← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

في المديح النبوي، ودروس في الوعظ والإرشاد، وقد توفي في بيروت سنة ١٣١٦ (١٩٠٢) (١). وقد وجدت السلطات الفرنسية أن الذين يرسلون المال للشيخ محمد المرتضى فيهم أيضا بعض الموظفين الرسميين عندها، ولعل خوف الفرنسيين يرجع إلى كون القادرية كانت جسرا للدعاية العثمانية وحركة الجامعة الإسلامية، وهم يعتبرونها من الطرق المعادية للمسيحيين، سيما وأن الذين ينشطونها هم من أسرة الأمير ومن مواليد الجزائر، كما أن القادرية، تاريخيا، من الطرق القريبة من السلطة العثمانية، كما عرفنا. ويقدر الفرنسيون عدد أتباع الطريقة القادرية في الجزائر كما يلي: ١٨٨٢ ... ١٤، ٥٧٤ إخوانيا ... ٢٦٨ مقدما ... ٢٩ زاوية (٢) ١٨٩٧ ... ٢٤، ٥٧٨ إخوانيا ... ٥٥٨ مقدما ... ٣٣ زاوية (ويذكر المصدر الأخير أيضا ما يلي: وكيل واحد، و ٥٢١ من الطلبة، وأربعة شيوخ، كما يذكر أن من ضمن مجموع الإخوان، هناك ٢، ٦٩٥ امرأة أو خونية) (٣). ١٩٠٦: ٢٥، ٥٥٥، إخوانيا (منهم ٢، ٨٠٠ من النساء) و ٣٣ زاوية (٤).

стр. 1472

وقبل أن نختم الحديث عن القادرة نود أن نشير إلى نقطتين: الأولى أنها أم الطرق على العموم، والثانية ذكر دعاء القنوت الذي يردده أتباعها، أما كونها أما للطرق على العموم فنحن سنلاحظه من دراستنا للطرق الأخرى التي يبدأ أصحابها بالانتماء إليها، ثم يجمعون بينها وبين طريقتهم الجديدة، وقد أخذ محمد بن علي السنوسي أوراد القادرية، رغم أن الفرنسيين، لجهلهم، كانوا يريدون أن يجعلوا بعض شيوخ القادرية ضد السنوسية، بتشجيع الغيرة والحسد، وكون هذا من الداخل وذلك من الخارج، يضاف إلى ذلك أن الداخل في القادرية لا يمنعه دخوله من الانضمام إلى طريقة أو طرق أخرى، لأن الطرق كلها في الأساس تدعو إلى الله، كما عرفنا وتدافع عن الدين، ولكن الجاهلين هم الذين وظفوا الأتباع ليتضاربوا أحيانا لا من أجل مبدأ ولكن من أجل فرنسا، وقد كان الأمير عبد القادر أخذ، بالإضافة إلى القادرية، الطريقة المولوية بدمشق، على يد الدرويش صبري، كما أن الأمير أخذ الطريقة الشاذلية بمكة أثناء حجه، على الشيخ محمد الفاسي (١). وكان قدور بن سليمان يجمع بين الشاذلية والتجانية، وكذلك قاضي تلمسان شعيب الجليلي كان يجمع بين عدة طرق. أما دعاء القنوت، فالمعروف أن للطريقة القادرية أذكارا عامة وأذكارا خاصة، أما العامة فتتمثل في أن يردد المريد ١٦٥ مرة كلمات الشهادة (لا إله إلا الله) عقب كل صلاة، وأما الأذكار الكبيرة فهي ترديد العبارات التالية مائة مرة لكل منها إلا العبارة الأخيرة فخمسمائة مرة، حسب بعض المصادر، وهذه العبارات هي: أستغفر الله العظيم، سبحان الله، اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والأخيرة هي الشهادة (لا إله إلا الله). هذا عن الأذكار العامة، أما الدعاء الخاص، فهو دعاء القنوت، وهو الذي أعطاه المقدم في بغداد إلى بعض الحجاج الجزائريين سنة ١٨٩٦، وعبارته هي: (اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك

стр. 1473

ونخلع، ونترك من يكفر بك، اللهم إياك ن عبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق) (١). العمارية/ القادرية من الطرق التي التصقت بالقادرية، طريقة عمار بوسنة، أو العمارية، ورغم أن تاريخ ميلاد عمار بوسنة يرجع إلى ١١٢٣ (١٧١٢). فإن الذين يهمهم أمر الطرق الصوفية ونشاطها السياسي وظفوا لها شخصية غريبة، أحيت الماضي ونشطت الحاضر وساعدت على أداء الخدمات اللازمة في وقتها، لسنا هنا إذن أمام طريقة صوفية عادية لها مؤسسها المشهور بالشرف والبركة والعلم، ولكننا أمام شخصية مغامرة نصف درويش ونصف سياسي، وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كان يقوم بإعطاء الأوراد والإجازات، وحاشا أن يكون ذلك هو عمار بوسنة، إنه الحاج مبارك بن يوسف المغربي صاحب الأدوار الغريبة والأطوار العجيبة، واللعبة المسخرة في يد الفرنسيين أثناء سبعين سنة من عمره على الأقل، ويبدو من كل الدلائل أن الفرنسيين هم الذين كونوا أو لفقوا هذه الطريقة المنسوبة إلى الشيخ عمار بوسنة في وقت كانوا فيه يريدون السيطرة على الزوايا والطرق الصوفية، بل كانوا يريدون احتلال قسنطينة، ثم احتلال تونس، فإذا بهم يجدون كل العون من هذا الدرويش المغلف بأقنعة كثيرة. يدكرون أن مبارك بن يوسف جاء من مراكش (المغرب) إلى الجزائر سنة ١٨١٥، وأنه زنجي يقول إنه من مرابطي (بخارى). وكانت عائلته تقيم قرب

стр. 1474

مكناس، ولم يربطوا بين (بخارى) المشرق وعبيد (البخاري) الذين اتخذهم السلطان المنصور الذهبي جيشا له، واشتهروا بين أهل المغرب بذلك الاسم (عبيد البخاري) لأنهم كانوا يتقدمون الصفوف بقراءة أحاديث البخاري، وظل مبارك بن يوسف في الجزائر يمارس مهنة الإسكافية إلى احتلالها من قبل الفرنسيين، فذهب إلى الحج (١٨٣٠) وخرج منها، كما خرج الكثيرون من أهلها، وقد كرر الحج ثماني مرات بعد ذلك في وقت كان الجزائريون ممنوعين من أدائه، وبعد أن التقى بعدد من شيوخ الطرق أو حاول التقرب منهم، رجع إلى الجزائر عن طريق تونس، وتجول في عنابة واستقر في قالمة، وكان يمارس التطواف والتجوال والاتصال بأهل الله وغيرهم، وكون فرقة موسيقية، وأخذ ينشد بواسطتها الأناشيد الدينية وحتى الحربية، وأضاف إلى ذلك الآيات القرآنية، وبعض الأدعية التي استخلصها من الطريقة العيساوية التي أصبح مقدما لها، وفي سنة ١٨٣٦ استفاد منه الفرنسيون، كما قالوا، أثناء حملتهم الفاشلة على قسنطينة، ونتيجة لذلك كافأه اللقيط يوسف (والغريب أن حياتهما متشابهة، لأن اللقيط يوسف ادعى للفرنسيين أنه ابن غير شرعي لنابليون الأول، واستفادوا أيضا من خبرته ونسبه المشبوه، وعينوه عندئذ - ١٨٣٦ - بايا على قسنطينة، لينازعوا به شرعية حكم الحاج أحمد) فبنى له اللقيط يوسف زاوية بقبة تعويضا له على خدماته، وهذه الزاوية كانت تقع على بعد قليل من قالمة عند أقدام (ماهونة). وهي تعرف بزاوية عين الدفلى، ولا علاقة لها بعين الدفلى الغربية، وقد أصبحت هذه الزاوية هي مسكن الحاج مبارك المعتاد. وكان من أهداف تكرار الحج بناء شخصية هذا (المرابط) الجديد في نظر العامة، ذلك أنه كلما رجع من حجة تقام له حفلات الاستقبال التي لا حد لضخامتها وهرجها وبذخها، وكان عدد الأتباع يزداد في كل حجة، وأضاف إلى حجاته الثماني، زيارة إلى المغرب الأقصى، فرجع منها بإجازة مقدم من شيخ زاوية مولاي إدريس، وكذلك جاء بورد الحنصالية من زاويتها الأم بدادس، وكلما غاب ورجع تقام له الحفلات وتضرب الدفوف وتعزف

стр. 1475

الموسيقى الصاخبة، ثم يقوم بالجولات على رأس فرقته التي تتألف من اثني عشر عضوا حاملين (الغيطة) والبندير، وكان أتباعه يمارسون الرقص والحركات البهلوانية إلى جانب الإنشاد، وقد حملتهم أرجلهم إلى مختلف مناطق الشرق الجزائري من أقبو إلى بسكرة مرورا بقسنطينة وبجاية وغيرهما من المدن، وقد لاحظ الشيخ مبارك أن الاعتبار للشيخ عمار بوسنة قد خف عند الأتباع وكاد يصبح مجهولا، فعزم على إحيائه والتعلق به وجعل بوسنة هو شيخه، فأصبح الشيخ مبارك بن يوسف هو خديم الضريح، وفي بوحمام (قبيلة بني قائد، بلدية نشماية عندئذ) نصبت قبة أصبحت هي الزاوية الأم للطريقة الجديدة، قطن الشيخ مبارك ضريح الشيخ بوسنة بهدف تكوين طريقة يلم بها شعث الأتباع المتفرقين من المعجبين بالشيخ بوسنة، واشتهر مبارك بأنه فاعل خير، وأصبح هو الذي يقوم بخدمة (خديم) سيدي عمار، وحصل من وكيل الضريح على رخصة جلب الماء على ظهره من منبع غير بعيد من الضريح ليسقي به العطاش، ثم بدأت الزردات تقام باسم الشيخ عمار مرتين في العام، وجاء الحاج مبارك بكرامات أدهش بها الناس الذين أصبحوا يأتونه حتى من تونس، وهي الكرامات التي يقول إنها تأتن من طريق شيخه سيدي عمار باعتباره خديما له. وشيئا فشيئا أصبح الحاج مبارك (شيخا) لا منازع له، فقد طلب سنة ١٨٧٦ رخصة لبناء غرفة في ضريح الشيخ عمار نفسه، وأصبح الوكيل يقدم إليه هو الزيارات التي يأتي بها الأتباع، وكان الشيخ عمار بوسنة قد اشتهر عنه أنه من ناشري الطريقة القادرية وأن عائلته كانت كذلك، وكان متحمسا لنشر تعاليمها، فاستغلت هذه القصة أثناء احتلال فرنسا لتونس، سنة ١٨٨١ أيضا، إذ تكونت طريقة الحاج مبارك رسميا سنة ١٨٨٢، وأصبح لها ذكر ألفه لها الشيخ المازوني، رئيس فرع القادرية بالكاف، والشيخ المازوني (الذي يبدو أنه من مازونة) كان يرى في طريقة عمار بوسنة فرعا ثانويا للقادرية، وهكذا اتبع الحاج مبارك تعاليم المازوني، رغم أميته، فعلم الذكر لأحد أبنائه، وذكر هذه الطريقة (العمارية) يستند فقط على سلسلة الشيخ عمار

