← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من المصادر وانتقى منها ما رآه حريا بعصره وأهله. وفي شيء من المباهاة أخبر أنه جمع فيه ما لا (يحصره ديوان، ويعز وجوده عند ذي البحث والافتنان) ومن مصادره إحياء علوم الدين للغزالي ورسالة القشيري وحلية الأولياء لأبي نعيم وقوت القلوب وصفوة الصفوة ومؤلفات أحمدالقسطلاني، والسهروردي وابن عطاء الله وأبي الفرج الجوزي، والنووي. كما رجع إلى رحلة ابن رشيد الفهري والإحاطة لابن الخطيب، وغير ذلك من المصادر. ويظهر من مصادر الكتاب ومن خطته أنه عمل ضخم في بابه، غير أننا ما زلنا لا نعرف عنه أكثر مما ذكره مؤلفه عرضا في رسالته إلى المشدالي. العلوم والمنطق بالقياس إلى إنتاج الجزائر في التصوف وفي التاريخ وحتى في الأدب فإن إنتاجها في العلوم الرياضية والطبية يعد قليلا، فلم يكن هناك علماء طبيعيون أو أطباء بارزون كما كان هناك فقهاء ومتصوفة بارزون. حقا إن بعض الأسماء قد التصقت بها مهنة الطب كابن فشوش أو التأليف فيه كالثغرى والسنوسي. وهناك بعض الأسماء ارتبطت بعلم الحساب والفرائض والفلك مثل الحباك وابن القنفذ (١). ولكن هؤلاء وأولئك لم (يختصوا) بالحساب أو الطب كما اختص مثلا الونشريسي في الفقه والثعالبي في التصوف. ومع ذلك دعنا ندرس بسرعة هذا الإنتاج العلمي على قلته وضعفه. ١ - ففي هذا النطاق ألف إبراهيم بن أحمد الثغري التلمساني معجما صغيرا في الطب رتبه على حروف المعجم. ونحن لا نعرف كثيرا عن حياة الثغري. وقد جاء في (البستان) أنه من تلاميذ أبي عبد الله الشريف

стр. 107

التلمساني (١) فإذا عرفنا أن هذا قد توفي سنة ٧٧١ فإن وفاة الثغري قد تكون في أوائل القرن التاسع، ومعجم الثغري عبارة عن قائمة بأسماء الأعشاب ونحوها مما كان يتداوى به العرب مضافا إليه معلومات المؤلف الشخصية عن الأدوية المشاعة لدى الناس في عصره. فهو مثلا عندما ذكر كلمة (أفستين) قال إن أنواعه شيب العجوز المزدرع في الدور، أي في وقته هو. وفي حرف الباء ذكر كلمة (بهار) وعرفه بأنه خبز الغراب عندنا. ولكن المعجم فيه كثير من أسماء الأدوية عند الأجانب مكتوبة بحروف عربية. وطريقة الثغري في هذا المعجم أنه يذكر الدواء ثم يذكر منافعه (٢). ولإبراهيم الثغري رسالة أخرى في الطب، وهي في الأدوية ومنافعها. ولا ندري الآن هل هي متصلة أو مكملة للمعجم والظاهر أنهما عملان مختلفان لأن طريقة كل منهما مختلفة. وقد قسم هذه الرسالة إلى أبواب بعناوين معينة فهو مثلا يذكر باب الاكتحال وباب صفة المعاجين، وباب صفة الأشربة، وباب سفوف ينفع من التخمة، وهكذا. وقد جاء في ورقة تشبه العنوان (الأدوية النافعة من برد الدماغ وهي مشتملة على أضمدة وأدهان وغيرها) أما عن الاكتحال فقد جاء فيه (من اكتحل بالأنسيون ينفع من السلا المتقادم). عندما تحدث الثغري عن المعاجين ذكر خصوصا صفة معجون الجزر وفوائده. وقد اشتملت الرسالة أيضا على أسماء لأدوية العينين وأدوية الأسنان ونحو ذلك (٣). ٢ - ويظهر أن الثغري لم يكن طبيبا وإنما كان متطببا، ويشبهه في اهتمامه وفي طريقته عبد الرزاق بن حمادوش في كتابه (الجوهر المكنون) الذي ألفه في القرن الثاني عشر والذي سندرسه في محله إن شاء الله. وفي

стр. 108

منتصف القرن التاسع اشتهر أحد علماء بجاية بالتطيب أيضا وهو أبو الفضل محمد المشدالي. فقد درس الطب عن محمد بن علي بن فشوش في تلمسان، كما درس على غيره حتى أصبح من المشار إليهم في هذا العلم. ولكنه كان يكره أن يشتهر بالطب. ولعل ذلك يدل على أن هذه المهنة لم تكن تشرف الممتهنين لها في وقته، وإلا لكثر المدعون لها والمنتسبون إليها، كما كثر مدعو التصوف والمنتسبون إلى الفقه ونحوه. وقد يفسر لنا هذا ضعف الإنتاج العلمي في الجزائر خلال القرن التاسع. فالعلوم التي كانت تشرف أهلها هي علوم الفقه والتوحيد والتصوف والحديث. ومهما يكن الأمر فإن المشدالي قد أصبح في مهنة الطب (واحد عصره وفريد دهره)، على حد تعبير أحدهم، في المشرق. وكان الناس يلجأون إليه طلبا للدواء (١). ومع ذلك لا نعرف أن المشدالي قد ترك تأليفا في الطب. ٣ - ومحمد بن يوسف السنوسي، الذي عرف بالزهد والتخصص في العقائد، أبى إلا أن يسهم في علم الطب أيضا. ولكن السنوسي لم يخرج في تناوله الطب عن اختصاصه. فقد ربط بين الطب والدين، بل إن موضوع الطب الذي عالجه هو مجموعة من الأحاديث الشريفة. والذي يهمنا بالدرجة الأولى أن السنوسي لم يكن يكره أن يشتهر بالطب كما كره ذلك المشدالي المعاصر له. فقد مدح علم الطب واعتبره شطر العلم معتمدا في ذلك على الحديث الشريف (العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان). وقد فهم السنوسي بالعلم الأخير علم الطب، ولذلك ألف فيه رسالة صغيرة اعتمد فيها على شرح مجموعة من الأحاديث النبوية مثل (المعدة بيت الداء). كما شرح

стр. 109

الجملة الأخرى (الحمية رأس الدواء) وكذلك (وأصل كل داء البردة). وقد جاء في تفسير العبارة الأولى أن (الهضوم ثلاثة: هضم في المعدة وهضم في الكبد وهضم في سائر الأعضاء). ثم بين السنوسي أن الهضم الأول هو أهمها، ونصح بأن العاقل يقدم الطعام اللطيف قبل الغليظ واللين قبل القابض، وهكذا. والسنوسي في شرحه الطبي يذكر الأمراض ويشرح الأحاديث كما يصف العلاج. ومعنى ذلك أنه لم يكن يكتفي بالنقل بل كان يحكم من التجربة أيضا (١). ٤ - وبالإضافة إلى الطب ساهم بعض الجزائريين في علوم أخرى، وخصوصا الحساب الذي له صلة قوية بعلم الفرائض. ومن هؤلاء ابن القنفذ الذي ألف كتابا في الحساب، لعله رسالة صغيرة، سماه (حط النقاب) ثم اختصره وسماه (التخليص في شرح التلخيص) وهو يعني بالكلمة الأخيرة كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البنا (٢). فمختصره إذن هو من باب الشروح على أعمال الآخرين وليس عملا مستقلا. وقد عرف ابن القنفذ في تلخيصه بالمؤلف الأصلي (ابن البنا) وبين الغرض من الكتاب ومن علم الحساب. ومهمته فيه هي شرح العبارات والألفاظ الواردة في كتاب ابن البنا مع تبسيط له وتمثيل لمحتواه وهذه طريقة غير جديدة عند اللجوء إلى الشروح. وهناك عالم قسنطيني آخر اشتهر أيضا بعلم الحساب، وهو أحمد بن يونس ولكن شهرته فيه كانت في التدريس وليس في التأليف. وقد قيل إنه كان يقرئ الحساب في مكة وغيره (٣). وساهم الجزائريون أيضا في علم الفلك والميقات، فألف ابن القنفذ شرحا على أرجوزة ابن أبي الرجال في الفلك والتنجيم. ثم رفعه إلى أحد

стр. 110

الوزراء المرينيين لاهتمام هذا الوزير بالعلوم العقلية. وقد مدح ابن القنفذ صاحب الأرجوزة على بيان فوائد وأسرار الدلالة الكلية على الحركات الفلكية بالإضافة إلى (الاستدلال بالطوالع على الكوائن) (١). وافتتح الشرح بعبارات تدل على اهتمام المؤلف ومدلول الكتاب فقد جاء فيه (الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته وكون الأشياء بأحسن كونها، ورفع السماء بغير عمد ترونها، وصور النجوم السائرة، والأفلاك الدائرة، وجعل فيها آية للمتوسمين وعبرة للمستنظرين ..). وقد أطال ابن القنفذ في الحديث عن الطوالع وعلاقة حركة الإنسان بحركة النجوم. وقسم الكتاب إلى أبواب مثل باب البيع وباب الفرائض وباب التزويج وباب خدمة السلطان وباب دخول الحمام وغير ذلك. كما ضمنه جداول فلكية متعددة وهامة وأنهاه بالدعاء للوزير بطول المودة وحفظ رتبته العلية. وهكذا يتضح أن ابن القنفذ كان يسير في نفس الخط الذي سلكه في بعض كتبه الأخرى. فروح التقليد هنا أيضا واضحة. ومع ذلك فإن تآليفه في العلوم كثيرة بالقياس إلى غيره. ومن جهة أخرى يتضح أن دافعه كان، بالإضافة إلى العلم، خدمة السلطان ورجال الدولة ورغبة في التقرب إليهم ونيل المراتب من أيديهم (٢). ٥ - يعتبر الحباك، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى، من أشهر من ألف في علم الأسطرلاب والهندسة. فله منظومة في الإسطرلاب أصبحت في نظر المتأخرين هي ألفية هذا العلم التي عليها يعتمدون ويجعلون

