← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

يستنكر فيها استعانة تركيا بألمانيا، ولاحظ أن الاستعانة تعني استعباد تركيا (بالأصفر الرنان) (وهي العبارة التي وردت في وصية الطريقة التجانية أيضا). وتنبأ بأن تركيا وألمانيا ستنهزمان، وأعلن أن الطريقة متمسكة بدولة فرنسا المحبوبة المحسنة، ولم يذكر شيئا عن ماضي الأتراك في الجزائر، ولكن العبارات الأخرى تكاد تكون واحدة، ولم يذكر فضائل فرنسا وأفضالها على الجزائريين، فهل ذلك راجع إلى أن احتلال المنطقة (القنادسة) حديث العهد؟ و (الوصية) كانت صادرة عن الشيخ إبراهيم القندوسي، كبير الزاوية القندسية (١) - كذا -. وبناء على مصادر أخرى فإن الشيخ إبراهيم القندوسي قد توفي سنة ١٩١٣، ومن ثمة لم يحضر الحرب العالمية الأولى، ويبدو أن الذي جاء بعده هو محمد بن الأعرج الذي كان موجودا سنة ١٩٣١ وهو ابن أخ لإبراهيم المذكور، وقد حكم الفرنسيون بأن ابن الأعرج كان صديقا لهم وأنه كان مناصرا (للتقدم) ومن المعجبين بالنظم الفرنسية، وذكروا أنه قد أعانهم خلال الحرب العالمية، وقد توفي محمد بن الأعرج في ١٣ فبراير ١٩٣٤ وخلفه ابنه عبد الرحمن (٢). وقريبا من القنادسة تقع زاوية رقان الشاذلية أيضا، وكان رئيسها أوائل هذا القرن هو الشيخ مولاي الحسن بن عبد القادر الذي كان في الخمسين من عمره، وكان قد فر من رقان إلى تافيلالت عند احتلال الفرنسيين توات ونواحيها، وكانت للزاوية علاقة بزاوية القنادسة أيضا، وتشير المصادر إلى أن شيخ زاوية رقان من الأشراف، وكان نفوذ الزاوية يمتد إلى توات والقورارة وتيديكلت وحتى تمبكتو، ومن المترددين عليها سكان منطقة الطوارق، وهم يقدمون إليها الزيارة، وتعتبر السلطات الفرنسية أن نفوذ زاوية رقان في الطوارق قد أفادها (أي السلطات). وكان أحد شيوخ الزاوية وهو

стр. 1507

عبد المالك، معاصرا للشيخ محمد بن بوزيان شيخ زاوية القنادسة في وقته، وكان كلاهما يعطي الورد الجيلاني (القادرية). وكان بوزيان يكن احتراما خاصا لمعاصره عبد المالك، كما كان هذا الشيخ يقرأ تعاليم الشاذلية من الحكم العطائية، وله كرامات، وكانت زاوية رقان مركزا لحل مشاكل الجهة أيضا، فيأتيها الناس من أجل ذلك، وفيهم حتى قائد بلدة دلول الذي عينه الفرنسيون، وكلهم يستمعون إلى نصيحة الشيخ مولاي الحسن، ويجمع هذا الشيخ، في الواقع، بين عدة طرق، كالقادرية والتجانية إضافة إلى الشاذلية، وربما الطيبية أيضا، ولذلك يختلط الأمر في تصنيف زاوية رقان، ولعلها كانت تحت تأثير البكائية/ القادرية أيضا، والمهم أن الطرق الصوفية كانت هناك متداخلة وبراغماتية، وأن السلطات الفرنسية كانت تحاول الاستفادة منها واستغلالها إلى أقصى حد في التوسع بالمنطقة وفي المحافظة على هدوء السكان (١). الطريقة الطيبية ونبقى في مجال الطريقة الشاذلية لنتناول هنا الطريقة الطيبية، لأن سلسلة التصوف عند هذه الطريقة مرتبطة بالشاذلية أيضا، ويرجع تأسيس الطيبية إلى إدريس الأكبر، حسب الشائع وحسب السلسلة الذهبية عندهم، أي التي تربطهم بالشرف، ونحن قد تناولنا أوليات الطريقة الطيبية في الجزء الأول من هذا الكتاب، ولا نزيد عليه إلا ما رأيناه ضروريا أو له علاقة بالعهد الذي ندرسه، إن للطيبية زاوية أما في وزان، وتسمى (دار الضمان) وفيها دفن الشيوخ، ولها زوار كثيرون وأغنياء يمدونها بالمال، وشخصيات معتبرة، وهي من الزوايا التي لعبت دورا سياسيا في المغرب وفي الجزائر، وقد حاول الفرنسيون ترويج أسطورة (رغم أنهم يزعمون أنهم لا يؤمنون بالأساطير وأن

стр. 1508

ذلك من شأن العرب والمسلمين فقط) مفادها أن الشيخ الطيب المؤسس التاريخي للطريقة (انظر الجزء الأول) قد تنبأ لأصحابه بأنهم سينتشرون في الجهة الشرقية (والمقصود الجزائر) لأنها ستقع في أيدي بني الأصفر (وهو اسم الروم عند القدماء، والمقصود جنس الفرنسيين). ثم قال لهم: إنكم ستأخذونها أنتم قبلهم أو بعدهم. قلنا إن للطريقة الطيبية سلسلتين الأولى ذهبية لشرف النسب، وهي تبدأ من الرسول ﷺ ثم ابنته فاطمة، مرورا بإدريس الأكبر، إلى أن تصل السلسلة إلى الحاج العربي ثم ابنه عبد السلام ثم العربي بن عبد السلام الذي كان موجودا سنة ١٨٩٣، أما السلسلة الثانية فهي لإثبات السند الصوفي، وفي هذه الحالة نجد الطريقة ترجع إلى الشاذلية والجزولية والعيساوية والناصرية والحنصالية، بدءا بالملك جبرائيل إلى الحاج العربي ثم إلى ابنه عبد السلام وابنه العربي، وهكذا. وتعاليم الطيبية لا تكاد تختلف عن تعاليم الطرق الأخرى، فهي مثلها، تدعو إلى التقوى وفعل الخير والقيام بالواجبات الدينية، وإطعام الفقراء والتدخل لحل خلافات الناس وإصلاح ذات البين، مع التقرب إلى الله بأدعية وأذكار سنوردها، والابتعاد عن الحياة الدنيا وزخرفها (رغم أن شيوخها كانوا مهتمين بالحياة المادية، كما سنرى). والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، ورغم ادعاء مقاديمها بأنهم لا يهتمون ولا يتدخلون في السياسة فإن الواقع يجعل طريقتهم عبارة عن جمعية دينية ذات وزن سياسي وأن لها أهدافا سرية غير معلنة (١). ويذهب (رين) إلى أن طريقة إدخال الأتباع تسمى عند الطيبية (تسييس) الأتباع، وقال إن لها أهدافا سياسية، وهي لا تشبه الطرق الأخرى في أذكارها - إذ أن أذكارها عبارة عن ألفاظ مترابطة ومترادفة يمكن أن تكون كلمات (سرية) في أي وقت، والدخول في الطريقة عندهم سهل، فعندما يقصدهم الأخ ليطلب الورد من المقدم، يحاول هذا أن يثنيه

стр. 1509

وأن يصعب أمامه طريق الدخول، فإذا أصر الأخ يفتح له المقدم باب الطريقة، ويقرأ الفاتحة، أما اختيار المقدمين عندهم فيتم أثناء الحضرة أو الجلالة، وهم يتفقدون زواياهم كل عام بحيث يأتي الخليفة من الزاوية الأم ليراقب ويعين المقدمين ويجمع حقوق الزيارات (المال) ويجدد العهد. أما ورد الطريقة الطيبية فيتكون من جمل وعبارات دينية يرددها الإخوان أثناء الصلوات غالبا، من ذلك تسبيح الله وحمده (سبحان الله وبحمده) مائة مرة صباحا ومساء، والصلاة على الرسول ﷺ وأزواجه وذريته خمسين مرة صباحا، وعبارة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم) مائة مرة صباحا ومساء، والشهادة (لا إله إلا الله) مائة مرة صباحا ومساء، وعقب الصلوات الخمس يقول الأخ عشر مرات (لا إله إلا الله محمد رسول الله، ﷺ وعلى آله) وفي المرة الحادية عشرة يقول (لا إله إلا الله، شفيعنا رسول الله، ﷺ وعلى آله). أما الحزب عندهم فيتألف من البسملة والصلاة على الرسول ﷺ وآله، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقراءة الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ...﴾ إلى غير ذلك، في أعداد مضبوطة، خمسين مرة و ٧٥ مرة الخ ... وأخيرا نذكر أن من أوراد الطيبية قراءة كتاب (دلائل الخيرات) للجزولي عدة مرات كلما أمكن ذلك، ومن شروط الذكر عندهم اتباع السنة واجتناب البدعة (هكذا يقولون، ولكن البدعة موجودة، حسب نقاد الطرق الصوفية). ومصاحبة أهل الخير ومجانبة أهل الشر، وأداء الصلوات الخمس في أوقاتها وفي الجماعة، وتعمير أوقات الفراغ بذكر الشهادة والصلاة على النبي ﷺ (١). ويذهب رين إلى أن تلك الأذكار كلها

стр. 1510

تسمى (الذكر البسيط). لكن الذين يريدون الوصول إلى الرؤى والمشاهدات والحياة الأخرى، علهيم أن يرددوا الذكر مرات أخرى تبلغ ٤، ٦٥٠ مرة يوميا. لكن الأتباع، وحتى المقدمين، لا يعرفون كل شيء عن أفعال شيوخهم واتصالاتهم الداخلية والخارجية، ذلك أن من شروط الدخول في الطريقة الطاعة العمياء وعدم السؤال لماذا وكيف وماذا، إنهم كالميت بين غاسله، كما يقولون، فماذا كان يفعل شيوخ الزاوية الطيبية مع السلطات الفرنسية في الجزائر؟ إن العلاقات قديمة بين الطرفين طبعا، فنحن نعرف أن محمد بن عبد الله المعروف بومعزة كان من إخوان الطيبية، وقد حارب الفرنسيين في موازاة الأمير عبد القادر في عدة معارك، واشتهر بأحداث الظهرة سنة ١٨٤٥، وإلى الآن لم يحل لغز شخصيته وأصله ونسبه، ولا ندري إن كان له دور في البداية أو النهاية شبيه بدور الحاج مبارك بن يوسف المراكشي المعاصر له، فقد استسلم بومعزة إلى السلطات الفرنسية سنة ١٨٤٧ قبل هزيمة الأمير ببضعة أشهر، وحمله الفرنسيون إلى سجن (بو) بفرنسا، ثم ظهر اسمه أو مدعي اسمه في الجزائر بعد ذلك دون أن يكون لشخصه أي سند تاريخي، ولكن اسمه تردد أيام حرب القرم (١٨٥٤ - ١٨٥٦) في المشرق، وهي الحرب التي شاركت فيها فرنسا إلى جانب العثمانيين ضد روسيا، ثم اختفى اسم بومعزة بعد ذلك (١). وهناك أحداث صغيرة ذات معنى كبير جرت في شرق البلاد بين السلطات الفرنسية ومقدمي الطريقة الطيبية، فقد كانت هذه السلطات تريد أن تكون لها الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار المقدمين حتى يكونوا طيعين للطريقة ولها أيضا، وحتى تجبر زاوية وزان الأم على الدخول في مفاوضات

