← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أصحابه هم الذين كانوا يكتبون له وينشرون باسمه، وأما أوغسطين بيرك قد رفعه إلى درجات عالية وجعله من فلاسفة العصر، واعتبره (مرابطا عصريا) (١). بفضل هذه الوسائل وأمثالها انتشرت الطريقة العليوية انتشارا سريعا وواسعا لم تحظ به الطرق الأخرى حتى المرضي عنها من قبل الإدارة الفرنسية، ونحن نعلم أن الطرق ليست (حرة) في هذا النشاط، وأن الإدارة تملك سلاح تقييدها أو تحريرها، وعلى الطريقة إما أن توالي الإدارة وتجاملها وتقدم لها عربون الطاعة والإخلاص، وفي هذه الحالة فهي في حل تفعل ما تشاء بل تجد كل الدعم المادي والمعنوي، وإما أن تتمرد وتجاهر بالعداء وفي هذه الحالة تواجه العراقيل والمؤامرات والقيود التي تثبطها إن لم تقض عليها، يقول أحد أنصار هذه الطريقة وهو الشيخ الهاشمي بن بكار في ترجمة الشيخ ابن عليوة، إن الناس قد دخلوا طريقته حتى من الريف المغربي وأن العلماء قد وفدوا عليه، ثم يضيف (ونصب مرشدين (مقدمين؟) بإذن في فرنسا والحجاز، والعراق واليمن، وغير ذلك لما، وكان الشيخ ابن عليوة في مقدمة المدافعين عن الزوايا وصيانة عقائد أهل السنة عند ظهور المتطرفين، وهو يقصد (بالمتطرفين) رجال الإصلاح والحركة الباديسية عموما، والمعروف أن الشيخ ابن عليوة قد ساند في البداية الحركة الإصلاحية، وتأسيس جمعية العلماء، ثم انضم للحركة المنفصلة عنها، وهي التي مثلتها جمعية علماء السنة سنة ١٩٣٢، ولم يلبث الشيخ أن توفي بعد ذلك بسنتين، كما ماتت جمعية علماء السنة في نفس الفترة. ولكن هناك من يرى في الطريقة العليوية مجالا للقيل والقال، وهم

стр. 1542

يستندون في ذلك إلى تأييد فرنسا لها تأييدا ظاهرا وباطنا، (بكل الوسائل). حسب تعبير أحدهم (١). ومن أكبر المؤيدين لها الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي، الذي لعب، رغم علمه الواسع، دورا مشبوها في حركة الطرق الصوفية والزوايا على مستوى المغرب العربي، وسنتحدث عنه وعن دور هذه الزوايا بعد قليل، وقد دخل الطريقة العليوية بعض الفرنسيين المشبوهين الذين ادعوا اعتناق الإسلام، كما دخلها وألف فيها كتبا ومقالات بعض الانكليز أيضا، وقد نسب إلى الشيخ ابن عليوة أنه يقول بالتثليث، ولكن ليس التثليث الذي يؤمن به النصارى، بل تثليث الأديان: الإسلام والمسيحية واليهودية، وهو مذهب قريب جدا من عقائد الماسونية التي تؤمن بالتثليث الآخر، وهو (الحرية والإخاء والمساواة). كما نسب إلى الشيخ القول بالحلول الذي جاء على لسان أبي منصور الحلاج، ولكن الجميع متفقون على أن الطريقة العليوية جديدة، وعصرية وغير عادية بين الطرق، فإلى أي حد إذن هي شاذلية أو قادرية أصلا؟ فهل هي جديدة في التصوف كما هي جديدة في السياسة وفي الموقف من الأديان؟ إن السلسلة التي اتبعوها تمتد إلى محمد العربي الدرقاوي والشاذلي، ولكن ابن عليوة استقل في الأخير عن الجميع، وأصبحت الطريقة باسمه، وأتباعها يستعملون الحضرة أيضا ويمارسون الأذكار والاجتماعات ويحبون الخلوة حتى ألزموا المريد بالاختلاء أربعين يوما إذا لزم الأمر، وأثناء ذلك عليه ألا يكف عن ذكر اسم (الله) ومد المقطع الأخير منه، وعلى المريد أن يذكر الشهادة خمسة وسبعين ألف مرة، وأن يصوم أثناء الخلوة طول النهار ولا يأكل إلا ليلا، ومن مبادئهم أن (الكشف) قد يأتي للمريد في بضع دقائق، وقد يأتي في بضعة أسابيع أو شهور، وهؤلاء الأتباع يستعملون الرقص والتواجد، ويذكرون الله في حركات خاصة إلى أن تصل إلى التشنج والصرع، كما أسلفنا، ويعلقون السبحة في أعناقهم ما عدا المشارقة فقد قيل إن ابن عليوة أباح لهم حمل السبحة في أيديهم، وفي السبحة تسعة وتسعون

стр. 1543

حبة، وفي وسطها قطعة خاصة تكمل المائة (١). ومن رأى (لانغز) أن ابن عليوة يتبع في تصوفه مذهب محيي الدين ابن العربي. أما علي مراد فقد رأى أن ابن عليوة قد غرق في التصوف القديم دون استعداد ديني ودراسي كاف، فكان في نظر العامة صاحب مكانة عالية في الفقه والتصوف، غير أنه كان يفتقر إلى الفهم للنصوص وإلى القدرة على استيعاب المسائل والذوق، ولذلك اتهمه الإصلاحيون بالزندقة والإلحاد، وأبرز علي مراد ظاهرة أخرى في ثقافة ابن عليوة وهي أنه تخلف فكريا بينما واصل معاصروه من العلماء الدراسة والاطلاع على إنتاج المشرق وتخرجوا من المعاهد الإسلامية، وإلى جانب ذلك ظل ابن عليوة يدور في فلك ما اسماه علي مراد بالمركزية الإسلامية - المسيحية، وهذا الموقف قد جلب إليه بعض العطف والاهتمام مؤقتا لأسباب سياسية، ولكن ابن عليوة فشل في جلب المسلمين والمسيحيين إلى هذه المركزية. وقد رأى مراد أن ابن عليوة لم يستطع إنجاد المرابطية في وقت كانت تواجه فيه هجمة الإصلاح، ولو كان عالما أصيلا أو من رجال الدين الأقوياء لكان في استطاعته التصدي لذلك الهجوم وإنقاذ المرابطية (روحانية الطرق الصوفية). ومن جهة أخرى فإن التطورات الحديثة قد جعلت المرابطية متخلفة، ففرنسا وجمعية العلماء أخذتا منها التعليم، والمجتمع الحضري أخذ منها الاحسان وأفعال البر، واستوعبت الحياة المادية لبناء الزوايا، وفقدت هذه المؤسسات زبائنها، وهكذا انعزلت المرابطية أمام قوى الحداثة والتقدم (٢). وليس في هذا جديد، وحتى إطلاق اللحى وتعليق السبحة وقبول بعض الوظائف ونحو ذلك، كان معروفا لدى طرق سابقة، سيما الدرقاوية.

стр. 1544

ولكن بعضهم يضيف أن أتباع الشيخ كانوا يركبون العجلات ويظهرون الحزم والنشاط كما يفعل الآباء البيض (١). ويذهب مصدر آخر إلى أنهم كانوا يعقدون اجتماعات عامة لمناقشة القضايا الدينية والاجتماعية كما تفعل الجمعيات المدنية، أي بروح عصرية (٢). ويبدو أن طريقة الشيخ أحمد بن عليوة من الطرق المثيرة للجدل والتي ما تزال في حاجة إلى دراسات مستفيضة، بعد الكشف عن الوثائق الفرنسية المعاصرة، ونعني بذلك وثائق إدارة الشؤون الأهلية، أما بعض المصادر الأخرى فقد نوهت بالشيخ وطريقته لا سيما (مجموع النسب) لابن بكار و (الأعلام الشرقية) لمحمد مجاهد و (الشيخ أحمد العلاوي) لمارتن لانغز، وقد قال صاحب الكتاب الأخير إن الشيخ ابن عليوة بدأ بالطريقة العيساوية وممارسة طقوسها، وهذه معلومة جديدة يضيفها هذا المصدر (٣). ثم إنه تعلق بالدرقاوية، وبعد أن اطلع على ما عند الشيخ البوزيدي اشتغل بطلب العلم، فدرس اللغة العربية، وبعض القرآن والسنة، ثم أمعن في الفلك (فسلك فيه مسلك المتأخرين). وهو تعبير غامض، لا نعرف إلى أي شيء يقصد بالفلك ولا بمسلك المتأخرين فيه، ولعله يعني به التنجيم. وهذا المصدر (كتاب مجموع النسب) إذن يقر باطلاع الشيخ على العلوم الدينية والعربية والصوفية، ولا ندري إن كان ذلك الإقرار منه عن عقيدة ومعرفة أو عن تقليد بالنقل عن كتب الشيخ أو المنسوبة إليه مثل (المنح القدوسية).