стр. 1476

بوسنة ولا يزيد، ولكن بعضهم قد أوصلها بالشيخ عبد القادر الجيلاني نظرا لحماس الشيخ بوسنة، كما يقولون، للقادرية، ويتلخص الذكر في تكرار عبارات دعائية ونحوها عدة مرات كل ليلة، من الأحد إلى السبت، مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (يوم الأحد) وعبارة الشهادة (يوم الاثنين) وهكذا. عاش الحاج مبارك حياة طويلة، حتى قيل إنه عمر ١٣٠ سنة، أو ثمانين سنة، وقد توفي حول مدار القرن، فيذكر بعضهم أنه توفي عام ١٨٩٧، ويذكر آخرون سنة ١٩٥٥ وعمره مائة سنة، وأثناء حياته روج لطريقته بأسلوب سحري بينما تحاصر فرنسا معظم الطرق الأخرى، فيذكر (رين) خلال الثمانينات أن العاصمة ونواحيها كانت تقيم الحفلات مرتين في الأسبوع باسم الحاج مبارك في المقاهي، وهناك تنشد الأناشيد وتجمع التبرعات الدينية، وأخذت بعض هذه الفرق المتجولة على مرأى ومسمع من السلطات الفرنسية، تنتقل في الأرياف، فخافت هذه السلطات من العاقبة فمنعتها، ويلاحظ رين أن السلطات كانت تخشى أن يتصل الحاج مبارك بطرق صوفية أخرى في المشرق ويكون خطرا على الفرنسيين، أما في سنة ١٨٨٤ فقد كان لا يشكل خطرا، حسب رأيه، رغم أن بعض أتباعه كانوا يعتقلون أحيانا ويعآقبون لإتيانهم أمورا ممنوعة (؟) أو باعتبارهم من المشردين، ويرى مصدر آخر أن هناك قصصا عجيبة تروى عن الحاج مبارك في الورع وأنواع الكرامات، وأنه كان يتحول إلى شخص آخر ويقوم بالجولان في المناطق التي لا يقوم فيها الناس بأمر الدين (؟) ويذهب إلى عدة أبواب في المدينة، وهذا يكفي لردع الضالين، والغريب أن هذا المصدر يذكر أن الحاج مبارك ترك ولدين، وهما السبتي والأخضر، ويقول عن الأخير إنه لا يتقيد كثيرا بالتعاليم القرآنية، ومن ثمة لا يتمتع بسمعة والده (١). أما عدد الأتباع والزوايا لهذه الطريقة الجديدة - العمارية/ القادرية -

стр. 1477

فتذكر إحصاءات ١٨٨٢ أنه ١، ٠٦٢ إخوانيا، وخمس عشرة زاوية، وكلهم في إقليم قسنطينة (١). وأما إحصاء ١٨٩٧ فيذكر لها ٦، ٤٣٥ من الإخوان، وهذه زيادة معتبرة خلال خمسة عشر عاما إذا نظرنا إلى الزيادات في عدد الطرق الأخرى، أما التأثير والتوسع فيظهر في عدد الزوايا والشيوخ، وهو: ٢٦ زاوية، و ٤٦ مقدما، وشيخ واحد، وثلاثة وكلاء، و ٣٦ خليفة، إضافة إلى عدد من الفقراء (٥، ٧٧٤) والشواش والطلبة، ومن بين أتباعه بعض النسوة (٢٢ امرأة) (٢). وهكذا تتطور الطرق، وتتحول إلى أداة في خدمة السلطات الاستعمارية، على يد أناس مجهولي الهوية أو مغامرين، مستغلين اسم طريقة من أقدم الطرق، وهي القادرية، واسم شيخ أو مرابط يحترم الناس ذكراه وهو الشيخ عمار بوسنة. الطريقة الشاذلية لم نتوسع في حياة الشيخ أبي الحسن الشاذلي ولا في فروع طريقته، في الجزء الأول من هذا الكتاب، وكان الواجب أن نفعل ذلك، ونود الآن أن نستدرك ذلك بعض الشيء، فالشاذلية ترجع إلى المشيشية وهذه إلى المدينية، وهذه ترجع إلى القادرية التي ترجع بدورها إلى طريقة الجنيد، كيف ذلك؟ يعتبر شعيب بن حسين الأندلسي، المعروف أبو مدين، دفين تلمسان، هو مؤسس مدرسة التصوف السني نقلا عن الشيخين عبد القادر الجيلاني وأبي القاسم الجنيد، وهو الذي نشر هاتين الطريقتين في بلاد المغرب والأندلس، وقد ولد أبو مدين بإشبيلية سنة ٥٠٠ هـ وعاش ٩٤ سنة بعضها بالأندلس وبعضها في فاس وتلمسان وبجاية، كما عاش في المشرق.

стр. 1478

بتلمسان سنة ٥٩٤ هـ، وحياته حياة المنقطع للعلم والصلاح والتوحيد. بعد الأندلس نزل أبو مدين فاس ودرس بها ثم نزل تلمسان فلم تقبل عليه أول الأمر، ثم ظهرت عليه علامات الصلاح فوجد فيها متسعا وتبجيلا، ومثل كل العلماء في تلك العصور ارتحل للحج وطلب العلم ولقاء العلماء، وقد التقى في بغداد بالشيخ عبد القادر الجيلاني، ثم رجع إلى الأندلس وحل بإشبيلية وقرطبة، وكانت بجاية عاصمة أخرى للعلم، فارتحل إليها وعزم على الإقامة بها، ولشهرته وابتعاده عن أهل السلطة، جاءته وفادة من سلطان الموحدين عندئذ، يعقوب المنصور، وطلب حضوره ليسأله، كما قيل، عن مسائل علمية، وكانت السن قد تقدمت به، وحذره أصحابه من مغبة هذا السفر السياسي المشبوه، ولكنه خالفهم وأخبرهم أن السلطان لن يراه (!) وحين اقترب من تلمسان أدركه المرض ثم الموت، ودفن بالعباد في تلمسان، حيث ضريحه الذي اتخذه البعض مزارا روحيا ودينيا ومعماريا، ورغم نسبة الكثير من الكرامات (١) إلى أبي مدين، فإنه كان قبل كل شيء عالما صالحا، وموحدا زاهدا، ومربيا ناجحا، ولأبي مدين سلسلة تربطه في التصوف بأبي القاسم الجنيد، وتبدأ من جبريل إلى محمد ﷺ إلى الإمام علي، إلى الحسن البصري إلى حبيب بن العجمي، إلى داود الطائي، إلى معروف الكرخي، إلى السري السقطي، إلى أبي القاسم الجنيد ... إلى أبي مدين، وهو الثالث عشر في هذه السلسلة، وله سلسلات أخرى بعضها يذكر فيها اسم الجنيد وبعضها لا يذكر فيها، وقد انتقلت سلسلة أبي مدين إلى تلميذه عبد السلام بن مشيش (٢). وابن مشيش هو أحد تلاميذ أبي مدين البارزين، نشأ في المغرب الأقصى، وهو من أشراف بني عروس عند جبل عالم بتطوان، كان ابن مشيش

стр. 1479

من زعماء الفكر في دولة الموحدين، وكان معاصرا ل عبد المؤمن بن علي، خليفة المهدي بن تومرت، أوصى ابن مشيش أصحابه وتلاميذه (ومنهم أبو الحسن الشاذلي) بالابتعاد عن أصحاب السلطة والسياسة والوظائف الدنيوية، وعاش هو مثالا لرأيه، ولعل ذلك كان سببا في اغتياله سنة ٦٢٥ هـ، وكانت حياته مكرسة لخدمة الدين والتصوف، وقبره في جبل عالم المذكور، وانتشر صيته في كل المغرب العربي، ويتفق معظم الباحثين على أن شهرة ابن مشيش قامت على شهرة تلميذه أبي الحسن الشاذلي فهو الذي كونه ووجهه، بل نصحه بالذهاب إلى تونس بعيدا عن مؤامرات السياسة في المغرب عندئذ، وقد اشتهر ابن مشيش بدعاء يعرف (بالصلاة المشيشية) وهي الصلاة التي أصبحت متداولة لدى كثير من المتصوفة. ولد أبو الحسن علي الشاذلي في قبيلة غمارة قرب سبتة بالمغرب الأقصى، سنة ٥٩٣، أي سنة قبل وفاة أبي مدين، وأخذ تعاليم شيخه ابن مشيش، وهو شاب، ولم يكد يبلغ الثانية والعشرين حتى توجه إلى قرية شاذلة خارج عاصمة تونس، واختلى بها، ويقولون إنه استقر في جبل جلاس واختلى فيه، ثم اشتهر أمره وجاءه الزوار والفضوليون، ولكن السلطة السياسية كانت له بالمرصاد، وقد خافوا منه، وكان للسلطة فقهاء يوافقونها، وخشي أبو الحسن الشاذلي أن يكون مصيره هو مصير شيخه ابن مشيش، وهو الاغتيال أو الحبس، فخرج من تونس إلى مصر، ولكن خصومه سبقوه إليها وشيعوا فيها ولدى علمائها أنه ملحد، وحتى لا تقع المواجهة اختار الشاذلي المكث بعيدا، إذ بقي في كهف عند بحر الإسكندرية، وقد عانى من الفقر والوحدة، ولا نعرف متى جاء مصر، ولا متى صفا له الجو بعد عبوس، إذ أظهر كرامات، كما قيل، ودعا على قاضي تونس ابن البراء (الذي يبدو أنه وشى به لدى السلطان). وقد ذهب الشاذلي إلى القاهرة وعاش فيها، وكما أظهر كراماته للعامة أظهر أيضا علمه للخاصة، ومن الذين انتصروا له بعد أن كانوا من خصومه، حسب كتب التراجم، هو العز بن عبد السلام المعروف بسلطان العلماء والذي كان رئيس علماء مصر عندئذ، وهكذا كثر أتباع أبي

стр. 1480

الحسن الشاذلي، بعد أن كان خائفا يترقب ويعاني من العزلة والفقر، أصبح يحج كل عام ويجاور هناك فترة، ويبدو أنه أثناء إحدى حجاته وافاه الأجل في مكان مجهول حتى الآن، إلا أن بعضهم يجعله في أعالي مصر في المكان المعروف (بالأبيار الشاذلية). وكان ذلك سنة ٦٥٦ هـ (١). سئل الشاذلي عن شيخه وهو في المشرق، فأخبر أنه هو عبد السلام بن مشيش، ولكنه تطور وأصبح يرى أن شيوخه من بني آدم هو الرسول ﷺ والخلفاء الراشدون الأربعة، ومن الملائكة جبرائيل وميخائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورغم خلواته وعزلته وأوقاته الكثيرة فإن الشاذلي لم يترك مؤلفا بخط يده، ترك أتباعا أو كتبا متنقلة في شكل تلاميذ، كما كان يقول، ومن هؤلاء التلاميذ الذين حفظوا عنه أو كانوا صورة لأفكاره مثل كتبه، هو أبو العباس أحمد المرسي، فهو الذي أكمل وطور الفكر الصوفي لشيخه الشاذلي، وقد ألف أحمد بن محمد عباد الشافعي كتابا سماه (المفاخر العلية في المآثر الشاذلية). وهناك أيضا الأدعية والأذكار المعروفة باسم (حزب البحر) والمنسوبة للشاذلي، وهو تأليف يضم تعاليم الشاذلي وطريقته (٢). قلنا إن شهرة أبي الحسن الشاذلي قد طبقت الآفاق أثناء حياته وكذلك بعد مماته، ويرجع الفضل في إشاعة تعاليمه إلى تلاميذه، ومنهم أبو العباس أحمد المرسي (ت، ٦٨٦). وقد امتدت سلسلته إلى ابن عطاء الله الإسكندري (ت ٧٠٩) وأحمد زروق، وأحمد بن يوسف الملياني ثم العربي بن أحمد الدرقاوي، ولذلك يعتبر الدرقاوية إحدى الطرق المتفرعة

