفقه. ومن الواضح أن هذه المواد لا يشملها كلها البرنامج الذي عينته السلطات للمدرسين وعممته (٣). مدرسو المساجد في إقليم وهران من أشهر مدن العلم في ولاية وهران خلال العهد الفرنسي الأول (ما قبل تنظيم التعليم في المساجد رسميا) هي تلمسان ومعسكر ومازونة. وشيئا فشيئا لحقت مستغانم ووهران الخ. وقد أصاب مساجد هذه المدن ما أصاب مساجد العاصمة، بل ربما أكثر، نتيجة المقاومة العنيدة في الناحية، وأصيبت

стр. 1073

الناحية بجدب علمي كبير نتيجة هجرة العلماء إلى المغرب والمشرق. ومن العائلات التي كانت تشتغل بالتدريس ثم هاجرت: عائلة المشرفي من معسكر، وعائلة المجاوي وعائلة محمد بن سعد من تلمسان، كما نقلت السلطات الفرنسية بعض علماء الغرب إلى الشرق الجزائري، مثل عائلة بو طالب. وحين فتح الفرنسيون مدرسة تلمسان الرسمية سنة ١٨٥١ لم يجدوا من يعمرها في دراسة المواد العربية والإسلامية إلا القليل. ومن الأسماء التي دخلتها عندئذ الشيخ أحمد بن البشير ومحمد بن عبد الله الزقاي. وظلت عائلة بوراس المازونية تخدم العلم في مازونة أيضا. وقد تولى الشيخ أحمد بلبشير إدارة المدرسة، حسب بعض المصادر، إلى أن أصيب في عينيه. وتخرج على يده الجيل الأول، ولا نعرف أنه كان مدرسا قبل ذلك في المساجد بتلسمان. أما الشيخ الزقاي فقد كان تكوينه من الطراز القديم. فأخذ العلم في تلمسان ثم هاجر في سبيله إلى تونس ومصر، ومن تلاميذه قاضي تلمسان شعيب بن علي المعروف بالجليلي وعبد القادربن مصطفى المشرفي. وللزقاي تآليف ذكرها الحفناوي في تعريف الخلف، سنوردها في جزء آخر (١). وقد تعلم في موطنه ثم درس في الأزهر وأدى فريضة الحج وأخذ عن علماء الحجاز. وبعد رجوعه إلى الجزائر تولى التدريس في مدرسة تلمسان الرسمية كما تولى وظيفة القضاء وعضوية المجلس القضائي الرسمي أيضا. وقد حاولت السلطات الفرنسية أن توظف علم الشيخ الزقاي لدعايتها في توجيه الجزائريين لقبول المرسوم الشهير المتعلق بتقسيم الأراضي العرشية وجعلها ملكية فردية، سنة ١٨٦٣. فقد وجدناه يكتب، دون أن يكون له معرفة بأبعاد وخطورة المرسوم على وحدة المجتمع، مقالة مطولة ينصح فيها

стр. 1074

بقبول المرسوم باعتباره في فائدة المسلمين. ولا شك أن درايته بالفقه ووظيفته في المدرسة هي التي حملت السلطات على أن تطلب منه الكتابة في هذا الموضوع. والملاحظ أنه لم يكتب بعد صدور المرسوم مباشرة. ولكن سنة ١٨٦٧ عند اندلاع الجوائح الكبيرة، وأثناء ثورة أولاد سيدي الشيخ، ومعارضة أرباب العروش لسياسة نزع الملكية الجماعية وإنشاء الملكية الفردية التي بدأت تظهر أنها نوع من التحايل على إعطاء الأرض للمستوطنين الفرنسيين. أما عنوان مقالته فهو (تنبيه أكيد لمن عساه يغفل عن فائدة التحديد). ويعني هنا (تحديد) الأرض العرشية، أي تقسيمها وتمليكها إلى الأفراد من العرش (الملكية الفردية) لتسهيل نقلها إلى الملكية الأروبية بالبيع ونحوه (١). وقد ظل الشيخ الزقاي يعمل في التدريس والقضاء ويمنح الإجازات للتلاميذ إلى أن توفى بالعاصمة في حدود ١٢٩٠ هـ (١٨٧٣) ودفن في مقبرة سيدي محمد. وإذا كان الشيخ الزقاي من مدرسي الدروس الخاصة بالتلاميذ المترددين على المدرسة الرسمية في تلمسان وكان فيهم كبار السن في مرحلتها الأولى، كما عرفنا، فلإن الشيخ علي بن عبد الرحمن عرف عنه التدريس في مسجد وهران وولاية الفتوى في نفس المدينة. ومن امتيازات المفتي الإشراف على غيره من المدرسين والأيمة في الولاية أيضا. وكان منصب المفتي شرفيا فقط وليس له ما قد يوحي به من الفعالية والرأي الأخير، كما كان الحال في الزمن القديم. وقد مر على وهران عدد من المفتين قبل علي بن عبد الرحمن، منهم حميدة بن القائد عمر المتوفى سنة ١٨٧٠ (٢).

