ولدينا وثيقتان إحداهما تعود إلى أواخر القرن العاشر والثانية إلى القرن الثاني عشر، وكلاهما تثبت ما كنا نقول. فالأولى تتحدث عن كون السلطان قد أرسل هدايا إلى الجزائر فردت الجزائر بإرسال هدايا إلى السلطان والوزير والقبطان وغيرهم، بالإضافة إلى الجباية وأموال طائلة أخرى. كما تثبت الوثيقة أن قاضي الجزائر الحنفي كان ما يزال يأتي من إسطانبول ثم يعود حين تنتهي مدته أيضا، وأنه كان قد جاء إلى الجزائر وعاد منها بأبنائه ونسائه. ويدل ذلك من جهة أخرى على بداية التأثير العثماني، والمشرقي عموما، في المجتمع الجزائري وقد قدر الكاتب، وهو مغربي، الأموال التي كانت تحملها سفينتان إلى إسطانبول (بألف ألف مثقال). بينما قدرها آخرون (بثمانية عشر قنطارا ذهبا سوى الجوهر). غير أن السفينتين قد وقعتا في قبضة القراصنة المسيحيين. وقد أوضح الكاتب أيضا أن أجهزة الجزائر البحرية كانت أقوى من أجهزة إسطانبول. وهذا ما جعله يؤكد بأنه لو كان رياس (بحارة) السفينتين من الجزائريين لما وقعت في قبضة النصارى (١).
أما الوثيقة الثانية فقد كتبها عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري وهو يذكر فيها أن الباشا إبراهيم قد أرسل (سنة ١١٤٥) إلى السلطان محمود خان هدية عظيمة فيها أربعون نصرانيا ومكاحل وستة آلاف ريال دراهم صغارا وأمورا أخرى نفيسة، وذلك لكي يأخذ الباشا لك منه (٢). ومن الملاحظ أن الهدية لم تكن ردا على هدية كما كانت الهدية الأولى. وكان إبراهيم باشا سيحكم الجزائر على كل حال سواء جاءه الفرمان من السلطان أو لم يأته. فقد كان متأكدا أن السلطان لن يمانع في ذلك ما دام الوجق بالجزائر قد
стр. 142
انتخبه. وغاية الأمر أن الفرمان سيؤكد وضعا قائما ويزيد في قناعة السكان بشرعية الحكم كما أنه قد يكون حجة ضد الثوار عند الضرورة.
فئات المجتمع
١ - هناك ثلاثة عوامل خارجية أثرت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية خلال العهد العثماني، الأول هجرة الأندلسيين التي بدأت خلال القرن التاسع وتقوت خلال العاشر. والثاني الوجود العثماني نفسه. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك عاملا ثالثا وهو الوجود المسيحي واليهودي. فقد حل بمعظم المدن الساحلية الجزائرية عدد كبير من المهاجرين الأندلسيين الفارين من اضطهاد الإسبان الذين استولوا على أملاكهم وديارهم وهددوهم في عقيدتهم ولغتهم. وأشهر المدن التي حلوا بها هي: شرشال وتنس ومستغانم ومدينة الجزائر ودلس وبجاية وعنابة. وقد وجد هؤلاء المهاجرون في الجزائر أرضا كأرضهم وأهلا كأهلهم فاستوطنوا وأسهموا في الحياة الاجتماعية بإدخال عنصرين رئيسيين، الأول مضاعفة الكفاح ضد الإسبان في البحر والثغور دفاعا عن النفس، والثاني نشر أنماط حضارتهم بين الجزائريين. وكانت الأندلس إلى آخر عهدها، رغم ضعفها السياسي، هي المرحلة الراقية من تطور الحضارة العربية الإسلامية. فارتقت بوجودهم في الجزائر العمارة وصناعة الطب والموسيقى والزراعة والصنائع والحرف والتجارة والتعليم والخط والوراقة وصناعة الكتاب. وقد كان على الأندلسيين في بادئ الأمر (وقد هاجروا بنسائهم وأطفالهم) أن يواجهوا مشاكل اجتماعية جمة أهمها الفقر. لذلك أنشأوا لهم أحباسا خاصة تعرف بأوقاف الأندلس يستفيد منها فقراؤهم ويأوي إليها مهاجرهم الضعيف والبائس والغريب والعاجز (١). ورصد أغنياؤهم لهذه الأوقاف كثيرا من أموالهم. وهكذا أصبح الأندلسيون، على مر السنين، يشكلون عنصرا بارزا مؤثرا من السكان بحركتهم التجارية
стр. 143
وذكائهم وعلمهم وصنائعهم ومهارتهم في البحر- وقد طبعوا المدن الجزائرية، وخاصة الساحلية، بطابعهم العمرافي الذي ما يزال باقيا إلى اليوم (١).
وأثر العثمانيون بدورهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للجزائر. وأول هذا التأثير هو ربط المجتمع الجزائري بالمجتمع الشرقي - فقد جاء العثمانيون بوسائل حضارية شرقية إلى الجزائر من مآكل وملابس ومشارب وألقاب وصنائع وتقاليد. ولم تكن نساؤهم تأتي بكثرة (ونحن هنا نتكلم عن كبار المسؤولين وليس عن الجنود الذين كانوا يأتون بالضرورة عزابا)، ولكن القليل منهن قد نشرن أشياء لا عهد للمجتمع الجزائري بها (٢). كما أن العثمانيين قد أدخلوا المذهب الحنفي إلىالجزائر وجاؤوا معهم بطرق صوفية لم تكن معروفة أو على الأقل لم تكن منتشرة بين السكان. ومن جهة أخرى أثروا في العمارة كالمساجد والأضرحة، وفي الموسيقى والخط، والمنشآت العسكرية والبحرية، وفي اللغة والملابس ونحو ذلك. وقد أنشأوا هم أيضا الأحباس التي تخدم جميع الأغراض الاجتماعية والعلمية. ومن أهمها وأشهرها أوقاف (سبل الخيرات). ومن المعروف أن العثمانيين مدينون حضاريا للحضارات العربية والفارسية والبيزنطية، بالإضافة إلى تراثهم الخاص. لذلك يمكن القول بأن الجزائر العثمانية قد ذاقت من كل هذه الحضارات خلال العهد
стр. 144
العثماني، وهذا العامل ما زال لم يحظ باهتمام المؤرخين بعد.
أما العامل الثالث (المسيحي واليهودي) فهو لا يرقى في الأهمية إلى العاملين الآخرين (الأندلسي والعثماني) ولكنه جدير بالذكر. فالجزائر العثمانية قد شهدت نشاطا أوروبيا بحريا كبيرا على سواحلها وفي مدنها الرئيسية. فكان ذلك النزاع البحري الطويل الذي استغرق أجيالا. والحرب عامل تأثير، رغم سلبيتها، لأنها وسيلة اتصال وتعارف. فعن طريق الحرب عرف الجزائريون (بني الأصفر) أو الروم كما كانوا يسمون أحيانا، وتبادلوا معهم التجارب والمهارات العسكرية كالصنائع البحرية وبناء السفن وطرق معرفة البحر وحماية المراسي وتحصينها، وغير ذلك.
وهناك صنف آخر من الأوروبيين عرفهم المجتمع الجزائري عندئذ، وهم التجار. وكان لهؤلاء محاكم ومستشفيات وكنائس وفنادق ومخازن وعملات يتعاملون بها وبضائع يتاجرون بها. وملابس يظهرون بها ولغة يتخاطبون بها مع السكان وعمال من الجزائريين يعملون عندهم في بيوتهم وإداراتهم. ونفس الشيء يقال عن القناصل الذين كان لهم أيضا عمال جزائريون كتراجمة مرافقين أو مقيمين معهم في أماكن العمل. وإلى هؤلاء وأولئك يمكننا أن نضيف الأسرى المسيحيين الذين كانوا أحيانا يقدرون بالآلاف، وفيهم النساء والأطفال وأصحاب المهارات والأدباء. وكان هؤلاء الأسرى يعملون، في انتظار فديتهم، في شتى أنواع العمل كالزراعة والبناء والنظافة والطب. وبعض هؤلاء الأسرى قد اعتنقوا الإسلام وأصبحوا أتراكا (عثمانيين) لغة وجنسية وارتقوا إلى مراكز النفوذ (١). وقد سجل هؤلاء
стр. 145
الأوروبيون حياتهم بأنفسهم في الجزائر في المذكرات والكتب التي نشروها بعد تحريرهم. ومن كتاباتهم نعرف أنهم لم يكونوا بمعزل عن المجتمع الجزائري بل كانوا يختلطون بأهله ويعملون معهم، وفيهم من لعب دورا بارزا في الحياة اليومية للسكان، وأحيانا في المغامرات السياسية. بل لقد كان فيهم من قربه أهل الحكم والحظوة إلى السلطة نفسها فأصبح يؤثر فيها كمستشار أو وزير أو قائد أو مدرب عسكري. وكل هؤلاء الأوروبيين (بأصنافهم التي ذكرناها) قد أثروا في الحياة الاجتماعية الجزائرية، كل حسب تغلغله وحسب إمكانياته في التأثير. ويعود تأثير هؤلاء الأوروبيين إلى القرن العاشر. فهذا كاتب أوروبي (جوزيف مورقان) يروي أن حسن باشا بن خير الدين قد ترك سنة ١٥٦٧ عند مغادرته الجزائر عددا من المسيحيين والعبيد، (من بينهم عدد كبير من الفنانين المجيدين في مختلف الأنواع المفيدة) (١) ومن جهة أخرى نعرف أن قسما من سكان الغرب الجزائري كان على صلة مستمرة بالإسبان في وهران، كما أن قسما من سكان الشرق كانوا على صلة بتجار جنوة ثم الفرنسيين نواحي القالة وعنابة.