стр. 1481

عن الشاذلية، وهي طريقة ظهرت في المغرب الأقصى في آخر القرن الثامن عشر الميلادي ثم انتشرت في الجزائر، كما ظهرت الشاذلية في طرابلس في فرع آخر يدعى المدنية، سنتناوله، أما في الجزائر فقد بقي لفظ (الشاذلية) غالبا على الفرع الذي تزعمه الشيخ محمد الموسوم، والفروع الثلاثة ترجع إلى سلسلة واحدة وهي أبو الحسن الشاذلي عن عبد السلام بن مشيش عن أبي مدين الغوث، الخ. انتهى أبو الحسن الشاذلي إلى أن أصبحت له طريقة خاصة في التصوف والفلسفة والعلم، عن طريق ممارسة الأخلاق والفضيلة والتوحيد، وقد ذاع صيته كعالم وفيلسوف أكثر منه درويشا له كرامات وخوارق، وكثر تلاميذه في المغرب العربي والمشرق، وشيئا فشيئا أخذوا يستقلون به عن أصحاب الطرق الآخرين، ويمكن القول إن طريقة أبي الحسن الشاذلي تقوم على الرحلة الفكرية والتأمل المستمر في وحدانية الله، وعلى الهيمان في أرض الله بحثا عن التطهر والتسامي، وعلى إهمال الذات وقمعها في سبيل الله، وعلى القيام بالصلوات والواجبات الشرعية في كل وقت وفي كل الظروف وفي كل مكان، لكي يعيش المريد في وحدة دائمة مع الله، والطريقة الشاذلية لا تؤمن بالخلوة ولا بالممارسات التهريجية ولا الانتفاضات والطفرات، بل تهتم بالعلم الروحاني الذي يقود المريدين إلى العيش الدائم في ذات الله، وقد أضاف بعض الباحثين أن الشاذلية يؤمنون بإمام مختف في القاهرة، وأن مذهبهم هو المساواة، وأنهم يقفون ضد التطور الاجتماعي، ويعارضون المسيحيين، ويرفضون قبول الوظائف الإدارية (١). ولا شك أن هذا الرأي مستوحى من العلاقات الدينية - الفرنسية (الاستعمارية) التي كانت سائدة في الجزائر، أو أنه مستوحى من نموذج معين من الشاذلية، وقد قلنا إن تعاليم الشاذلية قائمة على مذهب أبي القاسم الجنيد الذي جاء به أبو مدين الغوث إلى الأندلس والمغرب العربي.

стр. 1482

ويؤمن أتباع الطريقة الشاذلية بأن أبا الحسن الشاذلي شريف من نسل الإمام علي، وله سلسلتان إحداهما سلسلة الورد وتبدأ بالشاذلي نفسه وتمر ب عبد السلام ابن مشيش، وتنتهي بالإمام علي وبالرسول ﷺ وجبرائيل عن الله ، وهناك سلسلة البركة، وهي لا تختلف كثيرا عن الأولى، وتنتهي أيضا بالإمام علي، وقد تناولت كتب الطريقة الشاذلية السلسلتين بالتفصيل، سيما كتاب (المفاخر العلية) لأحمد بن محمد بن عباد الشافعي الشاذلي، وللطريقة الشاذلية علماء ومتصوفة يروون أخبارها ويسجلون أذكارها، ومنهم ابن الصباغ وابن عطاء الله الإسكندري، اللذان شرحا ونوها بكتاب (حزب البحر) الذي يضم تعاليم أبي الحسن الشاذلي، كما سبق القول. ويلتزم أتباع الشاذلية بطريقة معينة للذكر، نجدها بالخصوص عند الشيخ محمد الموسوم، وهي الاستغفار مائة مرة (أستغفر الله). والصلاة على الرسول ﷺ مائة مرة (اللهم صلي على سيدنا محمد النبي الأمي). والشهادة مائة مرة (لا إله إلا الله). وذلك كل صباح ومساء، بالإضافة إلى حضور الحضرة مرة في الأسبوع على الأقل، وزيارة المقدم والحديث إليه مرة في الشهر على الأقل، ثم التوبة الدائمة، وطلب الغفران من الله، والرجوع إليه بكرة وعشيا، هذا هو الوجه الظاهري أو العام للأذكار والممارسات الشاذلية، وهناك جانب آخر خاص أو باطني، وهو مجال لا حدود له من التأمل والتفكر والتعمق في المخلوقات والخالق. ذكرنا أن الشاذلية تفرعت إلى فروع عديدة، وأصبح كل فرع منها مستقلا بشيخه، وأن بعض الفروع زادت في الذكر بعض التفاصيل، وذكر الباحثون أن هذه الفروع تصل إلى نحو العشرين، بعضها موجود في المشرق غالبا مثل الوفائية والحفنية، وبعضها موجود في المغرب الأقصى بالخصوص مثل السهيلية والغازية، أما الطرق الفرعية للشاذلية والتي لها في الجزائر أتباع كثيرون أو قليلون فهي: الجزولية والزروقية واليوسفية، والعيساوية،

стр. 1483

والبكائية، والأحمدية (الكرزازية). والشيخية، والناصرية، والطيبية، والزيانية، والحنصالية، والحبيبية، والمدنية، وهناك فروع أخرى لم نستطع تحديد مكانتها في الجزائر وهي: العروسية، والبكرية (١). ويعود كل فرع إلى مؤسس خاص ينسب إليه، وبعض هذه الفروع في المغرب الأقصى، ولكن له تأثير بالجزائر كالطيبية، والناصرية والعيساوية، ولأهمية بعض هذه الفروع سنخصص لها فقرة في هذا الفصل، أما الباقي فنذكره عرضا، ولكن قبل ذلك نود أن نواصل الحديث عن الشاذلية نفسها. فقد اشتهر في الجزائر الفرع الذي تولاه الشيخ محمد الموسوم في القرن الماضي بأنه هو الممثل للشاذلية وأن له سلسلة في ذلك، وهو محمد الموسوم بن محمد بورقية (ابن رقية) وأصله من غريب نواحي مليانة، بلدية جندل، وسكن قصر البخاري جنوب المدية على مشارف الصحراء، وأسس هناك زاوية للشاذلية، أصبحت ذات سمعة كبيرة في وقته، كما كان هو من الشيوخ المشار إليهم، ولكنه جاء في وقت شهد الثورات من جهة وغطرسة السلطات الاستعمارية من جهة أخرى، فكانت حياته وحياة زاويته نموذجا للعمل الصوفي في وقت الاضطراب السياسي والاقتصادي، ويذكر الإسكندر جولي الذي درس الشاذلية بإمعان، إن الشيخ الموسوم ولد حوالي ١٨٢٠، وأنه ظل يتردد على الطرق الصوفية يأخذ من هذه وتلك في وقت كان فيه نشاط موسى بن حسن الدرقاوي قويا في الناحية، وكذلك نشاط الشيخ عدة بن غلام الله الدرقاوي أيضا، إلى أن عزم الموسوم على اتباع الشاذلية، سنة ١٨٦٦، ولا نستبعد أن يكون استقلال الشيخ الموسوم داخلا في مخطط السلطات الفرنسية في تفتيت المرابطين والطرق الصوفية، وقد لا يكون هو واعيا بذلك، ولكن ظهوره كمهدئ للأوضاع وداع إلى السلم ووقف

стр. 1484

(النفاق) أو الثورة يؤكد هذه السياسة، يقول (رين) إن الشيخ الموسوم قام، من تلقاء نفسه، ثم بطلب من السلطات الفرنسية باستعمال نفوذه سنة ١٨٦٤ (ثورة أولاد سيدي الشيخ) وسنة ١٨٧١ (ثورة المقراني والحداد). فكتب إلى (الإخوان) رسائل ومناشير يحرم عليهم الانضمام للثورة، ويلعن من يتدخل في السياسة (١). أخذ الشيخ الموسوم ورد الطريقة الشاذلية على شيخه عدة بن غلام الله، وهذا أخذه عن شيخه، العربي بن عطية، وهذا أخذه عن العربي الدرقاوي، شيخ الدرقاوية التي هي بدورها فرع من الشاذلية، وقد ذكرنا سابقا محتوى هذا الورد، هذا عن شيخه في مجال التصوف أو الحقيقة، كما يقولون، أما شيخه في العلوم الشرعية وغيرها فهو الحاج الشفيع، وقد تعلم الشيخ الموسوم في مازونة، وكان أبوه قد تولى القضاء في أوائل الاحتلال، وأصبح الشيخ الموسوم بارعا في علوم اللغة والأدب والبلاغة والفقه وعلم الكلام، رغم المستوى المتدني للتعليم في وقته، ولكن موهبته وتفتح ذهنه جعله من القلائل في ذلك العهد الذين ألموا بهذه العلوم، ولو في المستوى المتوسط، ولعل ذلك هو الذي جلب إليه أنظار السلطات الفرنسية فعرضت عليه وظيفة إدارة المدرسة الحكومية الثعالبية بالعاصمة، فاعتذر (٢). وتفرغ للوعظ والإرشاد في قصر البخاري، وذاع صيته بين الناس في الناحية واعتقدوا فيه الصلاح والولاية، رغم أنه، كمعاصره محمد بن أبي القاسم في بوسعادة، كان يبث العلم الممكن في وقت الاحتلال ويبث مبادئ الدين والتصوف (٣). ولعله كان يعتقد أن ذلك أبلغ وسيلة في الجهاد ضد العدو، الذي كاد يخنق أنفاس أمثاله

стр. 1485

ممن تسميهم السلطات الفرنسية بالمرابطين المستقلين. أسس الشيخ الموسوم زاويته بقصر البخاري في حدود سنة ١٨٦٥، وهي تقريبا الفترة التي أسس فيها زميله صاحب الهامل زاويته أيضا، فنحن في عهد اختفت فيه المدارس وحورب فيه تعليم الدين واللغة من قبل السلطات الاستعمارية، ونحن أيضا في عهد شهد زيارة نابليون الثالث للجزائر وصدور مرسومين مشؤومين ضد المجتمع والهوية، أولهما مرسوم ١٨٦٣ الذي سهل انتزاع الأراضي من أصحابها واقتلاع جذور المجتمع من أساسها بتمليك الأرض فرديا وحل النظام القبلي، والمرسوم الثاني أعلن أن الجزائريين رعايا فرنسيون لا حقوق لهم في الحياة السياسية والمدنية ولا جنسية لهم إلا إذا تخلوا عن أحوالهم الشخصية، وقد تخرج على يد الشيخ الموسوم عدد من التلاميذ في العلم والتصوف، منهم الشيخ محمد الشرقي العطافي، وقدور بن محمد بن سليمان المستغانمي، وكان الشيخ تحت رقابة السلطات الفرنسية في برنامجه التعليمي وفي أذكاره الصوفية، ويبدو أن (رين) مؤلف الكتاب الشهير عن المرابطين، كان يعرفه شخصيا، وقد سأله عن حياة الطريقة وأورادها، كما سأل غيره من رجال الطرق، لأن كتابه في الحقيقة، ما هو إلا خلاصة تقارير وتقاييد ومؤلفات وصلته من مختلف المصادر (١). ويذهب الإسكندر جولي إلى أن الشيخ الموسوم اشتهر في المنطقة بالعلم والتقى والزهد والغيرة الدينية، فأثر على الناس وجعلهم يتخلون عن الخرافات والبدع، وقد أعطى هو المثل فكان يرفض المدح، وكذلك العروض Propositions التي قدمها له الفرنسيون، وما عدا ذلك فقد عاملهم معاملة حسنة فاحتفظوا له بذكرى طيبة، كما يذهب جولي إلى أن وفاة الشيخ الموسوم قد أثرت في الجميع، وقال إن مشروعه الذي شيده قد انحط من بعده، إذ تقاسم أبناؤه التركة الروحية وتقاسموا زاوية بوغار (البخاري)