стр. 1075

ومن الظواهر الغريبة في حياة المفتين والعلماء الجزائريين عندئذ دخولهم في الطرق الصوفية رغم علمهم في الظاهر. وهذا ليس خاصا بالعلماء الذين قد يكونون أصلا من الزوايا أو درسوا فيها، بل كان أمرا شائعا حتى فيمن تخرج من المدرسة الشرعية - الفرنسية. لاحظنا ذلك على المفتي علي بن الحفاف مع (الشاذلية) والشيخ أبو القاسم الحفناوي بن الشيخ مع (الرحمانية)، والقاضي شعيب بن علي مع مختلف الطرق الصوفية، وهو واضح في حالة الشيخ المفتي علي بن عبد الرحمن مع الطريقة التجانية. ترى ما الذي حمل هؤلاء العلماء على الدخول في الطرق الصوفية، رغم أنهم كانوا موظفين ويتعاملون مع سلطة محتلة لبلادهم؟ فهل هو التقرب إلى الله أو التقرب إلى الحكام عن طريق رجال التصوف؟ أو هو نوع من شراء الأمن والاحتماء بالشيوخ؟ ولنذكر الناسين بأن علماء العهد العثماني كانوا على هذا النمط أيضا، وكان بعضهم يشتري الدنيا بالآخرة. وقد ذكرت عدة مصادر أن المفتي علي بن عبد الرحمن كان من أتباع الطريقة التجانية، بل من أبرزهم، فلا غرابة إذن أن تنتشر البدع بين الناس ما دام رجال الدين فيهم قد أصبحوا يغطون في النوم في ظاهر الأمر. وكان القاضي شعيب بن علي يكاتب ويجامل أحمد سكيرج المغربي الذي سخر قلمه للدفاع عن التجانية، فيطلب منه الإجازة والبركة. وقد صدق ابن باديس عندما هاجم سكيرج هذا قائلا أنه لم يدع إلى نهضة شعب أو يعارض الاحتلال لبلاده. ومهما كان الأمر، فإن الشيخ علي بن عبد الرحمن كان حيا إلى أوائل هذا القرن. وكانت السلطات الفرنسية يرضيها جدا أن يكون أمثاله على رأس الديانة الإسلامية في الجزائر. وكان ابن عبد الرحمن معاصرا لشخصيات أخرى لا تقل عنه غيرة على الصوفية، أمثال حميدة العمالي الذي كان رحمانيا، وعبد الحليم بن سماية الذي استجاز الشيخ محمد بن بلقاسم

стр. 1076

الهاملي، لشهرته العلمية وبركته الصوفية. وقد ذكر لي الشيخ المهدي البوعبدلي (وهو مفتي وشاذلي الطريقة أيضا - درقاويا؟) أن الشيخ علي بن عبد الرحمن قد نسخ كتاب ابن حمادوش في الأدوية بخطه في ١١٩ صفحة (١). كما ذكر البوعبدلي أن ابن عبد الرحمن قد توفي سنة ١٣٢٤ هـ، وهو التاريخ الذي كتبه الحفناوي في (تعريف الخلف) أيضا. وجاء في أحد المراجع أن المفتي ابن عبد الرحمن كان من تلاميذ الشيخ علي بن الحفاف ومن مقدمي الطريقة التجانية (٢). ... هناك هدف واحد ورئيسي وضعه الفرنسيون نصب أعينهم من التعليم في المساجد، وهو نشر الأفكار والتأثير الفرنسي عن طريق المسجد، وللوصول إلى ذلك وضعوا عدة مقاييس كان على رأسها اختيار المدرسين من غير السلك الديني القديم، ظانين أن الذين تخرجوا من المدرسة الشرعية - الفرنسية سيكونون أفضل المبشرين بذلك التأثير وتلك الأفكار. وإذا كان البعض من هؤلاء قد مشوا في الطريق تحت حماس التجربة وغطاء العلم مثل ابن الموهوب، فإن الآخرين من زملائهم كانوا (فاهمين) للخطة. وقد كان لوسياني وراء تجربة التعليم في المساجد ولكن الذين كانوا يطبقونها في الميدان ويسهرون على تنفيذها ومراقبتها بدقة هم المستشرقون مدراء المدارس الشرعية، كما ذكرنا. وقد كان هؤلاء على درجات، لكن أكثرهم ربما تعصبا وكراهية لكل ما هو عربي وما هو إسلامي هو ألفريد بيل، مدير مدرسة تلمسان، وتلميذ رينيه باسيه. وقد تغير المدراء على مدرسة الجزائر خلال العشرين سنة من أول هذا القرن، فكان ديلفان، ومارسيه، وديستان وسان كالبر، الخ. أما مدرسة تلمسان فقد طالت فيها إدارة بيل حتى أنه كان المفتش الوحيد على مختلف دروس المساجد في ولاية وهران طيلة عشرين سنة تقريبا.

