← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الطرق التجارية بين تجار الجزائر وبجاية حيث يلتقون بتجار السودان (١). وقد استطاع العياشي أن يعاين جامع تماسين (قرب توقرت) وأن يسجل أن له صومعة عالية جدا تبلغ حوالي مائة درجة وأن يشاهد عليها اسم بانيها، وهو، كما قال، أحمد بن محمد الفاسي، سنة ٨١٧. وقد حكم على فقهاء وعلماء تقرت حكما قاسيا فقال إنهم (قوم بله لا يكادون يفقهون حديثا) (٢). وكان أهل تقرت عندئذ في نزاع مع أهل ورقلة. وفي أوائل القرن العاشر ذكر الحسن الوزان أن تقرت كانت آهلة بالسكان وأن دورها مبنية بالطوب المحروق إلا جامعها فقد كان مبنيا بالحجر، وكان سكانها هم الحرفيين ورجال الأعمال من أغنياء غراسة النخيل. وكانوا يبادلون القمح بالتمر، ويرحبون بالغريب ويزوجونه بناتهم ويهدون إليه. وكانت تقرت سياسيا تتبع مراكش تارة وتلمسان تارة أخرى ثم تونس (٣). وفي القرن العاشر حاصرها الأتراك من الجزائر وأجبروها على دفع الخراج لهم. ٧ - وقد لعبت مدن المدية وشرشال ومليانة ومستغانم ومازونة ومعسكر ووهران وندرومة دورا هاما في الحياة الاقتصادية والعلمية خلال العهد العثماني. وعمر المهاجرون الأندلسيون عددا منها مثل تنس وشرشال ومستغانم. وقد قال بيري رايس ان الأندلسيين قد اتخذوا شرشال قاعدة لهم، وقال عن برشيك انها مدينة آهلة بالسكان الأندلسيين. وذكر التمغروطي أن شرشال كانت مدينة حصينة كثيرة العمارة والزرع والفاكهة يجلب منها الزرع وغيره إلى الجزائر. ولا شك أن ذلك كان بعد استقرار الأندلسيين بها وتطويرهم للحياة الزراعية فيها. والتمغروطي نفسه قال عن تنس ان الأندلسيين هم الذين بنوها. وأشهر حاكم بها عندئذ هو حميد العبد الذي ضاد العثمانيين في أول أمرهم ثم تحول فأبقوه في الحكم إلى أن توفي،

стр. 177

وعندئذ ولوا مكانه عثمانيا (١). وقد بنى أحد المهاجرين الأندلسيين مدرسة مازونة المشهورة التي تخرج منها عدد من الفقهاء خلال العهد العثماني، وهو محمد بن الشارف البولداوي. وظلت هذه المدرسة محافظة على سمعتها حتى بعد انتقال كرسي الحكم من مازونة إلى معسكر. ورغم أن معسكر أصبحت لفترة طويلة عاصمة للإقليم الغربي فإنها ظلت مدينة داخلية متخذة كمنطلق للهجوم على وهران ومرساها. ولكن معسكر قد اكتسبت سمعة كبيرة أثناء حكم الباي محمد الكبير. وقد اشتهرت بعدد من العلماء أمثال الرماصي القلعي وعبد القادر المشرفي وأبي راس كما اشتهرت بزاوية القيطنة القريبة منها والتي كان على رأسها الشيخ محيي الدين والد الأمير عبد القادر، واشتهرت كذلك بالمدرسة المحمدية التي سيأتي الحديث عنها. وبقصر الباي ودورها الجميلة. ولا نعتقد أن سكانها كانوا يتجاوزون الثلاثين ألف نسمة أيام ازدهارها (٢). وكانت وهران قد خضعت مدة طويلة للإسبان (٣) لذلك كان عددها من السكان المسلمين قليلا نسبيا ويختلف من فترة إلى أخرى. ولم يستطع

стр. 178

التمغروطي مثلا أن يصفها أواخر القرن العاشر واكتفى بالقول إنها كانت تحت النصارى وإن لم يظهر له منها، وهو يعبر البحر، غير الأبراج، وهو يعني أنه لم يشاهد فيها المآذن الإسلامية. واكتفى بيري رايس بالقول بأن وهران كانت مدينة كبيرة وأنها في وقته تحت الإسبان هي والمرسى الكبير. أما أبو راس فقد قال عنها إنها كانت في القديم كثيرة العلماء والمدارس والمآذن. ولكنه قال عن مدارسها (درسها الكفرة وعفوا رسمها). ولا شك أنها قد أصبحت كثيرة السكان المسلمين بعد فتحه (١) آخر مرة على يد الباي محمد الكبير وانتقال كرسي الحكم من معسكر إليها، وقد قدر الفرنسيون سكان وهران قبلهم حوالي خمسة وعشرين ألف نسمة لم يبق منهم حين دخلوها سوى ثلاثة آلاف وتسعمائة شخص جلهم من اليهود (٢). ... ويمكننا القول، بعد دراستنا لبعض المدن الرئيسية والإقليمية، أن نقول إن المجتمع الجزائري خلال العهد العثماني كان مجتمعا مدنيا، بمعنى أن المدينة كانت تلعب دورا بارزا في حياة السكان وقد بلغ عدد سكان الجزائر، حسب معظم التقديرات، حوالي خمسة ملايين نسمة، وكان عدد العثمانيين فيها اثني عشر ألف نسمة، وكان التطور الاقتصادي والعمراني لبعض المدن قد جعل الريف يتمدن شيئا فشيئا وأخذ الناس يخرجون من طور القبيلة والعرش والدوار إلى طور المدينة والتعايش السكاني المتكامل. حقا أن هذه

стр. 179

الظاهرة لم تتم عن طريق الطفرة ولا عن خطة رسمية مدروسة، ولكن الوحدة السياسية للبلاد قد فرضت نوعا من الوحدة الاقتصادية، ومن ثمة نوعا من الوحدة الثقافية أيضا. ومع ذلك فلا يمكننا هنا أن ندعي بأن المجتمع الزراعي الاقتصادي انتهى في الجزائر خلال هذا العهد. الحياة الدينية والأدبية والفنية ١ - لقد قيل الكثير عن موقف الترك من الثقافة سواء في بلادهم أناضوليا أو في البلاد التي دخلت تحت طاعتهم كالجزائر. وأقصى ما اتهم به الترك حب المال والبربرية والجهل والاهتمام بالأمور العسكرية دون المدنية ونحو ذلك من الاتهامات التي تجردهم جملة وتفصيلا من الحضارة والثقافة. ونحن هنا لا نريد أن نعمق هذا الاتهام ولا أن ندافع عن الترك. وكل ما نريده هو الوصول إلى معرفة الموقف الحقيقي للعثمانيين في الجزائر من الثقافة والعلم والدين ومتطلباته. إن تدهور الثقافة الإسلامية قد بدأ قبل استيلاء العثمانيين على السلطة بقرون. كما أن ظهور الطرق الصوفية، الذي كان ظاهرة متصلة بتدهور الثقافة، كان قبل توليهم السلطة أيضا. وتكاد المصادر تجمع على أن الثقافة الإسلامية قد أخذت في التدهور منذ عهد المعتصم بينما ظهرت الطرق الصوفية منذ القرن الخامس الهجري. فالأتراك ليسوا مسؤولين حينئذ على تدهور الثقافة الإسلامية ولا على ظهور التصوف. ولكن التدهور الثقافي والتصوف المنحرف قد أعانا على ظهور الأتراك، كما أن سياسة الأتراك في الحكم قد أعانت بعد ذلك على نشر التصوف الخرافي والانحطاط الثقافي. فالدراويش كانوا وراء تقدم الأتراك في أناضوليا وفي احتلالهم القسطنطينية. وكانوا هم الروح التي تحرك الجندي التركي للجهاد والاستماتة فيه. ومن أهم الدراويش الذين نسب لهم ذلك، الحاج بكداش (القرن ٧) وأتباعه المعروفون (بالبكداشية). وقد وصلت طريقتهم أوجها في القرن

стр. 180

العاشر، عصر سليمان القانوني وعصر دخول العالم العربي، ومنه الجزائر، في حكم الدولة العثمانية. وكان رئيسهم يدعى شلبي ويقيم في إسطانبول. وكانت لهم مراكز ونظم سرية وعلنية في مختلف أنحاء الدولة وخصوصا في أناضوليا وروميليا. وكانت الدولة تخشاهم أحيانا (بعد أن كانوا ساهموا في تأسيسها)، لذلك كانت تساند أيضا طريقة أخرى، وهي طريقة جلال الدين الرومي (القرن السابع أيضا) المعروفة بالمولوية، لتحفظ بها التوازن. وكان رئيسهم يدعى أيضا شلبي، ويقيم في قونية، عند قبر جلال الدين الرومي. وكان الاعتراف بهذه الطريقة أو تلك من جانب الدولة يعني حضور رئيس الطريقة الحفلات الرسمية وتقليده رموزا وشعارات من التأييد والاعتراف (١). ويهمنا من هذه العلاقة بين التصوف والدولة العثمانية علاقة الدراويش بالإنكشارية. ذلك أن الأساطير تذهب إلى أن الحاج بكداش هو الذي احتضن النظام الإنكشاري وهو الذي أعطى الجنود اسمهم وألبسهم لباسهم المميز. ولم يحن القرن العاشر (١٦ م) حتى أصبح البكداشية هم الذين يسيطرون فعلا على الإنكشارية وهم الذين كانوا يستقبلونهم ويؤاخون بينهم دينيا وعسكريا. وهذه العلاقة الوطيدة بين الصوفية والعسكرية هي التي ستظهر أيضا في الجزائر كما سنرى (٢). وقبل أن نصل إلى ذلك نود أن نلاحظ أن هذه العلاقة هي التي جعلت السلطة الحاكمة في إسطانبول تخشى، كما أشرنا، البكداشية فقدمت غيرهم إلى جانبهم، كما أثارت تخوفات العلماء والفقهاء من الدراويش وأهل التصوف المتطرف. وكان ظهور المولوية وإعطاؤها الطابع الرسمي هو الذي جعل كثيرا من أهل الطبقة الوسطى ينضمون إليها. كما أن كثيرا من المثقفين العثمانيين قد انضموا إلى الطريقة المولوية. وكان قرب أصحاب هذه الطريقة من أهل السنة سببا في انتشارها