стр. 1486

وزاوية كامب موران؟ فانخفض الحماس الديني عند الأتباع وذهبت هيبة الزاوية، وأصبحت العلاقات بين الزاويتين على غير ما يرام، ولذلك تبعثرت الجهود التي كان الشيخ الموسوم قد بذلها (١). توفي الشيخ الموسوم في ٢٤ ربيع الأول ١٣٠٠ (٣ فيفري ١٨٨٣). حوالي أربعة أشهر قبل وفاة الأمير عبد القادر، وقد خلفه على رأس الزاوية ابنه أحمد، بوصية منه، وترك الموسوم مجموعة من المؤلفات ليس هنا مجال الحديث عنها، إنما نشير إلى أنها مؤلفات صغيرة الحجم ومتخصصة في التصوف في أغلبها، وعددها أربعة عشر مؤلفا، منها تأليف في التوحيد رآه الشيخ الحفناوي صاحب (تعريف الخلف) وقال عنه: (طالعته فوجدته عجبا عجابا). ومنه رحلة ذكر فيها شيوخه، قد تكون ذات أهمية لعلاقتها بأحوال العصر ورجاله، ومنها أيضا تأليف ملفت للنظر يبدو أنه كبير الحجم (خمس كراسات). ألفه سنة ١٢٩٧، أي ثلاث سنوات قبل وفاته، وسماه (النور الوقاد في تعزية الأولاد). وذكر مترجموه أنه ألفه عند وفاة أحد أولاده، وله قصائد يذكرها الإخوان عند اجتماعهم، ومنها (الغوثية) التي أوردها له الشيخ ابن بكار في آخر كتابه، والغوثيات مجال واسع لأهل الدين والتصوف يتوسلون فيها إلى الله لتفريج الكروب ورفع الضيم، واستعمال الرموز عند الشدة، وهي تشبه قصائد المداحين والشعراء الشعبيين من بعض الوجوه (٢). كانت وفاة الشيخ الموسوم في الوقت الذي أخذت فيه السلطات الفرنسية تضيق الخناق على رجال الطرق الصوفية، إنه زمن ما يسمونه الحكم المدني وعهد لويس تيرمان الحاكم العام، وقد قلنا إن أحمد المختار هو الذي خلف والده على الزاوية وحمل بركته الصوفية، ويبدو أن الشيخ أحمد لم يكن في درجة والده علما وموهبة، فقد تفرعت الزاوية إلى فروع في عهده ولم يحافظ هو على وحدتها، ولعل الأمر كان فوق طاقته، لأن ذلك كان هو ما

стр. 1487

تريده السلطات الفرنسية، وهو تشتيت الزوايا وتفريعها وتشجيع استقلالها بعضها عن بعض حتى تظل وحدات صغيرة متنافسة. وفي هذا الصدد أرسلت السلطات الفرنسية المستشرق الإسكندر جولي في بعثة خاصة لدى الشيخ أحمد المختار حيث بقي إلى جانبه عدة شهور، يدرس أحوال الزاوية وأتباعها وزياراتها، وعقيدتها الصوفية، وعلاقاتها، وفروعها، وخرج من ذلك بدراسة مطولة ومفصلة سماها (دراسة عن الشاذلية) (١). وكان الفرنسيون يعتقدون أنهم من خلال هذه الدراسات يعرفون أيضا أحوال المغرب الأقصى الذي تفرعت فيه الشاذلية، وكان لهم في ذلك العهد أطماع في احتلاله، كما كانوا يريدون معرفة العلاقة مع أهل الشاذلية في المشرق ليحددوا علاقاتهم مع العالم الإسلامي، أليس هذا زمن صدور (مجلة العالم الإسلامي) التي كان يديرها الضابط المتخصص في الطرق الصوفية، لوشاتلييه؟ (٢). وقد انتهى الإسكندر جولي من دراسته إلى أن الطرق الصوفية تموت تلقائيا بموت العضو الحي، إذ يعتريها الهرم والفناء، ومن رأيه أن الطريقة تعيش شبابها وكهولتها بحياة شيخها المؤسس ثم يخلفه خلف أضعف منه وأقل حماسا فتضعف الزاوية وتنكمش سمعتها عند العامة ويكثر التنافس بين الفروع، ومن ثمة تتحلل وتنتهي. وهناك دلائل على صدق هذه النظرة، فالشيخ أحمد المختار بادر بإرسال رسالة إلى السيد (رين) على أثر وفاة والده، يخبره فيها بالوفاة، ويطلب منه أن يكون دعما له لدى السلطات، وأنه باق على سيرة والده في احترام الدولة الفرنسية، وأنه متمسك بالسيرة السابقة للزاوية، وهي المحافظة

стр. 1488

على الأمن (والعافية). وقد يبدو لنا هذا الكلام تعبيرا عن خنوع وخضوع بدون داع، ولكن الظروف التي تحدثنا عنها تجعل ذلك، فيما يبدو، أمرا بروتوكوليا، بل ضروريا، والفرونسيون لا يصدقونه على كل حال، لأن الذي يهمهم هو الفعل وليس القول، النتيجة وليس المجاملة، كان رين عندئذ (حاكم مجمع أمور عرب إيالة الجزائر) حسب تعبير الشيخ المختار، وهو الوظيف الرسمي في الحكومة العامة (المتكلف بالشؤون الأهلية). أخبره أن والده قد دفن في المسجد الذي بناه بنفسه من أجل ذلك بقصر البخارى وأنه (كان حبيبك وحبيب أهل الدولة المنصورة) وأنه أوصاه بخلافته (في جميع الأمور، وخصوصا حب الدولة الفخيمة الفرانساوية التي تمتعنا في ضلها (كذا). وعشنا في عافية تامة من قوة إحسانها، لنا ولجميع من احتمى بحمايتها، كما أوصى علينا جميع الأحباب الحاضرين بأن يبقوا على العهد والوداد، والتمسك بطريق الرشاد،) والمقصود (بالأحباب) هنا هم الإخوان، أتباع الطريقة، ولكن هذه الوصية كما سنرى لم يلتزموا بها، إذ سرعان ما تفرعت الفروع وقل الزوار عن الزاوية الأم، وختم الشيخ المختار رسالته إلى رين طالبا منه أن يظل صديقا للزاوية وأن يعمل على حمايتها حتى لا تؤذيها عناصر أخرى (واسأل من فضلك، أن تعاملنا بالإحسان، كما كنت تعامل أبينا (كذا) وتقم (كذا) مقامنا عند حكام الدولة) (١). وقد صدق (رين) عندما قال في كتابه المذكور إن أسلوب المراسلات مع المرابطين قد يفوق أسلوب المراسلات الدبلوماسية عند القناصل الأجانب: مهارة في تظليل الكلمات واختيار المعاني المحتملة،. لقد طال عهد الشيخ أحمد المختار، ولكن الزاوية الشاذلية لم تزدد سمعة على عهده ولم تحافظ حتى على ما كانت عليه، ولعل الولد الذي ألف فيه الشيخ الموسوم كتابه هو الذي كان يعده للخلافة، ذلك أن الشيخ أحمد كان صغير السن عند وفاة أبيه ولعله لم يكن أذكى ولا أقدر أبناء الشيخ

стр. 1489

الموسوم على تسيير شؤون الزاوية، وقد طال عهده حتى أن الشيخ الحفناوي ذكر في (تعريف الخلف) أنه رآه سنة ١٣٢١ (١٩٠٤) واجتمع به وأخذ منه سيرة والده (١). وقد ذكر مؤلفا (الطرق الدينية) سنة ١٨٩٧ أن الشيخ أحمد كان يدير الزاوية تبعا لتقاليد والده، أي في علاقتها مع السلطات الفرنسية، ومهما كان الأمر فقد أسس تلاميذ الشيخ الموسوم زوايا فرعية لم تكن تدين بالولاء للزاوية الأم (زاوية قصر البخاري). ففي بلدية ثنية الحد أسس الشيخ أحمد بن أحمد زاويته، وغير الذكر الذي تعلمه على شيخه قليلا، ولاحظ الفرنسيون أن سمعته تتوسع على حساب الزاوية الأم والوارث الروحي (البركة) للشيخ الموسوم. وهناك فرع آخر كان يديره بلقاسم بن الحاج سعيد المعروف بوقشبية، وكان بناحية اليدوغ، دائرة عنابة، وتلاحظ المصادر الفرنسية أن العرب والأوروبيين يعتبرون صاحب هذا الفرع حامي الغابات، حتى أنهم لا يخشون من الحرائق عليها، وأن له سمعة كبيرة، ويبدو أن الدروشة كانت غالبة على هذا الشيخ، ولكن الفرنسيين كان يهمهم حماية الغابات التي استولوا عليها والأمن على أملاك الأوروبيين، فلماذا لا يستغلون في ذلك اسم الشاذلية؟ وقد رأينا خاتم شيخ هذا الفرع فإذا هو مكتوب بالحروف العربية واللاتينية بطريقة مؤسفة، هكذا: (سيد بالقاسم بن الحاج اسعيد الشيخ الطرقة الشدولية) (٢). وهو يلقب (بوقشبية) أي الخرقة التي يلبسها، حتى شاع بين الناس أنه صاحب طريقة بذاتها فيقولون (طريقة بوقشبية). وقد أصبح هذا الشيخ يعطي بدوره الإجازات لمقدميه، ومن ذلك إجازته لمحمد بن الطاهر التي أذن له فيها بإعطاء ورد (طريقتنا الشاذلية). ووقعها هكذا: أبو القاسم بن الحاج اسعيد القرفي نسبا، الشاذلي طريقة، وقال إنه أخذ الذكر والاسم من

стр. 1490

شيخه الحاج محمد بن خليفة عام ١٢٩٦ (١٨٧٨) (١). ويبدو أن دور بوقشبية في الشاذلية كان لا يختلف كثيرا عن دور مبارك بن يوسف في القادرية. وبعض تلاميذ الشيخ الموسوم قد أسسوا فروعا لأنفسهم وعاشوا بها يقومون بتعاليمها ويمارسون واجباتها، كالصلاة والذكر والتأمل، ومن هذا فرع الشيخ قدور بن محمد بن سليمان الذي شب على الطريقة الشاذلية، وأذن له فيها شيخه الموسوم، ثم أضاف إليها الطريقة التجانية التي تلقاها على شيخها أحمد التجاني (الحفيد) وأذن له في تلقينها، وقد توفي الشيخ قدور سنة ١٣٢٢ (١٩٠٥). ودفن في زاويته، وعمره يزيد عن الستين، وكان قدور يشبه شيخه الموسوم في الجمع بين العلم والتصوف، قال بعضهم إنها تزيد على العشرين، ونسبوا إليه كرامات، وله كتاب في (المرائي) (٢). وللشاذلية فروع أخرى، غير التي ذكرناها، كانت منتشرة في البلاد، ويمارس أصحابها أورادهم وأذكارهم بزيادات من عندهم، ونعني بذلك فروع زاوية الشيخ الموسوم بقصر البخاري، أما فروع الشاذلية الأصلية فكثيرة، وسنأتي على بعضها بعد حين. وفي آخر القرن الماضي (١٨٩٧) كان أتباع الشاذلية في الجزائر قد قدروا بـ ١٤، ٢٠٦، موزعين على إقليم الجزائر وقسنطينة، وكان للطريقة ١١ زاوية، ١٩٥ طالبا، ٩ شيوخ، ٩٩ مقدما (٣). الزروقية واليوسفية قلنا إن للشاذلية عموما فروعا كثيرة بلغت العشرين عند البعض، ومن