стр. 111

عليها الشروح والتعاليق ويلجأون إليها في التدريس. واسم هذه المنظومة (بغية الطلاب في علم الإسطرلاب) وقد بدأها بقوله: بحمدك اللهم نظمي ابتدي ... مصليا على الرسول أحمد وأرتجي أن تجزلن ثوابي ... على نظام (بغية الطلاب) وقسم الحباك منظومته إلى عناوين مفصلة، وهي أجزاء الإسطرلاب ورسومه وأخذ الارتفاع ومطالع البروج ومعرفة أصابع الظل وأقدامه والأوقات الخمسة والماضي من النهار والليل وما يلحق بهما والجهات الأربع ومعرفة الماضي من النهار بالجيوب (١). وفي هذا الميدان قام الحباك أيضا بشرح تلخيص ابن البنا المذكور سابقا كما جعل نظما على رسالة في الإسطرلاب كان قد كتبها الصفار، وله غير ذلك. ومما يذكر أن الحباك كان أحد شيوخ محمد السنوسي في الحساب وفروعه وهو الذي ناول تلميذه (بغية الطلاب) لشرحه فقام التلميذ بهذه المهمة خير قيام. وقد كان السنوسي، كما أشرنا، معروفا بالشروح والحذق فيها. وقد ربط السنوسي بين عمل الإسطرلاب والقيام بالواجبات الدينية كالصلاة فقال في مقدمة شرحه (إن أعظم القواعد التي كلفنا بها هي إقامة الصلاة. وكانت معرفة أوقاتها من أوجب الواجبات والطريقة إلى ذلك (أي عمل الإسطرلاب) من أشرف العلوم الشرعية .. ومن أجل الصنائع الموصلة إلى هذا المطلب الشريف (إقامة الصلاة) صناعة الإسطرلاب المعينات (كذا) على كثير من تدقيقات المعدلين والحساب. فهو أجل آلة شعاعية من الله سبحانه بإظهارها للإسلام، وأحسن ما تستخرج به المطالب النفسية على وجه الإيجاز مع التمام). ومدح السنوسي الإسطرلاب من حيث المظهر الفني أيضا. فقال عنه انه يمتاز (بزينة النقوش وأشكال الرسوم). أما فوائده فقد حددها بقوله إنه يمكن

стр. 112

صاحبه من معرفة حركات الأفلاك والكواكب ومن ظهورها واختقائها (١). وقد اعترف السنوسي بأن الحباك ليس أول من ألف في هذا العلم، بل سبقه إليه السابقون الذين منهم من أوجز ومنهم من أطنب. ولكن أفضل رسالة قرأها السنوسي في الموضوع، حسب تعبيره، هي رسالة (بغية الطلاب). وأوضح أن الحباك كان يرمي من ورائها إلى تسهيل حفظها على الطلاب وجعل درسها عذبا سائغا. ولكنها مع ذلك لم تخل من (صعوبة الفهم على كثير من الناس لضيق النظم) إذ لا بد من بسط الحديث وتفسير تراكيبها وغوامضها وألفاظها، لأن الكلام المنثور يوضح المنظوم. وبهذا برر السنوسي قيامه بشرح منظومة أستاذه الحباك .. وقد اتحبع الشارح طريقة الناظم في التبويب (٢). وكما ألف الحباك في الإسطرلاب ألف كذلك في شكل آخر من الأشكال الهندسية، وهو الذي يسمونه بالربع المجيب وسمي كتابه فيه (نيل المطلوب في العمل بربع الجيوب) وقد أوضح دافعه إلى هذا التأليف في مقدمته حيث قال (لما كان الربع المجيب أحسن الآلات شكلا وأحقها عملا وأخفها حملا، مع استخراج الأعمال منه لجميع العروض للوقت المفروض، هجس في خاطري أن أقيد عليه رسالة، تذكرة لنفسي، ولمن شاء الله من جنسي) (٣). أما المنهج الذي سار عليه فهو أنه جعل الكتاب في مقدمة وعشرة أبواب. وخصص المقدمة لبيان تسمية الربع المجيب وما يتصل بذلك. والباب الأول جعله في معرفة الجيب وجيب التمام والسهم والقوس والوتر واستخراج أحدهما من الآخر. والباب الثاني في معرفة الغاية وبعد القطر

стр. 113

والأصل، والباب الرايع في معرفة نصف الفضلة وساعات الليل والنهار المستوية. والباب الخامس في معرفة الدائر وفضله. والباب السادس في معرفة الارتفاع من فضل الدائر. والباب السابع في معرفة سعة المشرق والمغرب. والباب الثامن في معرفة الارتفاع الذي لا سمت له. والباب التاسع في معرفة الظهر والعصر والفجر والشفق. والباب العاشر في الجمع والطرح والضرب والقسمة. وهذا التأليف، كما يتضح من محتواه وهدفه، يساعد على معرفة أوقات الصلاة وحركة النجوم والشمس والقمر وما يتصل بحياة الناس. وبالإضافة إلى ذلك شرح الحباك رجز الجابري المسمى (روضة الأزهار في علم وقت الليل والنهار) في الفلك. وسمى شرحه (تفجير الأنهار خلل روضة الأزهار) وهو شرح لا يتجاوز عشرين ورقة ولكنه مفيد (١). والذي يهمنا هنا ليس إبداع أو تقليد الحباك في هذا العلم ولكن مشاركته فيه بشكل جدي في عصر اتجهت فيه الأنظار إلى غير العلوم العقلية، كما يقول ابن القنفذ، وطغيان ذلك على كل شيء آخر. فالحباك من هذه الزاوية كان من العلماء الذين ساهموا مساهمة كبيرة في هذا الميدان، وقد أصبح هو بذلك شيخ الحسابين والفرضيين والفلكيين الجزائريين مدة طويلة (٢). ٦ - وهناك علوم أخرى ألف فيها الجزائريون واشتهروا بها في التدريس خلال القرن التاسع، ومنها علم المنطق. وقد نسب إلى أحمد بن يونس القسنطيني أنه كان مشاركا فيه وأستاذا (٣).

стр. 114

وألف أبو الفضل المشدالي شرحا على جمل الخونجي في المنطق أيضا. وقد قيل إنه قام بذلك ملخصا ومحققا شروح من سبقوه عليها مثل ابن مرزوق وسعيد العقباني والشريف التلمساني وابن واصل الحموي (١). فكان المشدالي على اطلاع واسع بهذه المادة. ولذلك استطاع أن يقوم بعمله الصعب. وكان قد درس المنطق في القدس. ومن الذين كتبوا في المنطق أيضا محمد بن يوسف السنوسي الذي عرف بكتابه (المختصر). وهو الكتاب الذي أصبح موضوع تعاليق وشروح علماء الخلف، كما سترى. كما ألف ابن القنفذ عدة تآليف في المنطق أيضا منها (إيضاح المعاني) و (تلخيص العمل). وبهذه المناسبة نشير إلى المراسلة التي دارت بين السيوطي ومحمد بن عبد الكريم المغيلي حول الأخذ بعلم المنطق وأخذ علوم غير المسلمين، إذا كانت حقا. فقد كان السيوطي نهى عن علم المنطق وأورد ما قاله بعض العلماء في ذمه. كما أورد أخبارا في ذم المسلمين الذين يأخذون بعلوم اليهود والنصارى - ونهى أيضا عن تقليد هؤلاء في علومهم. لكن المغيلي رد حججه وقال إن المنطق هو الحق أو هو المؤدي إلى الحق وأن أخذ الحق يجوز من غير المسلمين لأن معرفة الناس بالحق هي المبدأ المعتمد وليس معرفة الحق بالناس. وبذلك يظهر لنا من جديد تحرر عقل المغيلي وبعد نظره في عصر سيطرت فيه آراء السيوطي وأمثاله. وللمغيلي مؤلفات وآثار في المنطق أيضا، منها (شرح الجمل). ومما يدل أيضا على تحرر المغيلي العقلي نقده لأدعياء التصوف عندئذ (٢).