стр. 181

بين أهل المدن وأهل الثقافة. وبالإضافة إلى البكداشية والمولوية شاعت في الدولة العثمانية الطريقة النقشبندية والطريقة القادرية وكلتاهما أيضا من الطرق القريبة من عقائد أهل السنة لعدم تطرفهما في ممارسة التصوف (١). فإذا رجعنا من هذه النظرة العامة إلى علاقة العثمانيين في الجزائر بالدين وأهله وجدنا تفسيرا واضحا لما قاموا به هناك. فالطرقية (أو التصوف) التي كانت ظاهرة اجتماعية حضارية عامة في المجتمع الإسلامي، قد سبقت العثمانيين في الجزائر. ذلك أن أفكار محيي الدين بن عربي قد انتشرت فيها قبل العثمانيين، كما أن حسن بن باديس صاحب السينية، قد تحدث عن الشيخ عبد القادر الجيلاني وطريقته (القرن ٨ هـ). ومن جهة أخرى تحدث محمد الزواوي الفراوسني صاحب (المرائي الصوفية) عن الطريقة القادرية في وقته (القرن ٩ هـ). وقد شاع التصوف في الجزائر بفضل مدرسة عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي وأحمد زروق وغيرهم، كما سبقت الإشارة (٢). وكان الانتماء إلى طريقة من الطرق لا يعد نقصا أو عيبا، بل إن أخذ الطريقة، كما كانوا يسمونه، شيء يعلن عنه ويشاع بين الناس ويمارسه العلماء والتجار والساسة والجنود (٣). أما باقي الناس فيكتفون بالإيمان في نفع وضر شيخ الطريقة (أو المرابط) القريب منهم. ومن الطرق التي شاعت في الجزائر قبل العثمانيين أيضا الشاذلية والقادرية. وتختلف الآراء حول سياسة العثمانيين الدينية في الجزائر فبعضهم نفى أن تكون لهم سياسة دينية محددة وأكد أن همهم الوحيد كان القرصنة ونهب

стр. 182

الأموال والتسلط العسكري، ولم يكونوا، حسب هذا الرأي، مسلمين عن عقيدة راسخة، بل إن إسلامهم كان رقيقا فاترا. ولذلك لم يعطوا أهمية لتطوير العقيدة ونشر الثقافة ولم يهتموا بالدين إلا إذا كانت له عواقب على الحكم والأمن. ومن ثمة كانت لهم سياسة خاصة حول الطرق الصوفية. ولأهمية هذه الطرق عند السكان حاول العثمانيون التفاهم مع مرابطيها. وأحيانا وقفوا منها موقف الحياد (١). وهناك من بحث الموضوع من زاوية أخرى فرأى أن العثمانيين عندما جاؤوا إلى الجزائر كانت الطريقة الشاذلية والقادرية سائدتين فيها فتحالف العثمانيون مع أحمد بن يوسف الملياني الذي كان من أبرز متصوفة الطريقة الشاذلية وكان أيضا ضد الزيانيين في تلمسان. وقد استمر التحالف إلى القرن الثاني عشر. ففي هذا القرن تغير ميزان القوة بنقص موارد البحر مما أدى إلى فرض الدولة ضرائب جديدة على السكان. وهذا التحول الاقتصادي قد أدى إلى تحول في العلاقات الدينية - السياسية بين العثمانيين وحلفائهم المرابطين. فمنذ نهاية القرن المذكور شهدنا في الريف ثورات المرابطين على العثمانيين. أما في المدن فقد ظل العلماء والمرابطون على تحالفهم مع العثمانيين طالما أن هؤلاء يضمنون لهم العيش الرغد والتعويضات اللازمة (٢). وقبل أن نشير إلى خلاصة هذه الآراء حول سياسة العثمانيين الدينية في الجزائر نشير من الناحية الجغرافية إلى أن الغرب الجزائري قد انتشرت فيه الطريقة الشاذلية والقادرية والتجانية والطيبية والدرقاوية والزيانية، بينما شاعت في الشرق الجزائري الطريقة الرحمانية والحنصالية والشابية بالإضافة إلى القادرية والشاذلية أيضا. ومما يذكر أن القادرية قد وجدت تأييدا خاصا من العثمانيين في الجزائر، ولكن علاقتهم بها كان يشوبها في العهد الأخير،

стр. 183

بعض الشك وعدم الاطمئنان. ويظهر ذلك من معاملتهم لشيخ القادرية في زاوية القيطنة أوائل القرن الثالث عشر. إن علاقة العثمانيين بالطرق الدينية في الجزائر علاقة معقدة وتحتاج إلى دراسة مستفيضة وغير متحيزة. ويتفق معظم المؤرخين على أن الأتراك كانوا من الناحية الدينية مسلمين راسخي العقيدة لأنهم كانوا يعرفون أن الإسلام هو رصيدهم السياسي وهو مصدر قوتهم. وقد أقاموا دولتهم ونظامهم على الجهاد منذ ظهورهم وتقدمهم سواء ضد البيزنطيين أو ضد روسيا ودول البلقان أو ضد إسبانيا وغيرها من الدول المسيحية. ولكن الإسلام الذي اعتنقه العثمانيون واتخذوه وسيلة للغزو (وقد كانوا يفتخرون بلقب الغازي والغزاة) والجهاد لم يكن هو إسلام الخلفاء الراشدين ولا إسلام الصحابة والتابعين. فقد كان إسلاما مشوبا بتقاليد وعقائد جديدة. ومن هذه التقاليد والعقائد ما مارسه الدراويش (والكلمة هنا متعملة في معناها التاريخي وليس في معناها المعاصر الذي قد يوحي بشيء من الاحتقار) على الجنود العثمانيين (الإنكشارية) الذين كانوا إما من شعوب آسيا، وأناضوليا على الخصوص، وإما من شعوب البلقان المغلوبة، وإما من المرتدين عن المسيحية الذين وإن كانوا قد اعتنقوا الإسلام، قد حافظوا على بقايا العقلية الأوروبية والتقاليد المسيحية. وكان الجندي الإنكشاري الذي يأتي إلى الجزائر يحمل معه هذه العقائد والتقاليد من درويش أناضوليا وروميليا (الطريقة البكداشية). وعندما يحل بالجزائر يجد مرابطين آخرين يزودونه بالبركات والدعوات كلما امتطى سفينته ليمارس نفس المهمة التي كان يمارسها آباؤه في أناضوليا والبلقان، وهي الغزو والجهاد في سبيل الإسلام والغنائم (١). وهذا يفسر بدون شك، ما سنعرفه من أن هؤلاء الجنود كانوا،

стр. 184

قبل القيام بالغزو، يدخلون في زاوية ولي دادة أو ضريح سيدي بتقة وغيرهما من القباب والمساجد، سواء في العاصمة أو في الثغور، طالبين من الأولياء البركة والنصر، كما يفسر علاقة العثمانيين كنظام، بالمرابطين ورجال الدين على العموم. ٢ - وكان العثمانيون يعرفون أنهم غرباء في الجزائر. فلم يكونوا يتكلمون لغة السكان ولا يعرفون تقاليدهم ولا طرق معيشتهم، ولم يلدوا على أرضهم أو يمارسوا حرفهم أو يختلطوا بجيل منهم في مدرسة أو شارع أو منزل، وليس لهم في الجزائر ذكريات طفولة ولا شباب. وقد كان العامل الوحيد الذي يربطهم بالأهالي هو الدين الإسلامي والجهاد من أجله ضد العدو المشترك. وهذا العامل المهم هو الذي لم يستطع النظام الفرنسي، مثلا، أن يدرك مغزاه أو أن يفهم أبعاده عندما راح كتابه يقارنون بين نظام الفرنسيين والعثمانيين والرومان في الجزائر. ذلك أن العامل الديني والخوف المشترك كان عاملا إيجابيا في صالح العثمانيين، بينما لم يكن كذلك بالنسبة للنظام الفرنسي. وإذا كان رائد العثمانيين في الجزائر هو الدفاع عن الإسلام وحب المال والحكم فماذا يا ترى كان رائد قادة فرنسا في الجزائر، من كلوزيل إلى منظمة الجيش السري؟ إن الأخوة الدينية والخوف من العدو المشترك هو الذي جعل استغلال العثمانيين الاقتصادي، على فرض التسليم بذلك، محتملا عند الجزائريين، بينما لم يجدوا أي مبرر لاحتمال استغلال الفرنسيين لهم. والعامل المشترك (الدين والجهاد والعدو الواحد) قد جعل العثمانيين يبحثون عن حلفائهم في الجزائر ضمن الفئات والأفراد الذين يؤمنون مثلهم

стр. 185

طريقة أكثر فلسفة وأكثر تحمسا. ولا شك أن أول من فعل ذلك، أفرادا وطرقا، هم رجال الدين والعلماء. ومن ثمة بدأت هذه العلاقة بين الطرفين تنمو وترسخ. وعندما ندرس فئة العلماء والمرابطين سنلاحظ اعتماد العثمانيين على أهل التصوف سواء كانوا في المدن أو في الريف. وكان تقربهم منهم عن عقيدة فيهم في معظم الأحيان، تماما كما كان يفعل آباؤهم وزملاؤهم في أناضوليا والبلقان عندما كانوا يأخذون بركات الدراويش لينطلقوا نحو الجهاد. فهم في الجزائر كانوا يسيرون على تقاليد راسخة حفظوها منذ كانوا في المشرق. وعلى هذا الأساس كان كبارهم وصغارهم يحترمون رجال الدين عامة احتراما خاصا ويبالغون في تعظيمهم وإكبارهم. وتحدثنا الوثائق أن الباشوات والبايات كانوا يقومون احتراما لرجال الدين وأن بعضهم، كالباشا يوسف ومحمد بكداش باشا، كانوا يسترضون رجال الدين ويراسلونهم ويمنحونهم الهدايا والعطاءات. وتعطى قصة الشيخ أحمد بن يوسف الملياني وعروج بربروس مثلا على هذه العلاقة. ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك سخط من رجال الدين على العثمانيين. ذلك أن النزاعات بين أهل الطرق أحيانا واستغلال أدعياء التصوف للعامة ومبالغة المرابطين والعلماء في طلب الجاه وفي التنافس كان يثير قلق السلطة العثمانية التي كانت تتدخل لتوقف الأمور عند حد، لأن النظام والأمن يقتضيان ذلك التدخل. وقد وقعت عدة ثورات، كما سنشير، كان العامل الديني مظهرا لها. ولكن العامل الاقتصادي والتدخل الخارجي كانا أحيانا وراء بعضها، فالطرق كانت تتدخل في العلاقات بين الجزائر والمغرب، كما أن فرض الضرائب الإضافية وضعف الغنائم البحرية وظلم الحكام كانت وراء بعض الثورات أيضا. ولم تكن هذه السياسة العثمانية مقصورة على الجزائر وحدها. فموقفهم من الدين والعلم كان هو نفسه سواء كانوا في إسطانبول أو في الجزائر. فإذا كانوا يعتمدون في الأولى على البكداشية والمولوية وغيرها فإنهم في الجزائر قد اعتمدوا على رجال التصوف عامة، وخصوصا الطريقة