стр. 1545

ونحن نميل إلى الاحتمال الثاني، وقد نسب إلى الشيخ تأليف حوالي أربعة عشر كتابا، وهي في الواقع رسائل وكتيبات صغيرة تشبه التقاييد، معظمها في التصوف والشعر، ولكن منها على الأقل اثنان مذكوران بعناوينهما، أحدهما (مفتاح الشهود في مظاهر الوجود). والثاني (المنح القدوسية). والغريب أن ابن بكار الذي يعرف الشيخ ابن عليوة شخصيا وسافر معه، كما قال، إلى مدينة الجزائر، لم يتحدث عن تآليفه، ولم ينوه بأي منها، وحتى عندما ذكر المطبعة قال إنه فعل ذلك (لطبع كتب التصوف وطبع الردود على المنكرين) ولم يقل لطبع كتبه هو في التصوف. وكما تحفظ ابن بكار، وهو من الطريقة الطيبية/ الشاذلية، كما عرفنا، ومن ثمة قريب منه في التصوف، في ذكر تآليف الشيخ ابن عليوة، تحفظ كذلك في مصير الزاوية والطريقة بعده، فقد قال إن (أغلب) الأتباع اتفقوا على أن يكون رئيس الزاوية بعده هو صهره الشيخ عدة بن تونس، ولم يتحدث عن هذا (الشيخ) الوريث للبركة ولا عن الطريقة بعده، رغم أنه نشر كتابه (مجموع النسب) سنة ١٩٦١ (١). وقد ذكرنا آنفا أن العادة جرت إما أن يعين الشيخ من يخلفه ويرث بركته كأحد أولاده، كما فعل عدد من الشيوخ، أو شخصا غريبا عن العائلة تماما، مثلما فعل مؤسس الطريقة الرحمانية، وإما أن يترك لأتباعه الاختيار بعد وفاته بحيث يجتمعون لاختيار أفضلهم علما وتقوى وأكبر سنا وأشهرهم حرمة بين الناس، لأن الهدف هو استمرار نجاح الطريقة بعده، أما في العهد الفرنسي فقد جرت العادة أن تنحل الطريقة الواحدة إلى فروع صغيرة متنافسة بفعل الإدارة الفرنسية التي تخشى الوحدة في القيادة لأي تجمع، فماذا كان مصير طريقة الشيخ ابن عليوة؟ لم يكن للشيخ وريث ولم يوص هو بأحد بعده، أما الشيخ ابن بكار فقد عرفنا رأيه، وأما غيره فقد قال إن الفرصة كانت مواتية لصهر ابن عليوة، وهو عدة بن تونس، أحد أتباعه وسائق سيارته، فنصب نفسه خليفة على

стр. 1546

الزاوية ووارثا للبركة، (رغم غضب الأتباع والمقاديم في الداخل والخارج) لأنهم كانوا يعرفون أن عدة بن تونس كان إسكافيا ثم بائع أسماك، ثم ضابط صف في الجيش الفرنسي، ثم سائق سيارة الشيخ، فلا ثقافة له ولا حسب يرفعه إلى مقام القيادة الروحية للطريقة (١). ومهما كانت صحة هذا الرأي فمن الأكيد، بناء على التجارب الأخرى، أن الإدارة الفرنسية ما كانت لترضى بهذه الوراثة لو لم تخدم أهدافها، ولكن المعروف أن الطريقة قد شاع أمرها، في المغرب العربي والسينغال ومدغشقر وكذلك انتشرت، كما يقولون، حتى في أوروبا وآسيا وأمريكا (٢). أثناء حياة الشيخ ابن عليوة. وحياة ابن عليوة مبسوطة في كتاب (الروضة السنية) الذي قيل إن عدة بن تونس قد ألفه بعد عامين من وفاة الشيخ، كما أن الشيخ قد أملى على أحد أتباعه سيرة ذاتية مختصرة (٣) بعنوان (نبذة). ويبدو أنه أملاها حوالي ١٩٢٤، لأنه تحدث فيها عن التطورات التي حدثت في تركيا عندئذ وعن إلغاء الخلافة، وقد ضمنها معلومات عن بداياته وعن شيوخه وعن تفكيره في الهجرة من الجزائر ورحلته إلى طرابلس واسطانبول، وقد استفدنا من هذه السيرة عدة أمور، منها أن الشيخ لم يدرس دراسة منتظمة، وأنه لم يصل في القرآن الكريم سوى إلى سورة (الرحمن). وهو جزء صغير منه، وأنه بدأ حياته الروحية في الطريقة العيساوية، حيث كان يمارس الرقص البهلواني والحركات العصبية والتلاعب بالحيات السامة، وكذلك استفدنا من هذه السيرة أن محمد البوزيدي الدرقاوي هو الذي أثر فيه

стр. 1547

ووجهه وأخرجه من العيساوية إلى الدرقاوية، وكان يحضر بعض دروسه وأذكاره. ومن جهة أخرى استفدنا من السيرة الذاتية أن الشيخ ابن عليوة تزوج أربع مرات، ولم ينجب أولادا، وأنه طلق الجميع لعدم الانسجام معهن، وقد تنازلت بعضهن عن المهر من أجل مفارقته، واعترف هو أن التقصير كان منه لأنه كان مشغولا بأمور أخرى، ونفهم أيضا أن والديه قد ضرباه خلال صباه، فضربه والده كما قال من أجل حفظ القرآن، وضربته أمه وشتمته لكي تمنعه من الخروج ليلا ومخالطة أصحاب الطرق، وقد توفي والده وهو ابن سبعة عشر عاما، وكان عليه أن يعمل في مختلف الأعمال كالخرازة والتجارة. أما الهجرة فإن السيرة تكشف عنها بكل دقة، فقد كان الشيخ مثل عدد آخر من الجزائريين المعاصرين له، يفكر في الهجرة، ثم اتخذ لذلك أسبابا، فطلب الرخصة إلى الحج ومنحت له، وباع منزله وأثاثه وودع أهله، ولم تكن هجرته وحده، بل كان سيهاجر مع أبناء عمه، ولا ندري السبب لهذه الهجرة سوى ما ذكره هو، وهو قوله: (لفساد أخلاق الوطن). ولم يذكر أن من أسباب ذلك المناقشات الجارية حول التجنيد الإجباري، فبين ١٩٠٨ - ١٩١٢ كان الحديث جاريا حول هذا الموضوع، وبسببه هاجرت عائلات بأكملها إلى المشرق، وهكذا هاجر حمدان الونيسي والإبراهيمي، وعائلات من تلمسان، وأخرى من سطيف وبسكرة، وقد فكر ابن باديس في الهجرة أيضا، وفي سنة ١٩٠٩ هاجر أبناء عم ابن عليوة واستقروا بطرابلس، ولحق هو بهم، ولكنه عندما وصل إلى تونس سمع أن فرنسا قد ألغت رخصة الحج للجميع ومنعت الحج ذلك العام، فلم يرجع ابن عليوة ولكنه واصل السفر إلى طرابلس في باخرة متوجهة إلى جربة ومنها إلى طرابلس، ولم يبق إلا ثلاثة أيام هناك حتى سمع المنادي ينادي على من يرغب في زيارة اسطانبول فتوجه إليها، وقد أعجب بطرابلس ورآها صالحة (للانتقال) إليها لتشابه اللغة والعادات والتقاليد، وهذا يكشف على أن ابن عليوة كان متضايقا من العيش في بلاده تحت الاستعمار، ولم يدر أن طرابلس نفسها ستقع فريسة

стр. 1548

للاستعمار بعد حوالي سنتين. إن حكم ابن عليوة على ما كان يجري في اسطانبول جدير بالملاحظة، فقد جاءت زيارته في وقت كانت الفوضى على أشدها هناك بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد وتولى لجنة الاتحاد والترقي وتغلغل النفوذ الصهيوني عندئذ، ولذلك ضاقت نفسه وحبذ الرجوع إلى بلاده على مشاهدة ما كان يحدث في عاصمة الخلافة التي كان يظن بها خيرا، ورغم أنه لم يتعرف على الجالية الجزائرية (والمغاربية) هناك ولم يدرس الآثار والمجتمع، إما للفوضى التي وجدها وإما لأن نفسه لم تكن نفس باحث فضولي، فإنه قد يكون حقق بعض ما كان يطمح إليه، ولا ندري من مساق السيرة لماذا رجع إلى الجزائر ولم يقم في طرابلس التي أعجبته، مع أبناء عمه، وقد تعرف فيها على أحد الأتراك فعرض عليه الإقامة في إحدى الزوايا وإجراء الأوقاف عليه، وكيف استأنف ابن عليوة حياته في الجزائر بعد أن كان قد باع داره وأثاثه، والذي لا شك فيه الآن هو أن ابن عليوة لم يحج عندئذ ولم يزر بلاد المشرق الأخرى كما أشيع عنه. ومهما كان الأمر فإنه شرع في بناء زاوية في مستغانم، ثم توقف البناء عدة مرات، ثم استكمل حوالي ١٩٢٢، وكان العملة والمهندسون يعملون بالتناوب وفي سبيل الله، ولا يأخذ العمال أجرا وإنما يعملون متطوعين حوالي شهرين لكل واحد، وهم من الجزائر وتونس، ولكنهم كانوا يطعمون الطعام وينامون فقط، ثم يأتي آخرون بدلهم، وهكذا، وعند الانتهاء من البناء أقيم حفل صوفي كبير، وكان الشيخ يمارس مع أصحابه مظاهر الزردة والرقص والإنشاد، في حركات تبدأ بطيئة ثم تتسارع وتعنف مع ذكر اسم (الله) في البداية إلى أن يتحول إلى نفس طويل، ثم يسقطون صرعى، حسب وصف الطبيب (مارسيل كاريه) الذي خبرهم وجالس ابن عليوة طويلا وعالجه. وهناك أضواء على صوفية ابن عليوة نأخذها من مصادر الأوروبيين

