الاحتلال وماري بوجيجا في أوآخره.
منذ الأربعينات (حوالي ١٨٤٦) أنشأت أليكس Allix معهدا أو مدرسة صغيرة لتعليم البنات المسلمات الفرنسية والعربية، بعد أن ذهبت لزيارة البيوت والاتصال بالأمهات. كان ذلك في عهد المارشال بوجو وهو العهد الذي بدأت تشيع فيه فكرة التوغل السلمي داخل المجتمع الإسلامي، وهو ما يسميه البعض أيضا بالاحتلال المعنوي، وقد اعتبرت السيدة أليكس مشروعها ثورة في حد ذاته، ذلك أن البنات هن أمهات المستقبل وأن الحضارة الفرنسية أكثر عملية من الحضارة الإسلامية، وأن تعليم البنات المسلمات على جانب خطير من الأهمية في نظرها. وفي تقرير كتبته إلى الإدارة بالجزائر (إدارة بوجو) طلبت منها المساعدة والتأييد، ولم يذكر التقرير (١٨٤٦) متى فتحت المدرسة ولا عدد التلاميذ غير أنه أشار إلى أن النجاح كان إلى ذلك الوقت غير كامل (١). وهذا النوع من المدارس يسميه الفرنسيون مدارس خاصة. ولا شك أن السيدة أليكس (وهو اسم زوجها) كانت تعلم البنات اللائي التحقن بورشتها اللغة الفرنسية بالدرجة الأولى وكذلك الطرز وأشغال الإبرة. وحوالي نفس الفترة (يناير ١٨٤٧) وجدنا الحاكم العام (بوجو) قد رخص بإنشاء مدرسة (ورشة) للبنات المسلمات في مدينة الجزائر. وكانت تضم ستين تلميذة فقط. وكانت بدون شك هي مؤسسة أليكس نفسها، فقد أعطيت الضوء الأخضر للاحتلال (المعنوي). وأعطيت أيضا المساعدة اللازمة لذلك، ولكننا لا ندري درجة النجاح بعد ذلك (٢). وكانت هذه السيدة المولودة سنة ١٨٠٤ قد جاءت إلى الجزائر هاربة بالروح، كما يقولون، بعد زواج فاشل. وعاشت فيها باحثة عن لقمة الخبز في أي مكان تجده، إلى أن
стр. 1402
وجدته في مشروع الورشة الذي يخدم بلادها وحضارتها عن طريق البنات المسلمات والتسرب عن طريقهن إلى المجتمع الجزائري. وقد دام مشروعها مدة طويلة وكان نموذجا احتذاه غيرها أيضا. كانت تسمى (مدام لوس Luce) أو الآنسة يوجين بيرلو BERLEAU. وكان أبوها كاتبا في بلدية تورين (فرنسا) فاستفادت من مكتبته، وكان تعليمها غير منتظم، وقد عاشت في الحقبة الرومانتيكية التي اشتهر المنضوون إليها بحب الطبيعة والحقول، والمغامرة في المجهول. ومن بين ما اشتهر به الرومانتيكيون أيضا الرغبة في معرفة الشعوب الأخرى (البدائية) وأنماط عيشها.
جاءت أليكس إلى الجزائر أول الاحتلال تاركة ابنتها عند والدتها في فرنسا. وفي الجزائر تعلمت الخياطة، واشتغلت غسالة في المستشفى العسكري، وتوفي والدها سنة ١٨٣٧ وهي في الجزائر. ثم بدأت تخطط لإنشاء مدرسة (ورشة) للبنات المسلمات يتعلمن فيها الحضارة واللغة الفرنسية. وفي سنة ١٨٤٣ عارض المفتي مصطفى الكبابطي إدخال الفرنسية في المدارس القرآنية فنفته السلطات الفرنسية. وبدأت فكرة التسرب إلى الأسرة. ولكن حالة المرأة المسلمة مضنية، كما يقولون، فهي لا تخرج ولا تتعلم ولا تختار الزوج، وهي لا تنضج قبل الزواج. إنها إنسانة محقورة. هكذا تصورت السيدة أليكس (لوس) حالة المرأة فعزمت على إنقاذها. بدأت بتعلم اللغة العربية باعتبارها الوسيلة الضرورية للدخول إلى قلب المرأة. ومنذ ١٨٤٥ بدأت في جمع التبرعات لمشروعها. ثم بذلت المساعي لإقناع الأمهات اللائي أغرتهن بالسماح لبناتهن بالحضور إلى مدرستها، بضع ساعات في اليوم ليتعلمن اللغة الفرنسية والحساب والخياطة. فلم يأت إليها سنة ١٨٤٦ إلا أربع بنات. ولكنها لم تفشل. لقد اختارت منزلا تعلم فيه، ثم وصل العدد إلى ٣٠ ثم ٤٠. فسألت الحكومة المساعدة. وقد عرفنا أن إدارة بوجو أقرت المدرسة وساعدتها. وكانت المدرسة تقع في شارع طولون. وأهم ما كانت تعلم، بعد اللغة الفرنسية، هو الطرز، لأن الأوروبيين كانوا يقبلون على المطروزات، ولا سيما السواح الإنكليز. ويشمل الطرز على المناديل
стр. 1403
والستائر، بالذهب والحرير، وبمختلف الألوان والأشكال كالملابس والصدريات. وقد اتسعت المدرسة - الورشة بمعروضاتها حتى خارج الجزائر، إذ شاركت السيدة أليكس في المعرض الكبير ببريطانيا سنة ١٨٦٢ (١).
من الواضح أن ما قامت به السيدة أليكس ليس تعليما بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه نوع من التكوين المهني عن طريق اللغة الفرنسية، وهو استغلال لطاقة البنات المسلمات لفائدة الحياة الاقتصادية الفرنسية والتسرب إلى داخل المجتمع الذي بقي مغلقا في وجه الغزو الفرنسي. وفي سنة ١٨٥٠ صدرت مراسيم إنشاء بعض المدارس العربية - الفرنسية، كما ذكرنا، ومنها الست مدارس في أغلب المدن التي احتلت إلى ذلك الحين. وفي هذا النطاق نص المرسوم أيضا على إنشاء مدارس في الجزائر وقسنطينة والبليدة ووهران وعنابة ومستغانم للفتيات المسلمات يأخذن فيها تعليما ابتدائيا وأشغال الإبرة. وقد قيل عندئذ أن لجنة من النساء يعينها الوالي (البريفي) ستشرف على هذه المدارس (٢). ولكن التجربة كانت فاشلة فيما يبدو، لأننا وجدنا الفرنسيين يشكون من تحكم العادات في المجتمع. وفي تقرير لسنة ١٨٥٢ لا نجد سوى ١٥٠ (وهو رقم ملفت للنظر) تلميذة يذهبن إلى مدرسة فرنسية تديرها امرأة فرنسية. وقد كن يتعلمن فيها بالإضافة إلى مواد التعليم المعروفة في المدرسة العربية - الفرنسية، عمل الإبرة والنشاط المنزلي. وفي ورشة ملحقة بالمدرسة يتعلم كبار النسوة الخياطة (٣).
стр. 1404
وفي مدرسة الجزائر العربية - الفرنسية وقع توزيع الجوائز سنة ١٨٥٤ بحضور السيدة أليكس، ويقول الفرنسيون إن الفتيات ظهرن غير متحجبات خلال الحفل، وأدارت اثنتان منهن حوارا معناه أن فرنسا هي الدولة الحامية للجزائر. وهذا بالطبع ما كانت تريد السيدة المذكورة والإدارة الفرنسية والكنيسة، من تعليم المرأة المسلمة لإخراجها من حرمانها وغبنها في نظرها. ومهما كان الأمر فقد فتحت ورشة لتعليم النسيج والأشغال اليدوية أولا في مدرسة الجزائر سنة ١٨٦١ ثم في مدرسة قسنطينة بعد ذلك. أما المدارس التي نص عليها مرسوم ١٨٥٠ وهي ست، فلم ينجز منها إلا البعض. وشيئا فشيئا بدأ يظهر اسم الجزائريات، فكان اسم السيدة ماحي MAHE سنة ١٨٥٣، وهي سيدة كانت تعطي دروسا في التوليد، وقد نجح ثمانية من أحد عشر وظفن لهذا الغرض، وفي سنة ١٨٥٦ حصلت الفتاة نفيسة بنت علي، وكانت تلميذة في مدرسة السيدة أليكس، على (بروفي) التعليم. وكانت هي الأولى في هذا الميدان (اللغة الفرنسية والطرز) لكنها سرعان ما توفيت - ٢٨ فبراير ١٨٦١.
وفي سنة ١٨٥٠ أيضا أنشات السيدة ابن عابن ABEN مدرسة في الجزائر للبنات شبيهة بمدرسة السيدة أليكس، فهي أيضا كانت تعلم اللغة الفرنسية والقراءة والكتابة والحساب والرسم (وهو برنامج المدرسة العربية - الفرنسية) إلى جانب أشغال الإبرة وإدارة المنزل. وقد بقيت هذه المدرسة إلى سنة ١٨٧٠ ثم حولتها الإدارة إلى مدرسة ابتدائية فرنسية محض. ثم ظهرت مدارس أخرى، وهي في الحقيقة ورشات، بإشراف الأخوات البيض (الكنيسة) وسيدات أخريات تابعات لمذاهب دينية غير كاثوليكية، ولكنها كانت تتنافس على إخراج البنت الجزائرية من بيتها وتقاليدها وربطها بالثقافة الفرنسية، بأية وسيلة. وكل ذلك كان في غياب الحكومة الفرنسية التي يفترض فيها السهر على حرمة العائلة الجزائرية وتوفير التعليم المفيد للبنت وللمجتمع (١). وفي
стр. 1405
هذا الصدد أنشئ قسم خاص بالبنات المسلمات في المدرسة الفرنسية ببجاية، ثم تلاه إنشاء مدرسة من ثلاثة أقسام. بالإضافة إلى ورشات الآباء البيض في زواوة وميزاب وورقلة وبسكرة.