стр. 1077

كان في هذه الولاية ثمانية مراكز على المفتش أن يزورها سنويا وأن يقدم بشأنها تقريرا إلى الحاكم العام. وفي هذه التقارير وصف للمعلم (المدرس) وتعليمه وطريقته وتلاميذه وتأثيره الخ. ثم اقتراحات وتوصيات بالتبديل أو العزل أو بالترقية وما إلى ذلك، وهذه المراكز هي: وهران، وتلمسان، ومستغانم، وسيدي بلعباس، ومعسكر، ومازونة، وندرومة، بالإضافة إلى جيرفيل في المنطقة العسكرية. ولننظر إليها مركزا مركزا، مبتدئين بوهران (١). ١ - وهران: مدرس الجامع الكبير فيها سنة ١٩٠٥ هو الشيخ حريزي سي الحبيب البخاري. وكان عندئذ طاعنا في السن، عمره ٧٥ سنة تقريبا، حسب التقرير، فيكون من مواليد سنة ١٨٣٠ تقريبا. وقد سمى في هذه المهنة سنة ١٨٦٨. ويقول التقرير أن المفتي الحالي لوهران (علي بن عبد الرحمن) هو الذي خلفه في التدريس. وكان راتب الشيخ حريزي ٩٥٥ ف. سنويا. ويقول بيل أنه عندما علم الشيخ بزيارته التفتيشية حضر درسه ليلا فلم يزد عند التفتيش على أن قرأ نصا في النحو من الآجرومية بصوت عال. ولذلك انتقد طريقته بشدة، واستمر في نقدها في مختلف التقارير مع التوصية بإحالته على التقاعد إلى أن تم ذلك سنة ١٩٠٧. ويقول بيل أن عدد تلاميذ الشيخ كانوا ثلاثة فقط. ونفهم من التقرير أن الشيخ كان أيضا يشتغل مساعدا في المحكمة براتب ١٧٥ ف. شهريا. ولذلك اقترح بيل أن الراتب الأخير يكفيه. ويدل هجوم بيل على طريقة الشيخ حريزي أن هذا الشيخ لم يدرس في المدارس الرسمية - الفرنسية. وفي تقرير سنة ١٩٠٧ رجع بيل إلى نقد طريقة الشيخ حريزي واقترح

стр. 1078

من جديد إحالته على التقاعد، بدعوى أنه غير قادر على تدريس النحو للمبتدئين والمترشحين للمدرسة. ولاحظ أنه حضر درسا ألقاه خليفة الشيخ، وهو السيد بوخالفة الحبيب، فوجده يعرف النحو أفضل من الشيخ حريزي، وأن لغته أدبية أكثر منه، ولكنه مع ذلك لا يحسن طرق التدريس. وكان السيد بوخالفة مهتما، في نظر بيل، بتوسيع معارفه أكثر من اهتمامه بتفهيم السامعين له. ونظرا لضياع بعض التقارير منا فقد انقطعت حلقات المدرسين، لكننا نجد أن المدرس بوهران سنة ١٩١٧ هو الشيخ رحال منور الذي كان في عداد الطبقة الثانية من المدرسين. ولا نعرف كيف تعلم الشيخ رحال ولا أين. ولعله كان من خريجي المدارس الشرعية - الفرنسية. وفي تقرير آخر لبيل نفسه سنة ١٩٢٣ نجد رحال ما يزال هو المدرس في وهران رغم أنه لا يدرس في المسجد، لعدم حضور الناس له، لكن التقرير لا يذكر السبب. ومعنى ذلك أنه كان لا يلقى درسا عاما، وهو أساس التعليم المسجدي، كما عرفنا (١). ٢ - تلمسان: في تلمسان مركزان أو جامعان: الجامع الكبير وجامع سيدي السنوسي. أما الجامع الكبير فكان مدرسه هو الشيخ بوثلجة الذي كان يدرس الفقه والتوحيد. وذلك هو الدرس العام الذي أباحه الفرنسيون منذ الخمسينات من القرن الماضي بشرط عدم الخروج عن الخط المسطور. وكان الدرس موجها إلى عامة المسلمين بالمدينة. وراتب الشيخ سنة ١٩٠٥ هو ٦٠٠ ف. فقط، رغم أن له عائلة. ولكن المفتش بيل انتقد الشيخ بوثلجة بأنه منغلق الفكر قديم الطريقة ضحل المعلومات، رغم معرفته للنحو والفقه. ولا غرابة في أن يقول بيل عنه ذلك ما دام الشيخ من زاوية كرزاز. ومن ثمة فهو موضوع في خانة المرابطين. وكان بيل لا يطيق وجود أمثاله، سيما وأن

стр. 1079

الشيخ، كما قال بيل، لا يعمل على التقرب من الفرنسيين. لكن بيل لا يتكلم إذا كان المرابطون الموظفون يعملون على التقرب من الفرنسيين ويسكتون عن مصالح المواطنين، والأمثلة كثيرة. وكان الشيخ بوثلجة هو ممثل زاوية كرزاز في تلمسان، وكان في دروسه يذهب إلى حد الدعوة إلى التصوف إذا لم تكن دروسه مراقبة. ونفهم من هذا أن السلطات الفرنسية كانت تضع المراقبين (الجواسيس) في تلاميذ وجمهور المستمعين للشيوخ المدرسين، وهو أمر عادي. أما جامع سيدي السنوسي، فكان المدرس فيه سنة ١٩٠٥ هو أبو بكر بن شعيب، وهو ابن القاضي شعيب بن علي (١). وكانت بعض المصادر تتهم القاضي شعيب بالتجسس على زملائه أيام ثورة بوعمامة واحتلال تونس. وكان أبو بكر يحضر التلاميذ لدخول مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية، كما كان منتظرا من هذا التعليم. وكان عنده حوالي ٤٠ تلميذا، وقد اعتبره بيل مدرسا ناجحا ومسلما ليبراليا، وهو خريج القسم العالي في مدرسة الجزائر، وقد سجل في مدرسة (كلية) الحقوق، وهو يتقن التحدث بالفرنسية وله مطبوعات في الشريعة الإسلامية، وحاصل على وسام (نيشأن) سنة ١٩٠٤ (٢). وما دام المفتش بيل هو صاحب الأمر والنهي في الناحية فقد تصرف كما لو كان هو الحاكم العام، فقد عزل الشيخ بوثلجة من التدريس في الجامع الكبير بتلمسان وعين خلفا له السيد أبا بكر عبد السلام بن شعيب الذي كان في جامع سيدي السنوسي، كما عينه في وظيفة مدرس في مدرسة تلمسان أيضا. وبذلك أصبح أبو بكر يجمع بين وظيفتين، وكان أبوه من جهة أخرى في وظيفة القضاء، كما ذكرنا. أما جامع سيدي السنوسي فقد تعين له بو علي الغوثي الذي كان في جامع سيدي بلعباس. وكان الغوثي كزميله أبي