стр. 1491

هذه الفروع الزروقية، نسبة إلى الشيخ أحمد زروق البرنوسي الفاسي، دفين مصراته (ت، ٨٩٩). وكان أحمد زروق قد أقام في الجزائر في آخر القرن التاسع، وفي بجاية وقسنطينة، وهو أيضا من العلماء المتصوفة وليس من أصحاب الطرق التي نفهمها اليوم والذين اشتهروا بالغموض والدروشة واستغلال العامة، كان معلما ناجحا وفقيها، ولكنه كان أيضا يؤمن بالتأمل واستعمال الفكر، ولم يؤسس طريقة وإنما ترك أفكارا وتعاليم شبيهة بأفكار الشاذلي وأبي مدين، وله وظيفة قام أتباعه وتلاميذه بشرحها وتداولها، وترك كذلك عدة كتب في التصوف منها (عقيدة المريد)؟ ونسب إليه كتاب عنوانه (الأنس) اشتهر به عند المتعلمين، وأتباعه لم يؤسسوا طريقة باسمه، فظلت الزروقية نوعا من (التنظيم) غير المحكم حتى تساءل أحد الباحثين عما إذا كانت الزروقية ستختفي (١)؟ وكانت الزروقية منتشرة في قسنطينة وتلمسان وبجاية، ومن أنصارها عبد الرحمن الأخضري وعبد الكريم الفكون (٢). أما في العصر الذي نحن بصدده فقد عرف الشيخ الطيب بن الحاج البشير، ضاحية أولاد طريف (البرواقية). والشيخ ابن جدو في مسكيانة أنهما من أنصار الزروقية، وقد وجد في خاتم الشيخ الطيب أنه شاذلي الطريقة، وأن تاريخ الختم هو ١٢٧٧ (١٨٦٠). وهو مكتوب بالحروف العربية واللاتينية، وقدر الفرنسيون عدد الأتباع بأقل من ثلاثة آلاف إخواني (٢، ٧٣٤) سنة ١٨٩٧ (٣). وبالطبع ليس للزروقية زاوية أم. ومن تلاميذ أحمد زروق الشيخ أحمد بن يوسف الملياني الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول والمتوفى سنة ٩٣١، وذكرنا هناك دور الملياني في العلاقات بين العثمانيين والزيانيين، وللملياني تعليق على وظيفة الشيخ زروق، وبقي له أتباع في نواحي تلمسان ومليانة، لكن الفرنسيين يذكرون أن

стр. 1492

الاغتيالات كانت تطارد أحفاده، فقد ذكروا أن أحدهم اغتيل سنة ١٨٧٢، وآخر سنة ١٨٨١، وثالثا اغتيل سنة ١٨٩٥ لأسباب غير واضحة، وهم ينسبون ذلك إلى خصومه من الشرفة (الأشراف). ولعل ذلك كان بتشجيع من الفرنسيين أنفسهم لإبقاء التوتر، لأن الشيخ الملياني كان حليفا للنظام العثماني، كما عرفنا، وكان أحفاده من المقربين للدايات، حتى أن الداي الأخير (حسين باشا) كان متزوجا إحدى حفيداته، ومهما كان الأمر فإن مصطفى ولد الحاج الساحلي قد اغتيل في فيفري ١٨٧٢ وكان قايدا (حاكما) على طيوط، ثم تولى أخوه الحاج الملياني مكانه في القيادة فوقع اغتياله أيضا في ٢٩ مارس ١٨٩٥، وهذا يدل على فوضى الحكم والسلطة في العهد الفرنسي، سيما وأن ذلك واقع في عهد يسمونه عهد الهدوء والاستقرار، أما الثالث الذي اغتيل سنة ١٨٨١ فلا نعرف اسمه الآن، وكان الفرنسيون قد أخذوا، كما أشرنا، يوظفون من رجال الطرق الصوفية في القيادات والمناصب الإدارية منذ أواسط الثمانينات، ويلمح الفرنسيون إلى أن هناك علاقة بين الاغتيال الثالث وثورة بو عمامة (١٨٨١) إذ أن المعادين للفرنسيين (النصارى، كما تقول الوثيقة) قد نقموا على مرابط طيوط (من أتباع أو أحفاد الشيخ الملياني) لأنه سهل مهمة الجنرال (دي بانيير) في وقف الثورة. وكان الفرنسيون يراقبون تحركات الطرق الصوفية عموما ولا سيما تلك التي لها علاقات مع الخارج، وقد لاحظوا أن هناك حركة مشبوهة بين درقاوية المغرب ويوسفية (١) الجزائر فراقبوها عن كثب، ووجدوا أن سي عبد القادر، مرابط طيوط قد استقبل سنة ١٨٨٠ أحد رجال الطريقة الدرقاوية، وهو محمد الشاوي، وكان ذلك بدون طلب الرخصة من السلطات الفرنسية التي تريد أن تعرف كل وسيلة للاتصالات، فاتهمت سي عبد القادر بأنه من أتباع الدرقاوية، أي أنه تابع لطريقة (أجنبيه) نتيجة رحلته إلى زاوية مدغرة التي كان يديرها سي محمد بن العربي، وعندما أحس سي عبد القادر بالتضييق عليه طلب السكن في تلمسان والابتعاد عن طيوط

стр. 1493

ومشاكلها وعلاقتها مع المغرب الأقصى، وقد وافقت السلطات على طلبه، وقضى بقية حياته في تلمسان إلى أن مات سنة ١٨٨٨، وكان ل عبد القادر هذا أخوة أحدهم سي زروق، وهو الذي كان يدير شؤون الزاوية في سنة ١٨٩٧، ولكنه كان مهتما بالحياة الآخرة ومبتعدا عن الناس، أما الذي كان يدير الزاوية اليوسفية فعلا في الجزائر، فهو المسمى مولاي، الأخ الثالث له، وهو الذي كان على اتصال مع الخارج، أي السلطات الفرنسية وغيرها. وليس لليوسفية كثير من الأتباع، ومعظمهم كانوا مرتكزين في النواحي الغربية من البلاد، ولها أفراد هنا وهناك في بقية الجزائر، وحسب إحصاء سنة ١٨٨٢ فإن لها في الجزائر زاوية واحدة، وخمسة مقدمين، ٥١٩ من الإخوان، أما إحصاء ١٨٩٧ فيعطيها حوالي ١، ٤٤٦ من الإخوان (١). واليوسفية - الراشدية كثيرا ما تختلط بالزروقية/ الشاذلية، كما ذكرنا. ويذكر مؤلف (مجموع النسب) أن محمد بن الشرقي العطافي، تلميذ الشيخ محمد الموسوم قد تزوج من فرنسية، ويفهم من كلامه أنه طلقها بعد مدة، إذ قال إنه تزوج من (علجة رومية وبقيت تحته مدة) وله نسل لا ندري هل منها أو من امرأة أخرى، وتوفي سنة ١٣٤١ عن ٩٨ سنة، وكان الشيخ محمد الشرقي هذا من الأدارسة ومن مواليد ١٢٣٩ هـ، وبعد وفاة شيخه الموسوم استقل بالزاوية في العطاف ولم يعترف بالزاوية الأم (قصر البخاري). وكان قد أخذ أيضا عن شيوخ آخرين، أمثال عدة بن غلام الله بواسطة الحاج محمد البعبيدي، وكان محمد الشرقي من متعلمي الوقت، ولم يسافر خارج الجزائر حسب المعلومات (٢). وكانت الشاذلية قد انتشرت أيضا في تلمسان ونواحيها، ومن أشهر رجالها في أوائل هذا القرن، الشيخ محمد بن يلس الذي هاجر إلى دمشق سنة ١٩١١ مع أسرته، وقد واصل هناك مشيخة الشاذلية، فهو من مواليد

стр. 1494

١٢٦٤ (١٨٤٧). ومن شيوخه في الجزائر محمد البوزيدي ومحمد الهبري، وكلاهما درقاوي، ولكن الشاذلية هي المعروفة في المشرق، ولم نسمع أنه انتسب هناك للدرقاوية، وقد جلس للتدريس في جامع عز الدين وفي بيته عندما كان في دمشق، وكان له مريدوه، ثم انتقل إلى زاوية بحي الشاغور، وله ديوان شعر وبعض المؤلفات الأخرى، وتوفي سنة ١٣٤٦ (١٩٢٧) بدمشق، وقد خلفه في الزاوية والطريقة هناك تلميذه الذي هاجر معه أيضا الشيخ محمد الهاشمي التلمساني (١). وقد استغل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة ١٩١٤، فقد أصدر شيخ زاوية قصر البخاري التي تعتبر الزاوية الرئيسية لهذه الطريقة، نداء إلى أتباعه طلب منهم أن يطيعوا الفرنسيين لأنهم أولو الأمر الذين نصت عليهم الآية ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر﴾ وفسر ﴿أولي الأمر﴾ هنا بأنهم هم الحكام الفرنسيون، وعلى الجزائريين بالإخلاص إلى فرنسا (قلبا وقالبا). وذكر مزايا فرنسا على الجزائر، ثم قال: ﴿وشيدت لنا المساجد وفتحت لنا المدارس وبنت لنا المستشفيات وعلمتنا الصنائع، واحترمت ديننا وعوائدنا (بينما كانت (الجزائر) قبل ذلك غنيمة في يد الأتراك حيث ارتكبوا فيها (الفظائع الكبرى). وأخبرهم أن دولة تركيا الآن هي بأيدي بعض الأوباش، واعتبر فرنسا (دولتنا ... المحبوبة) (٢). وكان هذا المتحدث باسم الزاوية الشاذلية عندئذ هو عبد الرحمن بن الشيخ الميسوم. الطريقة العيساوية والعيساوية من فروع الشاذلية/ الجزولية أيضا، ومؤسسها هو الشيخ محمد بن عيسى، دفين مكناس بالمغرب الأقصى، وقد اشتهرت العيساوية

стр. 1495

بين العامة على أنها من الطرق المهرجة، فهي تمارس أعمالا ظاهريا لا علاقة لها بالعبادة والتصوف، كالرقص وأعمال العنف والتضارب والسحر وغيرها من أوجه النشاط العضلي والبدني على مسمع ومبصر كل الناس، ويذهب (رين) إلى أن لديه رسالة من شيخ الزاوية الأم بمكناس، يستنكر فيها ما يقوم به بعض الأتباع من أعمال لا علاقة لها بالطريقة، وهو يوصيهم بعدم الخلط بين السحر والتصوف، وأكد له أن بعض المنتسبين للعيساوية ما هم إلا سحرة، ويضيف رين أن شيخ مكناس ألح في رسالته على ضرورة جمع التبرعات مما يدل، في نظر رين، على أن اهتمام الشيخ كبير بجمع المال والشؤون الدنيوية رغم أن الزاوية غنية (١). ويبدو لنا أن العيساوية قد اتخذت طابعا شعبيا في الجزائر وفي المغرب، ونقصد بالطابع الشعبي ذلك المظهر الذي يختلط فيه الجد والهزل والدين والشعوذة تنفيسا وترويحا على روح الشعب المكبوت، إنها نوع من الانفجار الداخلي، ولكن في اتجاه آخر، ليس ضد العدو كالثورة، ولكن باستخدام وسائل العنف ضد الجسد وتبسيط الدين إلى درجة القيام بأعمال السحر والخرافة، إنها (الكاريكاتور) الصوفي إذا صح التعبير، وهي توازي بأعمالها في الحياة الدينية ما يقوم به عندئذ المداح في الحياة الأدبية، والشعوب تتخذ لها مسارات جديدة للتنفيس عن نفسها كما يتخذ الماء المضغوط مجاري جديدة، ولكن البعض يرى في أعمال العيساوية أداة لتخدير الشعب ومساعدة السلطة الاستعمارية على التحكم والبقاء. ورغم استنكار الفقهاء والعقلاء والمتعلمين ما يأتي به بعض أتباع العيساوية من ممارسات سلبية، فإن أتباعها كانوا يقومون بأعمال اعتبرها بعضهم مفيدة كمداواة المرضى، فهم يذهبون إلى البيوت ويقومون بصلوات وأدعية عند المريض، ويظهرون المعاناة والحزن من أجل الآخرين، والعامة، حسب (رين). تحب ذلك منهم لأنهم، دون الطرق