ونفس المحاولات وقعت على أيدي نساء أخريات، منهن السيدة سوسروت، مديرة مدرسة البنات بقسنطينة، فقد أنشأت أيضا مدرسة خاصة للطرز ونسج الزرابي. واستعملت طرق الصباغة التقليدية الشائعة عند الأعراش وفي البوادي. ثم أنشأت السيدات: ديلنو، وأتانو، وباري، مدارسهن. وتضافرت جهود هؤلاء النسوة مع جهود الأخوات البيض، وكثرت الورشات من الشمال إلى أقصى الجنوب، وهي ورشات لا تدخل أبدا في نطاق التعليم الابتدائي، لأنها كانت ورشات خاصة تستعمل، بالإضافة إلى اللغة الفرنسية والتأثير الفرنسي، مختلف أنواع الطرز ونسج الزرابي والأغطية، والمضفورات، والرسومات الشعبية والألوان حسب المناطق، مثل الطابع الونشريسي والميزابي والزواوي (القبائلي)، والأوراسي والعربي والبربري. وقد ظهرت ورشات جديدة في تبسة وشرشال والقليعة وتلمسان والأغواط وغرداية، معظمها كانت بإشراف الأخوات البيض.
ثم سمح لسيدات انكليزيات (بروتيستانت) بإنشاء ورشات مماثلة أيضا في شرشال وفي ضاحية مصطفى باشا بالعاصمة (١). ومن جهتها أسست السيدة قيتفيل (التي سبق لها أن أسست مدرسة البنات في وهران وعملت في القيروان) مدرسة في الجزائر أيضا سنة ١٩٠٩، وتوسعت هذه المدرسة حتى كانت تضم ١٧٠ تلميذة، ولها ورشة بـ ١٦ تلميذة تتراوح أعمارهن بين ١٠ - ١٣ سنة. وقد ذاع اسم هذه المدرسة لأنها تخصصت في صنع الزرابي القديمة من النوع الفارسي والقبطي، كما قيل، وكذلك صنع الوسائد والمطروزات التركية والجزائرية والمراكشية. ثم مدرسة آيت هشام في ميشلي التي تأسست سنة ١٨٩٠ ونالت جائزة سنة ١٩٥٥ وتولتها سنة ١٩١٣ السيدة بيران Perrin
стр. 1406
وزوجها منذ التاريخ الأخير. وكانت تضم ٣٤ تلميذة. ثم مدرسة الأصنام التي كانت بإدارة الآنسة شوبير، ولها ثلاثة أقسام و ١٤٦ تلميذة (١).
وفي آخر القرن أيضا وجدنا المرأة المهجنة أو نتاج الزواج المختلط، قد أخدت تلعب دورها في الموضوع. وهو الدور الذي أصبحت تقوم به بعض النساء بعد الاستقلال أيضا، إذ أصبحت هن المتحمسات للفرنسة وتخليص المرأة من (العبودية) في نظرهن أكثر من تحمس الفرنسيات أنفسهن. وكان هدف الفرنسيين هو تكوين الوسطاء، سواء من الرجال أو من النساء. نحن الآن أمام سيدة أخرى تسمى كيسنو، ومساعدتها السيدة سيسيل عائشة بوركايب. ولعل اسم (سيسيل) يوحي بأن هذه المرأة كانت نتاج زواج مختلط. أما عائلة بوركايب فقد اشتهرت في بداية الاحتلال بارتباط أحد أبنائها، وهو حمدان بوركايب بالإدارة الفرنسية الأولى. وفي ١٨٩٤ نشرت جريدة المبشر الرسمية خبرا ملفتا للنظر بعنوان (مأثرة تذكر فتشكر)، وفائدة هذا الخبر هي أن حكومة جول كامبون في الجزائر قد رأت إحداث درس للبنات المسلمات، فكان ذلك على يد السيدة كيسنو (وتلقبها المبشر باللقب التركي وهو الخاتون)، وأن الدرس قد امتلأ بأربعين تلميذة. وتمنت الجريدة المزيد من الإقبال عليه.
أما بالنسبة للسيدة بوركايب فالمبشر قالت بأنها جاءت لمساعدة السيدة كيسنو. وكانت بوركايب متحمسة جدا لعملها، وكانت تعلم الفتيات القواعد العلمية الأولية. وقد تعينت رسميا في هذه المهمة، ونوهت الجريدة بجهودها وبعائلتها القديمة الوجيهة (كريمة ذات من ذوات مسلمي الجزائر). أما البرنامج فهو حسب الجريدة أصول العلوم الابتدائية وما سهل من أعمال الخياطة (٢). ولم تذكر المبشر أن أصول العلوم هنا تعني اللغة الفرنسية والتاريخ الفرنسي والجغرافية والحساب والدخول في الحضارة الفرنسية
стр. 1407
المتفوقة، حتى لا تنبه قراءها المسلمين إلى ما يتلقاه البنات حقيقة في هذه المدرسة.
وفي تجربة المدرسة العربية - الفرنسية أيضا (أنشئت سنة ١٨٥٠ كما سبق) نجد المواد الدراسية مشتركة بين البنين والبنات .. فقد كان المعلم الفرنسي (وهو عادة المدير) يعلم الأولاد اللغة الفرنسية ومبادئ الأخلاق والتاريخ الفرنسي والجغرافية والزراعة والتاريخ الطبيعي. وهذا هو نفسه برنامج مدرسة البنات أيضا. ولكن الساعتين الأوليين من حصص الصباح مخصصتان للغة العربية إذ يفتح المصحف الشريف بين يدي التلميذة، أما الساعة الثالثة فمخصصة لأشغال الإبرة. وهذا القسم كانت تشرف عليه المديرة الفرنسية، بواسطة نائبتها المسلمة (انظر قانون إنشاء هذه المدارس). وفي المساء ساعتان للغة الفرنسية وساعتان لأشغال الإبرة أيضا. وهذه الأشغال قد قسمت إلى قسمين كما ذكرنا، في حصة الصباح تعلم بما يناسب الوسائل الإسلامية وفي المساء بما يناسب الوسائل والمنهج الفرنسي. ويقول السيد ميرانت، ونحن لا ندري كيفية ذلك تفصيلا، فإذا كان تعليم القرآن صباحا منهجا إسلاميا واضحا، وتعليم الفرنسية في المساء منهجا فرنسيا واضحا، فلا نفهم كيف تتحول أشغال الإبرة إلى إسلامية وفرنسية. ويدخل في برنامج البنات أيضا الغسيل بالصابون وكي الملابس، مدة نصف ساعة كل يوم ثلاثاء وخميس (١).
هل هذا هو التعليم الإسلامي أو التعليم المطلوب لإخراج المرأة الجزائرية من وهدة الجهل إلى نور العلم والحياة؟ إن البرنامج، على ما فيه من تحايل لنشر اللغة الفرنسية والحصول على مردود اقتصادي، ومسخ للمجتمع، قد انتهى سنة ١٨٧١، كما ذكرنا، على يد الحاكم العام ديقيدون. ولم يعوض بأي تعليم آخر للمرأة أو غيرها إلا منذ التسعينات، وحينئذ
стр. 1408
ظهرت مدارس ابتدائية خاصة بالأهالي وأقسام ملحقة بمدارس فرنسية. وكان الزمن قد تغير كثيرا، وظهر الجيل الثالث في عهد الاستعمار الفرنسي. ورغم مطالبة الجزائريين بالتعليم لبنيهم وبناتهم فإن السلطة الفرنسية كانت شحيحة جدا. وقد ظل تعليم البنات بالخصوص مطبوعا بالطابع الاقتصادي - العملي، كما ذكرنا، وليس بالطابع العلمي - التربوي. ومن ثمة لم تتحصل البنت الجزائرية لا على ثقافتها العربية الإسلامية ولا على ثقافة فرنسية علمية مفيدة. وقد صدق ألفريد بيل حين قال سنة ١٩٠٨ إنه لا يوجد للبنات المسلمات مدارس خاصة بهن لمتابعة دراستهن لا بالعربية ولا بالفرنسية. ونحن نعلم أن ألفريد بيل من غلاة المستشرقين الاستعماريين. لقد كان بعضهن يدخلن المدارس الفرنسية الابتدائية، وكان عددهن قليلا جدا. أما الأخريات فكن يتعلمن اللغة الفرنسية في مدارس التكوين المخصصة للأهالي، ونسيج الزرابي والأشغال اليدوية (١). وهو عدد قليل جدا أيضا.
وقد تدخلت الإدارة الفرنسية لتنشيط وتحديث الفنون والصناعات التقليدية، وألحقت ذلك بإدارة التعليم (ريكتور). ومن ذلك إنشاؤها مكتبا للرسم للقيام بجرد دقيق للأنواع والنماذج الفنية بالجزائر، وإحياؤها حسب الحاجة. ومن مهام المكتب الرجوع إلى الأشكال القديمة (الكلاسيكية) والاستفادة من نماذج تونس والمغرب والمشرق والفنون البربرية. ولعل الفرنسيين قد أحسوا بالذنب الكبير نحو التاريخ والفن والحضارة العربية الإسلامية في الجزائر حين هدموا المعالم وداسوا على الأضرحة والقباب واستباحوا قلع الزليج والفسيفساء والأبواب الخشبية المنقوشة غداة الاحتلال. فأخذوا يراجعون النماذج الباقية ويحصونها ويستجلبون نماذج أخرى من الخارج ظانين أنها من أصل واحد. فنقحوا زرابي القرقور والقلعة ورجعوا إلى الفن البربري القائم على الشكل الهندسي (الجيومتري). واستعانوا في الطرز بالنوع الرباطي (المغرب) المعروف بوروده وألوانه الزرقاء والخضراء والبنفسجية الغامقة والمذهبة، وسايروا الذوق العربي
стр. 1409
والإسلامي في الزخرفة.
