والتوحيد. أما دروس النحو واللغة العربية الموجهة للتلاميذ والتي كان يلقيها المدرسون الرسميون أيضا، فإن الأولياء كانوا يرسلون أطفالهم إليها عن طواعية. وهؤلاء الأطفال هم الذين يتعلمون في المدارس الابتدائية الفرنسية. وقد لاحظ بيل أن البنات أصبحن أيضا يذهبن إلى هذه المدرسة الفرنسية ليتعلمن الفرنسية ومبادئ الطرز والنسيج وأشغال الإبرة (١).
إن الفترة التي يتحدث عنها بيل هي فترة الصحوة الثقافية في الجزائر حين تسابق الجزائريون لتعليم أطفالهم، فكانوا يرسلون بهم إلى المدرسة الفرنسية من جهة والمدرسة العربية من جهة أخرى (مدارس جمعية العلماء). بينما أولياء الأطفال كانوا يحضرون دروس المساجد الرسمية وغير الرسمية، تلك المساجد (غير الرسمية) التي أصبحت تدعى الحرة، وهي التي شيدت بأموال الشعب عن طواعية تحت إشراف جمعية العلماء لتنشر دروس الوعظ والإرشاد وأحكام الشريعة باللغة العربية. ومن يرجع إلى جولات الشيخ ابن باديس في النواحي الوهرانية سيعرف مدى عمق هذه الحركة. وكان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قد حل بمدينة تلمسان سنة ١٩٣٢ وجعل منها مركز إشعاع للإصلاح في كامل ولاية وهران بما في ذلك ندرومة. وسنعود إلى هذا الموضوع في وقته.
وقد عرفت الناحية الغربية دروس المساجد الحرة أيضا. فكانت دروس الشيخين العربي التبسي وعبد القادر بوزيان في سيق ونواحيها أوائل الثلاثينات. ثم دروس الإبراهيمي في تلمسان وغيرها. ويذكر ابن بكار بعض العلماء الذين تطوعوا للتدريس في المساجد في معسكر وسيق وغيرهما أيضا. فقد تولى الحاج عبد القادر بن مصطفى ابن فريحة التدريس في غريس. واختصر ابن بكار حياته بقوله عنه أنه قد أعطي مالا فاتلفه في وجه الله وأعطى علما فبثه بين الناس. فهذا الشيخ (ابن فريحة) قد جعل بيته مدرسة في غريس فكان
стр. 1087
يدرس لتلاميذه مختصر الشيخ خليل وينفق على طلبته من ماله الخاص. وقد ظل على ذلك نحو الثلاثين سنة. ثم من غريس نقل الشيخ تعليمه إلى جامع تغنيف حيث تولى أيضا الخطابة والإمامة مدة عشرين سنة. ونرجح أن يكون ذلك وظيفة رسمية تولاها، وربما كان الجامع حرا. وذكر ابن بكار أن عدد الخريجين على يديه قد بلغ حوالي ٤٠٠ طالب. وتوفي الشيخ عبد القادر بن فريحة حوالي ١٩٣٠ عن ٩٥ سنة.
وكذلك انتصب للتدريس في الجامع الكبير بمعسكر الحاج محمد بن الرقيق، وهو أيضا من خريجي الأزهر. ولا ندري كيف درس في وطنه ولا متى ذهب إلى مصر ولكن تدريسه في الجامع الكبير بمعسكر يدل على أنه كان من الموظفين الرسميين، رغم أن اسمه لا يظهر في تقارير المفتشين الرسميين.
وهذا الحاج علي بن البشير قد تولى التدريس أيضا في معسكر وسيق. وقد أخذ العلم بالجزائر ثم سافر إلى مصر ودخل الأزهر ومكث فيه ثماني عشرة سنة. وحصل منه على إجازات وشهادات. وبعد رجوعه أسس في سيق مدرسة ملحقة بالجامع الكبير، وتولى بها التدريس للطلبة الذين قصدوه. واستمرت مدرسته تعمل بعد وفاته إذ تولاها أخوه الحاج المنور، كما تولى أيضا خزانة كتبه. وكان الشيخ علي بن البشير من أتباع التجانية. وهذا يدل على أن التعليم لم ينقطع عند علماء هذه الطريقة. وقد ذكرنا قبل ذلك نشاط الشيخ علي بن عبد الرحمان مفتي وهران، وهو أيضا من التجانيين.
أما الحاج منور بن البشير فقد تولى التدريس في جامع سيق، وهو شيخ الهاشمي بن بكار وغيره. وكان يدرس مواد عديدة، ولذلك كان يستعين بغيره على تدريسها. والمواد الدراسية هي نفسها المواد التقليدية من فقه وعقائد ولغة ومنطق وبيان. وكان الحاج المنور يدرس من أول الخريف إلى آخر الربيع (١). ولا ندري إن كان أيضا من أتباع التجانية. غير أن الثابت هو أن
стр. 1088
حركة التعليم العربي أخذت تنتشر في الناحية وأن تأثير المشرق كان مستمرا رغم تحفظات الإدارة الفرنسية.
مدرسو المساجد في مدينة قسنطينة
١ - مدخل: اشتهرت قسنطينة بأنها مدينة العلم، سيما منذ أوائل هذا القرن. ورغم التجديد وحركة الإصلاح فقد حافظ علماؤها على تقاليد التعليم المسجدي منذ العهد الحفصي تقريبا. وكانت حركة العلم في عهد صالح باي ما تزال تؤتى أكلها عندما رزئت المدينة بالاحتلال الفرنسي البغيض، فتعطلت فيها الحركة العلمية وأصابها الشلل بعد معركتين ضاريتين في سنتين متتاليتين: ١٨٣٦ - ١٨٣٧. فقد سكت من سكت من العلماء، وهاجر من هاجر، وتعاون مع العدو آخرون تحت وطأة الحاجة. وهكذا تبدلت الخيول والسروج، وترجل البعض وركب آخرون. ومن أبرز الذين تصدوا للتدريس في المساجد ثلاثة كان لهم تأثير وجمهور: عبد القادر المجاوي (في عهده الأول)، وحمدان الونيسي، وعبد الحميد بن باديس. كما انتصب فيها للتدريس محمد الصالح بن مهنه وعاشور الخنقي.
ولكن هناك طبقة أخرى قبل هؤلاء عمرت المساجد وحافظت على الوقود العلمي في المدينة الصخرية العنيدة. وقد كانوا متفاوتين في الشهرة والتأثير. فعندما حل أبو القاسم الزياني بمدينة قسنطينة أوائل القرن التاسع عشر، وجد فيها هذا الجيل من المدرسين، وهم علي بن مسعود الونيسي (١) الذي نعته بالعلامة الصوفي، ومبارك بن عمر الصائغي خطيب وإمام الجامع العتيق (الكبير؟)، والقاضي الفقيه محمد الحفصي العلمي، والمفتي الشاعر أبو القاسم المختالي، والمفتي الآخر أحمد بن المبارك العلمي، والكاتب
стр. 1089
المتصوف محمد المجاري، ثم الأديب لونيس البوزنياري صاحب القصائد العالية كما يقول الزياني (١).
هذا الجيل انقرض مع بداية الاحتلال وخلفه جيل آخر من علماء المساجد أبرزهم أحمد بن سعيد العباسي، الذي كون جيلا من الطلبة ظلوا أوفياء له على مر السنين والذي جمع بين التدريس والقضاء. وقد توفي قبل احتلال قسنطينة بسنتين (١٢٥١). وكان من المتخرجين من جامع الزيتونة بتونس. وقد عاصره عمار بن شريط الذي تولى الإفتاء المالكي ونظارة الأوقاف، وكان من أهل البلاغة والأدب وتوفي في ١٨٣٤ (١٢٥٠)، ثم عمار الغربي (أبو راشد) المعروف بالشعر والفقه وولاية الفتوى والتدريس في جامع سيدي علي بن مخلوف وكذلك جامع القصبة ومدرسة سيدي الكتاني. وقد توفي سنة ١٨٣٥ (١٢٥١)(٢). ومن طبقتهم أيضا محمد العربي بن عيسى، أخ علي بن عيسى قائد الدفاع عن قسنطينة. وكان محمد العربي هذا متوليا للأوقاف والقضاء ساعة احتلال المدينة، ولكن نجمه قد أفل مع الآفلين، كما أفل نجم شيخ الإسلام محمد الفكون الذي كان ساعتها يجرجر ثمانين سنة وراءه. وكان إلى تلك الساعة ينعت بكونه (العلامة الجليل والخطيب الآهيل) كما يقول محمد العنتري (٣).
وعند تولي المكتب العربي في قسنطينة وانتصاب الإدارة الفرنسية ظهرت أسماء جديدة وبقيت بعض الأسماء القديمة. فقد بقيت أسماء مصطفى بن جلول، ومحمد العنابي الذي عزله الفرنسيون، فترك الإفتاء لزميله أحمد بن المبارك العطار. وبالإضافة إلى هذا ظهر اسم له وزن علمي
стр. 1090
على رغم الظروف السيئة وهو إسم المكي البو طالبي. وكذلك محمد بن فتح الله، ومحمد بن الشيخ العباسي، والطاهر بن النقاد. وكان الفرنسيون قد أخذوا يفصلون القضاء عن مهنة التعليم، كما فصلوه عن الديانة أو الوظيف الديني، فقد كانوا حريصين على إيجاد قضاة يحلون لهم المشاكل المادية أكثر من اهتمامهم بالمدرسين في القضايا الدينية والأدبية. وهكذا لمع المكتب العربي في قسنطينة وجوها جديدة مثل محمد الشاذلي الذي ولوه وظيفة القضاء، وجعلوا معاونيه المكي بن باديس ومحمد بن عزوز قبل أن يصبح كل منهما قاضيا مستقلا. كما جلبوا محمد العنتري وأضرابه من الساخطين على حكم الحاج أحمد.
وبعد افتتاح المدرسة الشرعية - الفرنسية في قسنطينة سنة ١٨٥١ تولى إدارتها محمد الشاذلي والتدريس فيها المكي البو طالبي ومصطفى بن جلول وأحمد المبارك. فكان غرض الفرنسيين منها، كما في تلمسان والعاصمة، امتصاص التعليم المسجدي وتحويل الأنظار إلى المدرسة الرسمية، رغم أن التعليم فيها خلال هذه المرحلة لا يكاد يختلف عن دروس المساجد. وقد توفي الأول والثاني في نفس السنة وهي ١٨٦٥، وتوفي مدير المدرسة (الشيخ الشاذلي) وأحمد المبارك خلال السبعينات في وقت متقارب. وقد روى شارل فيرو أن الأوساط العلمية في قسنطينة كانت تقول أن (العلم قد انطفأ عند المسلمين بموت سي مصطفى بن جلول وسي المكي البوطالبي) وحل أحمد بن جلول مكان البوطالبي في المدرسة سنة ١٨٦٥ (١). ويقال أن البوطالبي قضى خمسين سنة من حياته في بث العلم.