стр. 1511

معها تكون فيها هي مطية للتسرب إلى المغرب، ولو بعد حين، وكان قناصل فرنسا في طنجة مسلحين بتعليمات محددة، فبعد احتلال قسنطينة ظهر صفان أو حزبان متنافسان على منصب مقدم الطيبية، أحدهما بزعامة ابن عيسى، والثاني بزعامة الشريف شريط، وعندما فاز الأول احتج الثاني، وتدخلت السلطات الفرنسية لدى زاوية وزان لحل الخلاف الواقع داخل (مملكتها). وحدث إشكال شبيه بالأول بعد ذلك أيضا، فقد عين شريف وزان مقدمه في قسنطينة، قدور بن زروق فنازعه على هذا اللقب عمر بن شريط (ابن المقدم السابق المتوفى). وبعد انتخابات جرت برضى شريف وزان نفسه فاز ابن شريط وانهزم ابن زروق رغم أنه كان معينا من الزاوية الأم والشريف الأصلي، ولم يسع شريف وزان إلا الموافقة على هذا الانتخاب (الديمقراطي). وتولت السلطات الفرنسية تعيين ابن شريط (رسميا) في وظيفته كمقدم. ويقولون إن العلاقات بين أشراف وزان والسلطات الفرنسية في الجزائر ترجع إلى عهد بوجو، وبالضبط سنة ١٨٤٣ حين وجه بوجو قنصل بلاده في طنجة (وهو ليون روش). إلى الاتصال بالحاج العربي، شيخ الزاوية ورئيس الطريقة، وذلك لتسهيل مهمة الفرنسيين في الجزائر على يد مقدميه وإخوانه، وكان بوجو قد حاول نفس المحاولة، ولكن بطريقة أخرى، حين نال من بعض علماء المسلمين فتوى تثبط الجهاد والمقاومة في الجزائر وتفتي بوضع السلاح والاستسلام ما دام (الكافر) قد سمح بأداء الشعائر الدينية للمسلمين وما دام هؤلاء عاجزين عن طرده (١). والظروف التي تحرك فيها بوجو هي نفس الظروف التي كان يتحرك فيها بومعزة في الجزائر، وكان لغزا من الألغاز، والمعروف أن بوجو هاجم المغرب ليجبر سلطانه على ضرب الأمير

стр. 1512

وطرده، سنة ١٨٤٤ (معركة إيسلي). ترى ما المساعدات التي قدمتها زاوية وزان عندئد؟. لكن العلاقات بين السلطات الفرنسية وزاوية وزان لم تعد خافية إلا على معصوبي العينين، منذ ١٨٩١، فقد كان لعاب فرنسا يسيل للاستيلاء على الصحراء وأراضي الجنوب، وكانت في حاجة إلى دعم (أصدقائها) مشائخ الطرق، سواء كانوا من الطيبية أو التجانية أو القادرية أو غيرها، وبالإضافة إلى ذلك فإن شريف وزان (عبد السلام) قد سبق له أن تزوج من انكليزية، واعتنق مبدأ (التقدم) الذي يدعيه الغرب عندئذ كما يدعي اليوم مبدأ الديموقراطية وحقوق الإنسان، كما أن شريف وزان دخل تحت الحماية الفرنسية، وهو نظام (الحماية الشخصية) الذي فرضته الدول الغربية على سلطان المغرب، الحسن الأول (١٨٧٣ - ١٨٩٤) بحيث يمكن لرعاياه أن يكونوا رعايا دولة أجنبية باختيارهم (١). وفي هذا النطاق جاء إلى الجزائر شريف وزان نفسه، عبد السلام بن العربي، في زيارة رسمية، واستقبله الحاكم العام جول كامبون، وبقي ضيفا رفيع المستوى خلال شهرين، ومدحته الوثائق الفرنسية بأنه قاوم الضغط من بعض الجهات الأجنبية (بريطانيا؟) حتى لا ينفذ الزيارة، ويهمنا هنا أنه حصل من هذه الزيارة على موافقة أهل القورارة على الدخول تحت الحماية الفرنسية أيضا، مع التزامه هو شخصيا نحو فرنسا، على أن تكون لها هي الكلمة العليا في بيت وزان (مسألة الولاية). بالإضافة إلى قضايا أخرى دبلوماسية، بقيت من الأسرار الدقيقة غير المعلنة بين الطرفين (٢).

стр. 1513

وزيارة الشيخ عبد السلام لها مقدمات وإرهاصات، كان الشيخ متزوجا من معلمة انكليزية، كما قلنا، وقد أنجب منها ولدين هما العربي ومحمد، وله ولد ثالث اسمه التهامي، من زوجة أخرى، ولكي تضمن فرنسا الاستمرارية في العقب لجأت إلى نظام الحماية وضمان التدخل في شؤون العائلة، وتمهيدا لذلك جاءت ببعض أبناء الشيخ لكي يدرسوا في الجزائر ويعالجوا في فرنسا، والواقع أن الشيخ عبد السلام قد طلب الحماية الفرنسية منذ ١٨٧٦ ولكنها رفضت له، ويشيد الفرنسيون رغم ذلك، بموقفه منهم، لأنه (تفهم) الرفض وبقي على موقفه مؤيدا للمصالح الفرنسية، وإذن لا بد من تجريبه ووضعه على المحك لمعرفة إخلاصه، وفي سنة ١٨٨٣ طلب الشيخ منحة لأحد أبنائه من غير المرأة الإنكليزية، فحصل عليها، وجاء ذلك الابن إلى الجزائر ودخل الليسيه الوحيد فيها، وفي سنة ١٨٨٤ حصل الشيخ على لقب (حماية فرنسي) بشروط معاهدة مدريد، وكان ذلك ضربة معلم من فرنسا، حسب تعبير وثائقها لأنها كانت ستجد صعوبات جمة في الجزائر وغيرها لو بقي أتباع الطيبية خصوما لها، وهذه الوثائق تتحدث بل تفخر بأن الحماية الفرنسية على زاوية وزان وشيخها قد ساعد على نشر سمعة فرنسا في المغرب الأقصى، وأشادت بالشيخ عبد السلام لمقاومته انتقاد المسلمين له على دخوله تحت الحماية الأوروبية (١). ولا شك أن فرنسا قد عاونت أيضا الطريقة الطيبية على الانتشار في الجزائر، على حساب الطرق الأخرى، للمصلحة المشتركة بين فرنسا وبين الطيبية، ولا سيما في القضاء على ثورة بوعمامة. وتوالت زيارات أقطاب زاوية وزان إلى الجزائر على عهد كامبون، ففي سنة ١٨٩٢ توجه الشيخ عبد السلام لزيارة زواياه في الجنوب، وركب في موكب (قوم) كبير بقيادة أولاد سيدي الشيخ، وحل الوفد بتوات وغيرها.

стр. 1514

وأعطى الشيخ بركته لمقدميه وإخوانه، وجمع منهم الزيارات برخصة من فرنسا، واعتبرت فرنسا مجرد دخوله تلك المنطقة عنوانا على سيطرتها هي السياسية ودخولها أيضا تحت سيادتها، لكن الشريف عبد السلام لم يكد يرجع إلى بلاده حتى أدركه الموت، وقيل إن ذلك راجع إلى تعبه الشديد من الرحلة وإلى تقدمه في السن، ولا ندري كيف فسرت الخرافة الشعبية موته المفاجئ، ولكن الفرنسيين حققوا هدفهم على كل حال، فقد تدخلوا في شؤون الزاوية إلى أن أوصى الشيخ بالبركة لابنه العربي فأصبح على رأس الزاوية الأم، وبعد انتصابه جاء أيضا إلى الجزائر خلال غشت ١٨٩٢، واستقبله الحاكم العام بحفاوة مبالغا فيها في قصر مصطفى باشا الرسمي، وأعلن الشيخ العربي للفرنسيين أنه سيتبع سياسة والده نحو بلادهم (١). وقبل رجوعه تفقد أيضا زواياه وأتباعه في إقليم وهران، ووسم بوسام جوقة الشرف الذي طلبه بنفسه، حسب الرواية الفرنسية (كأن الأوسمة تعطى حسب الطلب؟). وهناك زيارة أخرى قام بها علي بن محمد بن عبد السلام الوزاني سنة ١٨٩٣، وجاء رفقة خمس عشرة شخصية ومنهم كاتب الشيخ الأكبر، الشريف العربي، رئيس الزاوية، وجاء معه بهدية من الزاوية إلى الحاكم العام وتتمثل في حصانين من عتاق الخيل قطعا المسافة برا من طنجة إلى تلمسان، وأعلن أن الزيارة تدخل في نطاق تسمية المقدمين وتفقد الأتباع (٢). واستمرت الزيارات والعلاقات بين الطرفين ما دام كل منهما يحتاج إلى

стр. 1515

الآخر، أما بعد إعلان الحماية على المغرب كله سنة ١٩١٢ فالعلاقات قد اتخذت طابعا آخر بين الطريقة الطيبية والفرنسية (١). معظم انتشار الطريقة الطيبية في الإقليم الوهراني، ولكن لها زوايا وأتباع حتى في أقاليم الوسط والشرق والجنوب، والإحصاءات تعطي لها أرقاما مختلفة ومتباعدة خلال حوالي عشر سنوات، فبينما تعطيها إحصاءات ١٨٨٢ عدد ١٥، ٧٤٤ من الإخوان تعطيها إحصاءات ١٨٩٧ عدد ٢٢، ١٤٨ إخوانيا، أما الزوايا فالإحصاء الأول يعطيها عشرين زاوية في الجزائر كلها، (١١ منها في ولاية وهران عندئذ) بينما يعطيها الإحصاء الثاني ثماني زوايا فقط في مجموع القطر، ويذكر لها الإحصاء الأول من المقدمين ٣٠١، بينما الإحصاء الثاني يذكر ٢٣٤ فقط، كما يذكر لها الإحصاء الأخير مائة شاوش و ١٢٨ طالبا بالمصطلح الصوفي، وليس للطيبية شيوخ في الجزائر، لأن الشيخ الرئيسي هو شريف وزان (٢). بقي أن نذكر أن الطيبية تعرف أيضا في المغرب الأقصى باسم (التهامية). كما نشير إلى أن عبد السلام كان رقم ٤١ في سلسلة البركة الصوفية، وأن ابنه الذي كان موجودا إلى سنة ١٩٠٦ على رأس الزاوية، وهو العربي بن عبد السلام، يعتبر رقم ٤٢ في نفس السلسلة. وظلت الصلة قائمة ومتينة بين الفرنسيين ورجال الطريقة الطيبية، وازدادت متانة بزواج أحد مقدميها بامرأة فرنسية سنة ١٩١٢، وهذا المقدم اسمه إبراهيم بن عبد الجليل، شيخ زاوية مولاي الطيب في دلبول بالجنوب الوهراني، فقد تزوج من ابنة مدير الضرائب التي كانت تقطن سانت إيتيان (فرنسا). وكان ذلك أثناء سياحة له هناك حسب تعبير