стр. 1549

الذين خالطوه عن كثب ودخل بعضهم في طريقته، ومن هذه المصادر كتابات مارسيل كاريه عنه، والفنان الفرنسي عبد الكريم جوسو الذي قيل إنه اعتنق الإسلام، والمستشرق المعروف أوغسطين بيرك (والد جاك بيرك). والخبير الإنكليزي مارتن لانغز الذي سمى نفسه الحاج أبو بكر سراج الدين، ومن هذه المصادر نعرف أن جماعة ابن عليوة كانوا يتفوهون بعبارات قريبة من المسيحية مثل السلام الباطني، وقولهم: من الأعماق ناديتك يا إلهي! وفسر ابن عليوة نطق أحد أتباعه بلفظة (الله) مطولة بأنه كان يفعل ذلك لكي يحقق ذاته في ذات الله، وقيل إن ابن عليوة ناقش الطبيب (كاريه) وقال له إن المسيحية واليهودية ديانتان منزلتان أيضا، ولكن محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء ومكمل الرسالات، وقد وصفوا ابن عليوة بالتسامح، وظهر له أن كاريه كان في نظره (ملحد) عندما ناقشه في العقيدة والدين، وطلب منه ابن عليوة أن يكون واحدا منهم فقبل وقال له: أنت أقرب إلى الله مما تظن. أما بيرك فقد زاره في زاويته عدة مرات بين ١٩٢١ - ١٩٣٤ (تاريخ وفاة الشيخ). ولاحظ عليه أنه كان من عشاق البحث الميتافيزيقي والخوض في الفلسفات، وكان يستشهد كما ذكروا، بقول الرسول ﷺ : (ربي زدني تحيرا فيك). وأنه كان على علم واسع بالكتب المتقدمة مثل التوراة والإنجيل ومأثورات رجال الكنيسة، وبنوع خاص إنجيل يوحنا ورسائل القديس بولص، ويذهب بيرك الذي أعجب بالشيخ غاية الإعجاب، في ظاهر الأمر، إلى أن ابن عليوة استطاع أن (يوفق بين التعدد والوحدانية في مفهوم التثليث للأقانيم الثلاثة في وحدة طبيعية). ولكن هذا الرأي جاء مختلطا عند بيرك، فهو تارة يقول إن الشيخ قد رفض هذا المفهوم وتارة جعله من المتمسكين به، وكذلك قال بيرك إن بعض أعداء ابن عليوة اتهموه بالاعتقاد بالتثليث (١). وكان الشيخ يعتقد أنه مجدد، وأنه من الذين قيل عنهم إنهم يظهرون على رأس كل مائة سنة، ولذلك كان يقول: (أنا الساقي المجدد). وقال في شعره الذي طبع بعد موته:

стр. 1550

صرح يا راوي باسم العلاوي ... بعد الدرقاوي خلق الله والمعروف أن ابن عليوة قد سحب نفسه من الدرقاوية أيضا وأظهر استقلاله، ولا عجب في ذلك إذا عرفنا كيف عمل الفرنسيون على تمزيق الطرق الصوفية وتجريدها من مرجعها الأصلي. ومن رأى بيرك أن ابن عليوة له قدرة عجيبة على تنويم أتباعه بطريق التأثير المغناطيسي، ولكنه نسب ذلك الفعل إلى خصومه، إذ قال بيرك إنه اتهام ليس له أساس، غير أنه اعترف بأن ابن عليوة يسمى طريقة تأثيره في أتباعه (بالخمرة) (خمرته). فهو يعامل المريد معاملة الميت بين يدي غاسله، بحيث يكون المريد سلبيا مستسلما، واعترف بيرك بقوة تأثير الشيخ على الغير، وقال إنه رغم صوفيته كان لا يتخلى عن الأحوال السياسية والشؤون المحلية. ومما يذكر أن ابن عليوة كان يعرف الفرنسية جيدا حتى أنه استغنى عن ابن أخيه الذي كان يترجم عنه مع الطبيب كاريه، وقد دعي ابن عليوة ليؤم الناس في أول صلاة وإلقاء أول خطبة بمسجد باريس سنة ١٩٢٦، وسافر على ظهر باخرة، ولا ندري كيف عومل هناك ولا انطباعه هو عن المسلمين والفرنسيين، وقد وصفه بيرك بأنه كان مهيبا، ويتكلم بصوت منخفض ورقيق، وله نظرة ثابتة بل قاسية تقريبا، وكان يظهر كالنائم، ورأسه يميل أماما تارة والخلف تارة أخرى تبعا لإيقاع الموسيقى والرقص والإنشاد في نفسه، وبالغ بيرك فقال إنه شبيه بسيدنا إبراهيم الخليل، وأن طبيعته هي طبيعة القادة والقديسين، ومن رأي ابن عليوة (أن الموسيقى تنفذ كتيار سيال وتحمل الإنسان إلى الحضرة القدسية) (١). والخلاصة أن الشيخ ابن عليوة كان رجلا صاحب نفوذ على أتباعه وتأثير على زواره ومثارا للجدل لدى خصومه أو الذين لم يفهموا تصرفاته الغريبة أحيانا، وكانت الصحف المحلية تزيد الرماد نفخا فادعت أن أتباعه

стр. 1551

تجاوزوا المائتي ألف، وإنهم كانوا في مختلف أجزاء العالم، وادعت أنه زار عدة بلدان شرقية وأنه تغرب حوالي عشر سنوات، ولكن هذا الادعاء لم يثبت أبدا، لأن الشيخ لم يخرج إلا إلى تونس وطرابلس واسطانبول قبل الحرب العالمية الأولى وفي زيارة خفيفة لكل منها، أما بعد هذه الحرب فقد زار باريس، ثم أدى فريضة الحج سنة ١٩٣٢، وخلالها زار أيضا سورية وفلسطين، وقد أكد عرفاؤه، أمثال الشيخ محمد الهاشمي الدرقاوي (الذي كان بدمشق منذ هجرته إليها سنة ١٩١١). هذه المعلومات عن أسفار ابن عليوة ونفى غيرها تماما (١). ومن المواقف المتناقضة أحيانا مقاومة ابن عليوة للتنصير في الجزائر وغيرها، ولكنه في نفس الوقت كان يدافع عن التنصير ضد الحملات المعادية، ومن رأيه، كما قيل، إنه ليس كل المبشرين بالنصرانية أدوات سياسية للدول التي أرسلتهم، وكان ابن عليوة قد وقف ضد الحركة الإصلاحية التي هاجمت المرابطية ولا سيما الممارسات التي كان يقوم بها أمثاله، فكان رده الشخصي بصفة عامة غير عنيف، ولعله ترك العنف لغيره، والمعروف أنه التقى بابن باديس في حفلة أثناء إحدى جولاته (ابن باديس) ناحية مستغانم، ١٩٣١، ولكن ابن عليوة صرح بأن الخطر على الإسلام يأتيه من بعض المسلمين، ولاشك أنه يقصد بذلك جمعية العلماء ورجال الإصلاح، مستشهدا بالآية ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا: إنما نحن مصلحون﴾، وبناء على وصف المعاصرين فقد كان الشيخ محافظا: فهو ضد الحركات المعادية للأديان كالشيوعية، وضد التفرنج والتزي بالزي الغربي وتقليد العادات الأوروبية، ووقف كذلك ضد التجنس بالجنسية الفرنسية للمسلمين، وهو مطلب كان يطلبه أنصار الاندماج، وقد

стр. 1552

عرفنا أنه دافع عن اللغة العربية. ومهما كان الأمر فإن ابن عليوة قد أصيب بنوبة قلبية سنة ١٩٣٢، وعالجه الطبيب كاريه، واسترجع صحته بعدها، فقد كان نحيف الجسم، ضعيف النبض، فكان طيلة عامين يكبو وينهض إلى أن توقف قلبه سنة ١٩٣٤ (١). ومن هذا العرض نتبين أن تطور الشاذلية/ الدرقاوية قد مر بمراحل، وخضع لظروف عديدة، فبعض الفروع اتبعت الحياد في المسائل السياسية والثورات، وسلكت طريق التصوف والعبادات، وبعضها سلك طريق الثورة والجهاد على أعداء الإسلام والمسلمين حيث ثقفوهم، في الجزائر أو في غيرها، مخالفين في اجتهادهم نصائح شيوخهم وكبارهم، وبعضهم أصبح غطاء ليد الإدارة الفرنسية تضرب به الثورات أو الحركة الوطنية في مختلف مظاهرها، بل كانت أداة للتسرب إلى عمق الإسلام وضرب وحدته وعقيدته، كما تفعل اليوم بعض الدول، ولكن هذه الظاهرة ليست خاصة بالشاذلية/ الدرقاوية، بل موجودة في مختلف الطرق الصوفية، وها نحن نعود إلى هذه الطرق في أشكالها العامة، ونبدأ بالرحمانية. الطريقة الرحمانية تحدثنا في الجزء الأول من التاريخ الثقافي عن حياة مؤسس هذه الطريقة، محمد بن عبد الرحمن الأزهري الجرجري، وعن خليفته علي بن عيسى المغربي، كما تحدثنا في الجزء الأول من الحركة الوطنية عن النشاط السياسي والعسكري للطريقة الرحمانية في عهد الأمير عبد القادر وفي العهد الذي يمتد إلى سنة ١٨٥٧، عام استيلاء الفرنسيين على زواوة وتخريب