ونفس عملية الإحياء والتجويد وقعت مع الصناعات النحاسية. فدمجوا الطراز السوري مع الطراز المحلي، وأصبح هذا النوع المولد من برنامج الورشات. وذكر جان ميرانت أنه وقع اللجوء إلى المواد الكيمياوية في الألوان، وأن الأكاديمية قد أنشأت مدرسة للصباغة وكلفت السيد دلاييه بالإشراف عليها. وكانت الأصواف مثلا تعطى للورشات بعد صباغتها. واعترف ميرانت أن الفن البربري والعربي قد أصابه الذبول نتيجة الإهمال والتدهور واختلطت ألوانه وفقد أصالته، غير أن عملية الإنعاش، في نظره، قد أعطت نتائج طيبة. وقد عرفنا أن الورشات التي أنشئت منذ القرن الماضي كانت تعلم بعض الفرنسية والتأثيرات الحضارية الأخرى، بالإضافة إلى الحساب والطرز والخياطة ونسيج الزرابي. واشتهرت بذلك ورشات العاصمة وقسنطينة (حيث كان يجري الطرز بالفضة على الحرير) وشلالة وبجاية (١). وإليك الآن بعض الإحصاءات. ففي سنة ١٨٨٢ هناك مدرستان فقط للبنات في الجزائر كلها. و ٣٥٨ بنتا يتعلمن (٢). وفي ١٩٠٦ كان للبنات سبع مدارس (٣). وفي سنة ١٩٠٧ أصبحت تسع مدارس ولها خمسة عشر قسما، إضافة إلى ثلاث مدارس حرة (مهنية؟). وكانت جميعا تضم ٢.١٨١ بنتا، وكلهن في المستوى الابتدائي (٤)، ولا وجود للفتاة المسلمة في المتوسطات أو الثانويات. وفي ١٩٣٠ (بعد قرن من الاحتلال) كان عدد البنات المسلمات في التعليم الابتدائي الفرنسي قد وصل إلى ٦.٧١٢ حسب الإحصاء الرسمي (٥). ثم وصل العدد إلى ٨.٣٣٠ سنة ١٩٣٦، هذا في
стр. 1410
المدارس المخصصة للأهالي فقط، ويضاف إلى ذلك البنات اللائي دخلن الأقسام الخاصة بالأهالي في المدارس الأوروبية. فإذا جمع الرقم هنا وهناك وصل العدد إلى ١٥.٨٥٤ بنتا، وكلهن في المستوى الابتدائي. وهذا كله في زمن الصحوة التعليمية وظهور مدارس جمعية العلماء والمدارس الحرة الأخرى كمدرسة الشبيبة في العاصمة ومعهد الحياة في ميزاب. لكننا لا نجد سنة ١٩٣٦ إلا ٩٩ فتاة جزائرية في الثانويات الفرنسية ثم لا فتاة في جامعة الجزائر (١)، ولا في المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث.
ونريد أن نختم هذه الفقرة بالإحصاء الذي أورده السيد إيمانويل بوجيجا سنة الاحتفال المئوية بالاحتلال ومدى ما نالته المرأة المسلمة من الدولة الفرنسية (الحامية) وحاملة رسالة (المهمة الحضارية). يقول إن سنة ١٩٣٠ قد انتهت بهذه النتائج بالنسبة للمرأة الأهلية:
٣٠ بنتا حصلت على شهادة الدراسة الابتدائية.
٢ حصلتا على شهادة (البروفي) الأولى. B.Elem.
١ (واحدة) على شهادة (البروفي) العالي. B.Sup.
٨ بنات دخلن المدارس الابتدائية العالية. Ecoles P. Sup (هكذا التسمية، ولكن لا علاقة لها بالتعليم العالي).
٤ بنات في ليسيه الجزائر (الثانوي).
٤ بنات في ليسيه وهران.
٤٤ بنات في ليسيه قسنطينة.
٢ بنتان في ليسيه (كوليج) عنابة.
أما بالنسبة لسنة ١٩٣٦ فقد شهدت بعض الزيادات في الأرقام الإجمالية. ولكننا لا نعرف عدد المتحصلات على الشهادات. وهذا هو التوزيع بالنسبة إلى سنة ١٩٣٦:
стр. 1411
٧، ٣٤ بنتا في المدارس الابتدائية الأولية (الفرنسية).
٨.٣٣٠ بنتا في المدارس الخاصة بالأهالي.
٣٩ بنتا في المدارس الابتدائية العالية والدروس المكملة C.Comp.
أما المدارس نفسها والتوزيع عليها فكان كما يلي: (سنة ١٩٣٦):
١٦ مدرسة ابتدائية خاصة وثانوية تضم ٢٣١ تلميذة.
- في التعليم الثانوي ٩٩ تلميذة.
- في التعليم الجامعي صفر تلميذة (١).
هذه هي تجربة التعليم الفرنسي والمزدوج في الجزائر طيلة أكثر من قرن. وقد أشرنا إلى أطوار التجربة ومراسيمها والآراء حولها وأنواع التعليم سواء كان موجها للفرنسيين أو للجزائريين، مفرنسا أو مزدوجا، وكذلك مؤسساته من الابتدائي إلى العالي. وكان يمكن للمدارس الشرعية - الفرنسية أن تدخل ضمن التعليم العربي - الإسلامي في مرحلتها الأولى ولكننا أدخلناها ضمن هذا الفصل لأن إدارتها وبرامجها أصبحت فرنسية، ولم نشر إلى تطور التعليم عند يهود الجزائر إلا نادرا لارتباطه منذ أول وهلة بالتعليم الفرنسي، حتى قبل تجنيس اليهود الشامل عام ١٨٧٠.
انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع
стр. 1412
المحتوى
стр. 1413
_________
ابن أيي داود - السحنونية - زوايا القرآن وزوايا الفقه
٢ - زوايا الجنوب ................................................................ ٢١٣
زاوية طولقة - زاوية الخنقة - زاوية الهامل ...
الزاوية التجانية .................................................................... ٢٢٣
زاوية قصر البخاري ............................................................... ٢٢٧
٣ - زوايا أخرى .................................................................. ٢٣٤
المدارس الحرة .................................................................... ٢٣٨
معهد بني يزقن وشيخه أطفيش .................................................... ٢٦٤
الفصل الثالث: التعليم الفرنسي والمزدوج ........................................... ٢٧٧
مدخل ............................................................................ ٢٧٩
آراء حول تعليم الجزائريين ........................................................ ٢٨١
التعليم الفرنسي ................................................................... ٢٩٠
حلقات اللغة العربية .............................................................. ٣١١
مدخل إلى التعليم المزدوج ........................................................ ٣٢١
المدرسة الابتدائية المزدوجة ...................................................... ٣٢٧
المدارس الشرعية الثلاث ......................................................... ٣٦٧
المعاهد (الكوليجات) العربية/ الفرنسية ............................................ ٤٠٢
مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال) ................................................ ٤١٣
البرنامج والميزانية ................................................................ ٤٢٢
التعليم المهني .................................................................... ٤٣٥
حول تعليم المرأة والفنون التقليدية ................................................. ٤٤٠
стр. 1414
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الجيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود
تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١: Tel / خلوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ يروت، لبنان
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم: ٣٣٧/ ٢٠٠٠/ ١١/ ١٩٩٨
التنضيد: كومبيوتايب - بيروت
الطباعة: دار صادر، ص. ب , ١٠ - بيروت
стр. 1415
HISTOIRE CULTURELLE DE
L'ALGERIE
PAR
Professeur Aboul Kacem Saadallah
Université d'Alger
Tome ٣
١٩٥٤ - ١٨٣٠
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI
стр. 1416
الدكتور أبو القاسم سعد الله
تاريخ الجزائر الثقافي
الجزء الرابع
(١٨٣٠ - ١٩٥٤)
دار الغرب الاسلامي
стр. 1417
١٩٩٨ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامى
ص، ب، ٥٧٨٧ - ١٣١ بيروت
جميع الحقوق محفرظة، لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونة أو كهروستأتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر،
стр. 1418
تاريخ الجزائر الثقافي
стр. 1419
الفصل الأول
الطرق الصوفية (١)
стр. 1420
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطة هذا الفصل والذي يليه تحتاج إلى توضيح من البداية، فقد كانت الخطة هي أن نكتب فصلا واحدا عن الطرق الصوفية، نتناول فيه أصولها وفروعها، ومبادئها ومصطلحاتها، وكذلك تطورها السياسي والاجتماعي والمعنوي، ثم مواردها وعلاقتها بزبائنها وأتباعها، ولكن الفصل تمطى وكثرت مادته، ومع ذلك تركناه على حاله حتى تضخم.
فعزمنا بعد الانتهاء منه، على جعله فصلين (أو قسمين). وفكرنا في كيفية تنظيم وتوزيع مادته من جديد، فبدا لنا أن نخص أحد الفصلين بأصول وفروع الطرق الصوفية، ونترك للفصل الآخر كل ما عدا ذلك: من المصطلحات والتطور السياسي والاجتماعي والموارد والإحصاءات ونحوها، ولكننا لاحظنا أن مادة الفصل الأول (أصول وفروع الطرق الصوفية) ستبقى مع ذلك غزيرة وسيبقى الفصل غير متوازن طولا مع صاحبه، ولذلك عزمنا على ترك المكتوب كما هو في الأصل وتقسيم المادة على فصلين، ينتهي أولهما بالحديث عن الرحمانية، ويبدأ الثاني بالحديث عن التجانية، وبذلك تظل المادة متصلة كما كانت في الخطة الأولى.