стр. 186

الشاذلية والقادرية. وإذا كانوا في إسطانبول قد خافوا من مغبة التحالف بين البكداشية والإنكشارية فإنهم في الجزائر قد خافوا من مغبة التحالف بين الشاذلية وسلاطين المغرب، وهم في الجزائر، كما في إسطانبول، لم يشجعوا الثقافة والتقدم الفكري والفني لأن ذلك خارج نطاق العصر بالنسبة إليهم. ونحن إذا طالبناهم به كنا نطالبهم بما لم يخلقوا له. وكتعبير على شعورهم الديني كانوا يبنون المساجد ويوقفون عليها الأوقاف ويعفون بعض العائلات الدينية من الضرائب. وكانوا يؤدون الشعائر ظاهريا ويتقربون من الأولياء والصالحين. ومن ثمة فإن العثمانيين سواء كانوا في الجزائر أو في غيرها، كانوا يعيشون عصرهم، عصر التخلف الفكري والتدهور السياسي، ولكن كانوا يمثلون قمة هذا التخلف لأنهم كانوا مسؤولين على الأمة الإسلامية وعلى الخلافة. ٣ - ولم يكن مستواهم العلمي بأحسن حظا من مستواهم الديني. فالعلم كان في وقتهم من شؤون المجتمع وليس من شؤون الحكومة. ولم تكن هناك وزارة ولا إدارة للتعليم لا في إسطانبول ولا في الجزائر. كان التعليم إذن حرا بمفهوم الحرية عندنا اليوم يشترك فيه الرسمي وغير الرسمي. فالأمة بأسرها مسؤولة على تعليم أطفالها، كما أن الأمة كلها مسؤولة على القيام بشؤون دينها. وقد اشترك العثمانيون، حكاما وجنودا وكراغلة، في إقامة مؤسسات التعليم بإمكانياتهم عندئذ. بدأوا بالكتاتيب حول المساجد في الأحياء الآهلة بالسكان وانتهوا بالمدارس والمساجد، التي كانت بدورها مراكز للتعليم والدروس. وقد حبسوا لذلك الأحباس ووفروا الكتب وعينوا المدرسين ورتبوا لهم الرواتب. وكانوا في ذلك لا يختلفون عن بقية المسلمين. وتطول القائمة لو ذكرنا منهم من أسهم في بناء المساجد والكتاتيب وتحبيس الكتب وتعيين المدرسين. حقا إن الذين اشتهروا منهم بذلك قلة. ويعود ذلك إلى قصر مددهم في الحكم وإلى عوامل أخرى ليس لها علاقة باستعداداتهم الشخصية (١).

стр. 187

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى العام فإن الأهالي أيضا كانوا يعيشون ظاهرة التخلف التي طبعت العهد العثماني بل العالم الإسلامي كله عندئذ. ولقد استمر الأهالي أيضا في إقامة الشعائر الدينية وفي الحفاط على العقيدة الإسلامية بالدفاع عنها عسكريا (الجهاد) وفي بناء المساجد والأضرحة والزوايا، وفي تحبيس الأحباس التي تخدم هذه الأغراض، وفي دراسة التاريخ الإسلامي ورجاله. وكانوا بالطبع تحت تأثير العقائد الصوفية، كما كان قادتهم أنفسهم، سواء كانوا من أهل الحل والعقد (الحكام) أو من أهل الرأي والفتوى (العلماء). كما استمر الأهالي في تعليم أطفالهم العلوم المعروفة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبنوا لذلك الكتاتيب والمدارس وغيرها من المؤسسات العلمية، وركزوا في تعليمهم على القرآن الكريم حفظا وتفسيرا وقراءات. كما أنتج أدباؤهم أدبا راقيا نسبيا، وأنتج فقهاؤهم فتاوي وأحكاما تتماشى والعصر الذي كانوا فيه. إن ظاهرة التخلب حينئذ كانت مشتركة بين الحكام والمحكومين، كما كانت عامة، فهي لا تتعلق بالجزائر فقط. فهل بعد هذا يصح ما قاله أحد الكتاب من أن العهد التركي في الجزائر كان عبارة عن (بربرية ثقافية) أو أن الشعب قد قلد حكامه الأتراك في جهلهم وبعدهم عن العلم, والعلماء (١)؟ ولعل رأي السيد شو أقرب إلى الصواب عندما لاحظ، قبل فيرو بفترة طويلة، وهو يتحدث عن حالة العلوم والفنون في الجزائر في وقته، بأنها ما زالت عند المسلمين (كما كانت منذ مدة في حالة دنيا ... فالفلسفة والحساب والطبيعيات والطب التي كانت ملكا لهم خلال عدة قرون قد أصبحت الآن لا تكاد تعرف أو تدرس). وقد أرجع شو ذلك إلى عدم الاستقرار لدى العرب والمظالم التي كان يعانيها الحضر على يد الأتراك لأن الأمن والحرية والهدوء ضرورية للإنتاج الأدبي والفني الراقي. وهذا النقص في نظره يعود إلى كون الأتراك في الجزائر لم يكونوا مهتمين إلا

стр. 188

بالتجارة والأمور المالية، بالإضافة إلى أن ميولهم الحربية وعدم الاستقرار السياسي تجعل مساهمتهم في الإنتاج الأدبي والفني غير مضمونة (١). ولكن شو كان يصف وضعا خاصا شاهده بل عاشه أثناء وجوده في الجزائر ولم يكن يدرس العصر عن بعد، كما نفعل نحن الآن. فرؤيته إذن شخصية رغم أن نتائجها صحيحة إلى حد بعيد. فالعثمانيون (أو الأتراك كما يسميهم) لم يوفروا الأمن والحرية والاستقرار الضرورية للإنتاج الفني والعلمي والأدبي، ولم يتخذوا تشجيع الأدباء والعلماء والفنانين سياسة لهم أثناء حكمهم باستثناء بعض الحالات المنعزلة. وقد كان الأدب والعلم والفن في العالم الإسلامي قبلهم وليد التشجيع الرسمي في معظم الأحوال. ولكن العثمانيين كانوا يفتقرون إلى أشياء أساسية لكي يشجعوا الأدب والعلم والفن في الجزائر. وأول ذلك اللغة. ولقد كانت لغة الوجق العامة هي التركية. وهي لغة للحديث أكثر منها للكتابة. ولم تكن هناك أعمال أدبية هامة أنتجت بهذه اللغة إلى ذلك الحين. وكان كل المسؤولين يعرفون هذه اللغة أيضا أو على الأقل يتحدثون بها. وقد جعلوها لغة رسمية في الدواوين وفي المعاهدات وبعض السجلات (٢). ولا شك أن لغة الحضارة الإسلامية في وقتهم كانت هي اللغة العربية ولا نعرف أن الحكام العثمانيين كانوا يتقنون العربية العامية فما بالك بالعربية الأدبية (٣). فكيف تتوقع منهم تشجيع إنتاج بلغة لا يعرفونها ولا يتذوقونها؟ ومن جهة أخرى تتحدث الروايات وتتواتر على أن الحكام أنفسهم كانوا في أغلب الأحيان جهلة ومغامرين، بل كان

стр. 189

بعضهم مرتدا عن دينه الأصلي وحديث عهد بالإسلام، فكان حتى بعد توليه يتحدث أحيانا لغته الأصلية، وهي ليست تركية ولا عربية. وبالإضافة إلى ذلك فإن العثمانيين كانوا يشعرون، كما لاحظنا، بالغربة في الجزائر، رغم كونهم مسلمين ومدافعين عن الإسلام. وهذا الشعور قد جعلهم مبتعدين عن الأهالي غير منتمين إليهم ولا مندمجين فيهم. وهذا العامل هو الذي لم يشجع على إيجاد إحساس أدبي وفني مشترك، رغم وجود إحساس روحي ومصيري مشترك، كما لاحظنا أيضا. وإذا كان الإحساس الروحي قد استفاد منه الدين فإن الإحساس الأدبي قد خسرت منه اللغة والإنتاج الثقافي عامة. ومع ذلك فقد وجدنا في العهد العثماني تراثا أدبيا وفنيا وعلميا في مستوى طيب استحق منا العناية والدرس في هذا الكتاب. ولكن يجب أن نلاحظ من الآن أن هذا الإنتاج بأنواعه كان خارج نطاق الحكم، فأصحابه لم يجدوا التبني ولا التشجيع من الحكام العثمانيين. وقد أنتج الجزائريون خلال هذا العهد أدبا راقيا نسبيا، شعرا ونثرا، تناولوا فيه شتى الأغراض المتداولة عندئذ. وكانت آفة هذا الأدب أن أصحابه لم يكونوا مستقرين في الجزائر. ذلك أن أكثر الأدباء والمثقفين (الأحرار) أو غير الموظفين قد هاجروا من بلادهم. وقد غلب الشعر السياسي على جميع أنوع الشعر الأخرى، ما عدا الشعر الديني، وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى استمرار الجهاد بين الجزائر وجاراتها من الشمال. وشاع النثر الفني في الرسائل الإخوانية والرسمية وفي وصف الرياض ونحوها (١). وقلما توجهت عناية علماء الجزائر إلى علوم اللغة، باستثناء النحو، وكان غياب مؤسسة للتعليم العالي قد جعل الأدب الجزائري عندئذ يفتقر إلى وحدة الأسلوب ووحدة التوجيه. ذلك أن مصادر التأثير على الأدب، كانت في أغلبها من خارج الجزائر لأن معظم العلماء قد تكون، في سنوات النضج، في المعاهد الإسلامية الأخرى، ولكن قلما نجد

стр. 190

المصدر العثماني من بين هذه المصادر. أما في الموسيقى والعمارة والصياغة (الحلي) ونحوها فإن التأثير العثماني كان واضحا. فرغم وجود الموسيقى المحلية والأندلسية فإن العثمانيين قد أدخلوا آلاتهم الموسيقية ونغماتهم وذوقهم في الطرب. وقد كثرت المقاهي والحفلات الشعبية والرسمية التي تعزف فيها أنواع الموسيقى الثلاثة وتميزت كل واحدة منها بطابعها المؤثر. وقد وقف العلماء والأدباء مواقف مختلفة من عزف الموسيقى فبعضهم كان يرفضها على أساس ديني، وبعضهم يحبذها على أساس إنساني واجتماعي، وبعضهم يفصل في ذلك فيقبل الموسيقى إذا كانت على اجتماع صوفي توقظ حواس الخير، ويرفضها إذا كانت على اجتماع الخنا واللهو ونحوها. ومع الموسيقى انتشرت القهوة والحشيشة والرقص وغيرها من ملازمات الاجتماع والحب والمجون، ولاسيما بين الشباب والجنود العثمانيين. أما أرباب السلطة وأعيان الحضر فقد كانت لهم أيضا طرق خاصة للتمتع بالموسيقى وغيرها في منازلهم وتجمعاتهم الخاصة. وبالإضافة إلى ذلك ترقت العمارة في الجزائر وامتزج فيها الذوق المحلي بالذوق العثماني الشرقي أيضا فظهر هذا الذوق في المساجد والقباب والقلاع، كما ظهر الذوق المحلي في القصور والمنازل والمساجد أيضا. وكانت أدوات البناء والزينة تجلب أحيانا من الخارج، وخصوصا تونس وإيطاليا. ومن ذلك الرخام والزليج. كما اشتهر بهذا الصدد عدد من البنائين (أو المعلمين كما كانوا يسمونهم) والخطاطين والنقاشين. وأحيانا كان يؤتى بالبناء والرسام من الخارج أيضا (١). وأبرز ما ظهر فيه الذوق المحلي هو ما يعرف بالفنون الشعبية من طرز وصياغة وزخرفة النسيج كالزرابي وترصيع بعض الآلات والتحف كالسيوف والبنادق والسروج وأدوات الطرب وأبواب المنازل. وقد لعبت المرأة في ذلك دورا بارزا منتجة ومستهلكة معا، فكثير من الأعمال المذكورة كانت من صنع النساء، وهي أيضا كانت موجهة إليهن،