стр. 1553

زواوة وتخريب الزاوية الأم بآيت إسماعيل على يد الجيش الفرنسي وأسر السيدة فاطمة وهجرة الحاج عمر بعد ذلك، ولا نريد الرجوع إلى هذه الأحداث، خصوصا السياسية والعسكرية هنا، وعلينا الآن أن ندرس كيف تفرعت الزاوية الرحمانية وكيف تصرف مقدموها خلال العهد الفرنسي. أما حياة الشيخ محمد بن عبد الرحمن فلا نعود إلى تناولها إلا من بعض النقاط التي كنا أهملناها فيما مضى، وهي: رجوعه من السودان مع زوجه وخادمه، وتحبيذه نشر العلم والتربية الدينية والصوفية على طريقة علماء السلف، وخلافا لبعض شيوخ التصوف الآخرين الذين أهملوا التعليم في زواياهم واهتموا بالممارسات الصوفية المبتدعة، وخوف سلطة الجزائر السياسية من نشاطه واتهامه بالزندقة من بعض الفقهاء، وانعقاد مجلس علمي لمناظرته، وإبطال التهمة ضده، وكان المجلس برئاسة مفتي المالكية في الوقت، علي بن عبد القادر بن الأمين، الذي تولى الفتوى مرات عديدة، ودرس أيضا في الأزهر، مثل الشيخ ابن عبد الرحمن نفسه، وهناك نقطة أخرى وهي خلافته سنة ١٧٩٣ (١٢٠٨). فقد أوصى ابن عبد الرحمن بها للشيخ علي بن عيسى المغربي، وقد طال عهد ابن عيسى وانتشرت تعاليم الزاوية في عهده، وكانت موحدة، فقد بقي حوالي ٤٣ سنة على رأس الزاوية، وعاصر الاحتلال الفرنسي، إذ توفي سنة ١٨٣٦، ولكن منطقة الزاوية الأم لم تحتل إلا سنة ١٨٥٧، غير أن الرحمانيين كانوا منتشرين في وسط وشرق البلاد، وكان الشيخ ابن عيسى متزوجا، حسب بعض المصادر، من السيدة خديجة التي اشتهرت بالناحية شهرة كبيرة، وهي التي تذهب الأخبار إلى أنها أم للسيدة فاطمة، وأنها تولت شؤون الزاوية بعد وفاة زوجها بعض الوقت، كما سميت عليها قمة جبال جرجرة، وهذه الأمور كلها في حاجة إلى تحقيق وتدقيق، ولكننا نذكرها لأن بعض المصادر الفرنسية تذهب إلى ذلك، ومنها ما يذهب أيضا إلى أن السيدة فاطمة كانت زوجة للحاج عمر، رغم أن قصة زواج هذه السيدة معروفة، وهي أنها كانت في عصمة شخص آخر لم يرض بحل عقدتها لتتزوج غيره، ولكن كل هذه الاخبار تدل على أن

стр. 1554

شخصيات الطريقة الرحمانية كانت متقاربة وعائلية في منطقة جرجرة بالذات، وقد عين الشيخ ابن عبد الرحمن مقدمين آخرين أثناء حياته، ومنهم محمد بن عبد الرحمن باش تارزي في قسنطينة الذي أصبح نائبا عنه في منطقة الشرق والجنوب وحتى في تونس، وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب أن الشيخ قد أعطى الإجازة لعدد آخر من المقدمين، ومنهم بلقاسم بن محمد المعاتقي، والعابد بن الأعلى الشرشالي، وقبل أن نذكر الفروع التي تولدت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر عن انتشار الرحمانية نذكر علاقة هذه الطريقة بالقادرية. تحالفت الطريقتان على الجهاد ضد الاحتلال منذ ١٨٣٠، ورغم أننا قلنا إن الأمير عبد القادر كان يعتبر رجل دولة وليس شيخ طريقة، ورمزا وطنيا وليس درويشا صوفيا، فإن ظروف الخريطة الدينية للجزائر عندئذ جعلت المعاصرين ينظرون إلى زعامته على أنها زعامة للطريقة التي كان والده شيخا لها، وكان الأمير قد قدم رجال الدين في الوظائف الإدارية والحربية على رجال المخزن، وهكذا لجأ إلى تجنيد رجال العلم الذين كان كثير منهم قد تخرجوا من الزوايا مثله، وقد رأينا أنه عين أيضا من الطريقة الدرقاوية، وها نحن نجده يعين أشخاصا من الرحمانية، ومن أبرز رجالها الذين خدموا دولته بإخلاص أحمد الطيب بن سالم، ولا ندري الآن ما إذا كان أحمد الطيب من مقدمي الرحمانية أو كان فقط من أخوانها، كما لا ندري صلة الحاج سيدي السعدي بالطريقة الرحمانية، ولكن عددا من المؤشرات تشير إلى أنه كان منها أيضا، وقد حارب في متيجة إلى جانب ابن زعموم إلى حوالي ١٨٣٧ (١). إلى جانب هؤلاء نجد الحاج سيدي السعدي، وقد حدثنا عنه أدريان بيربروجر حين رآه في يناير ١٨٣٨، وكان ذلك أثناء الصلح بين الطرفين، ووصف بيربروجر الحاج السعدي بأنه المرابط الشهير لمنطقة سباو، ونحن

стр. 1555

نعلم أنه كان هو الخليفة هناك قبل تولية أحمد الطيب بن سالم، ويفهم من كلام بيربروجر أن الأمير عبد القادر قد عين الحاج السعدي على منطقة تقع شرقي الجزائر مما يجعله على قدم المساواة مع البايات، وكان الحاج السعدي مجروحا في ركبته فتقدم من الطبيب بوديشون، عضو الوفد، لعلاجه فوضع له ضمادة، وقد حدثهم على مشروعه من أجل السلم بين العرب والفرنسيين، ويتلخص في أن يتخلى الفرنسيون عن القصبة وأن يرفع هو العلم الأحمر عليها (العلم العثماني؟). وحكم بيربروجر على مشروع الحاج السعدي بانه يثير السخرية، وأخبرنا أن قبة جد الحاج السعدي كانت ما تزال قائمة قرب ضريح الشيخ الثعالبي وهي ترى من بعيد، حسب قوله (١). ورغم أن بيربروجر لا تهمه الطريقة التي كان عليها الشيخ السعدي، فإننا نرجح أنه كان رحمانيا. وبين الخليفة علي بن عيسى والشيخ محمد أمزيان الحداد، زعيم ثورة ١٨٧١ عدد من الشيوخ نذكرهم باختصار هنا لنعرف كيف تطورت الطريقة الرحمانية، ونسارع إلى القول بانه رغم الضعف الذي أصابها أحيانا، فإن الطريقة انتشرت بسرعة، وهو ما اعتبره (رين) أمرا عجيبا (٢). تولى بلقاسم بن الحافظ وهو من شيوخ المعاتقة (٣). بعد علي بن عيسى، ولكن الزاوية افتقرت خلال فترة إلى قيادة حكيمة وقادرة نظرا لتطور الأحداث بالبلاد ولكثرة الأتباع، ولعل ذلك قد ساعد على استقلال الفروع التي سنذكرها، إذ

стр. 1556

أن الزاوية الأم لم تعد قادرة على المحافظة على تماسك أجزائها، ثم تولى مغربي آخر يدعى الحاج البشير، شؤون الزاوية، وأصبح وارثا لبركة الشيخ، ولا ندري من قدمه لهذه الوظيفة الكبيرة، غير أن العادة جرت أن يجتمع المقدمون وينتخبون واحدا من بينهم، وتذكر المصادر الفرنسية أن انتخاب الحاج البشير لم يكن محل إجماع مما أدى إلى تدخل الأمير عبد القادر لتقريب وجهات النظر وتغليب كفة الحاج البشير بطلب من السيدة خديجة أرملة علي بن عيسى، وفي إحدى المرات اضطر الحاج البشير إلى مغادرة الزاوية والتوجه إلى الأمير، فتولت السيدة خديجة مكانه نيابة عنه، مع بناتها، وعاد الأمير إلى التدخل فرجع الحاج البشير إلى الزاوية بعد الاتفاق على مشيخته، واستمر في مهمته إلى وفاته سنة ١٢٥٧ (١٨٤١). وقد دفن بجامع تالة أو غانمي بالشرفة، وإلى هذا التاريخ كانت زواوة ما تزال محررة من السيطرة الفرنسية، ولكن التنافس السياسي للقادة الزمنيين والمصالح الاقتصادية المرتبطة بأسواق المدن الواقعة في قبضة الإدارة الاستعمارية، أثرا على استقرار ونشاط الزاوية الرحمانية. بعد الحاج البشير تولى شؤون الزاوية الشيخ محمد بن بلقاسم نايت عنان مدة سنة واحدة، ولم يكن هذا الشيخ يتمتع بسمعة ولا قدرة على القيادة، ففقد الصلة بزوايا الجنوب الرحمانية، ولذلك لم يطل عهده، وتولى بعده الحاج عمر حوالي سنة ١٢٥٩ (١٨٤٤). وتدعي بعض المصادر الفرنسية أنه كان زوجا للسيدة فاطمة (١). ومهما كان الأمر، فإنه لعب دورا في مقاومة زواوة سنة ١٨٥٧، وقد هدمت الزاوية في عهده على يد الجنرال (ديفو). واضطر الحاج عمر إلى الهجرة إلى تونس ثم إلى الحجاز