بذلك حرمت الإدارة الفرنسية عامة الناس من نور العلم. فقد استولت على الأوقاف، كما ذكرنا في فصل آخر (٢)، وصارت المساجد والمدارس
стр. 1091
تحت نظر هذه الإدارة التي حرمت العلماء والطلبة من حقوقهم المنصوص عليها في الوقفيات، واكتفت بمن بقي منهم تحت رحمتها فخصصت لهم رواتب رسمية من ميزانية الإدارة العامة وليس من إدارة أوقاف مكة والمدينة أو أوقاف المعالم الإسلامية الأخرى. واستغنت عن تدريس المساجد بدروس المدرسة الرسمية (الشرعية - الفرنسية)، وفصلت القضاء عن الدين والتعليم. وهكذا جفت ينابيع العلم الحر وغاضت بحور الفكر. وكاد هذا الليل الطويل ألا ينجلي لولا نفحة هبت من الغرب، ونعني بذلك حلول عبد القادر المجاوي للتدريس في أحد المساجد بقسنطينة. وبعد أن قضى المجاوي في المسجد ثلاث سنوات، عين في المدرسة الشرعية - الفرنسية، ولكن إشعاعه لم يقتصر على هذه المدرسة.
وخلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الماضي ظهر إلى جانب المجاوي (في المدرسة)، حمدان الونيسي ومحمد الصالح بن مهنة. وكلاهما كان مدرسا رسميا في أحد المساجد، ولكنهما استطاعا أن ينشرا العلم في الناس رغم العراقيل وأن يجعلا من المسجد مدرسة عليا على الطريقة القديمة. حقيقة أن السلطات الفرنسية كانت تراقب هذا التعليم ولا تريده أن يتجاوز مبادئ الفقه والتوحيد الموجهة للعامة، ولكن المدرس الماهر ذا الضمير الحر يستطيع أن يوصل رسالته إلى التلاميذ النبهاء والحاضرين المتطلعين. وهكذا كان الونيسي وابن مهنة منذ عقد الثمانينات. وقد أثر ابن مهنة أيضا بمؤلفاته (١) وسمعته كمتخرج من الأزهر الشريف، وسنعرض لحياته في فصول أخرى، وكذلك مؤلفاته. أما حمدان الونيسي فقد أفردناه
стр. 1092
بهذه السطور، مستعينين بتقارير المفتشين عنه.
وقبل أن نتحدث عن الشيخ الونيسي نذكر أن جيل العلماء المعاصرين له في قسنطينة وإقليمها خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي هم: عبد الكريم باش تارزي المفتي الحنفي ومقدم الرحمانية، والمفتي المالكي الطيب بن وادفل، والقاضيان الشريف بن باديس (مدينة قسنطينة) وحمو بن العمري (قاضي النواحي). والمدرسان بالمدرسة الرسمية (الشرعية - الفرنسية) عبد القادر المجاوي ومحمود بن الشاذلي، والإمامان: محمد بن جلول والحاج سعيد بن باش تارزي (١).
وكان هؤلاء العلماء في طليعة الذين وقعوا عريضة بمظالم أهل البلاد سنة ١٨٩١ وقدموها إلى لجنة التحقيق الفرنسية برئاسة جول فيري. وفي سنة ١٨٩٦ ظهر أيضا أحمد الحبيباتني المدرس بجامع سيدي الكتاني، ومن أعيان مدينة قسنطينة عندئذ حميدة بن باديس الذي كان من أصحاب الأملاك رغم أنه كان من أهل العلم والقضاء أيضا فترة طويلة، ومنهم مصطفى بن السادات، وهو من دعاة التقدم وكتاب الصحافة خلال الستينات (٢). أما في المدن المجاورة فنجد أسماء: محمد علواش، ومفتي عنابة الحاج أحمد الأزهاري، ومفتي سطيف عبد العزيز قريشي بن محفوظ، وعالمها عندئذ الطاهر بن حلة، ومفتي قالمة محمد بن صالح الحسني. إضافة إلى عدد آخر من الأيمة والقضاة والعدول والمرابطين ومقدمي الطرق الصوفية.
٢ - حمدان الونيسي: لا ترجع أهمية الشيخ حمدان الونيسي (أو ابن الونيسي) إلى كونه أستاذ عبد الحميد بن باديس فقط، ولكن إلى كونه أستاذا
стр. 1093
الشيخين العقبي والإبراهيمي أيضا. وله أهمية خاصة عندنا في هذا الفصل لكونه واصل وظيفة التدريس المسجدي المتعارف عليه بذكاء وحنكة رغم كونه موظفا رسميا ورغم القيود الإدارية الصارمة. وقد انتهى الأمر بطرده من الجامع الكبير سنة ١٩١٥ لأسباب ما تزال مجهولة. فاختار بعدها الرحلة إلى الحجاز والإقامة هناك إلى وفاته. ولكن كيف كانت سيرة حياته في قسنطينة؟.
الواقع أن معلوماتنا عنه ما تزال قليلة ولا تشفي الغليل. إن عائلة الونيسي قديمة في قسنطينة. ومنها الشيخ علي بن مسعود الونيسي الذي كان حيا عند زيارة أبي القاسم الزياني لهذه المدينة أوائل القرن التاسع عشر. وللشيخ علي. بعض التآليف وله مكانة بين علماء العهد العثماني. وفي ١٨٥٦ ولد حمدان الذي نحن بصدده، وهو ابن أحمد الونيسي الذي لا نعرف عنه شيئا الآن، ولكنه كان معاصرا لاحتلال قسنطينة والأحداث التي أعقبت ذلك. ولا شك أنه روى لابنه حمدان ما شاهد وعاش فامتلأت نفس الطفل بالسخط على الفرنسيين. ولا ندري على من درس الفتى حمدان بعد حفظ القرآن في الجامع. هل تردد على الدروس الباقية التي كان يلقيها الشيوخ المكي البوطالبي ومحمد الشاذلي وأحمد المبارك، أو تردد على دروس المدرسة الشرعية - الفرنسية التي كانت بإدارة الشيخ محمد الشاذلي، وكانت دروسها عندئذ عربية - إسلامية، أو ذهب إلى بعض الزوايا المجاورة؟ ذلك كله لا نعلمه من سيرته التي بين أيدينا. ولكن بعض المصادر تذكر أنه حضر مستمعا فقط، (أي غير رسمي) لدروس الشيخ عبد القادر المجاوي (١). ولعل ذلك كان أثناء تدريس الشيخ المجاوي في المساجد وليس في المدرسة الرسمية.
وفي سنة ١٨٨٠ (أو ١٨٨١) (٢) عين حمدان الونيسي مدرسا بالجامع
стр. 1094
الكبير بقسنطينة ولا يكاد عمره عندئذ يتجاوز الخامسة والعشرين. فما الذي جعل السلطات الفرنسية ترشح هذا الشاب إلى هذا المنصب التقليدي المخصص عادة لفحول العلماء وكبار الشيوخ؟ لقد كان في قسنطينة عندئذ أسماء باقية من عائلة ابن باديس والفكون وباش تارزي وابن جلول الخ. ولكننا نعرف أن السلطات الفرنسية كانت تميل إلى إدخال العناصر الجديدة على القديمة، برفع المنخفضين أحيانا وتقريب المبعدين أحيانا أخرى ونقل علماء الغرب إلى الشرق تارة ثالثة، وهكذا. وما صعود محمد الشاذلي والمولود بن الموهوب، وما السماح للمجاوي وترقيته ولآل أبي طالب وتقديمهم إلا جزءا من هذه الظاهرة. ولكن حمدان الونيسي لم يكن فيما يبدو من المنخفضين ولا من المبعدين ولا من الغرباء، ولذلك يظل السؤال حول تعيينه في تلك السن المبكرة لهذه الوظيفة الهامة في مدينة عريقة في تقاليدها قائما.
ومهما كان الأمر فقد ملأ الشاب حمدان مكانه في الجامع الكبير وسرعان ما أصبح من الأعيان المشار إليهم بالبنان. ففي عريضة أعيان قسنطينة التي تضمنت مظالم أهل البلاد ضد السلطات الفرنسية وجدنا اسمه بين الموقعين سنة ١٨٩١. فهو حينئذ بين كبار الملاكين والنواب والمفتين والقضاة الرسميين. وقد تبنى مطالب أساسية حول الأرض والقضاء الإسلامي والتعليم العربي والضرائب والسياسة الأهلية ما يمكن أن تحاسبه عليه السلطات الفرنسية لجرأته، مع غيره. وكان ذلك في فترة حرجة من تاريخ الجزائر، وكانت بداية دروسه في عهد مظلم نسميه عهد لويس تيرمان (١٨٨٢ - ١٨٩١). ومن الممكن القول إذن أن الشاب حمدان قد تعلم الكثير من السياسة الاستعمارية منذ ١٨٨١ (تاريخ تعيينه) ونشر ذلك في تعليمه للناس بالمسجد بطريقته الخاصة، كما شارك في الحياة السياسية العامة التي كانت تتحرك ببطء من حوله.
يصفه خبراء الاستعمار، وهم هؤلاء المستشرقون الذين كانوا يفتشون دروسه منذ سنة ١٩٠٥، بأوصاف تدل على أنه لم يكن مدرسا عاديا. يأكل
стр. 1095
الخبز ويمشي بين الناس، كما كان أغلب الموظفين والمدرسين عندئذ. قال عنه موتيلانسكي مدير مدرسة قسنطينة في أول تقرير عنه، أنه مكسب لمدينة قسنطينة وأنه أهل للدروس العليا وليس الابتدائية. ووصفه شارل سان كالبر، الذي خلف موتيلانسكي في إدارة المدرسة المذكورة، أنه واضح الدرس رفيع المستوى، وأن تلاميذه أغلبهم من القرى المجاورة، وفيهم من جاء من عنابة وليس منهم من يرغب في الترشح للمدرسة الرسمية، وجميعهم يجهلون الفرنسية تقريبا. ولاحظ هذا المفتش أن حمدان لم يبد أية رغبة شأن الآخرين، لا في زيادة الراتب ولا في الترقية ولا في التحويل إلى جهة أخرى (١). وفي تقرير لاحق وصفه نفس المفتش (سنة ١٩٠٨) بأنه (رجل ذكي جدا، وله روح رقيقة) وأن درسه مفيد جدا، وله طريقة حية يستعمل فيها الأسئلة، وله صوت نافذ ولغة سهلة. وقد قضى إلى ذلك الحين ٢٨ سنة في التدريس. وأوصى له بوسام أكاديمية باعتباره قضى عمرا طويلا في المهنة وباعتباره (من بين المدرسين أكثر ذكاء وإخلاصا للتعليم الإسلامي). ومن كل ذلك نفهم أن لهذا الشيخ رسالة كان يبثها في تلاميذه وفي الناس الذين يحضرون دروسه الفقهية وغيرها. وهي الرسالة التي تلقاها عنه وفهمها بعضهم أمثال عبد الحميد بن باديس ولم يفهمها، ربما، أمثال الشيخ محمود كحول (ابن دالي) الذي كان أيضا من تلاميذه.
عاصر حمدان الونيسي عددا من الشيوخ والعلماء في قسنطينة وغيرها. عاصر المجاوي الذي تنقل من الجامع إلى المدرسة الكتانية، ثم إلى المدرسة الثعالبية في العاصمة، وقد بلغ من الشهرة والنفوذ العلمي مكانة مرموقة. وعاصر محمود بن الشاذلي، وقد خلف والده في إدارة المدرسة ثم تولاها المستشرقون الفرنسيون، وبقي هو مدرسا شرفيا فقط، ولكنه ظل يلقي الدروس الفقهية في نفس المدرسة إلى أن تقاعد ثم توفي سنة ١٩٠٥.
