موضوعا أمام المقدم، كما يقع في هذا الاجتماع قبول الداخلين الجدد في الطريقة، كل ذلك يتم حسب طقوس خاصة، ثم يحثهم المقدم على التمسك بالإسلام والطاعة للشيخ والطريقة والصوم والعبادة، وقبل التفرق تقرأ الفاتحة جماعيا (١). بذلك يتضح أن الزردة عبارة عن مؤتمر خاص بأهل الطريقة، وعبارة (الوعدة) من مصطلحاتهم أيضا، وهي من الوعد بفعل شيء إذا حدث كذا، فهي كالنذر، ولكن في مصطلحات بعض الطرق، الوعدة عبارة عن زيارة لضريح الشيخ، والتضحية عنده بشاة أو بقرة أو عجل أو حتى دجاجة، والوعدة أيضا طريقة تقليدية لزيارة العائلة أو القبيلة تقوم بها شهريا أو سنويا في أمكنة ذات تقديس واحترام، وليست بالضرورة هي ضريح الشيخ، بل قد تكون منزلا معينا أو شجرة أو حتى مغارة، وأحيانا تأخذ الضحية صفة معينة كالماعز الأحمر، وتسمى (نشرة) بضم النون.
بعض الشيوخ كان يسمي خليفته قبل وفاته، وبعضهم يترك اختيار الخليفة للمقدمين يختارون من بينهم أفضلهم، تقليدا لفعل الرسول ﷺ . وفي بعض الطرق التي يرجع مؤسسوها إلى أصل شريف، يسمى الشيخ خليفته أو وريثه بنفسه، وهو عادة من العائلة نفسها، ويعتبر الخليفة عند التجانية وريثا للطريقة، أما عند القادرية فالخليفة هو المبعوث من بغداد أو الحامل للسلسلة من هناك أو الوصية أو الشجرة، وكذلك فعلت الطريقة الطيبية، ولكن الغالب عندهم هو اجتماع الشيخ في مناسبة محددة بعد الصلوات والخلوة، بكبار المقدمين وموضع سره منهم، للتشاور في الخليفة، فإذا اختار هو ذلك فإنهم غالبا ما يوافقون بالإجماع، كما فعل محمد بن عبد الرحمن الأزهري مع محمد بن عيسى المغربي، وإذا تم الاتفاق تحرر الوثيقة وتبقى محفوظة إلى وفاة الشيخ، عندئذ تعلن باعتبارها وصية مقبولة منه، وتسمى في المصطلح (إجازة).
وسنرى أن هذا التقليد قد اختل أحيانا، فافترقت الطريقة الواحدة إلى
стр. 1437
عدة طرق فرعية نتيجة عدم الاتفاق على خليفة واحد، وقد حدث ذلك للرحمانية بعد نفي الشيخ الحاج عمر والقضاء على الزاوية الأم في آيت إسماعيل ١٨٥٧، ثم بعد ثورة ١٨٧١ وموت الشيخ الحداد، أما الشيوخ الذين يختارون خلفاءهم أثناء حياتهم فهم بذلك يقلدون أبا بكر الصديق (ض) إذ أوصى بعده بالخلافة إلى عمر بن الخطاب (ض). وجرت العادة أن يكون اختيار الخليفة موفقا، فهم يختارون الأعلم والأكبر سنا والأتقى والأقدر على جذب الناس للطريقة وحفظ الأخوان، وهم يراعون في ذلك مصلحة الطريقة قبل كل شيء، فالمنصب تكليف لا تشريف، وقد حكى أحد الفرنسيين أن القليل فقط من السفارات الأوروبية تملك محررين مهرة في فن الدبلوماسية يضاهون محررات ومراسلات شيوخ الطرق الصوفية، فهم من أرقى الناس ذوقا في فن القول واختيار الألفاظ المناسبة والمعاني الدقيقة والعبارات البروتوكولية المهذبة (١).
ولكل طريقة ذكر يردده أتباعها بطقوس خاصة، وهم يستندون في ذلك إلى الآية الكريمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ..﴾، والإخوان يذكرون الله فرادى أو جماعات، والعدد يختلف من مرة إلى ألف، وهم يكثرون من ذكر اسم (الله) وحده أو عبارة الشهادة (لا إله إلا الله). أو عبارة الاستغفار (أستغفر الله). أو قراءة آيات من القرآن، أو سورة الإخلاص، ولكن كلما كان اللفظ أو الذكر قصيرا كثر ترديده، ولكل طريقة عبارة تركز عليها في ذكرها، وهي التي تحدد عدد المرات، وأوقات الذكر، وعبارات الأدعية، ثم أن لكل طريقة لباسا مخصوصا، وعمامة وحزاما وهيئة وأعلاما وألوانا، ونحو ذلك من المظاهر التي سنشير إلى بعضها.
وقد حاول بعضهم أن يعطي ميزة لكل طريقة بين الأخريات، فوجد أنها فعلا تتميز عن بعضها في التفاصيل أثناء الممارسات الصوفية، فالقادرية تتميز بالإحسان والصدقة، والرحمانية بالعزلة والانفرادية (الخلوة). والعيساوية
стр. 1438
بالغموض والتصرف الخشن بما يوحي بعدم أهمية الإحساس البدني عندها، والدرقاوية بتفضيل الفقر والابتعاد عن طلاب السلطة، والطيبية تلح على احترام آل البيت والإخلاص إليهم، والتجانية عرفت بالتسامح والاعتدال، والسنوسية بإعطاء الأولوية للسلطة الدينية والدعوة للجامعة الإسلامية، أما الطريقة البكداشية، وهي لا توجد في الجزائر الآن، وكان لها تأثير ما في العهد العثماني، فقد لاحظ هذا الباحث أنها تتميز بإذلال النفس وإخضاعها وحرمانها من الشهوات (١). ولا شك أن هذه الأحكام قد تصدق بالنظر إلى مواقف كل طريقة إزاء السلطة الفرنسية خلال القرن الماضي أو إلى ١٨٨٤ حين كان هذا الكاتب (رين) يؤلف عمله ويدرس تفاعلات الطرق الصوفية مع السياسة الفرنسية، أما مواقفها إزاء الدين والعامة وإزاء بعضها البعض فسنراها عند الحديث عن كل منها.
وإذا كانت هناك درجات في سلم الانتماء إلى الطريقة، مثل الشاوش، والفقير، والصاحب، والخادم، والأخ، ومثل أصحاب الطريقة، وأصحاب الفتوى، وأهل الطريقة، الخ، فإن هناك أيضا درجات في سلم المشيخة، وهي عادة درجات تذكر في السلسلة أو السند، وتبدأ بالغوث وتنتهي بالولي، وهي درجات تصنف كالتالي: الغوث، والقطب (وقطب الأقطاب). والوتد (جمع أوتاد). والأخيار، والأبدال، والنجيب، والنقيب، والولي، وتمتلئ كتب الصوفية، وسلسلاتهم وإجازاتهم بذكر شيوخهم وأساتذتهم الذين يلقبونهم بمثل هذه الألقاب التي لها، كما لاحظ البعض، أصول في الفلسفة، ولكن الجاهلين اليوم لا يربطون بينها وبين أصولها ويأخذها رجال منعزلون، معتمدون فقط على حفظ السلسلة ولا يضيفون جديدا من عندهم، بل يرفضون كل تجديد، معتبرين ذلك بدعة وزندقة (٢).
ولكل طريقة زاوية، والزاوية بالمعنى الصوفي هي خلوة للعبادة، وقد
стр. 1439
كانت أساسا رباطا للجهاد، كما سبق، وقد كثر استعمال كلمة الزاوية (وهي الخانقاه في المشرق) حتى أسيء استعمالها أحيانا، وهذا أحد الباحثين يقول إن الزاوية لا تخرج عن ثلاثة أنواع: زاوية مطلقة أو منسوبة لمكان ما، بنيت للعلم وأفعال البر والإحسان، ولا تنسب إلى شخص معين (وهذه أحسن أنواع الزوايا). ثم الزاوية المنسوبة إلى شخص ميت تقدسه العامة وتحيي ذكراه، وهو مدفون بالزاوية وتنسب إليه، وفي هذه الحالة تأتي العامة إلى الزاوية زائرة وطالبة للبركة لا للعلم ولا للإحسان، أما النوع الثالث، وهو موضوعنا، وهو الزاوية المنسوبة إلى إحدى الطرق الصوفية، وهي إما زاوية الطريقة الأم وإما فرع لها ولكن تنسب إليها (١). وسنرى أن بعض الزوايا كانت منطلقا لإعلان الجهاد، وبذلك كانت تقوم بدور الرباط المعهود.
ويفرق بعض الباحثين بين الزوايا القديمة أو زوايا المرابطين، وزوايا الطرق الصوفية، فالنوع الأول مؤسس، في نظره، للطلبة ونشر العلم، أو هو لاستقبال الغرباء والبؤساء والمحرومين الذين يبحثون عن ملجإ، أو هو مكان للزوار الذين يأتون لتقديم الصدقات، والمسافرين المقطوعين، والمشردين، وهذا النوع من الزوايا موجود لدى العائلات المرابطة القديمة، ومن ثمة نرى الصلة بينها وبين الجهاد والعلم وخدمة الفقراء والغرباء، أما النوع الثاني فهو زوايا الطرق الصوفية، والتي قيل عنها إنها غير ذات أهمية خارج المناطق الإقليمية والدار الأم، وقد وجد أن بعضها في الواقع ما هي إلا أكواخ يعطي التعليم بالقرب منها في الهواء الطلق، وهي زوايا للاجتماع الدوري لأصحاب الطريقة (٢).
وقد فرق السيد ديفوكس بين زوايا الأرياف وزوايا المدن، فقال إن الأولى مبنية حول قبر لمرابط غير معروف كثيرا، ويوجد القبر في دوار تقطنه إحدى القبائل، وفي الدوار أحفاد المرابط، وقال إن هذا التجمع يطلق عليه
стр. 1440
زاوية، وللزاوية أوقاف كبيرة من أراض وبساتين، تطعم منها الطعام للفقراء والضيوف، وحق الزاوية هو العشر (العشور) من غلة الجيران، وهذا هو نصاب الزكاة، فإذا أرادت القبيلة عدم الدفع فلها ذلك، ومن العادة أن القائم على الزاوية هو حفيد المرابط، ومن احتمى بها فهو آمن ولا يتابع، وتقوم الزاوية بالتعليم، ولا يقوم المرابطون ولا حفداؤهم بالأعمال اليدوية لأنهم متخصصون في التعليم وتربية الأطفال، وهذا النوع من الزوايا منتشر بكثرة في الأرياف، ونلاحظ أن هذه المعلومات لا تتحدث إلا عن زوايا المرابطين وليس عن زوايا الطرق الصوفية، في الفترة التي كتب فيها دوفوكس، وهي منتصف القرن الماضي.
أما في المدن فالزاوية عبارة عن بناية كبيرة لإيواء المشردين والطلبة والعلماء الغرباء، وتتوفر فيها الإضاءة والماء، وقد تصبح الزاوية مدرسة عليا إذا تخصص لها أو ألحق بها مدرس شهير لتدريس العلوم العالية، وتحمل الزاوية اسم مؤسسها أو الحي الموجودة فيه، وأحيانا اسم المرابط التابعة له (١). وفي التعريف المذكور نلاحظ أن هناك خلطا بين الزاوية عموما وزاوية الطريقة الصوفية.