стр. 1516

المصدر الذي أورد الخبر (١). وعند نشوب الحرب العالمية الأولى ولجوء فرنسا إلى الطرق الصوفية لتحصل منها على التأييد المعنوي والسياسي، كتب ممثل الطريقة الطيبية في وهران نداء إلى أتباعه حثهم فيه على حب فرنسا وقال إن الله قد وضع غشاوة على عيني دولة تركيا، واعتبر الأتراك لئاما لأنهم أنكروا خير فرنسا عليهم، (واللئيم لا يربح). ودعا على ألمانيا بالدمار، كما دعا لفرنسا بالانتصار، ويهمنا أن موقع هذا النداء هو أحمد بن الحسين بن إبراهيم الشريفي، شيخ الطريقة الطيبية في وهران (٢). ومن أبرز شيوخ الطيبية في فترة ما بين الحربين الهاشمي بن بكار الذي تولى عدة وظائف دينية في ناحية معسكر، وكان من المدافعين المتحمسين عن رجال الطرق الصوفية، ومنها الطيبية، معتبرا موقفهم هو السليم بينما اعتبر موقف المصلحين فسادا وتطرفا. الطريقة الشيخية وتنسب الشيخية إلى (سيدي الشيخ). وهو عبد القادر بوسماحة، دفين البيض، وكانت وفاته سنة ١٠٢٣ (١٦١٥). وأصولها الصوفية ترجع إلى عدة طرق منها القادرية والشاذلية والطيبية والصديقية والبكرية، وكان مؤسسها قادري الطريقة إلا أنه أصبح مقدما للشاذلية على يد محمد بن عبد الرحمن السهيلي، وأوصى أولاده عند وفاته باتباع تعاليم الشاذلية، وقد ذكرنا أن معظم الطرق الصوفية تأخذ من بعضها البعض، وأن الأتباع يمكنهم أن يجمعوا بين عدة طرق في نفس الوقت، إلا أتباع التجانية فإن من شروط دخولهم فيها عدم جمعهم بينها وبين طريقة أخرى، حسب المشهور عنها، وقد أخذ الشيخ عبد القادر بوسماحة الطريقة الشاذلية عن السهيلي، كما ذكرنا، وأخذ هذا عن

стр. 1517

أحمد بن يوسف الملياني، إلى آخر السلسلة، المعروفة بسلسلة البركة، وقد ترك بوسماحة (سيدي الشيخ) ثمانية عشر ولدا وأوصاهم باتباع الطريقة الشاذلية، وهذه هي السلسلة: سليمان بن بوسماحة إلى ابنه محمد، إلى حفيده عبد القادر (سيدي الشيخ). إلى الحاج بوحفص، والحاج عبد الحكيم، إلى ابن الدين، إلى العربي، إلى بو بكر مولى الجماعة، إلى النعيمي، إلى بو بكر الصغير، إلى حمزة، إلى بو بكر، إلى حمزة (المولود سنة ١٨٥٩) وهو الذي كان متوليا لوظيفة آغا جبال عمور والمتزوج من فرنسية، وقد ورث السلسلة معه إخوته: سليمان ومحمد وأحمد وقدور (صاحب اتفاق ١٨٩٢ مع الفرنسيين) وابن أخيه العربي الذي ورث من أبيه البركة أيضا. أما السلسلة الذهبية أو النسبية فأولاد سيدي الشيخ يرجعون إلى أبي بكر الصديق، حسب الشائع عنهم، ويذهب أحد الكتاب الفرنسيين الذي تعرف عليهم مبكرا (سنة ١٨٥٩) أنهم يرجعون إلى الأشراف، أي من نسل فاطمة والإمام علي (١). لكن الشائع، كما قلنا إنهم صديقيون، ويذهب (رين) إلى أن السلسله تمتد إلى الخليفة أبي بكر عن طريق ابنه محمد عن طريق سلمان (ويكتبه سليمان) الفارسي، وقد نزحوا من مكة بعد طردهم من الجزيرة العربية في وقت غير معروف، لأسباب سياسية - دينية، ويذهب (دوفيرييه) إلى أن نزوحهم كان من تونس، وأن جدهم كان غاضبا لأسباب عائلية، فذهب إلى الصحراء واستقر بالبيض بعيدا عن الخلق، وأسس فيه زاويته المعروفة، وتوارث أبناؤه تراثه في آخر أيام دولة بني زيان واحتلال الإسبان لوهران، ثم أوائل العهد العثماني، وكان الشيخ مقدما للقادرية - الشاذلية، كما عرفنا. ومن السلسلتين والوضع السياسي والاجتماعي يظهر أن عائلة سيدي الشيخ كانت وارثة لمجد ديني ومجد نسبي، وقد جلب إليها ذلك مكانة

стр. 1518

مرموقة بين الناس وزادها وضعها الجغرافي المفتوح على الطرق الصحراوية جنوبا والتلية شمالا، أهمية خاصة، فاستغنت بالدين والتصوف وتحكمت بالسياسة والجاه، ولذلك اختلط أمرها على كثير من الدارسين (١). فمنهم من يدرس الشيخية على أنها طريقة دينية فإذا به يكتشف أنها إقطاعية اقتصادية سياسية، واتحادية كبرى من الأعراش والقبائل والنفوذ السياسي (٢). ومنهم من يدرسها على أنها (إمارة) وسلطة حاكمة فإذا به يجد نفسه أمام قوة روحية وشخصيات من طراز المرابطين الأولين، ولذلك اختلط تاريخ أولاد سيدي الشيخ الديني بالسياسي، سيما وأنهم من أوائل الطرق الصوفية التي تولت السلطة للفرنسيين، لأن الطرق الأخرى لم تقبل بالوظائف الإدارية إلا بعد تدجينها بالانقسام والتزويج بالفرنسيات والتجسس عليها ونحو ذلك (٣). وفي هذا النطاق نجد أن أولاد سيدي الشيخ قد لعبوا أدوارا مزدوجة أيضا، تارة يكونون في مقدمة الثائرين ضد الاحتلال والنظام الفرنسي، وتارة يكونون خدما له وولاة يطبقون الأوامر الإدارية والتعليمات على أفضل ما يكون. ونحن هنا لن ندرس دورهم السياسي المحض، لأن ذلك مكانه تاريخ الحركة الوطنية، ولكن نشير إلى الجانب الروحي أو الطرقي عندهم وعلاقته

стр. 1519

بأحداث البلاد، لقد طلب منهم الأمير عبد القادر (وهو ابن طريقة كانوا ينتسبون إليها أصلا) أن ينضموا إليه ويساعدوه على العدو المشترك، فاعتذروا إليه بعزلتهم وفقرهم، فقبل عذرهم وقبل أيضا مشاركتهم الرمزية، أو حيادهم، ولعله قبل ذلك منهم مؤقتا فقط، إلى أن يوحد بقية الأعراش والطرق الصوفية، وقد وجدنا أولاد سيدي الشيخ قد عاونوا الفرنسيين، بل هم الذين ألقوا القبض على محمد بن عبد الله (شريف ورقلة) رغم أنه كان مسنودا بالطريقة السنوسية، وهي ترجع إلى نفس الأصول الصوفية التي يرجعون إليها (١). وهناك تلاقى بينهم وبين الطريقة الطيبية في آخر القرن، بل منذ ١٨٨٣، في تمهيد الطريق للفرنسيين في الصحراء، وعندما جاء شريف وزان سنة ١٨٩١، ١٨٩٢، لزيارة زواياه ومقدميه في توات والقورارة، وهي تابعة لهم إداريا، كانوا على رأس الموكب (القوم) الذي استقبله، كما التقى زعيمهم قدور بن حمزة بالحاكم العام، جول كامبون سنة ١٨٩٢، في المنيعة لنفس الغرض، إن هذه المواقف تجعل أولاد سيدي الشيخ أداة في يد السياسة الفرنسية، وتجعلهم يظهرون كأنهم أناس لا (سياسة) لهم ولا برنامج، تمزقهم الخلافات العائلية والأطماع الفردية، وتتحكم فيهم الظروف المفروضة عليهم من الخارج، كما تفعل الآن بالساسة العرب في المشرق والمغرب، لقد كان أولاد سيدي الشيخ يثورون بدون برنامج، ويتراجعون بدودن نتيجة، رغم مكانتهم الكبيرة التي استغلها العدو لصالحه، وثقافتهم الروحية، ووزنهم السياسي والجغرافي.

стр. 1520

جد أولاد سيدي الشيخ الأول يسمى معمر بن سليمان العالية، وهو دفين الأربعاء التحتاني، وأولاده مدفونون إلى جانبه، وقد جاء من مكة على رواية أو من تونس على رواية أخرى، وتناسلت منه العائلة إلى أن وصلت إلى عبد القادر بوسماحة، كما ذكرنا، وهذا هو الذي تفرعت منه فروع لكثرة أولاده، ومنهم من سكن التلول والمدن، ومنهم من استوطن المغرب الأقصى، ومنهم من بقي في المنطقة حول قبور الآباء والأجداد، وقد اهتموا بالحياة الدينية والدينيوة معا، فكانوا من نبلاء الدين (أشراف على رواية) ومن نبلاء السيف أيضا، وقد نشروا طريقتهم الدينية على طريق سلطتهم السياسية، فهم بحكم وظائفهم الإدارية أو الزمنية جلبوا العبيد والخدم، ثم حرروهم وجعلوهم يقومون بشؤون الدين والزوايا، ويقول بعض الباحثين إن دورهم الديني يتضاءل كلما سكنوا المدن وكذلك يضعف وزنهم السياسي، ولذلك فإن مكانتهم الحقيقية تكمن في عزلتهم واحتفاظهم بأصالتهم الدينية والسيفية، أو كما عبر عنه البعض: إن قوتهم تكمن في بداوتهم، وقد اختار بعضهم طرقا صوفية أخرى، بعد هذا التطور، مثل سليمان بن قدور الذي دخل في الطيبية وأصبح تابعا لزاوية وزان. من فروع أولاد سيدي الشيخ الدينية ما سماه بعضهم (بالعمامية) نسبة إلى الشيخ بوعمامة، الثائر المشهور، وهو محمد بن العربي من ذرية سيدي التاج، أحد أبناء عبد القادر بوسماحة (سيدي الشيخ). والده (العربي) مدفون بفجيج بالقصر المعروف بالحمام الفوقاني. وقد تثقف محمد بن العربي - بوعمامة - ثقافة دينية ولغوية في جهته، (الحمام الفوقاني). ودرس على شيخ يدعى محمد بن عبد الرحمن، أحد مقدمي سيدي الشيخ، وأصبح سنة ١٨٧٥ مقدما في الموقار، وكان يعطي ورد الطريقة الشيخية، واشتهر أمره وجاءته الزيارات وأصبح في أعين الناس من أهل الكرامة والولاية، وقد ساعد على هروب أحد أفراد العائلة، وهو حمزة بن بوبكر سنة ١٨٧٨، ثم أعلن الثورة المعروفة سنة ١٨٨١ لظروف

стр. 1521

ليس هنا محل ذكرها، ولكن الفرنسيين يقولون إن الثورة كانت بدافع التعصب الديني، وقد حاول بوعمامة توحيد أولاد سيدي الشيخ المتفرقين بطريق الروابط الروحية والعائلية، وقال المعاصرون إنه جاء (بمذهب جديد). وأنه رجل يقظ وحذر، وأنه حاول الاستفادة من الانقسام الموجود في العائلة لصالحه، وذلك بإنشاء قيادة واحدة، ولكن الفرنسيين كان لا يرضيهم ذلك، سيما وأن الفترة (الثمانينات) كانت هي الفترة التي أخذوا فيها يسعون بين الطرق كلها حتى لا تتوحد ولا تصبح خطرا يهدد مصالحهم، ومهما كان الأمر فإن محاولة بوعمامة أن يكون هو (خليفة) سيدي الشيخ مباشرة، لم تنجح، ولكن أصحابه أعلنوا أنه أصبح قطبا، وأجاز هو لأصحابه أن يجمعوا بين طريقته وطريقة أخرى، وكان له ذكر يعطيه لأتباعه قال إن سيدي الشيخ أعطاه إياه بالرؤية والمكاشفة (١). وقد نجح الفرنسيون في عزل أولاد سيدي الشيخ الآخرين من الانضمام لثورته، رغم أنه منهم، واتهموا بوعمامة بأنه كان يقلد الشيخ السنوسي في عدائه (للنصارى). وللشيخية الأذكار الشاذلية التي يتلقاها الأتباع ويرددونها في أوقات معينة بعد دخولهم للطريقة، وهم يضيفون إلى ذلك قراءة الفاتحة ثلاث مرات بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، وهذه الأذكار يعلمها شيوخ الزوايا الشيخية الذين هم من العبيد العتقاء والذين يتوارثون في أولادهم إدارة هذه الزوايا، وإعطاء الأوراد والأذكار، سواء كانوا من الشراقة أو من الغرابة (الزوة). أما الذكر الذي نسب لبوعمامة فهو التشهد والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ في أوقات معينة أثناء الصلوات الخمس، وله أيضا دعاء (يا لطيف) ألف مرة، وعبارة (لا إله إلا الله، بو عمامة ضيف الله) تردد عدة مرات في اليوم، وكذلك عبارة (لا إله إلا الله، بوعمامة ولي الله) (٢). ومن عادة