إن على القارئ الحريص على معرفة الإحصاءات والموارد والمناقشات السياسية حول الطرق الصوفية أن لا يكتفي بالفصل الأول بل عليه أن يقرأ ما هو حريص عليه في الفصل الثاني (أو القسم الثاني) أيضا، والحق أن عالم الصوفية عالم غريب على من لم يدخل بيت أسراره.
وليس كل باحث يستطيع أن يفهم أو يتعمق في حياة أهله ويحكم عليهم بنزاهة ووضوح، وقد ألفت كتب كثيرة في الموضوع، من المسلمين والمسيحيين والهنود وغيرهم، وتناوله بالخصوص المستشرقون خلال القرنين
стр. 1421
الماضيين أيضا بشيء من التحليل الجديد، فأرخوا له ودرسوا حياة المتصوفة، ووقفوا من ذلك موقف المتفلسفين أحيانا والحائرين أحيانا أخرى، ونحن لا نزعم أننا سنأتي بدعا في تناولنا للطرق الصوفية، كما أننا لا نزعم أننا سنعالجها في عمومياتها، وفي مختلف مناطقها وعلاقاتها، ذلك أن خطتنا هي دراسة الطرق الصوفية في الجزائر منذ حوالي قرن ونصف، ودراسة تفاعلها مع الأحداث وتطوراتها مع الزمن المتغير، وقد كنا درسنا أصول التصوف وبعض الطرق في الجزء الأول من هذا الكتاب (١).
مصطلحات وتعاريف
وقبل أن نتناول تطور الطرق الصوفية وتفاعلاتها، نود أن نتعرض في البداية لبعض المصطلحات والتعريفات والمسائل المشتركة بينها، إن هناك عدة تعريفات للتصوف في الماضي والحاضر، وسنكتفي بتعريف ابن خلدون، إذ قال عن أصل طريقة القوم (التصوف): (وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيها مما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة) (٢). وكان ذلك معروفا في الصحابة والسلف، حسب رأيه، ولما أقبل الناس على الترف في الدنيا، اختص الذين تمسكوا بالعبادة باسم الصوفية، فالتصوف عند ابن خلدون، إذن، عبادة ومجاهدة للنفس ومحاولة لإدراك الحقيقة.
وقد قال في مكان آخر (ص ٨٦٤) (ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام، إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي النهاية المطلوبة للسعادة). وقد سمى المقام الذي أشار إليه (مقام التوحيد والعرفان). أي أن غاية المتصوف هو التوحيد والمعرفة، وفي مكان آخر ذكر ابن خلدون أن
стр. 1422
أصل التصوف (ويسميه الطريقة أو طريقة القوم) هو محاسبة النفس على الأفعال والتروك، ص ٨٦٥.
أما رجال الطرق أنفسهم فيختلفون حول تعريف التصوف حسب الوسائل التي يستعملونها للوصول إلى هدفهم، إن البعض يراه في الممارسات والوسائل التي توصل إلى الحقيقة، وهي ممارسة التطهر والتقشف والقيام بالواجبات الشرعية على أتم وجه والتحلي بالأخلاق والفضائل وتجنب كل الشبه والمزالق، بينما يراه آخرون منهم في الوصول إلى الإلهام والكشف والرؤى والسرحان في عوالم الأسرار الغامضة، ولكن النتيجة واحدة تقريبا، فهي التسامي والتطهر للوصول إلى الدرجة العليا في القربى إلى الله ونيل رضاه، وفي تعريف الأمير عبد القادر لأحوال المتصوفة وأذواقهم مثال على رأي آخر حديث نسبيا (انظر تناولنا لكتابه (المواقف) في جزء آخر من هذا الكتاب).
وقد نفى أحد الباحثين الأجانب أن يكون التصوف إسلاميا أو مسيحيا أو هنديا، فهو في نظرة لا هذا ولا ذاك، إنه ليس فلسفة قائمة بذاتها، وليس فرقة دينية معروفة ومحددة بمذهب معين، بل إن التصوف عنده مجرد نمط من العيش في حالة طهر وصفاء كاملين، كما نفى هذا الباحث أن يكون التصوف عقيدة أو قاعدة ثابتة، أو تفكيرا عقليا معللا، ذلك أن التصوف الحقيقي لا يظهر إلا في الشعور والإلهام والانطباع وغيرها من المعطيات الغامضة (١).
وهذا أحد المتصوفين في القرن الماضي، وهو الشيخ محمد الموسوم (الميسوم). قد عرف التصوف بأنه القيام بالواجبات الشرعية من صلاة وصوم وحج، ومعرفة الله وشكره وحمده والتضرع إليه في كل وقت، وهو ترديد الشهادة (لا إله إلا الله) كلما أمكن ذلك، ومن واجبات المتصوف عنده الابتعاد عن مغريات الحياة الدنيا التي يعيش فيها، وأن يضع نصب عينيه دائما
стр. 1423
الحياة الأخرى ويستعد لها، كما عليه أن يتخلى عن الحسد والفخر بالنفس، وأن لا يكلف نفسه ما لا طاقة له به وأن لا يلقي بنفسه إلى الهلاك، ويعمل الصوفي جهده للبحث عن مكان (خلوة) يمارس فيه عبادته ونشاطه الروحي بإتقان وخشوع وسط جو من الحرية والإرادة، أما من لا يفعل ذلك فهو ليس من المتصوفة في شيء بل هو مزيف في نظر الشيخ الموسوم (١).
ويمكن الحكم على رأي الشيخ الموسوم بأنه رأي معتدل بالنظر إلى ممارسات البعض من أدعياء التصوف، فمنهم من كان يبالغ في الممارسات الظاهرة كالرقص والتواجد والتضارب، ومنهم من كان يبالغ في الانقطاع والانعزال والتضحية ليس بنفسه فقط ولكن بأخذ غيره من الأتباع بذلك، ومنهم من كان يبالغ في أرقام الأدعية والأوقات، كما سنرى، حتى تصبح الحياة كأنها ما خلقت إلا لكي يقضيها في طقوس يحددها الشيخ للأتباع، ولعل هذا الفريق هو أقرب إلى الدراويش منه إلى المتصوفة، وربما هو أقرب في ذلك إلى المشعوذين، حقا أن هناك أيضا مرابطين يمارسون التعاليم الدينية ويتطهرون ويتقشفون ويفعلون الخير طمعا في حياة أخرى مثالية، وأملا في أن يكونوا أولياء الله، صالحين في نظر الناس بعد موتهم، ولكن هؤلاء رجال صالحون وليسوا متصوفة، كما أنهم ليسوا من رجال الطرق الصوفية المعروفة.
وإضافة إلى المتصوف والدرويش والمرابط والشيخ هناك الشريف، وهذا هو الذي ينتسب إلى الرسول ﷺ عن طريق ابنته فاطمة، ويسمي البعض هؤلاء بأنهم أشراف الأصل، وقد ظهر الأشراف في القرن الماضي ظهورا سياسيا وغير سياسي، وكان بعضهم وراء الثورات، ولكن أيضا كانوا يعلمون الناس الطقوس والممارسات القريبة من التصوف، ويظهرون لهم الكرامات وخوارق العادات، قبل أن يطلبوا منهم القيام بأي عمل آخر، وسنرى أن الجهاد كان أحد وسائلهم، ولكن بعض الأشراف كانوا مسالمين
стр. 1424
مكتفين بحفظ شجرة النسب الشريف، وكانوا أقرب إلى الفقر منهم إلى الغنى، ما عدا أولئك الذين توظفوا أو هاجروا من البلاد، وقد أطلق بعض الباحثين اسم (الأشراف المزيفون) على الذين قاموا بالثورات ضد الفرنسيين، كما سنرى.
ولنعرف الآن كل فريق تعريفا قصيرا بقدر الإمكان: فشيخ الطريقة (ويسمى أيضا خليفة الورد، ومولى الطريقة) هو حامل البركة التي عرفها بعضهم بأنها الكثرة والعندية والقناعة المعنوية، وهو الذي يرث إمام الطريقة أو المؤسس، وقد يكون الشيخ وليا صالحا أو عالما شهيرا كالشيخ عبد الرحمن الثعالبي في الجزائر وأبي مدين في تلمسان، وذهب بعضهم إلى أن الشيخ قد يكون من الجن، سواء كان له اسم أو لا، وقد يكون شخصية مجهولة إلى حد كبير، ولكن الشيخ المتعارف عليه في الأزمنة المتأخرة عند أهل الطرق الصوفية، هو الذي يعطي البركة لغيره، وهو الذي يعين خليفته ومقدميه ويمنح الإجازات، وتكون إقامة الشيخ عادة عند قبر مؤسس الطريقة أو في الزاوية الرئيسية، ويعتبر (الشيخ) هو ظل الله في الأرض والنائب عنه في نظر البعض، وعلى (الإخوان) (الأتباع) الطاعة، لأن الله يحكم بطريق الشيخ.
وتظهر العقيدة في الشيخ في أشكال مختلفة، في القباب والأضرحة والخلوات والزوايا والأحجار التي تقام أو تنصب إيمانا به، وتمسكا بتعاليمه حقيقة أو خرافة، وستظهر لنا في الممارسات عند الحديث عن بعض الطرق وشيوخها، كما تظهر العقيدة في الشيخ في شكل الخرق المحفوظة والمعلقة وفي الشموع والمصابيح، والأعلام والأشجار، وحول الكهوف ومنابع المياه، ويقوم المعتقدون في الشيخ بأعمال وممارسات تعبر عن تعلقهم به، وذلك بالتبخير، والصلوات والأدعية، والزغاريد، والقرابين، والقيام بألعاب وحركات معينة، وإلقاء الخطب، والالتجاء إليه، والتداوي عنده، وبعض هذه الأعمال تكون فردية أو جماعية، ومن الأعمال الجماعية تلك الاحتفالات الموسمية الكبيرة التي لها دور اجتماعي كالتضامن والتقارب
стр. 1425
والتغافر والاشتراك في التراث والعادات والتقاليد، وإنشاد الأناشيد والأغاني الدينية، وإطعام الفقراء، والتلاقي بعد افتراق طويل (١). ولهذه المواسم أسماء عديدة، حسب الطريقة الصوفية وشيخها، مثل الحضرة، والزردة، والوعدة.