وشبيه بذلك تعريف شيربونو، للزاوية العمومية أيضا، دون زاوية الطرق الصوفية، إذ قال إنها مؤسسة دينية لا نظير لها في الغرب (أوروبا). فهي مقر لعائلة المرابط الذي أسسها، وهي مسجد للصلاة الجامعة، ومدرسة تدرس فيها مختلف العلوم، وهي أيضا ملجأ يهرع إليها الهاربون من العدالة، أو الفارون من العدو، فيجدون فيها الأمن والنجاة (٢).
وهناك من رأى أن الزوايا عبارة عن أماكن للتعليم والضيافة والعبادة، وهذا وارد في كل أنواع الزوايا تقريبا، ولكنه أضاف أن الزوايا عبارة عن مكان يجد فيه المسلمون (الإخوان) الفكرة الدينية المتعصبة، التي من
стр. 1441
خصائصها الجهاد الدائم ضد الكفار (الفرنسيين). يضاف إليها فكرة المهزوم الحاقد (الجزائري) على الهازم والسيد (الفرنسي). وفي نظره أن الزوايا لن تتوقف عن النفخ في روح الجهاد أبد (١).
ورغم هذا الاختلاط في تعريف الزوايا، فإن الطرق الصوفية وحدها اشتهرت بزواياها التي قد ينطبق عليها التعريف السابق تماما، وقد لا ينطبق، ذلك أن بعضها لم يؤسس للتعليم أصلا كما كان الحال في السابق، ولم يكن لها من المال والوقف ما تطعم به الفقراء والغرباء، ومع ذلك ظلت زوايا قائمة في المصطلحات، وكأنها أصبحت مرادفة لاسم الشيخ أو المقدم، كما أن السلطات الفرنسية قد قلصت من دور الطرق الصوفية بمراقبة زوارها وعدم إعطاء الرخص لهم للزيارة، مما شل حركة الزوايا الاجتماعية والتعليمية، كما سنرى.
عدد الطرق الصوفية الفاعلة في الجزائر بلغ أكثر من ستة وعشرين (٢٦). منها فقط حوالي أربعة أنشئت في العهد الاستعماري، كالسنوسية والعليوية، والباقي كان موجودا منذ العهد العثماني، ومن هذا العدد ما هو مؤسس في الجزائر كالرحمانية والتجانية، وما هو مؤسس في المغرب كالطيبية والعيسوية والدرقاوية، وما هو مؤسس في المشرق كالقادرية، كما أن الشاذلية بدأت في تونس ولكن تأسست في المشرق، أما الشابية فقد عرفت في تونس، وهناك المدنية التي نشأت في طرابلس، وانتماء أهل الجزائر إلى الطرق الصوفية ليس وليد العهد الفرنسي، كما قد يفهم، فقد لاحظنا في الجزء الأول من هذا الكتاب اهتمام الناس بهذه الطرق ودخولهم فيها، لأسباب ذكرناها، وكان يدخلها العامي والتاجر والمثقف والحاكم، كل لغرض في نفسه، وقد عزا بعضهم المقاومة الشديدة التي وجدها الجيش الفرنسي إلى انتماء الناس إلى هذه الطرق الصوفية التي كانت تحمس للجهاد
стр. 1442
وتدعو للمقاومة، حتى قال هذا الباحث: إن كل سكان الجزائر (ويقصد أهل المدينة - العاصمة، ولكن التاريخ الذي سيذكره يجعل كلامه شاملا). كانوا ينتمون إلى الطرق الصوفية، وهم بذلك يشكلون جيشا صلبا متدربا بمهارة، مستعدا دائما، للدفاع عن البلاد ضد الأوروبيين، وهذا ما يفسر، في نظره، صعوبة تغلب الجيش الفرنسي عليهم، إذ بقي مدة ثلاثين سنة (١٨٢٧ - ١٨٥٧) في حرب متواصلة معهم، قبل إيقاع الهزيمة بهم (١).
وهناك كتب عديدة تناولت إحصاءات الطرق الصوفية وأتباعها وزواياها ومقدميها وشيوخها، ومن هؤلاء السيد لويس رين، الخبير في الشؤون الجزائرية مدة طويلة والمؤلف لعدة أعمال حول الجزائر، وقد عمل سنوات مستشارا للحكومة العامة، فقد ذكر فى كتابه (مرابطون وإخوان) المنشور سنة ١٨٨٤ أنه بينما كان عدد الجزائريين (الأهالي) هو ٢، ٨٤٦، ٧٥٧، فإن عدد الزوايا فيهم قد بلغ ٣٥٥ زاوية منتشرة عبر القطر كله، كما هناك ١، ٩٥٥ مقدما، و ١٦٧، ٠١٩ من الإخوان أو التابعين المعروفين للفرنسيين، وهم منظمون ومنضبطون تحت إشراف الطرق الصوفية، أما الشيوخ فقد وصل عددهم إلى عشرين شيخا من الكبار، وكلهم تقريبا، حسب رأيه، من الغرباء (أي ليسوا جزائريين؟) الذين يتلقون الإيعازات والتعليمات والإشارات من رؤسائهم البارزين في العالم الإسلامي، سواء في المشرق أو في المغرب الأقصى (٢).
стр. 1443
ظلت كل طريقة متماسكة فيما بينها، لها شيخ أو خليفة يعترف به بقية المقدمين والأتباع، ومن ثمة كانت كل طريقة لها وزنها وخطرها، سيما إذا كانت شهيرة الشيخ، قوية السمعة، كثيرة المال والأتباع، وهي بهذا الحجم والصفة كانت تخيف كل حاكم، عثمانيا أو فرنسيا، وقد عرفنا أن بعض الطرق كانت تخيف الحكام العثمانيين، وأشرنا إلى الثورة الدرقاوية بقيادة ابن الأحرش وابن الشريف، وثورة التجانية وهجومها على مدينة معسكر وتمردها نواحي عين ماضي وشلالة وبوسمغون، وكان هؤلاء الحكام قد خشوا نفس المغبة من الطريقة القادرية (رغم أنها في الشرق كانت حليفة للعثمانيين عموما) فاعتقلوا شيخها محيي الدين وابنه عبد القادر (الأمير) أثناء توجههما إلى الحج، وهذه الطرق هي التي واجهت الاحتلال الفرنسي، وكان عليها أن تتولى هي الجهاد دفاعا عن الإسلام والأرض والعرض بعد استسلام السلطة المركزية وهزيمة الجيش الرسمي، فكان الحاج سيدي السعدي في متيجة، والحاج محيي الدين ثم ابنه في نواحي وهران ومعسكر، ثم ظهرت أسماء أخرى مثل موسى بن حسن الدرقاوي، ومحمد بن عبد الله (بو معزة) وهو من الطيبية، وكل هؤلاء شيوخ ومقدمون ومبعوثون للطرق الصوفية.
وقد بقي الفرنسيون مدة تزيد على خمس عشرة سنة وهم لا يدركون أهمية دور هذه الطرق ولا أسرارها وألغازها إلى أن ألف لهم الضابط دي
стр. 1444
نوفو، الكتاب الذي ذكرناه، ولعله استقى معلوماته من زوجته الجزائرية ومن دوره في المكاتب العربية، ومن (أصدقائه) الجزائريين الساذجين، وكان على الفرنسيين أن يتصدوا لهذه الطرق التي اعتبروها عدوهم الذي لا يقهر، فجندوا لها الجيش ولكن بأسلحة أخرى لتشتيت الصفوف وتمزيق الوحدة داخل الطريقة الصوفية الواحدة، والكشف عن أسرارها بجلب ضعاف النفوس إليهم من بعض الطرق، واستعمال العصا والجزرة معا، وشراء الذمم، وتحالف بعض الطرق معهم، وتزويج بعض رجالها من فرنسيات، ونحن نذكر هذه العموميات هنا لأننا سنرى ذلك مفصلا عند الحديث عن كل طريقة وكيف تعاملت هي أو تعامل معها الفرنسيون للوصول إلى ذلك الهدف، وهو القضاء على الثورات من جهة والتحكم في سير وتطوير المجتمع الجزائري من جهة أخرى.
ومن الإجراءات الأولى التي اتبعها الفرنسيون هو اللجوء إلى ضعضعة وحدة الطريقة الخطيرة في نظرهم، بجعلها تتفرع إلى فروع، وعدم تبعية فروعها إلى شيخ واحد (قائد واحد، إذا شئت) يصدر التعليمات في الحرب والسلم، وكان ذلك بالخصوص هو مصير الرحمانية بعد ١٨٥٧ و ١٨٧١، كما ذكرنا، وكذلك هو مصير القادرية والدرقاوية، سيما وأن الأولى ترجع بسلساتها الذهبية إلى بغداد والثانية إلى فاس.
ولم يأت آخر القرن (سنة ١٨٩٧) حتى أعلن المختصون الفرنسيون أن الرحمانية قد تمزقت إلى ٢٥ فرعا، لا يعترف أحدها بالآخر، أي كل فرع كان له شيخ مستقل، رغم الأصل الواحد (وهو زاوية آيت إسماعيل التي خربها الفرنسيون سنة ١٨٥٧) والمبادئ الواحدة، ومن هذه الفروع:
١ - فرع الهامل (بوسعادة) وشيخه محمد بن أبي القاسم.
٢ - فرع طولقة، وشيخه علي بن عثمان.
٣ - فرع وادي العثمانية، وشيخه ابن الحملاوي.
٤ - فرع أقبو، وشيخه محمد بن أبي القاسم البوجليلي،
стр. 1445
٥ - فرع نفطة (تونس). وشيخه مصطفى بن عزوز البرجي.
٦ - فرع وادي سوف، وشيخه سالم بن محمد الأعرج السالمي.
٧ - فرع قسنطينة، وشيخه محمد السعيد باش تارزي (وهو الذي يفترض فيه الإشراف على جميع هذه الفروع للإجازة، التي كان يحملها). إضافة إلى فروع أخرى كانت في خنقة سيدي ناجي، وخيران، وأتباع ابن طلحة في السمندو، وأتباع عمارة بوديار بالناظور (١).
وتفرعت أيضا الطرق الدرقاوية والقادرية والتجانية والشاذلية وغيرهاإلى فروع ضعيفة لا تعترف ببعضها، بل تتنافس مع بعضها بفعل اكتشاف السلطات الفرنسية لنواحي الضعف فيها: فالدرقاوية تفرعت إلى ثمانية فروع أو أكثر، والقادرية إلى ستة فروع على الأقل، وكان للتجانية فرعان في الجزائر وثالث في المغرب، وفرعا الجزائر غير مستقلين تماما عن بعضهما بحكم بقاء المشيخة في فرع واحد فقط دواليك بين عين ماضي وتماسين، ولكن الفرنسيين لاحظوا أن كل رئيس لفرع كان يجمع الأموال لنفسه من الأتباع ولا يبعث بها إلى الفرع الآخر (٢).
وفي تلك الأثناء (١٨٩٧) كانت زاوية قمار أو فرعها، قد أخذت مبادرات تدل على استقلالها أيضا بقيادة الشيخ محمد العروسي، وكان فرع عين ماضي عندئذ يحاول استعادة مكانته واسترجاع منصب (الشيخ) الذي فقده منذ وفاة محمد الصغير التجاني سنة ١٨٥٣، وكانت وفاة أحمد التجاني بقمار سنة ١٨٩٧، قد جاءت أثناء محاولته استعادة اللقب المذكور لنفسه، ولكن السلطات الفرنسية كانت تبذل جهدها لتبقى خلافات الفرعين (تماسين وعين ماضي) مخفية لحاجة الفرنسيين إلى نفوذ الطريقة في الصحراء وفي إفريقية، كما سنرى.
كذلك كان للطريقة الشاذلية فروع عديدة في وسط وغرب الجزائر.