стр. 1522

الشيخية أن التابع إذا جاء لتقديم الزيارة يأخذ المقدم يده بينما يبدي الزائر رغبته في شؤون الدنيا كرزقه بأولاد بدل بنات، وحصوله على زراعة جيدة، واستمتاعه بصحة سليمة، طالبا من الله ذلك في خشوع وتضرع، كما يقرأ مع المقدم ورد الشاذلية. ولأولاد سيدي الشيخ تقليد قلما نجده في طرق أخرى، ويسمى الغفارة، والغفارة تقديم حيوانات وبضائع ونحوها يعينها الشيخ سنويا، وهي في الواقع ضرائب دنيوية اتخذت صفة دينية، ومثالها نعجة على كل خيمة أو ناقة، وكيس من القمح أو التمر، حسب ما يفرضه الشيخ على كل تابع، وبناء على تقرير لأحد الضباط المراقبين لهذه الأعمال (١) أن غفارة أولاد سيدي الشيخ تتألف مما يلي: ربع الحوارات (وليد الناقة) المولودة في نفس العام مفروضة على بعض القبائل، و ٢٠٠٠ شاه على قبائل أخرى، واثنا عشر برنوسا، وغير ذلك من البضائع، إضافة إلى ١، ٥٠٠ فرنك مفروضة على شعانبة البرازنة، وهذه الغفارة السنوية تقسم بين الفروع كما يلي: ١٠٣ من الشياه إلى الدين وقدور بن حمزة، و ٣٠ جملا إلى أولاد الحاج بو حفص، و ١٠٠ شاه، مع منسوجات قطنية وسكر وقهوة وغيرها من المواد الغذائية إلى أولاد الحاج الدين، و ١، ٥٠٠ فرنك سنويا إلى بوعمامة. ويذهب البعض إلى أن هذه المداخيل من الغفارة ومن الزيارات المالية هي التي أدت إلى استقلال فروع الطريقة الشيخية والانقسامات العائلية بهدف جمع المال والبضائع من الأتباع، كل على طريقته الخاصة (٢). أما السلطات

стр. 1523

الفرنسية فلها موقف من هذه الغفارات والزيارات، سنعرض له عند الحديث عن تمويل الطرق الصوفية ومداخيلها، ونكتفي هنا بالقول بأنها كانت تملك وسيلة الضغط فمن ترضى عنه من الطرق تتغاضى عليه، وربما تشجعه على جمع المداخيل من الزيارات والغفارات، ومن تسخط عليه تمنعها عنه، فيفتقر، وما عليه إلا أن يستسلم أو ينقرض (١). لأولاد سيدي الشيخ ثلاث زوايا رئيسية، اثنتان في الناحية الشرقية (الشراقة). وواحدة غربية (الغرابة). وتسمى الأولى الزاوية الأم أو زاوية سيدي الشيخ بالبيض، والثانية زاوية الحاج بوحفص، أما الثالثة فهي زاوية الحاج عبد الحكيم، ولكل زاوية مديرون أو مسيرون، وهم يجمعون حقوق الزيارات، وقال بعض الباحثين إن من لم يدفع ليس له حق في زيارة ضريح الشيخ، ولا شك أن الثورات العديدة قد أثرت على المداخيل وعلى الرؤساء أيضا، ويكفي أن نعرف أن جثمان سيدي الشيخ قد حمل إلى جريفيل بعد أن هدم الجيش الفرنسي زاوية سيدي الشيخ سنة ١٨٨١ عقابا لهم على الثورة، ثم شيدت لسيدي الشيخ قبة جديدة بعد اتفاق ١٨٨٣، ونقل إليها الجثمان، أما عدد الأتباع فهو بالنسبة للطرق الأخرى كثير، لأن أتباع الشيخية ليسوا دينيين فحسب ولكن رعايا سياسيين أيضا، وقد عرفنا أن سلطة أولاد سيدي الشيخ في الزمن الأول - الأربعينات والخمسينات - كانت تمتد من حدود المغرب إلى المنيعة وورقلة، ولكن منذ الستينات أصابهم ما أصاب كل القيادات الجزائرية من تقليص وتحجيم وتقسيم، ونحن يهمنا الآن (الإخوان) أو الأتباع الدينيون لهذه الطريقة، ويذكر إحصاء سنة ١٨٨٢ أن لهم ٢، ٧٨٠ من الأتباع، و ٣٩ مقدما، وخمس زوايا، بينما ذكر لهم إحصاء سنة ١٨٩٧ عددا أكثر من الأتباع وعددا أقل من الزوايا، فالأتباع، ١٠، ٢١٦

стр. 1524

إخوانيا، ولهم أربع زوايا، و ٤٥ مقدما، وقد أكد إحصاء ١٩٠٦ هذا الإحصاء الأخير (١). أشرنا عدة مرات إلى اتفاق ١٨٨٣ واتفاق ١٨٩٢ بين زعماء أولاد سيدي الشيخ والسلطات الفرنسية، أما الأول فقد جاء على أثر ثورة بوعمامة (الغرابة). ومحاولة فرنسا فصل العائلة عن بعضها وفصل الطريقة الواحدة إلى فرعين متنافسين، وكان الفرع الشرقي بقيادة أولاد حمزة هو الثائر في عدة مرات، سيما ثورة ١٨٦٤ التي دامت فترة طويلة وأدت إلى تحطيم ما كان للطريقة والاتحادية من قوة وسلطان، وكان هذا الاتفاق يعني عزل بوعمامة، وتمهيد الطريق لفرنسا لاستعادة نشاطها في الصحراء (٢) بعد أن توقف منذ بعثة دوفيرييه، ومقتل بعثة فلا ترز على يد الشعانبة الموالين لبوعمامة. أما اتفاق ١٨٩٢ فهو أهم وأخطر من سابقه، ففي الوقت الذي كان فيه زعيم الطريقة الطيبية، شريف وزان، يزور الجنوب الغربي (ليتفقد) زواياه ويجمع حقوق الزيارات المسموح بها من قبل فرنسا، كان الحاكم العام جول كامبون - يلتقي في المنيعة بقدوربن حمزة الذي كان ثائرا ثم غاضبا ولاجئا بضع سنوات، وقد أعلنت وسائل الإعلام الفرنسية أن قدور بن حمزة سلم حصانه إلى كامبون رمزا للطاعة والرجوع عما كان عليه، وكأننا هنا أمام مشهد سنة ١٨٤٧ حين سلم الأمير عبد القادر حصانه إلى الدوق دومال في الغزوات، ولكن هذه الوسائل أضافت أن قدور بن حمزة قد حى العلم الفرنسي الذي حياه جده في ورقلة عندما كان خليفة عليها، فالمسألة هنا ليست مجرد إعلان للطاعة ولكن تقليد للآباء والأجداد أيضا، ومن جهتها اعترفت فرنسا بقدور بن حمزة كتابع إقطاعي لها، بعد أن كان عاقا لها وناقمة عليه، وقد امتدح المستشرق (ماسكري) أستاذ مدرسة الجزائر العليا، طريقة كامبون في التعامل مع (الأهالي) إذ خرج كامبون من قصر مصطفى باشا ومن

стр. 1525

الصالونات الأوروبية إلى المنيعة ليفتح لفرنسا أبواب الصحراء التي ظلت مغلقة، بواسطة أبنائها أتباع الطيبية والشيخية (١). وقد حدث هذا في الوقت الذي ما يزال فيه بوعمامة لم يستسلم إلى فرنسا (٢). وهكذا فنحن أمام طريقة صوفية لا نعرف أنها دين أم دولة، وقد اختلط أمرها على أتباعها، بدون شك، فلم يعودوا يعرفون، وأمامهم الطرق الصوفية الأخرى، هل تجبى منها الغرامات أو تفرض عليهم الغفارات أو تطلب منهم الصدقات للفقراء والمساكين، وكيف يكون الرجل من أولاد سيدي الشيخ (خليفة) باسم الحكومة الفرنسية و (خليفة) باسم الطريقة الشاذلية في نفس الوقت، هذا على الأقل قبل أن تشاركهم طرق صوفية أخرى نفس المصير. الطريقة الدرقاوية حديثنا عن الطريقة الدرقاوية سيشملها في فروعها أيضا، كالمدنية والعليوية، وحتى الهبرية، وقد كنا تناولنا وضع الدرقاوية السياسي أيام العثمانيين وعلاقة نشاطهم بالعلاقات بين الدولتين المتجاورتين: الجزائر والمغرب عندئذ (٣). ولم نتوسع في نشاطها الديني والصوفي، ولذلك سنحاول الآن تناول هذه النقطة بشيء من التفصيل. كل المصادر تشير إلى أن أصل الدرقاوية هو الشاذلية، وقد ظهرت في المغرب الأقصى، كما ظهرت طرق صوفية أخرى قبلها، وهي تنسب إلى محمد العربي الدرقاوي المتوفى سنة ١٨٢٣، والدرقاوي (ولد سنة ١٢١٤) نسبة إلى قبيلة درقة التي منها جده يوسف أبو درقة، وقد توفي الشيخ في

стр. 1526

زاوية بوبريح شمال فاس، في قبيلة بني زروال، وخلفه محمد البوزيدي، ثم يتوالى الخلفاء، ومنهم عبد الرحمن بن الطيب الذي كان متوليا سنة ١٨٨٤ على نفس الزاوية، وكان له تأثير كبير، وهذه الزاوية تعتبر هي الأم لفروع الدرقاوية الأخرى، تليها زاوية تافيلالت التي أسسها أشراف مدغرة، والتي لعبت أيضا دورا رئيسيا في الناحية عندئذ، وكانت ملجأ للثائرين أمثال بوعمامة وأتباعه، كما كانت ناقمة على الحكومات، ويقال عنها أنها ضد المجتمع الحضري، والثالثة زاوية مدغرة التي أسسها أحمد البدوي، وهو أيضا من الأشراف، ودفين فاس، وقد أعاد تنظيمها شيخها أحمد الهاشم بن العربي المتوفى سنة ١٨٩٢ عن ٩٣، والشيخ أحمد الهاشم كان من المعارضين للنفوذ الفرنسي في المنطقة، وهو الذي أعلن الجهاد ضد الفرنسيين في تافيلالت سنة ١٨٨٨ (١). والدرقاوي تتلمذ على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الجمالي الفاسي، وله سلسلة صوفية مستمدة من أحمد بن يوسف الملياني وابن عطاء الله الإسكندري وأحمد زروق وأحمد المرسي عن أبي الحسن الشاذلي، وتنسب إلى الدرقاوية مواقف مختلفة، منها أنها خالفت تعاليم الشاذلية في التسامح والحياد إزاء السياسة والمهادنة، ومنها أنها أعطت دفعا جديدا للشاذلية رغم بقائها من الناحية الفلسفية تلميذة لها، أما مظاهرها من لباس وممارسات وعبادات فقد تعددت الأوصاف لها، فمن قائل إن أتباعها كانوا يقلدون كبار الصحابة وغيرهم في بعض المظاهر، مثل لبس المرقعات، لأن أبا بكر وعمر لبساها، ومثل حمل العصا لأن موسى ﵇ قد حملها، وهم يرقصون على اسم الله، لأن جعفر بن أبي طالب قد احتفى باسم الله بأداء الرقص، وهم يحملون السبحة لأن أبا هريرة في دعواهم كان يحملها في رقبته، كما أنهم يفضلون العزلة ويمشون حفاة، ويحتملون الجوع، ولا يخالطون إلا الصالحين، ويتفادون أصحاب السلطة، ويصدقون في أقوالهم.