стр. 1080

بكر، متخرجا من مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية ومن القسم العالي بمدرسة الجزائر. وهو في نظر بيل يقوم بتدريس أكثر تقدما من التدريس الذي يقوم به بو ثلجة. وقد اطلعنا له على شعر رائق وأفكار واسعة، وله مؤلف في الموسيقى الخ. سنعرض له. ومن اقتراحات بيل سنة ١٩٠٧ منح وسام للغوثي أيضا (١). وأغلق بيل أحد المركزين بتلمسان، وفتح مدرسة بمازونة بنفس الراتب الذي كان مخصصا للشيخ بوثلجة المطرود. وهكذا بدل الزيادة في مراكز التدريس اقترح بيل تخفيض الدروس بتلمسان على أساس أن المدرسة الشرعية - الفرنسية تكفي مع مركز واحد. والظاهر أن السلطات قد استجابت لاقتراح بيل. ذلك أننا لم نجد في تقرير سنة ١٩٢٣ سوى مركز واحد في تلمسان (٢)، وهو الجامع الكبير. وكان المدرس فيه هذه السنة هو عبد الرحمن رستان الذي قال التقرير عنه أنه شغل المنصب منذ ٤٦ شهرا، فيكون قد بدأ التدريس حوالي سنة ١٩٢٠. ولعله مارس التدريس بالمدارس الفرنسية أيضا قبل ذلك. فقد تخرج من القسم العالي بمدرسة الجزائر. ووجدنا اسمه من بين تلاميذ الشيخ عبد الحليم بن سماية بالجامع الجديد بالعاصمة سنة ١٩١٩، وكان عمره آنذاك ٢٣ سنة. وبذلك يكون قد عين مدرسا بمجرد تخرجه وهو في ريعان الشباب. وقد اعتبره تقرير سنة ١٩٢٣ من أفضل مدرسي ولاية وهران، وأوصى له بيل بالارتقاء إلى الطبقة الثانية، رغم أن القانون يقضي بالبقاء في الطبقة الواحدة خمس سنوات على الأقل (وهو له أربع سنوات فقط) (٣). ولا ندري إن كانت إدارة الشؤون الأهلية التي أصبح على رأسها جان ميرانت قد استجابت لهذا الاقتراح، والغالب أنها فعلت، لأن رأي بيل ورأى ميرانت في

стр. 1081

الدور المنوط بالمدرسين الجدد متفقان. ٣ - معسكر: مدرس معسكر سنة ١٩٠٥ هو الشيخ الدائجي محمد بن الحاج. وقد سمى مدرسا بالجامع الكبير في ١٧ غشت ١٨٩٩ وراتبه ٩٥٥ ف. سنويا. وقد حضر له المفتش بيل في سنة ١٩٠٦ درسا في النحو وآخر في الفقه. وابتداء من سنة ١٩٠٧ بدأ بيل يقترح تعويض هذا الشيخ وأخذ يوجه له النقد، بطريقة متشابهة لما فعل مع بوثلجة في تلمسان وحريزي في وهران. فهو لا يصلح للمهمة المسندة إليه في نظر بيل لأنه لا يحتفظ بسجل للحضور، ولا يحضر له إلا ثلاثة تلاميذ فقط، وهو لا يحسن طرق التدريس، ولا يملك كراسا لإعداد الدرس، ومن تلاميذه ابنه وبعض أقاربه. ولا يحضر درسه موظفو الجامع. وقد كرر بيل اقتراحه بتعويض الشيخ في تقرير سنة ١٩١٥ أيضا، وتعيين أحد خريجي المدارس الشرعية - الفرنسية مكانه. ورغم الإلحاح بضرورة تعويض مدرس معسكر، فان الشيخ قد بقى إلى ١٩٢٢ على الأقل. ذلك أننا نجد في تقرير هذه السنة التأكيد من جديد على ضرورة تعويضه بمدرس شاب من المتخرجين من القسم العالي بمدرسة الجزائر. ولا ندري ما هي قوة الشيخ الدائجي في البقاء رغم معارضة بيل. ويبدو أن بيل نفسه قد لان نحوه بعض الشيء إذ لم يقترح عزله وإنما اقترح أن يعين في الافتاء بدل التدريس. ولم يذكره بيل بالاسم في التقرير ولكن من الواضح أنه يعنيه هو، عندما يقول عنه (مدرس معسكر). وقد قال أنه أصبح يستعين بابنه في الدرس. وهي طريقة كانت قديما موجودة (الاستعانة بالتلاميذ، إبنا أو غيره) ولكن المفتش بيل لا تروقه هذه الطريقة (١). ٤ - مستغانم: كان علال محمد ولد مصطفى هو مدرس مستغانم سنة ٩٠٥ ١، وقد سمى في هذه الوظيفة في ١٨ يناير ١٨٩٠ وراتبه عندئذ ٩٥٥ ف. سنويا. وهو من الذين تخرجوا من مدرسة تلمسان سنة ١٨٨٢. وبعد