стр. 1446
سيما بعد وفاة الشيخ محمد الموسوم (١٨٨٣). فقد كان فرع قصر البخاري وفرع غريب وفرع أندات وفرع عنابة الذي كان يشرف عليه بلقاسم بوقشبية، تتنافس فيما بينها ولا تعترف بشيخ واحد لها.
الطرق الصوفية والمقاومة الشعبية
كان طبيعيا أن يتنادى الجزائريون من أجل المقاومة لمواجهة الاحتلال الفرنسي، وقد عقدوا لذلك عدة مؤتمرات تدل على التجاوب الوطني وروح المسؤولية الدينية والسياسية، من ذلك اجتماع البرج البحري ١٨٣١، واجتماع متيجة ١٨٣٢، وبوخرشفة ١٨٣٣ و ١٨٣٩، هكذا استمرت الاجتماعات التي كانت عبارة عن مؤتمرات شعبية - وطنية لدراسة مستقبل البلاد والإجراءات اللازمة لمواجهة الخطر الأجنبي، ثم هناك الاجتماعات الإقليمية كالذي عقده الحاج أحمد باي قسنطينة إثر رجوعه من العاصمة بعد سقوطها، وقد أعلن مع كبار رجال دولته على العفو العام وإسقاط الضرائب الإضافية وإجراءات أخرى تساعد على الوحدة والتضامن من أجل القضية المشتركة، ولعل أكبر تجمع وطني ديني على مستوى إسلامي هو مبايعة الحاج عبد القادر بن محيي الدين أميرا للمؤمنين في معسكر سنة ١٨٣٢، وهي المبايعة التي رجعت بالأذهان إلى طريقة السلف من الخلفاء الراشدين (١). وعلى أثر المبايعة أصدر الأمير تعليماته بوجوب الطاعة، وتعهد بإجراء العدل على سنة الله ورسوله، واحترام الشريعة والعمل على طرد العدو، ثم أعلن الجهاد في سبيل الله والوطن، والجهاد قد دعا إليه أيضا الداي حسين وغيره ممن كانوا يعملون على تحرير الجزائر من الاحتلال، ولكن مبايعة الأمير قد نظر إليها عندئذ على أنها صادرة من طريقة صوفية هي القادرية، وإذا كان الحاج أحمد قد استعمل الجهاد أيضا مثل الداي حسين.
стр. 1447
فإن ذلك من شأنهما لأنهما من رجال السيف والحكم والحرب، أما أن تصدر الدعوة إلى الجهاد من طريقة صوفية فذلك هو عين التعصب الديني والطموح الشخصي، حسب تعبير المصادر الفرنسية (١).
والواقع أن الفرنسيين أنفسهم حاولوا استغلال الطرق الصوفية لصالحهم منذ البداية، ففي سنة ١٨٣١ وقع اتفاق هو الأول من نوعه بين قائد الجيش الفرنسي الجنرال (بيرتزين) والحاج محيي الدين بن مبارك، مرابط مدينة القليعة، وكان ذلك بنصيحة الناصحين أو المستشارين الذين أشاروا على الجنرال بأن الذي سيهذئ من المقاومة هو إعطاء أحد المرابطين قيادة المناطق المجاورة للعاصمة، فأعطى الجنرال لقب (الآغا) إلى الحاج محيي الدين وكلفه بتهدئة الأوضاع وبمهمة الوساطة بين العرب والفرنسيين، ولكن عهد الجنرال بيرتزين لم يطل وجاء بعده (الدوق دورفيقو) بعقلية الغطرسة والتحكم، وقضى على آمال الواسطة، وعادت المقاومة كأشد ما تكون، وهرب الحاج محيي الدين إلى مليانة حيث سلطة الأمير عبد القادر، وخدم الأمير إلى أن مات حوالي ١٨٣٤، والذي يهمنا هنا هو أن قيادة المرابطين والطرق الصوفية أخذت تلعب دورا رئيسيا في الأحداث بل الدور الأول، وذلك في الوقت الذي تخاذلت فيه السلطة الزمنية على يد الزعماء العثمانيين من أمثال الداي حسين، والباي حسن بن موسى (وهران) ومصطفى بومزراق (التيطري). وعلى يد رجال المخزن أمثال مصطفى بن إسماعيل في غرب البلاد وفرحات بن سعيد في شرقها، وبعد احتلال قسنطينة (١٨٣٧) سيظهر أيضا بشكل أجلى تخاذل السلطة الزمنية في أمثال المقرانيين وأولاد ابن قانة، وقيام الطرق الصوفية، سيما الرحمانية التي تحالفت مع الأمير عبد القادر إلى هزيمته ١٨٤٧، ثم تولت هي (الرحمانية) المقاومة والجهاد بعده، في زواوة
стр. 1448
(٨٥٠ ١ - ١٨٥٧). ثم ١٨٧١.
لكن الفرنسيين يعرفون أن الطرق الصوفية لم تستسلم وإنما انهزمت أمام القوة، وهم يعرفون أن المواطن قد خاب أمله، في آخر القرن الماضي، في دعاة الجهاد الذين لم يحققوا النصر، رغم ادعاء الكرامات وخوارق العادات، فالأجنبي ظل جاثما على صدر الجزائر، والمرابطون والأشراف انهزموا الواحد بعد الآخر، وأخذ المواطن يبحث عن منقذ آخر، فلا داي ولا باي ولا أمير ولا مرابط ولا جواد (١) استطاع أن ينقذ البلاد، إذن فليرتم هذا المواطن في أحضان الصوفية، وليعش في عالم الروح وعالم التخيلات، ومن ثمة نفهم لماذا تعلق المواطنون تعلق الغريق بالطرق الصوفية وشيوخها، واتبعوها مذعنين في ممارساتها ومطالبها، مهما كانت، حتى شاع عنهم التعبير الشهير (ما يأمرني به الشيخ أعمله، ولو أمرني بالإفطار في رمضان لفطرت) متيقنين أن الخلاص سيكون على أيدي الشيوخ المتصوفة، الخلاص الدنيوي من القهر والحرمان والخلاص الروحي بما فيه من جنة ونعيم، ولكن الطرق الصوفية، قد ظهرت على هذا النحو في وقت انسدت فيه أبواب الخلاص، وانقطعت فيه وسائل المقاومة، ووقعت فيه الجزائر فريسة لجيش عرمرم وقوة استيطانية تجذرت وتشابكت مصالحها مع الخارج، وإدارة مباشرة تسمى إدارة المكاتب العربية وقوانين استثنائية جائرة، ومخططات ترمي إلى سلب الجزائري المسلم هويته ودينه عن طريق تغيير الحالة المدنية، ونشر تعليم اندماجي وإفساد مقصود للأخلاق والطبائع، فماذا تفعل الطرق الصوفية؟ لقد تحولت هي أيضا إلى جهاز استغلالي في يد السلطة الفرنسية، بواسطتها تحكم وتتحكم.
لقد استطاع الفرنسيون أن يسيطروا على أعيان السياسيين والمحاربين
стр. 1449
منذ السنوات الأولى، ففرقوا شملهم كما فعلوا مع ابن العنابي وحمدان خوجة (العاصمة) أو أسكتوهم بالوظائف كما فعلوا مع علي بن عيسى وابن الحملاوي (قسنطينة). أو نفوهم إلى خارج البلاد كما فعلوا مع مصطفى بومزراق والأمير، أو قتلوهم في الميدان مثل محمد بن علال وبوزيان الزعاطشي والشريف بوبغلة، أو غيبوهم في السجون أمثال إبراهيم بن مصطفى باشا والشريف بومعزة وشريف ورقلة، والذين قبلوا التوظف من العائلات الكبيرة زرعوا بينهم العداوة والبغضاء حتى لا يتحدوا ضدهم، وراقبوهم عن كثب حتى لا يتصلوا، وعآقبوا المخالف منهم العقاب الصارم حتى يتعظ به الآخرون، فلم يبق للمواطن أمل في زعيم ولا رجاء في خلاص، غير أن غشاوة اليأس كان يرفعها من وقت لآخر من يسميهم الفرنسيون (الأشراف المزيفين). أولئك الأفراد المجهولون عادة والذين يتخذون صفة (المهدي) أو رجل الساعة، فهؤلاء الأشراف والمهديون هم الذين كانوا يظهرون ليردوا الفار من الزحف، ويرفعوا شعلة الحماس والجهاد، ويعطوا للعامة روح الأمل، كان على الفرنسيين أن يتصدوا لهذه الشخصيات الصاعقة التي تضرب وتختفي، كانت شخصيات شبحية تثير الرعب في العدو بعد أن يظن أنه قضى على آخر المقاومة وخلد إلى الراحة، انتهى إذن دور السياسيين والمحاربين، وانتهى دور الطرق الصوفية المكافحة، ودور المرابطين، وبقي فارسان، أحدهما هؤلاء الأشراف المجهولون، وثانيهما هؤلاء الشيوخ الرابضون في الزوايا يحملون البركة وأسرار الدعوة إلى الجهاد، رغم أنهم في ظاهر الأمر كانوا مستسلمين.
بعد الأمير عبد القادر ظهرت شخصيات عديدة مجهولة تقول إنها شريفة الأصل وأخذت تقود انتفاضات جماهيرية خطيرة على العدو، كم من (شريف) عرفته الجزائر خلال القرن الماضي وما يزال تاريخه مجهولا إلى الآن؟ من هو بومعزة؟ من هو بوبغلة؟ من هو بوزيان؟ من هي لاله فاطمة؟ من هو ذلك المداح في كل سوق؟ من هو لابس القشبية؟ ومن هو بوبرمة؟ ومن هو بوعود؟ ومن هو بوسيف؟ ومن هو محمد بن عبد الله؟ فإذا استطعنا
стр. 1450
أن نكشف حياة هؤلاء وأمثالهم فإننا نكون قد عرفنا الكثير من تاريخ الجزائر المجهول.
إنهم جميعا انتفضوا وفشلوا، لقد كانوا روح الشعب المقاومة التي لا تموت، يظن الفرنسيون أنها انتهت ثم تنتفض ثانية وعاشرة، فإذا هم يسفهون بعضهم البعض، هذا يقول إن المقاومة انتهت ولن تقوم لها قائمة، والآخر يقول إن (روح التعصب) لم تمت أبدا، إننا نعيش على فوهة بركان، والرأي الأخير هو رأى (الكولون) الذين كانوا يحقدون على الجزائريين بقدر ما يحقد الجزائريون عليهم، لأنهم رمز الاستعمار الذي أخذ الأرض واغتصب أموال الأوقاف الدينية، كان الكولون، رغم تطرفهم، هم الذين يدركون حقيقة (الأهالي) لأنهم على اتصال دائم بهم، أما السياسيون الفرنسيون وبعض الضباط والكتاب فينظرون إلى (الأهالي) من البرج العاجي، وكانوا مهتمين بالرسالة الحضارية لفرنسا أكثر مما كانوا مهتمين بالحياة اليومية، وفي نظري أن جوزيف ديبارمي المستشرق والباحث الأنثروبولوجي، كان يفهم روح المواطن الجزائري أكثر مما كان يفهمها أي حاكم رغم أن هذا هو الذي كان يمثل السلطة الفرنسية، فقد درس ديبارمي انتفاضات المواطنين على يد الأشراف، ودرس أشعار المداحين، وتعمق في فهم الألغاز والرموز التي يستعملونها كناية أو تقية (١). استمرارا لعقيدة المقاومة، ولو بالسكوت.