وتثيت الوثائق أن الجالية اليهودية كانت قوية خلال هذا العهد وأنها كانت تعيش في أهم المدن وخاصة عواصم الأقاليم ومدينة الجزائر نفسها. وقد مرت بنا بعض أخبار اليهود في القرن التاسع عندما تعرضنا لحياة المغيلي. وكانت هذه الجالية قد تقوت بهجرة يهود الأندلس مع المسلمين في الفترة المشار إليها. وقد جاء بعض يهود أوروبا إلى مدينة الجزائر في القرن
стр. 146
الثاني عشر (١٨ م) واستوطنوها مثل عائلتي بكري وبوشناق. وكان اليهود يشتغلون ببعض الصنائع الدقيقة والثمينة كالخياطة والصياغة واختبار جودة الذهب والفضة، بالإضافة إلى التجارة في الصرافة والدخان والعطارة ونحوها. وقد مرت عليهم عهود كانوا فيها مغمورين إلى حد ما ولكنهم في بعض العهود قد وصلوا إلى درجة كبيرة من النفوذ والجاه ولا سيما في آخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر. وكان منهم من يؤثر في الحياة السياسية الداخلية، وبطريق التجارة مع أوروبا أيضا حتى أن مدينة ليفورنيا كانت عبارة عن مدينة جزائرية لكثرة يهود الجزائر بها. وكانوا يحتكرون تصدير بعض البضائع. وبالإضافة إلى اختبار العملة الرسمية ودخولهم إلى خزينة الدولة كان منهم التراجمة بحكم معرفتهم للغات الأجنبية. وبهذه الوسائل الهامة كانوا يطلعون على أسرار الدولة ويصلون أيضا إلى تغيير بعض القرارات الحكومية. وكان لهم أصدقاء من أهل السلطة في أعلى المستويات. ورغم أنهم كانوا يعيشون كأهل ذمة لهم حدودهم الدينية والسياسية، فإنهم من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية كانوا يلعبون دورا هاما في المجتمع الجزائري. ولم يكن تأثيرهم مقصورا على العاصمة بل تجاوزها إلى المدن الأخرى وخاصة قسنطينة (١).
٢ - ولكن ما ذكرناه لا يعدو أن يكون عوامل مؤثرة خارجية. فالمجتمع الجزائري ظل، مع ذلك محتفظا بقيمه العربية الإسلامية. حقا أن هذا
стр. 147
المجتمع لم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة (المجتمع الوطني) الذي نتحدث عنه اليوم. ولكنه كان بالروابط الموحدة دينيا وسياسيا وخلقيا ولغويا، قد وصل إلى مرحلة المجتمع الواعي المتماسك والمتجاوب. وكانت هناك العادات والتقاليد، المبنية بدورها على التشريع الإسلامي، التي تشكل عامل وحدة قوية في المجتمع. والذي يدرس كتابا مثل (المعيار) للونشريسي (١)، وأحكام القضاة ومجالس الفتيا وكتابات الأدباء والاجتماعيين خلال العهد الذي ندرسه يدرك أن هناك ذوقا عاما وقيما مشتركة وأحكاما ومقاييس أخلاقية وروحية يستند إليها الناس في حياتهم اليومية مهما علت مراتبهم أو بعدت منازلهم. وهذه الظاهرة وحدها كافية للدلالة على وجود المجتمع الجزائري الموحد خلال العهد العثماني.
فإذا عدنا إلى دراسة خلايا هذا المجتمع وجدنا العثمانيين يأتون في أعلى السلم (من الباشا إلى اليلداش) وكانوا، كما عرفنا، يحتكرون السلطة، فمنهم الباشوات والوزراء والبايات ورؤساء البحر أو الرياس والأغوات أو قواد البر، كما كان منهم أعضاء الديوان أو البرلمان. ولا يكاد يخلو مصدر عن العهد العثماني، معاصر أو غير معاصر مسلم أو غير مسلم، دون أن يصدمه شيوع الرشوة والفساد والجور والانحراف والظلم والاستغلال الشنيع الذي كان يمارسه العثمانيون في الجزائر. فهم، كفئة متميزة وممتازة، كانوا ينظرون إلى السكان نظرة استعلاء واحتقار وازدراء. وكانت الرشوة وجمع الأموال عن طريقها هي أساس العلاقات فيما بينهم ثم بينهم وبين السكان.
ولا يكاد يعين أحد في منصب أو يرقى إلى وظيفة إلا إذا رشى الباشا وحريمه ووزراءه وكبار الموظفين، وهلم جرا.
وكانت زيارة الدنوش التي يقوم بها البايات للعاصمة كل ثلاث سنوات والزيارة التي يقوم بها خلفاؤهم كل نصف سنة، من مظاهر الرشوة والمهاداة
стр. 148
والفساد، بل إن الباشا نفسه كان يبقى في الحكم أو يخنق أو يعزل حسبما يوفره للجنود والضباط والأعوان من مال يأخذه هو بدوره من هنا ومن هناك. وقد قتل الباشا محمد بكداش سنة ١١٢٢ لأنه لم يجد مالا يدفعه للجنود بعد فرار باي قسنطينة إلى تونس بالأموال التي كان المفروض فيه أن يقدمها إلى الباشا (١). كما قتل معه في ذلك صهره أوزن حسن الذي كان قائد فتح وهران الأول. وفي سنة ١٠٥٢ وضع الباشا يوسف في السجن لأنه لم يستطع أن يدفع للجنود رواتبهم (٢). وكانت الحروب الداخلية أحيانا تعلن من أجل جمع المال. فكان الجندي البسيط يستغل المواطن الجزائري إلى أقصى الحدود، كما كان الباشا يستغل كبار الموظفين، بل ويأخذ الهدايا من القناصل الأجانب ودور اليهود التجارية. وقد سجل المؤرخ المغربي أبو القاسم الزياني في أوائل القرن الثالث عشر (على الحكام الترك والقضاة الشرعيين وسائر أهل النفوذ منهم أخذ الرشا، والجور في الحكم وإضاعة الحقوق) (٣). وسنعرف أكثر عن هذا الموضوع من الكتاب الجزائريين الذين اتهموا العثمانيين بأكل أموال الأوقاف وتجاوزهم الحدود الشرعية والأخلاقية (٤). وبعد عدة أجيال من الوجود العثماني في الجزائر ظهرت فئة جديدة من
стр. 149
المولدين العثمانيين (من أمهات جزائريات) وكان أبناء هذه الفئة يطمحون بالميلاد واللغة والانتماء العائلي إلى الصعود إلى المرتبة الأولى في المجتمع. ولكن العثمانيين أصلا - إذا صح التعبير - منعوهم واعتبروهم كراغلة غير أصليين، أو أبناء عبيد، حتى يحافظوا هم على مقاليد السلطة في أيديهم لأن قوتهم تكمن في إبعاد أهل البلاد عنها ولو كانوا من أصلابهم. وكانت ثورة الكراغلة الفاشلة في منتصف القرن الحادي عشر سببا في إبعادهم نهائيا عن مقاليد الحكم (اللهم إلا بعض مناصب البايات) وزادت في مخاوف خصومهم منهم. ولو نجح الكراغلة لتغير وجه التاريخ الجزائري ولوجدنا الحكم فيها أكثر التصاقا بالشعب وأكثر اهتماما بمصالحه وأكثر ارتباطا بقيمه الحضارية، بل لتوقعنا أن يتحول الحكم شيئا فشيئا إلى حكم (وطني) مستقل. والغريب أن العثمانيين كانوا يرفعون أبناءهم في الجزائر إذا كانوا من أسيرات مسيحيات، ويخفضونهم إذا كانوا من أمهات مسلمات. ولكن الغرابة تزول إذا عرفنا أن هدفهم الأساسي كان إبعاد العنصر الأهلي عن مقاليد السلطة.
والفئة الثالثة هي فئة الحضر، وهي تشمل سكان المدن (في مقابل سكان البادية). وهي تضم العلماء والتجار وأصحاب الحرف والصنائع والكتاب والإدرايين. ومن الخطأ الشائع إطلاق أهل الحضر على مهاجري الأندلس فقط تبعا لوصف الأوروبيين لهم (بالمور). ذلك أن أشمل وصف لهم هو سكان المدن بمن في ذلك سكان المدن الأصليون والمهاجرون الأندلسيون، كما يشمل كل من استوطن المدن من أهل البادية و (تمدن) بعد أن كان باديا. وكانت هذه الفئة، رغم دورها الاجتماعي والاقتصادي والعسكري أيضا، محرومة من التطلع السياسي لأن احتكار العثمانيين للسلطة قد أوصد الأبواب في وجهها. ولكن هذه الفئة لم تكن بدون نفوذ. فهي عن طريق الجاه المادي (النفوذ الاقتصادي) على يد كبار التجار وأمناء أهل الحرف والصنائع، والجاه الروحي (العلماء ومرابطو المدن والقضاة
стр. 150
والمفتون) كانت تؤثر أحيانا في ميزان القوى. ولكن تأثيرها لا يصل إطلاقا إلى درجة الحكم نفسه. وقد كان الحرمان السياسي، بل الإبعاد المقصود عن السياسة، سببا في جعل هذه الفئة تتطلع إلى ساعة الخلاص من الحكم العثماني (١).
وتأتي أخيرا الفئة الرابعة وهي كل من لم نذكرهم سابقا. وإذا كان لكل مدينة عمالها فإن العاصمة خلال العهد العثماني كان لها عمال غير مقيمين أو فعليين. وقد كان هناك ثلاثة مصادر لتزويد العاصمة باليد العاملة: زواوة وبسكرة وميزاب. ويبدو أنه كان يدخل ضمن زواوة كل العمال القادمين من المنطقة الجبلية المجاورة لمدينة الجزائر، كما كان يدخل ضمن وصف البسكري كل من جاء من جهة الصحراء الشرقية وكان أسمر أو أسود البشرة سواء كان من أهل الزاب فعلا أو من أهل تقرت ووادي سوف وغيرهم، وأما وصف الميزابي فالمقصود بهم أتباع المذهب الإباضي (٢). ومهما كان الأمر فإن هؤلاء العمال كانوا يترددون على العاصمة ويعملون في دورها وفي مخابزها وحماماتها وموانيها ومصابغها ومدابغها، ونحو ذلك. وكان منهم أيضا من يعمل عند القناصلة الأجانب. ومعظم هؤلاء العمال كانوا يعودون بأموالهم إلى أهاليهم من وقت لآخر ويستثمرونها هناك في النخيل والزيتون ونحوه. وبالإضافة إلى هؤلاء هناك الزنوج الذين كانوا يعملون أجراء عند الدولة بعد أن حررهم مالكوهم. وكان عددهم يزداد أو ينخفض تبعا لحكم التجارة بين الجزائر وافريقيا (السودان في القديم). وقد تفرعت عن هؤلاء
стр. 151
الزنوج فروع حيث تزاوجوا وقطنوا أطراف المدن. ويمكننا أن نضيف إلى العمال، الأسرى المسيحيين الذين كانوا يقومون أثناء فترة أسرهم بأعمال يدوية في العاصمة والمدن الكبرى الأخرى كما سبقت الإشارة.