стр. 1082

تخرجه منها عين إماما لجامع سيدي إبراهيم الغريب بتلمسان. واستمر في هذه الوظيفة ثماني سنوات. وقد بلغ ٤٥ سنة فقط سنة ١٩٠٥، وحصل على وسام (نيشأن) أكاديمية، سنة ١٩٠٣. وحكم المفتش بيل على طريقته في التدريس بأنها حسنة. ولكن هذا الحكم أخذ يتغير بالتدرج. ففي تقرير سنة ١٩٠٧ أن المدرس علال محمد ليس له سوى ثلاثة تلاميذ، من بينهم أحد أبنائه. ولم يذكره بيل بالاسم هذه المرة، وإنما وجدناه هو نفسه (علال محمد) في تقرير سنة ١٩١٢. وقال بيل أن تلاميذه لا يعرفون الفرنسية. ونصح بأن يرسل المدرس أبناءه إلى المدرسة الابتدائية الفرنسية. وفي تقرير ١٩١٥ اقترح بيل زيادة راتب علال محمد من ٩٥٥ ف إلى ١٢٠٠ ف للمرة الأولى. وفي تقارير لاحقة (١٩٢٢) وجدنا مدرس مستغانم قد تغير فأصبح هو السيد العرفاوي. فهل توفي الشيخ علال محمد أو انتقل إلى مكان آخر؟ وحكم صاحب التقرير على العرفاوي بأنه غير أهل للتدريس. ولذلك جاء في تقرير سنة ١٩٢٣ أنه قد أحيل على الإيداع وعين مكانه السيد الحاج حمو عبد القادر في ٣٠ إبريل ١٩٢٣ (١). ويبدو أن هناك عبثا قد حصل في هذه الدروس لاختلاف التصورات منها. وحين زار المفتش بيل هذا المدرس المبتدئ (قال عنه متربصا) وجده أيضا غير قادر على أداء مهمته، فلامه على ذلك. ولكن المدرس الشاب لم يحتمل اللوم فأرسل رسالة احتجاج ذكر فيها أنه لم يأت لتدريس الأبجدية التي هي من شأن المدارس القرآنية، كما قال. ولم يكن المفتش بيل، وهو من هو في منطقته وفي منطقه الاستعماري، ليسكت على هذا التحدي لصلاحياته، فأرسل يطلب من الحاكم العام توبيخ المدرس وعقابه على عدم الانضباط وعدم القيام بمهمته

стр. 1083

كما يجب (١). ولا ندري الآن كيف انتهت القصة، ولكن يبدو أن إدارة الحاكم العام ستستمع لبيل ولا تهتم بالحاج حمو عبد القادر. ٥ - سيدي بلعباس: ذكرنا أن المدرس فيها كان السيد بو علي الغوثي بن محمد سنة ١٩٠٥. وكان عمره آنذاك ٢٧ سنة .. وكان متخرجا من القسم العالي بمدرسة الجزائر. وقد مارس القضاء بعض الوقت - وظيفة عدل - قبل أن يعين للتدريس في سيدي بلعباس سنة ١٩٠٢. وقد وصفه صاحب التقرير - ألفريد بيل - بأنه ذكي وقادر على القيام بالعمل الموكل إليه، وهو يكتب ويتكلم الفرنسية جيدا، ولكن صحته عليلة. وقد عرفنا أن بيل اقترحه لمنصب مدرس بالجامع الكبير بتلمسان التي انتقل إليها سنة ١٩٠٧، وبذلك بقى جامع سيدي بلعباس شاغرا، ولم يقدم هذا المركز أي مترشح لدخول المدرسة الشرعية - الفرنسية. وجاء في تقرير سنة ١٩٠٨ أن الذي خلف الغوثي في سيدي بلعباس هو عبد الحق بن منصور. ولكن هذا لم يعمر طويلا هناك إذ دعي لوظيفة أستاذ في السينغال ولم يعوضه أحد (٢). ولا ندري إن كان جامع بلعباس قد ظل بدون مدرس مدة طويلة، غير أننا وجدنا في تقرير آخر لسنة ١٩١١ أن المدرس هناك هو الحبيب مالكي الذي كان أيضا من خريجي مدرسة الجزائر (القسم العالي). وبذلك يظهر أن وظائف التدريس بالمساجد قد أصبحت مفتوحة، سيما في المدن الصغيرة، لخريجي المدارس الثلاث الرسمية فقط. أما في سنة ١٩٢٣ فالمدرس هو ابن اشنهو ابن عدة. ويذكر التقرير الخاص بهذه السنة أن ابن اشنهو قد عين في هذه الوظيفة منذ غشت ١٩١٨. وكان راتبه ٤٠٠٠ ف. فهو من أهل الطبقة الأولى عندئذ. ولكن المفتش اقترح له الترقية إلى الطبقة الثانية التي راتبها ٥٠٠٠ ف. ولاحظ المفتش عليه