إذن، فلنستمع إلى رأي الكتاب الفرنسيين في حركة المقاومة على يد الأشراف بعد الأمير عبد القادر، فهم يقولون عنهم إنهم كانوا يخرجون الأعلام من زوايا المرابطين، ويرفعون الهلال على الصليب، فوق كوخ تهزه ريح الجهاد، هناك على قمة جرجرة، يلعلع صوت للاله فاطمة وهي بالحائك الأحمر، واقفة على ضفة الوادي، ولكن فرنسا (المتحضرة) كانت تتقدم دائما، رغم المقاومة الدامية واليائسة، لقد أصدر الجنرال ميسيا Maissiat أمره لجنوده: اهجموا! فلم يمنع صوت فاطمة الصفوف المقاومة من
стр. 1451
التصدع، لقد وجد الجنود الفرنسيون المسبلين في الخنادق، في لباس قصير، متواثقين بحبل حول ركبهم، كان عليهم أن يموتوا جميعا بسنكى البنادق الفرنسية، إنهم المسبلون المحاطون بالمرابطين والمستعدون للموت عن آخرهم في سبيل الأرض المقدسة، أرض أجدادهم، كان ذلك سنة ١٨٥٧، وفي ١٨٧١ سجل المؤرخون نفس المشهد: ٣٠٠ مسبل في عين الحمام سقطوا عند عتبة السور، مسجلين بدمائهم عذاب هذه المعركة الفاصلة التي أوحت إلى خيال عدد من كتاب الروايات والمغامرات (١). وعندئذ ظهر المداح والشاعر الشعبي يعلن أن المرابطين والأشراف فشلوا وأن النصر سيأتي من جهة أخرى.
يذهب رين إلى أن المرابطين غير خطرين خطورة الأشراف (المزيفين). المرابط حكيم ولا يغامر، في نظره، أما الشريف فهو شخص متآمر، وبعض الأشراف كانوا مزيفين ولكنهم أذكياء، وهم ينتمون إلى النخبة، ويعرفون كيف يستغلون طيبة العامة، ويقول إن هؤلاء ليسوا خطرين، أما الخطرون فهم نصف المتعلمين منهم، وهم الذين تجعلهم الخرافة الشعبية أشرافا وذوي كرامات، والشريف المزيف في نظره، لا ينتمي إلى طريقة صوفية معينة، لأن انضباط هذه الطرق يمنع من أن يغامر أحد أتباعها بمصيرها ومصير شيوخها، ويستعد الأشراف للقيام بدور المتقشفين والزهاد، وجلب الكرامات كوسائل لإقناع العامة، وبالتواطؤ مع بعض الأتباع، واللجوء إلى الرؤى المنامية، وإرسال الرسائل الغامضة بإمضاء مجهول، وهم في ذلك يتفقون مع المرابطين الذين اتبعوا الزهد والكرامة والرؤى ونحوها، ولكن المرابطين أثبتوا ذلك بالحياة المثالية، والأخلاق والخلوة والمعارف، أما الأشراف المزيفون، في نظر رين، فقد انكشف أمرهم بثوارتهم الفاشلة، ودورهم الذي كان سياسيا أكثر منه دينيا، وهم خطرون حقا، ولذلك كانت الإدارة قاسية
стр. 1452
عليهم، فهي تراقبهم دائما، لأنهم كانوا وراء الثورات، وهم مهيجون للعامة (١). وهو لم يذكر الثورات، مكتفيا بذكر زعمائها، عدا واحدة (٢). ولكننا نعرف هذه الثورات التي كانت في نظر (رين) من فعل الأشراف المزيفين، فهي كل الانتفاضات التي قادها رجال مجهولون، مكتفين بألقاب وأسماء حربية، كالشريف فلان، أو محمد بن عبد الله، ويبدو أن رين يحبذ أن يبقى الجزائريون هادئين وادعين مادين رقابهم للذبح بدون بعبعة، وبذلك يزول الخطر ويحلو المقام للفرنسيين.
هذا هو وضع الأشراف عندما كانوا يجدون في الساحة مجالا، أما بعد المراقبة الإدارية المشددة، وبعد فشل الانتفاضات، فقد اختفى (المغامرون) وسكن العاديون، ورضوا ظاهريا على الأقل، بالحياة المقدرة، وقد فقد الباقون منهم استقلالهم حتى لم يبق منهم في آخر القرن الماضي من يمكن اعتباره مستقلا (٣). وكان للأشراف التاريخيين مدرسة وزاوية وأوقاف، ونعني بالتاريخيين أولئك المنحدرين من نسل فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب (٤). ومن أبرز العائلات الجزائرية في هذا الميدان، عائلة الشريف الزهار التي انضم جدها للمقاومة وخدم تحت لواء الأمير عبد القادر ثم توجه إلى المغرب، واختطف الفرنسيون ابنه (علي الشريف) عند واقعة الزمالة
стр. 1453
(١٨٤٣). وهربوه وهو صبي إلى فرنسا، وربوه على طريقتهم إلى أن أصبح ضابطا في الفرسان (الصبائحية). أما أخوه الشريف الزهار فقد تولى القضاء للفرنسيين سنوات طويلة، كما ستعرف، وهذا النوع من الأشراف هم الذين يعتبرهم (رين) غير خطرين لأنهم غير متآمرين ولا مغامرين.
وإذا كان فشل الثورات قد أدى إلى ظهور الشاعر الشعبي أو المداح، وظهور الطرق الصوفية المدجنة التي أصبحت أداة للإدارة الفرنسية في السيطرة على المواطنين، فإن هناك ظاهرة أخرى لجأ إليها التعبير الشعبي قبل عصر الأحزاب السياسية والمنظمات والنوادي، ونعني بها الدروشة والدراويش، والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست غريبة على المجتمع، فقد عرفنا منها حتى في العهد العثماني النصيب الكبير، وإذا شئت فراجع كتاب عبد الكريم الفكون (منشور الهداية) ورحلة الحسين الورتلاني وغيرهما، إنما نعني بالدراويش هنا أولئك الذين جمعوا بين الدين والسياسة بالمستوى الشعبي، فهم في لحظة يائسة يدعون الكرامة بعدم اختراق الرصاص لأجسادهم، أو بعدم إصابتهم بالأمراض أو بأي سوء، وقد سبق القول إن العامة كانت لا تفرق بين الشريف والمرابط والدرويش، فكلهم مرابطون ما داموا يأتون بالكرامات والمعميات، وقد كان الفرنسيون يراقبونهم خشية أن يتحولوا إلى مهيجين للعامة، مستغلين الجهل والخرافة.
ولكن الفرنسيين كانوا يريدون في نفس الوقت الإبقاء على هذه السذاجة من الجميع، لأن الفطنة تترتب عليها الصحوة وطلب الحقوق، وهناك قصص لدراويش ظهروا خلال القرن الماضي ذكر منهم بعض الباحثين جملة، مثل سي علي بن الأخضر من قبيلة أولاد علي بن يحيى، دائرة تبسة، الذي ادعى سنة ١٨٦٦ أن السلاح لا يخترقه، فمات به في قصة مروية، ومثله سي أحمد القوري الصدراتي المتوفى سنة ١٩٠٠ الذي شفي بعد أن جرح، وبلقاسم بن الحاج سعيد (بوقشبية) الذي توفي سنة ١٩١٢، وكان بلقاسم هذا مقدما لإحدى الطرق قرب اليدوغ (عنابة). أما سيدي أبو التقى فقد اشتهر أمره ببرج بوعريريج سنة ١٨٣٦، وكان قد جاء من المغرب الأقصى، ودرس على
стр. 1454
الشيخ سعيد بن أبي داود بزاوية تاسلنت، وتوفي سنة ١٨٣٨ وله قبة، وكان من أتباع الرحمانية، كما نذكر بلقاسم بن قربة، وهو من التلاغمة، وكان من الرحمانيين أيضا (١).
وهناك شخصيات اهتمت بالعلم والتصوف السني والزهد، ومع ذلك اعتقدت فيها العامة الدروشة والإتيان بالكرامات، أو هي تدخل إلى قلوب العامة عن طريق هذه الأفعال بدل النهي عنها، وستعرف نماذج من هؤلاء في شيوخ الطرق الصوفية التي سندرسها مفردة، فمن جهة هناك شيخ الطريقة أو مقدمها، وهناك أفعال الدراويش والخرافات والبدع التي تضطهد عقول الناس وتساعد سلطات العدو على التمركز والتحكم، وإذا كانت أفعال الخرافة ربما مقبولة من شيخ قليل العلم غامض التصرف مثل الحاج مبارك بن يوسف، زعيم الطريقة (البوسنية) جهة قالمة، فإنها غير مقبولة حين تنسب إلى شيخ قامت سمعته على العلم والذكاء وقوة الحفظ والذاكرة، مثل الشيخ محمد بن أبي القاسم، شيخ زاوية الهامل.
ولكن ليس كل الجزائريين يؤمنون بالتصوف أو لهم طرق صوفية، ففي ميزاب ليس للناس دراويش ولا مرابطون، بالمعنى السابق، وليس لهم طرق صوفية، وإنما لهم مشائخهم المحترمون الذين يطيعون أوامرهم، ولهم مجالسهم الدينية والدنيوية، ولهم روابط روحية ورموز، كالحلقة، والإمام، فمجلسهم الديني الشرعي يضم مجموعة من المشائخ يتقاسمون فيما بينهم المسؤوليات، كالعدالة، والتعليم، والصلاة، ويرأس المجلس أحد الشيوخ الأكثر علما وورعا والأكثر حرمة واحتراما، وهم متقشفون ذاتيا، ومتطهرون دينيا، ولهم علماء وفقهاء، يخلدون ذكراهم، كالإمام القطب محمد بن يوسف أطفيش، وليس لهم عقيدة في الواسطة كما هو الشأن في المسلم الصحيح، ولأهل ميزاب عقيدة خاصة في الإمامة، ولهم جوامع ولكن ليس لهم زوايا، ومن ثمة ليس لهم أن يفعلوا شيئا من الحضرة والذكر وغيرها من
стр. 1455
مظاهر الطرقية (١). وقد نعود إلى الحديث عن التنظيم الاجتماعي والسياسي لبني ميزاب في فصل آخر.
الطريقة القادرية
كان بالإمكان أن نرتب علاجنا للطرق الصوفية حسب الأهمية التي كانت عليها أثناء الاحتلال والدور الذي لعبته إيجابا وسلبا، وقد خطر لنا أن نلجأ إلى معالجة ظهورها زمنيا في المجتمع الجزائري، إذ لا شك أن هناك طريقة قديمة الظهور وأخرى حديثة، كما أن هناك الطرق الأصلية التي ظهرت في الجزائر وتفرعت فيها وفي خارجها، وهناك العكس، وهو تلك الطرق التي هي فروع لأصول موجودة خارج الجزائر، سيما في المغرب الأقصى وفي المشرق، ثم إننا نجد الطرق الكبيرة ذات الآلاف من الأتباع الذين تشملهم خريطة البلاد كلها، والطرق الصغيرة المحدودة الأتباع والمكان، وقد استقر بنا الرأي على معالجة الطرق حسب قدمها أو ظهورها، لأن بعضها متفرع عن بعض في أغلب الأحيان، وأول هذه الطرق في الظهور هي الطريقة القادرية، وسنكتفي غالبا بدور كل طريقة ونشاطها ورجالها وزواياها زمن الاحتلال، محيلين على الجزء الأول من كتابنا بخصوص نشاطها خلال العهد العثماني، تنسب القادرية إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (الكيلاني) المتوفى في بغداد سنة ٥٦١ هـ، وهو يعتبر عند المتصوفين سلطان الأولياء، وقطب الأقطاب، والغوث، وعضد الإسلام، وله كرامات وخوارق تنسب إليه، وأتباعه يحلفون بجاهه، ويلقبونه أيضاب (مولى بغداد). والشيخ الجيلاني عالم وله تآليف منها (لطائف الأنوار). وله عشرة أولاد، مات بعضهم بالقاهرة، وانتقل آخرون منهم إلى الأندلس والمغرب العربي، ومعهم انتقل أيضا نسب الأشراف، سيما من الساقية الحمراء، وهذا الشرف، حسب السلسلة، يرجع إلى فاطمة الزهراء والإمام علي (٢).