والشيخ هو الذي يعطي الإجازة، وهي على أنواع، منها الإجازة المفصلة المسلمة للخليفة (أو النائب عند بعض الطرق). وقد تكون بالمراسلة، والإجازة هي شهادة ووصية أيضا، فالشيخ يكتب ويوصي ويشهد بأن خليفته هو فلان، وأنه قد منحه بركته وأورثه إياها، وأن هذا الخليفة هو محل ثقته وهو مكلف من قبله بإعطاء الإجازة لغيره وكذلك إعطاء الأوراد وإدخال المريدين في الطريقة، وعليه أن ينشر الطريقة وأن يحافظ على سمعتها ومبادئها وأموالها، والخليفة عادة يكون من أقرب الناس إلى الشيخ كابنه أو صاحبه أو تلميذه، وتحمل الإجازة العبارات الدينية والسلسلة الصوفية وكيفية إدخال الناس في الطريقة، أما الإجازات للمقدمين فتكون عادة مختصرة وتقتصر على خلاصة تعاليم الطريقة كما تلقاها الشيخ، وقد يكتب الشيخ مجرد رسائل للتزكية والتوصية (٢). وتختلف طريقة إدخال الراغبين في الطريقة من واحدة إلى أخرى، فمنهم من يأخذ يدي المريد بين يديه، ومنهم من يأخذ يدا واحدة منه بين يديه، ثم تكون القراءة بعده لعبارات محفوظة (سنعرفها) ثم الذكر، وإذا كانت امرأة فإن الشيخ أو خليفته يطلب من السيدة وضع يدها في إناء من الماء، ومنهم من يجعلها تمسك فقط طرف السبحة، وهناك من يكتفي فقط بطلب ترديد الفاتحة والذكر خلفه، ومهما كان الأمر فإن على المريد الطاعة المطلقة (كالميت بين يدي غاسله) حسب العبارة المستعملة، وجرت العادة أن يكون للشيخ أو الخليفة زاوية يشرف عليها، ومعه هيئة كاملة من الشواش والخدم والطلبة الخ (٣).
стр. 1426
وقد تداخلت في الأعوام الأخيرة لفظة المرابط، فأصبحت تطلق بعمومها حتى على الدراويش والشيوخ ورجال التصوف والشعوذة، وهذا الاستعمال أقرب إلى الاستعمالات السياسية منه إلى التاريخ، فكلما نقم البعض على أهل الدين أو لاحظوا بعض التخلف في التفكير قيل لفلان هذا إنه (مرابط). يعني أنه رجل دين متخلف أو خرافي، والواقع أن لفظ المرابط له معنى تاريخي وسياسي بعيد، فهو يعني المجاهد (١). لأنه أصلا جاء من كلمة (رباط). والرباطات قامت أساسا في الثغور وأماكن الخطر التي يهجم منها الأعداء، وهكذا كانت الرباطات قلاعا وحصونا لمنع الخطر الأجنبي، وكان المرابطون هم المجاهدين الذين يحمون الثغور ويتصدون للأعداء، وبعد تولي العثمانيين الدفاع على الثغور انحصر نشاط المرابطين في أعمال البر والتعليم وإصلاح ذات البين وتأمين الطرق، وقد بنوا لأنفسهم أو بنى لهم الناس زوايا، بدل الرباطات، أو تحولت الرباطات إلى زوايا ومعاهد.
إن المرابط الذي يعنينا الآن هو أيضا من رجال الدين، ولكنه ليس بالضرورة من أهل الطرق والصوفية أو له طريقة صوفية، وسنرى أنه بالنسبة لموضوعنا فإن المرابط كان خلال فترة طويلة، مستقلا عن رجال الدين الرسميين (الفقهاء والقضاة) وعن رجال الطرق الصوفية (٢). فكان ملاحظا عن بعد مستقلا في إدارة شؤونه وتفكيره، ولكن بعد توسع الاحتلال وإخضاع كل البلاد ونظمها وقادتها، ضعف استقلال المرابط ووظفت السلطات الفرنسية نفوذه وعلمه لصالحها بطريقة سنعرض إليها، وقد قال حمدان خوجة المعاصر لبداية الاحتلال: إن المرابطين في جميع أنحاء الجزائر محترمون سواء كانوا أمواتا أو أحياء، لأن مهمتهم هي إطعام الطعام للفقراء والغرباء، لإطفاء الفتن بين الناس، وتأمين الطرق للسابلة (٣). ورغم أنه لم يذكر التعليم
стр. 1427
فإنه كان أحد مهام المرابطين أيضا، أي تعليم الناس قواعد الدين وقواعد اللغة، ومبادئ العلوم.
ونظرا لعلاقة المرابط بالجهاد قديما ولتأثيره بين الناس حديثا اهتم به الفرنسيون اهتماما خاصا، وقد وجد باحثوهم أن النفوذ، في الريف تتقاسمه ثلاث قوى محلية هي المرابطون والأجواد والأشراف، وعرفوا المرابطين، على طريقتهم، بأنهم نبلاء الدين وأن هذا النبل عندهم وراثي، ونظرا لمكانتهم فإن الناس قد أوقفوا على زوايا المرابطين الأوقاف (الأحباس) الكثيرة (١). وقد كان لبعضهم زوايا عظيمة، وأملاك كثيرة، وبعضهم كانت له زوايا صغيرة، وكانوا يعيشون في فقر وبؤس، بتقدم الزمان.
وبعد خمسين سنة من الاحتلال (١٨٨٠) وجد أحد الباحثين أن عدد عائلات المرابطين في الجزائر لا يتجاوز ١١٥ (مائة وخمس عشرة عائلة). منها ٢٠ في إقليم وهران، و ٥٥ في إقليم الجزائر، ٤٠ في إقليم قسنطينة، (دون ذكر الجنوب لأنه كان غير محتل بعد في عدد من أجزائه). ولاحظ هذا الباحث أن لهؤلاء المرابطين نفوذا عظيما يفوق أحيانا نفوذ الأجواد أو الرؤساء الذين يمارسون السلطة الزمنية كموظفين عند فرنسا، ولكن المرابطين لم يكونوا متساوين في السلطة أو في الوضع الاجتماعي أو في الثقافة، فمنهم، كما سبق، من كان صاحب زاوية غنية ورثها عن آبائه وأجداده، وورث معها سمعة دينية يعيش عليها، سمعة كانت لأحد أجداده سواء كان شريفا بالنسب أو جاءته سمعته من التدين والعلم والورع، بينما كان بعضهم مرابطين صغارا لهم زوايا فقيرة، وسمعة محدودة، ويعيشون على الصدقات إلى جانب ضريح قديم فيه رائحة القداسة لأحد الأجداد (٢).
وهناك ميزات لهذه الفئة من المرابطين يجهلها عامة الناس، فقد عرفنا
стр. 1428
أن الأصول ترجع إلى الجهاد والسمعة والتدين، ولذلك فإن (المرابطية) هنا تأتي عن طريق الميلاد وليست وراثية، ولا يمكن للشخص أن يكون مرابطا أثناء حياته، لأن المرابطية ليست صفة مكتسبة، وهناك أعراش كاملة تتصف بصفة المرابطية مثل عرش الشرفة وعرش أولاد سيدي الشيخ، ويلاحظ أنه ليس للمرابطين من الأتباع والأخوان ما للطرق الصوفية، وإنما لهم تلاميذ تخرجوا على أيديهم، وقد يكون لهم أنصار يساندونهم أو أناس يخدمونهم دينيا، وللمرابط حق الزيارات التي يعرف كيف يأتي بها إذا تأخرت، رغم أنها في ظاهر الأمر اختيارية، وهي تخضع لثروة الزائرين وطاقتهم، وقد عرفنا أن للمرابط زاوية، وتكون سكناه عادة قرب هذه الزاوية أو في مكان قريب من ضريح أو قبة جده حيث يلتمس الناس التطهر الروحي، وهناك تقام الحفلات الموسمية كالوعدة ونحوها، وكلما ازدادت المكانة الاجتماعية للمرابط ازدادت تأثيراته وامتدت سمعته، رغم أن تقديس الناس لذكرى المرابط الأصلي واستمرارهم على ذلك قد تكون هي السبب في انتشار السمعة وازدياد النفوذ (١).
وبذلك يؤلف المرابطون فئة مستقلة ذات نفوذ على الناس، وهم دعاة مهرة وغير منتمين إلى الطرق الصوفية، كما ذكرنا، وبهذه الصفة حاول الفرنسيون في وقت لاحق (بعد الثمانينات) أن يؤثروا فيهم وأن يجلبوهم إلى خدمتهم، وهذه نقطة سنعالجها عند الحديث عن العلاقات السياسية بين المرابطين والفرنسيين.
وهناك مجموعة أخرى من الدراويش والحمقى والمرضى عقليا .. ومجموعة أخرى من زعماء الطرق الصوفية الذين تسميهم العامة جميعا (مرابطين). فحديثنا السابق إذن هو عن الصنف الأول، وليس على هذين الصنفين، (الدراويش وبعض زعماء الطرق).