стр. 1496

الأخرى، يبدون الحرص على حياة البائسين. وللعيساوية أوراد وأذكار، ولهم صلوات وأدعية، ومع ذلك ابتدعوا ما ليس موجودا، وجاؤوا بأعمال تحدث التشنج العصبي الخطير، ويطلقون صرخات مدوية على ضربات الموسيقى والطبول، وهي صرخات وحركات تبدأ ببطء ثم تتصاعد وتتشنج إلى أن تصل إلى الغيبوبة والسكر الجسماني، ثم يكون الرقص المتوتر وفقدان التوازن، ولكي يجذبوا الجماهير ويذهلوها يقومون بأمور عجيبة غير مألوفة ولا معروفة عندها، ولكنها معروفة عند الكيمياويين، كما يقول رين، وهم يعتبرون ذلك من أسرار المهنة والشؤون الداخلية، ولكن غيرهم يعتبرها سحرا وشعوذة وبهلوانية، وهذا الطابع الاحتفالي الذي تكتسي به أعمال العيساوية هو الذي جعل السواح والفضوليين يحضرون حفلاتها ويعتبرون ذلك هو الإسلام حقيقة وهو حال المسلمين فعلا. ومع ذلك فالعيساوية ممدوحة عند أصحاب السلطة أيضا، سواء في العهد العثماني أو في العهد الفرنسي، ويذكر الفرنسيون أنهم وجدوا ٢٣ رسالة لدى شيخ العيساوية في الجزائر كلها تعفي زاويته من الضرائب، وهي صادرة من الدايات ومن بايات التيطري، كما تعفيهم من حق التويزة (السخرة) في القبائل المجاورة وتأمر باحترامهم، وقد قاومت زاوية وزرة القريبة من المدية والتي تمثل مشيخة العيساوية، قاومت الفرنسيين إلى سنة ١٨٤٢ حين احتلوا المدية بعد استئناف الحرب ضد الأمير عبد القادر، ورغم أن الفرنسيين لم يلاحظوا عليها كطريقة لا كافراد، مساندة أخرى للثورات أو الدعوة إليها بعد ذلك، فإنهم ظلوا يخشون أتباع العيساوية لشعبيتهم ولوجود علاقات خارجية لهم (مع المغرب الأقصى). وتبدي هذه الطريقة تسامحا مع الفرنسيين فتتركهم يحضرون ممارساتها الصوفية، رغم أن تصوفهم، كما يقول رين، معارض للتقدم، أي لا يتفق مع المخططات الفرنسية، أما شيوخ الطرق الأخرى فلا ترضى أغلبتيها بتصرفات العيساوية وتراها مخلة بالوقار والتعاليم الصوفية الراسخة، ويذكرون أن محمد بن علي السنوسي قد روى

стр. 1497

سنده في مختلف الطرق إلا العيساوية، فإنه لم يذكرها رغم أنه ذكر الجزولية التي هي الأصل مع الشاذلية للعيساوية. قلنا إن قبيلة (وزرة) منحدرة من الشيخ محمد بن عيسى مؤسس العيساوية بمكناس، وفي آخر القرن الماضي (١٨٩٧) كان شيخ العيساوية في وزرة هو الحاج علي الذي كان له ابن يدعى حامد بن علال، وكلاهما عندئذ شيخ هرم (١). وللشيخ ختم مدور مكتوب فيه (الواثق بذي الكمال كبير المرابطين علي بن علال، ١٢٦٦). وقد تأسست الزاوية بوزرة على يد أحد أجداد الأسرة سنة ١٧٨٨، وكان جدهم علال قد جاء من المغرب الأقصى إلى وزرة حوالي ١٥٧٠، وهم فيما يقال من نسل محمد بن عيسى مؤسس زاوية مكناس، ويقولون إنهم يملكون جلد النمر الذي كان الشيخ محمد بن عيسى يحب النوم عليه، كدليل على أنهم من نسله، وما يزال هذا الجلد موجودا عندهم إلى آخر القرن الماضي، ولهم فيه عقائد، والناس يتداوون به، سيما النساء، على أنه محل للكرامات والعجائب (٢). وربما يختلط الأمر على البعض فيظن أن (سيدي محمد بن عيسى) المسماة عليه بلدة سيدي عيسى بين السور وبوسعادة، هو من العيساوية، ونحن لا ندري الحقيقة ولكن الذين بحثوا قالوا إنه لا علاقة بين الاسمين، ويذهب رين الذي له كتاب في تاريخ القبائل والأعراش بالجزائر حسب أقاليمها ومناطقها، إلى أن أولاد سيدي عيسى من الأشراف (المرابطين) وليسوا فرعا من الطريقة العيساوية، وكان الرئيس الديني لقبيلة أولاد سيدي عيسى عندئذ (١٨٨٤) هو سي الأطرش بن محمد بن عذبية، وكان عمره ٨٨ سنة، وكان قيما على ضريح حفيد سيدي عيسى، وليس له زاوية ولا مدرسة، وهو شيخ كان يعيش بعيدا عن الفرنسيين، وينسب إليه الناس رؤى منامية

стр. 1498

عجيبة، وله أولاد كان يمكنهم في نظر الفرنسيين أن يلعبوا دورا سياسيا إذا أرادوا نظرا لشهرة والدهم بهذه الكرامات، ويقصد رين أنه في إمكان الفرنسيين توظيف أمثال هذه الكرامات والسمعة لصالحهم بإسناد وظائف لأولاد الشيخ المذكور، وكان للشيخ الأطرش ولد يدعى الحسين مرشحا لخلافته، وقد نعته رين بأنه رجل عاقل ويحصل على الغفارة من القبائل المجاورة والبعيدة، من بسكرة إلى المدية وإلى البرج (١). وللعيساوية أيضا فروع في الجزائر، زاويتها الأولى هي في وزرة، ورئيسها عندئذ هو علي بن محمد بن الحاج علي، المقيم في البرواقية، ثم محمد الكبير المقيم في البليدة، وهناك زاوية الرمشي، قرب تلمسان، ورئيسها الكزولي ولد الحاج محمد، وهي زاوية لها أهمية، لأن شيخها ورع، وله سمعة بين الأهالي على أنه بهلواني Jongleur، أما الفرع الآخر فهو في قسنطينة، وله فيها زاوية، كما له مركز في عنابة ومقدمون. وإذن فالطريقة منتشرة في وسط الجزائر وغربها وشرقها، ولكن أتباعها مع ذلك قليلون، فقد كانوا ٣، ١١٦ إخوانيا حسب إحصاء ١٨٨٢، بالإضافة إلى ١٢ زاوية و ٤٥ مقدما، أما إحصاء ١٨٩٧ فقد جعل الأتباع (الإخوان) ٣، ٥٨٠، من بينهم ٣٣ من النسوة، وهو عدد قليل بالنسبة لسمعة العيساوية الشعبية من جهة وبالنسبة لأتباع بعض الطرق الصوفية الأخرى التي سنتحدث عنها من جهة أخرى، ولعل هذا العدد من الأتباع يدل على أن الناس كانوا يحضرون ملتقيات وممارسات العيساوية كفضوليين أكثر منهم إخوانا فيها، لهم قيود والتزامات محددة نحو الشيوخ والمقدمين، أما الأوجه الأخرى للإحصاء فقد أعطتهم (سنة ١٨٩٧): شيخا واحدا، و ٣٩ مقدما، وعشر زوايا، وخمسة من الوكلاء وثمانية وخمسين من الشواش (٢).

стр. 1499

الطريقة الحنصالية والحنصالية فرع آخر من فرع الشاذلية، ومؤسسها هو سعيد بن يوسف الحنصالي، من المغرب الأقصى، من أهل القرن ١٧ م، وتوفي سنة ١١١٤ (١٧٠٢). وهو من حنصالة، فرقة من بني مطير، جنوب فاس، وكان الحنصالي من عائلة مرابطين (١). وقد حملها إلى الجزائر سعدون الفرجيوي الذي كان قد تتلمذ على الشيخ يوسف الحنصالي في المغرب الأقصى، وقد أصبح سعدون مقدما لشيخه، ثم خلفه في ذلك معمر الذي يوجد قبره في التلاغمة، ثم خلفه أحمد الزواوي الذي أكسب الطريقة الحنصالية شهرة، لأنه من عائلة مرابطية أولا ثم لموقفه من صالح باي ثانيا، إذ كان لا يخاف أرباب السلطة، وقد اشتهر الزواوي بالكرامات لدى العامة، ومنها تلك الرحلة الخيالية في البحر لكي يرى النصارى عند هجومهم على الجزائر (حملة أوريلي) سنة ١٧٧٥، وكان ذلك كله في العهد العثماني. أخذ الحنصاليون تعاليم الشاذلية، خصوصا تلك التي تبنتها العيساوية والطيبية، وانتهوا عند الشيخ محمد بن سليمان الجزولي صاحب (دلائل الخيرات) وهو رقم ٢٦ في السلسلة، كما أخذوا بمبدإ التسامح، وهو ما يحبذه الفرنسيون من الطرق الصوفية، إذ أن ما يقابل التسامح في نظرهم هو التعصب الديني الذي يعني رفض الاحتلال ومقاومته بالدعوة إلى الجهاد، كما يأخذ الحنصاليون بمبدإ الإحسان وأفعال الخير، ولكنهم أيضا يقومون بأفعال شبيهة بأفعال العيساوية من رقص وحركات جماعية هي أقرب إلى البهلوانية من غيرها، ويعتقد فيهم الناس عقائد شاعت عنهم، مثل إشفاء المرضى، والعثور على الأشياء الضائعة والمسروقة، ومعرفة الأسرار، والتعرف على المجرمين، ونحوها، ولهم حضرة محاطة بالسرية، وهم يستعملون الإنشاد العصبي في أذكارهم، ويقرأون بالخصوص القصيدة

стр. 1500

الدمياطية الشهيرة (١). التي اشتهرت عند العامة باسم (الزمياطية) وتعني ممارسة السحر والمخدرات والكيف والغياب عن العالم الحاضر، كما ينشدون أشعارا أخرى في نفس المعنى. ووردهم يتألف من عبارات دينية وأدعية يرددونها صباحا ومساء في أوقات مضبوطة - عقب أوقات الصلوات الخمس، فبعد الفجر يقرأون الفاتحة عشرين مرة ويستغفرون الله مائة مرة، وبعد الظهر يتشهدون مائة مرة، وبعد العصر يقرأون الفاتحة عشرين مرة، والبسملة مائة مرة، وبعد المغرب يقرأون الفاتحة أيضا عشرين مرة وسورة (الإخلاص) مائة مرة، وبعد العشاء يقرأون الفاتحة عشرين مرة، ويصلون على النبي ﷺ مائة مرة، وإذا قرأوا القصيدة الدمياطية في جماعة برخصة من المقدم يهيجون ويفقدون توازنهم ويصبحون حمقى، وهذا هو معنى (الزمياطي) الذي اشتهر عند العامة، الحنصالية بقيت دائما هادئة ولم يرتبط اسمها بالثورات، ويعتبر الفرنسيون ذلك منها موقفا صحيحا، وهم لا يخافون منها كما يخافون من بعض الطرق الأخرى حتى الهادئة منها، لكثرة أتباعها أو لعلاقتها الخارجية، ورغم أن الحنصالية ترجع إلى زاوية أصلية توجد في دادس بالمغرب ألأقصى، فإنها لم تكن تثير مخاوفهم كما قلنا، وهم يذكرون أن خليفة الحنصالية سنة ١٨٨٤ كان معاونا أهليا (أي موظفا جزائريا عند الإدارة الفرنسية) في بلدية روفاش، قرب قسنطينة. والإحصاءات لا تذكر إلا حوالي أربعة آلاف إخواني كأتباع للحنصالية، رغم اسمها الشهير في قسنطينة ونواحيها، وهي لا تكاد تذكر في غير هذه الناحية، فيذكر لها رين (١٨٨٤) ٣، ٥٩٨ إخوانيا، ويذكر قارو (١٩٠٦) رقما كاملا وهو ٤، ٠٠٠، أما بقية الإحصاء، حسب رين، فهو كما يلي: خمس زوايا، وخمسون مقدما (٢). أما إحصاء ١٨٩٧ فيذكر للحنصالية