стр. 1456
والزاوية الأم للطريقة توجد في بغداد، ولها فروع في الجزائر، وكل فرع مستقل عن الآخر، وأصحاب هذه الفروع يتصلون مباشرة بالأصل في بغداد، إذ أن الإجازة والسلسلة تردان من هناك، وعلى كل فرع من فروع الزاوية مقدم، وقد كنا ذكرنا أن أول من أسس فرعا للقادرية في الجزائر هو الشيخ مصطفى بن المختار الغريسي سنة ١٢٠٠، والواقع أن فروع هذه الطريقة كانت موجودة من قبل في مختلف المدن، ولها زوايا وأضرحة وقباب ومساجد في الجزائر وتلمسان وقسنطينة، وبجاية وغيرها، ولها أوقاف كثيرة، كانت ترسل مع الحجاج إلى الزاوية الأم ببغداد، وقد بقي الحال كذلك في العهد الفرنسي أيضا، مع قيود سنذكرها.
والسلسلة القادرية ترجع إلى آدم ﵇، وهناك وثيقة ترجع إلى ١٨٧٥ (١٢٩٢ هـ) تذكر شجرة النسب الشريف للقادرية وسلسلتها، وعنوان الوثيقة (لا إله إلا الله، والشيخ عبد القادر شيء (كذا) الله). وتصل بالنسب إلى الإمام علي ثم إلى آدم، كما ذكرنا.
والذكر عند القادرية هو ذكر الله وحده، وهو ما فعله الشيخ الجيلاني نفسه، والإكثار من الصلوات، وقد أضاف بعضهم: (أستغفر الله، أو اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي، وذكر محمد بن علي السنوسي (مؤسس الطريقة السنوسية) أن أهل القادرية (المقربين) أثناء الحضرة يقرأون أيضا الفاتحة بعد الصلوات الخمس، ويصلون على النبي ﷺ وآله، عدد ١٢١ مرة في شكل جماعي، كما أخبر أنهم يذكرون عبارة (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ١٢١ مرة أيضا، ويقرأون سورة ياسين، وغير ذلك من الأدعية والقراءات، وجاء في الكتب الفرنسية أن زعماء القادرية الذين كانوا يفدون على الجزائر كانوا يقولون: إذا سألت عن الطريقة (القادرية) فهي العلم والأخلاق والصبر والاتقان، وإذا سألت عن
стр. 1457
الواجبات عند الطريقة فهي ذكر الله، والصدق، والابتعاد عن شؤون الدنيا، وأن تحب الناس وتخاف الله، ولخصوا تعليم القادرية بأنه مستمد من أفكار أخلاقية وفلسفية مشتركة بينها وبين الطرق الصوفية الأخرى، ومن ثمة كانت القادرية قاعدة لمختلف الطرق التي جاءت بعدها، حتى تلك التي استقلت عنها بقيت على صلة بها، ولا تمنع القادرية أتباعها من أن يجمعؤا بينها وبين طريقة أخرى (١). وهذا طبعا عن الجانب النظري في هذه الطريقة، أما الجانب العملي فسنرى أن هناك عدة ثغرات كانت الطريقة تعاني منها.
حاول البعض أن ينسب المقاومة على عهد الأمير عبد القادر إلى الطريقة القادرية (٢). وهذا من الخطأ الجسيم في نظرنا، حقا إن سمعة الحاج محيي الدين (والد الأمير) قد لعبت دورا في تجميع المقاومة حول شخصه، باعتباره زعيما روحيا محترما في المنطقة وباعتباره ضحية الباي حسن بن موسى قبل الاحتلال، ولكن مبايعة ابنه (الأمير) والتفاف الجماهير من حوله، مهما كانت عقيدتهم الصوفية، جعل القضية تخرج عن نطاق الطريقة إلى النطاق الوطني، ولكن دعاية الحرب الفرنسية عندئذ كانت تبذل قصارى جهدها لتفريق الصفوف حول الأمير مدعية أنه إنما كان يحارب باسم طريقته الصوفية، وأنه كان طموحا سياسيا، وقد صدق ذلك أمثال الشيخ مصطفى بن إسماعيل، زعيم الدوائر، كما صدقه الشيخ محمد الصغير التجاني، زعيم الطريقة التجانية، واستمر الفرنسيون في الضرب على هذا الوتر حتى بعد هزيمة الأمير وحدوث تطورات أخرى.
ولكن القادرية استمرت على نشاطها إلى جانب المقاومة عندئذ، فلا شك أن تأييد الحاج محيي الذين لابنه له أثر في التفاف إخوان الطريقة من حوله، وبعد وفاة الحاج محيي الدين تولى ابنه محمد السعيد (أخو الأمير) شؤون الطريقة فهو (خليفة) والده بالمصطلح الصوفي، وهو الابن الأكبر له، وكان الفتى أحمد بن محمد السعيد من أوائل من استشهدوا عند أسوار وهران
стр. 1458
سنة ١٨٣٢، وكان في سن المراهقة، وتعاونت الطرق في عهد الأمير (من رحمانية، ودرقاوية، وطيبية، وشيخية). ولم يفرق الأتباع بين صوت المجاهدين، فكلما دعا الداعي استجابوا بقطع النظر عن مصدر الصوت، وبعد هزيمة الأمير سافر معه أخوه محمد السعيد وسجن معه، ثم استقر الأخوان بالمشرق، كما هو معروف، ولكن الجديد هو أن الشيخ محمد المرتضى بن محمد السعيد (حفيد الحاج محيي الدين) هو الذي أصبح خليفة الطريقة القادرية في بيروت، وهو الذي كان في آخر القرن الماضي الشيخ الذي يقصده الجزائريون للبركة، ويستقبل منهم الزيارات والمال، وله في الجزائر أتباع واتصالات (١). كما سنرى.
هذا عن الفرع الذي بدأ المقاومة من القادرية، وبعد انتقال زعمائها إلى فرنسا والمشرق بقيت بقايا الطريقة في الجزائر في ظل بنادق الفرنسيين، وتفرقت في قيادات صغيرة اتخذت شكل الأسطورة، وانتشرت في مختلف أنحاء القطر، فكان من رموزها سيدي محمد بن عودة، في نواحي زمورة (ولاية غليزان) الذي يعتبر حامي حمى سهل مينة، والذي يعتقد فيه أهل البادية والحاضرة، والمعروف أن زاوية شلاطة كانت قادرية الأصل، وكذلك بعض الرموز في بني عباس بزواوة، وظهر شخص يدعى ابن النحال في زاوية الفجوج في نواحي قالمة ووادي الزناتي (٢). ولم تفقد القادرية في نواحي وهران تأثيرها الكبير، إذ أصبح الشيخ بوتليليس (شعبة وادي اللحم) صاحب شأن وتأثير في المنطقة، وكان هو الخليفة (أو المقدم) للقادرية بعد أن جاءه
стр. 1459
التعيين من المشرق (من محمد المرتضى). كما انتعشت زاوية شلافة (قرب هليل) التي كانت سنة ١٨٩٧ تحت مشيخة سي الأحول عبد القادر، وكانت تجمع حوالي خمسين مقدما، وبضعة آلاف من الأخوان (١).
وكانت زاوية سي الأحول هذه ذات أهمية روحية، وهي واقعة في وادي الخير الذي يصب في وادي الشلف، بين مستغانم وغيليزان، وقيل إن الشيخ الأحول عبد القادر كان قد نصب خيمة من الشعر وسط الزاوية على أنها ملتقاه مع الشيخ عبد القادر الجيلاني، وينسب الناس الكرامات إلى الشيخ الأحول ويتبركون به، وكانت الزاوية مدرسة للعلم والقرآن أيضا، ولكن عدد الطلبة فيها كان قليلا (٢).
ولعل أحد أولاد الأحول هو الذي دعا الجزائريين سنة ١٩٣٩ إلى مساندة فرنسا في حربها ضد الألمان، وقال لهم إن الساعة قد حانت لإعلان الولاء لها والدفاع عن (أم الوطن). وقد فعل ذلك أسوة أيضا بموقف شيخ زاوية الهامل وغيره من شيوخ الطرق، وزعماء الاندماج، أمثال الدكتور ابن جلول والدكتور الأخضري، ورجال الدين الموظفين عند الإدارة الفرنسية (٣). كما انتشرت القادرية ناحية تيارت (تيهرت) والجنوب الغربي، ومن زعمائها هناك بلعربي عبد القادر بن قدور، وكانت زاويتها هناك سنة ١٨٤٤، مدرسة لتعليم الأطفال القرآن والدين، وكان قد أسسها قدور بن مسعودة، جد المقدم المذكور، وكانت هناك قبة تعرف بقبة سيدي بلقاسم حيث رفات قدور بن مسعودة وأحفاده، وفي الناحية مرابطون بارزون يحترمهم الناس مثل آل تريش وآل سيدي علي، وأولاد سيدي خالد، ولجميع هؤلاء، بما فيهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، موسم سنوي لإطعام الطعام وذبح الخرفان، ويكون ذلك يوما من الفروسية والنشاط والزيارات، يحضره أيضا بعض
стр. 1460
الإداريين الفرنسيين الذين كانت توجه لهم الدعوة، وفي هذه الحفلة السنوية يشعر الفقراء بالاندماج في المجتمع وبالحرية والأخوة حيث لا طبقية، ويقوم البراحون في الأسواق بدعوة الناس لوضع زياراتهم (تبرعاتهم المالية) عند الشيخ أو المقدم (١). وقد أشرنا إلى ملاحظات مالك بن نبي في نفس الفترة على نشاط القادرية في ناحية آفلو.
وظهرت فروع أخرى في شرق الجزائر وجنوبها، كان لها دور بارز أثناء غزو فرنسا للصحراء في النصف الثاني من القرن الماضي، وفي هذا الصدد نذكر زوايا عميش (الوادي) والرويسات (ورقلة). كما نذكر زاوية نفطة وزاوية الكاف، وكلتاهما بتونس ولكن لهما نفوذ بالجهات المجاورة في الجزائر، كما نذكر زاوية منعة بالأوراس، المعروفة بزاوية بلعباس، وفي مذكرات مالك بن نبي إشارات هامة إلى نشاط وتحولات القادرية في تبسة ونواحيها.