стр. 1096
وعاصر المولود بن الموهوب، وقد سطع نجمه وخلف شيخه المجاوي في المدرسة الكتانية، وتولى الفتوى سنة ١٩٠٨، وبذلك أصبحت له سلطة الإشراف على المدرسين في دائرته بمن فيهم الونيسي. ولا ندري هل كان لابن الموهوب دور فيما حدث للونيسي سنة ١٩١٥. ومن الأكيد أن السلطة الفرنسية لن تقضي أمرا بهذا الصدد دون الرجوع إلى المفتي، في الظاهر على الأقل. كما كان ابن الموهوب يساند بكل قوة مشروع حكومة جونار في نشر العلم بين الجزائريين عن طريق المدارس الفرنسية والدرس المسجدية المنظمة من قبل الإدارة. وكان (ابن الموهوب) أيضا يؤثر في غيره من منصة نادى صالح باي ونشر محاضراته في الصحف الفرنسية بالمدينة. وهناك شخصيات أخرى عاصرها حمدان الونيسي سيرد ذكرها.
لا نريد أن نربط بين أحداث الجزائر، كالتجنيد الإجباري (الذي بدأ الحديث عنه بقوة منذ ١٩٠٦)، وأحداث تونس وصحفها، سيما حادثة الجلاز ولهجة صحيفة الحاضرة، وظهور نشاط النخبة التونسية، ثم أحداث المشرق ولا سيما الانقلاب العثماني وما تلاه، قلنا لا ندري ما مدى تأثر الشيخ حمدان بكل ذلك. فنحن لا نملك المراسلات ولا المقالات التي تدل على ذلك التأثر. وكل ما نعرف من آثار الشيخ حمدان هو وجود اسمه في العريضة المذكورة وبعض الكتابات المخطوطة التي ليست لها أهمية سياسية. ولا نعرف أنه كتب في الصحف الجزائرية أو التونسية عندئذ، ولا حاضر في نادي صالح باي أو غيره. ويبدو أن الرجل كان ملتزما بمهنة التعليم المسجدي مخلصا لها كل الإخلاص، وكان حريصا على تخريج التلاميذ والتأثير في الناس بالكلمة والفكرة أكثر من التأثير فيهم بالتأليف والمقالة. ومع ذلك فيجب ألا ننفي علاقته بأحداث المشرق وتونس. فقد كان للعلماء الواعين أسلاك خاصة للمناجاة والاتصال ليست دائما معروفة للجميع. وما دمنا نتحدث عن التأثير والتأثر، فإننا لا نملك دليلا على أن الشيخ كان منتميا إلى أية طريقة صوفية عندئذ، رغم أن كثيرا من العلماء الموظفين كانوا ينتمون إلى هذه الطرق في قسنطينة وغيرها. فأحمد المبارك كان شيخ الحنصالية، وباش
стр. 1097
تارزي كان شيخ الرحمانية، وهكذا. ولكن العالم الحقيقي هو الذي يكون طريقة خاصة به، تتجاوز الأتباع وتترفع عن الانتماء، وتفرض نفسها بالفكر المستقل والتفكير الحر. فهل كان الشيخ حمدان من هذا الصنف أو ذاك؟ في غياب الدليل المادي لا يمكننا إلا أن نعتبره من العلماء المستقلين فكريا، رغم أنه كان موظفا رسميا.
وقبل أن ندخل في تفاصيل نشاطه التدريسي منذ ابتدأ الفرنسيون تفتيش دروسه نذكر أنه كان لحمدان الونيسي أخوة. من بينهم عبود الونيسي، وكان عبود هذا قاضيا في العين البيضاء سنة ١٩٢٩. وقد رآه ونوه به الشيخ عبد الحميد بن باديس في السنة المذكورة عند زيارته لهذه البلدة، وربط بينه وبين أخيه (شيخه) حمدان، فقال أنه أخ شيخي وأستاذي العلامة الفقيه سيدي حمدان الونيسي دفين طيبة الطيبة (١).
ويبدو أن الشيخ حمدان كان مشتغلا بالكتب أيضا، سيما النسخ. فقد نقل الشيخ أبو القاسم الحفناوي بن الشيخ في (تعريف الخلف) من خطه سيرة بعض علماء قسنطينة، مثل (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون (٢). ولحمدان بعض التآليف سنذكرها في محلها.
كانت السلطات الفرنسية قد سنت، كما ذكرنا، دروس المساجد حسب تنظيم جديد، يخضع لبرنامج محدد، وساعات أسبوعية، وذلك منذ آخر القرن الماضي، ثم تلاه إنشاء التفتيش على هذه الدروس وتقديم التقارير السنوية إلى الحاكم العام عن سير الدروس وتأثير المدرسين واتجاهاتهم، مع التوصيات والاقتراحات، وإسناد هذه المهمة إلى مدراء المدارس الشرعية -
стр. 1098
الفرنسية الثلاث في كل ولاية أو أقليم. ومن ثمة كان تفتيش الشيخ حمدان على يد مدير مدرسة قسنطينة. وكان أول من فتش الشيخ هو موتيلانسكي المستشرق الشهير الذي تخصص في الدراسات الأباضية ورافق بعض البعثات الاستكشافية الفرنسية إلى الصحراء (١). كانت للشيخ حمدان دروس إجبارية وأخرى اختيارية، حسب البرنامج الرسمي (٢)، وجملتها إثنا عشر ساعة أسبوعيا.
وتشمل الدروس الإجبارية (الموجهة للتلاميذ المترشحين للمدارس الرسمية الثلاث) اللغة العربية بالرجوع إلى الألفية ولامية الأفعال وغيرها، والحساب بالرجوع إلى الأخضري والقلصادي. ثم الدروس الاختيارية (وهي الموجهة للعامة)، وتتضمن الفقه على مختصر خليل والتوحيد على السنوسية - أم البراهين. ومعدل الدروس ساعتان في اليوم، مدة ستة أيام. فماذا كان حظ الشيخ حمدان من هذا؟ وهل كان في حاجة إلى برنامج رسمي بعد ربع قرن في التدريس؟ إن الإدارة الفرنسية تقول بذلك.
حضر له المفتش موتيلانسكي درسا في النحو في ربيع ١٩٠٥. فأخبر أن تلاميذه كانوا ١٧ فردا، من بينهم الشيخ محمود كحول الذي كان عمره عندئذ ٣٣ سنة. وكان كحول مدرسا في مدرسة سيدي الجليس، وهي مدرسة فرنسية - عربية. ولا نجد اسم عبد الحميد بن باديس من تلاميذ حمدان هذه السنة. ويقول المفتش أن التلاميذ قد فهموا الدرس لوضوحه، وأن للشيخ تجربة طويلة وقدرة تجعله مؤهلا للدروس العليا وليس الابتدائية، ولذلك أوصى المفتش بأن تبقى للشيخ حمدان الدروس العليا في الجامع الكبير، أما الدروس المبسطة فيقوم بها المدرس المعين لجامع سيدي الكتاني. ومما جاء في تقرير المفتش أيضا أن وجود الشيخ حمدان في قسنطينة يعد مكسبا لهذه المدينة (٣).
стр. 1099
وكان تقرير شارل سان كالبر سنة ١٩٠٧ أكثر دقة وشمولا. وبعد أن ذكر عدد دروس الشيخ الأسبوعية وعناوينها، سواء منها الإجبارية أو الاختيارية، ذكر أن تلاميذ الشيخ تتراوح أعمارهم بين ١٨ و ٣٢ وأن أصغرهم (١٨ سنة) هو عبد الحميد بن باديس، وهو أحد إثنين من عائلات قسنطينة، أما الباقون فكانوا من القرى المجاورة وحتى من عنابة. وصادف التفتيش أن كان التلاميذ قد غادروا الدرس لدخول شهر جوان (يونيو) ما عدا خمسة منهم كانوا حاضرين. كما لاحظ أن موظفي الجامع لا يحضرون الدروس، وأن سجل الحاضرين غير منتظم. أما عن المدرس نفسه، فقد كان في الواحد والخمسين من عمره، وكان قد تلقى بعض الدروس الحرة كمستمع على الشيخ المجاوي (١). أما دروسه فكلها شفوية، فهو لا يستعمل السبورة، ولكن طريقته حية ومستوى درسه هام. وهو واضح العبارة، وغالبا ما يستعمل طريقة المساءلة، وقد عود تلاميذه على أخذ المذكرات أو الإملاءات.
وقد لاحظ المفتش سان كالبر أنه لم يترشح أحد من تلاميذ الجامع الكبير ولا جامع سيدي الكتاني لدخول مدرسة قسنطينة الرسمية، وأن تلاميذ المسجدين لا يعرفون الفرنسية تقريبا. ولذلك أوصى بإدخال مادة الفرنسية إلى دروس المساجد بأن يلقيها أحد المعلمين الفرنسيين. ووعد بأنه سيحاول إقناع الشيخ حمدان بتغيير طريقته خلال السنة المقبلة لكي يستفيد تلاميذ مدرسة سيدي الجليس (الفرنسية) من دروسه. ولم يبد الشيخ أية رغبة للمفتش (٢).
وفي السنة الموالية (١٩٠٨) كان عدد تلاميذ الشيخ حمدان ٣٢، من
стр. 1100
بينهم عبد الحميد بن باديس أيضا. وأخبر المفتش أن سن ابن باديس ٢٥ سنة. ومن بين هؤلاء التلاميذ أحد عشر من مدينة قسنطينة نفسها والباقي من خارجها. والظاهر أن المفتش قد وجد الشيخ أنجز ما وعده به السنة الماضية، لأن المفتش يخبرنا هذه المرة أن درس الأحد والخميس قد خصصه الشيخ لتلاميذ مدرسة سيدي الجليس ذات المستوى الابتدائي والمتوسط. وهؤلاء التلاميذ كانوا مستعدين للترشح للمدرسة الشرعية - الرسمية ة وحتى نأخذ صورة عن دروس الشيخ حمدان ننقل من التقرير هذا الجدول البسيط:
النحو: أيام الأحد والخميس والثلاثاء، وكتبه هي الاجرومية وألفية ابن مالك.
الحساب. ليوم الخميس، وكتابه حساب الأخضري، وقد سبق ان القلصادي كان مستعملا أيضا.
الأدب العربي: ليوم الاثنين، ونصوصه تؤخذ من مروج الذهب وثمرات الأوراق والمستطرف.
الفقه: يوم السبت، من مختصر الشيخ خليل، باب الزواج (النكاح).
التوحيد: يوم الأربعاء، وكتبه هي أم البراهين للسنوسي والجوهرة (١).
أما استعمال السبورة وإدخال الطريقة الجديدة في التعليم فقد لاحظ المفتش أن الشيوخ المدرسين على العموم لا يريدون إدخال أية طريقة جديدة على دروسهم. ولكنه متفائل بالنسبة للشيخ حمدان لذكائه القوي وروحه الرقيقة، وأكد المفتش أن الشيخ حمدان لن يتردد بعد اليوم في استعمال السبورة رغم أن تلاميذه قد تعودوا على أخذ إملاءات من دروسه. وكرر القول بأنه يستعمل المساءلة وأن درسه مفيد جدا، وله صوت واضح ولغة سهلة ودقيقة. ولذلك أوصى له بوسام الأكاديمية (التعليم) بمناسبة افتتاح
стр. 1101
المدرسة في المكان الجديد (١)، لأن الشيخ حمدان يعتبر من بين المدرسين الأكثر ذكاء وإخلاصا للتعليم الإسلامي. وكان راتبه ٧٥ ف. فقط. وليس وحده في ذلك، بل إن كل مدرسي المساجد، كما جاء في تقرير سان كالبر لسنة ١٩٠٧، كانوا يتقاضون نفس الراتب.