стр. 115

ولا شك أن هناك آخرين قد اهتموا أيضا بعلم المنطق لأننا لاحظنا أن علماء هذا العهد كانوا مشاركين في عدد من العلوم. القراءات والتفسير والفقه ١ - ومن هذه العلوم علم القراءات ورسم القرآن. والجزائريون الذين تناولوا هذا الموضوع قلة نسبيا. وأحد هؤلاء القلة محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي، مؤرخ بني زيان، الذي سبق ذكره. فقد ألف كتابا سماه (الطراز في شرح الخراز) وأوضح أن سبب تأليفه يعود إلى أنه رأى من تناول نظم الشريشي المعروف بالخراز في علم الضبط (أي ضبط القراءات والرسم): إما اختصره اختصارا وإما أطال فيه إطالة مملة. لذلك عزم هو على وضع شرح على نظم الخراز يكون وسطا بين الاختصار والإسهاب (ويكون أنشط لقارئه وأقرب لفهم طالبه) والمعروف أن الخراز قد وضع نظما تناول فيه علم الرسم سماه (عمدة البيان) وهو يعني بالرسم هنا رسم خطوط المصاحف كبيان الزائد والناقص والمبدل وغيره. أما ما يرجع إلى علامة الحركة والسكون والشد والمد والساقط والزائد فهو ما يعرف (بعلم الضبط). ولذلك جاء في نظم الخراز هذا البيت: هذا تمام نظم رسم الخط ... وها أنا أتبعه بالضبط وفي المعنى الأخير ألف التنسي شرحه الذي نحن بصدده (١). ومن جهة أخرى وضع محمد بن أحمد المصمودي رجزا في القراءات سماء (المنحة المحكية للمبتديء القراءة المكية) تناول فيه أوجه الخلاف بين قراءة عبد الله المكي وقراءة الإمام نافع. وقد ابتدأه بسورة البقرة وانتهى بسورة الناس، وهو رجز سهل. ومما جاء فيه: يقول عبد للعظيم الجود ... محمد بن أحمد المصمودي

стр. 116

وبعد فالقصد بذا النظام ... تقريب فهم مقرا الإمام الفاضل السني عبد الله ... نجل كثير ذي الثنا والجاه نزيل مكة التي قد شرفت ... بالبيت ذي الأمن العميم واكتفت وذاك فيما خالف الإماما ... المرتضى نافعا على ما (١) ٢ - وباستثناء العناية بالسيرة النبوية فإن التأليف في علوم الحديث لم تتقدم تقدم الدراسات الفقهية وغيرها من العلوم الشرعية. حقا إن بعض العلماء قد تركوا فهارس بالعلوم التي قرأوها، ومنها على الخصوص كتب الحديث. ومن هؤلاء أحمد الونشريسي ومحمد الغربي القسنطيني وعبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن عبد الكريم المغيلي. كما أن الإجازات قد بدأت تشيع بين العلماء. وهي غالبا ما تكون في العلوم الدينية. وقد اشتهر من المحدثين في القرن التاسع: التنسي والثعالبي. ٣ - أما التفسير فقد ضعفت العناية به. فكان بعض العلماء يتناولونه في مجالسهم ودروسهم ولكن قلما ألفوا فيه. ولولا تفسير عبد الرحمن الثعالبي المعروف (بالجواهر الحسان) لما وصل إلينا تفسير مكتوب من القرن التاسع. وينسب للمغيلي تفسير بعنوان (البدر المنير في علم التفسير) ولكننا لا نعرف أنه وصل إلينا منه شيء. وينسب أيضا لأبي جميل إبراهيم بن فائد الزواوي تفسير مكتوب للقرآن الكريم. غير أننا لا ندري إن كان هذا العمل قد أنقذ من الضياع. ولا شك أن هناك تفاسير أخرى مكتوبة لم نسمع بها. وما دام تفسير الثعالبي هو الوحيد الذي وصل إلينا من القرن التاسع، فلنتوقف عنده قليلا. فقد سماه (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) وهي تسمية واضحة وبسيطة. وانتهى منه في ٢٥ ربيع الأول سنة ٨٣٣، كما جاء في آخر الجزء الثاني. ومعنى ذلك أن الثعالبي قد عاش حوالي أربعين سنة بعد تأليفه، فهو إذن من أوائل مؤلفاته. ومما يستغرب في هذا الصدد هو

стр. 117

جمع الثعالبي، وهو في مقتبل العمر، كل المعارف التي أوردها أو أشار إليها في كتابه. فرغم أنه اعتمد فيه على تفسير ابن عطية فقد رجع أيضا لقريب من مائة تأليف، كما صرح هو بذلك. ومن هذه التآليف تفسير الطبري. وقد تحرى الثعالبي الحقيقة والرواية حتى أنه كان لا ينقل شيئا إلا بلفظ صاحبه خشية الوقوع في الخطأ. وهذه عبارات الثعالبي وهو يقدم تفسيره للقراء (فقد ضمنته بحمد الله، المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية وزدته فوائد جمة من غيره من كتب الأيمة، وثقاة أعلام هذه الأمة، حسبما رأيته أو رويته عن الاثبات، وذلك قريب من مائة تأليف. وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين. وكل من نقلت عنه من المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت وعلى لفظ صاحبه عولت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزلل) (١). وهناك ناحية أخرى مهمة في (الجواهر الحسان) وهي كشفه عن تصوف الثعالبي المبكر. فرغم أنه كان ما يزال في ريعان الشباب، كما أشرنا، فإن الكتاب قد تضمن رؤى صوفية ومواعظ لا تخرج عن هذا الميدان. فقد روى الثعالبي في آخر الجزء الثاني أنه رأى رسول الله ﷺ عدة مرات أثناء اشتغاله بالكتاب، وأنه آكله وزار بيت كتبه ودعا له، كما أخبر أن بعض أصحابه (الثعالبي) قد أخبروء أنهم رأوا بعض الصحابة. ونحو ذلك من المرايا التي قلنا إنها شاعت في ذلك الوقت. وقد نصح الثعالبي بعد ذلك بقراءة تفسيره والعمل به لكي تحصل به البركة لمن قرأه. وأخبر أن كتابه قد أصبح معروفا ومقروءا بكثرة في حياته (٢) وأنه يحتوي على أسرار صوفية لا يدركها إلا أربابها، أهل الذوق الصوفي. واعتبر حديثه على تفسيره بهذه الصفة من باب التحدث بالنعمة. وهذه هي عبارته في ذلك (إني رأيت لكتابي هذا المسمى

стр. 118

بالجواهر الحسان في تفسير القرآن .. عجائب وأمورا مباركة لا يمكنني الآن استيفاء جمعها وبعضها (كذا)، وأخشى أن يكون من باب إفشا (كذا) أسرار الله التي لا يمكن ذكرها إلا بإذن من أهلها، أهل الذوق). ٤ - وقد تناولنا في بداية هذا الفصل تطور الدراسات الفقهية بعد دولة الموحدين وعرفنا أن الاهتمام أصبح منصبا على الفروع بدل الأصول. وأشرنا إلى أن هذا الاهتمام بالفرع قد تسبب أولا في ضعف الدراسات العقلية عامة والعناية بالكليات، وتسبب ثانيا، في ابتعاد الدراسين عن الفقه أصلا والدخول في حظيرة التصوف والزهد. ومعظم العلماء المؤلفين في القرن التاسع تركوا مؤلفات في الفقه وفروعه، شرحا وحاشية وتقييدا. وليس من غرضنا سرد هذه الآثار التي تذكر عادة في ترجمة كل عالم، مثل ابن القنفذ والمغيلي والسنوسي. ومن الكتب التي سارت في ركب الفروع الفقهية كتب النوازل. وقد اشتهر في القرن التاسع مؤلفان في هذا الباب أحدهما يحيى المازوني والثاني أحمد الونشريسي الذي أدرك أيضا القرن العاشر. ونود أن نخصص مساحة واسعة من هذا الفصل لأحمد الونشريسي لأنه يعتبر قمة في ميدان الفروع الفقية ولأنه عاش أيضا في القرن العاشر الذي نحن بصدد التركيز عليه. فهو، من هذه الناحية، يشكل الجسر الذي عبرت به هذه الدراسات إلى العهد الثاني. ذلك أن كتابه (المعيار) بما احتوى عليه من فتاوي أهل الأندلس والمغرب وتونس والجزائر يعتبر موسوعة حية للفقه المالكي في المغرب العربي. أحمد الونشريسي ولعله ليس من قبيل الصدف أن يموت الونشريسي في نفس السنة التي استولى فيها الإسبان على وهران (١). وقد توفي عن ثمانين سنة مهاجرا في مدينة فاس فارا من سلطان تلمسان، كما عرفنا، وكان الونشريسي موضوع

стр. 119

ترجمة عدد من المؤلفين (١) ومن الغريب أنهم لا يذكرون أين ولا متى ولد (٢). والمهم أنه نشأ وتلقى تعليمه في تلمسان على عدد من مشائخها، ومن أشهر هؤلاء محمد بن العباس وأحمد بن زكري ومحمد الجلاب وأربعة من أسرة العقباني (قاسم وأبي سالم ومحمد وإبراهيم) وابن مرزوق الكفيف والغرابلي. وقد ترك هو (فهرسة) ذكر فيها شيوخه والعلوم التي تلقاها عليهم، على العادة في ذلك. وحضر بعد هجرته إلى مدينة فاس سنة ٨٧٤ دروس قاضيها محمد بن الغرديس. ولم يذكر مترجموه أنه حج بيت الله أو أنه ارتحل في سبيل العلم إلى عواصم العالم الإسلامي، كما كان حال كثير من معاصريه. وبعد أن تمكن الونشريسي من علوم عصره، وخصوصا الفقه والنحو والبيان، تولى التدريس في تلمسان. وأشهر الكتب التي تولى تدريسها المدونة وفرعا ابن الحاجب وغيرها من أمهات الفقه المالكي. وكان له اهتمام ومشاركة في عدد من العلوم الأخرى كالوثائق والأصول والتواريخ والفرائض، بالإضافة إلى قرض الشعر. وقد تولى الونشريسي الفتوى في تلمسان أيضا وقيل عنه إنه كان لا يخاف في الدين أحدا. ذلك أن سلطان تلمسان في وقته قد غضب منه سنة ٨٧٤ ولا ندري ما سبب هذا الغضب (٣) ولكن الكتب تتحدث عن آثاره عليه فقط. فقد نهبت دار الونشريسي وهددت