ومعظم زوايا الشرق الجزائري والجنوب ذات صلة بزاويتي نفطة والكاف القادريتين، ومؤسس زاوية نفطة هو أبو بكر بن أحمد الشريف، وهو تلميذ الشيخ المنزلي (نسبة إلى منزل بوزلفة - تونس). وقد تطورت الزاوية بفضل جهود الشيخ إبراهيم بن أحمد الشريف النفطي، حتى قال بعضهم إن تأثيره سنة ١٨٩٧ وصل إلى غدامس وغات والجزائر وعين صالح وتوات وتيديكلت، وله أتباع في بلاد الطوارق، وعلى رأسهم الشيخ عابدين، وكان عابدين هو مقدم الشيخ محمد بن إبراهيم، وقد ترك الشيخ إبراهيم أولادا تقاسموا بركة والدهم على النحو التالي: الأكبر منهم، وهو محمد، تولى الزاوية الأم بنفطة، وأسس الهاشمي زاوية في عميش بوادي سوف، وأصبح (نائبا) لأخيه، ونشط الهاشمي في تجنيد الأتباع ونشر الطريقة إلى أقصى الجنوب، وربط علاقات مع السودان وغات، وجند العديد من
стр. 1461
أهل سوف الذين يمارسون التجارة الصحراوية، وأما أخوهما، محمد الطيب، فقد نشر الطريقة في ناحية ورقلة، وأسس زاوية في الرويسات، وكان له أتباع في الأغواط وغرداية وبين الشعانبة، ولهم أخ رابع اسمه الحسين، أسس زاوية بقمار (وادي سوف). بينما أسس الأخ الخامس زاوية في تبسة، والسادس، وهو محمد الإمام، زاوية في صحن الشعانبة (بسوف أيضا). أما في تونس فإن الأخوة أسسوا بالإضافة إلى نفطة، زوايا من المدن الآتية: قفصة (محمد العربي). الكاف (محمد الأزهر). قابس (الحاج أحمد). وهكذا فنحن نرى أن زاوية نفطة القادرية قد تفرعت إلى هذه الفروع الصغيرة الكثيرة، والتي ترجع في الواقع إلى عائلة واحدة، ولا شك أن انتشار هذه الفروع كان بإذن وترخيص من الفرنسيين، وتتصل زاوية نفطة بالسلسلة القادرية عن طريق الشيخ علي بن عمار المنزلي الشائب، ولها ورد طويل قد يطول عن ورد الطريقة ببغداد (١).
أما زاوية الكاف فقد أسسها محمد المازوني (الميزوني) (٢). وقد لعبت دورا متعدد الجوانب، كما سنرى.
وللقادرية أيضا زوايا في الجنوب الغربي من البلاد، فزاوية كنته قادرية الأصل، ومن أبرز رجالها الشيخ المختار الكنتي المتوفى سنة ١٨٢٦، وقد استمر أتباعه على دربه، واستعملوا مؤلفاته العديدة، والشيخ الكنتي يذهب إلى أنه من نسل الصحابي الفاتح عقبة بن نافع، وتمتد سمعته إلى المغرب والسودان وكذلك بين طوارق الصحراء (٣). ومن مراكز القادرية أيضا زاوية أحمد البكاي في تومبكتو (؟). ولكن تأثيره قد امتد نحو الجنوب الغربي.
стр. 1462
وكان للقادرية على يده انتشار كبير، كما أنها قاومت التسرب الأجنبي.
وقد حدث للقادرية ما حدث لكل الطرق في آخر القرن الماضي، فقد أصبحت جميعها تقريبا تحت رحمة المخابرات الفرنسية والضغط المتعدد الجوانب لكي تعمل وفق إرادة المحتل، كما وظفت في عدد من المناسبات عن علم أو جهل من زعمائها، ولا سيما عند حاجة الفرنسيين إلى نفوذ هذه الطرق في الصحراء حين خططوا لاكتشافها واحتلالها وربطها بمستعمراتهم الإفريقية، وتذكر المصادر الفرنسية أن مقدم القادرية في ورقلة محمد الطيب هو الذي رافق بنفسه بعثة المستكشف الفرنسي، فلامان Flumand، إلى تيديكلت، سنة ١٨٩٩، فقد أخذ المقدم محمد الطيب معه عشرين شخصا مسلحين لحماية القافلة، وهم من خدمه، وقد تعرضت البعثة إلى هجوم كبير من عرب الصحراء قاده حوالي ٧٥ شخصا، كما تذكر نفس المصادر أن محمد الطيب (وهو نائب أخيه محمد) قد اعتمد عليه الحاكم العام جول كامبون، سنة ١٨٩٥ لتمهيد تيديكلت للتأثير الفرنسي، وهذا يدل من جهة أخرى على ما لهذا الفرع القادري من نفوذ في الصحراء النائية (١). وكان المقدم محمد الطيب قد قتل في إحدى هذه المعارك، وهو كما عرفنا أخ لعدد من أولاد إبراهيم بن أحمد الشريف الذين تقاسموا بركة أبيهم وأسسوا زوايا قادرية في الجزائر وتونس.
وفي هذا الصدد يذكر الجنرال لاروك Laroque أن للقادرية عددا كبيرا من الأتباع وينصح بلاده بالاستفادة من نفوذهم، ولا سيما من زاوية عميش بقيادة الشيخ الهاشمي وزاوية الرويسات بقيادة أخيه محمد الطيب، ويقول الجنرال (سنة ١٨٧٩) إن كليهما يحتفظ بعلاقات جيدة مع الفرنسيين، وأنهما قدما لهم خدمات في الصحراء لما لهما من تأثير، ورغم أنهما لا يلعبان دورا من
стр. 1463
الدرجة الأولى إلأ أنهما استطاعا رد الثائرين إلى الطريق والهدوء في عدة مناسبات، ويذهب هذا الجنرال (لاروك) الذي كان المسؤول العسكري على إقليم قسنطينة، بما فيه الصحراء الشرقية، إلى أن القادرية تقف حائلا دون تسرب السنوسية من الشرق والجنوب، وفي سنة ١٨٩٤، كما يقول، جاء عدد من الطوارق إلى شيخهم، محمد الطيب، في ورقلة، يطلبون منه المساعدة على تكوين مجموعة من الغزاة للثأر من هجومات الفزانيين المدفوعين من السنوسية، والجنرال لاروك لا يتحدث فقط عن القادرية كحائل ضد السنوسية ولكن عن التجانية وبعض فروع الرحمانية أيضا، فكل هذه الطرق يجب أن تجعل منها فرنسا، في نظره، (عملاء) للاستعلامات، لأن لها مراسلات مع آلاف الأتباع في الزوايا المنتشرة من إفريقية إلى الهند، ومن ثمة تستفيد منها فرنسا في بث فكرها وحضارتها (١).
والواقع أن هناك شخصية غريبة تداخلت في الوضع بين الطرق الصوفية واستعملت إلقادرية لحساب فرنسا، ونعني بذلك الضابط ديبورتر Deporter الذي أصبح يدعى (المواطن الصحراوي) والذي عمل سنوات في صحراء الجزائر وتونس، سيما في بسكرة ووادي سوف وغرداية وتوزر وقابس وقبلى، وكان ديبورتر من مواليد فرنسا، وهو ابن أحد المستوطنين الفرنسيين في قسنطينة، وتعلم ديبورتر العربية في الوادي وتوزر حتى أصبحت كأنها لغته الأصلية، وتطوع في فرقة الرماة وعمره سبعة عشر عاما، وشارك في الحملات ضد الجزائريين في زواوة وفي الجنوب، ثم دخل مصلحة الشؤون الأهلية وتولى إدارة المكتب العربي في برج بوعريج، ثم في بسكرة، ثم في الوادي سنة ١٨٨١، ومن هناك شارك في الحملة ضد تونس واحتلالها عن طريق الجريد وتمغزة، وعمل فترة في جهاز الاستخبارات بتونس.
وأثناء عمله في الوادي وتوزر ربط علاقات (صداقة) مع الشيخ محمد الكبير بن إبراهيم، شيخ زاوية نفطة القادرية، وحصل منه على دبلوم مقدم كان
стр. 1464
يستخدمه عند الحاجة حتى اعتقد فيه العامة أنه مسلم قادري الطريقة، وفي المقابل رخص ديبورتر لأبناء إبراهيم بفتح فروع لهم في عدة أماكن بالجزائر، منها عميش (بقيادة الهاشمي) التي كانت فيها زاوية قادرية قديمة أسسها أحمد الشريف جد الهاشمي، ومنها الرباح حيث أسس سليمان بن إبراهيم زاويته، وقمار حيث أقام الحسين بن إبراهيم، والرويسات حيث أسس محمد الطيب زاويته كما ذكرنا، وأشهر هؤلاء الأخوة هو محمد الهاشمي الذي اعتبره الفرنسيون شخصية جذابة ولكنها (متعبة) لهم، لطموحه وتقلباته في نظرهم، كما اشتهر منهم محمد الطيب الذي اعتبره الفرنسيون أفضل أخوته عندهم لخدماته التي أداها لهم في تيديكلت حين نجح في اعتقال قتلة الماركيز دي موريس MORRES، كما أن محمد الطيب قد مات في توات حيث كان يحارب إلى جانب الضابط الفرنسي بأن PEIN، ولذلك كافأته فرنسا على خدماته، وأثناء إقامة ديبورتر بالوادي أنشأ فيه قبيلة من الشعانبة (شعانبة الوادي) إذ جاء بهم من شعانبة بوروبة قرب ورقلة، وعندما أصبح ديبورتر في غرداية تراجع عن المسألة مما سبب اضطرابات في الجهة، فعزلوه عن وظيفته، وقد مات بالإسهال سنة ١٨٩٢ في ولاته حين كان يقوم برحلة بمساعدة الطريقة القادرية أيضا مستخدما دبلومها في أغراضه الاستعمارية (١). وسنرى أن الضابط بوجا Pujat قام بتوظيف الطريقة التجانية المنافسة للقادرية، في نفس الوقت لخدمة الأغراص الاستعمارية أيضا (٢).
وفي نطاق العمالة والجوسسة اللتين يتحدث عنهما الجنرال لاروك، جاءت أحداث المغامرة، إيزابيل ايبرهارت E، EBERHDT الشهيرة، ولا حاجة إلى ذكر تفاصيل حياتها، فقد ألفت فيها الكتب، وألفت هي نفسها الكتب والمقالات، وكتبت عن الإسلام وعن اعتناقها له، وحبها الشديد لحياة البادية
стр. 1465
والصحراء ووقوعها في غرام سليمان هاني (حني؟) وغيره من عشاقها، ومغامراتها في وادي سوف والعين الصفراء (١). لقد ادعى الفرنسيون أنها كانت جاسوسة عليهم، وأنها كانت تعمل لحساب ألمانيا، فاهتموا بها، من وزارة الخارجية إلى الحاكم العام بالجزائر إلى قائد المناطق العسكرية، إلى آخر (بيرو عرب) - مكتب عربي - في أقصى الجنوب، ودارت بينهم المراسلات السرية بشأنها، وهي المراسلات التي لا يعرف المواطنون ولا حتى السياسيون عنها شيئا والتي ما تزال في الأرشيف تنتظر النشر والتحليل، ماذا قالوا؟ إن هذه الآنسة التي كانت تتكلم عدة لغات، ومنها العربية، وتعتنق الإسلام وتعشق الأصل العربي، وتؤلف الكتب والرسائل، وتلبس لباس الشاب العربي، وتتمنطق بالسلاح، وتمارس الفروسية، هذه الآنسة كانت غير عادية طبعا، وها هي في وادي سوف، تدخل الطريقة القادرية عن طريق المدعو عبد العزيز عثمان، صديق محمد الطيب، مقدم زاوية الرويسات، وقد أعطيت ذكر الطريقة، والسبحة، واللباس الخاص، وصامت هناك رمضان، وكان الحسين بن إبراهيم مقدم قمار، هو الذي أدخلها في الطريقة، وكان عشيقها سليمان هاني أيضا قادريا.