تتفق الطرق الصوفية في كثير من التقاليد والممارسات، ومن ذلك حفظ
стр. 1429
السلسلة، أو السند، فلكل طريقة سندها الذي يرجع بها إلى الرسول ﷺ . إما عن طريق السيدة فاطمة، وبذلك يكون صاحب الطريقة (الشيخ) شريفا أو منتسبا للشرف، وإما عن طريق آخر، مثل طريق أبي بكر الصديق (ض) وعمر بن الخطاب (ض). والإمام علي (ض). ومن الطرق التي تنتسب إلى الشرف الطيبية والتجانية والعيساوية والزيانية والقادرية والسنوسية، والسند يذهب من الرسول ﷺ إلى جبريل ثم إلى الله سبحانه، وكل الطرق تقول إنها تملك السلسلة (السند) الذهبية التي تربطها بالمؤسس الأول، مرورا بالأولياء والصالحين ورجال الطرق الأخرى الذين نقلوا إليها الحقيقة، غير أن بعض الطرق تخرج عن هذا التقليد وتدعي الكشف المباشر، أي التلقي من الله دون واسطة، ومعنى ذلك أن صاحب هذه الطريقة أو مؤسسها يزعم أنه قد فتح الله عليه الغطاء وأزال عنه الحجاب فرأى ما لا يراه الآخرون، وأن الله قد خصه بعنايته دون غيره، وأطلعه على أسراره وعوالمه الخفية، وإذا كان أصحاب الطريقة يؤكدون ذلك على أنه كرامة لصاحبهم فإن من كان خارج الطريقة لا يكاد يصدق ما يدعون، وهناك من قال إنه كان يملك الاثنين: السلسلة والكشف المباشر، ومن ثمة تزداد شعبية المكشوف له بين العامة، وتتميز الطرق الرحمانية والتجانية والعيساوية والخضرية، بالسلسلة والكشف (١).
وعقيدة الاتصال المباشر تكون بأحد طريقين: إما الرؤى مناما أو يقظة، وإما بواسطة الخضر، وإذا كانت المرائي كثيرة في أخبار المتصوفين، وفيها مؤلفات ومدونات بأقلامهم، فإن الخضر يعد عند البعض، من الأنبياء الذين شربوا من منبع الحياة واستثني من الموت، وله شخصية متعددة الجوانب، ويعيش في عمق البحر، وهو الواسطة العادية بين الله والإنسان الصوفي، فهو الذي يكشف للصوفي حجاب المستقبل أو الغيب، ويمنحه البركة والقدرة على التصوف والإتيان بالكرامات وخوارق
стр. 1430
العادات (١). ويذهب الباحث (رين) إلى أن المسلمين يقرون بعقيدة الاتصال المباشر، سواء عن طريق الرؤيا أو عن طريق الخضر.
وجميع الطرق تتفق أيضا في الحرص على تنفيذ الوصايا الخمس التي لا تتناقض في جوهرها مع الكتاب والسنة، وهذه الوصايا هي: الخوف من الله تعالى، وعدم حب الناس أو كرههم إلا لله وفي الله، والرضى بما حكم وقدر الله للإنسان، وترك كل شيء لله يصرفه لأن كل شيء من عنده خيرا أو شرا، والعمل طبقا للسنة النبوية، والذين يعملون بهذه الوصايا يدخلون في الفرقة الناجية التي توقع الرسول ﷺ أنها ستكون الوحيدة من بين الـ ٧٣ فرقة التي ستنقسم عليها الأمة الإسلامية بعده، وأغلبية الطرق تتمسك بتعاليم القرآن كأساس لها، ولكنها تبالغ في عقيدة شيخها وتعلن أنها تدعو إلى الله وحفظ دينه، وأن هدفها هو هداية الإخوان إلى الطريق المستقيم، طريق الرسول ﷺ . الذي هو طريق الله سبحانه.
وللطرق مصطلحات شائعة بينها وتكاد تتفق فيها جميعا، وإذا اختلفت ففي بعض التفاصيل، فهي (طريقة) (طريق) موصلة إلى النجاة والسعادة، والطريقة في هذه الحالة ليست سلما للوصول فقط ولكن أيضا مجموعة من الشعارات والممارسات والأذكار التي قد تختلف فيها كل طريقة عن الأخرى في العدد والأزمنة، وتسمى الطريقة أيضا (وردا). والورد هو المنبع وهو الوصول، وهو أيضا الدخول في الطريقة، ويقال ورد أو دخل الطريقة على حد سواء، على أن الداخل في الطريقة يأخذ الورد من الشيخ أو خليفته أو مقدمه، وعلى هذا يصبح الورد هو تعاليم الطريقة وعقيدتها أو مذهبها، وفيه أيضا معنى التقديم والإدخال إلى الطريقة.
وهناك مراحل يمر بها المريد، وهي تبدأ من دخول الطريقة إلى مرحلة الجذب، وهي أعلاها، وهذه الظاهرة تكاد تتوفر لدى كل الطرق أيضا، وقد
стр. 1431
أوصلها بعضهم إلى سبع مراحل، وكلها تقوم على تطهير النفس وتصفية القلب، والمجاهدة وترديد الذكر وإتقان الواجبات، ويمكن في المراحل الأولى لمختلف فئات الإخوان أن يصلوا إلى هذه الرتبة بعد السلوك الصارم في الحياة، حسب تعاليم الطريقة، ثم تأتي بعد ذلك درجات أخرى من الأذواق التي تؤدي إلى مرحلة الجذب: كالجذب العاطفي والجذب القلبي، والجذب النفساني، والجذب الصوفي، وأخيرا جذب التملك، وتتلخص كلها في الوصول إلى ما يسميه ابن خلدون بالمقام، وما يسميه البعض بالحال، أو الحق، ولا يتوصل إلى هذه الدرجة إلا عن طريق التقشف ونكران الذات، والحرمان من الملذات، والقسوة على النفس بالصوم والتهجد والتيقظ القلبي ومراقبة الله في السر والعلانية.
وهذه مصطلحات الدخول إلى الطريقة التي هي أيضا مصطلحات شائعة بينها، ولا تكاد تختص بها واحدة دون الأخرى، فـ (التلميذ) هو الحاضر بالذات الذي جاء يبتغي الدخول في الطريقة، و (المريد) هو الذي أصبح داخلا في الطريقة ولكنه ما يزال في بداية الطريق إلى الله، فهو الراغب في الله الساعي إلى حرمه الآمن، وإذا تقدم المريد في ممارسات الطريقة وتعاليمها يصبح (فقيرا) بالمعنى الصوفي للكلمة، والفقير هنا هو الذي اختاره الله لحبه وجنابه، ولكنه إذا ازداد قربا من الله ووصل إلى حد المكاشفات التي لا يعرفها كل الناس، فإنه يصبح (سالكا). وقد فسروا ذلك بأنه هو الماشي في طريق الله، أي الذي وجد الطريق الحق وأخذ يسير فيه، فهو مهتد لأنه قد هدي إلى الصراط المستقيم، أما الأكثر قربا إلى الله في هذا السلم فهو (المجذوب). والمجذوب هو الذي يرى الرؤى غير الطبيعية، حين يفقد الإنسان التوازن بين الروح والمادة وتشعر النفس بالانجذاب إلى الله أكثر من انجذابها إلى متاع الدنيا، وهي حالة يترجمها البعض بالجنون، فالمجذوب الصوفي هنا هو المجنون أو الدرويش عند العامة، إنه شخص من الناس جسميا ولكنه ليس منهم روحيا.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن هناك علاقة بين ما يمكن أن يترقى إليه
стр. 1432
الإنسان في عالم التصوف هذا وبين التأثيرات الأخرى من المذاهب والعقائد، إذ إن الدرجة التي تأتي بعد الجذب هي أن يصير عندهم (محمديا). أي أن روح محمد ﷺ قد حلت فيه وأصبح خارج الحياة المادية، ومن ثمة أصبح لا ضرورة عنده لممارسة الواجبات الدينية لأنه مغفور له مثل المحمدين الآخرين، إذ لا يستطيعون فعل أكثر مما فعلوا، وأما الحالة الأخيرة فهي حالة (التوحيدي) أو حالة (المعرفي). أي الذي أصبح يتنعم بروح الله مندمجا فيها، وهي الحالة التي أشار إليها ابن خلدون بقوله: (مقام التوحيد والعرفان) أو (التوحيد والمعرفة) (١). وفي هذه الحالة يفقد الإنسان فرديته ويقع الحلول والاندماج، وهو ما يطلق عليه (النيرفانة) الهندية (٢).
وكثير من الطرق الصوفية تقبل في صفوفها النساء والرجال، وهذه الطرق الرحمانية والقادرية والتجانية وغيرها، تقبل النساء كأخوات (خونيات). وحتى مقدمات، وفيهن من تميزن بذكاء حاد وقدرة على التنظيم والزعامة ونشر الطريقة، والشيخ هو الذي يعطيهن الورد أمام العموم، كما سبق، وهن يحضرن الاجتماعات مع الرجال، لكن متجنبات، وقد لعبت بعض النسوة أدوارا هامة سياسية أو غيرها داخل الطريقة الصوفية، ويسري عليهن ما يسري على الرجال في وجوب الطاعة الكاملة وممارسة الطقوس، وحفظ أسرار الطريقة والتضامن، وهذا التضامن يظهر في الصلاة الجامعة، والطاعة، والتشارك في المصالح العامة حتى تصبح أخوتهم كأخوة الدم، وما يقدمونه ليس للشيخ وحده ولكن للجميع.
ورأى البعض أن دخول النساء للطرق الصوفية يعتبر من علامات الحرية والديموقراطية عند المجتمع الصوفي، فهو مجتمع (أخوي) يعمل بالمساواة بين مخلتف أفراده رجالا ونساء.