стр. 191

ولا سيما الحلي والمطروزات. ولم ينتشر الرسم إلا قليلا بين الجزائريين، كما سنرى، وانتشر بدلا منه الخط والمنمنمات (١). الجهاد أو الإحساس المشترك ١ - والإحساس المشترك بين الجزائريين والعثمانيين هو الذي نود أن نعالجه في هذه الفقرة. ذلك أن أهم ميزات العهد العثماني في الجزائر هي استمرارية فكرة الجهاد ضد الكفار بالمعنى التقليدي للكلمة وبالمعنى الذي آمن به العثمانيون منذ كانوا رعاة في هضاب آسيا الصغرى والوسطى ومنذ أصبحوا جنودا على حدود الدولة العثمانية يغيرون على بيزنطة فيستشهدون أو يغنمون. هذا المعنى للجهاد هو الذي جاء به العثمانيون للجزائر أيضا، فهو من تقاليدهم العريقة. وقد انضاف إليه جهاد الأندلسيين وأهل شمال إفريقية ضد دار الحرب، وهؤلاء كانوا أيضا يستعملون الجهاد في معناه التقليدي الذي ورثوه عن أجدادهم، أمثال عقبة بن نافع وعبد الرحمن الغافقي وموسى بن نصير ويوسف بن تاشفين وابن تومرت وعبد المؤمن. إن العثمانيين وأهل الأندلس وشمال إفريقية يتشابهون كثيرا في هذه النقطة التي تحتاج إلى دراسة مقارنة أكثر عمقا. فجميعهم كانوا جند حدود في الدولة الإسلامية الكبرى. وجميعهم كانوا أصحاب ميول حربية، وجميعهم أيضا آمنوا بالإسلام بعقيدة راسخة واتخذوا من الجهاد طريقا للدفاع عن هذه العقيدة. ويمكننا أن نضيف أن جميعهم كانوا من أهل السنة. ولعل من أسرار التواجد العثماني طيلة قرون في شمال إفريقية أوجه التشابه هذه التي ذكرناها بين الطرفين. والجهاد الذي مارسه العثمانيون (والسكان معهم في ذلك) نوعان: جهاد بحري عام وجهاد بري خاص. فالجهاد الأول كان في البحر لا يعرف حدودا سوى حدود الغلبة والهزيمة، فهو حرب بكل معنى الكلمة. كان

стр. 192

العثمانيون خلاله يجوبون البحر الأبيض والمحيط الأطلسي وبحر الشمال، ووصلوا بمغامراتهم ومطارداتهم لأعدائهم إلى شواطئ إفريقية الغربية وجزر الكناري وشواطئ إنكلترا وشمال أوروبا بالإضافة إلى إيسلاندا (١). ولعلهم قد وصلوا إلى ما هو أبعد من ذلك، غير أن الوثائق لا تساعدنا الآن. وكان هذا الجهاد موجها ضد كل الدول المسيحية التي لا تعقد معاهدة صداقة ووئام مع الجزائر. ويقتضي ذلك مطاردة سفن العدو في البحر والاستيلاء على ما فيها من غنائم، وأخذ ملاحيها وركابها أسرى إلى الجزائر انتظارا للفدية أو البيع في سوق الرقيق. وقد امتلأت خلال القرن العاشر والحادي عشر دور الجزائر ومحلاتها بهؤلاء الأسرى الذين كبا بهم الحظ. وقد اشتهر من أبطال الجهاد البحري الأخوان بربروس ومراد رايس وابن الحاج موسى وابن مبارك وحميدو وعلي البوزريعي. وقد أدى حماس العثمانيين للجهاد البحري ومطاردة خصومهم في عقر دارهم إلى مساندة الجزائريين لهم في ذلك والعمل معهم في سفنهم والتحالف معهم ضد العدو المشترك. كما أن سكان الشواطيء الجزائرية كانوا يأمرون بدورهم من وقع في قبضتهم من العدو ويسلمونهم للسلطة. فهناك إذن معركة واحدة مستمرة اشترك فيها العثمانيون والجزائريون على السواء. وقد كانت البابوية ودول أوروبا تمارس نفس المعاملة على السفن الجزائرية والإسلامية عامة. أما النوع الثاني من الجهاد فهو الجهاد البري الخاص والموجه ضد إسبانيا بالذات. ذلك أن إسبانيا، كما عرفنا، قد أجبرت على الخروج من جميع النقط الساحلية التي احتلتها في الجزائر ما عدا وهران ومرساها الكبير. وكان الإسبان قد دعموا هناك وجودهم بالتحصينات والعدد والعدة. وكانوا بعد أن فشلوا في تحالفم مع آخر ملوك بني زيان واستيلاء العثمانيين على

стр. 193

تلمسان، قد بدأوا في التحالف مع بعض الجزائريين المقيمين حول مدينة وهران، كبني عامر، الذين أجبرتهم الظروف الاقتصادية على التعامل مع الإسبان (١). وكان هذا محاولة لمد النفوذ الإسباني داخل البلاد. كما أن الإسبان قد حاولوا الاستيلاء على مستغانم وإيجاد قلعة بحرية جديدة لهم تكون أقرب إلى مدينة الجزائر من وهران. وهذه المحاولات لإضعاف الوجود العثماني في الجزائر بالإضافة إلى عدة حملات أوروبية بزعامة إسبانيا ضد الجزائر (حملة شارلكان، وحملة أوريلي، الخ) قد جعلت العثمانيين في الجزائر في حالة حرب مستمرة، ولا سيما في إقليم الغرب. فإذا كان إقليم الشرق (قسنطينة) وإقليم الوسط. (التيطري) قد نعما بالهدوء النسبي، فإن إقليم الغرب كان في حالة توتر، بل حالة حرب مستمرة. وقد أثر هذا الوضع على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما أثر على الحياة الثقافتة (٢). كما سنرى. ولكن أكبر تأثير لهذا الوضع كان على الإدارة المركزية من جهة وعلى العلاقات بين العثمانيين والجزائريين من جهة أخرى. ذلك أن الموقف من جهاد إسبانيا هو الذي كان يقرر مصير الباشا أحيانا. فالتواني في حربهم أو

стр. 194

عدم اتخاذ العدة اللازمة لذلك قد يؤدي بالوجق إلى الثورة أو التمرد ضد الحاكم، أو عزل الباي المسؤول. وبقدر ما كان الباشا أو الباي يستعد لحرب الإسبان أو الانتصار عليهم بقدر ما كان ذلك رصيدا لصالحه في الحكم والشعبية. ونفس الشيء يقال عن العلاقة مع الجزائريين، فقد كان العلماء يقفون إلى جانب المجاهدين من الحكام. وكان الشعراء والكتاب يحضونهم أيضا على جهاد الإسبان، ويمنون من يفعل ذلك منهم بالخير والبركة وحب الناس والفوز عند الله. وإذا انتصر العثمانيون على الإسبان، مثل ما حدث سنة ١١١٩ وسنة ١٢٠٥، لهجت الألسن بالمديح والثناء للباي والداي والمسؤولين على هذا الانتصار وللجيش الذي حققه ولقواده الأبطال. وخرج الشعراء والكتاب يسجلون هذا الانتصار، فيكون ذلك سببا في حب الناس للعثمانيين ونشر الدعاية لهم (١). وهذه الأهمية السياسية للجهاد جعلتنا نفرده بهذه السطور. ٢ - ولنذكر هنا نماذج من مواقف الأهالي من الجهاد ضد الإسبان ومواقفهم من العثمانيين ففي معركة مستغانم بين المسلمين والإسبان سنة ٩٦٥ المعروفة (بمعركة مازغران) اشترك الشاعر الشعبي الشهير الأكحل بن خلوف، المعروف بالأخضر، فيها شخصيا. وقد سجل قصة المعركة في قصيدته التي مطلعها: يا سايلتي عن طراد الروم ... قصة مازغران معلومة فذكر حسن باشا قائد الجيش الإسلامي وأعماله خلال المعركة والأهالي الذين ساهموا في الجهاد والطريق التي مر بها الجيش الإسباني بقيادة (الكونت دالكادوت) وتحدث عن معنويات الجيش الإسلامي والجيش الإسباني: فهنالك الشجاعة والإقدام والحزم، وهناك الذعر والخوف

стр. 195

والجبن. وأشار إلى موت القائد الإسباني في المعركة (١). ويهمنا أن نشير إلى نقطتين في هذه القصيدة، الأولى اعتبار الشاعر تلك المعركة أخذا بثأر غرناطة التي كان أخذ الإسبان لها ما يزال قريب العهد، والثانية إشادته بحسن باشا وبالعثمانيين، وكلتاهما تؤكد ما ذهبنا إليه من أن الجهاد كان مشتركا وأنه كان يمثل الرابطة القوية بين العثمانيين والسكان. وما يزال شعر ابن خلوف يحفظه الناس، ولا سيما مدائحه النبوية. وهناك قصة عالم وشاعر من تلمسان سجلها ابن مريم في كتابه (البستان) وهو عبد الرحمن بن موسى. فقد وقف هذا الشاعر موقفا مؤيدا لمساعي العثمانيين في استرداد وهران من الإسبان ووصفه ابن مريم بأنه كان (فظا غليظا على كل جبار عنيد) وأنه لم يكن مغمورا في بلده تلمسان بل تجول وأخذ العلم عن علماء زواوة أيضا. وحين توفي سنة ١٠١١ مشى الناس في جنازته (حنى الترك) (٢). ولابن موسى أشعار كثيرة في المديح النبوي، ولكن الذي يهمنا هو شعره السياسي. فله شعر قاله في شيخه عند حصار وهران على يد حسن باشا بن خير الدين، وآخر عندما هدم الباشا المذكور حصن المرسى الأعلى وهرب الإسبان من ذلك إلى الحصن الأسفل. وقد هنأ بهذا الشعر الباشا على فتح الحصن بقوله: هنيئا لك باشا الجزائر والغرب ... بفتح أساس الكفر، مرسى قرى الكلب وهو يشير بباشا الجزائر والغرب إلى وسط الجزائر وغربها على أساس أنه حاكم الجزائر كلها، بما في ذلك غربها، لأن نفوذ العثمانيين هناك كان جديدا. وكان فتح الحصن المذكور سنة ١٠٠٧، حسب رواية ابن مريم. والظاهر أن ابن موسى كان من بقايا العلماء المؤيدين للعثمانيين بتلمسان. وقد كان بالإضافة إلى الشعر، ماهرا في الحساب والفرائض والنحو واللغة والفقه والحديث.