وكان هناك فرق شاسع بين مجتمع المدينة ومجتمع الريف. فالنظام الإقطاعي الذي دعمه العثمانيون قد جعل الفلاح يأتي في آخر القائمة الاجتماعية. وكان الفلاح محل استغلال الشيوخ والمرابطين والقواد والخلفاء والجنود وغيرهم من أصحاب الحكم والنفوذ الذين كانوا يتلقون مسؤولياتهم من البايات أو من ممثليهم في الأقاليم. وقد نجح العثمانيون في تدعيم سلطتين في الريف الجزائري الأولى سلطة روحية تتمثل في لجوئهم لأهل الصلاح والخير وأهل الطرقية والتعرف يتزلفونهم ويحمونهم ويطلبون بركاتهم وعونهم على الرعية - والثانية سلطة دنيوية وتتمثل في شيوخ القبائل وقواد العشائر الذين كان العثمانيون يمدونهم بالسيف والبرنس ويقطعونهم الأراضي ويضيفون إلى ذلك بعض الحاميات العسكرية في الوقت المناسب لتأديب الناقمين عليهم وتخويف الباقين من السكان. وكان الجميع متعاونين على استغلال عرق الفلاحين وأهل البادية إلى أقصى حدود الاستعلال، وكان الذي لا يستطيع أن يدفع اللزمة أو الحكر أو الضريبة يصبح مخزنيا أي خادما في صفوف المستغلين، وبذلك يصبح هو بدوره مستغلا لغيره، لأن عليه، في هذه الحالة، أن يبرهن على ولائه للسلطة بمعاقبة الرعية والمغالاة في ذلك. والحديث هنا طبعا عن الجماعات وليس عن الأفراد. ذلك أن هناك قبائل بأسرها قد خرجت من حالة الرعية إلى حالة المخزنية لكي ترقى من حالة كونها موضع استغلال إلى كونها هي نفسها مستغلة لغيرها بل أداة استغلال. وقد كان كثير من الحضر ومن الكراغلة وأصحاب السلطة يملكون أراضي وبساتين خارج المدن، وكانوا يعطونها للفلاحين يعملون فيها لهم عن طريق (الخماسة) لأنهم لا يستطيعون العمل فيها بأنفسهم بحكم تجارتهم وأعمالهم الأخرى في المدن. ونحن نجد في الأرشيف وفي كتابات الأسرى
стр. 152
المسيحيين وكتاب (المرآة) لحمدان خوجة وغيره وصفا لعلاقة الريف بالمدينة وامتلاك أهل المدن أراضي وضيعات ودورا خارج المدن. ولم يكن أهل الريف الجزائري مكونين من رعية ومحزن فقط بل كان هناك المستقلون أيضا مقابل دفع إتاوات للعثمانيين. فالريف الجزائري إذن كان متنوع الحكم، ولكن أقسى أنواع الحكم فيه هو المسلط على الرعية طبعا. والعلاقة هنا بين السلطة والسكان علاقة استغلالية محضة.
٣ - ولدينا شواهد كثيرة على تكوين ذوق عام في المدن الجزائرية خلال العهد العثماني، ورغم أن الوضع كان يختلف من جهة إلى أخرى، فإن الطابع الاجتماعي كان واحدا. وسيمر بنا عند الحديث عن المدن شيء من ذلك، ولكننا هنا نود أن نشير إلى انتشار ما نسميه اليوم بمرض النفاق الاجتماعي أو المجاملة وغيرها من الأوصاف اللازمة للحضارة لا للبداوة. وقد ذكر لنا عبد الكريم الفكون وصفا صارخا لحضر قسنطينة في القرن الحادي عشر وهو وصف يمكن تعميمه على أهل تلمسان وبجاية ومدينة الجزائر وغيرها. كما أن ابن المفتي وابن حمادوش قد تركا لنا وصفا آخر لحضر مديتة الجزائر في القرن الثاني عشر. وفي كتاب (البستان) لابن مريم وكتاب (كعبة الطائفين) لابن سليمان أخبار هامة عن حضر تلمسان أيضا.
ومما جاء في كتاب (منشور الهداية) للفكون وصفه لما جرى بين زعيمين من حضر قسنطينة (المفتي أحمد الغربي ونائب القاضي عبد اللطيف بن بركات). فقد قال إنه كان بينهما (ألفة الظاهر وفي الباطن مختلفان على عادة صنفهم المسمى بالحضر إذ ذاك صفة لهم لازمة بمجرى العادة لا تتخلف ولو في النادر). ومن الغريب أن هذا الكلام صادر عن زعيم آخر من حضر قسنطينة، وهو المؤلف نفسه، لأنه من عائلة مدنية ذات تاريخ حافل بالعلم والجاه الاجتماعي والروحي. وقد قال بأنه كان يعتقد أن هذه الصفة (المجاملة) قد تتخلف أحيانا عندهم ولكنه اكتشف أنها ملاصقة للحضر (فانبهر لي عموم الوصف في جميعهم إلا, أن بعضهم يعرف منه
стр. 153
(ذلك) ابتداء وبعضهم يخفي ما أكن إلى بلوغ قصده وأربه) (١). ونفس الملاحظة أبداها على زعيمين آخرين من مجتمع الحضر بقسنطينة في وقته، وهما أحمد بن باديس وابن نعمون. فقد قال إنهما إذا تواجها تحسبهما أصدقاء وإذا تدابرا يكنان البغضاء لبعضهما (وليس ذلك بدعا مما هو من الجنس الذي يلقب حضريا. فقد جبلوا على ذلك) (٢). وقد كرر الفكون ذلك الحكم على الحضر في عدة مناسبات أخرى من كتابه.
وكانت هناك عادات اجتماعية يمارسها أهل المدن وأخرى يمارسها أهل الريف. وإذا كانت عادات أهل الريف متنوعة وتقوم على توجيهات أصحاب الطرق الصوفية في أغلب الأحيان فإن عادات أهل المدن كانت موحدة وتتأثر بما كان يجري في الأندلس أو في حواضر المشرق الإسلامي. وهي تستمد أصولها من التاريخ الإسلامي والحضارة العربية بصفة عامة. وقد وصف ابن حمادوش بعض عادات مدينة الجزائر ليلة القدر وختم صحيح البخاري وغيرهما من المناسبات الدينية (٣). كما أن المفتي أحمد بن عمار قد ترك وصفا لما كان يفعله أهل مدينة الجزائر بمناسبة المولد النبوي مثل إيقاد الشموع وإنشاد التواشيح والتزين والتيطب وغيرها (من أنواع المباحات) (٤). وهناك عادات اجتماعية شاعت خلال هذا العهد وأصبح المجتمع الجزائري معروفا بها في سائر المدن , ونذكر منها حفلات الخطبة والزواج والختان وتوديع واستقبال الحجاج (٥) واستقبال الدنوش بالعاصمة واستقبال المنتصرين من الرياس والعائدين بالغنائم ونحوها (٦) وخروج الولاة وعودتهم في
стр. 154
مناسبات رسمية، وتولية المفتين والقضاة، وتولي سلاطين آل عثمان وميلاد الأولاد لهم، بالإضافة إلى المناسات الدينية كرمضان وعيد الأضحى.
ومن عادات شهر رمضان ختم صحيح البخاري في المساجد وإضاءة الشموع فيها وفي غيرها. وأهم ظاهرة اجتماعية في هذا الشهر هي أن المدينة تسهر خلافا لسائر الشهور. فقد جرت العادة أن لا يخرج أحد من داره من سقوط الظلام إلى شروق الشمس. وكانت المدينة تغلق أبوابها فلا ترى أحدا يمشي في الشارع ليلا. أما في رمضان فالجميع يخرجون ويسهرون حتى النساء اللائي كن يخرجن سافرات متخذات من الليل حجابا. ومن الواضح أن المرأة لا تخرج وحدها في هذه المناسبة. وهناك ألعاب كانت تجري يوم عيد الأضحى على الخصوص. من ذلك الألعاب البهلوانية التي تشبه المصارعة والتي كانت تجري يوم الجمعة أيضا. وهي لعبة لم تكن خاصة بمدينة الجزائر بل كان يمارسها الناس، وخصوصا الأتراك، في معظم مدن القطر. أما في العاصمة فقد كان يحضرها يوم عيد الأضحى الباشا وكبار رجال الدولة في المكان المعد لها وهو خارج باب الواد. وكانت هي الرياضة المفضلة عندهم.
وخلاصتها أن أشهر اللاعبين يتقدمون زوجين زوجين في حوالي عشرة أزواج ويصعدون على الحلبة (المنصة) المعدة لذلك. ويجلس الباشا وأعوانه على زرابي حول الحلبة، ثم يشرع اللاعبون في مصارعتهم القائمة على خفة الحركة والمهارة في الغلبة وإظهار القوة، كل اثنين يأخذان فترة من الوقت، وهكذا إلى أن ينتهي مجموع اللاعبين. وبعد ذلك يمنح الباشا بعض النقود لكل واحد منهم.
وهناك لعبة أخرى تجري في هذه المناسبة أيضا، وتسمى لعبة العصى، وهي لعبة يشترك فيها الباشا أيضا. فقد كان الفرسان (الصبايحية) يسيرون الواحد تلو الآخر ويرمون عصيهم التي تشبه الرماح على بعضهم البعض. والفائز هو الذي يصيب صاحبه. وفي نهايتها يري الباشا أيضا فرسه ويسير
стр. 155
خلف أحد الفرسان ويحاول إصابته بعصاه، والفارس المحظوظ هو الذي يصيبه الباشا بعصاه، لأنه عندئذ ينزل عن فرسه ويتقدم من الباشا الذي يعطيه الدراهم، وهكذا. وقد كانت هذه مناسبة رسمية وشعبية. فالعامة كانوا يكتفون بالتفرج، أما الخاصة فقد كانوا يتراجعون إلى حيث نصبت خيمة الباشا ويقضون بعد ظهر ذلك اليوم في الأكل والشراب واحتساء القهوة (١) وهذا هو ما يشبه اليوم حفلة الاستقبال الرسمية.
ولم تكن اللعبة البهلوانية أو لعبة المصارعة خاصة بيوم عيد الأضحى بل كانت تجري كل يوم جمعة. غير أن الباشا لا يحضرها إلا في المناسبة الأولى. وكانت تجري يوم الجمعة بنفس الطريقة وفي نفس المكان أيضا، غير أن أشهر اللاعبين لا يلعبون إلا في عيد الأضحى. وكان ليوم الجمعة أيضا مظهره الخاص. ففيه تغلق المدينة أبوابها عند الصلاة كما تغلق جميع الدكاكين نوافذها، ومعظم التجار لا يعودون لفتح الدكاكين بعد الصلاة بل يذهبون في نزهات خاصة مع أهلهم أو يخرجون إلى بساتينهم القريبة أو يزورون بعضهم البعض. أما النساء فقد كن يتوجهن منذ الصباح الباكر إلى المقابر لزيارة موتاهن.