стр. 1501

ثماني عشرة زاوية، و ٤، ٢٥٣ إخوانيا، وشيخا واحدا، و ٤٨ مقدما، و ١٧٦ طالبا، وقد عثر هذا المصدر على إجازة يرجع تاريخ ختمها إلى سنة ١٢٩٥ وكاتبها هو بلقاسم بن الزواوي، وتاريخ الإجازة هو ١٣٠٧ (١). وهم لا يذكرون معها علماء ولا تآليف، ولكن أحد شيوخها، وهو أحمد المبارك المعروف العطار، كان أستاذا في مدرسة قسنطينة، وله تأليف عن تاريخ مدينة قسنطينة ألفه بطلب من المستشرق الفرنسي شيربونو، على أغلب الظن. الكرزازية (الأحمدية) والزيانية وفي الجنوب الغربي للجزائر ظهرت الطريقة الكرزازية نسبة إلى مؤسسها الشيخ أحمد بن موسى الحسني مولى كرزاز، وقد ولد هذا الشيخ سنة ٩٠٧ هـ، وعاش إلى أن تجاوز المائة إذ توفي سنة ١٠١٦ (حوالي ١٦٠٨ م) وتوجد الزاوية الأم جنوب القنادسة في الطريق المؤدي إلى توات، وكان الشيخ أحمد أحد الأشراف في المنطقة، اشتهر بالعلم والورع إلى أن أصبح مقدما للشاذلية التي أخذها على شيخيه أحمد بن يوسف الملياني وأحمد بن عبد الرحمن السهيلي، وكان السهيلي مقدما للشاذلية في وقته وله زاوية قرب وادي قير، وتعرف الطريقة الكرزازية بالأحمدية أيضا نسبة إلى مؤسسها. وتعتمد الكرزازية السلسلة الشاذلية، فهي تمتد إلى جبرائيل والرسول ﷺ عن طريق الإمام علي والحسن البصري، عبر أبي الحسن الشاذلي وتلاميذه، إلى أحمد بن عبد الرحمن السهيلي، وذكر الكرزازية أيضا هو نفسه ذكر الشاذلية من حيث المبدإ، لكن أحمد الكرزازي أضاف البسملة إلى أذكار الصبح حيث تكرر خمسمائة مرة، وتمر السلسلة في أحفاد الكرزازي إلى أن تصل إلى الشيخ الكبير بن محمد المتوفى سنة ١٨٨١، ثم أحمد بن الكبير بوحجاجة المتوفى سنة ١٨٩٦، ثم عبد الرحمن بن محمد، وهو الخامس عشر في السلسلة، والذي كان شيخا للزاوية سنة ١٨٩٧.

стр. 1502

وللزاوية هيئة إدارية نشيطة من الرئيس والخلفاء والمقدمين والخدم، فالرئيس أو الشيخ له خلفاؤه، والمقدمون لهم نوابهم، وللجميع خدم دنيويون يقومون لهم بالواجبات، والخلفاء يختارون عادة من بين أعضاء عائلة الشيخ، أما المقدمون فيختارهم الإخوان، وتختلف الكوزازية بعض الشيء عن غيرها في أن إدخال الأخ في الطريقة لا يكون أمام الحضرة ولكن فرديا، كما لا تعطى الإجازات للإخوان البسطاء الذين لم يبلغوا درجة من العلم والذكاء والدبلوماسية، ويقولون إن الزاوية الأم فقيرة جدا، ولذلك تحتاج إلى حقوق الزيارات، ومع ذلك يذكرون عنهم أنهم لا يقبلون الطعام من أحد، وإذا ما دعوا إليه فإنهم يعدون طعامهم بأنفسهم!، ولعل ذلك كان مجرد رياء وتظاهر. وبالإضافة إلى الجانب الديني والصوفي، يقوم إخوان الكوزازية، سيما المقدمون ونوابهم، بالإصلاح بين الناس، وهم يحتفظون بالحياد عند الخصومات، وتحمى الزاوية ضحايا الاعتداءات في الطرق التجارية، وهي ملجأ للهاربين والفقراء، وكانت لهم علاقة طيبة مع سلاطين المغرب والحكام الفرنسيين بالجزائر، حسب المعلومات الفرنسية، لكن الفرنسيين يلاحظون أن أولاد سيدي الشيخ كانوا دائما يجدون الملجأ في زاوية كلازاز، رغم الموقف الحيادي لها، ولها أتباع في الناحية كلها من بني سناسن إلى توات، وللزاوية أملاك في هذه الناحية، غير أن أغلب الأتباع في بني غيل، ودوي - مينا، وحميان وتلمسان وعين تموشنت. وعلامة على علاقاتها الحسنة مع الفرنسيين، رغم شعار حيادها، عرض شيخ الزاوية سنة ١٨٨١، وهو أحمد بن الكبير بوحجاجة، إعادة بعض الهاربين إليه من ثورة بوعمامة، وعند وفاة هذا الشيخ سنة ١٨٩٦ بادر خليفته، عبد الرحمن بن محمد بإخطار الفرنسيين بالوفاة وتسميته هو خليفة له، ووعدهم باتباع سيرة سلفه وسياسته معهم، وقد بعث بذلك إلى الجنرال الفرنسي، حاكم العين الصفراء (١). وأخذت الزاوية في العهد الأخير تتوسع

стр. 1503

في بني كومي، والفجيج والقورارة ووادي الساورة. وتثبت إحصاءات سنة ١٨٨٢ أن لزاوية كرزاز ٢، ٩٢٤ من الإخوان، و ٦٢ مقدما في إقليم وهران، ولا شك أن لها أتباعا أيضا في شرق المغرب والجنوب الجزائري، لأنها كانت مهتمة بحماية قصور (قرى) الصحراء والتجار، أما إحصاء سنة ١٨٩٧ فيثبت لها حوالي ثلاثة آلاف من الإخوان، و ٧٨ مقدما، واحصاء سنة ١٩٠٦ لا يضيف جديدا لعدد الإخوان، ولكن يذكر أنها تشرف على حوالي عشر زوايا أخرى. ... ولا نكاد نضيف جديدا عما قلناه في الجزء الأول عن الزيانية (١) بالقنادسة، عدا أننا نبدأ هنا من حيث انتهينا هناك، وبعض التفاصيل عن السلسلة والذكر لهذه الطريقة، فالسلسلة الزيانية تمر بعدد من العلماء والصالحين، أمثال أبي مدين شعيب، وأبي الحسن الشاذلي، ومحمد بن ناصر الدرعي، أما الذكر فإن الزيانية تمارس أذكار الشاذلية مع بعض التغيير، على هذا النحو: الاستغفار مائة مرة عند الفجر، والصلاة على الرسول ﷺ مائة مرة (بهذه الصيغة: اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم). والتشهد ألف مرة، والتسبيح مائة مرة، وذكر اسم الجلالة ألف مرة، كما أن بعض أتباعها يقرأون الوظيفة الزروقية أيضا. وقد عرفنا أن مؤسس هذه الزاوية والطريقة هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن بوزيان، المتوفى سنة ١١٤٥ (١٧٣٣) على الأرجح، وأن هناك مصادر تناولت حياته بالتفصيل اعتمدنا على بعضها، سيما كتاب (طهارة الأنفاس) لمصطفى بن الحاج البشير الذي قدمه ولخصه أوغست كور، المستشرق الفرنسي، وكنا قد ترددنا حول عصر المؤلف (مصطفى بن الحاج البشير) ولكننا

стр. 1504

عرفنا هذه المرة أنه من أوائل هذا القرن إذ أنه كان حيا سنة ١٩١٥، وبذلك يكون قد عرف السيد (كور Cour) شخصيا لأن هذا كان أستاذا في مدرسة تلمسان عندما اطلع على كتاب (طهارة الأنفاس) وعرضه (١). وقد جاءت المعلومات التي عرضها السيد كور عن حياة بوزيان وزاويته بعد عدة سنوات من تأليف كل من رين وكوبولاني وديبون عن الطرق الصوفية، ومنها الزيانية (٢). أوصى بوزيان بالخلافة لأحد أبنائه، وهو محمد الأعرج الذي أورثه سره وبركته الصوفية، وأمر أتباعه بطاعته، واتجه الشيخ محمد الأعرج نحو التعليم والدعوة للطريقة والدين، واشتهر أمره، ومدحه بعض الشعراء أمثال محمد بن الحاج التلمساني، وقد توفي الشيخ الأعرج سنة ١١٧٥ (١٧٦١). ثم تتابع الخلفاء فكان أبو مدين بن محمد الأعرج، وهو الذي بنى جامع القنادسة، كما بنى منارة الزاوية هناك وأخرى لزاوية فاس، وتعاطى أبو مدين التجارة وأصبح من الأثرياء، وهو الذي قيل فيه إنه زاوج بين الدنيا والآخرة، وقد توفي سنة ١٢٠٤ (١٧٩٠). وخلفه محمد بن عبد الله بن أبي مدين، وتوفي هذا سنة ١٢٤٢ (١٨٢٦). وكان الخلفية الرابع هو أبو مدين بن الخليفة السابق (محمد بن عبد الله). وكان أديبا وشاعرا أيضا إلى جانب الفقه والتصوف، وقد توفي سنة ١٢٦٨ (١٨٥٢). وأظهر الخليفة الخامس، محمد المصطفى، عطفا خاصا على الفقراء والأيتام، وتوفي سنة ١٢٧٥ (١٨٥٨) (٣). والخليفة السادس هو مبارك الذي

стр. 1505

لم يبق إلا تسعة أشهر ثم ترك شؤون الزاوية لأخيه محمد بن عبد الله (توفي مبارك سنة ١٨٦٧/ ١٢٤٨). وهو (محمد) الذي يقول عنه رين أنه هو المتولي عند كتابة كتابه سنة ١٨٨٤، وقد طال عهد محمد بن عبد الله إلى سنة ١٣١٢ (١٨٩٥). ويدعى أيضا محمد بن بوزيان - على اسم جده - ابن محمد المصطفى، وهو الخليفة السابع في السلسلة، أما الثامن فيها فهو إبراهيم بن محمد بن عبد الله، الذي كان على رأس الزاوية عندما كتب عنها كل من ديبون وكوبولاني (١٨٩٧) وكذلك كور (١٩١٥). وهو الذي انتهى به كتاب (طهارة الأنفاس) المشار إليه. وتتحدث المعلومات الفرنسية عن الطريقة الزيانية بأنها تقدم خدمات كبيرة في ناحيتها، سيما وقت الاضطرابات، والخليفة يذهب سنويا إلى القبائل المجاورة والأعراش للتفتيش وجمع الزيارات، ويعتبرها الفرنسيون طريقة متسامحة، وهي تسهل حركة القوافل والتجارة، وتقدم زواياها الضيافات للعابرين، وهي تؤوي المهزومين والهاربين، وتتدخل للصلح بين الناس، لقد سمح شيخ الزاوية بلجوء أعداء فرنسا عنده ولكنه لم يشجع على الثورة ضدها، وهي (الطريقة) تحافظ على العلاقات مع فرنسا بدون توتر، حتى أن أول الخارجين عن ثورة بوعمامة سنة ١٨٨١ كانوا هم أتباع الزيانية والتجانية بعد أن كانوا قد انضموا إلى الثورة، وتذكر المصادر الفرنسية أن الزاوية الزيانية قدمت الشعير وحيوانات الذبح إلى بعثة الجنرال (وينفين) في وادي قير سنة ١٨٧٠، وكان الجنرال في حاجة ماسة إلى ذلك، ولكنها كانت تواجه منافسة من طرق أخرى هناك مثل الطيبية والدرقاوية والشيخية (١). ومن الفوائد التي جناها الفرنسيون من زاوية القنادسة تأييدها لهم أيضا في حربهم ضد ألمانيا سنة ١٩١٤، فقد بعث الشيخ وصية إلى كافة أتباعه