стр. 196

ومن العلماء الصلحاء الذين لعبوا دورا في الجهاد ضد الإسبان والذين كانوا محل احترام العثمانيين، محمد بن علي المجاجي المعروف بابهلول. وقد ترجم لهذا العالم الصالح أبو حامد العربي المشرفي في كتابه (ياقوتة النسب الوهاجة). كما ترجم له آخرون (١). وبناء على المشرفي فإن المجاجي كان من أهل القرن الحادي عشر وأنه كان شريفا أندلسي الأصل، تقيا سخيا، كما أخبر أن الأتراك كانوا يعظمون أسلافه. وقد حارب أحفاده أيضا الفرنسيين في صفوف الأمير عبد القادر. وكان المجاجي شاعرا أيضا. كما أن زاويته كانت مركزا للمجاهدين في سبيل الله. وقد نقل المشرفي أن حوالي ألف وثلاثمائة مجاهد خرجوا ذات مرة لقتال الكفار بثغر تنس، وكانوا جياعا فمروا بزاوية المجاجي فأطعمهم جميعا (حتى شبعوا من الرغائف والثريد والزبدة والعسل، وجاء بقصعة الزاوية وفيها ثلاثون نوعا من الطعام واللحم). وقد مات المجاجي موتة غامضة، غير أن أتباعه ينعتونه (بالشهيد) ويسمونه (بسفيان العابدين) ووصفه تلميذه سعيد قدورة بأنه كان عالما بالنحو والفقه وبالتوحيد والمنطق (٢). ويهمنا من قصة المجاجي كون زاويته كانت مركزا للمجاهدين ضد الكفار، وكون العثمانيين كانوا يعظمونه ويعظمون سلفه، وكون هذا التقليد (قتال الأعداء) قد استمر فيهم حتى زمن الفرنسيين. وكثير من العلماء والصلحاء كانوا مجاهدين اما بطريقة غير مباشرة كما كان المجاجي واما بطريقة مباشرة كما فعل مصطفى الرماصي وأمثاله. فقد روى عبد الرحمن الجامعي المغربي، الذي جاء إلى الجزائر بعد فتح وهران الأول سنة ١١١٩، قصة مفيدة عن مشاركة العلماء في جهاد الإسبان. فقد وجد الشيخ محمد مصطفى الرماصي المعروف بالقلعي يسكن بأهله بيوت الشعر قرب غابة في رأس جبل ببلده، وكان يأوي إلى أهله ليلا

стр. 197

ويظل بالنهار في داره ومسجده يطالع كتبه ويقرئ طلبته. ولما سأله الجامعي عن ذلك أجابه الرماصي بأنهم كانوا على تلك الحال على عهد الإسبان خوفا منهم لأنهم لم يكونوا يأمنون جانبهم في الدور إذ قد يطرقونهم ليلا، لذلك خرجوا لبيوت الشعر ليسهل الفرار منها إلى الغابات والجبال. كما روى الجامعي أن المرابط علي أبا حسون (أبو حسن عند أبي راس في الحلل السندسية) العبدلي أنهم كانوا في حوز تلمسان لا يهدأ لهم بال ولا منام حتى جعلوا عليهم من يحرسهم وأنه إذا نام أحدهم تجده يهذي بإغارة النصارى عليهم وقد يصرخ في نومه. وقد علق الجامعي على هذه الحالة بأنه لا يعرف قيمة حلاوة الأمان إلا من ذاق مرارة الخوف (١) ولا شك أن هذه الحالة وأشباهها هي التي جعلت التحالف مع العثمانيين ضروريا لأن هناك قضية مشتركة بينهم وبين السكان (٢). ومن العلماء من كان يحث على الجهاد عامة وتحرير وهران خاصة، ومنهم من كان يتنبأ بالفتح قبل وقوعه تشجيعا للحكام. وكانوا يقرنون التهنئة بالتولية الدعوة إلى الجهاد ويعتبرون الباشا الحقيقي للبلاد هو الذي يطلق السفن في البحر ضد العدو ويسوس الناس بالعدل والشورى. فحين تولى أحمد باشا سنة ١١٠٧ (٣)، هنأه الشاعر العالم محمد بن آقوجيل وضمن شعره حثا على الجهاد ضد الإسبان في وهران والجهاد بصفة عامة، ونصحه باتباع العدل بين الناس وحكم الشورى. ولا نريد أن نذكر جميع القصيدة، وحسبنا منها ما يلي: فرحت جزائرنا بكم وتأنست ... بمقامكم فيها بحال حبور

стр. 198

ولتلتفت نحو الجهاد بقوة ... والكفر أقطع أصله بذكور جهز جيوشا كالأسود وسرحن ... تلك الجواري في عباب بحور أضرم على الكفار نار الحرب لا ... تقلع ولا تمهلهم بفتور وبقربنا وهران ضرس مؤلم ... سهل اقتلاع في اعتناء يسير كم قد أذت من مسلمين وكم سبت ... منهم بقهر أسيرة وأسير (١) وكان حسين خوجة الشريف باشا قد أرسل سنة ١١١٧ المعدات للشروع في فتح وهران ولكنه عزل بعد عام فتولى مكانه محمد بكداش باشا الذي فتحت في عهده. ويبدو أن العلماء والشعراء كانوا يضغطون على العثمانيين للقيام بالجهاد والفتح. ولكن الظروف الدولية لم تكن دائما مساعدة للعثمانيين على القيام بذلك. ومن التنبؤات التي أشرنا إليها، وهي أيضا وسيلة للضغط، كما أنها وسيلة للتزلف والتقرب من السلطة، ما بعث به (الأديب السالك الناسك) محمد القرومي على لسان ابنه إلى محمد بكداش أثناء الحرب ضد الإسبان من أنه قد رأى في المنام أن وهران ستفتح على يده، وأنه (أي بكداش) إمام المسلمين (٢) الخ. وقد عرض الشاعر المفتي ابن علي بالولاة السابقين لبكداش الذين انغمسوا في الملذات واستهانوا بالجهاد، بل اتهمهم بأخذ الرشوة وجمع المال والتهاون في تحرير وهران: وكل رئيس يرتجى لخطوبها ... تشاغل في لذاته وهو نائم ورب أمير أزمع السير نحوها ... فيرجع لما كاثرته الدراهم رضوا بالرشى في الدين حين تخلفوا ... وقد رسخت في الأرض تلك الأرقام (٣)

стр. 199

٣ - ولم يكن الجهاد دائما هجوميا ولا ضد إسبانيا فقط. فرد غارات الأجانب والانتصار عليهم كان يعتبر من أهم أنواع الجهاد. وقد تعرضت الجزائر إلى حملات أجنبية عديدة. وهذه الحملات كانت أحيانا تضم عدة دول كحملة شارلكان (أو شارل الخامس) وحملة اكسموث وحملة أوريلي، وأحيانا كانت تقودها دولة معينة كحملة الدنمارك سنة ١١٨٤. فقد ضرب الأسطول الدنمركي مدينة الجزائر بالقنابل، ولكن النصر كان حليف الجزائريين. وانبرى الشعر الشعبي ليسجل هذا الانتصار وليربط بين حملة شارل الخامس الفاشلة وحملة الدنمارك ولينوه ببركة الأوليات والصالحين الذين ساعدوا، في نظر الشاعر، على تحقيق النصر أمثال الولي داده وسيدي الجودي والثعالبي وأحمد بن عبد الله الجزائري وسيدي جمعة وسيدي الكتاني وسيدي السعدي وسيدي الفاسي وعبد القادر الجيلاني و (الرجال السبعة) وغيرهم من حماة مدينة الجزائر وحراسها اليقظين. كما نوه الشاعر بهذه المناسبة بالسلطان (وهو هنا يقصد الباشا - حاكم الجزائر) والخزناجي والآغا ووكيل الحرج والخوجة والرياس (البحارة) الشجعان. والقصيدة طويلة وقائلها مجهول، كمعظم أصحاب الشعر الشعبي في الجزائر. وتذهب القصة إلى أن الأسطول الدنمركي جاء لمهاجمة مدينة الجزائر ليلة احتفال أهلها بالمولد النبوي الشريف. وعندما لاحظ الغزاة أن الجزائريين قد أوقدوا

стр. 200

الشموع احتفالا بهذه المناسبة ابتداء من الغروب ظن الدنماركيون أن الجزائريين كانوا يستعدون لمهاجمتهم فظلوا يطلقون قنابلهم (أو البونبة كما يسميها الشاعر) حتى نفذت ذخائرهم - وقد افتتح الشاعر قصيدته بهذا الطالع: باسم الله نبدي على وفا ... ذا القصة تعيانا قصة ذا البونبة المتلفة ... كيف جابوها اعدانا (١) وقد تعرض عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري في رحلته باختصار إلى علاقات الجزائر بالدنمارك في تاريخ سابق للتاريخ المذكور، أي سنة ١١٥٩ (٢). وهناك أمثلة كثيرة على مشاركة العلماء والشعراء في الدعوة إلى الجهاد أو وصف المعارك التي جرت والإشادة بالانتصار الذي تحقق ومدح المسؤولين عليه. فالعصر، كما عرفنا، كان مليئا بالتوتر والحروب. ٤ - ومن ذلك فتح وهران الثاني سنة ١٢٠٥. وقد عرفنا أن عاصمة الغرب الجزائري كانت تتغير من مدينة إلى أخرى، تبعا لأهمية المدينة وقربها أو بعدها عن العدو. وكان البايات هناك يختارون للقيام بمهمة الجهاد والتحضير له كلما أتت المناسبة. كما كانت الحرب ضد إسبانيا نوعا من الاختبار للتحالف الجزائري العثماني وإعادة الحماس الديني والتأييد السياسي إلى سالف عهده. وكان هؤلاء البايات يعرفون مكانة العلماء والصلحاء لدى العامة، وكانوا يعرفون أنهم هم (الحزب الديني) المنادي بالجهاد بإلحاح.