وحضرت إيزابيل في تقرت حفلة استقبال أقيمت للشيخ الهاشمي مقدم زاوية عميش، الذي كان عائدا من باريس، وكان الحفل مرخصا به طبعا، وحضره مئات الفرسان والفضوليين، والإخوان، كما حضره ممثلو الطرق الأخرى كالرحمانية والعيساوية والطيبية، لأن أصولها جميعا قادرية، ورفعت الأعلام الخضراء والصفراء والحمراء، وارتفع صوت البارود إلى عنان السماء، وها هو الشيخ الهاشمي بعمامته الخضراء والقندورة الخضراء أيضا يشق صفوف الجماهير، وكان كوفي Gaston Couvert رئيس المكتب العربي في الوادي يتابع الأحداث ويحركها، ورأى أن وجود إيزابيل مشبوه، فأمرت السلطات بنقل صاحبها سليمان إلى باتنة، وحاولت هي منع ذلك، وتوسلت
стр. 1466
بكل الوسائل، ثم التجأت مع صاحبها إلى الشيخ الهاشمي وإخوته، أليست من القادرية؟ وبينما كانت في قرية البهيمة مع بعض أتباع القادرية تقرأ عليهم رسالة، تقدم منها شخص يدعى عبد الله محمد بن الأخضر وضربها ضربة بسيف أصابت رأسها وكتفها ولكنها ضربة غير قاتلة، وحملت للعلاج في مستشفى الوادي على يد المكتب العربي نفسه وطبيبه الخاص (١). وقد أعلن الهاشمي بنفسه اتهام الطريقة التجانية بتدبير الحادث، وطلب اعتقال الجاني الذي ثبت أنه كان من أتباع التجانية، وهذه أحداث تثلج صدور الحكام الفرنسيين وتعطيهم الفرصة للتحرك والسيطرة.
وماذا يهم؟ إن الفرنسيين يريدون أن يستفيدوا من كل الطرق الصوفية وليس من طريقة واحدة، ويريدون إضعاف الجميع حتى لا تتقوى ضدها بالتضامن، أن فرنسا تستفيد من القادرية، كما تستفيد من التجانية، ولكنها تريد منهما عدم التفاهم ضدها، ولذلك فسر الفرنسيون أن ضرب الآنسة المغامرة داخل في التنافس بين الطريقتين، وذهبت الخيارات إلى أن الآنسة كانت على علاقة خاصة مع الشيخ الهاشمي، وأن (التعصب الديني) هو الذي كان وراء الحادث الذي حدث لها، ولعل هذه الأحداث كلها كانت من نسيج المكتب العربي بالمنطقة وتحريك أصابع المخابرات الفرنسية.
وكانت للشيخ الهاشمي بن إبراهيم مراسلات مع الزعيم الليبي.
стр. 1467
سليمان الباروني باشا أثناء حرب طرابلس ١٩١١ - ١٩١٢، وكان واسطة هذه المراسلات هو السيد سالم بن أحمد، ووجدنا أن سليمان الباروني قد طلب من الشيخ الهاشمي الفاتحة (البركة) والإجابة السريعة عما طلبه منه، وهو غير معروف، وقد يكون بعض المساعدات أو التدخلات لدى جهات أخرى، ومن الملاحظ أن الشيخ الهاشمي كان معدودا عند سليمان الباروني من أنصار الدولة العثمانية المتحمسين (١). ومعنى ذلك أنه كان في نظر الفرنسيين من أنصار حركة الجامعة الإسلامية.
ولكن مزاج الشيخ الهاشمي بن إبراهيم تحول إلى الطرف الآخر (فرنسا) عند إعلان الحرب العالمية الأولى، فقد وجه نداء أيضا، مثل مختلف الطرق الصوفية في الجزائر، إلى إخوانه يبشرهم فيه بانتصار فرنسا وانكسار ألمانيا، وحكم ببلادة الأتراك (وقلة بصارتهم (كذا)) لأنهم ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة، ولا علم لهم بكتاب الله، وقال الهاشمي في ندائه إن مسلمي الجزائر وإخوان الطريقة لا يفرطون في (خدمة دولتنا الفرنسوية العزيزة) (وهذه الجملة واردة حرفيا تقريبا في مختلف النداءات (النصائح) الصادرة عن الطرق الصوفية عندئذ حتى كأن كاتبها واحد). ونجد نفس العبارات مكررة أيضا كإحسان فرنسا للجزائريين ووجوب رد الجميل إليها (؟) وكون الأتراك ظلموا الجزائريين قديما ظلما (تتفطر منه الأكباد) بينما في العهد الفرنسي أصبحت الجزائر وقد (شيدت فيها المساجد والمدارس ونورتها بالعلم وفتحت طرق السعادة) (٢).
هذا هو الهاشمي الذي ستتهمه فرنسا بالثورة ضدها (٣).
وتظهر الأبحاث الجديدة أن الهاشمي قد استطاع أن يجند كثيرا من
стр. 1468
الأتباع لطريقته خلال الحرب العالمية، وسبب نجاحه يرجع إلى معارضته لمنع الفرنسيين التجارة مع غدامس، كما أن الهاشمي قد (تورط) في مظاهرة معايدة للفرنسيين في نوفمبر ١٩١٨ عندما كان هؤلاء يجندون العمال للخدمة في فرنسا، وانطلقت الإشاعات على أن هؤلاء المجندين سيلحقون بالجيش فور وصولهم إلى فرنسا، وكانت المظاهرة أمام مكتب القائد الفرنسي بالوادي، وكان الهاشمي شخصيا على رأسها، وقد نفاه الفرنسيون إلى تونس بعض الوقت، وتوفي سنة ١٩٢٣، وقيل إن ابنه قد توفي أيضا بعد قليل، ثم تولى ابنه الآخر عبد العزيز الذي توصل إلى تفاهم مع التجانية، وبذلك خفت حدة التوتر بين الطريقتين بعد اختفاء الشيخين المتنافسين مدة طويلة: العروسي (التجانية) والهاشمي (القادرية) (١).
فقد قام عبد العزيز بن الهاشمي بالانضمام إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة ١٩٣٧ وفتح مدرسة باسمها في زاويته وتوجيه الدعوة إلى وفد من الجمعية لزيارة المنطقة، فكان ذلك من أسباب زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس لوادي سوف ولزاوية عميش سنة ١٩٣٧، فما كان من السلطات الفرنسية هذه المرة إلا أن اعتقلت الشيخ عبد العزيز وزملاءه المعلمين المصلحين، وأعلنت حالة الطوارئ في المنطقة، متهمة إياهم بالإعداد لثورة بالتواطؤ مع جهات أجنبية (إيطاليا - ألمانيا). وهذه الأحداث هي التي غطاها ابن باديس بعدد من المقالات، سيما بعد اعتقال الشيخ عبد العزيز وعبد القادر الياجوري وعلي بن سعد في سجن الكدية بقسنطينة، وقد وضعت السلطات الفرنسية شيخا آخر من العائلة على رأس الزاوية، واتهمت الشيخ عبد العزيز بالجنون.
إننا نذكر هذه الأحداث مختصرة لنقول إن استفادة السلطات الفرنسية من بعض فروع القادرية كان مؤقتا، وكان لأغراض آنية يستفيد منها الطرفان.
стр. 1469
وإذا كانت هذه السلطات استفادت من تنافس القادرية والتجانية، والوقوف ضد تقدم السنوسية، وبقاء العامة مخدرين ببركة الشيوخ، فإن هؤلاء قد استفادوا أيضا من تأكيد تأثيرهم ونشر نفوذهم واستفادوا مالا، ومنهم من استعمل المال في التعلم، حتى أنه يروى أن الشيخ الهاشمي قد علم أولاده في جامع الزيتونة واشترط أن لا يتولى بعده أمر الزاوية إلا من نال شهادة التطويع من الزيتونة، وقد عرفنا أن الشيخ عبد العزيز قد ناصر حركة الإصلاح وفتح مدرسة بزاويته القادرية، وانتهى به الأمر إلى السجن المضيق (١).
وليست كل فروع القادرية كانت على هذا النحو، فزاوية الكاف، رغم أهميتها كانت لها أدوار، وقد حكم الباحث محمد البهلي النيال على دورها الذي صادف احتلال تونس (١٨٨١) فقال إنها زاوية مشكوك فيها وفي صاحبها، إذ قيل إنها لم تؤسس إلا لأغراض سياسية عسكرية، وكان الجاسوس الفرنسي (روا) يقوم بأعمال فيها قبل احتلال تونس، ثم صار بعد احتلالها هو الكاتب العام للحكومة التونسية المحمية، وكانت له اتصالات متبادلة مع شيوخ زاوية الكاف القادرية (٢). ونحن لا نستبعد هذا الدور للزاوية، لأن المصادر الفرنسية تكثر من الإشادة بها والاعتماد عليها، ويبدو أن بعض الشيوخ كانوا إما غافلين ساذجين وإما أنانيين طماعين.
كنا أشرنا إلى علاقات القادرية (الخارجية). فهي من الطرق التي ليس لها زاوية أم في الجزائر، وتكثر المصادر الفرنسية من التركيز على هذه العلاقة الخارجية باعتبارها مصدر قلق بالنسبة إليها، فهي لا تستطيع أن تسيطر على الرأس كما تفعل مع بعض الطرق المحلية، إن الأمر بالنسبة للقادرية يتقرر في بغداد أو بيروت، وهذا يحتاج إلى أيادي كثيرة ووسائل عديدة، ثم أن هناك
стр. 1470
أموالا تخرج من الجزائر أمام أعين الفرنسيين متوجهة إلى شيوخ القادرية في بلدان أجنبيه، وهذا استنزاف لا ترضاه السلطات الفرنسية، وتذكر هذه السلطات أن الزاوية الأم ترسل بالسلسلة القادرية إلى بعض المقدمين في الجزائر لتعتمدهم، وذلك عن طريق الحجاج أو الزائرين للمشرق، كما أن بعض المقدمين من هذه الطريقة يأتون إلى الجزائر، ويسمى هذا الزائر (رقابا) وهو وأمثاله كانوا تحت الرقابة المشددة من الفرنسيين، وكانوا ينزلون في المدن الساحلية كتجار يحملون الأوراق الرسمية والصحيحة، ولكن لهم علاقات وطيدة مع شخصيات معروفة لدى الفرنسيين، يتخذونها غطاء لتحقيق مهمتهم، والرقابون لا يظهرون، خلافا للطرق الأخرى، أي اهتمام بالصدقات والتبرعات المالية - الدينية، وهذا يزيد في رفعتهم عند الناس.
وقد اكتشف الفرنسيون في العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي أن الأموال كانت ترسل من الجزائر إلى بيروت، بطريق الحوالات البريدية ونحوها، إضافة إلى تلك التي كانت تذهب إلى بغداد، وكان الفرع الجديد، بزعامة محمد المرتضى بن محمد السعيد بن محيي الدين (والد الأمير). فقد عرفنا أن والده، محمد السعيد، هو الذي تولى شؤون الطريقة أثناء كفاح أخيه (عبد القادر). وقد ظل على ذلك حتى بعد هجرة العائلة إلى الشام، ولمحمد السعيد مريدون، وله بعض المؤلفات المذكورة في كتب التراجم، ونعته أحد مترجميه بأنه (شيخ الطريقة القادرية) في المغرب (الجزائر) (١). وقد ترك ولدين هما محمد المرتضى وعبد الباقي، تولى الأول شؤون الطريقة في بيروت وتولى الثاني فتوى المالكية في دمشق، وبعد مدة من وفاة والده (١٢٧٨ هـ) انتقل محمد المرتضى إلى بيروت، وكان قد زار إسطانبول بنصيحة من الأمير عبد القادر (عمه). ورتب له السلطان راتبا ماليا، وحج مع عمه (الأمير) سنة ١٢٨١، وبعد رجوعه عكف على نشر العلم وأوراد الطريقة القادرية، وكان له تلاميذ في دمشق وبيروت، وله نظم
стр. 1471
في المديح النبوي، ودروس في الوعظ والإرشاد، وقد توفي في بيروت سنة ١٣١٦ (١٩٠٢)(١).