وقد كانت هناك حفلات أخرى تسلي الناس وتدفع عنهم الضجر مثل مسرح القراقوز (أو خيال الظل) الذي أدخله الأتراك. ومن ذلك أيضا حلقات إنشاد الشعر الشعبي حيت يقوم المداحون بقص السير والأخبار ومغامرات الأبطال والفرسان. وقد شاع في الجزائر عندئذ شرب القهوة بكثرة ومضغ الدخان وتدخينه في السبسي أو الغليون (٢) واستعمال النشوق ونحو ذلك. ولم يكن شرب الخمر شائعا عند الطبقات العالية ولا ذوي الشأن والعلم لأنه حرام
стр. 156
ولأنه لا يليق بالمقام. أما الجنود والشباب الترك بصفة عامة فالوثائق تتحدث على أنهم كانوا يشربون بكثرة حتى يعربدوا. وهم إذا عربدوا فقدوا كل سيطرة على أنفسهم حتى أنه يصبح من الخطر الاقتراب من الجنود لأنهم قد يقتلون ويعتدون على النساء والصبيان، ولا سيما عند توجههم في حملاتهم السنوية (في الربيع، نحو الشرق والغرب والجنوب). لذلك يخرج البراح وينادي بابتعاد النساء والصبيان من طريقهم (١).
وخلافا لما كان يشاع من أن المجتمع الجزائري هو مجتمع الرجل فإن المرأة قد لعبت فيه دورا أساسيا في الميدان الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي والثقافي. فالمرأة الريفية كانت تقوم بمعظم الأعمال التي هي غالبا من اختصاص الرجل. ومن ذلك الحرث والسقي وعلف الحيوانات ونحوها. وكانت بالطبع تربي الأولاد وتقوم بأعباء المنزل. كما كانت تنتج ملابس الأسرة من برانيس وقنادير ومناديل، بالإضافة إلى نسج الزرابي والحياك وغيرها من وسائل التجارة. ومن جهة أخرى كانت المرأة الريفية تشترك في الحروب مثل علجية بنت بوعكاز التي سيأتي الحديث عنها (٢).
أما المرأة المدنية فقد كانت تتاجر أيضا بعدة وسائل منها تأجير البحارة الذين يقومون لها بالحصول على غنائم البحر وبيعها في أسواق الجزائر من سلع وأسارى ونحو ذلك (٣). وإذا كانت المرأة المدنية، على خلاف المرأة
стр. 157
الريفية، لا تخرج إلا محجبة فإن ذلك لم يقلل من دورها الاجتماعي. فبيتها كان نظيفا يضرب به المثل حتى أن المرء ينتقل فيه حافيا من غرفة إلى أخرى فلا يمس قدميه أي وسخ. وكانت تعتني بتربية الأطفال حتى كان الطفل الحضري مضرب المثل أيضا في النظافة والذوق والجمال. أما أوقات فراغها فكانت تقضيها في الحمام أو في زيارة الأقارب والجيران. وسنعرض إلى بعض مظاهر تجميلها في مناسبة أخرى.
وليس صحيحا أيضا أن المرأة لم تكن تشترك في السياسة العامة للبلاد. حقا أنها لم تكن عضوة في الديوان ولا موظفة سامية في إطارات الدولة ولكنها كثيرا ما تدخلت في توجيه القرارات والتأثير على أزواجهن في اتخاذ مواقف معينة. وأول ما نلاحظه في هذا الميدان هو الزواج السياسي الذي كان يتم بين زعماء الترك والكراغلة وزعماء الجزائريين من أصحاب النفوذ والسلطان. فقد تزوج عروج من زوج سليم التومي (١). وتذكر المصادر أن مصطفى بوشعلاغم كان متزوجا من عدة نساء صاهر بهن شيوخ النواحي الغربية وقوادها، ولذلك ظل في الحكم ثلاثين سنة. وتزوج أحمد القلي، باي قسنطينة، من أسرة بوعكاز (شيخ العرب)، وكذلك الحاج أحمد باي قسنطينة الذي تزوج من أسرة المقراني وغيرها. ومن جهة أخرى نعرف أن زوج بابا حسن باشا هي التي أثرت عليه في إطلاق سراح الأسرى الفرنسيين عند ضرب هؤلاء لمدينة الجزائر سنة ١٦٨٨ (١١٠٠ هـ) مما جعل الوجق يثورون عليه ويذبحونه (٢). وقد كانت زوج حسن باشا وراء مقتل صالح باي (٣). وهناك أمثلة كثيرة على هذه التدخلات ولكنها ما زالت غير مدروسة.
كذلك أدت المرأة خدمات دينية واجتماعية وخيرية هامة. فقد وجدناها توقف الأوقاف على الفقراء والمساكين وتساهم في تحبيس الكتب ونحوها
стр. 158
على المساجد ومراكز التعليم. كما وجدناها ذاكرة عابدة وتقوم على الطرق الصوفية عند وفاة أزواجهن ونحو ذلك، حتى أن بعض الباحثين ادعى أن المرأة وجدت مساواتها بالرجل في ميدان التصوف. وسنتحدث عن ذلك في محله من هذا الكتاب. كما أن المرأة أخذت نصيبا من التعلم، كما سنرى. أما دورها في الحياة الثقافية المحضة من أدب وشعر وتأليف فلا يكاد يذكر خلال هذا العهد (١).
ورغم المغامرات البحرية والعلاقات التجارية مع أوروبا والحروب التي أدت إلى وفرة الأسرى المسيحيين واختلاطهم بالسكان (٢) فإن المجتمع الجزائري ظل خلال هذا العهد مجتمعا إسلاميا شرقيا منغلقا على نفسه. فالأفكار الأوروبية قلما تسربت إليه، وإذا حدث شيء من ذلك فإنه سرعان ما يصرف على أنه من إنتاج الكفار، كما حدث عندما سمع بعض الجزائريين بأخبار الثورة الفرنسية. فقد صرفها أحمد بن سحنون (وهو كاتب رسمي لباي الغرب) على أنها قضية تهم الفرنسيين (الكفار) وحدهم ودعا عليهم بأن يجعل الله كيدهم في نحرهم (٣). وكان الحاجز الديني بين الجزائر وأوروبا أقوى من الحاجز التجاري والسياسي (٤). فالجزائريون كانوا كغيرهم من المسلمين منطوين على أنفسهم فخورين بحضارتهم غير مبالين بما كانت تشهده أوروبا من تطور عقلي وصناعي وما كانت تقوم به من اكتشافات علمية وجغرافية ومن توسع تجاري واقتصادي. ولم يستيقظوا إلا عندما هاجمتهم
стр. 159
تقنيات وأفكار أوروبا (ولا نقول إنسان أوروبا لأن هذا قد هاجمهم عدة مرات من قبل) في عقر دارهم في الحملة الفرنسية على مصر ثم على الجزائر. وأول من نعرف أنه قد وصف تأثير الحملة الفرنسية على مصر والشام هو أبو راس الناصر الذي لم ينبهر بتقدم الفرنسيين العلمي والتقني وإنما هزه ما ارتكبوه من أعمال ضد الإسلام وضد المجتمع المصري المسلم. (١) أما محمد بن محمود بن العنابي فقد تأثر بتقدم الأوروبيين ودعا إلى تقليدهم ومجاوزتهم فيما ابتدعوه من الصنائع والعلوم. (٢) وهو أول من نادى بذلك من الجزائريين حسب علمنا، وكلا الرجلين (أبو راس وابن العنابي) عاش في أواخر العهد العثماني (٣).
ولم تكن المدن الجزائرية كالمدن الأوروبية. فإذا كانت هذه قد أخذت في النمو المطرد نتيجة للعمران وتزايد السكان وازدهار التجارة وبداية الصناعة والحماية الصحية ووفرة رؤوس الأموال وانتشار التعليم - فإن المدن الجزائرية كانت ما تزال تعيش بأسلوب العصور الوسطى الأوروبية، في شكلها على الأقل، قالشواع ضيقة والأبواب تغلق من الغروب إلى الشروق، وليس هناك بنوك ولا تنافس رأسمالي، ومن ثمة لم يكن هناك فنادق ولا مستشفيات بالمعنى المعمول به في أوروبا، ومراكز التعليم كانت تقليدية وضعيفة المردود. ولم تكن المطبعة ولا الصحف قد دخلت الجزائر خلال العهد العثماني.
لذلك لا نستغرب أن يكتب بعض الأوروبيين في القرن الثاني عشر (١٨ م) نقدا لاذعا. للحالة العقلية التي كان عليها المجتمع الجزائري في
стр. 160
وقته (١). وأن يكتب آخر في أوائل القرن الثالث عشر (١٩ م) نقدا ألذع من نقد صاحبه بعد أن لم يجد في المجتمع الجزائري ما كان يطمح إليه من أفكار وتجديد ونشاط عقلي قائلا (إن الأفكار تموت إذا لم تجد مجالا للتجديد المستمر) وقد قال أيضا بأنه كثيرا ما كان يخرج إلى شوارع العاصمة (مدينة الجزائر) فلا يجد (شيئا يسترعي انتباهه فلا مكتبة ولا مقهى فيه جريدة ...) وهذا كله بعد أن دقت أوروبا أبواب العالم الإسلامي في حروبها مع الدولة العثمانية وفي الحملة الإنكليزية على الجزائر وفي الحملة الفرنسية على مصر والشام. ومما لا شك فيه أن فرنسا لم يكن في مقدورها أن تحتل الجزائر لو لم يكن المجتمع الجزائري ضعيفا على النحو الذي وصفه به ابن العنابي وشو وبانانتي (٢) وأضرابهم (٣).