стр. 201

وإذا لم يقم العثمانيون بالجهاد فإن العلماء سيتهمونهم بالتعاون في الدفاع عن الدين الإسلامي والخلود إلى الراحة والتغاضي عن العدو، كما صرح بذلك ابن علي في الشعر السابق. لذلك وضع الباي محمد الكبير العلماء في فوهة المدفع حتى يسكتهم إذ جعلهم في طليعة المحاربين ضد الإسبان. فإذا تحقق النصر كسب وكسبوا أو سكت وسكتوا وإذا كتبت الهزيمة تخلص من نقدهم. ففي التاريخ المذكور (سنة ١٢٠٥) جند الباي محمد الكبير، باي معسكر عندئذ، طلبة (العلماء وتلاميذهم) ولايته وأمرهم بحرب الإسبان في وهران ونواحيها، وأمرهم أيضا أن يتوقفوا عن التدريس في المدن وأن يدرسوا، بدلا من ذلك، في الرباطات والمراكز الأمامية كما نقول اليوم، مثل جبل المائدة المطل على وهران، للتضييق على العدو. وكان الهدف فرض الجهاد عليهم فرضا لأن عليهم في هذه الحالة أن يدافعوا عن أنفسهم قبل مهاجمة الإسبان في المدينة. وعندما كثر الطلبة أمر عليهم الشيخ محمد بن الموفق بوجلال والطاهر بن حوا، قاضي معسكر، والشيخ محمد بن علي الشارف المازوني. وقد وصل عدد الطلبة المائتين وأعطاهم الباي السلاح والعدة وأمرهم بقتال الكفار والمسلمين المنحازين إليهم. ولكن هزيمة الطلبة كانت شبه مؤكدة. فهم، كما تقول الرواية، غير معتادين على حمل السلاح ولا يعرفون فن الحرب. وكانوا سيقعون في قبضة العدو لا محالة لولا فرارهم في الوقت المناسب ومعرفتهم كيف يحمون أنفسهم قبل الوصول إلى هدفهم. وليست هذه هي المرة الأولى التي استعمل فيها الباي محمد الكبير الطلبة في الجهاد ضد الإسبان. فقد أمر ذات مرة بعض ثقاته من الطلبة بالتوجه، بعد تسليحهم وتموينهم، إلى النواحي الغربية من ولايته لتجنيد زملائهم الطلبة من هناك وترغيبهم في الجهاد. وقد نجحت البعثة حسب نفس الرواية، إذ عاد أصحابها بنحو أربعمائة طالب. ولم يتردد الباي في تسليحهم وإعدادهم ودفعهم للحرب. وكانوا يزدادون مع الزمن حتى (أربى عددهم عن

стр. 202

الحد). وبذلك أصبح الطلبة يشكلون فرقة عسكرية علمية بكل معنى الكلمة. وكان الباي يرسل إليهم حاجتهم من المؤونة والسلاح كل شهر (١). ولا شك أن هذه القصة تعطي نموذجا لتحالف الجزائريين والعثمانيين ضد العدو المشترك الذي شجع على هذا التحالف من أوائل القرن العاشر إلى أوائل الثالث عشر. كما أن هذه القصة تعطي نموذجا لمساهمة العلماء في الجهاد بأنفسهم وليس عن طريق الكلام والشعر والتأييد المعنوي. ولا شك أيضا أن وجود العلماء على رأس الجيش المحارب كان يشجع الجنود والعامة على الاقتداء بهم والارتماء في أحضان المعركة بكل حماس وجدية. وكان هذا أيضا من أهداف الباي محمد الكبير الرئيسية. فتحرير وهران الثاني والأخير كان، حينئذ، عن طريق الجيش النظامي وعن طريق ما نسميه اليوم بالحرب الشعبية. والشيخ بوجلال الذي أمره الباي على الطلبة في جبل المائدة شرقي وهران يعتبر من أبرز العلماء في عصره. وكان من أبرز المدرسين. ونعرف من إجازته لمؤلف كتاب (الثغر الجماني) أنه كان يدرس الفقه والحديث والتوحيد والمنطق والأصول والبلاغة والنحو. وقد اكتسب الشيخ بوجلال هذه العلوم بدراسته في فاس حتى اشتهر بها، كما ذهب إلى الحج ولقي علماء المشرق. وكان وقت تامير الباي له أستاذا بارزا في معسكر (٢). ولعل الباي كان يحاول بتعيينه في تلك المهمة التخلص منه، كما تخلص من القاضي ابن حوا باستشهاده، ومهما يكن الأمر فإن هناك عالما آخر كتب حول هذه المناسبة وهو أبو راس الناصر الذي عاصر فتح وهران. ويهمنا من أبي راس أنه لم يكن حاضرا في معسكر عند بدء الجهاد وإنما سمع بالانتصار وهو في تونس عائدا من الحج فخف إلى وهران للمشاركة في الجهاد

стр. 203

والاحتفال بالنصر. كما يهمنا تأييده القوي للعثمانيين في كتاباته ولا سيما مواقفهم التي تتعلق بالجهاد وطرد الإسبان. وقد بلغ به الحماس والتفاؤل أنه تطلع بعد استرداد وهران إلى استرداد الأندلس (١). وتكشف النماذج التي أتينا عليها عن العلاقة الوطيدة بين العثمانيين والسكان إذا كان الأمر يتعلق بالدين الإسلامي وحدود البلاد. وقد لاحظنا أن الأدباء والفقهاء والصلحاء كانوا في طليعة من تجندوا لهذه الغاية ولم يعد هناك فرق في تلك المناسبات الدينية الوطنية الكبيرة بين العثماني والجزائري. فكلاهما مسلم وكلاهما مجاهد. وتجدر الإشارة إلى أن علماء الغرب الجزائري قد أنتجوا، كما أشرنا، أدبا سياسيا كثيرا نتيجة لتوتر العلاقة والحروب بين الجزائر وإسبانيا، خلافا لزملائهم أدباء الشرق الجزائري الذي كان ينعم بالأمن النسبي من الخارج. وهناك ظاهرة أخرى برزت في الغرب الجزائري عندئذ، وهي تطور التصوف وكثرة الطرق والأولياء والصطحاء أو ظهور ما سماه بعضهم (بالوطنية الدينية) وليس من المستبعد أن يكون ظهور ذلك يعود إلى كثرة الحروب التي أشرنا إليها (٢). وكان قرب وهران من الأندلس وتشابه الظروف قد جعل المقارنة بينهما أمرا مفروغا منه عند الكتاب والشعراء وحتى عند السياسيين. ولعل نفس الفكرة كانت لا تغيب عن الإسبان أيضا. الثورات ضد العثمانيين ١ - ورغم ما قلناه عن الإحساس المشترك بين الجزائريين والعثمانيين

стр. 204

وما وصفناه من التضامن والتحالف بينهم ساعة الخطر المشترك، فإن هناك ثورات عديدة قد وقعت في العهد العثماني. وكانت الثورات متعددة الوسائل والغايات فبعضها كان له طابع ديني، وبعضها كان له طابع سياسي (وطنيا)، وبعضها كان له دوافع اقتصادية، كما أن البعض منها كان نتيجة تمرد شخص حبا في المغامرة أو طمعا في الجاه والسمعة. ومن هذه الثورات ما كان قصير المدى محدود المكان، وما كان طويل المدى واسع المجال. بالإضافة إلى أن الثورة كانت أحيانا ثورة طريقة صوفية بأسرها أو ثورة قبيلة كاملة، وأحيانا كانت ثورة طبقة اجتماعية معينة، وأحيانا ثورة جهة وأخرى ثورة عائلة. وسنحاول أن نقدم نموذجا لبعض هذه الثورات. ولكن تجدر الملاحظة إلى أن الثورة الواحدة قد تكون متعددة الدوافع والأهداف. كما تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه الثورات ما يزال مجهولا وغامض الأسباب والأهداف. والواقع أن رد الفعل ضد العثمانيين قد بدأ منذ اللحظة الأولى لوجودهم. وكانت أول ردود الفعل قد جاءت من أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية في البلاد. ولم يكن العلماء والصلحاء (أو المرابطون) والعامة هم الذين نفروا من الحكم العثماني، ولكن الأمراء والولاة والقواد وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي في العهد السابق لهذا الحكم والذين خشوا أن يفقدوا (أو الذين فقدوا فعلا) مصالحهم السياسية والاقتصادية. وكان تحالف العثمانيين مع رجال الدين والعامة، قد أضر بمصالح بعض الأمراء والولاة والقواد الكبار، فكان هذا الموقف سببا في ثورة بعض هؤلاء الأعيان. غير أن سياسة العثمانيين لم تكن هي حكم البلاد المباشر، بل الحكم بواسطة أهل البلاد أنفسهم. ذلك أن عددهم وقوتهم وأصولهم كلها لم تكن تسمح لهم بفرض سلطانهم مباشرة، ولذلك عمدوا، بالإضافة إلى التحالف الذي ذكرناه سابقا مع رجال الدين، إلى الاعتراف بالاستقلال الداخلي أو بالحكم المحلي لبعض هؤلاء الأعيان بشرط أن يدفعوا ضريبة معينة للحكومة المركزية ويعترفوا بالتبعية للسلطان العثماني. وكانت علامة التمرد أو الثورة هي الامتناع عن دفع الضريبة أو قطع الخطبة باسم السلطان. ومن الأساليب التي

стр. 205

طبقها العثمانيون لحكم البلاد غير المباشر أن القبائل التي تعاملت معهم بطاعة وخضوع تام قد أعفيت من دفع الضرائب (كما أعفوا منها العلماء والمرابطين) وسميت (بالمخزن) ومنحت سلطات واسعة كقوة عسكرية عند الحاجة. أما بقية القبائل التي لم تخضع إلا بالقوة فقد فرضت عليها الضرائب وسميت (رعية) وعوملت معاملة قاسية. وهكذا يمكن القول بأن العثمانيين قد طبقوا على الجزائر قواعد الحرب الإسلامية التي تطبق في الواقع على بلد غير إسلامي بعد فتحه (١). ويمكننا بعد هذه النظرة العامة أن نذكر عدة نماذج من ثورات الأمراء والولاة والقواد وأصحاب المصالح السياسية والاقتصادية في بداية العهد العثماني. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى محاولة سليم التومي استعادة نفوذه على مدينة الجزائر مما أدى إلى مقتله على يد عروج بربروس (٢). وإلى نقمة بعض الأمراء الزيانيين في تلمسان والحرب التي دارت هناك ومقتل إسحاق وأخيه عروج بربروس بناحية تلمسان، وإلى ثورة ابن القاضي، أمير إمارة كوكو، ومحاولة حسن باشا ترضيته بالمصاهرة ونحوها، ثم منحه سلطات محلية، وكذلك سخط أمراء قسنطينة على العثمانيين كأولاد صولة، وثورة بوطريق في نواحي مليانة على العثمانيين أيام الحاج بشير باشا (٣). ٢ - وبتقادم العهد بدأت تظهر ثورات وتمردات جديدة تدفعها عوامل جديدة أيضا. فهنالك المنازعة بل المقاتلة التي نشبت بين العرب والعثمانيين