стр. 120

حياته فلم يسعفه إلا الفرار إلى المغرب حيث استوطن مدينة فاس وسكن بجوار القرويين ووجد من سلطانها الأمن والاعتبار. وتولى هناك تدريسنفس الكتب التي ذكرناها وتوسعت آفاق معارفه بالتعرف على علماء جامع القرويين والاستفادة من خزائن كتب فاس في أبحاثه. وكانت دروس الونشريسي حافلة وذات شهرة واسعة. ولا يعود ذلك إلى غزارة علمه وتمكنه من مادته فقط بل يعود أيضا إلى فصاحة قلمه ولسانه معا. وتذكر مصادر ترجمته أنه كان لا يبارى في الفقه كما كان لا يباري في النحو أيضا، ويستدلون على ذلك بالنسبة للفقه بأن من لا يعرفه يقول إنه لا يحسن غير الفقه كما أن من رآه في درس النحو وإجادة العبارة والتمكن من القواعد يقول لو كان سيبويه حيا لتتلمذ عليه (١). وعلى ما في هذه الأقوال من مبالغة فإنها تدل على مكانة الونشريسي بين معاصريه في هاتين المادتين الأساسيتين عندئذ. وهم يذكرون أيضا عددا من التلاميذ الذين تخرجوا عليه. ومنهم ابنه عبد الواحد الونشريسي وأبو محمد عبد السميع المصمودي ويحيى السوسي، ومحمد بن عبد الجبار الورتد غيري (٢). وقد ترك الونشرسي عددا من التآليف التي ما يزال بعضها يحتفظ بقيمته إلى اليوم ومن ذلك موسوعته (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب) و (إيضاح المسالك على قواعد الإمام مالك) و (المنهح الفائق والمنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثق وأحكام الوثائق). ومعظم المؤلفين يذكرون الكتاب الأخير مختصرا هكذا (الفائق في الوثائق). وله أيضا (تعليق على مختصر ابن الحاجب) في ثلاثة أجزاء و (غنية المعاصر والتالي في شرح وثائق القشتالي) و (أجوبة فقهية) وتدعى أحيانا أجوبة أو فتاوي الونشريسي و (فهرسة) بشيوخه و (الوفيات) (٣).

стр. 121

ذكر الونشريسي في مقدمة كتابه (المعيار) أنه جمع فيه فتاوي (المتأخرين والعصريين) من علماء الأندلس والمغرب العربي. ولكنه لم يقتصر على المتأخرين فقد أضاف إليه فتاوي الذين تقدموهم أيضا وخصوها تلك النصوص التي تعسر العودة إليها لغير المختصين. وصرح بأسماء المفتين إلا في النادر، كما صرح بنصوص الاستفتاء والجواب عنه ولا يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلا قليلا لأن اعتماده الأصلي على النصوص التي يعزوها إلى أصحابها. فـ (المعيار) من هذه الناحية عبارة عن التجارب المعاشة الموثقة وليس دراسة نظرية أو افتراضية لمسائل فقهية. وقد رتبه على أبواب طبقا لأبواب الفقه المعهودة (ليسهل الأمر فيه على الناظر) (١). فقد ذكر أنه حقق ما كان يبغي رغم (مزاحمة الأشغال وتغير الأحوال) وأنه مع ذلك لم يستطع أن يضم إليه كل الأجوبة التي وقعت بين يديه. فقد قال (قد أتيت من هذه الأجوبة الباهرة والفتاوى الواضحة الظاهرة على ما شرطت وعليه ربطت والله قصدت .. وتركت أجوبة كثيرة من الفقه والأحكام، مما لا تضطر إليه القضاة والحكام) (٢). ولا ندري كم كان سيقع (المعيار) من جزء لو أضاف إليه الونشريسي تلك (الأجوبة الكثيرة) التي تركها، فهو، مع تركها، قد جاء في اثني عشر جزءا في النسخة المطبوعة. ولا ندري أيضا متى بدأ الونشريسي يؤلف (المعيار). ولكنه على كل حال، قد انتهى منه أثناء وجوده بالمغرب، وبالضبط سنة ٩٠١، كما صرح بذلك في خاتمة الكتاب. فإذا عرفنا أن الكتاب في هذا الحجم الكبير وأنه جعل في كل جزء منه مجموعة من النوازل الفقهية في شكل أبواب استطعنا أن نعرض باختصار المحتوى لكل جزء على الصورة التالية: ففي الجزء الأول مجموعة من النوازل مرتبة هكذا: نوازل الطهارة والصلاة والجنائز. والزكاة والصلاة

стр. 122

والاعتكاف ثم نوازل الحج. وكان المؤلف يشرح هذه النوازل. بما يناسب ويوضح معانيها ويزيل إبهامها. وهي طريقة اتخذها في جميع الأجزاء وجميع النوازل. وفي الجزء الثاني ذكر نوازل الصيد والذبائح والأشربة والضحايا ونوازل النذور والإيمان، ونوازل الجهاد والدماء والحدود والتعزيرات. وقد ضمن هذا الجزء فصلا سماه (المستحسن من البدع) (١). وخص الجزء الثالث كله بنوازل النكاح وما تشعب عنه من مسائل العلاقات بين العائلات والآثار، مع أسئلة وأجوبة للمؤلف نفسه. أما الجزءان الرابع والخامس فقد خصهما بنوازل في الأحوال الشخصية والاقتصادية. فالأول منهما تناول فيه الخلع والنفقات والحضانة والرجعة ونوازل التمليك والطلاق والعدة والاستبراء ونوازل الرضاع. كما خص الجزء الخامس بنوازل المعارضات والبيوع ونحو ذلك من الأسئلة والمناظرات التي وقعت بين علماء عصره حول هذه القضايا. وعالج في الجزء السادس مسألة بيوع وقعت في بجاية بين عالميها المشدالي وابن الشاط. ثم تحدث عن نوازل الرهن والصلح والحمالة والحوالة والمديان والتفليس وغيرها. ويعتبر الجزء السابع خاصا بنوازل الأحباس والتعليم وعادات أهل الأندلس والمغرب في ذلك، وكذلك مؤسسات التعليم كالمساجد. لكن الونشريسي يعود إلى المعاملات في الجزء الثامن إذ يجعله في مسائل من المياه والمرافق ونوازل الشفعة والقسمة والمزارعة والمغارسة والمساقاة والشركة والقراض، ونوازل الإجارات والأكرية والصنائع ونوازل الضرر والبنيان، وكلها أمور تكشف أسئلتها وأجوبتها على روح العصر. ومشاكله (٢). وقد أكمل في الجزء التاسع بقية نوازل الضرر والبنيان. ثم

стр. 123

تحدث عن نوازل الوديعة والعارية ونوازل الهبات والصدقات والعتق ونوازل الوصايا وأحكام المحاجير. وتناول في الجزء العاشر نوازل الأقضية والشهادات والدعاوى والأيمان، ونوازل الوكالات والإقرارات والمديان. وتعتبر نوازل الجزء الحادي عشر والثاني عشر نوازل علمية واجتماعية هامة بالنسبة لدارس الكتاب. ففي الحادي عشر ذكر نوازل الجامع وأحكاما عامة مفيدة كالإجازة في التعليم والفتيا وحكم سماع الموسيقى وحضور اللهو وحكم حلقات الذكر. أما الثاني عشر فقد جعله أحكاما عامة عن التقليد عند العلماء وحكم القياس والتصوف والنسب وغير ذلك (١). ولو درس الباحثون كتاب (المعيار) دراسة اجتماعية لخرجوا منه بكنز كبير في معرفة أحوال العصر وأحوال المجتمع المغربي عامة، بالإضافة إلى معرفة آراء المؤلف نفسه في محيطه وقضايا عصره. فنوازل البدع والإجازة في التعليم والفتيا وحكم سماع الموسيقى والتصوير وحكم حلقات الذكر وقضية القياس والموقف من التصوف ورجاله، ومن تقليد العلماء أو استقلالهم كلها أمور تستحق الاهتمام اليوم، كما كانت في وقته. فمثلا أورد الونشريسي رأي أحد العلماء (وهو إبراهيم الشاطبي) في الأيدي التي يصنعها الشماعون من الشمع وما يصنع منها من العجينة. وقد أجاب الشاطبي بتفصيل الموضوع، ولكنه انتهى إلى تجويز ذلك الصنع لأن الصورة في رأيه ليست هيئة كاملة للحيوان المنهي عنه في التصوير، وبالقياس انتهى أيضا إلى أن تصوير بعض أجزاء الحيوان جائز (ومنع تصوير حيوان كامل الهيئة) إلا إذا كان المقصود من التصوير اللعب واللهو (٢).

стр. 124

ان قيمة (المعيار) لا تظهر فقط في كونه موسوعة للفقه المالكي في المغرب العربي والأندلس ولكن في القضايا الاجتماعية والسياسية والعلمية التي يحتوي عليها. ولقد صدق من قال إن الونشريسي قد (فاق به الأوائل والأواخر) (١). وأجدر بالجزائر أن تحتفل بصاحبه وأن تهتم بآثاره، وأحرى بالدارسين أن ينكبوا عليه، كل في ميدانه، ويستخرجوا منه خمائر المجتمع في ذلك العهد للاستفادة منها اليوم. وبالإضافة إلى (المعيار) ألف الونشريسي كتابا آخر في الوثائق وهو الذي نشير إليه هنا باسمه المختصر (الفائق في الوثائق). وقد قال إن الذي دفعه إلى كتابته اقتناعه بأهمية وشرف علم الوثائق وإهمال الناس له في عصره. وادعى أن الطريقة التي كتبه بها تغني مطالعه عن العودة إلى غيره. وقسمه إلى ستة عشر بابا نعرضها هنا باختصار: ١) حكم الكتب والاشهاد ومشروعيتهما. ٢) شرف علم الوثائق وصفة الموثق وما يحتاج إليه من الآداب. ٣) حكم الإجارة والشركة. ٤) ما ينبغي للموثق أن يحترز منه. ٥) في الأسماء والأعداد والحروف التي تذهب وتغير بإصلاح يسير. ٦) ما عليه مدار الوثائق. ٧) التأريخ للوثيقة بالليالي أو بالأيام. ٨) حكم الاعتذار عما يقع في الوثيقة من خلل. ٩) كيفية وضع الشهادات. ١٠) الألفاظ التي يتوصل بها الموثق إلى إجازة ما لا يجوز شرعا. ١١) العقود التي يجب فيها ذكر الصحة أو عدمها. ١٢) العقود التي لا بد فيها من معرفة ذكر القدر. ١٣) العقود التي ينبغي للموثق أن يضمر فيها معاينة القبض.