стр. 1557

بأهله ومعه ولد الشريف بوبغلة. وعلى أثر احتلال زواوة سنة ١٨٥٧ ونفي الحاج عمر وقعت خيبة أمل في المرابطين المقاومين وتحول الناس إلى الطرق الصوفية، وكانت الرحمانية هي زعيمة الطرق في زواوة، وكانت قبل ذلك التاريخ منحصرة في القشطولة وما جاورها، ولكن التضييق من جانب الفرنسيين ثم الاحتلال وهدم الزاوية الأم، أدت إلى انتشار سريع للرحمانية عكس ما كان يتوقع الفرنسيون، وقد ظهر الأدب الشعبي الذي يعبر عن خيبة الأمل في المرابطين، فقد خاطب الشاعر الشعبي، المرابط ابن أعراب الذي كان يعتقد أنه سيقوده إلى النصر قائلا: (لماذا اختفيت أيها المرابط، يا ابن أعراب البائس؟ لماذا قلت لنا إن النصارى لن يصعدوا إلى الجبال؟ ألم يصلوا إلى بني يني؟) إن الطرق الصوفية إذن هي التي جعلت المناضلين يختفون عن أنظار الفرنسيين، ويدخلون في حركة سرية، ورأى الفرنسيون أن هذه الطرق تشكل خطرا داهما عليهم، وهم يعنون الرحمانية هنا، ورأى المرابطون أنهم لا يستطيعون وقفها فدخلوا فيها أيضا حتى لا يظهرون بمظهر المتخلين عن الدين، ومن ثمة يضمنون الإبقاء على نفوذهم، وكانت الطريقة تتميز بطابع المساواة بين الجميع، ومن ثمة كانت تتلاءم مع طبيعة الناس أيضا، فجميع الطبقات، بما فيها النساء تجد نفسها في الطريقة، وهم يتواصون بالعزلة عن الناس وبالسهر والخلوة والصيام والذكر والاجتماع للصلاة على النبي ﷺ وإقامة الحضرة (١). إن نفي الحاج عمر قد أدى إلى إنشاء فرع في الكاف (تونس) للرحمانية، ومن هناك اتسع نفوذها أيضا في سوق أهراس ونواحيه، كان الحاج عمر متزوجا من حفيدة علي بن عيسى المغربي، خليفة محمد بن عبد الرحمن، وقد أسس علي بن عيسى (الحفيد؟) زاوية الكاف الرحمانية التي يشير (كور) إلى أنها لم تكن بعيدة عن ثورة ١٨٧١ أيضا، وكان علي بن

стр. 1558

عيسى هذا يتمتع بسمعة في الورع والتقوى، فازدهرت الزاوية وبسطت نفوذها، ولكن ابنه، صالح بن علي، لم يسر، حسب كور، على خطى والده، فقد أكثر من جمع المال، ويبدو أن المصالح الفرنسية كانت تتبع سيرته سنة ١٩٠٩، وتبين لها أنه لا يمكن أن يكون شيخا ناجحا، ومع ذلك انتشرت الزوايا الرحمانية في الجهات القريبة (١). وتذهب المصادر إلى أن الحاج عمر بقي وهو في المهجر، الشيخ الأكبر للطريقة، ولكن الإخوان اختاروا بعده شيخا آخر يدبر أمرهم، فكان هو الشيخ محمد الجعدي، وهو من بني جعد نواحي سور الغزلان، ويبدو أن الشيخ الجعدي قد جاء في وقت صعب للغاية، أي بعد احتلال المنطقة من قبل الفرنسيين ومحاصرة الرحمانيين في كل مكان هناك وتشريد السكان وحرق المداشر، وهي المعارك والحرائق التي أشرف عليها الحاكم العام راندون وثلاثة جيوش أخرى، وانتهت بمعركة إيشريضن التي لا تنسى حتى لدى الفرنسيين، إذ أقام لها جول كامبون سنة ١٨٩٦ نصبا تذكاريا تخليدا لذكرى قتلى الفرنسيين فيها، كما جاء الشيخ الجعدي في وقت شعر فيه مقدمو النواحي الأخرى بارتخاء قبضة الزاوية عنهم، وأمام ذلك انتخب الشيخ محمد أمزيان الحداد شيخا للطريقة مع الاستقرار في صدوق، وقد استمر في إدارة شؤون الزاوية إلى ثورة ١٨٧١، وفي عهده اشتهرت الزاوية الأم (صدوق) بالعلم والحيوية، وعادت لها حركتها السالفة، رغم محاولات الإدارة، الاستعمارية السيطرة على الزوايا عموما ومراقبتها، والمعروف أن الشيخ الحداد كان مثل الشيخ محمد بن عبد الرحمن، يجمع العلم إلى التصوف (٢). ورغم مكانة الشيخ الحداد، فإنه لم يستطع أن يوحد كل الفروع حتى في زواوة نفسها، فإذا كانت فروع قسنطينة والخنقة وبوسعادة (الهامل)

стр. 1559

وطولقة وسوف ونفطة تشعر بالاستقلال لبعدها عن المركز، فإن أتباع الشيخ الجعدي ظلوا على ولائهم له في المعاتقة ونواحيها، وكانت لهذا الفرع حضرة سنوية في جامع سيدي نعمان، وقد انضم إلى هذا الفرع أبناء الحاج البشير، الخليفة السابق، وهما محمد الصالح ومحمد البشير، وكان هذان الأخوان يقيمان الحضرة في جامع (عزوم النبي) بين قرية ايغندوسن وقرية إحدادن (١). ولكن هذا التفرع لم يمنع من انضمام الرحمانية في المعاتقة إلى إخوان الشيخ الحداد بعد إعلان الجهاد سنة ١٨٧١، وكان الرحمانيون في المعاتقة ممن تحمسوا للجهاد والعداء للفرنسيين، وقد حكم هؤلاء بالنفي على الشيخ محمد الجعدي. هذا عن فروع الرحمانية في زواوة إلى ١٨٧١، فماذا عن فروعها الأخرى في الجنوب والشرق؟ ذكرنا أن الشيخ الأزهري قد قدم عنه محمد بن عبد الرحمن باش تارزي في قسنطينة، وهو شيخ جمع أيضا بين العلم والتصوف، وقد ورث الشيخ باش تارزي بركة الطريقة لابنه مصطفى الذي ورثها أيضا لأبناء عائلته (باش تارزي) فترة طويلة، ولكنه ورثها أيضا لشخصية أخرى خارج قسنطينة، وهو محمد بن عزوز البرجي (برج طولقة). ويعتبر محمد بن عزوز هذا ليس مقدما للرحمانية في الجنوب فقط ولكن في جريد تونس أيضا، كما أنه لشهرته وكثرة فروع أتباعه، أصبح كأنه مؤسس لطريقة جديدة، تسمى العزوزية - الرحمانية، وكان احتلال بسكرة من قبل الفرنسيين وتطور أحداث الجزائر وتونس سببا آخر في تفريعات هذه الطريقة، فعند احتلال بسكرة (١٨٤٣ - ١٨٤٤) هاجر مصطفى بن عزوز (بن محمد) إلى نفطة بتونس وأسس، بها زاوية رحمانية أصبحت ذات شهرة واسعة في العلم والتصوف وملجأ للهاربين من ظلم الاستمعمار الفرنسي، سيما قبل احتلال تونس سنة ١٨٨١، وتجدر الإشارة إلى أن الحسين بن عزوز (وهو ابن محمد أيضا) كان قد تولى للأمير عبد القادر الخلافة على الزيبان قبل اعتقاله ونفيه إلى أحد المنافي الفرنسية، فالعلاقة بين الدين والتصوف والثورة

стр. 1560

والجهاد واضحة في عائلة ابن عزوز عندئذ. وقبل وفاته عين الشيخ محمد بن عزوز (١) مقدمين من تلاميذه، وهم: علي بن عمر (طولقة) والمختار بن خليفة (أولاد جلال). ومبارك بن خويدم والصادق بن الحاج (الأوراس). وعبد الحفيظ (خنقة سيدي ناجي). وعند وفاة الشيخ محمد بن عزوز أوصى بخلافته لابنه (مصطفى بن عزوز). وبعد حين أضيف فرعان آخران، فرع الهامل في بوسعادة، وفرع وادي سوف، وقد تولى الفرع الأول الشيخ محمد بن بلقاسم، وتولى الفرع الثاني الشيخ سالم بن محمد الأعرج (٢). وأخذ محمد بن بلقاسم عن الشيخ المختار بن خليفة، كما أخذ الشيخ سالم بن محمد الأعرج عن علي بن عمر، ولنقل كلمة عن كل فرع، ونبدأ بفرع طولقة. قلنا إن الشيخ علي بن عمر قد أخذ الطريقة الرحمانية عن الشيخ محمد بن عزوز عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن باش تارزي عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، إلى آخر السلسلة التي سنذكرها، وتذهب بعض المصادر إلى أن علي بن عمر قد أخذ مباشرة عن الأزهري أثناء رجوعه من الحج سنة ١٧٩٤ حين زاره الأزهري سنة وفاته، بجرجرة، ولذلك أخذ علي بن عمر أيضا لقب القطب وشيخ الشيوخ، وعلي بن عمر قيل إن أصله من أشراف الساقية الحمراء، هاجر أجداده في القرن الخامس عشر الميلادي، ولم يكن ينتمي إلى أية طريقة صوفية أخرى قبل أخذ الرحمانية، وقد حج مرة أخرى مع شيخه محمد بن عزوز.