стр. 206

حول تلمسان والتي أشار إليها ابن مريم. ولم يشر ابن مريم إلى تاريخ الحادثة ولكنه أوردها في ترجمة الشيخ محمد السويدي الذي توفي حوالي سنة ٩٨٠ هـ. فقد جاء في كتاب (البستان) أن الترك قد نزلوا بحملتهم (أي الحملة العسكرية) في الدواوير القريبة من تلمسان، وكانوا يأخذون العلف من أحد هذه الدواوير (وتشاجروا (يعني الترك) مع أهل الدوار وقام العرب يتقاتلون مع الترك) (١). ويبدو أن سبب هذا التشاجر والتقاتل كان اقتصاديا وكان العثمانيون قد نزلوا بجيوشهم في هذا المكان وأرادوا الاستيلاء على الحبوب من المطامير ونحوها من مخازن العلف، وهو مورد رئيسي للسكان، ولم يذكر ابن مريم زعيما لهذه الحادثة التي يبدو أنها كانت رد فعل تلقائي من السكان. ٣ - والحادثة التي رواها ابن مريم لم تكن حادثة معزولة. فالمؤرخون يتحدثون عن ثورة في الغرب الجزائري دامت مدة طويلة، وهي المعروفة (بثورة المحال) (٢)، وهي ثورة قبيلة سويد العربية ضد العثمانيين. وكانت قاعدة هذه الثورة أحيانا مدينة تنس البحرية التي كانت قاعدة لحكم سويد قبل مجيء العثمانيين (٣). وكان لسويد علاقة بشيوخ الثعالبة الذين كانوا يحكمون متيجة ومدينة الجزائر عند مجيء العثمانيين. ولا شك أنهم تأثروا لمقتل سليم التومي على يد عروج. ويبدو أن العثمانيين قد أجلوا سويدا عن أماكنهم في تنس بعد وفاة زعيمها جميد العبد. وقد سجل الشعر الشعبي هذه العلاقة بين سويد والعثمانيين. فالشاعر ابن السويكت السويدي روى المعارك التي دارت بين قومه وبين العثمانيين، كما تحدث عن جلاء قومه، وبمعنى آخر عن هزيمتهم، وذلك في قوله:

стр. 207

الترك جاروا واسويد عقابهم طافحين ... والترك شاربين الهبال في سطله أداكم الطمع في مطافل امتمقين ... اسويد ما يطيعوا الترك قتاله فهو يصف الترك بالجور والحماقة والطمع والوحشية (قتالة) لذلك لم تطعهم سويد الشجاعة. أما عن جلاء قومه فقد قال: لا من جاب أخبار سويد ... أين مضرب راهم نازلين امحالي (١) والمؤرخون لا يذكرون أسبابا واضحة لثورة سويد. فهل كان لصفتهم العربية دخل في هذه الثورة التي تكون بذلك تعبيرا عن بداية روح (وطنية) ضد العثمانيين؟ ولنلاحظ أن ابن مريم قد استعمل عبارة (الترك). كما أن ثورة سويد كانت ثورة عربية إذا نظرنا إلى الجانب القبلي فيها. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشاعر السويدي العربي كان يشير إلى العثمانيين باسم (الترك) أيضا عدة مرات. وكأنه يلح على ذلك إلحاحا خاصا. ولكن العامل (الوطني) قد يكون ثانويا إلى جانب العامل الاقتصادي والسياسي. فالمؤرخون يذكرون أنه كان لسويد ماض حافل وكانت تحكم مساحة شاسعة تمتد من مستغانم غربا إلى العطاف شرقا ثم امتد نفوذها إلى ضواحي مدينة الجزائر. وكان لها أمراء وقادة يحكمون إمارة تنس. فالوجود العثماني إذن كان يعني نهاية هذا المجد والثروات التي تنتجها الأراضي الخصبة التي كانت تحت أيدي سويد. ٤ - وفي زواوة حدثت ثورة خلال القرن الثاني عشر شبيهة بثورة المحال. وكانت زواوة ممتنعة على العثمانيين، كما كانت تدفع لهم ضريبة الاستقلال الداخلي. ولعل محاولة العثمانيين التوغل في زواوة وفرض ضرائب جديدة على أهلها نتيجة النقص في غنائم البحر هو العامل الرئيسي وراء هذه الثورة. ففي سنة ١١٥٨ خرج أهل زواوة ضد القائد العثماني محمد الفريرا المشهور

стр. 208

بالذباح (ولأهمية زواوة أنشأ العثمانيون قيادة خاصة في سباو التي فصلوها عن إقليم التيطري) فاستولى الزواويون على برج (قلعة) بوغني، وبعد شهر استولوا على برح حمزة (البويرة اليوم) وتمكنوا من قتل قائد الحامية العثمانية في سباو وهو محمد الذباح المذكور. وقد استمرت الثورة مدة سنة على الأقل وأزعجت السلطات العثمانية فجندت لها جيشا من العاصمة بقيادة شريف آغا ومن المدية بقيادة الباي سفطان، ومن قسنطينة بقيادة الباي إحمد القلي. وبذلك وضع حد لهذه الثورة الخطيرة على الوجود العثماني (١). وقد صور ابن حمادوش الجزائري هذه الثورة بشيء من العاطفة والتأثر. فبعد أن تحدث عن اقتران المريخ وزحل يوم الجمعة أول شهر ربيع الأول سنة ١١٥٨، قال (فوافق ذلك نفوذ وعد الله بطائفة من القبائل من زواوة أن نافقوا (أي ثاروا) على القائد محمد، قائد ساباو الذباح، فبعث إلى إبراهيم باشا فأمده آغا الصبايحية (الفرسان) معه حانبة (فرقة) نحو المئاتي يولداش. فلم يأت اجتماع الشمس والقمر الآتي (؟) حتى هلكت دشور (قرى) القبائل. وبعث يوم الثلاثاء ثالث ربيع الثاني بثمانية وسبعين رأسا على الجمال وأردفها من الغد بأربعة عشر رأسا، ونهبوا أمتعتهم وأموالهم وحرقوا دشورهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٢). وحسب هذه الرواية فإن الثورة في الواقع لم تنته عندئذ وإنما هي البداية فقط. فابن حمادوش لا يتحدث عن مقتل القائد الذباح، كما أنه لا يتحدث عن اتساع ميدان الثورة بعد ذلك .. ولكن كان يركز على فظاعة المعاملة التي عامل بها العثمانيون

стр. 209

الثوار. فهي القتل والتمثيل والحرق والنهب. ونحب أن نشير هنا إلى أن ابن حمادوش في كتاباته لم يكن يكشف عن رأيه في العثمانيين، ولكن خلافا لبعض معاصريه، لم يمدحهم، وكان يكتفي بتسجيل الحوادث بشكل محايد. ٥ - ومن الثورات غير الدينية ضد العثمانيين ثورة الكراغلة وثورة تلمسان في القرن الحادي عشر. وقد حظيت ثورة الكراغلة بانتباه بعض الباحثين أخيرا مثل بواييه الفرنسي الذي حاول أن يسلط عليها الأضواء من جديد (١). وحسبنا هنا أن نشير إلى أن الثورة في حد ذاتها لم تثمر لأن الحكام قد اكتشفوها قبل نضجها. وكانت تمثل محاولة فئة اجتماعية (أبناء الترك من الجزائريات) الاستيلاء على السلطة. فقد كانت هذه الفئة ترى، كما أسلفنا، أنها أحق بالسلطة من العثمانيين القادمين من أناضوليا ومن شذاذ الآفاق الطامعين في حكم الجزائر. فالثورة إذن كانت سياسية واقتصادية واجتماعية. وكان لفشلها عواقب هامة. فقد جعلت العثمانيين يزدادون حذرا من هذه الفئة ويتشبثون أكثر فأكثر بالسلطة دفاعا عن مصالحهم الشخصية والطبقية كفئة غريبة عن المجتمع الذي تحكمه (٢). أما ثورتا تلمسان سنة ١٠٣٥ وسنة ١٠٣٧ فلدينا عنهما المعلومات الهامة التي أوردها محمد بن سليمان صاحب كتاب (كعبة الطائفين). فقد روى ما ارتكبه القائد محمد بن سوري من الفظاعة والجور ضد أهالي تلمسان. وكان العلماء والمرابطون يتدخلون لديه مثل الشيخ محمد بن علي العبدلي، للتخفيف من غلوائه. وكانوا يؤون الناس من ظلمه حتى أهل

стр. 210

الذمة. ومن الذين دخلوا على القائد ابن سوري، صاحب كتاب (كعبة الطائفين) المذكور الذي روى ذلك بشيء من التفصيل والتأثر. وقال في ابن سوري شعرا جاء فيه: ترقب يوم موتك يا فلان ... وراهقك الرحيل من الديار وعرض في كتابه بجور العثمانيين (١)، وقد مات الشيخ العبدلي سنة ١٠٣٥ أثناء عودته من الجزائر بعد تدخله في شؤون الثورة الأولى. ووصف ابن سليمان الثورة الثانية بأنها كانت أعظم من الأولى. ٦ - ولعل أكبر ثورة حدثت في الشرق الجزائري خلال العهد العثماني هي ثورة أحمد الصخري سنة ١٠٤٧. فقد هزت هذه الثورة أركان النظام العثماني وكادت تطيح به لأنها شملت المنطقة الواقعة بين الزاب وحدود تونس إلى حدود دار السلطان (الجزائر ونواحيها)، واستغرقت فترة طويلة وتسببت في سقوط عدد من الباشوات ومات فيها خلق كثير. وقد دخلت بسببها قسنطينة في فوضى لم تبرأ منها طويلا. ورغم أن وثائق هذه الثورة ما زالت نادرة فإنه يمكن القول إنها كانت من الثورات القبلية الاقتصادية. وخلاصتها أن شيخ العرب، محمد بن الصخري بن بوعكاز العلوي الهلالي، قائد الذواودة والحنانشة، قد زار مراد باي، حاكم قسنطينة سنة ١٠٤٧، في مكان خارج المدينة. ولكن الباي اتهمه بالخروج عن الطاعة وأمسكه سجينا عنده، وشاور في شأنه باشا الجزائر والديوان فأشاروا عليه بقتله فقتله هو وابنه أحمد كما قتل معه ستة من أعيان العرب. وبعد ان علقوا رؤوسهم على الخيمة العسكرية فترة جيء بالرؤوس إلى قسنطينة وعلقوها أيضا، (وليس من