٤ - وتتحدث الكتب والوثائق عن وقوع الجوائح في العهد العثماني والنتائج السيئة التي خلفها في الأرواح وفي الحياة المادية. ولم يكن ذلك مقتصرا على العاصمة بل كان شاملا لجميع أنحاء البلاد. وتشمل هذه الحوائج الطاعون، الذي يذكره بعض الكتاب باسم الوباء، والزلازل والجفاف والمجاعات الكبيرة والجراد. ويشير ابن مريم في (البستان) إلى الطاعون الذي حدث سنة ٩٨١ والذي أدى إلى وفاة عدد من العلماء والصلحاء، بالإضافة إلى العديد من الناس (٤). كما تحدث عبد الكريم الفكون عن طاعون آخر حدث سنة ١٠٣١ وكانت له آثار سيئة أيضا. وفي رحلة ابن حمادوش حديث عن الطاعون الذي حدث أثناء حياته. كما ألف
стр. 161
هو كتابا في الطاعون، وألف محمد بن رجب بعده، وكذلك أبو راس، كتبا في نفس الموضوع. وفي كتاب مسلم بن عبد القادر (أنيس الغريب والمسافر) وصف أيضا لهذا الوباء ونتائجه (١) وتشير الوثائق إلى وباء آخر حدث سنة ١٠٥٤ وإلى جفاف واسع حدث سنة ١٠٥٧ (٢) وقد دام الطاعون الكبير من سنة ١٢٠١ إلى سنة ١٢١١ ومات من جرائه خلق كثير (٣). كما حدثت عدة زلازل مثل الزلزال الذي أصاب البليدة أوائل القرن الثالث عشر. ولا شك أن المتضررين من هذه الجوائح هم العامة سيما وأن إمكانيات التغلب على آثارها عندهم ضعيفة.
وكان العثمانيون لا يهتمون بالحياة الصحية للسكان. ذلك أن معظم البايات والباشوات كان لهم أطباء أجانب يختارونهم عادة من الأسرى الأوروبيين الذين يقعون في قبضتهم أو يستجلبونهم بالأموال، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك للتخفيف على السكان من الآلام والأمراض. وكان للجيش جراحه المسلم، ولكنه كان يستعمل الوسائل البدائية بالإضافة إلى أنه لم يكن جراحا إلا بالإسم، ولقبه الرسمي هو باش جراح. لذلك اعتمد الناس على وسائلهم الخاصة واستعملوا الطب التقليدي في أدويتهم بما في ذلك الأدعية والأحجبة وبصاق الأولياء وتمائم السحرة والمشعوذين. ولم يكن هناك مستشفيات ولا مصحات، بينما كان للأجانب، كالإسبان والإنكليز، مستشفيات خاصة بهم في الجزائر. ولعل أهم وسيلة حماية طبقها العثمانيون في الجزائر هي ما يعرف بالحجر الصحي (٤). فقد كانوا يبقون السفن الواردة
стр. 162
فترة معلومة قبل أن يسمحوا لها بالدخول إلى الميناء ولركابها بالنزول سواء كانت السفينة قادمة من بلاد إسلامية أو من بلاد مسيحية (١) وكانت أوروبا تفعل ذلك أيضا مع الجزائر، فقد كانت تغلق مراسيها في وجه السفن الجزائرية أو القادمة من الجزائر إذا ثبت انتشار الوباء فيه (٢).
ولكن هذا لا يعني أن الولاة العثمانيين لم يلتفتوا البتة إلى النواحي الصحية. فقد قيل إن حسن باشا بن خير الدين قد بنى حماما في الجزائر على غرار حمام والده في إسطانبول وكان يدخر مدخوله لنفسه. كما قيل إنه بنى مستشفى أو اثتين. ولعل صالح باي ومحمد الكبير قد قاما بأعمال من هذا النوع أيضا. ولكن الملاحظ على هذه المنشآت أنها قليلة بل نادرة، وأنها لم تكن لمصلحة الناس عموما وإنما كانت لمصلحة منشئيها أو للعثمانيين فقط. غير أن الحمامات عموما كانت شائعة في المدن الجزائرية، وكانت من إنشاء أهل الحضر، وأهل الخير أيضا، بالإضافة إلى الحمامات المعدنية الطبيعية.
دور المدن
١ - ولنذكر الآن نماذج للمدن الجزائرية خلال العهد العثماني، مبتدئين بالعاصمة. فقد تحولت هذه المدينة من مرسى صغير يلجأ إليه الصيادون ويأوي إليه المسافرون كمحطة ثانوية عند هبوب العواصف إلى مرسى كبير يستقبل مختلف السفن والبضائع ويقصده تجار الداخل والخارج على السواء. كما تحولت من قرية مجهولة وعرة المسالك معلقة على صدر الجبل إلى عاصمة للقطر كله كثيرة العمران وافرة السكان. ولم يكن للقطر الجزائري، قبل القرن العاشر، وحدة سياسية جغرافية كالتي عرفها بعد ذلك. ولذلك لم
стр. 163
يكن له عاصمة سياسية واحدة. فلم تكن مثلا تلمسان الزيانية ولا قسنطينة الحفصية عاصمة للقطر كله كما أصبحت مدينة الجزائر في العهد العثماني. وكان الموقع الوسطي لمدينة الجزائر وكونها مدينة بحرية ووقوعها عند المنافذ الجبلية الطبيعية المؤدية لمختلف الاتجاهات الأخرى في الداخل وتحصيناتها الطبيعية بالجزر التي كانت أمامها وبجبل بوزريعة الذي يحميها من جهة الجنوب الغربي ووادي الحراش الذي يحميها شرقا ثم موقعها عند سهل متيجة الغني الواسع - كل ذلك قد أهلها لأن تصبح عاصمة سياسية عن جدارة يصل سلطانها بسهولة إلى الجهات الثلاث المسكونة (الشرق والغرب والجنوب).
وقد نبهنا إلى أن الفضل في اتخاذها عاصمة سياسية يعود إلى الأخوين عروج وخير الدين بربروس. ولعل ذلك منهما كان بمحض الصدفة في بادئ الأمر. فالعثمانيون قد لبوا دعوة الشيخ سليم التومي، شيخ الثعالبة الذي كانت مدينة الجزائر عاصمة لأمارته، وقد احتل الإسبان الذين كانوا الهدف الرئيسي في النزاع مع العثمانيين مواقع أمامية لمدينة الجزائر. فوضع حامية، بعد طرد الإسبان، وإقامة جهاز حكم في مدينة الجزائر عندئذ قد جعلها تدريجيا عاصمة للنشاط العثماني بأسره في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. ومن ناحية أخرى نذكر أن مدينة الجزائر قد أصبحت بعد ذلك منطلقا للاستيلاء على تلمسان التي كانت ما تزال في أيدي الزيانيين وعلى قسنطينة التي كانت ما تزال أيضا في أيدي الحفصيين. بل جعلها منطلقا للاستيلاء على تونس ومحاولة الاستيلاء على فاس. ولم يحن منتصف القرن العاشر (١٦ م) حتى أصبحت كل الجزائر الحالية ما عدا مدينة وهران ومرساها، في قبضة العثمانيين. ومن مدينة الجزائر كان ينطلق الهجوم على أوروبا أيضا حتى أصبحت هذه المدينة في نظر الأوروبيين مركز الرعب، وقد دعوها بأسماء مختلفة مثل جلادة المسيحية وعش القرصنة وغير ذلك من الأسماء التي كانت تثير عندهم الخوف والاحترام والكراهية أيضا. وقد كانوا يخيفون أطفالهم باسم الجزائر. أما عند المسلمين فهي الجزائر المحمية
стр. 164
والبيضاء والمجاهدة والمحروسة وغير ذلك من الألقاب الدينية والحربية.
ولم تكن مدينة الجزائر قبل العثمانيين خالية من العمران. حقا إننا لا نعرف بالضبط عدد مكانها ولا عدد منشآتها ولكن هناك أدلة على أنها كانت تضم الجامع الكبير الذي ما يزال قائما إلى اليوم، وعددا آخر من المساجد والزوايا والربط، بالإضافة إلى الحصون والدكاكين والمخازن والأسواق ونحو ذلك من أسباب العمران. وكانت أيضا موطنا لعدد من العلماء أمثال عبد الرحمن السطاح وأحمد بن هلال العروضي وعبد الله بن السكات ومحمد القلعي وأبي البركات الباروني وعبد الرحمن الثعالبي وأحمد الجزائري صاحب المنظومة الشهيرة (بالجزائرية)، وهو الذي ذكر مدينة الجزائر في الأبيات التي أوردناها في الفصل الأول والتي تدل على أنها كانت مدينة هنيئة العيش وافرة أسباب الراحة والعافية، ولكن الأحوال تغيرت عليها في وقته، ولذلك قال:
كدنا لأجل الحادثات بها ... نختار، والله، للسكنى بواديها
من بعد عيش هني عم ساكنها ... وبعد عافية حلت بناديها
ويبدو أن نمو مدينة الجزائر كان سريعا خلال القرن العاشر (١). ففي نهاية هذا القرن كان أهلها، وكذلك الرحالة والواصفون، يسمونها (إسطانبول الصغرى) لكثرة أسواقها وتجارها ووفرة عمرانها وسكانها. فقد وصفها التمغروطي عندئذ (سنة ٩٩٩) بأنها كانت عامرة كثير الأسواق كثيرة الجند حصينة لها ثلاثة أبواب وفيها المسجد الجامع الواسع وإمامه مالكي، كما فيها ثلاثة جوامع خطبة أحدها للترك وإمامه حنفي ومرساها عامر بالسفن، وهي
стр. 165
أفضل من جميع بلاد إفريقية وأعمر وأكثر تجارا وفضلا وأنفذ أسواقا وأوجد سلعة ومتاعا حتى أنهم يسمونها إسطانبول الصغرى. وقد وصف التمغروطي جيش الجزائر عندئذ بأنه شجاع قوي الجأش يقهر النصارى في بلادهم وقال عن الجنود بأنهم (أفضل من رياس القسطنطينية بكثير وأعظم هيئة وأكثر رعبا في قلوب العدو) وعندما وصف ما حل بالسفينتين اللتين ثار فيهما الأسرى الأوروبيون على المسلمين أثناء توجههما إلى إسطانبول بهدايا الجزائر، قال التمغروطي بأن السفينتين كانتا بقيادة رياس من إسطانبول ولو كان رياسهما من الجزائر لما حدث لهما ذلك (١).
وبعد حوالي قرن حل بمدينة الجزائر أديب مغربي آخر فوصفها أوصافا أدبية تدل على ما وصلت إليه العاصمة عندئذ من عظمة وبهاء. فهي عند ابن زاكور ذات جمال باهر (غص ببهجتها كل عدو كافر، لذلك يتربصون بها الدوائر. ويرسلون عليها صواعق لم تعهد في الزمن الغابر) وقد عاين رواءها الذهبي وبحرها الأزرق فذكرته بيت الشاعر:
بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلة ريشه الطاووس
ففيها الحدائق الغناء والقصور الجميلة، وهي بيضاء في الصباح ذهبية في المساء. أما عن علمائها وفضلائها فقد وصفهم بالأعلام والأجلاء والأئمة الفضلاء الذين تفتخر بهم الأمة الإسملامية. وقد درس هو على بعضهم وأجازوه (٢).