стр. 125

١٤) العقود التي ليس على الشاهد قراءتها. ١٥) ذكر ما تخالف فيه وثائق الاسترعاء سائر الوثائق. ١٦) جعله، كما قال، (لباب اللباب وخاتمة ما تقدم من الأبواب). وكل باب من الأبواب السابقة قسمه إلى فصول، والونشريسي في (الفائق) يستشهد بكلام السابقين من علماء المشرق والمغرب، ويظهر فيه براعته الفقهية في النقول والأسلوب والتبويب والروح. وهو كتاب ضخم يشهد لصاحبه أيضا بالتمكن والاطلاع في هذا الفرع الخاص من فروع الدين الإسلامي (١). وساعدنا الحظ فاطلعنا على مخطوطين آخرين للونشريسي وهما (إيضاح المسالك) وأجوبة أو فتاوى الونشريسي، وكلاهما سبق ذكره. والنسخة التي رأيناها من الأول لا تكاد تقرأ لأن الأرضة كادت تأتي عليها. والكتاب كما يدل عنوانه في فقه الإمام مالك الذي يعد الونشريسي أحد فحوله. وقد أجاب به أحد السائلين، كما قال، ولعل ذلك منه مجرد جري على مقتضى العادة. أما الدافع الأصلي لتأليفه فهو إفادة الطلاب لأن الونشريسي، كما عرفنا، كان مدرسا في هذه المادة (٢). أما (أجوبة الونشريسي) فهي كذلك في النوازل الفقهية. وهي كما يدل العنوان، أجوبة على أسئلة وردت عليه من المعاصرين في الموضوع. ولا غرابة في ذلك فالرجل كان مفتيا في تلمسان، ورغم أنه لم يتول الإفتاء رسميا في فاس فإنه كان يسهم بآرائه في مسائل الفقه المتداولة (٣). وبالإضافة إلى ما ذكرناه له من

стр. 126

التآليف ترك أحمد الونشريسي ثروة كبيرة من الفتاوى والردود والمباحث. من ذلك (إضاءة الحلك في الرد على من أفتى بتضمين الراعي المشترك) (١) و (المبدي لخطا الحميدي) (٢) و (رسالة في المسائل الفقهية) (٣). ونحو ذلك. وقد تركت وفاة الونشريسي فراغا كبيرا في ميدان الفقه ولم يستطع أحد أن يملأه بعده. ولا يوجد في العصر العثماني، على طوله، من بلغ رتبة الونشريسبي في الفقه المالكي تأليفا ودرسا. ولذلك صدق الذين رثوا الونشريسي بأنهم فقدوا بفقده منارة عالية في الفقه المالكي وأن المغرب العربي قد خلا بعده من أمثاله. وقد اشترك في رثائه عدد من العلماء والشعراء. ويكفي أن نورد هنا ما أورده أحمد المقري في كتابه (أزهار الرياض) من رثاء منسوب إلى محمد الوادي آشي الغرناطي نزيل تلمسان، وهو هذه الأبيات: لقد أظلمت فاس بل الغرب كله ... بموت الفقيه الونشريسي أحمد رئيس ذوي الفتوى بغير منازع ... وعارف أحكام النوازل أوحد له ذربة فيها ورأي مسدد ... بإرشاده الأعلام في ذاك تهتدي وتالله ما في غربنا اليوم مثله ... ولا من يدانيه بطول تردد (٤) ولكن الدراسات الفقهية لم تبدأ بالونشريسي. فقد عرفنا أن القرن التاسع شهد إنتاجا غزيرا في هذا الاختصاص وكثر المدعون لمعرفته عن حق أو عن غير حق. ومن أشهر من تقدموا فيه أساتذة الونشريسي نفسه، ومنهم

стр. 127

يحيى المازوني صاحب النوازل، ومنهم العقبانيون والمرزوقيون ومحمد بن عبد الكريم المغيلي وأحمد المغراوي (١) ومحمد السنوسي وابن القنفذ. ولكن الونشريسي فاق جميع هؤلاء في الفقه وفروعه تأثيرا وقوة وجمعا وتأليفا. ولذلك قلنا في بداية هذا الفصل ان هجرته كانت خسارة على بلاده فلو ظل فيها لبقي يؤثر في تلاميذها وفي مجتمعها وحتى حياتها السياسية، لأنه كان معروفا بقوة عارضته في الحق وعدم جعل الدين في خدمة السلطان. كتاب الافتتاح للقسنطيني وفي باب النوازل أيضا نذكر كتابا قل من أشار إليه، وهو (الافتتاح من الملك الوهاب في شرح رسالة سيدنا عمر بن الخطاب) الذي ألفه محمد بن محمد بن أبي القاسم الغربي الميلي القسنطيني (٢) وهو كتاب، كما يشير عنوانه، في تحليل وشرح رسالة عمر بن الخطاب في القضاء، التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري. وقد افتخر محمد الغربي القسنطيني بأنه لم يسبق إلى شرح الرسالة وأنه جاء في شرحه بأمور جليلة. وأكد عبد الكريم الفكون أن مؤلف (الافتتاح) قد ضمن شرحه أحكاما وتواريخ ومسائل اعتقادية وصوفية وحكايات لم يسبق إليه (٣). وقد تولى القسنطيني نفسه قضاء الجماعة وله عدة تآليف في الفتاوى والتعليقات وله فهرسة بشيوخه. وبعد

стр. 128

انتقاله إلى تونس في عهد السلطان الحفصي أبي عمرو عثمان (حكم من ٨٣٩ إلى ٨٩٣) تولى القضاء أيضا هناك. وكان لهذا السلطان مجلس علمي تدور فيه محاورات العلماء في فنون الشريعة والمواعظ والآداب والنكت فتكلم محمد الغربي القسنطيني على الرسالة في مجلس السلطان. ولعله نال بذلك رضى السلطان وإعجاب العلماء. فقد كرر، كما قلنا، عبارة (لم أسبق بشرح عليها) وكان دافعه إلى القيام بهذا العمل الضخم كون الرسالة قد (صرحت من علم القضاء بقواعد أصوله ولوحت إلى باقي تفاريع فصوله) فبدا له أن يضع عليها تقييدا بين الإطناب والإيجاز. وقد ذكر نص الرسالة وروايات الرواة لها وشرح ألفاظها ثم جاء بنسب عمر بن الخطاب وأخبار الخلفاء وأخبار القضاة وشروط القضاء وأخبر أن شروط القاضي الصبر وحسن الخلق. كما أورد أخبارا عن التصوف ومرويات عن الفقهاء ونحو ذلك من المسائل التي كانت تهم جلاس مجلس السلطان العلمي، وتدل على حذقه في الحفظ والاختيار. وهو ينقل آراء عن بعض العلماء المتقدمين عليه أمثال ابن عرفة والقاضي عياض وابن رشد والغزالي والقرطبي وابن شاس والمتيطي وابن فرحون والباجي وابن عبد السلام. ومعظم هؤلاء من علماء الأندلس والمغرب. ويعتبر هذا الكتاب موسوعة أيضا في أحكام القضاء والدين والأدب والنوادر والأخبار. وهو من الآثار الجديرة بالنشر والتحقيق. ... ورغم كل ما قيل عن القرن التاسع وأهله فإنه لا شك كان عصر تحولات سياسية كبيرة وإنتاج ثقافي غزير، وخصوصا في بعض الفروع. فمن حيث التحولات عرفنا أنه قد شهد احتضار إمارات كان يمزقها الضعف والتنافس والاعتداء الخارجي ونهوض دول أوروبية طموحة كان يقودها التعصب الديني والشره التجاري والوعي القومي إلى التوسع والسيطرة والاستغلال. أما على المستوى الثقافي فقد عرفنا التحولات العقائدية التي

стр. 129

وقعت منذ عهد الموحدين والاتجاه نحو القناعة العلمية والرضى بالقليل من الفقه والمعرفة والتغاضي عن العلوم العقلية والعملية وتفضيل علوم الدين والتصوف والفروع الفقهية على علوم الطب والجبر والهندسة والملاحة والقوانين التجارية، بل إن كثيرا من هذه العلوم قد تركت للأوروبيين ونسيت آثار وجهود العرب المسلمين فيها. واستولى اليهود على مراكز التجارة والنفوذ الاقتصادي وحتى السياسي في البلاد حتى كانوا، كما قال المغيلي، يؤثرون على ذوي السلطان فيعينون ويعزلون. وهكذا وقع الفصل بين الدين والدولة. فأصبح العلماء في خدمة الحكام وانحدر المجتمع إلى الضعف والتدهور. فالعلماء قد انحدروا إلى السطحية العلمية والنفاق الأخلاقي والدروشة الصوفية. والحكام من جهتهم غرقوا في الاستبداد والفساد واللهو واللعب بمصير الشعب ومصير الدين أيضا. وكانت نتيجة ذلك كله معروفة للجميع. فقد سقطت الأندلس وضاعت، وسقطت أجزاء كثيرة من المغرب العربي وكادت تضيع، واستولى العثمانيون على المنطقة، باستثناء المغرب الأقصى الذي ظل هو الآخر يعاني من التنافس الداخلي والاعتداء الخارجي. وإذا كان التحول السياسي الذي طرأ على المنطقة في القرن التاسع لا يعنينا هنا عناية كبيرة فإن التحول الثقافي والعقائدي فيها يجعلنا نتتبعه باهتمام كبير. وهذا ما سنحاوله في الفصول التالية.