стр. 1527

ولا ينامون إلا قليلا ويقضون الليل مت عبد ين، ويكثرون من الصدقات، ويطيعون شيخهم ويطلعونه على كل كبيرة وصغيرة، وفي الجزائر قبلوا الوظائف الدينية كالإمامة والقضاء ولكنهم رفضوا الوظائف الإدارية الأخرى، وهم على كل حال ضد الفرنسيين (المسيحيين) وضد الحضارة الغربية. وهذه الصورة تجعلهم على الحافة من السياسة والثورة، ولذلك وجدنا منهم من لم يطق حياة العزلة والهدوء إذا لم تخدم الدين، فثاروا في العهد العثماني كما ثاروا في العهد الفرنسي، ويهمنا هنا العهد الثاني، لقد ظهر منهم المنادون بالثورة والجهاد مثل موسى الدرقاوي المعاصر للأمير عبد القادر، وعبد الرحمن الطوطي (١). وغيرهما، ولكن هناك من شيوخ الدرقاوية من بقي محافظا على تعاليم الشاذلية ورفض الارتماء في الوظيفة، مثل محمد بن إبراهيم والعربي بن عطية، لقد حاول الأمير استمالة العربي بن عطية زعيم الدرقاوية في الونشريس، إلى الجهاد، ولكنه اعتذر له فقبل عذره، أو على الأقل تفهم موقفه، وقد انتهى الأمر بالشيخ ابن عطية إلى الهجرة من الجزائر والوفاة بتونس. أما محمد بن إبراهيم فقد جاءه الحشم والحرار وأهل فليته يطلبون منه أن يكون حكما بينهم وأن يقضي في أمورهم، وذلك في وادي العابد (سيدي بلعباس). ولما أحس بالضغط ذهب معهم إلى غريس قرب معسكر، وحاول إقناعهم مدة أسبوع بالصلح والسلم، وأخبرهم أن (الحكومة لله). ولكن هذا الوعظ لم يقنع الذين يريدون زعيما وقائدا للثورة، ولما عرف أنه لا يستطيع إقناعهم بعدم تولي المسؤولية هرب ليلا وترك لهم رسالة على وسادته شارحا لهم فيها الأسباب التي جعلته لا يتدخل في السياسة والحياة الدنيا، وتذهب بعض المصادر الفرنسية إلى أن الأمير عبد القادر كان يريد خطف محمد بن إبراهيم للتأثير به على الدرقاويين، وقد ملأ هذا الفراغ عبد الرحمن الطوطي، المقدم الذي كان محمد بن إبراهيم نفسه

стр. 1528

قد عينه للأخوان، وكان الطوطي مخالفا لرأي شيخه فأعلن الجهاد سنة ١٨٤٥ في نواحي بلعباس، وقد توفي محمد بن إبراهيم سنة ١٨٤٠، ولم يسع المقدمين الآخرين، أمثال الحاج محمد ولد الصوفي والحبيب بن أميان، إلا الهروب، الأول إلى المغرب والثاني إلى الدوائر، وهكذا تغلب فريق الحرب على فريق السلم في الطريقة الدرقاوية. وفي نفس الوقت كان موسى الدرقاوي يقوم بالجهاد أيضا، وحياته مليئة بالمغامرات التي تستحق كتابا كاملا، فهو من مواليد مصر، وقد تجول في سورية واسطانبول، ثم وصل ليبيا، ودخل الشاذلية على يد مقدمها محمد بن حمزة سنة ١٨٢٩، واتجه إلى المغرب وأخذ هناك الطريقة الدرقاوية، وبعد الاحتلال بقليل دخل الجزائر واتصل بالحاج سيدي السعدي وعيسى البركاني في متيجة ونسقوا معا حركة الجهاد - ابتداء من سنة ١٨٣٣، إن لم يكن قبل ذلك، وزار الحاج موسى الشيخ العربي بن عطية في الونشريس محاولا إقناعه بتأييد الجهاد ودعوة الإخوان إليه، فلم يفلح، فحارب الفرنسيين مع الأمير، كما تحارب معه على الفوز بالمدية، ولما هزمه الأمير ظل الحاج موسى تائها على وجهه فنزل في أولاد نائل بجبل مساعد وحارب بهم الفرنسيين، ثم دخل الأغواط ونظم نواة لطريقته - الدرقاوية/ المدنية، وعين خليفتين له أحدهما محمد بلحاج، على الجنوب، وقويدر بن محمد، على الشمال، ولكن الفرنسيين طاردوه على يد اللقيط يوسف، كما اعتقلوا خليفته (قويدر) وأفسدوا بذلك خططه في الجنوب والوسط، فهرب الحاج موسى إلى بني يعلى بزواوة، ثم تحول إلى متليلي عند الشعانبة، سنة ١٨٤٨، وعند ثورة الزعاطشة (١٨٤٩) كان مع الشيخ بوزيان زعيم هذه الثورة واستشهد إلى جانبه وعلقت رأسه إلى جانب رأس بوزيان على باب المعسكر الفرنسي، وقد ترك الحاج موسى الدرقاوي ولدين أحدهما بقي على رأس زاوية الأغواط المعروفة عند الناس بزاوية درقاوة سيدي موسى، وهو أبو بكر الذي تقول المصادر الفرنسية (١٨٩٤) أنه كان متحفظا من الموظفين الفرنسيين ومن عملائهم الجزائريين، وأما ولده الثاني (مصطفى) فقد سلك

стр. 1529

اتجاها آخر، وهو قبول وظيفة معلم اللغة العربية في معهد (لافيجري) بتونس، الذي كان يشرف عليه الآباء البيض (١). ومن شخصيات الطريقة الدرقاوية عدة بن غلام الله، الذي لم يظهر كمحارب، ولكنه ظهر كشخصية دينية وعلمية ذات وزن كبير، وهو عدة بن الموسوم بن غلام الله البو عبد لي، وكان شاذلي الطريقة شريف النسب كما قيل، وينتسب إلى إدريس، ولد عدة سنة ١٢٠٢ في بطحاء الشلف، وبعد أن حفظ القرآن الكريم، قرأ على الشيخ ابن حوا (معسكر؟) ودرس التوحيد واللغة والحديث والفلك على شيخ الطريقة الطيبية، محمد بن عبد الرحمن، ثم انتقل إلى مازونة فأخذ بها الفقه على الشيخ أبي طالب المازوني، وقد تمسك أولا بالطريقة الرحمانية التي أخذها عن والده، ثم أخد القادرية عن عبد القادر بن الأحول (وادي مينة؟). كما أخذها عن الشيخ ابن القندوز، ضحية السياسة في آخر العهد العثماني، كما أخذ الطريقة الطيبية على مقدمها المذكور (محمد بن عبد الرحمن) ثم عن الحاج العربي مولاي أحمد، ثم العربي بن عطية. وفي عهد الأمير عبد القادر تولى عدة بن غلام الله وظيفة القضاء، بأمر من الأمير، وقبل أن يتولى الوظيفة استشار شيخه العربي بن عطية فيها، وكان تعيينه قاضيا على بلاد الظهرة ومينه، وبعد مدة ترك القضاء وتفرغ للعبادة والتعليم والإرشاد، وشاع أمره، وسميت طريقته بالشاذلية - الدرقاوية - البو عبد لية، وقد ترك الشيخ عدة مؤلفات وقصائد تزيد على ٤٠٠ بين فصيحة وزجلية، كما له أحزاب أو أذكار، واستغاثات (٢). وقد توفي سنة ١٢٨٣ عن نحو ٨٠ سنة، وتعرف زاويته بزاوية أولاد الأكراد، وله تلاميذ أصبحوا من أصحاب

стр. 1530

الطرق والزوايا أيضا، منهم محمد الموسوم بقصر البخاري، وابن عبد الله بن عبد القادر بمعسكر، ومحمد الشرقي بالعطاف، ومحمد بن أحمد باندات. بالنسبة لزاوية أولاد الأكراد، كانت في آخر القرن الماضي تحت إشراف محمد غلام الله الذي بقي إلى ١٩٠٢، وفي هذه السنة خلفه عمه أحمد ولد عدة الذي يبدو أنه من نسل الشيخ عدة المؤسس، وكان لها حوالي ٣، ٥٠٠ من الأتباع، منهم ٥٠٠ في أولاد الأكراد فقط، وكانت إلى هذا التاريخ تعلم الدين والقرآن وتخرج (الطلبة) الذين ينتشرون في الأعراش لتحفيظ القرآن بعد ذلك، ولهم نشاط آخر كالقراءة على الأموات وفي الموالد، وشيخ الزاوية يتلقى العوائد، والزاوية تييى مناسبتين في السنة، إحداهما في الخريف وتدوم ثلاثة أيام، تطعم فيها الطعام وتقيم الحضرة ويجتمع المقدمون، ويرتلون أدعية وأذكارا، ثم يقفون في شكل دائرة ويرددون اسم الجلالة إلى أن يصبحوا عاجزين وينهكهم التعب، وبذلك تنتهي هذه الحفلة التي تشبه ما كانت تفعله العيساوية، على ما قيل (١). الطريقة الهبرية ومنذ آخر القرن الماضي لوحظ وجود طريقة درقاوية - شاذلية أخرى فرعية كانت (بصدد التكوين) حسب تعبير ديبون وكوبولاني، وهي الطريقة الهبرية، وقد تولدت نتيجة الحركة النشطة في الجماعات الصوفية في المناطق الغربية، سيما مدغرة وسعيدة ومعسكر وأولاد الأكراد (تيهرت). ويقول المصدر إن هذه الحركة كانت نشطة (مند سنوات). ومن هؤلاء النشطين الحاج محمد الهبري الذي حاول أن يحيي الطريقة الدرقاوية بالحماس والصفاء اللذين ظهرت بهما على يد مؤسسها الأصلي، وكانت له تعاليم صارمة في التقوى والورع والتأثير، والدليل على ذلك أن بعض الإخوان تركوا الشيوخ الآخرين واتبعوه هو، وله زاوية على وادي كيس في مكان يعرف بدريوة في بني سناسن، ويمتد نفوذه بين جبال الريف غربا ووهران