ونفس الأوصاف والإعجاب نجدها في كتابات عبد الرحمن الجامعي المغربي أيضا ومصطفى بن رمضان العنابي ومحمد بن ميمون وأحمد بن عمار، وجميعهم من أهل القرن الثاني عشر (١٨ م).
стр. 166
والظاهر أن العاصمة في العهد العثماني كانت مدينة دولية (أو كوزمو بوليتان). فقد عرفنا أن سكانها كانوا من مختلف الأجناس، بالإضافة إلى أهلها الأصليين، وكان فيها أيضا مختلف الأديان واللغات. وكانت مفتوحة للتيارات الخارجية إلى حد كبير. وهي لذلك كانت توفر حاجات مختلف السكان. فقد كانت فيها المقاهي والبزارات والملاهي والحانات بل كان فيها البغاء المنظم عن طريق الدولة. ولا شك أن ذلك كان معمولا لسد حاجات الجند المفترض فيهم العزوبة، وكذلك حاجات غيرهم من الأجانب والجزائريين (١) أما الحانات فقد كان يديرها اليهود ويتردد عليها العرب والعثمانيون والأجانب (٢).
وقد اختلفت وتضاربت الأقوال حول عدد سكان العاصمة في العهد العثماني غير أنه لا يمكن الوصول إلى رقم مضبوط لعدم توفر الإحصاءات الدقيقة. وكل ما يوجد عندنا هو مجرد تقديرات الرحالة الأجانب أو تخريجات الدارسين من سجلات رواتب الجنود وسجلات دفع الضرائب من السكان. وقد أشرنا إلى أن العاصمة قد تعرضت إلى جوائح أدت بدورها إلى هلاك عدد كبير من السكان وتسببت في عدم استقرار نسبتهم. ومهما كان الأمر فقد قدر الحسن الوزان عدد السكان بثمانية وعشرين ألف نسمة، وقدرهم نيقولاي في القرن العاشر (١٦ م) بواحد وعشرين ألف نسمة. أما فرنسيس نايت فقد قدرهم، أواسط القرن الحادي عشر، بحوالي ثلاثة وعشرين ألف نسمة، بينما قدرهم بعضهم، أواخر العهد العثماني، بحوالي مائة وعشرين ألف نسمة، وهناك إحصائية أخرى في نفس الوقت تحصرهم
стр. 167
في ثلاثين ألف نسمة فقط (١).
وكانت العاصمة تضم عددا من المؤسسات الدينية والعمرانية من ذلك المساجد والزوايا والقباب والثكنات، التي قدرها بعضهم بثماني ثكنات كبيرة (٢)، وخمسة معتقلات كبيرة للأسرى المسيحيين وثمانية أبراج مسلحة بالمدافع، ولها خمسة أبواب، وحولها خندق عظيم. وكان فيها عدد من القصور والدور الضخمة أهمها قصر الداي الذي يتكون من قسمين كبيرين وفيه غرف واسعة وسواري رخامية. وكان أثاثه من المرايا والزرابي والساعات الكبيرة. وكانت فيها دور واسعة لا تقل رونقا عن القصور الرسمية يسكنها أغنياء الحضر والكراغلة. وما زالت بقايا هذه الدور اليوم ممثلة فيما يعرف بالدور الأندلسية أو (الموريسكية). بالإضافة إلى ما ذكرناه من أسواق وبزارات وحمامات وصنائع وبساتين يضرب بها المثل. وكانت شوارع المدينة ضيفة نسبيا لأسباب تتعلق بالأمن من جهة وبالطبيعة والمناخ من جهة أخرى. وجميع الكتابات تؤكد أن مدينة الجزائر كانت من أشهر المدن أمنا لساكنيها. وقد تغنى بعض الأدباء بطبيعة وقصور وجمال مدينة الجزائر، كما نرى ذلك في الحديث عن الأدب. وقال عنها بعض الأوروبيين أنها كانت تشبه سفينة شراعية عريضة من الأسفل ضيقة من الأعلى. وقد عدد دابر بعض الحرفيين في مدينة الجزائر وحدها فكانوا كما يلي: ٣٠٠٠ نساج، ١٢٠٠ نحات (أو نجار)؟ ٤٠٠ خباز، ٣٠٠ جزار، الخ. كما ذكر أنه كان بها ١٠٧ مساجد، و ٦٢ حماما، ٩ فنادق، ٦ سجون.
٢ - وتأتي مدينة قسنطينة بعد العاصمة في الأهمية خلال العهد
стр. 168
العثماني. وتظهر هذه الأهمية لقسنطينة في كون وهران ظلت تحت الحكم الإسباني إلى سنة ١٢٠٥ (باستثناء فترة قصيرة ١١١٩ - ١١٤٥) وكون مدينة تلمسان قد ضعفت مكانتها خلال هذا العهد. وقد اكتسبت قسنطينة التي دخلت الحكم العثماني في حوالي سنة ٩٣٢ (١) أهميتها من عدة عوامل، كونها مدينة داخلية ومحصنة طبيعيا وبعيدة عن غارات العدو البحرية التي طبعت ذلك العهد، وكونها قريبة من تونس. ومن جهة أخرى فإن بعد قسنطينة عن العاصمة جعل حكامها شبه مستقلين عن السلطة المركزية. وكان إقليم قسنطينة أكبر أقاليم القطر الثلاثة مساحة حتى أن القنصل الأمريكي شيلر، عندما ذكر سكان مدينة الجزائر كلها قد قدر أن نصفهم كانوا في إقليم قسنطينة وحده كما أن بانانتي الإيطالي الذي قدر سكان مدينة الجزائر بمائة وعشرين ألف نسمة، قد جعل سكان مدينة قسنطينة مائة ألف نسمة (٢). وقال الكاتب الفرنسي ديفونتين عن قسنطينة في القرن الثاني عشر (١٨ م) بأنها آهلة جدا بالسكان وأنها أكبر وأجمل من مدينة الجزائر (٣). وتذكر بعض المصادر الأخرى أن عدد سكان المدينة كانوا حوالي تسعة وثلاثين ألف نسمة قبل الاحتلال (٤).
стр. 169
ومهما كان الأمر فإن مدينة قسنطينة كانت، خلال هذا العهد، ثاني مدينة في القطر أهمية وحجما. وكان ترتيب مكانها الاجتماعي لا يكاد يختلف عن تركيب سكان العاصمة عندئذ. فقد كان سكانها الحضر هم الكثرة الغالبة. ويشمل هؤلاء العائلات القديمة التي استوطنت المدينة منذ أحقاب، كما يشمل العائلات الحضرية الطارئة من الأندلس وبجاية وتونس وغيرها من المدن. وقد انضم إلى هذا الصنف المولدون من العثمانيين وجالية كبيرة من اليهود، بالإضافة إلى عدد من الزنوج القادمين من الصحراء عن طريق التجارة ونحوها. كما أن بني ميزاب والبساكرة وأهل سوف كانوا فيها بعدد غير مؤكد. وكان أهل زواوة أيضا كثيرا ما يقصدونها للتجارة والعلم والعمل اليدوي. وفوق هذه الفئات الاجتماعية كان يتربع الباي ووزراؤه وديوانه وقواده، وكانت السلطة السياسية والعسكرية في يد هؤلاء. أما السلطة الاقتصادية والروحية ففي أيدي الفئات المذكورة آنفا. فالعلم وشؤون الدين في أيدي الحضر على العموم، والاقتصاد والتجارة في أيدي الحضر والكراغلة واليهود أيضا (١). ومن أشهر العائلات الغنية في قسنطينة (غنى الأرض وغنى التجارة أو كلاهما) عائلة الفكون، وابن البجاوي، وابن جلول، باش تارزي، وابن باديس، وابن حسن، وابن نعمون. وقد مر بنا وصف عبد الكريم الفكون لحضر هذه المدينة الذين يبدو أنهم كانوا يمثلون، مع حضر تلمسان، حضر القطر الجزائري أكثر مما كان يمثلهم حضر مدينة الجزائر التي كانت كما لاحظنا، مدينة دولية مفتوحة، بينما كانت قسنطينة مدينة وطنية صميمة.
وكانت مدينة قسنطينة تضم أيضا منشآت عمرانية كثيرة. من ذلك
стр. 170
الثكنات والمساجد والقصور والمدارس. وقد أشار الرحالة الورتلاني في القرن الثاني عشر (١٨ م) إلى أن مدينة قسنطينة تضم خمسة مساجد جمعة، وعاب على ولاتها (وهو يعني الإدارة العثمانية - البايات) عدم اهتمامهم بالأوقاف والمدارس (١) وقد اكتسبت نتيجة ذلك شهرة علمية في العالم الإسلامي لا تضاهيها سوى شهرة فاس والقاهرة. ومن أشهر منشآتها قصر الباي الذي كان ما يزال تحفة فنية وأثرية (٢). والإضافة إلى ذلك كانت هذه المدينة كثيرة الأسواق والدكاكين والحمامات والدور الجميلة الواسعة - كما اشتهرت بصناعة الطرز المحلي والصياغة وغيرها من الصناعات النسائية. وكان دنوش قسنطينة من أغنى دنوش الجزائر حتى أن أهل مدينة الجزائر كانوا ينتظرونه بشوق لأنه بالنسبة إليهم كان مناسبة اجتماعية واقتصادية كبيرة.
٣ - أما تلمسان فقد فقدت كثيرا من سمعتها وقيمتها خلال العهد العثماني. وكان التدهور قد بدأ يحل بها قبل ذلك. فالاحتلال الإسباني لوهران ومرساها الكبير قد أدى إلى تدهور تلمسان الاقتصادي، وكذلك السياسي. وغداة استيلاء العثمانيين على السلطة في الجزائر كان الحسن الوزان (ليون الإفريقي) يصف تلمسان (سنة ٩٢٣) بأنها تحتوي على ثلاثة عشر ألف موقد (حوالي ثمانين ألف نسمة) وأنها كانت تضم عددا من المساجد وخمس مدارس (٣). كما تحدث عن طبقاتها الاجتماعية فقال إنها تضم الصناع والتجار والعلماء والجيش. غير أن النزاع بين الإسبان والعثمانيين في البحر وحول وهران، ثم بين العثمانيين والزيانيين قد أدى إلى زيادة تدهور تلمسان خلال القرن العاشر وبالإضافة إلى التدهور الاقتصادي والسياسي شهدت تلمسان تدهورا اجتماعيا وثقافيا. فقد هاجر عدد من عائلاتها الغنية والعلمية إلى المغرب الأقصى فرارا من الإسبان الذين تدخلوا في شؤون دولة بني زيان عند ضعفها السياسي، ثم فرارا من حكم العثمانيين
стр. 171
عند استيلائهم بالقوة على تلمسان. وبذلك فقدت هذه المدينة عددا من سكانها ذوي النفوذ الاجتماعي والتأثير العلمي. ومن العائلات الشهيرة التي هاجرت إلى المغرب الأقصى عائلة الونشريسي وعائلة المقري (١).