стр. 130

الفصل الثاني التيارات والمؤثرات

стр. 131

شهد مطلع القرن العاشر في الجزائر وبقية أجزاء المغرب العربي تحولات سياسية كبيرة أدت بدورها إلى تحولات اجتماعية وثقافية هامة. فخريطة المنطقة السياسية لم تعد كما كانت عليه خلال القرن التاسع. ومن الخطأ أن نبدأ تاريخ الجزائر العثماني سنة ٩٢٠ (١٥١٦) كما تذهب معظم كتب التاريخ. فالوجود العثماني في الجزائر، وفي الحوض الغربي للبحر الأبيض، أقدم من هذا التاريخ. فهو يعود في الحقيقة إلى أواخر القرن التاسع ولا سيما منذ سقوط غرناطة سنة ٨٩٧. وإذا عدنا إلى رحلة بيري رايس الثاني (١) وبعض النصوص المحلية (٢)، وجدنا العثمانيين كانوا على صلة بأهل المدن الساحلية الجزائرية ولا سيما رجال الدين، يتعاملون معهم ويحاربون معهم العدو المشترك. وفي نفس الوقت كان العثمانيون يتعرفون

стр. 132

على الخصائص الجغرافية والسياسية والعمرانية للمنطقة. كما كانوا يجتمعون بالأمراء الحفصيين وغيرهم ويشيرون عليهم ويدرسون أحوالهم حتى إذا جاءت الفرصة اغتنموها وغيروا بذلك خريطة المنطقة، كما قلنا. ولم يكن دخول الأخوة بربروس المسرح إلا في مرحلة لاحقة من مراحل الاتصال العثماني بمنطقة المغرب العربي. ومهما كان الأمر فإن مطلع القرن العاشر قد شهد سقوط دول المغرب العربي القديمة وإماراته الصغيرة المتهالكة وصعود الحكم العثماني مكانها إلا في المغرب الأقصى حيث حل السعديون محل الوطاسيين (الذين كانوا من عائلة المرينيين). فقد أخذ العثمانيون، بعد سورية ومصر، تونس وطرابلس والجزائر، ووصلت حدودهم الغربية إلى وجدة وفقيق، وأحيانا فاس نفسها. ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان في إمكانهم احتلال المغرب الأقصى أيضا لولا غيرة الولاة العثمانيين في الجزائر وخوف السلطان العثماني من انفصال المنطقة عنه (١). وهكذا انتهى الحكم الحفصي من تونس وشرق الجزائر وطرابلس وانتهى حكم بني زيان من غرب الجزائر، كما سقطت إمارة الثعالبة حول مدينة الجزائر بعد أن وقف ضدها الزيانيون من البر والإسبان من البحر، وفقدت إمارة كوكو وإمارة المقرانيين وإمارة تنس (سويد) استقلالها. وبذلك رسمت خريطة جديدة للمغرب العربي بقيت مع بعض التعديل الطفيف إلى اليوم. فالقطر الجزائري اليوم هو نفسه القطر الجزائري الذي تكون في القرن العاشر، وكذلك الحال بالنسبة لتونس وطرابلس. أما المغرب الأقصى فقد تولته الأسرة السعدية، كما قلنا، ثم الأسرة العلوية، وظل خارج النفوذ السياسي العثماني، رغم تأثره بما كان يجري في المشرق الإسلامي اجتماعيا وثقافيا. وليس من غرضنا هنا تتع المراحل التي مر بها هذا التحول السياسي في الجزائر (٢) وحسبنا أن نشير إلى أننا سنقتصر في هذا الفصل على تناول

стр. 133

الأرضية التي قامت عليها الحياة الثقافية خلال العهد الذي نطلق عليه من الآن العهد العثماني، والجو العام الذي تشكلت فيه هذه الحياة والعلاقات بين العثمانيين والسكان، سياسيا واجتماعيا وثقافيا. العلاقات بين الجزائريين والعثمانيين ومن الخطأ إطلاق اسم (الأتراك) على الوجق وأهل السلطة خلال العهد العثماني في الجزائر. ذلك أن الوجق كان يتكون من عثمانيين (١)، وهو بهذه الصفة كان يضم أجناسا مختلفة اللسان والعرق والجغرافية ولكنها جميعا تتفق في الولاء للإسلام والسلطان. فالصفة الموحدة للوجق إذن هي (العثمانية) وليست (التركية). ذلك أن الوجق كان فيه أناس من أناضوليا ومن روميليا ومن الأقاليم العربية ومن البلقان وبقية أجزاء أوروبا، من ذوي الأصول التركية والعربية والصقلية واللاتينية والإغريقية، وهلم جرا. وقد ذكرت المصادر المعاصرة للعهد العثماني عددا من المسؤولين كالباشوات والأغوات والدايات (وهم الممثلون للسلطة في أعلى مستوى) (٢) كانوا من أصول غير تركية ابتداء من خير الدين نفسه الذي تذكر هذه المصادر أنه من

стр. 134

أصل إغريقي، والحاج حسين ميزمورطو الإيطالي الأصل، وعرب أحمد وصالح رايس ذوي الأصول العربية، ومن رياس البحر والجنود عدد كبير من ذوي الأصول غير التركية مثل الرايس مراد الذي غزا إيسلاندا وجزر الكناري وبريطانيا وإيرلاندا والذي يقال انه من أصل الماني أو فلامانكي (١) والرايس حميدو الذي دوخ أساطيل الأعداء في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض، كان من أصل عربي جزائري (٢) فالرابطة بين هذه العناصر من جهة ثم بينها وبين الجزائريين من جهة أخرى هي الإسلام والخلافة، أو العقيدة الإسلامية ثم الولاء للسلطات، ويجمع بين هذين المبدأين الرابطة العثمانية. ولكن الحكام العثمانيين لم يحترموا هذا المبدأ كما سنرى (فتركوا) (بتشديد الراء). الحكم ونظروا للجزائريين نظرة الغالب للمغلوب. وباسم العقيدة الإسلامية والولاء للسلطان دخل الجزائريون أيضا في الرابطة العثمانية (٣). وكان المفروض أن يطبق الحكام العثمانيون تعاليم الإسلام في الحكم، وأن يؤاخوا بينهم وبين السكان وأن يشاوروهم في الأمر

стр. 135

وأن يفسحوا المجال أمامهم، وأن يختلطوا بهم ويخالطوهم. ولكنهم في الواقع أساؤوا التصرف، كمعظم الحكام عندئذ فحكموا كفئة متميزة واحتكروا الحكم في أيديهم طيلة الفترة الثانية واستبدوا بالسلطة واستذلوا السكان واستعلوا عليهم وعاملوهم معاملة المنتصر للمهزوم. إن العثمانيين قد دخلوا الجزائر أساسا بطلب من أهلها وربطوا مصيرهم في الغالب بمصير أهل البلاد وتحالفوا معهم، كما سنرى، تحالفا شديدا سياسيا وعسكريا. فامتلأت القلاع والثكنات والرباطات والسفن بالجنود الجزائريين الذين خاضوا حروب الجهاد في البر والبحر، جنبا إلى جنب مع العثمانيين، أحيانا قوادا وأحيانا مقودين، كما تحالفوا معهم في الداخل لتوطيد الأمن والاستقرار وتقدم التجارة والسفر (١). وقد ظل الوجود العسكري هو الظاهرة المميزة للحكم العثماني في الجزائر بل هو الظاهرة المميزة أيضا لهذا الحكم في جميع أنحاء الدولة العثمانية. فقد كان الجهاد البحري (وهو الذي يطلق عليه الأوروبيون اسم القرصنة والذي كان في الأول ضد إسبانيا فقط لموقفها العدائي من مسلمي الأندلس والمغرب العربي، ثم أصبح عاما ضد جميع الدول الأوروبية التي لا تدخل في اتفاق سلمي مع دولة الجزائر) هو الباعث على وجودهم على شواطئ شمال إفريقية. وقد تطور هذا الجهاد فكان أقوى ما يكون في القرن الحادي عشر ثم ضعف تدريجيا لأسباب أهمها ضعف الدولة العثمانية نفسها وتوقف موجة التقدم العثماني في أوروبا وقوة الدول الأوروبية، وخصوصا بريطانيا وفرنسا، ثم دخول أمريكا إلى حوض البحر الأبيض آخر القرن الثاني عشر. وكانت قوة الحكام المحليين تقوى أو تضعف في نظر السكان بقدر ما يحققونه من انتصارات في البحر الأبيض ضد (دار الحرب) أو أوروبا