وقد فصل البعض أصناف المريدين إلى ثلاثة، وهي: المريد خيار
стр. 1433
الخلوة، والمريد الخيار، ومريد العامة، كما فصلوا أنواع الممارسات على النحو التالي: العزلة عن الناس، والاختلاء، والسهر في العبادة، والصيام، وحضور الحضرة والزردة وغيرهما من التجمعات، ثم أداء الزيارة (الصدقات والعطايا) وتقديم الهدية للشيخ أو خليفة زاويته أو مقدمه وممارسة الذكر على النحو المخصوص عليه في كل طريقة (١).
(والزيارة) ظاهرة أخرى مشتركة بين مختلف الطرق، وأيضا لدى المرابطين، وهي تعني التوجه إلى شخص مقدس أو مكان معظم دينيا، وقد تكون الزيارة لأضرحة، وهي عادة مرفوقة بالعطاءات، من دراهم وغيرها، وقد ارتبطت الزيارة بالدراهم حتى أصبحت هذه لا تذكر صراحة، والزيارة (الترحم) بالنسبة للطرق تصبح واجبا على الإخوان، إنها في الواقع نوع من الضريبة تدفع للمقدم علامة على الإخلاص والطاعة، كما يدفع المواطن الضريبة للدولة علامة لخضوعه لقوانينها وأداء لواجباته المدنية والسياسية، فالزيارة عند الطرق واجبة ومحددة، والمقدم يرسل الشاوش إلى من تخلف في الدفع، والإخوان يدفعون ما عليهم عن طيب خاطر، وأما الزيارات للمرابطين فقد تتخلف أحيانا ولكن المرابط القوي يعرف كيف يطلبها ويحصل عليها، وهي تدفع له من أجل سمعته وأعماله التي يقوم بها، وهي واجبات تطوعية، خلافا لإخوان الطرق الصوفية (٢). وقد أصبحت هذه (الزيارات) هي المفتاح الذي تتحكم فيه السلطات الفرنسية في الطرق الصوفية وفي المرابطين معا، فمن شاءت وفرت له الزيارات وسمحت له بها فاستغنى وتنفذ وسكت، ومن شاءت منعتها عنه فافتقر وغلب على أمره ولجأ إلى حيل أخرى أو اختفى.
стр. 1434
ومن بين الواجبات على الإخوان أيضا دفع الهدية لخزينة الطريقة، والهدية على هذا النحو تفرض على الإخوان الذين أخلوا بواجباتهم التي ينص عليها النظام الداخلي أو لم يمارسوا الشعائر المطلوبة منهم، فهي في الواقع نوع من الغرامة أو العقوبة، وهناك هدايا يدفعها حتى بعض الرؤساء الزمنيين (الحكام) إتقاء للعنة الشيخ أو المقدم، تلك اللعنة التي قد تحصل بالاغتيال أو حرق الممتلكات أو التسمم أو نحو ذلك من الجوائح، ويقول السيد (رين) إن الرؤساء الذين يدفعون الهدايا هم الذين لم ينضموا للثورة التي دعت إليها الطريقة، فإذا صح هذا، فإن الشواهد عليه كثيرة في تاريخ الثورات وحتى في زمن السلم، وسنعرف أن بعض الرؤساء الزمنيين دفعوا سنة ١٩٠١ هدايا ثمينة إلى شيخ الطريقة الرحمانية بخيران (قرب خنشلة) بمناسبة زواج ابنه، كما أن ثورة ١٩٥٤ - ١٩٦٢ قد شهدت ربما تصرفات عديدة على ذلك النحو.
وإلى جانب الزيارات والهدايا تتلقى بعض الطرق ما يسمى بالغفارة، والغفارة واجب على الإخوان نحو الطريقة يدفعونه في شكل خدمات دينية، كما هو الحال في الطريقة الشيخية (أولاد سيدي الشيخ). والغفارة هي مجموعة الحيوانات والبضائع والأموال التي تحددها الطريقة وتفرضها على كل قبيلة أو جماعة، وقد عرف الشيخ مبارك الميلي الغفارة بأنها ضرب من النذر، بل اعتبرها من أقبح النذر، وذكر أنها منتشرة في غرب الجزائر ووسطها أكثر من شرقها، والغفارة عنده (وظيفة مالية (لزمة؟) يلتزم بهاء امرؤ بأدائها كل سنة لمن اعتقد فيه جلب منفعة أو دفع مضرة، وينسحب هذا الالتزام على ورثة الملتزم لورثة الملتزم له، وبطول المدة وانتشار النسل تصبح الغفارة ضريبة لقبيلة موصوفة بميزة دينية على أخرى منعوتة بالخدمة والطاعة لتلك، فيقولون هذه القبيلة يغفرها (بالتضعيف) أولاد سيدي فلان) (١). أي يأخذون منها الغفارة، وهذا التعريف ينطبق على أولاد سيدي
стр. 1435
الشيخ أكثر من غيرهم نظرا لمكانتهم في الشرف والقبيلة ثم لقيامهم بأدوار سياسية تارة ضد الفرنسيين وأخرى معهم، وقد ألزموا عددا من القبائل المحتمية بهم (الموالي) بدفع الغفارات المتنوعة، وكان الميلي يعرف ذلك من خلال إقامته الطويلة في الأغواط.
وهناك اجتماعات دورية للطريقة، فكل شيخ يجمع إليه المقدمين مرة أو مرتين في السنة، وقد عرفنا أن المقدم مكلف بإعطاء ورد الطريقة بواسطة الإجازة والسلسلة التي حصل عليها من شيخه، والمقدمون مكلفون بجمع الزيارات التي يعطيها الإخوان للطريقة، ثم يسلمونها إلى الشيخ أو خليفته، ويكون الاجتماع مع الشيخ فرصة لمناقشة الأمور العامة والخاصة التي تهم الطريقة وأتباعها وزاويتها، والمقدمون من هذه الناحية كأنهم سفراء شيخهم أو طريقتهم، فهم يقدمون التقارير ويبدون الآراء ويقترحون الحلول، حسب الوضع في البلاد وموقف السلطات، وموقف الطرق الأخرى، وأخبار الداخل والخارج، ولذلك فإن المقدم إذا لم يستطع الحضور بنفسه، عليه أن يكلف غيره بالحضور بدله، بشرط أن يكون هذا الشخص محل ثقة وبموافقة الشيخ على ذلك، ولهذا الاجتماع الكبير اسم معروف وهو (الحضرة). وأثناء الحضرة تدرس أيضا أحوال الميزانية، وتسمية المقدمين الجدد، وتكتب الرسائل إلى الإخوان والأعيان، وحتى إلى السلطات، إذا لزم الأمر.
وحين يرجع المقدم إلى مقر نشاطه يجمع بدوره إخوان الطريقة ليطلعهم على ما حصل في اجتماع الحضرة، ويسمى هذا الاجتماع (زردة). والبعض يطلق عليه (جلالة). والمشهور أن الزردة عبارة عن موائد تصف، ويحضرها العامة من إخوان الطريقة، وأن الزردة فرصة لممارسة أنشطة صوفية من رقص وضرب دفوف وإنشاد وضجيج، وهذا هو الوجه الظاهري لها، أما الوجه الآخر فهو أن المقدم يطلع الإخوان على ما جرى بالحضرة، ويقرأ عليهم رسائل الشيخ ويثير حماسهم إلى الطريقة والانتماء إليها، ثم يقوم باستعراضهم الواحد تلو الآخر عندما يأتون لتقبيل رأسه، وهو جالس، ويسلمون إليه ما جاؤوا به من دراهم الزيارة فيضعونها في طبق يكون عادة
стр. 1436
موضوعا أمام المقدم، كما يقع في هذا الاجتماع قبول الداخلين الجدد في الطريقة، كل ذلك يتم حسب طقوس خاصة، ثم يحثهم المقدم على التمسك بالإسلام والطاعة للشيخ والطريقة والصوم والعبادة، وقبل التفرق تقرأ الفاتحة جماعيا (١). بذلك يتضح أن الزردة عبارة عن مؤتمر خاص بأهل الطريقة، وعبارة (الوعدة) من مصطلحاتهم أيضا، وهي من الوعد بفعل شيء إذا حدث كذا، فهي كالنذر، ولكن في مصطلحات بعض الطرق، الوعدة عبارة عن زيارة لضريح الشيخ، والتضحية عنده بشاة أو بقرة أو عجل أو حتى دجاجة، والوعدة أيضا طريقة تقليدية لزيارة العائلة أو القبيلة تقوم بها شهريا أو سنويا في أمكنة ذات تقديس واحترام، وليست بالضرورة هي ضريح الشيخ، بل قد تكون منزلا معينا أو شجرة أو حتى مغارة، وأحيانا تأخذ الضحية صفة معينة كالماعز الأحمر، وتسمى (نشرة) بضم النون.
بعض الشيوخ كان يسمي خليفته قبل وفاته، وبعضهم يترك اختيار الخليفة للمقدمين يختارون من بينهم أفضلهم، تقليدا لفعل الرسول ﷺ . وفي بعض الطرق التي يرجع مؤسسوها إلى أصل شريف، يسمى الشيخ خليفته أو وريثه بنفسه، وهو عادة من العائلة نفسها، ويعتبر الخليفة عند التجانية وريثا للطريقة، أما عند القادرية فالخليفة هو المبعوث من بغداد أو الحامل للسلسلة من هناك أو الوصية أو الشجرة، وكذلك فعلت الطريقة الطيبية، ولكن الغالب عندهم هو اجتماع الشيخ في مناسبة محددة بعد الصلوات والخلوة، بكبار المقدمين وموضع سره منهم، للتشاور في الخليفة، فإذا اختار هو ذلك فإنهم غالبا ما يوافقون بالإجماع، كما فعل محمد بن عبد الرحمن الأزهري مع محمد بن عيسى المغربي، وإذا تم الاتفاق تحرر الوثيقة وتبقى محفوظة إلى وفاة الشيخ، عندئذ تعلن باعتبارها وصية مقبولة منه، وتسمى في المصطلح (إجازة).