ولم تستعد تلمسان مكانتها العلمية التي كانت تتمتع بها خلال القرنين الثامن والتاسع (١٤، ١٥ م). فقد ظلت خلال العهد العثماني مدينة مهزومة تعاني من التذمر والفقر. وقد حدثت فيها عدة مظاهر للتذمر والثورة نذكر منها ما رواه ابن مريم (في البستان) وما جاء في (كعبة الطائفين) (٢). أما الزعامة السياسية فقد أخذتها في الغرب الجزائري خلال هذا العهد مازونة ومعسكر ومستغانم ثم وهران (٣). وأما التدهور الثقافي فيها فسنتحدث عنه في مكانه من هذا الكتاب.
٤ - وقد حظيت عنابة بازدهار عمراني طيب أثناء هذا العهد باعتبارها المرسى الأساسي لإقليم قسنطينة الفسيح والغنى وباعتبارها أيضا قريبة من نشاط الشركات الأجنبية، وخصوصا الجنوية والفرنسية الباحثة والمصدرة للمرجان وغيره من خيرات البحر والبر. وقد وصفها بيري رايس العثماني بأنها كثيرة الأسود وأن أهلها يجمعون ويبيعون حب عقير كارها (لعله حب العناب) بالميزان إلى أهل السفن. وتحدث عن أهمية نهر السيبوس وراس سيدي مروان ومرسى الخرز الذي قال إن أهل جنوة قد جعلوه مقرا لهم لصيد وبيع المرجان بمبلغ خمسة وثلاثين ألف قطعة ذهب إلى سفن البندقية. وقال أيضا إن حوالي مائتي عامل كانوا في خدمة هؤلاء التجار (٤). وقال عنها
стр. 172
التمغروطي أواخر القرن العاشر بأنها كثيرة العناب وأنها وافرة (اللحم والحوت واللبن والعسل. ومنها ترفع السفن اليوم السمن الكثير إلى القسطنطينية) (١). وقد ذكر الحسن الوزان بأن عدد سكان عنابة يقدر بثلاثة آلاف موقد (حوالي ٢١٠٠٠ نسمة) (٢). أما قنصل أمريكا في تونس فقد قال بأن عدد سكانها يبلغون في وقته (سنة ١٨١٣ م) عشرين ألف نسمة، وإن عنابة كانت مركزا تجاريا كبيرا لصيد المرجان وتصدير الصوف والشمع والجلود والقمح (٣). والمعروف أن كثيرا من تجار قسنطينة كانوا يترددون على عنابة للقيام بالأعمال التجارية.
وكانت الحياة العلمية والدينية في عنابة - كما سنرى، نشيطة أيضا.
ومن أشهر عائلاتها العلمية أسرة البوني والعنابي، ومن أبرز مؤسساتها الدينية جامع سيدي أبي مروان. وكانت لعنابة حياة اجتماعية بفئاتها المختلفة، ولكن يلاحظ كثرة اليد العاملة فيها لكونها مركزا تجاريا وبحريا، وكذلك الطبقة المتوسطة لكثرة التجار، كما يلاحظ وجود العناصر الأجنبية هناك من بنادقة وجنويين وفرنسيين وإنكليز ومالطيين ونحوهم. وكان اتصال هؤلاء بالسكان عن طريق التجارة والعمل.
٥ - ورغم شهرة بجاية التاريخية فإنها لم تكن تتمتع خلال العهد العثماني لا بمكانتها القديمة ولا بوضع خاص جديد. فقد حل بها عدد من المهاجرين الأندلسيين كسائر المدن الساحلية الجزائرية وتدعم بهم جانب الحضر الذين كانوا يعيشون على تراثهم القديم، ولكن العائلات البجائية الكبيرة التي اشتهرت في القرنين الثامن والتاسع. (عهد ابن خلدون والثعالبي) قد اختفت أو كادت أثناء العهد العثماني. ومع ذلك فقد ظلت بجاية مقصدا
стр. 173
لأهل زواوة بل عاصمة علمية وتجارية لهم. ومنها كانوا يتوجهون إلى قسنطينة للعلم وللتجارة أيضا. وقد تحدث عنها بيري رايس في أوائل القرن العاشر فقال إن بها حوالي ثمانية عشر ألف دار (حوالي مائة وستة وعشرين ألف نسمة) (١) أما الحسن الوزان فقد قدر عدد سكانها بثمانية آلاف موقد (حوالي ست وخمسين ألف نسمة) ولكن الإسبان قضوا على عمرانها وفر منها العلماء والتجار. وهذا ما لاحظه التمغروطي أيضا في أواخر القرن المذكور. فقد قال إنها كانت مدينة عظيمة ولكنها الآن (في وقته) مخربة، خربها النصارى، وليس بها إلا ديار قلائل وقلعة صغيرة يقيم بها متولي الترك ليمنع المرسى من العدو (٢). ولم يذكر نوا عدد سكان بجاية ولكنه لاحظ أنها كانت قليلة الأهمية في وقته (سنة ١٨١٣ م) ما عدا وجود بعض صناعات الحديد المجلوب إليها من الجبال المجاورة (٣).
٦ - ومن المدن التي كثر ذكرها في العهد العثماني في كتابات الرحالة لعلمها أو لموقعها الاقتصادي: بسكرة والخنقة وتقرت وميزاب ووادي سوف وورقلة وعين ماضي. وكلها في الواقع صحراوية. فقد اشتهرت بسكرة ونواحيها المعروفة بالزيبان بجامع سيدي عقبة التاريخي وبضريح سيدي خالد (خالد بن سنان العبسي) الذي كانت تقصده الناس من جميع أنحاء إفريقية، حسب تعبير الدرعى، وخلوة عبد الرحمن الأخضري الذي سنتحدث عنه، وجامع أولاد جلال ومدرستها المعدة للطلب المهاجرين أو الغرباء، وخنقة سيدي ناجي التي اشتهرت بمعهدها.
стр. 174
أما بسكرة فقد عرفت بجامعها الواسع المتقن البناء ذي المئذنة الطويلة البالغة مائة وأربعين درجة. وقد لاحظ الدرعي أنها من أنجب المدن وأجملها (رفما رأيت .. أحسن منها في جميع المدن .. شرقا وغربا لوجود أسباب المعاش فيها) (١) ونفس الرأي في بسكرة قد أبداه قبله الرحالة العياشي أيضا (٢) ولكن الأوضاع السياسة في بسكرة لم تكن مستقرة. وقد أشار الدرعي إلى أنه وجد مفتي بسكرة، الشيخ أبا القاسم البشكي البسكري، هاربا في سيدي عقبة خوفا من عاملها (٣). وأكد ذلك الورتلاني حيث قال إن بسكرة قد أصيبت بغارات العرب (الأعراب) والترك، كما أصيبت بالوباء (٤). وقال إن الأتراك قد استولوا على الأحباس (الأوقاف) والمدارس الكثيرة التي كانت ببسكرة، وأصبحوا يأكلون منها وينتفعون بها كالأملاك الحقيقية، وهي ليست لهم وليسوا من أهلها ولكنهم تمردوا وطغوا وجعلوا جميع الخطط الشرعية لهم ظلما (٥). وهذا حكم قاس صدر عن الشيخ الحسين الورتلاني في القرن الثاني عشرو هو حكم قد أصدره ضدهم في قسنطينة أيضا وفي غيرها. وهو يدل على أن بسكرة كانت على عهد الدرعي والورتلاني تعاني من ظلم الولاة الأتراك.
وكانت عين ماضي موضع عناية العياشي أثناء رحلته، كما أنها أصبحت موضع عناية الدارسين بعد ظهور الطريقة التجانية بها. فقد حكم الدرعي على أن أهلها جميعا كانوا طلبة. وهو يقصد أنهم كانوا مشتغلين بالعلم. كما أنه لا يقصد بالطبع إلا الرجال، لأنه حكم على النساء حكما قاسيا حين قال إنهن كالبهائم (كدأب نساء هذه النواحي) وقال عنهن أيضا إنهن غير محجبات
стр. 175
ويخالطن الحجيج يبعن ويشترين وأنهن كن يغسلن الصوف في الساقية الجارية بالماء البارد. وقد وصف الدرعي أيضا أثر غارة السلطان السعدي عبد الملك (تولى سنة ٩٨٣) (١) على أهل عين ماضي، ففد فرق، حسب قوله، شملهم وكسر هيبتهم وأخذ خزائنهم، كما فرض عليهم ألف ريال، وأنه لم يترك لهم شيئا، بينما كانوا من قبل موقرين، فكبر ذلك عليهم. وقال عن مسجد المدينة بأنه مبني بأحجار كأنها منحوتة لاستقامتها وأنه مفروش بقطائف وحصر، وله نور يعلوه، وحوله مطعم كبير للسواح الذين يؤمونه للتعبد (٢). وعند ظهور الطريقة التجانية لفتت عين ماضي النظر إليها، ومن نتيجة ذلك غارات العثمانيين ضدها بقيادة الباي محمد الكبير (٣).
كما تجدر الإشارة إلى أن أهل ميزاب قد ظلوا محافظين على طابع مدينتهم الإسلامي والعتيق وعلى مذهبهم الإباضي رغم وجود بني جلاب بتقرت والعثمانيين (٤) في الشمال والسعديين من الغرب. وإذا كان تجارهم وعمالهم قد وجدوا الطريق للعيش في العاصمة وقسنطينة وغيرها من المدن فإن علماءهم قد ظلوا ينتجون في بني يزقن وغيرها من مدن ميزاب كما أن مجتمعهم نتيجة ذلك قد ظل منغلقا على نفسه لفترة غير قصيرة (٥). ويذكر الحسن الوزان أن ميزاب كانت تضم ستة قصور وهي (غرداية والعطف وبونورة وبنو يزقن ومليكة وسيدي سعيد) كما ذكر أن ميزاب تقع في مفترق
стр. 176
الطرق التجارية بين تجار الجزائر وبجاية حيث يلتقون بتجار السودان (١).