стр. 1084

أنه نجح في التدريس في مدينة مثل سيدي بلعباس حيث كان يلقي درسا للعامة في المسجد ودرسا آخر للتلاميذ في قاعات الدرس (المدرسة الابتدائية؟) ولكنه لم يذكر عدد التلاميذ ولا الحضور بالجامع، وإنما ذكر مهمة أخرى قام بها المدرس ابن اشنهو، وهي توليه الكتابة (سكرتير) لرئيس الطريقة التجانية ومرافقته إلى المغرب (١). ولا ندري ما هي المهمة المنتظرة من زيارة رئيس الطريقة عندئذ إلى المغرب، ما دامت على هذا النحو من الرسميات. ٦ - ندرومة: في تقرير ١٩٠٥ أن المدرس هو الحسين رحال، وهو ينتمي إلى أسرة ندرومية عريقة. وقد تخرج اثنان من هذه الأسرة من ثانوية (ليسيه) الجزائر الفرنسية، وهو أمر نادر في ذلك الوقت. وهذه الأسرة تشتغل بالتعليم والقضاء والزراعة والصناعة والتجارة أيضا، حسب تقرير المفتش بيل دائما. كما كانت تنتمي للطرق الصوفية (الدرقاوية؟). وكان الحسين رحال قد قضى خمس سنوات مستمعا للدروس بالقرويين بفاس منذ صباه، وبعد رجوعه إلى الجزائر دخل مدرسة تلمسان ثم القسم العالي في مدرسة الجزائر حيث حصل على الدبلوم سنة ١٨٩٨. ومنذ تخرجه مارس وظيفة عدل ثم باش عدل إلى ١٩٠٣ وفي شهر يوليو من هذه السنة سمى مدرسا في جامع ندرومة. ولم يحظ مدرس بهذا الوصف الكريم والاستحسان الواضح في تقارير بيل كما حظى الحسين رحال. وقد أضاف عنه بيل أنه كان يجيد اللغة العربية وبعض الفرنسية، وأن طريقته في التعليم طيبة. وأنه ما يزال شابا. وفي تقرير ١٩٠٧ أكد بيل نفس المعلومات، وأخبر أن الحسين رحال كان يدرس النحو والقراءة المفسرة (المطالعة؟) في الجامع الكبير، ولكن تلاميذه لا يتجاوزون الخمسة. أما درس الفقه الذي كان يلقيه بالمساء فيحضره عدد أكثر. وقد مدح بيل المدرس على جهوده وقال أن ندرومة قدمت ثلاثة تلاميذ للمدرسة (مدرسة تلمسان الرسمية) خلال سنة ١٩٠٦،

стр. 1085

وقد ترشح منها هذا العام خمسة. ولذلك أوصى له بوسام الأكاديمية لأنه قضى في الخدمة ثماني سنوات. وقد وافقت الحكومة على اقتراحه. وكشف المفتش بيل عن نصيحة هامة قدمها للحسين رحال، وهي في الواقع ليست خاصة به، وإنما تتعلق بهدف الفرنسيين من هذا التعليم عموما ومن حذرهم بل خوفهم من بعض موضوعات المدرسين. وجد بيل المدرس يتعامل مع موضوعات الفقه كما جاءت في الكتب والآثار القديمة فاقترح عليه حذف بعضها لعدم تطابقها، في نظره مع الواقع. فقال: نصحته بأن يحذف من البرنامج الفقهي الفصول التي لا تنسجم مع الوضع الراهن تحت الحكومة الفرنسية (الاحتلال). ذلك أن جمهور الحاضرين لا فائدة لهم من معرفة نظام الضرائب في الحكومة الإسلامية ولا في معرفة ما قيل في باب الجهاد، الخ. وكأن معرفة المسلم لأحكام الدين التي هي لا تتجزأ، تضر بالمصالح الفرنسية. وكان على المدرسين تفاديها. ولا ندري ما كان رد فعل الحسين رحال، وربما استمر في ذكر الأحكام الشرعية بعد غياب المفتش بيل (١). وقد انقطعت حلقات التفتيش عن ندرومة خلال السنوات اللاحقة. فلا ندري هل استمر التدريس في عائلة رحال فقط أو تعين هناك بعض المدرسين الآخرين. وفي ١٩٣٤ زار بيل مدينة ندرومة وأبدى عليها بعض الملاحظات ليس كمفتش ولكن كدارس لعاصمة الطرارة، كما سماها. وقد وجد فيها عددا من المساجد، ومنها جامعان للخطبة: الجامع الكبير وجامع الفخارين. أما المساجد الأخرى فهي: سيدي بو علي، ولاله علية، والحدادين، والرعية، وسيدي السياج. ويقول بيل أن بعض السكان لهم مبادئ في الثقافة العامة وكانوا يحاولون توسيعها بحضور الدروس اليومية التي تلقى في الجامع الكبير من قبل المدرسين الرسميين. وهذا بدون شك في مجال الفقه