стр. 211

بينها رأس ابن الصخري وابنه). وبعد عام (أي سنة ١٠٤٨) ثار أحمد بن الصخري، أخ القتيل، وقاد جموع العرب والحنانشة والذواودة وغيرهم ضد العثمانيين. وقد هاجم الثوار مدينة قسنطينة وغيرها. وجاءت النجدات من الجزائر إلى مراد باي، حاكم الإقليم. وامتدت الثورة إلى الزيبان والصحراء وعنابة. ومن المعارك التي انتصر فيها الثوار (معركة كجال) التي هرب خلالها مراد باي، ولم يعرف مصيره بعدها. كما قتل فيها كاتبه شريط ابن صولة، وأثناء هذه الثورة الخطيرة عدل يوسف باشا عن إعلان الجهاد ضد الإسبان في وهران وجاء بنفسه لحرب الثوار فأقام سنة في قسنطينة وتوجه إلى الزيبان، ولكن الثورة استمرت (١). وقد جند الباشا كل الوسائل للقضاء عليها مثل مكاتبته لأهل الرأي والعلماء وطلب مساعدتهم وتهديد المنشقين بالويل والثبور (٢). وقد سجل الشعر الشعبي استمرارية ثورة ابن الصخري في مناسبات أخرى. فهذه علجية بنت بوعزيز بوعكاز (التي سماها بيسونيل الرحالة الفرنسي عندئذ جان دارك قومها) قد قادت العرب وجموع الحنانشة ضد الترك عندما دب الفشل في الرجال. والشاعر الشعبي قد ذم الترك وأشاد بقومه وبالفتاة الشجاعة إذ قال: قصة طراد شاو الزمان يا حضار ... مع الترك الخداعين يا حسرة وقال عن علجية بالذات: طاحو اليوم سادات في الحروب أبدان ... أهل العلوم يقرأوا من الحمد للبقرة يندهو إلى أشياخ القومان ... بنت بوعزيز سيدة الرجالة (٣) ركبا على زرقا تنطمى فرخ الجان ... تسبق الغزال تشطفه تزيد في لغواط

стр. 212

٧ - وهناك ثورات ذات طابع ديني بعضها كان بقيادة مرابط بعينه وبعضها بقيادة طريقة صوفية كاملة. ومن النوع الأول ثورة يحيى الأوراسي في القرن العاشر في جبال الأوراس. فقد كان الشيخ يحيى رجلا عالما ومدربا في مدينة قسنطينة، وكان من تلاميذ عمر الوزان، وكتب أوراقا وتقاييد في النحو والبيان والفقه، وتولى الإفتاء في الجزائر وقسنطينة. وكان في أول أمره صاحب نفوذ لدى أهل الدولة الذين كانوا يعتقدون فيه الصلاح حتى أنهم كانوا (لا يقطعون دونه أمرا) وقد انتهى إلى التصوف وأسرار الحروف وله سلسلة وخرقة على عادة المتصوفة. وهذا ما جعل أهل السلطة، بالإضافة إلى العامة، يعتقدون فيه الصلاح. ولكن حساده وشوا به إلى السلطة وأشاعوا عنه الأقاويل (فخلع البيعة وفر من قسنطينة إلى جبل أوراس مع أخيه أحمد) وقد جرت حروب بينه وبين العثمانيين انتهت بفشلهم من إلقاء القبض عليه، ولكن الموت جاءه غدرا. ولعل ذلك كان من دس العثمانيين بعد أن فشلوا في قتله في الميدان. ومهما كان الأمر فإن ثورته قد استمرت على يد أخيه أحمد (١). وهذه الرواية لثورة يحيى الأوراسي لا تكشف عن جميع جوانب الثورة لأن الذي ساقها (الفكون) كان ضد العلماء الذين يتزلفون السلطة ويهينون علمهم وصلاحهم بتولي الوظائف الرسمية وخدمة الأمراء. وفي نظره أن جميع العلماء الذين فعلوا ذلك قد انتهوا بالتخلي عن قيمهم وعلمهم وصلاحهم وضحوا بالأخلاق، أو أنهم انتهوا إلى الثورة أو التصوف الكاذب. ومن هذا الصنف يحيى الأوراسي. ولعل الشيخ يحيى في نظر الفكون كان يستعمل الصلاح والتصوف لأغراض وصولية أخرى، بالإضافة إلى التدريس والفتيا. وحين انكشف أمره وخشي العاقبة لجأ إلى الثورة ضد الذين أنعموا عليه بالوظائف واعتقدوا فيه الصلاح وكانوا (لا يقطعون دونه أمرا) فأسباب الثورة حينئذ كانت شخصية بالدرجة الأولى، ولكن كان لها أهمية في المنطقة

стр. 213

كلها. ذلك أن العثمانيين قد جندوا لها قوات كبيرة دون نتيجة. فالفكون لا يعطي تفاصيل عن هذه الثورة. ولكنه يستعمل تعابير تدل على سعتها وقوتها وطول مدتها، كقوله (أرسلت ضده المحلات وجرت حروب وعادوا دون أن يظفروا به) (١). ٨ - وقد أشار الفكون أيضا إلى اضطرابات أخرى وقعت في قسنطينة نفسها, من ذلك أنه تحدث عن امتحان جده والشيخ عبد اللطيف المسبح سنة ٩٧٥ من طرف العثمانيين (٢). كما تحدث عن شكوى العامة بأهل الشورى وقرار العثمانيين عدم تولية القضاء في قسنطينة أحدا من خاصتها أو من أعيان سكانها. كما (تدخل العسكر وهدمت دور ونفي بعض الناس) ويروي الكاتب أن العامة قد تدخلت، في مناسبة أخرى، وولت القضاء رجلا أميا، ولكن العثمانيين قد تراجعوا عن قرارهم وعزلوا هذا القاضي الأمي بعد ذلك. وسبب هذا الاضطراب واضح من كتاب الفكون. فهو تدخل العثمانيين في شؤون العلماء وضرب هذا بذاك منهم. فالاضطراب إذن كان يعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ودينية. ورغم شهرة صالح باي في قسنطينة فإن عهده لم يخل من ثورات، ولا سيما تلك التي قادها بعض المرابطين. وتذكر المصادر أن مرابطين على الأقل قد أعلنا عليه الثورة. أولهما أحمد الزواوي والثاني محمد الغراب. وتختلط في ثورة هذين المرابطين الخرافة بالتاريخ. وتذهب الأساطير إلى أن الزواوي كان مرابطا في نواحي قسنطينة وأنه أيد صالح باي عندما توجه إلى مدينة الجزائر لمحاربة الإسبان (حملة أوريلي) وأن الزواوي قد أرسل فرسه المسماة (الرقطاء) لتحارب إلى جانب المسلمين. وبعد الانتصار عادت إليه.

стр. 214

ولكن الزواوي انضم بعد ذلك إلى أعداء الباي وقاد ضده الثوار. وقد أرسل إليه الباي من يحمله إلى قسنطينة وحاول استرضاءه ولكن بدون جدوى. ذلك أن الزواوي ظل على غضبه إلى أن توفي وفاة طبيعية ودفن قرب جبل شطابة غير بعيد من قسنطينة. أما محمد الغراب فقد جند أتباعه ضد صالح باي أيضا وأرسل الباي في طلبه وحكم عليه بالإعدام رغم شهرته وتصوفه ورغم نصيحة العلماء له بعدم تنفيذ الحكم فيه. وتذهب الأساطير إلى أن جثة الشيخ محمد قد تحولت إلى غراب ضخم (ومن ثمة تلقيبه بالغراب) فخاف الباي، الذي كان هو أيضا يؤمن بالخرافات، من سوء طالعه. فبنى للمرابط ضريحا بقبة بيضاء جميلة في نفس المكان الذي وقع عليه الغراب، وذلك خارج مدينة قسنطينة (١). ٩ - ومن الثورات الدينية أيضا ثورة درقاوة، أو ثورة أتباع الشيخ محمد العربي الدرقاوي سنة ١٢١٩. وقد كان الشيخ الدرقاوي من فقراء (متصوفة) المغرب الأقصى، ولكن أتباعه كانوا منتشرين في الجزائر وخصوصا غربها. وكان مقدم طريقته في وهران ونواحيها هو الشيخ عبد القادر بن الشريف الذي يعود إلى قرية أولاد بليل، قرب فرندة. وكان ابن الشريف قد أسس معهدا أو زاوية حيث يستقبل الأتباع وتلقى الأذكار وتلقن الأوراد وتعطى كلمة السر، وحيث يدرس العلم ويخرج الأتباع المؤمنون بمبادئهم وطقوسهم ومراميهم. وقد درس ابن الشريف في زاوية القيطنة (حيث ولد الأمير عبد القادر) القادرية ثم توجه إلى المغرب الأقصى فدرس العلم هناك أيضا وأجيز من علمائه ولقي شيخ الطريقة الدرقاوية محمد العربي، الذي عينه ليكون مقدم طريقته في الجزائر. فعاد ابن الشريف إلى بلاده. وأنشأ معهدا وأخذ يدرس

стр. 215

العلم ويلقن أوراد الطريقة وتعاليمها (١). وعندما سمع باي وهران، محمد المقلش، بحركة ابن الشريف توجس منها خيفة وأخذ يستعد للقضاء عليها. ويبدو أن الباي قد أحس أن حركة ابن الشريف الدرقاوية لم تكن دينية محضة، كما يدل عليها ظاهرها. فقد كان لها طابع سياسي يتداخل فيه المغرب الشريفي والجزائر العثمانية. ولعل ابن الشريف كان مجرد أداة لتنفيذ خطة سياسية ضد النظام العثماني فأراد هذا النظام حماية نفسه. ومما يؤكد هذا ظهور شخصية مغربية غامضة في الشرق الجزائري ادعت أيضا أنها درقاوية وحاربت العثمانيين هناك، ونعني بها محمد بن الأحرش الذي لعب أيضا دورا في حوادث مصر أثناء الحملة الفرنسية عليها. فقد جاء ابن الأحرش إلى الجزائر ونشر تعاليم الطريقة الدرقاوية في الظاهر واتصل ببعض المرابطين الجزائريين، أمثال عبد الله الزبوشي مقدم الطريقة الرحمانية بنواحي قسنطينة. ومهما يكن الأمر فإن ثورة درقاوة في الجزائر قد غطت مناطق واسعة وهددت الوجود العثماني فيها بقوة على نحو ما هددته ثورة ابن الصخري قبل ذلك بقرن ونصف. وقد جند لها العثمانيون قوتهم ولا سيما بعد أن أدركوا غايتها السياسية البعيدة. ودارت معارك كثيرة، منها المعركة التي وقعت بين الباي محمد المقلش وطلبة ابن الشريف في المكان المعروف بفرطاسة (قرب معسكر) (٢) أدت إلى انهزام جيش الباي. والهزيمة أحيانا تؤدي إلى الهزيمة، كما أن الغلبة تزيد في الحماس والسمعة. وهكذا كان الأمر بالنسبة للدرقاويين. فقد تقدموا واستمروا في حروبهم ومناوشتهم للسلطات العثمانية
следующие страницы →