стр. 1531

شرقا، وعائلته مرابطة تدعى أولاد بوعزة، وكان محمد الهبري في البداية مقدما على زاوية الخيثر في بني يحيى بالريف المغربي، ثم أظهر استقلاله وأصبح يهدد بابتلاع الفروع الأخرى، وتصفه المصادر الفرنسية بالتعصب، ولكننا لا ندري ماذا كانت تتوقع منه في وقت كانت تمتد عيون فرنسا إلى المغرب الأقصى لابتلاعه أيضا، فهل كانت تتوقع أن تجد طريقة جديدة مساندة لها تدخل بها جنوب الجزائر والمغرب كالطيبية؟ لقد أصبحت هذه الطريقة تسمى (الهبرية) منذ آخر القرن الماضي، وقد توقع الفرنسيون أن تتكون طريقة بذلك الاسم، ولكن بعد وفاة شيخها، وجاءتها هذه الخصوصية من ممارسة الأذكار، ولكن ذكر الشاذلية - الدرقاوية ظل هو هو عندها، وكان للهبرية مقدم في سعيدة وكان درقاويا متحمسا، ولكنه لا يهمل الجوانب المادية كما قيل، وقد أسس لهذا الفرع الجديد زاويتين، وهو يبتعد عن أنظار الفرنسيين ويكثر من العبادة، ويمكن أن يكون ملجأ المتعصبين والثائرين، كما يقولون (١). وربما كان محمد الهبري هذا هو نفسه الذي توفي سنة ١٩٠١، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يكون من مواليد سنة ١٨٦٣ (١٢٨٠). ومن قبيلة زغبة العربية، المتفرعة عنها قبيلة الهبرة (؟). وكان للهبري ولع بالأعشاب، وربما كان يستعملها في التداوي ويجلب بذلك العامة والأتباع، ونحن أمام السيرة التي أوردها له (قوفيون) نجد أنفسنا غير قادرين على إصدار حكم على الطريقة الهبرية عندئذ، فهم من أتباع الدرقاوية، ولكنهم ثاروا على السلطان بالمغرب (الحسن الأول؟ وقد ثار الدرقاويون ضد العثمانيين قبل ذلك، كما أشرنا). ولا ندري إن كان الهبري قد توفي طبيعيا أو مات مقتولا، ولكننا نعرف أنه ترك أحد أبنائه، وهو محمد الهبري الذي أصبح مواليا للفرنسيين، حسب مصادرهم، وكان أصغر الأبناء، وربما لم يكن هو الذي ورث البركة عن أبيه، ومهما كان الأمر، فكتاب أعيان المغرب الأقصى يصفه بأنه صديق الضابطين موجان وليوتي، وأنه ساعد الفرنسيين على تهدئة الأوضاع سنة

стр. 1532

١٩١٤ (الحرب العالمية). وقد دعته فرنسا للإقامة في شرق الجزائر فجاء وبقي عدة شهور في عنابة، فهل كان ذلك نوعا من الإقامة الجبرية خوفا من شغبه؟ إن قوفيون قال: إن الهبري كان يحث الناس على الولاء لفرنسا ويطلب منهم أن يكونوا (فرنسيين جيدين). وهذا الولاء أثبته محمد الهبري زمن ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي أيضا، إذ يذكر قوفيون أن الزاوية الهبرية أصبحت ملجأ للموالين لفرنسا (١). قلنا إن أذكار الشاذلية هي نفسها أذكار الدرقاوية، ولكن الدرقاوية أعطت نفسا جديدا للشاذلية، فممارساتهم صارمة، وانضباطهم مثالي، وهم يعيشون حياة من العبادة والتطهر الدائم، وعلى المسلم الذي سيقابل درقاويا أن يتطهر طهارة الصلاة، ويأتي الشيخ فيضع يده بين يديه وينطق بالشهادة (لا إله إلا الله). ثم يستحلفه على المحافظة على تعاليم الطريقة وعلى حب إخوانه، وأن يقدم إليه النصائح المفيدة، ثم يقدمه الشيخ إلى إخوان الآخرين فيندمج معهم ويدخل الحضرة معهم، وقد عرفنا أن من تعاليم الشاذلية السهر والصمت والخلوة أو العزلة عن الناس، وذكر الله، كما أن الدرقاويين يقرأون الصلاة المشيشية وهي تكرار (لا إله إلا الله محمد الحقيقة الواضحة، الأمين، الصادق، ونبيه). مائة مرة في اليوم (٢). وإخوان الدرقاوية في الجزائر كانوا في آخر القرن الماضي حوالي عشرة آلاف، وهو عدد كبير نسبيا، ولكن الإحصاءات ليست واحدة في هذا الصدد، فإحصاء ١٨٨٢ يجعلهم ١٤، ٥٧٤، يضاف إليهم ٢٦٨ مقدما، كما يذكر لهم عددا كبيرا من الزوايا، وهي ٣٢ زاوية، ولكن نلاحظ أن الإحصاء يتحدث عن الشاذلية/ الدرقاوية عموما، بما في ذلك بعض الفروع التي ذكرنا مثل فرع قصر البخاري، والتي سنذكرها مثل المدنية، كما نلاحظ شيئا

стр. 1533

آخر، وهو أن عدد المقدمين متفوق في الإقليم الغربي (١٨٥ مقدما) بينما هو ينخفض في الشرق (٥٢) والوسط (٣١). أما عدد الزوايا فأكثره في قسنطينة (١٨ زاوية) وسبعة فقط بين وهران والجزائر (١). أما إحصاء سنة ١٨٩٧ فيذكر الدرقاوة فقط وعلى هذا النحو: ٩، ٥٦٧ من الإخوان، و ١٣٤ من الطلبة و ٩ من الشيوخ، و ٧٢ من المقدمين، بالإضافة إلى عشر زوايا (٢). وهناك طريقة درقاوية أخرى تسمى طريقة الشيخ البودالي، وكانت زاويتها في بلدية فرندة، وكذلك زاوية زقزل التي تنتمي للدرقاوية رغم أنها تبدو مستقلة عن مختلف الطرق، والأخيرة أسسها مولاي أحمد بن محمد الينبوعي (من جهة البحر الأحمر). ويذكرون أنه شريف من الأدارسة، ومن قصصه أنه جاء إلى تلك الجهة على حمار، وكان خطاطا ونساخا للكتب، وأن أحد شيوخه قد نصحه بالتوجه نحو الغرب (؟). وقد نزل في وادي زقزل وأقام خلوته في أولاد إبراهيم، وتزوج من ابنة أحد المرابطين هناك، اسمه محمد بن يعقوب، وربما عاش الينبوعي إلى سنة ١٨٤٢ (١٢٥٥). وترك سبعة أولاد، منهم بوشطة الذي لقيه بعضهم سنة ١٩٥٩، وانتشر أولاده في الأرض وكونوا أيضا زوايا، وكانوا يقولون إنهم مستقلون وغير منتمين إلى أية طريقة، رغم أن لهم سلسلة في الخلوتية وأخرى في التجانية أيضا، ويقولون عن أنفسهم إنهم حمدانيون (نسبة إلى جدهم أحمد، لكن النسبة الحقيقية هي أحمديون) وقد أصبحت زاويتهم الأصلية تعرف بالصديقية نسبة إلى الصديق أحد أبناء أحمد الينبوعي، وكان رئيس الزاوية سنة ١٩٠٩ هو الهاشمي بن الصديق. ولزاوية زقزل سلسلة، كما قلنا، وأوراد، ومن أورادها التعوذ بالله عشر مرات، والبسملة مائة مرة، والاستغفار مائتي مرة، والشهادتان مائة مرة، والصلاة على الرسول ﷺ مائتي مرة، وذكر آخر (٣) مائة مرة (معناه أن المؤمنين هم

стр. 1534

الذين يتركون الظلام إلى النور). بالإضافة إلى الدعاء بالرحمة للوالدين وجميع المسلمين والمسلمات، سبعة وعشرين مرة (١). ومع موقفهم المتحفظ الذي تحدث عنه الكتاب الفرنسيون وجدنا بعض زعماء الدرقاوية يعلنون لأتباعهم وجوب الولاء لفرنسا عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، أسوة بالطرق الصوفية الأخرى، فهذا الشيخ أحمد بن المبخوت مقدم الدرقاوية في المشرية، وجه نداء في آخر ١٩١٤ إلى أتباع الطريقة، أطال فيه وصف الألمان بالوحشية ووقوع الأتراك في براثن ألمانيا، وأخبرهم أن فرنسا كانت تنصر الحق، وأنها فعلت الخير مع الجزائريين ومن واجبهم نحوها مقابلة الإحسان بالإحسان (٢). ومن المعروف أن بعض الدرقاويين قبلوا بالوظائف القضائية، بل إن بعضهم قبل الوظائف السياسية كعضوية مجلس الوفود المالية، مثل النائب غلام الله، وقد كان على موقف نقيض لمواقف الحركة الإصلاحية والسياسية. والخاتمة التي ختم بها (رين) حكمه على موقف الدرقاويين من الحكم الفرنسي هي أنهم ليسوا أنصارا للفرنسيين وليسوا أعداء لهم أيضا، إنهم قد رفضوا المناصب الإدارية ولكنهم قبلوا بالوظائف الدينية من إمامة وإفتاء وقضاء، ولعل ذلك قياسا على ما فعله بعض أوائلهم، وهم لا يمكن أن يكونوا (احتياطيين) للفرنسيين يعتمدون عليهم في الملمات، ولكن يمكن التعاون معهم في بث (لحضارة) التي ينشرها الفرنسيون في الجزائر. وهناك ملاحظة أخرى نختم بها هذه الفقرة، وهي أن الدبلوماسية الفرنسية كانت ترى في الدرقاوية العدوة التقليدية للأتراك، إذ ثارت ضدهم قديما، فلماذا لا تستفيد منهم، ربما، في وقت تتوتر فيه العلاقات مع الدولة العثمانية أو مع بعض الطرق المؤيدة لها كالمدنية والسنوسية؟ ولكن فروع

стр. 1535

الدرقاوية، كما رأينا كثيرة، و (رين) وأمثاله لم يعيشوا إلى القرن العشرين ليعرفوا كيف تصرفت بعض الطرق منذ الحرب العالمية الأولى، وقبل أن نتناول ذلك نود أن نقول كلمة أيضا عن الطريقة المدنية . الطريقة المدنية عرفنا بداية الطريقة المدنية في الجزائر ابتداء من الحاج موسى بن حسن المصري الدرقاوي الذي لعب منذ ١٨٣٣ دورا بارزا في الثورات بالجزائر إلى أن استشهد إلى جانب بوزيان في الزعاطشة سنة ١٨٤٩، وكما قيل عن الحاج موسى أنه انفصل عن الشاذلية بدعوته للجهاد وتدخله في السياسة، كذلك قيل عن الطريقة المدنية بأنها تخلت عن التعاليم الشاذلية في الحياد ونبذ السياسة وأصبحت أداة للسياسة في يد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ولفكرة الجامعة الإسلامية، أو كما يقول الفرنسيون أصبحت المدنية معادية للتقدم والحضارة الأوروبية (الفرنسية). فما هي الطريقة المدنية؟ ومن صاحبها؟ وأين ظهرت؟ ظهرت هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر ميلادي في طرابلس، وفي مصراته بالذات، وكان الشيخ محمد بن حمزة المدني قد أخذها عن شيخه محمد العربي الدرقاوي، و (المدني) نسبة إلى المدينة المنورة، ويقولون إنها تأسست سنة ١٨٢٠، وانتشرت بسرعة كبيرة، وكانت زاويتها الرئيسية في مصراته، وكانت ليبيا عندئذ تمر من مرحلة حكم إلى آخر، نتيجة التحول من عائلة القرامانليين إلى الحكم العثماني المباشر عن طريق تعيين الولاة من قبل اسطانبول، كما نشطت أثناء تأسيس ونشاط الطريقة السنوسية في جغبوب في الطرف الشرقي من ليبيا، وصادف ظهورها أيضا (أي المدنية) احتلال فرنسا للجزائر والثورات فيها ضد هذا الاحتلال ثم احتلال تونس، وهذه الظروف كلها ساهمت في الانتشار السريع للمدنية، ثم للسنوسية أيضا، لملء الفراغ الذي أحدثه الضعف السياسي في المنطقة كلها وتدهور الحكم الإسلامي فيها،