стр. 1561

كانت طولقة في أول القرن التاسمع عشر على صفين: صف أولاد زيان وهم من الأعيان، وكانوا أيضا مهاجرين من فاس، أي من رجال الدين، ولكنهم تحولوا إلى مخزنية وتولوا الإدارة العثمانية، وهم منتشرون في فوغالة والعمري والزعاطشة، وبتلك الصفة (المخزنية) كانوا مجفيين من الضرائب، أما الصف الثاني فهم أهل طولقة، وهم خليط من السكان، وبينما كان أولاد ابن عزوز يميلون إلى أولاد بوعكاز الذواودة كانت زاوية طولقة تميل إلى أولاد ابن قانة، وهكذا تداخلت الزاوية، رغم ادعائها الحياد، في شؤون الصفوف والحكم. حين وفاة محمد بن عزوز عين ابنه مصطفى لخلافته، وفي نفس الوقت عهد به إلى الشيخ علي بن عمر لتعليمه، وتزوج علي بن عمر ابنة تلميذه مصطفى (١). وأثناء الصلح بين المتحاربين ضربته رصاصة طائشة توفي على أثرها (سنة ١٨٤٢). وبقي مصطفى بن عزوز هو الخليفة على الزاوية إلى أن قرر الهجرة إلى نفطة كما ذكرنا، نتيجة احتلال بسكرة، فتولى شؤون الزاوية بعده علي بن عثمان، وحاولت زاوية طولقة البقاء على الحياد أثناء ثورة الزعاطشة حين عرض شيخها وساطته على بوزيان والفرنسيين، ولكن أهل طولقة انضموا للثورة وهاجموا مقر شيخ العرب ابن قانة، الذي تحالف مع الفرنسيين، ومن الملاحظ أن زعماء الرحمانية في الناحية لم يكونوا متحدين، فالشيخ عبد الحفيظ الخنقي وعلي بن عثمان لم يكونا على وفاق، وكان ولاء الشيخ عبد الحفيظ لمصطفى بن عزوز في نفطة، حتى قيل إنه هاجر إليها على اثر ثورة الزعاطشة ومات هناك بعد سنة واحدة (١٨٥١). وهو قول في أغلب الظن غير صحيح.

стр. 1562

وقد عاصر الشيخ علي بن عمر أحداث بسكرة وتغيير الأيدي عليها أثناء فترة حرجة (النزاع بين عائلة بوعكاز وعائلة ابن قانة على مشيخة العرب، ونفوذ الحاج أحمد، باي قسنطينة، ونفوذ الأمير عبد القادر الذي امتد لعائلة ابن عزوز، كما ذكرنا، ومحمد بن الحاج أحد أشراف سيدي عقبة). ويظهر أن الشيخ علي بن عمر لم يتدخل مباشرة في السياسية ولا في هذا الصراع على الأمور الزمنية، فكان قد فتح الزاوية للجميع يعلم ويت عبد وينشئ مكتبة ويطعم الفقراء، ويصلح بين الناس، وقد اتبع خلفاؤه سيرته أيضا فلم نجدهم يتدخلون في الأحداث السياسية التي عرفتها المنطقة بعد ذلك أو البعيدة عنه مثل ثورة ١٨٧١، وقد أورث بركته لابن أخيه علي بن عثمان، ويعتبر هذا الفرع كأنه الفرع الأم للزوايا الرحمانية الصحراوية فترة طويلة، وأذكار زاوية طولقة متطابقة مع أذكار زاوية نفطة. وللشيخ علي بن عثمان إجازة نموذجية تتضمن طريقة إدخال الإخوان في الرحمانية والأذكار، كما أنها من الناحية اللغوية تعتبر قطعة مقبولة نظرا لضعف تحرير الإجازات وضعف ثقافة المقدمين عموما، وهذه الإجازة عامة وغير موجهة لشخص إذ أن اسم المجاز محذوف فيها، وقد ذكر فيها كيفية تلقين الذكر للأخ (المريد). والأذكار التي عليه أن يرددها والأوقات المخصصة لذلك، كما تضمنت الإجازة وصية الشيخ للإخوان بالمؤاخاة والحضرة والطاعة والصبر والتسليم لخلق الله والتعاون ... (١) وجدير بالملاحظة أن الإجازة تشير إلى الصلاة الشاذلية، كما تشير إلى التسليم لخلق الله، وهي عبارة هامة في النص دينيا وسياسيا، وعبارة أن الطريقة الرحمانية كسفينة نوح وكمقام إبراهيم، من دخلهما كان آمنا وناجيا، موجودة أيضا في إجازات الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري. وقد أنشأ الشيخ المختار بن خليفة الجلالي أيضا فرعا للرحمانية أو زاوية في أولاد جلال، خدم بها المنطقة وكذلك نواحي أولاد نائل، واشتهر

стр. 1563

الشيخ الجلالي أيضا بالورع ونشر العلم، وكان طويل القامة، قليل شعر اللحية، نظيف البشرة، وله إنشاد في مدح شيوخه، وهو واعظ ماهر ومؤثر، ويروى عنه أنه اشتاق إلى الأكل، فعاقب نفسه بالصيام ثلاث عشرة سنة، وقد خلف أولادا صغارا عند وفاته سنة ١٢٧٦ (١٨٦٢). فأوصى عليهم وعلى الزاوية تلميذه محمد بن بلقاسم الذي سيرد ذكره، وبعد أن رتب هذا أمور زاوية أولاد جلال تبعا للوصية، تركها، وتولاها بعده أحد أبناء الشيخ المختار، وهو محمد الصغير الذي طال عهده حتى أنه كان ما يزال على قيد الحياة سنة ١٩٠٦، وقد قلنا إن الشيخ المختار قد أخذ الطريقة على شيخه محمد بن عزوز عن محمد بن عبد الرحمن باش تارزي عن محمد بن عبد الرحمن الأزهري إلى آخر السلسلة الصوفية، وقد رثاه الشيخ المكي بن عزوز في إحدى قصائده معتبرا فقده كالليل الدامس (١). وخلافا لبعض فروع المنطقة فإن الشيخ المختار قد ساند ثورة الزعاطشة (١٨٤٩). وأرسل النجدة إلى الشيخ بوزيان هناك، واستجابت الرحمانية على يده لداعي الجهاد بقطع النظر عن طريقة المجاهد، وقد عرفنا أن من قادة الزعاطشة موسى الدرقاوي، وهكذا يكون الشيخ الجلالي من الذين جمعوا بين التعليم والجهاد والتصوف، وقد وصفه أحد الفرنسيين قائلا إن نفوذه قد عم أولاد نائل وأولاد علاف والسحارى الذين كانوا يزورون زاويته بأعداد كبيرة، وقد شارك إخوانه بالإضافة إلى الزعاطشة، في انتفاضة سنة ١٨٦١ في الجلفة المعروفة (بقضية بوشندوقة). وكان باشاغا الجلفة الشريف بن الأحرش، متزوجا من إحدى بنات الشيخ المختار، وقد مات ابن الأحرش قتيلا سنة ١٨٦٤ (٢). ويشبهه في ذلك زميله عبد الحفيظ المعروف بالخنقي نسبة إلى خنقة سيدي ناجي، فهو أيضا من تلاميذ الشيخ محمد بن عزوز في التصوف ومن معاصري الشيخ المختار الجلالي والشيخ علي بن عمر الطولقي، أصبح الخنقي هو مقدم الرحمانية في الخنقة ونواحيها، وعمل على نشر التعليم

стр. 1564

والأذكار الصوفية، وبقي على ولائه لفرع الرحمانية بنفطة (العزوزية). وتذكر المصادر الفرنسية أنه كان في منافسة مع شيخ زاوية طولقة، ولذلك لم يعترف بمشيخته، كما أن أولاده ظلوا محافظين على هذا التنافس، ربما بتدخل من السلطات الفرنسية، وكان الشيخ عبد الحفيظ من الذين شاركوا رغم تقدم السن به وتفرغه للعلم، في ثورة الزعاطشة أيضا، ودعا إخوانه للجهاد فلبوا، وقد دخل المعركة شخصيا، وله دور في أحداث بسكرة على العموم (١). ترك الشيخ عبد الحفيظ أولادا، منهم محمد الأزهاري والحفناوي، وقد أنشأ الأول زاوية في خيران في جبل ششار (قرب خنشلة). ويقول عنه (رين) سنة ١٨٨٤ إنه كأبيه يعيش في عزلة وخلوة وسط إخوانه الذين لا يتحدث عنهم (٢). ويبدو أن الأزهاري قد عاش بعيدأ عن الأنظار، وتوفي سنة ١٨٩٦، والغريب أن جريدة (المبشر) الرسمية نشرت بمناسبة وفاة الشيخ محمد الأزهاري، خبرا ونعيا تقول فيه إنه مات عن ٥٩ سنة في خيران، وأن والده عبد الحفيط كان ميالا إلى فرنسا (؟). وأن ابنه قلده في البر والإحسان والحكمة والنصيحة والأخلاق، وأنه نشر نفوذ والده وسمعته من هناك إلى الحدود التونسية، وكانت له مراسلات مع أخويه في تونس وتمغزة وكلاهما يكن له الاحترام، واسم هذا الوريث ليس محمد العربي بل عبد الحفيظ، وعمره ٢٦ سنة، وقالت لعله يكون كأبيه، إذ هو يرغب في تعلم اللغة الفرنسية ومعجب بتمدن فرنسا وعوائدها (٣). ويبدو هذا الكلام من (المبشر) فيه خلط بهدف خدمة المستقبل ونسيان الماضي، ومهما كان الأمر فإن أحد أبنائه، وهو محمد العربي هو الذي كان على رأس الزاوية سنة ١٩٥١، فقد وجدنا تقريرا كتبه قايد جبل ششار إلى