стр. 1086

والتوحيد. أما دروس النحو واللغة العربية الموجهة للتلاميذ والتي كان يلقيها المدرسون الرسميون أيضا، فإن الأولياء كانوا يرسلون أطفالهم إليها عن طواعية. وهؤلاء الأطفال هم الذين يتعلمون في المدارس الابتدائية الفرنسية. وقد لاحظ بيل أن البنات أصبحن أيضا يذهبن إلى هذه المدرسة الفرنسية ليتعلمن الفرنسية ومبادئ الطرز والنسيج وأشغال الإبرة (١). إن الفترة التي يتحدث عنها بيل هي فترة الصحوة الثقافية في الجزائر حين تسابق الجزائريون لتعليم أطفالهم، فكانوا يرسلون بهم إلى المدرسة الفرنسية من جهة والمدرسة العربية من جهة أخرى (مدارس جمعية العلماء). بينما أولياء الأطفال كانوا يحضرون دروس المساجد الرسمية وغير الرسمية، تلك المساجد (غير الرسمية) التي أصبحت تدعى الحرة، وهي التي شيدت بأموال الشعب عن طواعية تحت إشراف جمعية العلماء لتنشر دروس الوعظ والإرشاد وأحكام الشريعة باللغة العربية. ومن يرجع إلى جولات الشيخ ابن باديس في النواحي الوهرانية سيعرف مدى عمق هذه الحركة. وكان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قد حل بمدينة تلمسان سنة ١٩٣٢ وجعل منها مركز إشعاع للإصلاح في كامل ولاية وهران بما في ذلك ندرومة. وسنعود إلى هذا الموضوع في وقته. وقد عرفت الناحية الغربية دروس المساجد الحرة أيضا. فكانت دروس الشيخين العربي التبسي وعبد القادر بوزيان في سيق ونواحيها أوائل الثلاثينات. ثم دروس الإبراهيمي في تلمسان وغيرها. ويذكر ابن بكار بعض العلماء الذين تطوعوا للتدريس في المساجد في معسكر وسيق وغيرهما أيضا. فقد تولى الحاج عبد القادر بن مصطفى ابن فريحة التدريس في غريس. واختصر ابن بكار حياته بقوله عنه أنه قد أعطي مالا فاتلفه في وجه الله وأعطى علما فبثه بين الناس. فهذا الشيخ (ابن فريحة) قد جعل بيته مدرسة في غريس فكان

стр. 1087

يدرس لتلاميذه مختصر الشيخ خليل وينفق على طلبته من ماله الخاص. وقد ظل على ذلك نحو الثلاثين سنة. ثم من غريس نقل الشيخ تعليمه إلى جامع تغنيف حيث تولى أيضا الخطابة والإمامة مدة عشرين سنة. ونرجح أن يكون ذلك وظيفة رسمية تولاها، وربما كان الجامع حرا. وذكر ابن بكار أن عدد الخريجين على يديه قد بلغ حوالي ٤٠٠ طالب. وتوفي الشيخ عبد القادر بن فريحة حوالي ١٩٣٠ عن ٩٥ سنة. وكذلك انتصب للتدريس في الجامع الكبير بمعسكر الحاج محمد بن الرقيق، وهو أيضا من خريجي الأزهر. ولا ندري كيف درس في وطنه ولا متى ذهب إلى مصر ولكن تدريسه في الجامع الكبير بمعسكر يدل على أنه كان من الموظفين الرسميين، رغم أن اسمه لا يظهر في تقارير المفتشين الرسميين. وهذا الحاج علي بن البشير قد تولى التدريس أيضا في معسكر وسيق. وقد أخذ العلم بالجزائر ثم سافر إلى مصر ودخل الأزهر ومكث فيه ثماني عشرة سنة. وحصل منه على إجازات وشهادات. وبعد رجوعه أسس في سيق مدرسة ملحقة بالجامع الكبير، وتولى بها التدريس للطلبة الذين قصدوه. واستمرت مدرسته تعمل بعد وفاته إذ تولاها أخوه الحاج المنور، كما تولى أيضا خزانة كتبه. وكان الشيخ علي بن البشير من أتباع التجانية. وهذا يدل على أن التعليم لم ينقطع عند علماء هذه الطريقة. وقد ذكرنا قبل ذلك نشاط الشيخ علي بن عبد الرحمان مفتي وهران، وهو أيضا من التجانيين. أما الحاج منور بن البشير فقد تولى التدريس في جامع سيق، وهو شيخ الهاشمي بن بكار وغيره. وكان يدرس مواد عديدة، ولذلك كان يستعين بغيره على تدريسها. والمواد الدراسية هي نفسها المواد التقليدية من فقه وعقائد ولغة ومنطق وبيان. وكان الحاج المنور يدرس من أول الخريف إلى آخر الربيع (١). ولا ندري إن كان أيضا من أتباع التجانية. غير أن الثابت هو أن

стр. 1088

حركة التعليم العربي أخذت تنتشر في الناحية وأن تأثير المشرق كان مستمرا رغم تحفظات الإدارة الفرنسية. مدرسو المساجد في مدينة قسنطينة ١ - مدخل: اشتهرت قسنطينة بأنها مدينة العلم، سيما منذ أوائل هذا القرن. ورغم التجديد وحركة الإصلاح فقد حافظ علماؤها على تقاليد التعليم المسجدي منذ العهد الحفصي تقريبا. وكانت حركة العلم في عهد صالح باي ما تزال تؤتى أكلها عندما رزئت المدينة بالاحتلال الفرنسي البغيض، فتعطلت فيها الحركة العلمية وأصابها الشلل بعد معركتين ضاريتين في سنتين متتاليتين: ١٨٣٦ - ١٨٣٧. فقد سكت من سكت من العلماء، وهاجر من هاجر، وتعاون مع العدو آخرون تحت وطأة الحاجة. وهكذا تبدلت الخيول والسروج، وترجل البعض وركب آخرون. ومن أبرز الذين تصدوا للتدريس في المساجد ثلاثة كان لهم تأثير وجمهور: عبد القادر المجاوي (في عهده الأول)، وحمدان الونيسي، وعبد الحميد بن باديس. كما انتصب فيها للتدريس محمد الصالح بن مهنه وعاشور الخنقي. ولكن هناك طبقة أخرى قبل هؤلاء عمرت المساجد وحافظت على الوقود العلمي في المدينة الصخرية العنيدة. وقد كانوا متفاوتين في الشهرة والتأثير. فعندما حل أبو القاسم الزياني بمدينة قسنطينة أوائل القرن التاسع عشر، وجد فيها هذا الجيل من المدرسين، وهم علي بن مسعود الونيسي (١) الذي نعته بالعلامة الصوفي، ومبارك بن عمر الصائغي خطيب وإمام الجامع العتيق (الكبير؟)، والقاضي الفقيه محمد الحفصي العلمي، والمفتي الشاعر أبو القاسم المختالي، والمفتي الآخر أحمد بن المبارك العلمي، والكاتب