стр. 1536

ثم تولى الطريقة محمد ظافر المدني الذي وصلت المدنية في عهده أوج سمعتها، ولد محمد ظافر في مصراته سنة ١٨٢٨ (١٢٤٤). وتربى في مسقط رأسه، وحفظ القرآن الكريم، وبعد ذلك ارتحل إلى القاهرة ثم الحجاز وأخذ العلم فيهما واختلط بالطرق الصوفية وعاش الأحداث السياسية التي كانت - تخض المنطقة، والتقى بالشيخين إبراهيم الرياحي ومحمد بن علي السنوسي، ثم ارتحل إلى اسطانبول عاصمة الدولة، ولقي الأمراء، وقابل سلاطين الوقت من عبد العزيز إلى عبد الحميد، وقد حضر جلوس السلطان الأخير سنة ١٨٧٦، واعتقد السلطان نفسه في طريقته الشاذلية/ الدرقاوية، وأعانه هذا السلطان فأقام له زاوية (تكية) في اسطانبول، وهي الزاوية التي دفن فيها بعد ثمانين سنة من العمر (سنة ١٩٠٣/ ١٣٢١). وقد ترك محمد ظافر أربعة عشر ولدا عدا البنات (١). وهناك رواية أخرى ذكرها (مارتن لانغز) وهي تفيد أن محمد ظافر المدني (بن محمد بن محمد حسن بن حمزة ظافر المدني) كان قد خرج من المدينة سنة ١٨٠٧ واتجه غربا فاجتمع بالمغرب الأقصى بشيخ الطريقة محمد العربي الدرقاوي وبقي عنده تسع سنوات في بني زروال (زاوية بوبريح) وأخذ عنه الطريقة، ثم أمره الدرقاوي بالرجوع إلى المدينة، وبعد ثلاث سنوات رجع المدني إلى المغرب وبقي فيه خلال الشهور الأخيرة من حياة شيخه وحضر وفاته ثم رجع إلى المدينة، وفي طرابلس (حوالي ١٨٢١) التف حوله الناس ودخلوا طريقته الجديدة (الدرقا وية/ ١ لمدنية) (٢). ويتبين من ذلك أمران على الأقل: صلة الطريقة المدنية بالشاذلية، وصلتها بسياسة الدولة العثمانية، وتدعى المصادر الفرنسية أن محمد ظافر

стр. 1537

المدني قد أصبح مستشارا للسلطان عبد الحميد، وأصبحت الطريقة تتشكل حسب رغبة الشيخ المدني وطموحه السياسي وطموح السلطان في نشر فكرة الجامعة الإسلامية، وليس حسب تعاليم الشاذلية - الدرقاوية، فقد ألف محمد ظافر المدني كتابا سماه (النور الساطع) ونشره باسطانبول سنة ١٨٨٥، وطرح فيه مبادئ طريقته، فركز على تعاليم الشاذلية في التوحيد والتصوف، ولكنه، كما يقولون، أضاف إلى ذلك التعاليم الدبلوماسية والدعاية لجمع الأتباع لفكرة الجامعة الإسلامية، ويبدو أن محمد ظافر المدني كان من المتصوفين المثقفين بثقافة العصر السياسية فجمع بينها وبين التصوف وحاول أن يخدم كل منهما الآخر، في حين أن التصوف الذي يريده الفرنسيون هو التصوف الجامد غير المتجدد والسلبي غير الفعال والبعيد عن السياسة والتعصب الديني، كما يزعمون. ولذلك أعلن أحدهم (رين) سنة ١٨٨٤ (أي قبل نشر كتاب النور الساطع) بأن المدنية طريقة متميزة بنفسها، وهي منفصلة عن الشاذلية - الدرقاوية، ولا علاقة لها بشاذلية محمد الموسوم الذي أخبر عنه (رين) بأنه كان سكونيا لا حركيا، وحياديا لا مشاركا في الأحداث الجارية على ساحة بلاده، بل قال عنه إن كان يطلب من الإخوان عدم المشاركة في الثورات بطلب من فرنسا، وقد فعل ذلك من تلقاء نفسه، شتان إذن بين فرع وفرع لطريقة واحدة، هي الشاذلية! ولكن رين يضيف جديدا عن المدنية لا يخلو من عبرة، وهو قوله إن محمد ظافر المدني قد أصبح خادما لسلطان اسطانبول وخرج عن الحياد السياسي، وهو يحاول أن يستعمل أخوانه ضد معارضي السلطان من السنوسيين والتجانيين والطيبيين والشاذليين، ثم لاحظ أن المدنية تلعب في وقته، دورا مزدوجا وخطيرا، فهي من جهة (مبيوعة) (كذا) للسلطان، وهي من جهة أخرى تخدم السنوسية، ومحتفظة في نفس الوقت باستقلالها مما يسهل مهمتها في المناورة، وكان شعار المدنية عندئذ هو (وحدة كل المسلمين لطرد المسيحيين من إفريقيا (واسيا)) (١).

стр. 1538

لقد كان الشيخ محمد ظافر المدني يدير نشاطه من خلوته في (يلدر كوشك) في اسطانبول، وكان يوجه مبعوثيه إلى المغرب العربي وإلى الحجاز حيث ملتقى الحجاج، وتذهب المصادر الفرنسية إلى أنه كان يرسل (آلاف العملاء) هنا وهناك لربط مشاعر الشيوخ المستقلين الذين يديرون الطرق الصوفية القوية، وهذا هو الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحاول أن تعيد النظر في سياستها الإسلامية ليس في الجزائر فحسب ولكن في كل العالم الإسلامي، ولذلك كانت ترى في أمثال المدنية والسنوسية طريقتين عدوتين لأنهما تتبنيان سياسة الجامعة الإسلامية ومحاربة الاستعمار الأوروبي، وبعد موت أخيه حمزة في طرابلس، أعطى الشيخ محمد ظافر المدني بركته لأبناء أخيه، واعتبرهم الفرنسيون عملاء للدولة العثمانية في إفريقية، ويقول الفرنسيون إن الوعود والعطاءات قد صدرت لكبار الناس وعلمائهم من قبل المدنية والعثمانيين، أما البسطاء فقد هددوا بنقمة الله عليهم إذا لم يتبعوا طريق المدنية والسياسة العثمانية. أما التعاليم الدينية للطريقة المدنية فنراها في الإجازة التي حصل عليها أحد مقدميها في الجزائر، وهو الشيخ يحيى بن أحمد (١). كان الشيخ يحيى مقدما على أولاد نائل في الجنوب/ الوسط، وأعطاه الإجازة الشيخ محمد أحمد بن عبد الله المدني (المداني). وكان هذا قد أخذ الطريقة عن والده أحمد بن عبد الله التونسي الصفاقسي الذي أخذها بدوره عن الشيخ محمد ظافر بن حمزة المدني، وهذا أخذها عن الشيخ محمد العربي الدرقاوي، إلى آخر السلسلة الدرقاوية - الشاذلية التي تمتد إلى رسول الله ﷺ . وجاء في الإجازة أن والده قد أمره بتقوى الله في السر والعلانية والإحسان إلى عباد الله، وأمره بالسياحة مع الفقراء، وقال عن يحيى بن أحمد إنني: (قدمته على الطائفة المدنية) وأجزته إجازة تامة، وجعلته في ذلك نائبا عني، ثم

стр. 1539

أوصاه بالتقوى في السر والعلانية والإحسان كما أوصاه أن يترفع بهمته عن الناس، وأن لا يتعاطوا إلا المنفعة الخاصة بالديانة .. وأن يطيعوا الأمير (وهذا كلام يعجب الفرنسيين لو كانوا هم المقصودين) ويتواضعوا للغني والفقير ... وأن يذكروا الله دائما، وأن لا يشتغلوا إلا بما يعنيهم، وأن لا ينشغلوا بمجالس الغفلة، ولا بالقيل والقال، لقد كان للمدينة مقدمون في الجزائر وتونس ومصر والمغرب والحجاز وليبيا وإفريقية وتركيا، وحيثما توجد المدنية يكون (العداء للتقدم والحضارة) حسب تعبير بعض المصادر الفرنسية، وهي (المصادر) تقصد العداء للاستعمار والغزو الحضاري للعالم الإسلامي. وليس لدينا إحصاءات عن أتباع المدنية في الجزائر، والظاهر أنها كانت بأعداد قليلة، ولكنها نشطة، ولم يذكر رين أرقاما دقيقة لإخوانها أو زواياها أو مقدميها في الجزائر، أما ديبون وكوبولاني (١٨٩٧) فقد ذكرا لها زاويتين، وأربعة عشر مقدما، و ١، ٦٧٣ من الإخوان، وشاوشا واحدا، وأحد عشر وكيلا، وهي منتشرة في إقليمي وهران والجزائر، حسب رأيهما، وكان ذلك في أوج نشاط هذه الطريقة، ولا شك أن سقوط نظام السلطان عبد الحميد سنة ١٩٠٨ ومجيء لجنة الاتحاد والترقي، واحتلال ليبيا من قبل إيطاليا سنة ١٩١١، كل ذلك قد أثر على نشاط إخوان الطريقة المدنية وجعلهم يغيرون (تكتيكهم) وأساليب نشاطهم الصوفي - السياسي، ولكن في الوقت الذي كانت تجري فيه تلك الأحداث كانت الجزائر تشهد ميلاد فرع جديد للطريقة الشاذلية - الدرقاوية، ونعني به الطريقة العليوية ، وكان بينهما تنسيق وتواصل. الطريقة العليوية وهي الفرع الأخير للشاذلية/ الدرقاوية، وتنسب إلى الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة (العلاوي والعلوي أيضا). وقد ولد في مستغانم في تاريخ غير متفق عليه، وهو ١٨٦٧ عند أحمد توفيق المدني، و ١٨٧٣ عند محمد

стр. 1540

البوهلي النيال، وهو ١٨٧٤ عند أوغسطين بيرك، أما تاريخ وفاته فهو محل اتفاق، وهو سنة ١٩٣٤، وترجمة الشيخ متوفرة، ولكن بعض المترجمين يرفعونه وبعضهم يقلل من شأنه، ومهما يكن فإنه أخذ المبادئ العلمية في مستغانم، أخذ التصوف عن الشيخ محمد البوزيدي، وتصدر بعده لعمارة زاوية شيخه، ثم استقل وأسس زاوية خاصة به في مستغانم وأخريات في معسكر وغيليزان والجزائر ووهران وزواوة، ولا ندري متى أسس هذه الزاوية المستقلة، فبعضهم يجعل سنة ١٩١٠ (المدني) هو تاريخها، والبعض يجعل التاريخ، ١٩٠٩، هو تاريخ هجرته إلى المشرق (١). وسواء كان تأسيس الزاوية في العشرية الأولى من هذا القرن أو بعد ذلك، فإن الذي لا شك فيه أن نشاط الشيخ لم يظهر إلا بعد ١٩١٩، وبذلك تكون فترة نشاطه حوالي أربع عشرة سنة، وهي فترة قصيرة في عمر مؤسس الزوايا التي عرفناها، تعرف طريقة الشيخ ابن عليوة بأنها طريقة عصرية عند البعض، لماذا؟ لأن الشيخ استعمل وسائل حديثة لبث أفكاره وتعاليمه: وسائل لم تستغلها الطرق الصوفية الأخرى المختبئة خلف حيطان الزوايا والخلوات والعبادات الليلية والسرية، أما الشيخ ابن عليوة فقد اشترى مطبعة للزاوية، وأسس صحفا كانت تنشر نشاطه، كما كانت تدافع عن الزاوية ضد مخالفيها أو منتقديها، ومن أشهر الصحف التي صدرت عن الزاوية العليوية صحيفة أسبوعية تسمى (لسان الدين) وصحيفة (البلاع الجزائري) الأسبوعية أيضا، وقد اهتمت الأخيرة بشؤون الجزائر السياسية والوطنية، وكان لها آراء صريحة لتأييد الجامعة الإسلامية واليقظة الوطنية، وقد وقفت ضد الاندماج وأنصاره، وضد التجنيس، ودافعت بشدة عن اللغة العربية، ومن الوسائل (لعصرية) التي لجأ إليها الشيخ نشر آرائه في كتيبات ومطبوعات ليطلع عليها المطلعون، وقد نشرها في تونس والجزائر، ومنها، بالإضافة إلى قضايا التصوف والعبادات، قصائد الشعر، ولكن بعض المعاصرين، أمثال الشيخ أحمد حماني والشيخ نعيم النعيمي، يؤكدون على أن الشيخ كان (أميا). وإنما