стр. 136

المسيحية، لذلك كان الباشوات والرياس الذين حققوا مثل هذه الانتصارات يلقبون بالمجاهدين. وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك حروب داخلية وأخرى ضد بايات تونس وسلاطين المغرب، ولكنها لم تكن حروبا جهادية ولا يأخذ خائضوها شرف لقب المجاهدين. فالواجب العسكري العثماني في الجزائر كان يقوم على الحرب الجهادية ضد (دار الحرب) بالدرجة الأولى. وأهم الدول الأوروبية التي طالت الحرب بينها وبين الجزائر في هذا العهد هي اسبانيا وتليها البرتغال. وليس من الصعب العثور على السبب المباشر لهذه الحرب بين الطرفين. ففي نهاية القرن التاسع تمكن الإسبان من إسقاط آخر قلعة للمسلمين في الأندلس وأساؤوا معاملة من بقي من المسلمين هناك ثم خيروهم بين الطرد وبين تغيير عقيدتهم الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك تابع الإسبان مطاردتهم للفارين من المسلمين الأندلسيين إلى سواحل شمال إفريقيا. وأدت هذه المتابعة إلى ثلاث نتائج هامة: الأولى استقرار الحاميات الإسبانية في عدد من المراكز الاستراتيجية على سواحل شمال إفريقية مثل مدينة الجزائر والمرسى الكبير ووهران وبجاية وجيجل وعنابة في القطر الجزائري، وأمثالها في أقطار تونس والمغرب وطرابلس. والثانية تسلح مهاجري الأندلس ضد الإسبان واتخاذهم مواقع الدفاع على وطنهم الجديد وبنائهم السفن والمعدات الحربية للجهاد ضد الإسبان في البحر والاستيلاء على ما يمكن أن يقع في أيديهم من أسطول العدو. وقد حاول الإسبان، من جهتهم، تحطيم هذه القوة في عدة محاولات أشهرها حملة شارل الخامس في منتصف القرن العاشر وحملة أوريلي الأقل شهرة منها في آخر القرن الثاني عشر. أما النتيجة الثالثة لنشاط الإسبان ضد الأندلسيين والجزائريين فهي دخول الدولة العثمانية رسميا في الحرب ضد إسبانيا بعد أن أصبحت الجزائر ايالة (ولاية) من ايالات الدولة العثمانية. إن المظهر العسكري (الجهادي) للوجود العثماني في الجزائر ثم

стр. 137

استمرار التهديد الأجنبي قد طبعا الحكم العثماني، على طوله، بالخوف الدائم من الخارج والاستبداد المطلق في الداخل. وكان لهذا وذاك أثره على حياة الثقافية، كما سنرى. فرغم تصفية الوجود الإسباني من مدينة الجزائر وجيجل وبجاية وعنابة ومستغانم ودلس فإنه ظل قائما في وهران والمرسى الكبير وكان وجوده مصدر قلق مستمر للسلطة والسكان. ويمكن القول إنه كان مصدر تحالف بينهم أيضا لأنه كان خطرا على كلا الطرفين. وهناك حروب كثيرة دارت بين الحكام العثمانيين والإسبان من أجل استرداد وهران ونحوها من بقايا الجيوب الإسبانية. ومن أهم ما نجح فيه العثمانيون إخراجهم الإسبان من وهران سنة ١١١٩ (١٧٠٨) ثم إخراجهم نهائيا. منها سنة ١٢٠٥ (١٧٩١ م). إن هذا النزاع المستمر بين الجزائريين والإسبان قد أدى إلى إنتاج أدبي غزير كما لعب فيه الدين والتصوف والدروشة دورا رئيسيا (١). أما الاستبداد فقد أدى بدوره إلى العنف في الحكم. ولعله هو أبرز سمات المظهر العسكري للوجود العثماني في الجزائر. فسواء نظرنا إلى شكل الحكم نفسه أو إلى علاقته بالسكان أو إلى الأحكام الصادرة عنه فإن ظاهرة العنف كانت هي البارزة في كل ذلك. وكان الحكام في البداية يأتون من إسطانبول (٢) رفقة القاضي الحنفي وقضاة العسكر، وكانت مدة ولايتهم ثلاث سنوات غالبا، ثم يأتي من يخلفهم، وهكذا. وكان هؤلاء الباشوات (المبعوثون من السلطان) هم أهل الحل والعقد، بينما الوجق يسمع ويطيع.

стр. 138

وقد استمر هذا الوضع إلى حوالي منتصف القرن الحادي عشر (١٧ م) حين تمرد الوجق على الباشوات وطلبوا من السلطان أن يكون الحكم الحقيقي في أيديهم هم (الوجق)، أما الباشوات فيبقى لهم وجود رمزي فقط باعتبارهم ممثلين سامين للسلطان. ولكن هذا الحكم (الثنائي) لم يطل أيضا. ففي أواخر القرن المذكور انتصر العنف من جديد حين ثار الرياس (أو البحارة) وأعادوا الباشا من حيث أتى واستقلوا هم بالحكم العسكري المطلق وعينوا منهم (الداي) أو العم، حسب التقاليد العثمانية القديمة، وأصبح هو الحاكم المستبد والباشا أيضا، باعتباره الممثل الشرعي للسلطان. وقد رضي السلطان بهذا الوضع مكرها، فكان يكتفي بإصدار (الفرمان) لتثبيت اختيار الوجق في الجزائر، ولكن الدايات الذين تداولوا على الجزائر من أواخر القرن الحادي عشر إلى أوائل القرن الثالث عشر (أي إلى احتلال الجزائر سنة ١٢٤٦) لم يكونوا جميعا من طائفة الرياس. فقد كان منهم من صعد إلى الحكم دون أن يكون من أهل البحر بالمهنة مثل حسين خوجة الشريف ومحمد بكداش اللذين كانا من أهل الإدارة، ومثل حسين باشا الذي كان قبل توليته، خوجة الخيل. ولكن مهما كان أصل ممثل الحكم المذكور في الجزائر، من أهل البر أو البحر، فإن النظام السياسي العام كان نظاما جمهوريا عسكريا مغلقا. فهو جمهوري لأن منصب الحاكم انتخابي وليس وراثيا، وهو عسكري لأن الحاكم كان من العسكريين، وهو مغلق لأنه نظام لا يسمح فيه إلا للوجق بممارسة السلطة. ولكن انتقال السلطة من حاكم إلى آخر كان يتم بالعنف الشديد وأحيانا بوحشية قليلة النظير. وظاهرة الانغلاق في هذا النظام تستحق بعض التركيز هنا. ذلك أن حكام الجزائر العثمانيين كانوا من خارج البلاد ولم يكن من بينهم من ولد في الجزائر أو تربى بين أهلها أو تعلم لغة أهل البلاد وعاداتهم وأخلاقهم خلافا لمماليك مصر مثل (١). وكانت وظيفة الوجق تقتضي منهم أن يظلوا عزابا

стр. 139

مدى الحياة، فإذا تزوجوا من أهل البلاد فإن نتاجهم يعتبر أدنى منهم مرتبة، ومن ثمة لا يمكنه أن يصعد إلى الحكم والمسؤولية، فهو كرغلي (أي ابن عبد وليس ابن حر). وإذا كان نتاج العثمانيين (الأجانب) على هذه الحالة فأولى وأحرى من كان من السكان الأصليين أو من مهاجري الأندلس (١). فقد ضرب العثمانيون في الجزائر حصارا شديدا حول أنفسهم وحول مواقع القوة في أيديهم حتى لا يتسرب إليها بقية السكان ولا يرقى إليها الطامحون في الحكم منهم. وتذكر المصادر أن هناك محاولة لقلب نظام الحكم قام بها بعض أبناء العثمانيين (أي الكراغلة) من أمهات جزائريات خلال القرن الحادي عشر , ولكن الآباء أحسوا بالمؤامرة قبل وقوعها فقضوا عليها وأشبعوا القائمين بها هلاكا ونكالا، ثم أوصدوا الباب في وجه الآخرين منهم مدى الحياة (٢). وتدل مراحل الحكم التي أشرنا إليها إلى نوع العلاقة التي كانت بين

стр. 140

الجزائر وإسطانبول. فقد كانت علاقة وطيدة سياسيا حين كان الباشوات يأتون من هناك ثم أخذت تضعف أثناء الحكم الثنائي حين كان ممثل السلطان مجرد موظف سام يتقاضى أجرة ويشاهد مجريات الأمور، ولكن لا يستطيع فعل شيء. وكادت العلاقة تنقطع (بل انقطعت في بعض الأحيان) حين أصبح السلطان مقتنعا بإصدار (فرمانه) إلى من يختاره الجنود العثمانيون في الجزائر. وقد ظل محافظا على الحد الأدنى من استمرار العلاقات للمصلحة المتبادلة. فاسطانبول كانت تعرف المسافة التي تفصلها عن الجزائر ومدى ضعف أسطولها فلم تحاول فرض سلطانها هناك بالقوة، بل كانت تكتفي بالضغط ومحاولة تأكيد شرعيتها الإسلامية عن طريق الباشوات والقاضي الحنفي وولاء (عبيد السلطان) والعلماء. وعندما تعجز حتى عن ذلك كانت تكتفي بأشياء رمزية كإصدار الفرمان للاعتراف بالأمر الواقع الذي يواجهها به وجق الجزائر، وإرسال الهدايا العسكرية البحرية إلى ولاة الجزائر والاستنجاد بهم عسكريا إذا دعت الحاجة. أما الجزائر فقد كانت بدورها تحاول تأكيد ذاتيتها ووضعها الخاص. كما أن طبيعة السكان الاستقلالية والثورات الداخلية التي طبعت الحكم العثماني في الجزائر ووجود المغرب كمنافس إسلامي على الحدود ثم الخطر الإسباني والبرتغالي في غرب البحر الأبيض كل هذه العوامل جعلت الجزائر في وضع خاص داخل الدولة العثمانية. فهي من جهة مسقلة أو تحاول أن تكون مستقلة عن إسطانبول، وهي من جهة أخرى تحاول أن تبقى على الحد الأدنى من الصلات الإسلامية، ولو كانت رمزية، مع الخلافة (١).