لكن هذا التنازل من المفتش، وهذا التقدير لدور الشيخ في التعليم والاعتراف بفضله وذكائه سرعان ما تبخرت. فما السبب؟ هناك سر ليس لدينا منه خيط. هل تضايق الشيخ حمدان نفسه من ملاحظات المفتش؟ هل ضايقته الإدارة في قضايا أخرى غير التعليم؟ هل كان للمفتي ابن الموهوب دور في ذلك؟ وهل كان للتنافس بين مدرسي المساجد ومدرسي المدرسة الشرعية الرسمية دور أيضا؟ ولو تغير المفتش لقلنا أن العلاقة مع الشيخ قد تغيرت معه أيضا. ولكن سان كالبر استمر هو المفتش بعد ذلك لفترة طويلة. فمن كان وراء طرد الشيخ حمدان من التدريس في الجامع الكبير بعد أن قضى فيه حوالي ٣٠ سنة، وشهدت له التقارير بالنجاح في مهمته.
يبدو أن المفتش قد عجز عن إقناع الشيخ بتغيير طريقته فاوصى (الإدارة) باتخاذ اللازم نحوه، فعزلته. ولكن هل المسألة تتعلق باستعمال السبورة فقط؟ لا نرى ذلك أبدا، فقد كان شيوخ آخرون في قسنطينة وفي غيرها لم يستعملوها ولم يكن مصيرهم الطرد، سيما مع مدرس يقال عنه أنه ناجح وله تأثير. إذن هناك سر آخر. فقد جاء في تقرير سان كالبر لسنة ١٩٠٩ أنه (نصح الشيخ حمدان وكرر النصيحة باستعمال السبورة فلم يذعن لذلك، فأوصى بأن تتولى الإدارة نفسها الموضوع معه. وهكذا وجدنا في تقرير ١٩١٥ الصادر عن نفس المفتش أن الشيخ حمدان بن أحمد الونيسي قد طرد Révoqué من وظيفته كمدرس، وعوض بالشيخ عبد المجيد بن عبد الله بوجمعة، مدرس اللغة العربية والأدب بالمدرسة الشرعية الرسمية، وقد تولى
стр. 1102
بوجمعة وظيفته الجديدة في شهر مارس ١٩١٥، دون ذكر السبب في عزل الشيخ حمدان وطرده. ويذكرنا هذا الموقف بما حدث للشيخ الكبابطي سنة ١٨٤٣ حين عزل من الإفتاء والتدريس في الجامع الكبير بالعاصمة ونفي إلى الخارج لمعارضته إدخال اللغة الفرنسية في المدرسة القرآنية. فهل وقف الشيخ حمدان موقفا شبيها بذلك أيضا فاستحق عليه هذا العقاب؟.
إن الغريب في الأمر هو أن المفتش قد كرر في تقرير سنة ١٩٥٩ منح الوسام للشيخ حمدان. ولا ندري الآن تاريخ العزل بالضبط. ولكن يبدو أنه كان خلال ١٩١٥ ما دام الشيخ بوجمعة قد استلم عمله الجديد في مارس من هذا العام. وهكذا بدل استلام الوسام استلم الشيخ قرار الطرد. ومن المحتمل أن يكون هذا القرار راجعا إلى رفضه الوسام (١). وقد قال المفتش في تقريره لسنة ١٩١٥ أن عدد التلاميذ قد ازدادوا بعد طرد الشيخ حمدان. فقد كانوا ٢٩ سنة ١٩٥٩، فأصبحوا ٦٢ سنة ١٩١٥.
والمتواتر بين المعاصرين أن الشيخ حمدان قد هاجر إلى الحرمين سنة ١٩١٥. والخروج من الجزائر عندئذ يحتاج إلى رخصة رسمية. فهل طلب الشيخ حمدان رخصة الحج أو رخصة أخرى فمنحت له دون تردد؟ إن حركة الهجرة نحو المشرق عندئذ كانت شائعة، وقد عرفت سطيف وقسنطينة وسيدي عقبة وغيرها حركة نشيطة نحو الشام والحجاز. ونعرف أنه خلال هذه الأثناء هاجرت أسرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أيضا من نواحي سطيف. ثم جاءت الهجرة الجماعية من تلمسان ١٩١١. فهل تدخل هجرة الشيخ حمدان ضمن هذه الحركة الاحتجاجية على التجنيد الإجباري؟.
استقر الشيخ حمدان في المدينة المنورة. ولا ندري البلدان التي مر بها والعلماء الذين تعرف عليهم أو تعرفوا عليه. وبعد أدائه للشعائر الدينية انتصب للتدريس هناك. وقد وجدنا في أحد البحوث التي قام بها أستاذ من
стр. 1103
السعودية حول التعليم في الحجاز في هذا القرن، إسم الشيخ حمدان ضمن المدرسين. وفي ظننا أنه لو كان الشيخ حمدان منتميا إلى بعض الطرق ذات الصلة بالسلطات الفرنسية لما كان مصيره الطرد من الجامع الذي قضى فيه ثلاثين سنة من عمره، بل الطرد من بلاده بطريقة غير مباشرة. ولكنه فضل الشرف على المذلة، وجوار الرسول ﷺ على جوار الاستعمار.
وكان في الحجاز مهاجرون جزائريون جدد وقدماء، ولا سيما في المدينة المنورة، التي كانت عندئذ بدون ضرع ولا زرع، ولا نفط ولا مياه محلاة. فاجتمع الشمل بأسرة العقبى وأسرة الإبراهيمي وبعض الأسر المغاربية، ثم التحق بهم عبد الحميد بن باديس حاجا، وكانت نفسه تحدثه أيضا بالهجرة. وكان القدر يخطط لكل قدره، فالشيخ الذي ذهب مراغما في الأرض نصح تلميذه بالرجوع إلى وطنه وتعمير المكان الذي شغر برحيله. وكان الشيخ حمدان يعرف مكانة أسرة ابن باديس في قسنطينة، ويعرف حدود حركة المتوظف لدى السلطات الفرنسية، فنصح تلميذه ابن باديس أيضا بأن يعمل حرا وأن لا يرتبط بوظيف إداري، مهما كان. وبعد عدة شهور استجاب التلميذ لنصيحة شيخه وشد الرحال عائدا إلى وطنه. وبعد عدة سنوات في التعليم (بطيبة الطيبة) توفي الشيخ حمدان راضيا مرضيا، فقد سمع عن البذور التي كان يبذرها تلميذه في الجزائر، ولم يبق إلا انتظار الحصاد (١).
ولنبق في قسنطينة لنواصل الحديث عن بقية المدرسين فيها مستفيدين من تقارير المفتشين حولهم. لقد خضع مدرسو إقليم قسنطينة لنفس الإجراءات والبرنامج والمقاييس التي خضع لها مدرسو إقليم الجزائر ووهران. فصدر الأمر عن الحاكم العام بإجراء التفتيش على المدرسين في ٦
стр. 1104
مايو ١٩٠٥. وكانت المراكز المعنية عشرة فقط رغم اتساع المنطقة. مركزان منها في مدينة قسنطينة نفسها، كما عرفنا، والمراكز الباقية هي: عنابة وسطيف وبجاية وميلة وبسكرة، والعين البيضاء ووادي الزناتي والمسيلة. ولم يفتش مدير مدرسة قسنطينة (موتيلانسكي Motylinski) سنة ١٩٠٥ سوى المراكز الآتية: مسجدا قسنطينة، ومساجد عنابة ووادي الزناتي، وسطيف. ولم يقدم حول بعض المدرسين في هذه المراكز أية معلومات وأحيانا مجرد أسماء. ولم يزر بسكرة والعين البيضاء والمسيلة هذا العام، ووعد بزيارتها السنة الموالية، ربما لضيق الوقت منذ إنشاء التفتيش (١). والمعروف أن موتيلانسكي كان في هذه السنة منشغلا برحلته إلى غدامس ومشاركته في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد بالجزائر. وقد توفي فجأة سنة ١٩٠٦، ولذلك لم ينجز ما وعد به.
٣ - عبد المجيد بوجمعة: بالنسبة للشيخ عبد المجيد بوجمعة فقد حل مدرسا في الجامع الكبير محل الشيخ حمدان الونيسي، كما ذكرنا. وقد واصل مهمته فوجدناه في تقرير ١٩١٣ له حوالي ٦٣ تلميذا بأعمار مختلفة. ولا شك أن هؤلاء من التلاميذ الابتدائيين والذين سيترشحون للمدرسة الشرعية الرسمية. أما الحضور في المسجد نفسه للدرس الاختياري (الفقه والتوحيد) فلا ندري عدد الحضور فيه. ولاحظ المفتش أن حوالي عشرين فقط (من ٦٣) من مدينة قسنطينة. أما الباقون فكانوا من خارجها، كما أن أكثرهم كانوا من التعليم الابتدائي. والمدن التي جاؤوا منها هي باتنة والمسيلة وسطيف وبجاية، الخ. وذلك ما كانت تريده الإدارة، أي تحضير تلاميذ المدارس الابتدائية لدخول المدرسة الشرعية - الفرنسية، وسواء ترشحوا أم لم يترشحوا فالهدف محقق وهو إلغاء التدريس المسجدي (التقليدي) وجعل هذه الدروس الجديدة حلقة للربط بين مدرستين فرنسيتين في الواقع. ولذلك أشاد المفتش بنشاط الشيخ بوجمعة وبطريقته في التدريس وبعدد الحضور عنده. وكان الفرنسيون يفضلون بالطبع المعلمين الذين
стр. 1105
تخرجوا من مدارسهم على الشيوخ الذين تخرجوا من الزوايا أو من المشرق أو المغرب أو تونس. وعندما ألجأهم الحال إلى تعيين نماذج من المتعلمين الأحرار سرعان ما أخذوا يتخلصون منهم بالتدريج وتعويضهم بزملائهم، كما رأينا مع بعض مدرسي وهران والجزائر أيضا.
وقد استمر الشيخ بوجمعة فترة الحرب العالمية الأولى يقوم بنفس المهمة. وكان يجمع بين التدريس في المدرسة والتدريس في الجامع الكبير. ولا ندري إن كان ذلك فوق إرادة المفتي ابن الموهوب أو بإرادته. وفي سنة ١٩٢٣ وجدنا المفتش الجديد، السيد دورنون Dournon، وهو في نفس الوقت مدير مدرسة قسنطينة الشرعية، ينتقد الشيخ بوجمعة لجمعه بين المنصبين من جهة ولكونه يقدم تلاميذه على غيرهم أثناء امتحان الدخول إلى المدرسة الشرعية باعتباره عضوا في لجنة الامتحان (١).