стр. 1565

الحاكم الفرنسي عن نشاط الزاوية بمناسبة زفاف الشيخ محمد العربي وتزويج أخيه سعد السعود، والزيارات التي وردت عليه من أعيان وأخوان الناحية مما يدل على ازدهار الزاوية وعقائد الناس فيها عندئذ، وأنها لم تعد صغيرة ومعزولة كما كانت سنة ١٨٨٤، ويتحدث التقرير عما حمله أهل الناحية رجالا ونساء (وكبار الأعراش) من ماشية وتمر وسكر وقهوة وشمع، وسمن وقمح وحطب وعسل وجوز ودقيق، إلى جانب الدراهم، وقد أحصينا الأعراش الممثلة في الزيارات فكانت عشرة، فمن الأقارب أولاد تفورع، وأولاد ثابت، والبراجة وأولاد نصر، ومن الأباعد (كما يقول التقرير) البعادشية، والعمامرة والمحاشة، وأولاد رشاش، وأولاد بوعريف، وأولاد عبد ي، وتدل القائمة على أن الزاوية تأخذ فعلا شيئا كثيرا من أهل الناحية، وقد طلب الحاكم الفرنسي لدائرة خنشلة أن يخبره القايد عما يقوله الشيخ محمد العربي لزائريه فأجابه القايد بأنه يحثهم على خدمة الزاوية وعائلته، وكان الناس يطلبون منه الدعاء ثم ينصرفون (١). ويظهر من العرض السابق أن الشيخ عبد الحفيظ قد ترك عدة أبناء، منهم من بقي بالجزائر ومنهم من انتقل إلى تونس وأنشأ بها زوايا أيضا، ونحن نعلم أن ابنه محمود قد أنشأ واحدة في تمغزة بالجنوب الغربي لتونس، وأن الحفناوي قد أنشأ أخرى بتونس العاصمة، وكان أبناء الشيخ عبد الحفيظ على محلة بزاوية نفطة الرحمانية - العزوزية، حتى أن الأذكار هنا وهناك واحدة، وكانت فرنسا تشجع على هذا التفرق في الزوايا والشيوخ كما ذكرنا لأسباب تتعلق بتسهيل التحكم فيها، سواء في الجزائر أو تونس، ولكن الإخوان لم يكونوا في غالب الأمر واعين لهذه الخطة، ولاحظ الباحثون الفرنسيون أن هناك فروعا للفروع أيضا، فزاوية نفطة والخنقة لهما فروع في الكاف وتوزر والقيروان، وأتباع في بنغازي وغدامس وجنوب طرابلس

стр. 1566

والمدينة المنورة، وجملة الإخوان لهاتين الزاويتين (نفطة والخنقة) تقرب من أربعة عشر ألف شخص، وهو رقم قد يكون مبالغا فيه جدا، وإليك البيان حسب إحصاء سنة ١٨٩٧: الزوايا ١٥، والإخوان ١٣، ٩٤٠ منهم ١، ٢٠٦ امرأة، ولكن لهم شيخ واحد (ابن عزوز). والمقدمون ٧٦، والطلبة ٦٦، والشواش ٨٠ (١). وزاوية نفطة لا تهمنا من حيث الجغرفية ولكن تهمنا من حيث الطريقة، فقد عرفنا أنها تأسست لأسباب سياسية بعد احتلال بسكرة، وأن مؤسسها هو مصطفى بن عزوز، وترجع شهرة زاوية نفطة إلى كونها أصبحت مدرسة للتعليم، بالإضافة إلى الدور الديني والاجتماعي، وكان رجالها يكملون تعليمهم بجامع الزيتونة، ويتولون الوظائف الدينية كالقضاء والتعليم، ومنهم المكي بن عزوز والخضر بن الحسين، وذهب إلى هذه الزاوية عدد من طلبة الجزائر للدراسة أيضا، مثل عاشور الخنقي، كما هرب إليها بعض الثوار أمثال ناصر بن شهرة وشريف ورقلة، ونزل فيها محي الدين بن الأمير عبد القادر سنة ١٨٧٠ - ١٨٧١ حين دعا إلى الجهاد، فأهل بسكرة وتبسة والوادي وتقرت كانوا يقصدون زاوية نفطة للتعلم والسلوك معا. أما فرع الوادي فقد كان تابعا لزاوية علي بن عمر الطولقي، ولكن شيخه سالم بن محمد الأعرج، كان على صلة أيضا بزاوية ابن عزوز بنفطة، أخذ الشيخ سالم الطريقة الرحمانية عن علي بن عمر، عن طريق محمد بن عزوز البرجي، عن طريق محمد بن عبد الرحمن باش تارزي عن طريق محمد بن عبد الرحمن الأزهري، إلى آخر السلسلة الرحمانية، والشيخ سالم هو ابن محمد بن محمد .. بن المحبوب، دفين القيروان، وبعد وفاة الشيخ سالم تولى ابنه محمد الصالح شؤون الزاوية بالوادي، واشتهر أمره بالصلاح، وقد ألف الشيخ إبراهيم العوامر رسالة في الشيخ محمد الصالح، وأسند له

стр. 1567

كرامات وخدم زاويته (١). وفي سنة ١٨٦٠ وصف هنري دوفيرييه زاوية سيدي سالم بأنها ذات منارة طويلة تشرف على سوف كلها وأنها تقع قرب ساحة السوق، وأنها تتبع زاوية طولقة، أما الضابط كوفيه COUVET (المكتب العربي بالوادي) فقد كتب حوالي ١٩٠٧ بأن زاوية سيدي سالم لم تتدخل في سياسة فرنسا الصحراوية، هذا في ظاهر الأمر (٢). ومن مقدمي الرحمانية في قمار الشيخ سعيد (المعروف سي سعيد). وقد أطلق اسمه على مسجد بها ما يزال قائما، وهو أحد أقاربنا من جهة الأم. وظهر في الأوراس فرعان للرحمانية، هما فرع واحة المصمودي بقيادة الصادق بن الحاج وفرع الدردورية بقيادة الهاشمي دردور، ونلاحظ أن للرجلين علاقة بأحداث الجزائر وأنهما تعرضا إلى السجن والنفي معا، بسبب جلادهما ضد الاحتلال، فهما إذن من الفروع الرحمانية المناضلة، أما الشيخ الصادق بن الحاج فقد كان عمره ٦٩ سنة ١٨٥٩ وبذلك يكون من مواليد ١٧٩٠، وقد أخذ الطريقة الرحص نية على شيخه محمد بن عزوز، ولعله قد حج معه سنة ١٢٣٢ هـ، وكان الصادق بن الحاج كثير الحماس للطريقة

стр. 1568

مخلصا لها، مواظبا على أذكارها، ولكنه في نفس الوقت لم يتخل عن مبدأين هامين هما: التعليم والجهاد، فقد أنشأ زاوية في واحة سيدي المصمودي عند جبل أحمر خدو، فأصبحت مركزا عاما للتعليم الديني والسياسي، ونحن نجد الصادق بن الحاج من المساندين الرئيسيين لثورة الزعاطشة سنة ١٨٤٩، وقدم المساعدات للشيخ أبي زيان هناك، وأثار الأعرلش في جبل أحمر خدو، وبني بوسليمان. وبعد عشر سنوات، قام بثورة خاصة به، ١٨٥٨ - ١٨٥٩ في الأوراس، وقد أحرق الجنرال (ديفو) زاوية المصمودي عن آخرها، سنة ١٨٥٩، انتقاما من الشيخ وأتباعه، وجاء في إعلان هذا الجنرال للسكان أن الصادق بن الحاج يضللهم وأنه يجتمع بالنساء ويقلل من أهمية فرنسا وجيشها ويطلب من المرابطين الآخرين، أمثال ابن كريبع وابن النجاري الانضمام إليه، وقد توعد ديفو السكان بمصير الزعاطشة (التخريب الكامل) وقال إن الدين الإسلامي لا يبيح ما فعله الصادق بن الحاج (١). ثم أسر الصادق بن الحاج مع أبنائه وأعوانه المقربين، وانعقدت له محكمة عسكرية، حكمت عليه بالنفي والسجن خمس عشرة سنة وعلى الآخرين عشر سنوات، لرفعهم السلاح ضد فرنسا وتحريضهم الناس على التمرد، وكان منفاه جزيرة كورسيكا، ثم أعيد إلى سجن الحراش، ورغم طلب مدير السجن التخفيف عنه لكبر سنه والتزامه بشروط السجن وصبره، فإنه ظل سجينا إلى موته سنة ١٨٦٢، وبقي ابناه الطاهر وإبراهيم سجينين بعد فترة، وقد طلب ابناه العفو عنهما لتشتت نسائهما وأراضيهما وأولادهما، من الحاكم العام المارشال بيليسييه (٢). ولا ندري متى أطلق سراحهما، وهل كان عليهما أن