стр. 1089

المتصوف محمد المجاري، ثم الأديب لونيس البوزنياري صاحب القصائد العالية كما يقول الزياني (١). هذا الجيل انقرض مع بداية الاحتلال وخلفه جيل آخر من علماء المساجد أبرزهم أحمد بن سعيد العباسي، الذي كون جيلا من الطلبة ظلوا أوفياء له على مر السنين والذي جمع بين التدريس والقضاء. وقد توفي قبل احتلال قسنطينة بسنتين (١٢٥١). وكان من المتخرجين من جامع الزيتونة بتونس. وقد عاصره عمار بن شريط الذي تولى الإفتاء المالكي ونظارة الأوقاف، وكان من أهل البلاغة والأدب وتوفي في ١٨٣٤ (١٢٥٠)، ثم عمار الغربي (أبو راشد) المعروف بالشعر والفقه وولاية الفتوى والتدريس في جامع سيدي علي بن مخلوف وكذلك جامع القصبة ومدرسة سيدي الكتاني. وقد توفي سنة ١٨٣٥ (١٢٥١) (٢). ومن طبقتهم أيضا محمد العربي بن عيسى، أخ علي بن عيسى قائد الدفاع عن قسنطينة. وكان محمد العربي هذا متوليا للأوقاف والقضاء ساعة احتلال المدينة، ولكن نجمه قد أفل مع الآفلين، كما أفل نجم شيخ الإسلام محمد الفكون الذي كان ساعتها يجرجر ثمانين سنة وراءه. وكان إلى تلك الساعة ينعت بكونه (العلامة الجليل والخطيب الآهيل) كما يقول محمد العنتري (٣). وعند تولي المكتب العربي في قسنطينة وانتصاب الإدارة الفرنسية ظهرت أسماء جديدة وبقيت بعض الأسماء القديمة. فقد بقيت أسماء مصطفى بن جلول، ومحمد العنابي الذي عزله الفرنسيون، فترك الإفتاء لزميله أحمد بن المبارك العطار. وبالإضافة إلى هذا ظهر اسم له وزن علمي

стр. 1090

على رغم الظروف السيئة وهو إسم المكي البو طالبي. وكذلك محمد بن فتح الله، ومحمد بن الشيخ العباسي، والطاهر بن النقاد. وكان الفرنسيون قد أخذوا يفصلون القضاء عن مهنة التعليم، كما فصلوه عن الديانة أو الوظيف الديني، فقد كانوا حريصين على إيجاد قضاة يحلون لهم المشاكل المادية أكثر من اهتمامهم بالمدرسين في القضايا الدينية والأدبية. وهكذا لمع المكتب العربي في قسنطينة وجوها جديدة مثل محمد الشاذلي الذي ولوه وظيفة القضاء، وجعلوا معاونيه المكي بن باديس ومحمد بن عزوز قبل أن يصبح كل منهما قاضيا مستقلا. كما جلبوا محمد العنتري وأضرابه من الساخطين على حكم الحاج أحمد. وبعد افتتاح المدرسة الشرعية - الفرنسية في قسنطينة سنة ١٨٥١ تولى إدارتها محمد الشاذلي والتدريس فيها المكي البو طالبي ومصطفى بن جلول وأحمد المبارك. فكان غرض الفرنسيين منها، كما في تلمسان والعاصمة، امتصاص التعليم المسجدي وتحويل الأنظار إلى المدرسة الرسمية، رغم أن التعليم فيها خلال هذه المرحلة لا يكاد يختلف عن دروس المساجد. وقد توفي الأول والثاني في نفس السنة وهي ١٨٦٥، وتوفي مدير المدرسة (الشيخ الشاذلي) وأحمد المبارك خلال السبعينات في وقت متقارب. وقد روى شارل فيرو أن الأوساط العلمية في قسنطينة كانت تقول أن (العلم قد انطفأ عند المسلمين بموت سي مصطفى بن جلول وسي المكي البوطالبي) وحل أحمد بن جلول مكان البوطالبي في المدرسة سنة ١٨٦٥ (١). ويقال أن البوطالبي قضى خمسين سنة من حياته في بث العلم. بذلك حرمت الإدارة الفرنسية عامة الناس من نور العلم. فقد استولت على الأوقاف، كما ذكرنا في فصل آخر (٢)، وصارت المساجد والمدارس
следующие страницы →