٤ - ابن مرزوق: هذا عن مدرس الجامع الكبير بقسنطينة، أما مدرس جامع سيدي الكتاني (صالح باي)، فقد ظل هو أحمد بن سعيد بن مرزوق فترة طويلة، تقارب ربع القرن. ولا ندري ثقافة هذا الشيخ المعاصر أيضا لأحداث وشخصيات هامة عرفتها قسنطينة، ويبدو أنه ليس من خريجي المدرسة الفرنسية، كما يظهر من ملاحظات المفتشين الفرنسيين. وقد فتشه موتيلانسكي سنة ١٩٠٥ ولكننا لا نجد له ملاحظات عليه، كما فعل مع الشيخ حمدان. أما المفتش التالي، وهو سان كالبر Saint-Calbre فيقول عنه سنة ١٩٠٧ إن ابن مرزوق كان من تلاميذ الشيخ المجاوي، مستمعا حرا، أي أن تعليمه سماعي، عن طريق الإجازة وغيرها. ولم يتخرج من المدرسة الفرنسية، وكان عمره أربعين سنة ١٩٠٧، وأنه عين للتدريس سنة ١٨٩٤ في
стр. 1106
المذكور (الكتاني). ولا نجد تقييما هاما لطريقة تدريسه في هذه المرة. لكن في سنة ١٩١٣ وجدنا المفتش سان كالبر نفسه يقيمه كالتالي: تلاميذه الأحرار حوالي عشرين، ولا يستعمل السبورة رغم أنه أعطي واحدة. وقد حضر إليه بعض تلاميذ المدرسة الابتدائية الفرنسية (مدرسة جول فيري) ثم غادروا درسه منذ الشهور الأولى، فلم يبق له إلا درسا المسجد والعامة. والشيخ ابن مرزوق لا يرغب في التدريس للمبتدئين، وليس له تأثير بين الأهالي، ثم أنه يفتقر إلى المبادرة والنشاط (١).
ولكن (دورنون) لاحظ سنة ١٩٢٣ أن ابن مرزوق قد أصبح كبير السن متدهور الصحة، وأنه لم يبق له إلا سنة واحدة على التقاعد. ونفهم من هذا أن الشيخ ابن مرزوق قد ظل مدرسا في جامع سيدي الكتاني كل حياته التعليمية تقريبا. وهو من النوادر الذين انتقدهم المفتشون ولم يطردوا أو يعزلوا. وقد اقترح المفتش دورنون تعيين الشيخ معيزة، مدرس جامع سطيف بدله، حين يحل أجل تقاعده. وقال عن الشيخ معيزة أنه أيضا كبير السن ولكنه معلم جيد، في نظره. وليس لدينا الوثائق التي تؤكد هذا التغيير سنة ١٩٢٤ (٢).
مدرسو المساجد في إقليم قسنطينة والجنوب
سطيف: كان المدرس في سطيف هو طالب علاوة. وقد حل محله في نفس السنة (يناير ١٩٠٥) الحاج محمد بن خليفة الصحراوي الذي كان مدرسا في ميلة. وكان طالب علاوة قد طلب وظيفة قضائية لأنها أرفع راتبا من التعليم، فعين فيها. وكان من المتخرجين من المدرسة الشرعية الفرنسية (بالعاصمة). وكان تلاميذ الشيخ الصحراوي حوالي ٢٥ وجميعهم
стр. 1107
تقريبا من كبار السن. ولاحظ عليه المفتش أنه كان متمكنا من الطريقة الإسلامية (العتيقة) في إلقاء الدروس. ونفهم من هذا أن الشيخ الصحراوي قد درس بطريقة حرة مثل الشيخ حمدان والشيخ ابن مرزوق، ربما في الزوايا (١).
وبناء على تقرير سان كالبر سنة ١٩٠٧ فإن عدد تلاميذ الشيخ الصحراوي بقي حوالي ٢٠ ولكن الذين حضروا ساعة التفتيش كانوا عشرة فقط. وأعمارهم بين ١٠ و ٤٧ سنة. ولاحظ المفتش أن المدرس الصحراوي له فكرة غامضة فقط عن مهمته وعن البرنامج الموكول إليه. وكان يدرس لتلاميذه النحو والفقه والحساب والتوحيد. وعمره ٥١ سنة. وهو متحمس لعمله، ولكن نجاحه ضعيف، ودرسه شفوي، فهو مثل زملائه لا يستعمل السبورة. وفي الامتحان الذي جرى في غشت سنة ١٩٠٣ في قسنطينة لاختيار المدرسين نجح الحاج الصحراوي، وسمى في نفس السنة مدرسا في ميلة، ثم في سطيف خلال يناير ١٩٠٥. وقد حاوله المفتش أن يعدل من وقته ومن برنامجه لكي يستفيد من دروسه في المسجد تلاميذ المدارس الابتدائية الفرنسية أيضا (٢).
ومع ذلك بقي الشيخ الصحراوي مدرسا في سطيف إلى حوالي ١٩١٧.
وقد ضاعت منا بعض التقارير الخاصة به، ولكن تقرير سنة ١٩١٣ يشير إلى أنه ما يزال في سطيف، وكان له حوالي ٢٢ تلميذا، بعضهم فقط من التعليم الابتدائي الفرنسي. وقد أبدى عليه المفتش ملاحظات في صالحه. وأوصى بزيادة راتبه هو وغيره لأن الرواتب غير كافية (٣). أما تقرير دورنون سنة ١٩٢٣ فيذكر أن الشيخ الصحراوي قد استخلف سنة ١٩١٧ وحل محله الشيخ معيزة، ولا ندري السبب، لضياع بعض الحلقات (٤).
стр. 1108
عنابة: كان مدرس جامع عنابة سنة ١٩٠٥ هو ابن العابد (١). وهو خريج القسم العالي من مدرسة الجزائر الشرعية الفرنسية وحامل لدبلوم الآداب من مدرسة (كلية) الآداب بالجزائر. ولا ندري متى توظف ابن العابد في عنابة، ولكنه سرعان ما نقل إلى مدرسة قسنطينة الشرعية فحل محله في التدريس بعنابة السيد محمد العربي بلايلي الذي تخرج أيضا من مدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية والقسم العالي من مدرسة الجزائر. وحسب تقرير المفتش فالسيد بلايلي كان ناجحا في مهمته وله ٢٤ تلميذا. وقد حضر مفتي عنابة درسه وشجع الآخرين من موظفي الجامع على حضور الدرس (٢).
وقد أعطانا المفتش شارل سان كالبر معلومات إضافية عن السيد بلايلي بعنابة. فقد بدأ فيها التدريس سنة ١٩٥١، وكان أصلا من هذه المدينة، ولذلك لم يبد بلايلي الرغبة في الانتقال منها إلا إذا شغرت وظيفة مدرس في إحدى المدارس الشرعية الثلاث. وكان راتبه ٧٥ ف. فقط، وهو مبلغ لا يكفيه، حسب التقرير، لأنه صاحب عائلة. ولذلك فهو يقدم دروسا إضافية للشباب المترشح لدخول إحدى المدارس الثلاث. أما تلاميذه فهم حوالي عشرين، وأعمارهم بين ١٥ و ٥١ سنة، وهناك مواظبة في الحضور، ومن بينهم بعض المترشحين لمدرسة قسنطينة الرسمية. وكان الشيخ بلايلي يعطي دروسا عامة وأخرى خاصة بتلاميذ المدارس الابتدائية أيام الخميس والأحد، كما يلقى دروسا للعامة في التوحيد خلال شهر رمضان. وهو يدرس خمسة أيام في الأسبوع بمعدل ساعتين في اليوم. أما المواد فهي التي قررها البرنامج (٣). وقد استمر نفس المفتش في الإشادة بالسيد بلايلي في التقارير
стр. 1109
الموالية، كما فعل سنة ١٩١٣ أيضا. ولكن تلاميذه انخفضوا هذه السنة إلى ١٦ معظمهم من تلاميذ المستوى الابتدائي.
كان هذا رأي المفتش سان كالبر في السيد بلايلي. ولكن الأمور تغيرت بعد ذلك. ولا ندري هل تغير المفتش فقط، أو تغير المدرس أو تغيرت الحياة ونظرة الناس إلى تعليمه ومحيطه. ذلك أن المفتش الجديد، وهو دورنون حكم عليه حكما قاسيا رغم أنه من تلاميذه في مدرسة قسنطينة. فقد قال دورنون أن بلايلي غير مؤهل للوظيفة التي يشغلها وأنه قد قضى في التعليم خمس عشرة سنة. وقال أنه شخص لا يوثق في كلامه، ولاحظ الإهمال على المكتبة عنده، الخ (١). فماذا كان مصير السيد بلايلي بعد ذلك؟ الواقع أننا لا نملك الآن بقية التقارير عنه. وربما أثرت ظروف الحرب على هذا المدرس وجمهوره.
بجاية: كان المدرس فيها سنة ١٩٠٥ هو السيد الأخضر (الخضير) بن أحمد العلمي، وهو خريج مدرسة قسنطينة الشرعية الرسمية. وكان مدرسا ناجحا، حسب تقرير المفتش موتيلانسكي، وله ٢٥ تلميذا. وفي تقرير المفتش سان كالبر ١٩٠٧ أن الحضور ١٩ تلميذا، أعمارهم بين ١٤ و ٣٥، وأن موظفي الجامع لا يحضرون الدروس. وتلاميذه كانوا من بجاية نفسها إلا واحدا كان من خراطة وآخر من المسيلة. وأغلبهم يتكلمون قليلا من الفرنسية. بعضهم سيترشحون لدخول المدارس الشرعية. وكان عدد الحضور يوم التفتيش ١٢ تلميذا فقط. وكان السيد العلمي يلقي دروسه بمعدل ست مرات في الأسبوع، وكان أمينا على البرنامج المسطر (٢).
стр. 1110
وكان الدرس يوم التفتيش في مقامات الحريري. وقد أملى المدرس نصا من إحدى المقامات على أحد المستمعين في السبورة، بينما الباقون يكتبونه ذلك في الكراريس. وحكم المفتش بأن الشيخ العلمي قد أعد درسه بجدية. أما دروسه فقد كانت في ساحة المكتبة وليس في الجامع.
وهناك نبذة عن حياة العلمي في هذا التقرير. فهو من مواليد ١٨٦٨ ببلدية القرقور، وقد دخل مدرسة قسنطينة ثم تخرج منها على النظام القديم (قبل الإصلاح) سنة ١٨٩١. وقبل أن يتعين في بجاية، درس أولا في عنابة، وكان (فارسا) في بلدية جوزيف (؟)، وكان في بجاية يعمل مدرسا ومحافظا للمكتبة في وقت واحد. واعتبره المفتش سان كالبر من المدرسين المتحمسين (١).
وفي ١٩١٣ اقترح له نفس المفتش وسام الأكاديمية (التعليم) لأدائه دوره على أحسن وجه، منذ ثلاث سنوات (؟) وقد رشح عددا من التلاميذ لمدرسة قسنطينة الرسمية من بين تلاميذه الأربعة والعشرين. ولا يحضر له إلا بعض تلاميذ التعليم الابتدائي (٢).
ولا ندري ما الذي حدث للشيخ العلمي بعد ذلك. فنحن لا نجده في تقرير المفتش سنة ١٩٢٢. فهل توفي أو انتقل إلى جهة أخرى؟ ومهما كان الأمر، فإن المدرس في هذه السنة هو السيد الشريف سعدى. ويبدو أن الأمور قد تغيرت معه، فلم تعد الدروس في المساجد كما هو البرنامج، ولكن في أماكن أخرى كالمدارس والمكتبات، خصوصا للتلاميذ الابتدائيين. فتقرير سنة ١٩٢٢ يذكر أن درس الشريف سعدي يحضره أيضا عدد من الأروبيين والأروبيات. وله أيضا نشاط آخر مع هؤلاء ومع الموظفين الرسميين. أما درسه فقد أهمله حتى أنه اكتفى بترجمة نصوص كان رئيس
стр. 1111
الدائرة قد نشرها في إحدى المجلات بباريس. أما أثناء تفتيش سنة ١٩٢٣ فقد غاب السيد الشريف سعدي تماما إذ كان في العاصمة يحضر لزواجه، ومع ذلك طلبت منه السلطات المحلية تعليم العربية الدارجة، مما يوحي من التقرير أن ذلك مخالف للبرنامج الصادر عن الحاكم العام سنة ١٩٥٥ (١).