стр. 141

ولدينا وثيقتان إحداهما تعود إلى أواخر القرن العاشر والثانية إلى القرن الثاني عشر، وكلاهما تثبت ما كنا نقول. فالأولى تتحدث عن كون السلطان قد أرسل هدايا إلى الجزائر فردت الجزائر بإرسال هدايا إلى السلطان والوزير والقبطان وغيرهم، بالإضافة إلى الجباية وأموال طائلة أخرى. كما تثبت الوثيقة أن قاضي الجزائر الحنفي كان ما يزال يأتي من إسطانبول ثم يعود حين تنتهي مدته أيضا، وأنه كان قد جاء إلى الجزائر وعاد منها بأبنائه ونسائه. ويدل ذلك من جهة أخرى على بداية التأثير العثماني، والمشرقي عموما، في المجتمع الجزائري وقد قدر الكاتب، وهو مغربي، الأموال التي كانت تحملها سفينتان إلى إسطانبول (بألف ألف مثقال). بينما قدرها آخرون (بثمانية عشر قنطارا ذهبا سوى الجوهر). غير أن السفينتين قد وقعتا في قبضة القراصنة المسيحيين. وقد أوضح الكاتب أيضا أن أجهزة الجزائر البحرية كانت أقوى من أجهزة إسطانبول. وهذا ما جعله يؤكد بأنه لو كان رياس (بحارة) السفينتين من الجزائريين لما وقعت في قبضة النصارى (١). أما الوثيقة الثانية فقد كتبها عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري وهو يذكر فيها أن الباشا إبراهيم قد أرسل (سنة ١١٤٥) إلى السلطان محمود خان هدية عظيمة فيها أربعون نصرانيا ومكاحل وستة آلاف ريال دراهم صغارا وأمورا أخرى نفيسة، وذلك لكي يأخذ الباشا لك منه (٢). ومن الملاحظ أن الهدية لم تكن ردا على هدية كما كانت الهدية الأولى. وكان إبراهيم باشا سيحكم الجزائر على كل حال سواء جاءه الفرمان من السلطان أو لم يأته. فقد كان متأكدا أن السلطان لن يمانع في ذلك ما دام الوجق بالجزائر قد

стр. 142

انتخبه. وغاية الأمر أن الفرمان سيؤكد وضعا قائما ويزيد في قناعة السكان بشرعية الحكم كما أنه قد يكون حجة ضد الثوار عند الضرورة. فئات المجتمع ١ - هناك ثلاثة عوامل خارجية أثرت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية خلال العهد العثماني، الأول هجرة الأندلسيين التي بدأت خلال القرن التاسع وتقوت خلال العاشر. والثاني الوجود العثماني نفسه. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك عاملا ثالثا وهو الوجود المسيحي واليهودي. فقد حل بمعظم المدن الساحلية الجزائرية عدد كبير من المهاجرين الأندلسيين الفارين من اضطهاد الإسبان الذين استولوا على أملاكهم وديارهم وهددوهم في عقيدتهم ولغتهم. وأشهر المدن التي حلوا بها هي: شرشال وتنس ومستغانم ومدينة الجزائر ودلس وبجاية وعنابة. وقد وجد هؤلاء المهاجرون في الجزائر أرضا كأرضهم وأهلا كأهلهم فاستوطنوا وأسهموا في الحياة الاجتماعية بإدخال عنصرين رئيسيين، الأول مضاعفة الكفاح ضد الإسبان في البحر والثغور دفاعا عن النفس، والثاني نشر أنماط حضارتهم بين الجزائريين. وكانت الأندلس إلى آخر عهدها، رغم ضعفها السياسي، هي المرحلة الراقية من تطور الحضارة العربية الإسلامية. فارتقت بوجودهم في الجزائر العمارة وصناعة الطب والموسيقى والزراعة والصنائع والحرف والتجارة والتعليم والخط والوراقة وصناعة الكتاب. وقد كان على الأندلسيين في بادئ الأمر (وقد هاجروا بنسائهم وأطفالهم) أن يواجهوا مشاكل اجتماعية جمة أهمها الفقر. لذلك أنشأوا لهم أحباسا خاصة تعرف بأوقاف الأندلس يستفيد منها فقراؤهم ويأوي إليها مهاجرهم الضعيف والبائس والغريب والعاجز (١). ورصد أغنياؤهم لهذه الأوقاف كثيرا من أموالهم. وهكذا أصبح الأندلسيون، على مر السنين، يشكلون عنصرا بارزا مؤثرا من السكان بحركتهم التجارية

стр. 143

وذكائهم وعلمهم وصنائعهم ومهارتهم في البحر- وقد طبعوا المدن الجزائرية، وخاصة الساحلية، بطابعهم العمرافي الذي ما يزال باقيا إلى اليوم (١). وأثر العثمانيون بدورهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للجزائر. وأول هذا التأثير هو ربط المجتمع الجزائري بالمجتمع الشرقي - فقد جاء العثمانيون بوسائل حضارية شرقية إلى الجزائر من مآكل وملابس ومشارب وألقاب وصنائع وتقاليد. ولم تكن نساؤهم تأتي بكثرة (ونحن هنا نتكلم عن كبار المسؤولين وليس عن الجنود الذين كانوا يأتون بالضرورة عزابا)، ولكن القليل منهن قد نشرن أشياء لا عهد للمجتمع الجزائري بها (٢). كما أن العثمانيين قد أدخلوا المذهب الحنفي إلىالجزائر وجاؤوا معهم بطرق صوفية لم تكن معروفة أو على الأقل لم تكن منتشرة بين السكان. ومن جهة أخرى أثروا في العمارة كالمساجد والأضرحة، وفي الموسيقى والخط، والمنشآت العسكرية والبحرية، وفي اللغة والملابس ونحو ذلك. وقد أنشأوا هم أيضا الأحباس التي تخدم جميع الأغراض الاجتماعية والعلمية. ومن أهمها وأشهرها أوقاف (سبل الخيرات). ومن المعروف أن العثمانيين مدينون حضاريا للحضارات العربية والفارسية والبيزنطية، بالإضافة إلى تراثهم الخاص. لذلك يمكن القول بأن الجزائر العثمانية قد ذاقت من كل هذه الحضارات خلال العهد

стр. 144

العثماني، وهذا العامل ما زال لم يحظ باهتمام المؤرخين بعد. أما العامل الثالث (المسيحي واليهودي) فهو لا يرقى في الأهمية إلى العاملين الآخرين (الأندلسي والعثماني) ولكنه جدير بالذكر. فالجزائر العثمانية قد شهدت نشاطا أوروبيا بحريا كبيرا على سواحلها وفي مدنها الرئيسية. فكان ذلك النزاع البحري الطويل الذي استغرق أجيالا. والحرب عامل تأثير، رغم سلبيتها، لأنها وسيلة اتصال وتعارف. فعن طريق الحرب عرف الجزائريون (بني الأصفر) أو الروم كما كانوا يسمون أحيانا، وتبادلوا معهم التجارب والمهارات العسكرية كالصنائع البحرية وبناء السفن وطرق معرفة البحر وحماية المراسي وتحصينها، وغير ذلك. وهناك صنف آخر من الأوروبيين عرفهم المجتمع الجزائري عندئذ، وهم التجار. وكان لهؤلاء محاكم ومستشفيات وكنائس وفنادق ومخازن وعملات يتعاملون بها وبضائع يتاجرون بها. وملابس يظهرون بها ولغة يتخاطبون بها مع السكان وعمال من الجزائريين يعملون عندهم في بيوتهم وإداراتهم. ونفس الشيء يقال عن القناصل الذين كان لهم أيضا عمال جزائريون كتراجمة مرافقين أو مقيمين معهم في أماكن العمل. وإلى هؤلاء وأولئك يمكننا أن نضيف الأسرى المسيحيين الذين كانوا أحيانا يقدرون بالآلاف، وفيهم النساء والأطفال وأصحاب المهارات والأدباء. وكان هؤلاء الأسرى يعملون، في انتظار فديتهم، في شتى أنواع العمل كالزراعة والبناء والنظافة والطب. وبعض هؤلاء الأسرى قد اعتنقوا الإسلام وأصبحوا أتراكا (عثمانيين) لغة وجنسية وارتقوا إلى مراكز النفوذ (١). وقد سجل هؤلاء

стр. 145

الأوروبيون حياتهم بأنفسهم في الجزائر في المذكرات والكتب التي نشروها بعد تحريرهم. ومن كتاباتهم نعرف أنهم لم يكونوا بمعزل عن المجتمع الجزائري بل كانوا يختلطون بأهله ويعملون معهم، وفيهم من لعب دورا بارزا في الحياة اليومية للسكان، وأحيانا في المغامرات السياسية. بل لقد كان فيهم من قربه أهل الحكم والحظوة إلى السلطة نفسها فأصبح يؤثر فيها كمستشار أو وزير أو قائد أو مدرب عسكري. وكل هؤلاء الأوروبيين (بأصنافهم التي ذكرناها) قد أثروا في الحياة الاجتماعية الجزائرية، كل حسب تغلغله وحسب إمكانياته في التأثير. ويعود تأثير هؤلاء الأوروبيين إلى القرن العاشر. فهذا كاتب أوروبي (جوزيف مورقان) يروي أن حسن باشا بن خير الدين قد ترك سنة ١٥٦٧ عند مغادرته الجزائر عددا من المسيحيين والعبيد، (من بينهم عدد كبير من الفنانين المجيدين في مختلف الأنواع المفيدة) (١) ومن جهة أخرى نعرف أن قسما من سكان الغرب الجزائري كان على صلة مستمرة بالإسبان في وهران، كما أن قسما من سكان الشرق كانوا على صلة بتجار جنوة ثم الفرنسيين نواحي القالة وعنابة. وتثيت الوثائق أن الجالية اليهودية كانت قوية خلال هذا العهد وأنها كانت تعيش في أهم المدن وخاصة عواصم الأقاليم ومدينة الجزائر نفسها. وقد مرت بنا بعض أخبار اليهود في القرن التاسع عندما تعرضنا لحياة المغيلي. وكانت هذه الجالية قد تقوت بهجرة يهود الأندلس مع المسلمين في الفترة المشار إليها. وقد جاء بعض يهود أوروبا إلى مدينة الجزائر في القرن
следующие страницы →