وقد استطاع العياشي أن يعاين جامع تماسين (قرب توقرت) وأن يسجل أن له صومعة عالية جدا تبلغ حوالي مائة درجة وأن يشاهد عليها اسم بانيها، وهو، كما قال، أحمد بن محمد الفاسي، سنة ٨١٧. وقد حكم على فقهاء وعلماء تقرت حكما قاسيا فقال إنهم (قوم بله لا يكادون يفقهون حديثا) (٢). وكان أهل تقرت عندئذ في نزاع مع أهل ورقلة. وفي أوائل القرن العاشر ذكر الحسن الوزان أن تقرت كانت آهلة بالسكان وأن دورها مبنية بالطوب المحروق إلا جامعها فقد كان مبنيا بالحجر، وكان سكانها هم الحرفيين ورجال الأعمال من أغنياء غراسة النخيل. وكانوا يبادلون القمح بالتمر، ويرحبون بالغريب ويزوجونه بناتهم ويهدون إليه. وكانت تقرت سياسيا تتبع مراكش تارة وتلمسان تارة أخرى ثم تونس (٣). وفي القرن العاشر حاصرها الأتراك من الجزائر وأجبروها على دفع الخراج لهم.
٧ - وقد لعبت مدن المدية وشرشال ومليانة ومستغانم ومازونة ومعسكر ووهران وندرومة دورا هاما في الحياة الاقتصادية والعلمية خلال العهد العثماني. وعمر المهاجرون الأندلسيون عددا منها مثل تنس وشرشال ومستغانم. وقد قال بيري رايس ان الأندلسيين قد اتخذوا شرشال قاعدة لهم، وقال عن برشيك انها مدينة آهلة بالسكان الأندلسيين. وذكر التمغروطي أن شرشال كانت مدينة حصينة كثيرة العمارة والزرع والفاكهة يجلب منها الزرع وغيره إلى الجزائر. ولا شك أن ذلك كان بعد استقرار الأندلسيين بها وتطويرهم للحياة الزراعية فيها. والتمغروطي نفسه قال عن تنس ان الأندلسيين هم الذين بنوها. وأشهر حاكم بها عندئذ هو حميد العبد الذي ضاد العثمانيين في أول أمرهم ثم تحول فأبقوه في الحكم إلى أن توفي،
стр. 177
وعندئذ ولوا مكانه عثمانيا (١).
وقد بنى أحد المهاجرين الأندلسيين مدرسة مازونة المشهورة التي تخرج منها عدد من الفقهاء خلال العهد العثماني، وهو محمد بن الشارف البولداوي. وظلت هذه المدرسة محافظة على سمعتها حتى بعد انتقال كرسي الحكم من مازونة إلى معسكر. ورغم أن معسكر أصبحت لفترة طويلة عاصمة للإقليم الغربي فإنها ظلت مدينة داخلية متخذة كمنطلق للهجوم على وهران ومرساها. ولكن معسكر قد اكتسبت سمعة كبيرة أثناء حكم الباي محمد الكبير. وقد اشتهرت بعدد من العلماء أمثال الرماصي القلعي وعبد القادر المشرفي وأبي راس كما اشتهرت بزاوية القيطنة القريبة منها والتي كان على رأسها الشيخ محيي الدين والد الأمير عبد القادر، واشتهرت كذلك بالمدرسة المحمدية التي سيأتي الحديث عنها. وبقصر الباي ودورها الجميلة. ولا نعتقد أن سكانها كانوا يتجاوزون الثلاثين ألف نسمة أيام ازدهارها (٢).
وكانت وهران قد خضعت مدة طويلة للإسبان (٣) لذلك كان عددها من السكان المسلمين قليلا نسبيا ويختلف من فترة إلى أخرى. ولم يستطع
стр. 178
التمغروطي مثلا أن يصفها أواخر القرن العاشر واكتفى بالقول إنها كانت تحت النصارى وإن لم يظهر له منها، وهو يعبر البحر، غير الأبراج، وهو يعني أنه لم يشاهد فيها المآذن الإسلامية. واكتفى بيري رايس بالقول بأن وهران كانت مدينة كبيرة وأنها في وقته تحت الإسبان هي والمرسى الكبير. أما أبو راس فقد قال عنها إنها كانت في القديم كثيرة العلماء والمدارس والمآذن. ولكنه قال عن مدارسها (درسها الكفرة وعفوا رسمها). ولا شك أنها قد أصبحت كثيرة السكان المسلمين بعد فتحه (١) آخر مرة على يد الباي محمد الكبير وانتقال كرسي الحكم من معسكر إليها، وقد قدر الفرنسيون سكان وهران قبلهم حوالي خمسة وعشرين ألف نسمة لم يبق منهم حين دخلوها سوى ثلاثة آلاف وتسعمائة شخص جلهم من اليهود (٢).
...
ويمكننا القول، بعد دراستنا لبعض المدن الرئيسية والإقليمية، أن نقول إن المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني كان مجتمعا مدنيا، بمعنى أن المدينة كانت تلعب دورا بارزا في حياة السكان وقد بلغ عدد سكان الجزائر، حسب معظم التقديرات، حوالي خمسة ملايين نسمة، وكان عدد العثمانيين فيها اثني عشر ألف نسمة، وكان التطور الاقتصادي والعمراني لبعض المدن قد جعل الريف يتمدن شيئا فشيئا وأخذ الناس يخرجون من طور القبيلة والعرش والدوار إلى طور المدينة والتعايش السكاني المتكامل. حقا أن هذه
стр. 179
الظاهرة لم تتم عن طريق الطفرة ولا عن خطة رسمية مدروسة، ولكن الوحدة السياسية للبلاد قد فرضت نوعا من الوحدة الاقتصادية، ومن ثمة نوعا من الوحدة الثقافية أيضا. ومع ذلك فلا يمكننا هنا أن ندعي بأن المجتمع الزراعي الاقتصادي انتهى في الجزائر خلال هذا العهد.
الحياة الدينية والأدبية والفنية
١ - لقد قيل الكثير عن موقف الترك من الثقافة سواء في بلادهم أناضوليا أو في البلاد التي دخلت تحت طاعتهم كالجزائر. وأقصى ما اتهم به الترك حب المال والبربرية والجهل والاهتمام بالأمور العسكرية دون المدنية ونحو ذلك من الاتهامات التي تجردهم جملة وتفصيلا من الحضارة والثقافة. ونحن هنا لا نريد أن نعمق هذا الاتهام ولا أن ندافع عن الترك. وكل ما نريده هو الوصول إلى معرفة الموقف الحقيقي للعثمانيين في الجزائر من الثقافة والعلم والدين ومتطلباته. إن تدهور الثقافة الإسلامية قد بدأ قبل استيلاء العثمانيين على السلطة بقرون. كما أن ظهور الطرق الصوفية، الذي كان ظاهرة متصلة بتدهور الثقافة، كان قبل توليهم السلطة أيضا. وتكاد المصادر تجمع على أن الثقافة الإسلامية قد أخذت في التدهور منذ عهد المعتصم بينما ظهرت الطرق الصوفية منذ القرن الخامس الهجري. فالأتراك ليسوا مسؤولين حينئذ على تدهور الثقافة الإسلامية ولا على ظهور التصوف. ولكن التدهور الثقافي والتصوف المنحرف قد أعانا على ظهور الأتراك، كما أن سياسة الأتراك في الحكم قد أعانت بعد ذلك على نشر التصوف الخرافي والانحطاط الثقافي.
فالدراويش كانوا وراء تقدم الأتراك في أناضوليا وفي احتلالهم القسطنطينية. وكانوا هم الروح التي تحرك الجندي التركي للجهاد والاستماتة فيه. ومن أهم الدراويش الذين نسب لهم ذلك، الحاج بكداش (القرن ٧) وأتباعه المعروفون (بالبكداشية). وقد وصلت طريقتهم أوجها في القرن
стр. 180
العاشر، عصر سليمان القانوني وعصر دخول العالم العربي، ومنه الجزائر، في حكم الدولة العثمانية. وكان رئيسهم يدعى شلبي ويقيم في إسطانبول. وكانت لهم مراكز ونظم سرية وعلنية في مختلف أنحاء الدولة وخصوصا في أناضوليا وروميليا. وكانت الدولة تخشاهم أحيانا (بعد أن كانوا ساهموا في تأسيسها)، لذلك كانت تساند أيضا طريقة أخرى، وهي طريقة جلال الدين الرومي (القرن السابع أيضا) المعروفة بالمولوية، لتحفظ بها التوازن. وكان رئيسهم يدعى أيضا شلبي، ويقيم في قونية، عند قبر جلال الدين الرومي. وكان الاعتراف بهذه الطريقة أو تلك من جانب الدولة يعني حضور رئيس الطريقة الحفلات الرسمية وتقليده رموزا وشعارات من التأييد والاعتراف (١).
ويهمنا من هذه العلاقة بين التصوف والدولة العثمانية علاقة الدراويش بالإنكشارية. ذلك أن الأساطير تذهب إلى أن الحاج بكداش هو الذي احتضن النظام الإنكشاري وهو الذي أعطى الجنود اسمهم وألبسهم لباسهم المميز. ولم يحن القرن العاشر (١٦ م) حتى أصبح البكداشية هم الذين يسيطرون فعلا على الإنكشارية وهم الذين كانوا يستقبلونهم ويؤاخون بينهم دينيا وعسكريا. وهذه العلاقة الوطيدة بين الصوفية والعسكرية هي التي ستظهر أيضا في الجزائر كما سنرى (٢). وقبل أن نصل إلى ذلك نود أن نلاحظ أن هذه العلاقة هي التي جعلت السلطة الحاكمة في إسطانبول تخشى، كما أشرنا، البكداشية فقدمت غيرهم إلى جانبهم، كما أثارت تخوفات العلماء والفقهاء من الدراويش وأهل التصوف المتطرف. وكان ظهور المولوية وإعطاؤها الطابع الرسمي هو الذي جعل كثيرا من أهل الطبقة الوسطى ينضمون إليها. كما أن كثيرا من المثقفين العثمانيين قد انضموا إلى الطريقة المولوية. وكان قرب أصحاب هذه الطريقة من أهل السنة سببا في انتشارها