ميلة: منذ يناير ١٩٠٥ كان الشيخ محمد بن معنصر هو المتولي التدريس في ميلة. وكان قبل ذلك يشغل وظيفة عدل في في مزالة، ولأسباب صحية تخلى عنها واختار التدريس في ميلة، وهي مسقط رأسه. وقد بلغ تلاميذه الثلاثين، ولكن ليس من بينهم الابتدائيون، وهو ما لا تريده الإدارة. وقد شكر المفتش موتيلانسكي طريقته في التدريس (٢). وكان ابن معنصر، مثل عدد آخر من المعاصرين، متعلما حرا، في قسنطينة حيث كان يحضر بعض الدروس مستمعا فقط. وكان عمره ٣٩ عاما سنة ١٩٠٧ (٣).
وقد بقي ابن معنصر في وظيفه وفي مكانه فترة طويلة. ورغم ضياع التقارير الخاصة به من أيدينا، فإن أحد التقارير الباقية عندنا، وهو لدورنون سنة ١٩٢٣، يذكر أنه ما يزال يؤدي مهمته. ونوه به دورنون كثيرا. فقال إن سمعته تجاوزت ميلة والميلية وفج مزالة. واعتبره رجلا متعاونا مع السلطات المحلية، وهذا أحد المقاييس الأخرى التي يقيس بها الفرنسيون كفاءة المدرس (٤). وقد تعرضنا لسيرة ابن معنصر في حديثنا عن سيرة الشيخ مبارك الميلي فانظر أيضا.
وادي الزناتي: تقرير التفتيش لسنة ١٩٠٥ كتبه موتيلانسكي، وكان مقتضبا لأنه لم يمض على التجربة سوى سنة واحدة بالنسبة لمعظم المدرسين. وكذلك بالنسبة لإنشاء وظيفة التفتيش نفسها. لقد تعين المدرس
стр. 1112
الطيب الطيبي في وادي الزناتي في ٣٠ يناير، ١٩٠٥. فلم يتحدث المفتش عن سيرته طويلا، واكتفى ببعض اللقطات منها. فتلاميذه حوالي ٢٥، ولا نعرف إن كانوا صغارا أم كبارا، من أهل الدرس العام الاختياري أو الخاص الإجباري حسب البرنامج. وقد لاحظ موتيلانسكي أن هذا المدرس ليس له شهادة من المدرسة الشرعية الرسمية (١)، فهو إذن من المتعلمين الأحرار.
وقد أكمل تقرير سان كالبر معلوماتنا عن هذا المدرس. فقال أنه في الأربعين من عمره سنة ١٩٠٧، وأنه من مواليد البرج (بوعريريج)، وكان قد تلقى دراسته في زاوية بني يحى ناحية آقبو، على يد الشيخ الهادي (؟).
وشارك في امتحان المدرسين بقسنطينة فنجح فيه، وهكذا سمى بعده بوادي الزناتي في السنة المذكورة (١٩٠٥). وقد ذكر لنا سان كالبر أن للشيخ حوالي ١٨ تلميذا تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ٥٠ سنة. وكان الشيخ الطيبي يطبق البرنامج الرسمي، وله بعض الكتب من الإدارة ومن البلدية، ولكنه لا يستعمل السبورة. ولا يخرج درسه عن الفقه والنحو والتوحيد والحساب والمطالعة (٢).
ثم تبدلت الأيدي على وادي الزناتي. ففي سنة ١٩١٣ نجد المدرس هو محمد بن الطاهر بن زراق. وكان تعريفه في التقرير مختصرا، فهو فقط مدرس ناجح في مهمته وله تأثير على السكان، ومتواضع، أما تلاميذه فعددهم ٣٩، بعضهم فقط من الابتدائيين - المدرسة الابتدائية الفرنسية (٣). ولم نستطع أن نعرف السيرة العلمية لابن زراق. وفي تقرير آخر يرجع إلى سنة ١٩١٧ أصبح المدرس في وادي الزناتي هو السيد الجنيد (أحمد مكي؟). فإذا كان المقصود به الجنيد أحمد مكي، فسيرته معروفة من كتاب (شعراء الجزائر)، ولكننا لا نملك تقرير المفتش عنه، ولا عن سلفه
стр. 1113
ابن زراق (١). ونفهم من تقرير دورنون سنة ١٩٢٢ إن الجنيد ظل مدرسا في وادي الزناتي إلى هذه السنة، ثم تعين لإدارة إحدى المدارس بموريطانيا.
بسكرة: لم يفتش موتيلانسكي مدرس جامع بسكرة سنة ١٩٠٥ لضيق الوقت وانشغاله بمهمات أخرى، ثم أدركته الوفاة كما أشرنا. ولكن المفتش الجديد، سان كالبر، ترك لنا تقريرا عن المدرس في بسكرة سنة ١٩٠٨، وهو الشيخ محمد بن بلقاسم خمار، ونفهم من التقرير أن الشيخ خمار قد تعين مدرسا هناك سنة ١٨٩١، وهي السنة التي جندت فيها السلطات الفرنسية عددا من المدرسين. وقد ساق السيد سان كالبر معلومات هامة عن الشيخ خمار. فقد تجاوز الخمسين من عمره، وكان يعاني من مرض دائم في عينيه، وله مكتبة شخصية متنوعة وكبيرة. وهو محب للكتب وبستعملها لمراجعة دروسه، وكان يدرس نفس المواد المنصوص عليها في البرنامج (النحو والفقه والأدب، والحساب والتوحيد)، ولكن الكتب التي يرجع إليها في ذلك تختلف وتزيد عن المتعارف عليه. وكانت له شهرة كبيرة بين الناس كعالم كرس جهذه للتعليم، وله سيطرة تامة على تلاميذه. وكان الشيخ خمار يدرس في ناحية قداشة في قاعة صغيرة أرضها من الطين Argile وسماؤها مفتوحة. فهو بعيد عن مركز بسكرة، ولذلك لا يحضر إليه أهل المدينة لبعد مكان الدرس.
كان درسه ست مرات في الأسبوع. وتلاميذه حوالي ٢٠ وليس منهم
стр. 1114
من يتكلم الفرنسية، رغم أن في أهل بسكرة من يتكلمها قليلا، كما لاحظ التقرير. وتلاميذه لا يستعملون الكراريس للإملاء والمذكرات، ولا يستعمل السبورة، والدرس شفوي فقط أو نظري. ومن بين تلاميذه ابنه قدور خمار الذي يحمل شهادة عدل في المنطقة العسكرية. وللشيخ خمار ابنان آخران سيترشحان، كما قال التقرير، لوظيفة حزاب. ولم يبد الشيخ خمار أية رغبة خاصة، ومما يؤسف له أن التقرير لا يتحدث عن مكان دراسة الشيخ خمار ولا عن شيوخه.
أما تقرير سنة ١٩٠٩ فقد تغيرت فيه لهجة المفتش نحو الشيخ بطريقة تثير الاستغراب. وكان الذي كتب التقرير الجديد شخص آخر. فقد اقترح فيه تعويض الشيخ في الحال، وذلك لمرضه من عينيه مرضا لا يمكن الشفاء منه، ثم أنه يكاد يكون أصم. وقد تقدمت سنه (خمسون سنة!). ومضى عليه في الخدمة حوالي ١٩ سنة، ومن ثمة لا يمكنه التقاعد. ثم أنه يملك أربعة بساتين وأرضا للفلاحة. وقد وافق والي قسنطينة على تقرير المفتش وأرسل برأيه إلى الحاكم العام قائلا أنه أراد أن يضمن اقتراحه بعزل الشيخ خمار بشهادة طبية، ولكنه علم أن خمار ذهب إلى تونس للعلاج ولم يرجع بعد (أي إلى ١٣ أكتوبر ١٩١٥). وكان المفتش قد أوصى بتعيين شاب متخرج من المدرسة الشرعية - الفرنسية مكان الشيخ خمار، وفي هذه السنة (١٩٥٩) أيضا ذكر المفتش أن الشيخ خمار كان يدرس في جامع سيدي الخنفري الذي يلاصق داره، وأنه لا يستطيع الذهاب إلى أماكن أخرى للتدريس. وقد كرر سان كالبر اقتراحه بتعويض الشيخ فورا سنة ١٩١٥، وكان راتب الشيخ خمار ٨٠٠ ف. للعام.
ولا نملك قرار العزل والتعيين للبديل عندئذ، ولكن تقرير المفتش لسنة ١٩١١ ذكر أن مركز بسكرة أصبح خاليا من المدرس منذ عام، مما يفهم منه أن الشيخ خمار لم يرجع من تونس للتدريس، أو أنه رجع ووجد قرار العزل دون تعويضه بأحد المدرسين. وقد جاء في تقرير السيد سان كالبر أن أحدا لم
стр. 1115
يترشح لمركز بسكرة لضعف المرتب (١). وهكذا بقيت بسكرة بدون مدرس رسمي أكثر من عام، وربما لمدة أطول.
ولكن هناك شيخ آخر كان يعلم في بسكرة، وهو مصطفى بن محمد زادي. وقد وردت سيرته في تقرير المفتش سان كالبر لسنة ١٩٠٨. غير أنه قال فيه أنه قد نقل هذا العام إلى المسيلة. وبناء على هذا التقرير فالشيخ زادي كان أيضا عصامي التعليم أو متعلما حرا. فقد حضر دروس الشيخ عبد القادر المجاوي في قسنطينة، كما درس في تونس والقاهرة. وكان عمره إذاك ٤٥ سنة. وهو من النوادر الذين تعينهم السلطات الفرنسية للتدريس رغم خلفيات تعليمه، ثم رجع الشيخ زادي إلى التعليم في بسكرة، وربما في مكان الشيخ خمار. ذلك أننا وجدناه في تقرير سنة ١٩١٣ مدرسا في بسكرة. وكان له درس عام يحضره حوالي ١٩ شخصا أعمارهم من ١٠ إلى ٦٥، حسب التقرير. وكان يلقي دروسه ستة أيام في الأسبوع. ويعلم نفس المواد الخمسة المنصوص عليها. وكان تقليديا في طريقته، ولكنه خصص درس يوم الأحد لتلاميذ المدرسة الابتدائية الفرنسية. وأخبر عنه المفتش أنه كان يعيش منعزلا عن الناس، وأنه لا يفهم مهمة المدرس كما تنتظرها منه فرنسا. ولذلك كان تأثيره على السكان معدوما. وقد أفهمه المفتش أن دوره كمدرس أكبر من ذلك (٢). ولا ندري ما كان مصير الشيخ زادي بعد ١٩١٣، إذ ضاعت منا بقية التقارير عنه. غير أننا وجدناه رجع إلى بسكرة سنة ١٩١٥. وقد لاحظ عليه المفتش نفس الملاحظات القاسية، مثل قوله فيه إنه غير عصري ولا يستعمل السبورة وتلاميذه لا يترشحون لدخول المدارس الشرعية، الخ. وهدده هذه المرة بأن الترقية لا تكون بالأقدمية فقط ولكن بالنتائج الحسنة أيضا. ونعلم من تقرير سنة ١٩١٨ أن الشيخ زادي قد حقق هدفه وهو ولاية الفتوى في قالمة. وحل محله في بسكرة السيد الجنيد أحمد مكي الذي بقي إلى فيفري
стр. 1116
فيفري ١٩٢٢ حين ذهب إلى موريطانيا (١).