стр. 1541

أصحابه هم الذين كانوا يكتبون له وينشرون باسمه، وأما أوغسطين بيرك قد رفعه إلى درجات عالية وجعله من فلاسفة العصر، واعتبره (مرابطا عصريا) (١). بفضل هذه الوسائل وأمثالها انتشرت الطريقة العليوية انتشارا سريعا وواسعا لم تحظ به الطرق الأخرى حتى المرضي عنها من قبل الإدارة الفرنسية، ونحن نعلم أن الطرق ليست (حرة) في هذا النشاط، وأن الإدارة تملك سلاح تقييدها أو تحريرها، وعلى الطريقة إما أن توالي الإدارة وتجاملها وتقدم لها عربون الطاعة والإخلاص، وفي هذه الحالة فهي في حل تفعل ما تشاء بل تجد كل الدعم المادي والمعنوي، وإما أن تتمرد وتجاهر بالعداء وفي هذه الحالة تواجه العراقيل والمؤامرات والقيود التي تثبطها إن لم تقض عليها، يقول أحد أنصار هذه الطريقة وهو الشيخ الهاشمي بن بكار في ترجمة الشيخ ابن عليوة، إن الناس قد دخلوا طريقته حتى من الريف المغربي وأن العلماء قد وفدوا عليه، ثم يضيف (ونصب مرشدين (مقدمين؟) بإذن في فرنسا والحجاز، والعراق واليمن، وغير ذلك لما، وكان الشيخ ابن عليوة في مقدمة المدافعين عن الزوايا وصيانة عقائد أهل السنة عند ظهور المتطرفين، وهو يقصد (بالمتطرفين) رجال الإصلاح والحركة الباديسية عموما، والمعروف أن الشيخ ابن عليوة قد ساند في البداية الحركة الإصلاحية، وتأسيس جمعية العلماء، ثم انضم للحركة المنفصلة عنها، وهي التي مثلتها جمعية علماء السنة سنة ١٩٣٢، ولم يلبث الشيخ أن توفي بعد ذلك بسنتين، كما ماتت جمعية علماء السنة في نفس الفترة. ولكن هناك من يرى في الطريقة العليوية مجالا للقيل والقال، وهم

стр. 1542

يستندون في ذلك إلى تأييد فرنسا لها تأييدا ظاهرا وباطنا، (بكل الوسائل). حسب تعبير أحدهم (١). ومن أكبر المؤيدين لها الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي، الذي لعب، رغم علمه الواسع، دورا مشبوها في حركة الطرق الصوفية والزوايا على مستوى المغرب العربي، وسنتحدث عنه وعن دور هذه الزوايا بعد قليل، وقد دخل الطريقة العليوية بعض الفرنسيين المشبوهين الذين ادعوا اعتناق الإسلام، كما دخلها وألف فيها كتبا ومقالات بعض الانكليز أيضا، وقد نسب إلى الشيخ ابن عليوة أنه يقول بالتثليث، ولكن ليس التثليث الذي يؤمن به النصارى، بل تثليث الأديان: الإسلام والمسيحية واليهودية، وهو مذهب قريب جدا من عقائد الماسونية التي تؤمن بالتثليث الآخر، وهو (الحرية والإخاء والمساواة). كما نسب إلى الشيخ القول بالحلول الذي جاء على لسان أبي منصور الحلاج، ولكن الجميع متفقون على أن الطريقة العليوية جديدة، وعصرية وغير عادية بين الطرق، فإلى أي حد إذن هي شاذلية أو قادرية أصلا؟ فهل هي جديدة في التصوف كما هي جديدة في السياسة وفي الموقف من الأديان؟ إن السلسلة التي اتبعوها تمتد إلى محمد العربي الدرقاوي والشاذلي، ولكن ابن عليوة استقل في الأخير عن الجميع، وأصبحت الطريقة باسمه، وأتباعها يستعملون الحضرة أيضا ويمارسون الأذكار والاجتماعات ويحبون الخلوة حتى ألزموا المريد بالاختلاء أربعين يوما إذا لزم الأمر، وأثناء ذلك عليه ألا يكف عن ذكر اسم (الله) ومد المقطع الأخير منه، وعلى المريد أن يذكر الشهادة خمسة وسبعين ألف مرة، وأن يصوم أثناء الخلوة طول النهار ولا يأكل إلا ليلا، ومن مبادئهم أن (الكشف) قد يأتي للمريد في بضع دقائق، وقد يأتي في بضعة أسابيع أو شهور، وهؤلاء الأتباع يستعملون الرقص والتواجد، ويذكرون الله في حركات خاصة إلى أن تصل إلى التشنج والصرع، كما أسلفنا، ويعلقون السبحة في أعناقهم ما عدا المشارقة فقد قيل إن ابن عليوة أباح لهم حمل السبحة في أيديهم، وفي السبحة تسعة وتسعون

стр. 1543

حبة، وفي وسطها قطعة خاصة تكمل المائة (١). ومن رأى (لانغز) أن ابن عليوة يتبع في تصوفه مذهب محيي الدين ابن العربي. أما علي مراد فقد رأى أن ابن عليوة قد غرق في التصوف القديم دون استعداد ديني ودراسي كاف، فكان في نظر العامة صاحب مكانة عالية في الفقه والتصوف، غير أنه كان يفتقر إلى الفهم للنصوص وإلى القدرة على استيعاب المسائل والذوق، ولذلك اتهمه الإصلاحيون بالزندقة والإلحاد، وأبرز علي مراد ظاهرة أخرى في ثقافة ابن عليوة وهي أنه تخلف فكريا بينما واصل معاصروه من العلماء الدراسة والاطلاع على إنتاج المشرق وتخرجوا من المعاهد الإسلامية، وإلى جانب ذلك ظل ابن عليوة يدور في فلك ما اسماه علي مراد بالمركزية الإسلامية - المسيحية، وهذا الموقف قد جلب إليه بعض العطف والاهتمام مؤقتا لأسباب سياسية، ولكن ابن عليوة فشل في جلب المسلمين والمسيحيين إلى هذه المركزية. وقد رأى مراد أن ابن عليوة لم يستطع إنجاد المرابطية في وقت كانت تواجه فيه هجمة الإصلاح، ولو كان عالما أصيلا أو من رجال الدين الأقوياء لكان في استطاعته التصدي لذلك الهجوم وإنقاذ المرابطية (روحانية الطرق الصوفية). ومن جهة أخرى فإن التطورات الحديثة قد جعلت المرابطية متخلفة، ففرنسا وجمعية العلماء أخذتا منها التعليم، والمجتمع الحضري أخذ منها الاحسان وأفعال البر، واستوعبت الحياة المادية لبناء الزوايا، وفقدت هذه المؤسسات زبائنها، وهكذا انعزلت المرابطية أمام قوى الحداثة والتقدم (٢). وليس في هذا جديد، وحتى إطلاق اللحى وتعليق السبحة وقبول بعض الوظائف ونحو ذلك، كان معروفا لدى طرق سابقة، سيما الدرقاوية.

стр. 1544

ولكن بعضهم يضيف أن أتباع الشيخ كانوا يركبون العجلات ويظهرون الحزم والنشاط كما يفعل الآباء البيض (١). ويذهب مصدر آخر إلى أنهم كانوا يعقدون اجتماعات عامة لمناقشة القضايا الدينية والاجتماعية كما تفعل الجمعيات المدنية، أي بروح عصرية (٢). ويبدو أن طريقة الشيخ أحمد بن عليوة من الطرق المثيرة للجدل والتي ما تزال في حاجة إلى دراسات مستفيضة، بعد الكشف عن الوثائق الفرنسية المعاصرة، ونعني بذلك وثائق إدارة الشؤون الأهلية، أما بعض المصادر الأخرى فقد نوهت بالشيخ وطريقته لا سيما (مجموع النسب) لابن بكار و (الأعلام الشرقية) لمحمد مجاهد و (الشيخ أحمد العلاوي) لمارتن لانغز، وقد قال صاحب الكتاب الأخير إن الشيخ ابن عليوة بدأ بالطريقة العيساوية وممارسة طقوسها، وهذه معلومة جديدة يضيفها هذا المصدر (٣). ثم إنه تعلق بالدرقاوية، وبعد أن اطلع على ما عند الشيخ البوزيدي اشتغل بطلب العلم، فدرس اللغة العربية، وبعض القرآن والسنة، ثم أمعن في الفلك (فسلك فيه مسلك المتأخرين). وهو تعبير غامض، لا نعرف إلى أي شيء يقصد بالفلك ولا بمسلك المتأخرين فيه، ولعله يعني به التنجيم. وهذا المصدر (كتاب مجموع النسب) إذن يقر باطلاع الشيخ على العلوم الدينية والعربية والصوفية، ولا ندري إن كان ذلك الإقرار منه عن عقيدة ومعرفة أو عن تقليد بالنقل عن كتب الشيخ أو المنسوبة إليه مثل (المنح القدوسية).

стр. 1545

ونحن نميل إلى الاحتمال الثاني، وقد نسب إلى الشيخ تأليف حوالي أربعة عشر كتابا، وهي في الواقع رسائل وكتيبات صغيرة تشبه التقاييد، معظمها في التصوف والشعر، ولكن منها على الأقل اثنان مذكوران بعناوينهما، أحدهما (مفتاح الشهود في مظاهر الوجود). والثاني (المنح القدوسية). والغريب أن ابن بكار الذي يعرف الشيخ ابن عليوة شخصيا وسافر معه، كما قال، إلى مدينة الجزائر، لم يتحدث عن تآليفه، ولم ينوه بأي منها، وحتى عندما ذكر المطبعة قال إنه فعل ذلك (لطبع كتب التصوف وطبع الردود على المنكرين) ولم يقل لطبع كتبه هو في التصوف. وكما تحفظ ابن بكار، وهو من الطريقة الطيبية/ الشاذلية، كما عرفنا، ومن ثمة قريب منه في التصوف، في ذكر تآليف الشيخ ابن عليوة، تحفظ كذلك في مصير الزاوية والطريقة بعده، فقد قال إن (أغلب) الأتباع اتفقوا على أن يكون رئيس الزاوية بعده هو صهره الشيخ عدة بن تونس، ولم يتحدث عن هذا (الشيخ) الوريث للبركة ولا عن الطريقة بعده، رغم أنه نشر كتابه (مجموع النسب) سنة ١٩٦١ (١). وقد ذكرنا آنفا أن العادة جرت إما أن يعين الشيخ من يخلفه ويرث بركته كأحد أولاده، كما فعل عدد من الشيوخ، أو شخصا غريبا عن العائلة تماما، مثلما فعل مؤسس الطريقة الرحمانية، وإما أن يترك لأتباعه الاختيار بعد وفاته بحيث يجتمعون لاختيار أفضلهم علما وتقوى وأكبر سنا وأشهرهم حرمة بين الناس، لأن الهدف هو استمرار نجاح الطريقة بعده، أما في العهد الفرنسي فقد جرت العادة أن تنحل الطريقة الواحدة إلى فروع صغيرة متنافسة بفعل الإدارة الفرنسية التي تخشى الوحدة في القيادة لأي تجمع، فماذا كان مصير طريقة الشيخ ابن عليوة؟ لم يكن للشيخ وريث ولم يوص هو بأحد بعده، أما الشيخ ابن بكار فقد عرفنا رأيه، وأما غيره فقد قال إن الفرصة كانت مواتية لصهر ابن عليوة، وهو عدة بن تونس، أحد أتباعه وسائق سيارته، فنصب نفسه خليفة على
следующие страницы →