وسنرى أن هذا التقليد قد اختل أحيانا، فافترقت الطريقة الواحدة إلى
стр. 1437
عدة طرق فرعية نتيجة عدم الاتفاق على خليفة واحد، وقد حدث ذلك للرحمانية بعد نفي الشيخ الحاج عمر والقضاء على الزاوية الأم في آيت إسماعيل ١٨٥٧، ثم بعد ثورة ١٨٧١ وموت الشيخ الحداد، أما الشيوخ الذين يختارون خلفاءهم أثناء حياتهم فهم بذلك يقلدون أبا بكر الصديق (ض) إذ أوصى بعده بالخلافة إلى عمر بن الخطاب (ض). وجرت العادة أن يكون اختيار الخليفة موفقا، فهم يختارون الأعلم والأكبر سنا والأتقى والأقدر على جذب الناس للطريقة وحفظ الأخوان، وهم يراعون في ذلك مصلحة الطريقة قبل كل شيء، فالمنصب تكليف لا تشريف، وقد حكى أحد الفرنسيين أن القليل فقط من السفارات الأوروبية تملك محررين مهرة في فن الدبلوماسية يضاهون محررات ومراسلات شيوخ الطرق الصوفية، فهم من أرقى الناس ذوقا في فن القول واختيار الألفاظ المناسبة والمعاني الدقيقة والعبارات البروتوكولية المهذبة (١).
ولكل طريقة ذكر يردده أتباعها بطقوس خاصة، وهم يستندون في ذلك إلى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ..﴾، والإخوان يذكرون الله فرادى أو جماعات، والعدد يختلف من مرة إلى ألف، وهم يكثرون من ذكر اسم (الله) وحده أو عبارة الشهادة (لا إله إلا الله). أو عبارة الاستغفار (أستغفر الله). أو قراءة آيات من القرآن، أو سورة الإخلاص، ولكن كلما كان اللفظ أو الذكر قصيرا كثر ترديده، ولكل طريقة عبارة تركز عليها في ذكرها، وهي التي تحدد عدد المرات، وأوقات الذكر، وعبارات الأدعية، ثم أن لكل طريقة لباسا مخصوصا، وعمامة وحزاما وهيئة وأعلاما وألوانا، ونحو ذلك من المظاهر التي سنشير إلى بعضها.
وقد حاول بعضهم أن يعطي ميزة لكل طريقة بين الأخريات، فوجد أنها فعلا تتميز عن بعضها في التفاصيل أثناء الممارسات الصوفية، فالقادرية تتميز بالإحسان والصدقة، والرحمانية بالعزلة والانفرادية (الخلوة). والعيساوية
стр. 1438
بالغموض والتصرف الخشن بما يوحي بعدم أهمية الإحساس البدني عندها، والدرقاوية بتفضيل الفقر والابتعاد عن طلاب السلطة، والطيبية تلح على احترام آل البيت والإخلاص إليهم، والتجانية عرفت بالتسامح والاعتدال، والسنوسية بإعطاء الأولوية للسلطة الدينية والدعوة للجامعة الإسلامية، أما الطريقة البكداشية، وهي لا توجد في الجزائر الآن، وكان لها تأثير ما في العهد العثماني، فقد لاحظ هذا الباحث أنها تتميز بإذلال النفس وإخضاعها وحرمانها من الشهوات (١). ولا شك أن هذه الأحكام قد تصدق بالنظر إلى مواقف كل طريقة إزاء السلطة الفرنسية خلال القرن الماضي أو إلى ١٨٨٤ حين كان هذا الكاتب (رين) يؤلف عمله ويدرس تفاعلات الطرق الصوفية مع السياسة الفرنسية، أما مواقفها إزاء الدين والعامة وإزاء بعضها البعض فسنراها عند الحديث عن كل منها.
وإذا كانت هناك درجات في سلم الانتماء إلى الطريقة، مثل الشاوش، والفقير، والصاحب، والخادم، والأخ، ومثل أصحاب الطريقة، وأصحاب الفتوى، وأهل الطريقة، الخ، فإن هناك أيضا درجات في سلم المشيخة، وهي عادة درجات تذكر في السلسلة أو السند، وتبدأ بالغوث وتنتهي بالولي، وهي درجات تصنف كالتالي: الغوث، والقطب (وقطب الأقطاب). والوتد (جمع أوتاد). والأخيار، والأبدال، والنجيب، والنقيب، والولي، وتمتلئ كتب الصوفية، وسلسلاتهم وإجازاتهم بذكر شيوخهم وأساتذتهم الذين يلقبونهم بمثل هذه الألقاب التي لها، كما لاحظ البعض، أصول في الفلسفة، ولكن الجاهلين اليوم لا يربطون بينها وبين أصولها ويأخذها رجال منعزلون، معتمدون فقط على حفظ السلسلة ولا يضيفون جديدا من عندهم، بل يرفضون كل تجديد، معتبرين ذلك بدعة وزندقة (٢).
ولكل طريقة زاوية، والزاوية بالمعنى الصوفي هي خلوة للعبادة، وقد
стр. 1439
كانت أساسا رباطا للجهاد، كما سبق، وقد كثر استعمال كلمة الزاوية (وهي الخانقاه في المشرق) حتى أسيء استعمالها أحيانا، وهذا أحد الباحثين يقول إن الزاوية لا تخرج عن ثلاثة أنواع: زاوية مطلقة أو منسوبة لمكان ما، بنيت للعلم وأفعال البر والإحسان، ولا تنسب إلى شخص معين (وهذه أحسن أنواع الزوايا). ثم الزاوية المنسوبة إلى شخص ميت تقدسه العامة وتحيي ذكراه، وهو مدفون بالزاوية وتنسب إليه، وفي هذه الحالة تأتي العامة إلى الزاوية زائرة وطالبة للبركة لا للعلم ولا للإحسان، أما النوع الثالث، وهو موضوعنا، وهو الزاوية المنسوبة إلى إحدى الطرق الصوفية، وهي إما زاوية الطريقة الأم وإما فرع لها ولكن تنسب إليها (١). وسنرى أن بعض الزوايا كانت منطلقا لإعلان الجهاد، وبذلك كانت تقوم بدور الرباط المعهود.
ويفرق بعض الباحثين بين الزوايا القديمة أو زوايا المرابطين، وزوايا الطرق الصوفية، فالنوع الأول مؤسس، في نظره، للطلبة ونشر العلم، أو هو لاستقبال الغرباء والبؤساء والمحرومين الذين يبحثون عن ملجإ، أو هو مكان للزوار الذين يأتون لتقديم الصدقات، والمسافرين المقطوعين، والمشردين، وهذا النوع من الزوايا موجود لدى العائلات المرابطة القديمة، ومن ثمة نرى الصلة بينها وبين الجهاد والعلم وخدمة الفقراء والغرباء، أما النوع الثاني فهو زوايا الطرق الصوفية، والتي قيل عنها إنها غير ذات أهمية خارج المناطق الإقليمية والدار الأم، وقد وجد أن بعضها في الواقع ما هي إلا أكواخ يعطي التعليم بالقرب منها في الهواء الطلق، وهي زوايا للاجتماع الدوري لأصحاب الطريقة (٢).
وقد فرق السيد ديفوكس بين زوايا الأرياف وزوايا المدن، فقال إن الأولى مبنية حول قبر لمرابط غير معروف كثيرا، ويوجد القبر في دوار تقطنه إحدى القبائل، وفي الدوار أحفاد المرابط، وقال إن هذا التجمع يطلق عليه
стр. 1440
زاوية، وللزاوية أوقاف كبيرة من أراض وبساتين، تطعم منها الطعام للفقراء والضيوف، وحق الزاوية هو العشر (العشور) من غلة الجيران، وهذا هو نصاب الزكاة، فإذا أرادت القبيلة عدم الدفع فلها ذلك، ومن العادة أن القائم على الزاوية هو حفيد المرابط، ومن احتمى بها فهو آمن ولا يتابع، وتقوم الزاوية بالتعليم، ولا يقوم المرابطون ولا حفداؤهم بالأعمال اليدوية لأنهم متخصصون في التعليم وتربية الأطفال، وهذا النوع من الزوايا منتشر بكثرة في الأرياف، ونلاحظ أن هذه المعلومات لا تتحدث إلا عن زوايا المرابطين وليس عن زوايا الطرق الصوفية، في الفترة التي كتب فيها دوفوكس، وهي منتصف القرن الماضي.
أما في المدن فالزاوية عبارة عن بناية كبيرة لإيواء المشردين والطلبة والعلماء الغرباء، وتتوفر فيها الإضاءة والماء، وقد تصبح الزاوية مدرسة عليا إذا تخصص لها أو ألحق بها مدرس شهير لتدريس العلوم العالية، وتحمل الزاوية اسم مؤسسها أو الحي الموجودة فيه، وأحيانا اسم المرابط التابعة له (١). وفي التعريف المذكور نلاحظ أن هناك خلطا بين الزاوية عموما وزاوية الطريقة الصوفية.
وشبيه بذلك تعريف شيربونو، للزاوية العمومية أيضا، دون زاوية الطرق الصوفية، إذ قال إنها مؤسسة دينية لا نظير لها في الغرب (أوروبا). فهي مقر لعائلة المرابط الذي أسسها، وهي مسجد للصلاة الجامعة، ومدرسة تدرس فيها مختلف العلوم، وهي أيضا ملجأ يهرع إليها الهاربون من العدالة، أو الفارون من العدو، فيجدون فيها الأمن والنجاة (٢).
وهناك من رأى أن الزوايا عبارة عن أماكن للتعليم والضيافة والعبادة، وهذا وارد في كل أنواع الزوايا تقريبا، ولكنه أضاف أن الزوايا عبارة عن مكان يجد فيه المسلمون (الإخوان) الفكرة الدينية المتعصبة، التي من