وهكذا تغير المدرسون على بسكرة. لقد وجدنا في تقرير كتبه المفتش دورنون سنة ١٩٢٣ أن مدرس بسكرة حينئذ هو السيد الزردومي، ولم يذكر التقرير إسمه الكامل، إنما ذكر أنه شاب وأنه تعين هناك منذ ١٣ يناير ١٩٢٣. وأنه لقي معارضة من الآغا (شيخ العرب؟) ابن قانة الذي أراد الوظيفة لأحد أتباعه. كما وجد الشاب الزردومي معارضة من مدير المدرسة الابتدائية الفرنسية الذي رفض إعطاعه إحدى القاعات للدرس. فهل يرجع ذلك إلى نقمة المدير الفرنسي على المدرسين بالعربية أو إلى أمر آخر؟ ونفهم أن القاعة المعنية هي للدرس الخاص الموجه لتلاميذ المدرسة، أما الدرس العام فكان يلقى في أحد المساجد، كما عرفنا. ولم يعطنا التقرير معلومات عن أي درس من دروس الزردومي. والظاهر أنه لم يباشر عمله أبدا في المدرسة. ولم يوص المفتش بشيء ضد المدير الذي منع المدرس من استعمال القاعة (٢).
ولا ندري إن كان الزردومي هذا هو نفسه معمر بن الحاج رابح الزردومي الذي تولى القضاء في قمار (الوادي) أو هو من أسرته فقط. ذلك أن جريدة (الأخبار) الفرنسية قد نشرت في صفحاتها العربية سنة ١٩١٣ أن (الوجيه الفقيه الأديب) معمر الزردومي قاضي قمار (والمحرر بهذه الجريدة سابقا) (٣) قد زار مكتبها. ولعل الزردومي الذي تحدث عنه تقرير دورنون سنة ١٩٢٣ إنما هو أحد أقارب هذا القاضي.
المسيلة: لم يفتش موتيلانسكي مدرس جامع المسيلة سنة ١٩٠٥ أيضا. ولذلك لا نعرف من كان مدرسا بها عندئذ. وأول من أشارت إليه التقارير هناك (١٩٠٨) هو الشيخ مصطفى زادي الذي انتقل إليها من بسكرة
стр. 1117
(انظر سيرته هناك). وقد حضر المفتش درسه فوجده تقليديا، رغم حماسه وحبه للعلم. فتدريسه شفوي، ولا يستعمل السبورة، وتلاميذه ٢٤ وليس من بينهم من يتحدث الفرنسية، ولا من دخل المدرسة الابتدائية الفرنسية. أما الشيخ فهو، حسب التقرير، يجيد مادته، وهو متحمس لها، ولكن ليس في تعليمه أي شيء عصري. ومع ذلك فهو مفيد لأنه على استعداد كبير لو استعمل السبورة وحث تلاميذه على أخذ مذكرات من الدرس، وكان عليه أن يكرس وقتا أكثر لشرح النصوص. أما عن الرغبات فقد أبدى الشيخ زادي استعداده لتولي وظيفة مفتي. ولم يبين التقرير المكان الذي كان الشيخ يلقي فيه درسه، هل هو الجامع أو مكان آخر (١).
ويبدو أن الشيخ زادي لم يطل الإقامة في المسيلة رغم أننا لا نعرف متى نقل منها. ولكننا نعرف أن المدرس فيها سنة ١٩١٢ - ١٩١٣ هو السيد صالح بن سعيد وهاب، وليس في التقرير سيرة لهذا المدرس، إنما فقط هو شاب ذكي يتقن مهمته، وهي عادة أوصاف يطلقها المفتشون الفرنسيون على من تخرج من إحدى المدارس الشرعية الفرنسية. كان الشيخ صالح وهاب يلقي درسين، أحدهما عام في المسجد، والآخر خاص في المدرسة الابتدائية الفرنسية. وتلاميذه عشرون، بعضهم من هذه المدرسة الابتدائية نفسها، وأعمارهم بين ١٤ و ٦٠. وبناء على التقرير فإن السيد وهاب قد أحرز على ثقة السلطة والسكان معا (٢).
وقد يكون السيد وهاب بقي في المسيلة إلى حوالي ١٩١٩. ذلك أن المدرس الجديد فيها، حسب تقرير سنة ١٩٢٣ هو الأطرش بن نية. وقال التقرير عنه أنه قد عين هناك منذ حوالي أربع سنوات. وليس له سيرة وافية في التقرير وإنما معلومات عامة تصدق عادة على من تخرج من المدرسة الشرعية - الفرنسية. فهو ناجح جدا في درسه الذي يبدو أنه كان يلقيه خارج
стр. 1118
المسجد، إذ يحضر له عدد كبير حتى من غير المسلمين، مثل التلاميذ اليهود الراغبين في تعلم العربية. وقد اقترح له المفتش الترقية إلى رتبة أعلى، أي الطبقة الثانية في سلم المدرسين، وراتبها ٥٠٠٠ ف (١).
قالمة: يبدو أن مركز التدريس في قالمة قد استحدث خلال الحرب العالمية فقط، فهو ليس من المراكز التي أنشئت سنة ١٩٥٥. وأول إشارة في أوراقنا إلى مدرس في قالمة ترجع إلى سنة ١٩١٧ حين ذكر المفتش أن الشيخ معيزة كان مدرسا فيها قبل انتقاله إلى سطيف لتعويض الشيخ الصحراوي. وكان الشيخ معيزة (انظر سطيف) قد مدحه المفتش على تعليمه، رغم أنه من التقليديين.
أما تقرير ١٩٢٣ فيذكر أن المدرس في قالمة هو السيد فاضل. وكان من خريجي المدرسة الشرعية الفرنسية، القسم العالي بالجزائر. ولا ندري متى تعين في هذه الوظيفة، ولعله بعد انتقال الشيخ معيزة (١٩١٧)، ذلك أن التقرير يذكر أن السيد فاضل قد تحسن في تعليمه عن السنة السابقة. والغريب أن السلطات الفرنسية المحلية قد طلبت تدريس العربية الدارجة للتلاميذ الفرنسيين الابتدائيين وكذلك للعسكريين، وهو نفس الطلب الذي طلبته من الشريف سعدي مدرس بجاية، رغم أن هذه الدروس موجهة أساسا للعامة والتلاميذ المسلمين في المدارس الفرنسية. وقد حكم المفتش، مع ذلك، أن السيد فاضل (ولم يذكر اسمه الأول، وقد يكون محمد) مؤهل لوظيف القضاء أكثر من وظيف التعليم (٢).
تبسة: مركزها حديث النشأة أيضا. ومدرسها سنة ١٩٢٣ هو السيد المكي بن علي. واعتبره المفتش من المدرسين الناجحين، وهو شخص وصف بالمتعاون جدا مع السلطات المحلية. كما أن له سمعة كبيرة بين الأهالي باعتباره من العلماء، وهو أيضا مدير المدرسة هناك. وامتدحه
стр. 1119
المفتش بأنه يشرف أساتذته القدماء في المدرسة الشرعية - الفرنسية (؟). والسيد المكي من تبسة أصلا، ومزدوج اللغة، وكان عندئذ ما يزال شابا حسب التقرير. ولعل المفتش دورنون كان أحد أساتذته (١). والسيد المكي أول من ذكرته التقارير على أنه مدير لمدرسة. ولم يذكر المفتش تفاصيل عن تلاميذه ولا عن دروسه في المسجد.
ويبدو أن دروس المساجد بالطريقة القديمة ثم التي انطلقت منذ ١٩٥٥، أخذت تفقد معناها وأسلوبها بعد الحرب العالمية الأولى وأصبح التركيز على الدروس خارج المساجد لتحضير التلاميذ لدخول المدارس الشرعية - الفرنسية، وإشاعة اللغة الفرنسية والتأثير الفرنسي عن طريق الجيل المتخرج من هذه المدارس. وهذه هي الثغرة التي سيدخل منها رجال الإصلاح المتطوعين إلى مجال التعليم المسجدي الموازي وإرجاعه إلى سنته بالوعظ والإرشاد والتوعية، إلى جانب التعليم العربي الحر في المدارس الإصلاحية.
العين البيضاء: أنشئ مركز العين البيضاء سنة ١٩٥٥. وجرى التفتيش على المدرس هناك ١٩٠٥. والمدرس الذي أشار إليه التقرير في هذه السنة هو السيد عمر بن عبد القادر بن الموفق. وهو خريج المدرسة الشرعية - الفرنسية (قسنطينة؟). بدأ ابن الموفق ممارسة مهمته منذ تنصيبه من قبل شيخ البلدية الفرنسي (٢). وكان تعيينه في الوظيفة في ٧ جوان ١٩٠٥، أي عند نهاية السنة الدراسية تقريبا، ولكن دروس المساجد لا موسم لها. وبالرجوع إلى التقارير اللاحقة لا نكاد نجد ذكرا لمركز العين البيضاء. فإما أن المفتش لا يزوره د وإما أن المنصب نفسه قد ألغي.
وكانت العين البيضاء مركزا نشيطا للتدريس المسجدي ولكن في مجال التطوع. فنحن نعلم أنه كان بها زاوية تجانية ومسجد حبسا لآل حم علي
стр. 1120
الذين منهم الشاعر محمد العيد آل خليفة. وهي لا تخلو من العلم رغم الطابع الصوفي - الطرقي الذي كانت عليه. وفي سنة ١٩٢٩ تحدث الشيخ عبد الحميد بن باديس، عند زيارته للعين البيضاء، أن بها مدرسا متطوعا هو الشيخ السعيد الزموشي، وبها المسجد الذي أقامه الشيخ موسى العربي الصائفي على أنقاض الزاوية المذكورة. إضافة إلى القاضي عبود الونيسي، أخ الشيخ حمدان، وكذلك إمام الجامع، الشيخ الزواوي بن معطي، وعبد الرحمن بن عزوز من الطريقة الرحمانية، والطاهر بن الأمين، والأديب الشاعر حسن بولحبال، وغيرهم (١). وهذا يعني أن الإدارة الفرنسية لم تعد هي وحدها المنشطة لحياة التدريس في المساجد.
المرتبات والتلاميذ والبرامج
بعد هذه الجولة في تقارير المفتشين عن المدرسين والتعليم الذي يفترض فيه أنه تعليم مسجدي وسط بين المدرسة الفرنسية الابتدائية الموجهة للجزائريين وبين المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث. دعنا نختم ذلك ببعض الملاحظات عن الرواتب وعدد التلاميذ واقتراحات المفتشين التي لا تخص مدرسا بعينه.
كل المفتشين تقريبا كانوا يلحون على ضرورة رفع مرتبات المدرسين. كان قانون ١٨٩٨ قد نص على جعل المرتبات السنوية هكذا: ٦٠٠،.٩٠٠، ١٢٠٠ فرنك. أي أن هناك ثلاث طبقات من المدرسين. ولكن منذ ١٩٠٦ أخذ المفتشون يوصون برفع هذه المرتبات لأنها غير كافية لمعيشة المدرس وعائلته. فأوصى ألفريد بيل سنة ١٩٠٥، بأن يكون المدرسون على خمس طبقات ولكل طبقة أو صنف مرتبه السنوي هكذا: ٩٠٠، ١٢٠٠، ١٥٠٠، ١٨٠٠، ٢١٠٠ فرنك.