стр. 1506

يستنكر فيها استعانة تركيا بألمانيا، ولاحظ أن الاستعانة تعني استعباد تركيا (بالأصفر الرنان) (وهي العبارة التي وردت في وصية الطريقة التجانية أيضا). وتنبأ بأن تركيا وألمانيا ستنهزمان، وأعلن أن الطريقة متمسكة بدولة فرنسا المحبوبة المحسنة، ولم يذكر شيئا عن ماضي الأتراك في الجزائر، ولكن العبارات الأخرى تكاد تكون واحدة، ولم يذكر فضائل فرنسا وأفضالها على الجزائريين، فهل ذلك راجع إلى أن احتلال المنطقة (القنادسة) حديث العهد؟ و (الوصية) كانت صادرة عن الشيخ إبراهيم القندوسي، كبير الزاوية القندسية (١) - كذا -. وبناء على مصادر أخرى فإن الشيخ إبراهيم القندوسي قد توفي سنة ١٩١٣، ومن ثمة لم يحضر الحرب العالمية الأولى، ويبدو أن الذي جاء بعده هو محمد بن الأعرج الذي كان موجودا سنة ١٩٣١ وهو ابن أخ لإبراهيم المذكور، وقد حكم الفرنسيون بأن ابن الأعرج كان صديقا لهم وأنه كان مناصرا (للتقدم) ومن المعجبين بالنظم الفرنسية، وذكروا أنه قد أعانهم خلال الحرب العالمية، وقد توفي محمد بن الأعرج في ١٣ فبراير ١٩٣٤ وخلفه ابنه عبد الرحمن (٢). وقريبا من القنادسة تقع زاوية رقان الشاذلية أيضا، وكان رئيسها أوائل هذا القرن هو الشيخ مولاي الحسن بن عبد القادر الذي كان في الخمسين من عمره، وكان قد فر من رقان إلى تافيلالت عند احتلال الفرنسيين توات ونواحيها، وكانت للزاوية علاقة بزاوية القنادسة أيضا، وتشير المصادر إلى أن شيخ زاوية رقان من الأشراف، وكان نفوذ الزاوية يمتد إلى توات والقورارة وتيديكلت وحتى تمبكتو، ومن المترددين عليها سكان منطقة الطوارق، وهم يقدمون إليها الزيارة، وتعتبر السلطات الفرنسية أن نفوذ زاوية رقان في الطوارق قد أفادها (أي السلطات). وكان أحد شيوخ الزاوية وهو

стр. 1507

عبد المالك، معاصرا للشيخ محمد بن بوزيان شيخ زاوية القنادسة في وقته، وكان كلاهما يعطي الورد الجيلاني (القادرية). وكان بوزيان يكن احتراما خاصا لمعاصره عبد المالك، كما كان هذا الشيخ يقرأ تعاليم الشاذلية من الحكم العطائية، وله كرامات، وكانت زاوية رقان مركزا لحل مشاكل الجهة أيضا، فيأتيها الناس من أجل ذلك، وفيهم حتى قائد بلدة دلول الذي عينه الفرنسيون، وكلهم يستمعون إلى نصيحة الشيخ مولاي الحسن، ويجمع هذا الشيخ، في الواقع، بين عدة طرق، كالقادرية والتجانية إضافة إلى الشاذلية، وربما الطيبية أيضا، ولذلك يختلط الأمر في تصنيف زاوية رقان، ولعلها كانت تحت تأثير البكائية/ القادرية أيضا، والمهم أن الطرق الصوفية كانت هناك متداخلة وبراغماتية، وأن السلطات الفرنسية كانت تحاول الاستفادة منها واستغلالها إلى أقصى حد في التوسع بالمنطقة وفي المحافظة على هدوء السكان (١). الطريقة الطيبية ونبقى في مجال الطريقة الشاذلية لنتناول هنا الطريقة الطيبية، لأن سلسلة التصوف عند هذه الطريقة مرتبطة بالشاذلية أيضا، ويرجع تأسيس الطيبية إلى إدريس الأكبر، حسب الشائع وحسب السلسلة الذهبية عندهم، أي التي تربطهم بالشرف، ونحن قد تناولنا أوليات الطريقة الطيبية في الجزء الأول من هذا الكتاب، ولا نزيد عليه إلا ما رأيناه ضروريا أو له علاقة بالعهد الذي ندرسه، إن للطيبية زاوية أما في وزان، وتسمى (دار الضمان) وفيها دفن الشيوخ، ولها زوار كثيرون وأغنياء يمدونها بالمال، وشخصيات معتبرة، وهي من الزوايا التي لعبت دورا سياسيا في المغرب وفي الجزائر، وقد حاول الفرنسيون ترويج أسطورة (رغم أنهم يزعمون أنهم لا يؤمنون بالأساطير وأن

стр. 1508

ذلك من شأن العرب والمسلمين فقط) مفادها أن الشيخ الطيب المؤسس التاريخي للطريقة (انظر الجزء الأول) قد تنبأ لأصحابه بأنهم سينتشرون في الجهة الشرقية (والمقصود الجزائر) لأنها ستقع في أيدي بني الأصفر (وهو اسم الروم عند القدماء، والمقصود جنس الفرنسيين). ثم قال لهم: إنكم ستأخذونها أنتم قبلهم أو بعدهم. قلنا إن للطريقة الطيبية سلسلتين الأولى ذهبية لشرف النسب، وهي تبدأ من الرسول ﷺ ثم ابنته فاطمة، مرورا بإدريس الأكبر، إلى أن تصل السلسلة إلى الحاج العربي ثم ابنه عبد السلام ثم العربي بن عبد السلام الذي كان موجودا سنة ١٨٩٣، أما السلسلة الثانية فهي لإثبات السند الصوفي، وفي هذه الحالة نجد الطريقة ترجع إلى الشاذلية والجزولية والعيساوية والناصرية والحنصالية، بدءا بالملك جبرائيل إلى الحاج العربي ثم إلى ابنه عبد السلام وابنه العربي، وهكذا. وتعاليم الطيبية لا تكاد تختلف عن تعاليم الطرق الأخرى، فهي مثلها، تدعو إلى التقوى وفعل الخير والقيام بالواجبات الدينية، وإطعام الفقراء والتدخل لحل خلافات الناس وإصلاح ذات البين، مع التقرب إلى الله بأدعية وأذكار سنوردها، والابتعاد عن الحياة الدنيا وزخرفها (رغم أن شيوخها كانوا مهتمين بالحياة المادية، كما سنرى). والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، ورغم ادعاء مقاديمها بأنهم لا يهتمون ولا يتدخلون في السياسة فإن الواقع يجعل طريقتهم عبارة عن جمعية دينية ذات وزن سياسي وأن لها أهدافا سرية غير معلنة (١). ويذهب (رين) إلى أن طريقة إدخال الأتباع تسمى عند الطيبية (تسييس) الأتباع، وقال إن لها أهدافا سياسية، وهي لا تشبه الطرق الأخرى في أذكارها - إذ أن أذكارها عبارة عن ألفاظ مترابطة ومترادفة يمكن أن تكون كلمات (سرية) في أي وقت، والدخول في الطريقة عندهم سهل، فعندما يقصدهم الأخ ليطلب الورد من المقدم، يحاول هذا أن يثنيه

стр. 1509

وأن يصعب أمامه طريق الدخول، فإذا أصر الأخ يفتح له المقدم باب الطريقة، ويقرأ الفاتحة، أما اختيار المقدمين عندهم فيتم أثناء الحضرة أو الجلالة، وهم يتفقدون زواياهم كل عام بحيث يأتي الخليفة من الزاوية الأم ليراقب ويعين المقدمين ويجمع حقوق الزيارات (المال) ويجدد العهد. أما ورد الطريقة الطيبية فيتكون من جمل وعبارات دينية يرددها الإخوان أثناء الصلوات غالبا، من ذلك تسبيح الله وحمده (سبحان الله وبحمده) مائة مرة صباحا ومساء، والصلاة على الرسول ﷺ وأزواجه وذريته خمسين مرة صباحا، وعبارة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم) مائة مرة صباحا ومساء، والشهادة (لا إله إلا الله) مائة مرة صباحا ومساء، وعقب الصلوات الخمس يقول الأخ عشر مرات (لا إله إلا الله محمد رسول الله، ﷺ وعلى آله) وفي المرة الحادية عشرة يقول (لا إله إلا الله، شفيعنا رسول الله، ﷺ وعلى آله). أما الحزب عندهم فيتألف من البسملة والصلاة على الرسول ﷺ وآله، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقراءة الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ...﴾ إلى غير ذلك، في أعداد مضبوطة، خمسين مرة و ٧٥ مرة الخ ... وأخيرا نذكر أن من أوراد الطيبية قراءة كتاب (دلائل الخيرات) للجزولي عدة مرات كلما أمكن ذلك، ومن شروط الذكر عندهم اتباع السنة واجتناب البدعة (هكذا يقولون، ولكن البدعة موجودة، حسب نقاد الطرق الصوفية). ومصاحبة أهل الخير ومجانبة أهل الشر، وأداء الصلوات الخمس في أوقاتها وفي الجماعة، وتعمير أوقات الفراغ بذكر الشهادة والصلاة على النبي ﷺ (١). ويذهب رين إلى أن تلك الأذكار كلها

стр. 1510

تسمى (الذكر البسيط). لكن الذين يريدون الوصول إلى الرؤى والمشاهدات والحياة الأخرى، علهيم أن يرددوا الذكر مرات أخرى تبلغ ٤، ٦٥٠ مرة يوميا. لكن الأتباع، وحتى المقدمين، لا يعرفون كل شيء عن أفعال شيوخهم واتصالاتهم الداخلية والخارجية، ذلك أن من شروط الدخول في الطريقة الطاعة العمياء وعدم السؤال لماذا وكيف وماذا، إنهم كالميت بين غاسله، كما يقولون، فماذا كان يفعل شيوخ الزاوية الطيبية مع السلطات الفرنسية في الجزائر؟ إن العلاقات قديمة بين الطرفين طبعا، فنحن نعرف أن محمد بن عبد الله المعروف بومعزة كان من إخوان الطيبية، وقد حارب الفرنسيين في موازاة الأمير عبد القادر في عدة معارك، واشتهر بأحداث الظهرة سنة ١٨٤٥، وإلى الآن لم يحل لغز شخصيته وأصله ونسبه، ولا ندري إن كان له دور في البداية أو النهاية شبيه بدور الحاج مبارك بن يوسف المراكشي المعاصر له، فقد استسلم بومعزة إلى السلطات الفرنسية سنة ١٨٤٧ قبل هزيمة الأمير ببضعة أشهر، وحمله الفرنسيون إلى سجن (بو) بفرنسا، ثم ظهر اسمه أو مدعي اسمه في الجزائر بعد ذلك دون أن يكون لشخصه أي سند تاريخي، ولكن اسمه تردد أيام حرب القرم (١٨٥٤ - ١٨٥٦) في المشرق، وهي الحرب التي شاركت فيها فرنسا إلى جانب العثمانيين ضد روسيا، ثم اختفى اسم بومعزة بعد ذلك (١). وهناك أحداث صغيرة ذات معنى كبير جرت في شرق البلاد بين السلطات الفرنسية ومقدمي الطريقة الطيبية، فقد كانت هذه السلطات تريد أن تكون لها الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار المقدمين حتى يكونوا طيعين للطريقة ولها أيضا، وحتى تجبر زاوية وزان الأم على الدخول في مفاوضات
следующие страницы →