وقد وجدت السلطات الفرنسية أن الذين يرسلون المال للشيخ محمد المرتضى فيهم أيضا بعض الموظفين الرسميين عندها، ولعل خوف الفرنسيين يرجع إلى كون القادرية كانت جسرا للدعاية العثمانية وحركة الجامعة الإسلامية، وهم يعتبرونها من الطرق المعادية للمسيحيين، سيما وأن الذين ينشطونها هم من أسرة الأمير ومن مواليد الجزائر، كما أن القادرية، تاريخيا، من الطرق القريبة من السلطة العثمانية، كما عرفنا.
ويقدر الفرنسيون عدد أتباع الطريقة القادرية في الجزائر كما يلي:
١٨٨٢ ... ١٤، ٥٧٤ إخوانيا ... ٢٦٨ مقدما ... ٢٩ زاوية (٢)
١٨٩٧ ... ٢٤، ٥٧٨ إخوانيا ... ٥٥٨ مقدما ... ٣٣ زاوية
(ويذكر المصدر الأخير أيضا ما يلي: وكيل واحد، و ٥٢١ من الطلبة، وأربعة شيوخ، كما يذكر أن من ضمن مجموع الإخوان، هناك ٢، ٦٩٥ امرأة أو خونية) (٣).
١٩٠٦: ٢٥، ٥٥٥، إخوانيا (منهم ٢، ٨٠٠ من النساء) و ٣٣ زاوية (٤).
стр. 1472
وقبل أن نختم الحديث عن القادرة نود أن نشير إلى نقطتين: الأولى أنها أم الطرق على العموم، والثانية ذكر دعاء القنوت الذي يردده أتباعها، أما كونها أما للطرق على العموم فنحن سنلاحظه من دراستنا للطرق الأخرى التي يبدأ أصحابها بالانتماء إليها، ثم يجمعون بينها وبين طريقتهم الجديدة، وقد أخذ محمد بن علي السنوسي أوراد القادرية، رغم أن الفرنسيين، لجهلهم، كانوا يريدون أن يجعلوا بعض شيوخ القادرية ضد السنوسية، بتشجيع الغيرة والحسد، وكون هذا من الداخل وذلك من الخارج، يضاف إلى ذلك أن الداخل في القادرية لا يمنعه دخوله من الانضمام إلى طريقة أو طرق أخرى، لأن الطرق كلها في الأساس تدعو إلى الله، كما عرفنا وتدافع عن الدين، ولكن الجاهلين هم الذين وظفوا الأتباع ليتضاربوا أحيانا لا من أجل مبدأ ولكن من أجل فرنسا، وقد كان الأمير عبد القادر أخذ، بالإضافة إلى القادرية، الطريقة المولوية بدمشق، على يد الدرويش صبري، كما أن الأمير أخذ الطريقة الشاذلية بمكة أثناء حجه، على الشيخ محمد الفاسي (١). وكان قدور بن سليمان يجمع بين الشاذلية والتجانية، وكذلك قاضي تلمسان شعيب الجليلي كان يجمع بين عدة طرق.
أما دعاء القنوت، فالمعروف أن للطريقة القادرية أذكارا عامة وأذكارا خاصة، أما العامة فتتمثل في أن يردد المريد ١٦٥ مرة كلمات الشهادة (لا إله إلا الله) عقب كل صلاة، وأما الأذكار الكبيرة فهي ترديد العبارات التالية مائة مرة لكل منها إلا العبارة الأخيرة فخمسمائة مرة، حسب بعض المصادر، وهذه العبارات هي: أستغفر الله العظيم، سبحان الله، اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والأخيرة هي الشهادة (لا إله إلا الله). هذا عن الأذكار العامة، أما الدعاء الخاص، فهو دعاء القنوت، وهو الذي أعطاه المقدم في بغداد إلى بعض الحجاج الجزائريين سنة ١٨٩٦، وعبارته هي: (اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك
стр. 1473
ونخلع، ونترك من يكفر بك، اللهم إياك ن عبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق) (١).
العمارية/ القادرية
من الطرق التي التصقت بالقادرية، طريقة عمار بوسنة، أو العمارية، ورغم أن تاريخ ميلاد عمار بوسنة يرجع إلى ١١٢٣ (١٧١٢). فإن الذين يهمهم أمر الطرق الصوفية ونشاطها السياسي وظفوا لها شخصية غريبة، أحيت الماضي ونشطت الحاضر وساعدت على أداء الخدمات اللازمة في وقتها، لسنا هنا إذن أمام طريقة صوفية عادية لها مؤسسها المشهور بالشرف والبركة والعلم، ولكننا أمام شخصية مغامرة نصف درويش ونصف سياسي، وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كان يقوم بإعطاء الأوراد والإجازات، وحاشا أن يكون ذلك هو عمار بوسنة، إنه الحاج مبارك بن يوسف المغربي صاحب الأدوار الغريبة والأطوار العجيبة، واللعبة المسخرة في يد الفرنسيين أثناء سبعين سنة من عمره على الأقل، ويبدو من كل الدلائل أن الفرنسيين هم الذين كونوا أو لفقوا هذه الطريقة المنسوبة إلى الشيخ عمار بوسنة في وقت كانوا فيه يريدون السيطرة على الزوايا والطرق الصوفية، بل كانوا يريدون احتلال قسنطينة، ثم احتلال تونس، فإذا بهم يجدون كل العون من هذا الدرويش المغلف بأقنعة كثيرة.
يدكرون أن مبارك بن يوسف جاء من مراكش (المغرب) إلى الجزائر سنة ١٨١٥، وأنه زنجي يقول إنه من مرابطي (بخارى). وكانت عائلته تقيم قرب
стр. 1474
مكناس، ولم يربطوا بين (بخارى) المشرق وعبيد (البخاري) الذين اتخذهم السلطان المنصور الذهبي جيشا له، واشتهروا بين أهل المغرب بذلك الاسم (عبيد البخاري) لأنهم كانوا يتقدمون الصفوف بقراءة أحاديث البخاري، وظل مبارك بن يوسف في الجزائر يمارس مهنة الإسكافية إلى احتلالها من قبل الفرنسيين، فذهب إلى الحج (١٨٣٠) وخرج منها، كما خرج الكثيرون من أهلها، وقد كرر الحج ثماني مرات بعد ذلك في وقت كان الجزائريون ممنوعين من أدائه، وبعد أن التقى بعدد من شيوخ الطرق أو حاول التقرب منهم، رجع إلى الجزائر عن طريق تونس، وتجول في عنابة واستقر في قالمة، وكان يمارس التطواف والتجوال والاتصال بأهل الله وغيرهم، وكون فرقة موسيقية، وأخذ ينشد بواسطتها الأناشيد الدينية وحتى الحربية، وأضاف إلى ذلك الآيات القرآنية، وبعض الأدعية التي استخلصها من الطريقة العيساوية التي أصبح مقدما لها، وفي سنة ١٨٣٦ استفاد منه الفرنسيون، كما قالوا، أثناء حملتهم الفاشلة على قسنطينة، ونتيجة لذلك كافأه اللقيط يوسف (والغريب أن حياتهما متشابهة، لأن اللقيط يوسف ادعى للفرنسيين أنه ابن غير شرعي لنابليون الأول، واستفادوا أيضا من خبرته ونسبه المشبوه، وعينوه عندئذ - ١٨٣٦ - بايا على قسنطينة، لينازعوا به شرعية حكم الحاج أحمد) فبنى له اللقيط يوسف زاوية بقبة تعويضا له على خدماته، وهذه الزاوية كانت تقع على بعد قليل من قالمة عند أقدام (ماهونة). وهي تعرف بزاوية عين الدفلى، ولا علاقة لها بعين الدفلى الغربية، وقد أصبحت هذه الزاوية هي مسكن الحاج مبارك المعتاد.
وكان من أهداف تكرار الحج بناء شخصية هذا (المرابط) الجديد في نظر العامة، ذلك أنه كلما رجع من حجة تقام له حفلات الاستقبال التي لا حد لضخامتها وهرجها وبذخها، وكان عدد الأتباع يزداد في كل حجة، وأضاف إلى حجاته الثماني، زيارة إلى المغرب الأقصى، فرجع منها بإجازة مقدم من شيخ زاوية مولاي إدريس، وكذلك جاء بورد الحنصالية من زاويتها الأم بدادس، وكلما غاب ورجع تقام له الحفلات وتضرب الدفوف وتعزف
стр. 1475
الموسيقى الصاخبة، ثم يقوم بالجولات على رأس فرقته التي تتألف من اثني عشر عضوا حاملين (الغيطة) والبندير، وكان أتباعه يمارسون الرقص والحركات البهلوانية إلى جانب الإنشاد، وقد حملتهم أرجلهم إلى مختلف مناطق الشرق الجزائري من أقبو إلى بسكرة مرورا بقسنطينة وبجاية وغيرهما من المدن، وقد لاحظ الشيخ مبارك أن الاعتبار للشيخ عمار بوسنة قد خف عند الأتباع وكاد يصبح مجهولا، فعزم على إحيائه والتعلق به وجعل بوسنة هو شيخه، فأصبح الشيخ مبارك بن يوسف هو خديم الضريح، وفي بوحمام (قبيلة بني قائد، بلدية نشماية عندئذ) نصبت قبة أصبحت هي الزاوية الأم للطريقة الجديدة، قطن الشيخ مبارك ضريح الشيخ بوسنة بهدف تكوين طريقة يلم بها شعث الأتباع المتفرقين من المعجبين بالشيخ بوسنة، واشتهر مبارك بأنه فاعل خير، وأصبح هو الذي يقوم بخدمة (خديم) سيدي عمار، وحصل من وكيل الضريح على رخصة جلب الماء على ظهره من منبع غير بعيد من الضريح ليسقي به العطاش، ثم بدأت الزردات تقام باسم الشيخ عمار مرتين في العام، وجاء الحاج مبارك بكرامات أدهش بها الناس الذين أصبحوا يأتونه حتى من تونس، وهي الكرامات التي يقول إنها تأتن من طريق شيخه سيدي عمار باعتباره خديما له.
وشيئا فشيئا أصبح الحاج مبارك (شيخا) لا منازع له، فقد طلب سنة ١٨٧٦ رخصة لبناء غرفة في ضريح الشيخ عمار نفسه، وأصبح الوكيل يقدم إليه هو الزيارات التي يأتي بها الأتباع، وكان الشيخ عمار بوسنة قد اشتهر عنه أنه من ناشري الطريقة القادرية وأن عائلته كانت كذلك، وكان متحمسا لنشر تعاليمها، فاستغلت هذه القصة أثناء احتلال فرنسا لتونس، سنة ١٨٨١ أيضا، إذ تكونت طريقة الحاج مبارك رسميا سنة ١٨٨٢، وأصبح لها ذكر ألفه لها الشيخ المازوني، رئيس فرع القادرية بالكاف، والشيخ المازوني (الذي يبدو أنه من مازونة) كان يرى في طريقة عمار بوسنة فرعا ثانويا للقادرية، وهكذا اتبع الحاج مبارك تعاليم المازوني، رغم أميته، فعلم الذكر لأحد أبنائه، وذكر هذه الطريقة (العمارية) يستند فقط على سلسلة الشيخ عمار