وأكد السيد ويليام مارسيه W.Marcais ذلك في تقرير ١٩٠٨، وقال ان كل
стр. 1121
المدرسين الذين فتشهم كانوا يطالبون بزيادة المرتبات. وأبدى رأيه أن ٩٥٥ فرنك لا تكفي، وأن خريجي المدارس الشرعية - الفرنسية لا يرغبون في وظيفة مدرس لضالة دخلها. واقترح ألفريد بيل أن يدفع للمدرسين من ميزانية الجزائر المخصصة للتعليم الأهلي العام وليس من ميزانية الديانة الإسلامية كما هو الشأن عندئذ. وجاء في تقرير آخر أن المدرسين كانوا موضوعين تحت سلطة المفتي باعتبارهم موظفين دينيين (رجال الدين) وأن وضعهم بهذه الصفة سيزداد سؤا إذا طبق عليهم مبدأ فصل الدين عن الدولة (١). ولاحظ ألفريد بيل أيضا أن المدرسين في الحقيقة موظفون في التعليم العام وأن تعليمهم غير ديني (٢)، وهذا مهم لموضوعنا. وبناء على هذه التوصيات صدر قرار من الحاكم العام يخرج المدرسين من موظفين في التعليم الديني - الشريعة - إلى موظفين في (خدمة التعليم الإسلامي العالي)، وذلك في ١١ غشت ١٩١٠.
واستجابة لتوصيات المفتشين أيضا أصدر الحاكم العام بتاريخ ١٨ فبراير ١٩١٤ قرارا بتصنيف المدرسين إلى ثلاث طبقات، وجعل مرتبات كل طبقة على النحو التالي: الأولى راتبها السنوي ١٨٠٠ فرنك، والثانية ١٥٠٠ ف، والثالثة ١٢٠٠ ف. ويبدو أن هذه الترقية جاءت بعد اقتراح ألفريد بيل الذي أوصى بفصل المدرسين عن موظفي الشريعة ثم ترقيتهم.
وقد عرفنا أن مجموع هيئة تدريس المساجد على النحو المذكور لا تتجاوز الثلاثين منصبا: عشرة في أقليم الجزائر، وعشرة في أقليم قسنطينة، وثمانية في أقليم وهران. ولكن زيد عليها بالتدرج بعض المناصب التي لم تتجاوز العشرة في كل الأقاليم. منها مازونة وجيرفيل في الغرب، وبوسعادة والأغواط في الوسط، وقالمة وتبسة في الشرق.
стр. 1122
إن دور المدرسين لم يعد هو نشر الثقافة الإسلامية وإحياء التراث، كما فهمه المدرسون الأوائل، أمثال حمدان الونيسي في قسنطينة، ومحمد خمار في بسكرة.، والدايجي في معسكر، الخ. ولكن دورهم أصبح هو تعليم التلاميذ الأهالي النحو والأدب العربي والفقه الإسلامي وإعداد المترشحين لوظيفة مدرسين، حسب تعبير الكاتب العام للشؤون الأهلية في الحكومة العامة (١). والواقع أن هذا الدور قد تقلص أيضا. فقد رأينا أن المفتشين كانوا يوجهون المدرسين إلى إعداد التلاميذ لدخول المدارس الشرعية - الفرنسية وليس لتعليم الأهالي النحو والأدب العربي والدين الإسلامي. وقد انتزعت عن المدرسين الصفة الدينية لا من حيث القانون الوظيفي فقط، ولكن من حيث المواد والتوجيه. وقد صدق وصف ألفريد بيل لهم بأنهم وسطاء بين معلمي التعليم الفرنسي - العربي في المدارس الابتدائية والتعليم العالي الذي تمنحه المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث أيضا (٢).
وقد دكرنا أن البرنامج أصبح موحدا. ولكن قبل ذلك شغل أمره الفرنسيين طويلا. فدروس المساجد قبل ١٨٩٨ كانت محصورة في الفقه والتوحيد وموجهة للعامة، وكانت تحت رقابة مشددة، وبعد إفساح المجال لدروس أخرى في الأدب والنحو والحساب، خرجت بعض الدروس من المساجد إلى المدارس أو الحجرات المجاورة. وبقيت أحيانا أخرى في المساجد نفسها. وكانت الكتب المختارة غير مقررة ولا موحدة، وكان هناك مجال للاجتهاد الشخصي الذي لا يرغب فيه الفرنسيون، واعتبروا ذلك فوضى. ومن ثمة وحدوا البرنامج وحددوا الكتب لكل مادة. وكذلك حددوا الساعات الأسبوعية، والدروس الاختيارية والإجبارية، وأنشأوا دورة تفتيش سنوية، وصدر بذلك قرار من الحاكم العام على الجميع تنفيذه. وكان الشبح الذي وراء كل ذلك هو دومينيك لوسياني مدير الشؤون الأهلية عندئذ. ومنذ
стр. 1123
١٩٠٧ اقترح بعص المفتشين أن لا يحتكر المسجد هذه الدروس، وقالوا أنه يمكن إخراجها إلى قسم (فصل) في إحدى المدارس الابتدائية الفرنسية. ومن هنا بدأ الخلط ثم استمر. وقد أنشئت مكتبة عربية للمدرسين يرجعون إليها لتحضير دروسهم في كل مركز، وهو شيء جيد، ولكن هذه الكتب كانت مراقبة، وكانت تأتي عن طريق الشراء أو التبرع أو الهدية من السلطات الفرنسية نفسها. وكان بعضها من تأليف أو ترجمة المستشرقين أنفسهم. ويمكن للتلاميذ أيضا الاستفادة من هذه المكتبات.
وقد أخذ المفتشون يوجهون تعليم المساجد نحو العصرنة، مطبقين قواعد المدرسة الفرنسية، كاستعمال المدرس للسبورة، والاحتفاظ بدفتر الحضور، وتدوين المذكرات من قبل التلاميذ، ومراعاة هيئة المدرس، وتأثيره في التلاميذ والمحيط، ولغته وصوته الخ. وأبرز المقاييس التي كان المفتشون يطبقونها على المدرس هي نوعية التلاميذ: من أهل البلاد أو من خارجها، ويتكلمون الفرنسية أو لا يتكلمونها، ومن أطفال المدارس الابتدائية الفرنسية أو من عامة الناس، وكم يترشح منهم لدخول المدرسة الشرعية الفرنسية. وليس المهم النجاح في هذا الاختيار ولكن المهم هو المشاركة والاتجاه. ويضاف إلى هذه المقاييس كون المدرس متعاونا مع السلطات المحلية أو منعزلا عنها أو متجافيا.
وبالنسبة لإحصاء التلاميذ، ذكرنا نمادج منهم فيما مضى عند كل مدرس حسب تقارير التفتيش. ونذكر الآن نموذجا خاصا بتلاميذ ولاية الشرق (قسنطينة). وبناء على تقرير ١٩٠٧ الذي كتبه شارل سان كالبر حول المراكز التسعة التي زارها (باستثناء العين البيضاء) كان مجموع التلاميذ ١٩٥ مسجلا، وهذا لا يعني استمرار حضورهم جميعا. وهم موزعون على قسنطينة (مسجدان)، وعنابة وسطيف وبجاية ووادي الزناتي، وميلة، وبسكرة والمسيلة: أعلاها ٢٧ مسجلا في ميلة وأدناها ١٧ في الجامع الكبير بقسنطينة.
وقد لاحظ صاحب التقرير أن النسبة تبدو مرتفعة ولكنها غير كافية، خصوصا وأنه لا يوجد من بين المسجلين سوى ٢٥ مستمعا (من ١٩٠)
стр. 1124
يعرفون الفرنسية قليلا، وحوالي عشرة فقط كانوا يرغبون في الترشح للمدرسة الشرعية - الفرنسية. وهذا في الواقع يعطينا فكرة واضحة عن هدف الناس من التعليم وهدف الإدارة منه. وهما هدفان متباعدان كما يبدو. فهل الأهالي ما يزالون يقاطعون المدرسة الفرنسية كما كانوا سنة ١٨٣٠؟ وهل هم لا يقبلون إلا على تعليم عربي إسلامي على أيدي أبنائهم، كما حدث مع ظهور حركة التعليم على أيدي المصلحين؟ ومما جاء في تقرير المفتش سان كالبر أيضا أن بعض الدروس لا يحضرها تلاميذ المدارس الابتدائية على الإطلاق، كما لا يحضرها موظفو المساجد مما هو مخالف، حسب قوله، لقرار ١٤ نوفمبر ١٩٠٠ (١).
أما إحصاءات السنوات التالية، فقد أظهرت زيادة المسجلين، ولكن نلاحظ أن ذلك لا يعني متابعة الدروس بصفة دائمة. وقد أضيف إلى المراكز المذكورة مركز الخنقة وطولقة وسيدي عقبة أيضا (٢). والإحصاء هو:
١٩٠٧ - ١٩٠٨= ٢٥٨ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار.
١٩٠٨ - ١٩٠٩= ٢٦٦ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار.
١٩٠٩ - ١٩١٠ = ٢٧٥ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار.
١٩١٢ - ١٩١٣= ٣٠٢ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار.
١٩١٧ - ١٩١٨ = ٢٢٢ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار.
ويرجع الانخفاض حسب المفتش خلال هذه السنة إلى ذهاب الشباب للحرب بمقتضى التجنيد الإجباري الصادر سنة ١٩١٢، وكذلك بعض الأساتذة المدرسين (٣). وأعلى نسبة حضور سنة ١٩١٠ كانت في الجامع
стр. 1125
الكبير بقسنطينة (٦٢ تلميذا)، وأدناها في بجاية ووادي الزناتي (١٦ تلميذا) في كل منهما.
أما إقليم الجزائر فكان الإحصاء فيه مشابها في نفس الفترة وأكثر تفصيلا بالنسبة لدروس العامة ودروس الخاصة أو الكبار والصغار. في تقرير كتبه ديستان، مدير مدرسة الجزائر أن عدد التلاميذ في الدروس الخاصة (تلاميذ المدارس الابتدائية أو الراغبين في الترشح للمدرسة الشرعية - الفرنسية): ١٣٧، وعدد حضور الدروس العامة (في المساجد - مادة الفقه والتوحيد): ١٦٦، فالجملة ٣٠٣، وذلك سنة ٩١١١ - ١٩١٢. أما سنة ١٩١٠ - ١٩١١ فالعدد كان أقل من ذلك وهو ٢٩٨، وهو غير مفصل بين العام والخاص (١).
والطبقات الثلاث التي كان عليها مدرسو أقليم الجزائر منذ فاتح سنة ١٩١٥ حين صدرت المرتبات الجديدة وفصل فيها المدرسون عن ميزانية الشريعة وألحقوا بميزانية التعليم الأهلي العام، هي:
١ - الطبقة الأولى: ومرتبها ١٨٠٠ ف سنويا:
الاسم ... الجامع ... ملاحظات
محمدمصطفى باشا ... جامع سيدي رمضان ... لايذكر كثيرا، وجاء في تقرير سنة ١٩٠٧ أن له ثلاثة تلاميذ فقط. اقتراح والي مدينة الجزائر استعماله في مهمة أخرى).
محمد الكمال (خوجة) ... جامع صفر