стр. 1569

يتما المدة (عشر سنوات). والمعروف أن الشيخ الطاهر بن الصادق بن الحاج قد عاد إلى سيرة أبيه الذي ورث منه البركة الصوفية وأنشأ زاوية جديدة في تيبيرماسين، فرقة من أولاد يوب، عرش جبل أحمر خدو، ويظهر (رين) ناقما على هذه الزاوية الجديدة أيضا إذ قال إنها تعلم التعصب ومعاداة الفرنسيين، وقال إن محمد بن عبد الرحمن الذي ظهر في ثورة الأوراس سنة ١٨٧٩ كان متخرجا من هذه الزاوية، واعتبره شريفا مزيفا (١). وتحدث ديبون وكوبولاني سنة ١٨٩٧ عن نشاط سي الطاهر بن الحاج في زاوية تيبيرماسين، وذكر أن للزاوية ٢، ٤٧٦ من الأتباع، منهم ٧٠٨ من النساء، وأن لها ثلاث زوايا، و ٢٥ طالبا، وشيخا واحدا، وثلاثة عشو مقدما، و ٢٤ شاوشا (٢). ومعنى ذلك أنهم لا يعترفون إلا بالشيخ الطاهر شيخا للطريقة هناك، ولا شك أن هذا الفرع لم يؤسس طريقة خاصة وإنما هو امتداد للرحمانية سواء اعترف بشيخ آخر أعلى منه أو لم يعترف، ولا ندري إن كان مستقلا أو تابعا لزاوية طولقة أو نفطة. ونفس الشيء يقال عن الفرع الآخر الذي ظهر في الأوراس أيضا على يد الشيخ الهاشمي بن علي دردور، من عرش أولاد عبد ي، فقد قيل إنه أسس جمعية (طريقة؟) سرية سنة ١٨٧٦، وهو من مواليد مدرونة، وكان تلميذا في زاوية خنقة سيدي ناجي الرحمانية، ولعله أصبح أحد مقدميها بمدرونة ونواحيها، وقالوا عن الشيخ الهاشمي دردور إنه رحماني، وقال آخر

стр. 1570

أنه سنوسي، ومن قال إنه رحماني اعتمد على أن الشيخ كان يلتزم بتعاليم هذه الطريقة وأنه كان يدعو أتباعه إلى الحركة والعمل، وأنه اتهم المعارضين له في الطريقة الرحمانية بأنهم هم الذين خرجوا عنها واتبعوا شيوخا آخرين. ونتيجة (لتعصبه) عوقب الهاشمي دردور بالنفي إلى كورسيكا بعد المحاكمة سنة ١٨٨٠، و (التعصب) هنا هو التمرد عند الفرنسيين، وقد قضى الشيخ دردور في سجن كورسكيا سنوات لا نعلم كم دامت وكيف انتهى أمره، إنما نعلم أن عائلته وأقاربه تقدموا بطلب إلى السلطات لتسريحه لأنهم ضاعوا بدونه وافتقروا بعد أن حجزت السلطات كل شيء لديهم وقضت على الزاوية، وقد شمل السجن جماعة أخرى منهم عمر بن يوسف من عرش حيدوسة، وكان مقدما للشيخ الهاشمي، ومحمد أمزيان بن نادرة من عرش حالوحة، وهو مقدم آخر للهاشمي، وأبو بكر بن خالد، مقدم ثالث، وقد أوصى قائد دائرة باتنة العسكرية بنفيهم جميعا إلى كورسيكا لخطرهم في المنطقة، وذلك في ٧ يناير ١٨٨٠، وعريضة طلب العفو عن الشيخ الهاشمي جاءت كما قلنا، من عائلته وكذلك من ضمانة عرش أولاد عبد ي كله، وقد أيد قايد الناحية عندئذ، وهو إسماعيل بن العباس، (وهو من الطريقة القادرية) طلب العفو وقدمه إلى السلطات الفرنسية، ممثلة في المكتب العربي بباتنة، وذلك رأفة بأولاده وزوجاته، وقد ضمن هذا القايد أيضا في عدم حدوث أي شيء من قبل الشيخ الهاشمي بعد إطلاق سراحه (١). ولم يكن للدردورية كثير من الأتباع، وإنما نشاطها في وقت خاص جعل السلطات الفرنسية تنظر إليها على أنها خطر كبير، ولم يبق لها سنة ١٨٩٧ سوى شيخ واحد ومقدم واحد وحوالي ألف (١، ٠٢٠) من الأتباع، منهم ٢٥٠ امرأة، وكلهم يتبعون زاويتهم بمدرونة، والوقت الخاص الذي

стр. 1571

ظهرت فيه الدردورية هو الهجمة الشرسة التي أبداها الاستعمار الفرنسي خلال السبعينات في عهد ما أسموه بالجمهورية الثالثة، وكذلك في وقت اشتد فيه نشاط السنوسية على الحدود الجنوبية الشرقية، وخططت فيه فرنسا لاحتلال تونس، وحدوث ثورة بوعمامة وثورة المهدي السوداني، فهذه الأحداث كانت علامات (للتعصب) الإسلامي في نظر الفرنسيين، ومن ثمة الربط بين حركة الهاشمي والسنوسية عند البعض منهم. ومن زوايا الجنوب الرحمانية زاوية الهامل قرب بوسعادة، وحياة هذه الزاوية هي حياة مؤسسها الشيخ محمد بن بلقاسم، وهو ليس باعثا أو مؤسسا لطريقة خاصة وإنما كان محافظا على الطريقة الرحمانية التي أخذها على بعض مقدميها، وحياة الشيخ محمد بن بلقاسم تكاد تكون حياة رجل علم وتعليم لا حياة متصوف صاحب خلوة ومرابطة، ولكن البيئة العامة وعقائد الناس في الصالحين وشراسة الاستعمار الفرنسي في معاملة السكان جعلت أمثال الشيخ محمد بن بلقاسم يظهرون من رجال الساعة وموالي الوقت أو المهديين المنتظرين، فأخذوا ينسبون إليه الكرامات وخوارق العادات كأنه من الدراويش والمجاذيب، إنها نفس العقلية التي كادت تنسب إلى ابن باديس الكرامات أيضا، بينما هو رجل إصلاح ونهضة، وسترى أن السلطات الفرنسية هي التي سعت أو ساعدت على تحويل رجال العلم إلى أصحاب خرافة ودروشة، وكأن المتصلين بالدين الإسلامي واللغة العربية عندها هم بقية سلف فاقد للعقل منجذبا نحو الخرافات والشعوذة والسحر، لكي تحافظ هي على ما كانت تسميه رسالة التقدم والحضارة التي جاءت بها إلى الجزائر، والذي يدرس كتاب الحفناوي (تعريف الخلف) (١) يدرك أن هذا الرجل (الحفناوي) الذي درس الفكر الفرنسي واللغة الفرنسية على (آرنو). كان يلصق البركات والكرامات بكل شخص ترجم له من المعاصرين، ولو كان من فئة العلماء وليس من فئة المرابطين.

стр. 1572

وذلك يصدق على ترجمة الشيخ محمد بن بلقاسم، إنها ترجمة طويلة ولكن في غير ما كان عليه الشيخ في واقع الأمر، وإذا قارنا ما قاله فيه الشيخ الحفناوي وما قالته فيه المصادر الفرنسية وما جاء في ملاحظات تلاميذه، نجد هناك فروقا كبيرة في تناول هذه الشخصية، ونحن نميل إلى أن الشيخ كان من علماء الوقت، اكتسب حظا واسعا من اللغة العربية والدراسات الدينية بحكم بيئته وتعلمه في زوايا متخصصة في نشر المعارف، واستجلابه أفضل العلماء إلى زاويته (معهده). وإنما عقائد الناس والدعاية الفرنسية جعلت منه رجلا مرابطا وشيخ زاوية يقيم الحضرة ويتقبل الزيارات، لأن هذا الصنف من الناس عندها ليس له وصف آخر ولا مجال عمل آخر غير ذلك، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نطرح جانبا كل ما جاء في كتاب الحفناوي وأمثاله من نسبة الخرافات إلى الشيخ محمد بن بلقاسم. فهو محمد بن أبي القاسم بن ربيح (أو رجيح) بن محمد بن عبد الرحيم بن سائب بن المنصور، وتذهب بعض الروايات إلى أنه شريف النسب، حسني النجار، معتمدين على قصة استقرار شريفين مغربيين في بوسعادة سنة ٩٠٠ هـ، أحدهما هو جد الشيخ محمد بن بلقاسم (١). ولكن آخرين لا يقرون بأصالة هذه الرواية وينظرون إليها على أنها من التلفيقات، كنسبة الكرامات لغير أهلها، ثم إن قيمة المرء بعرضه وقلبه ولسانه وتقاه، ولد الشيخ ببادية الحامدية، ضاية الحرث جهة جبل تاسطارة، من بلاد أولاد الأقويني، فريق أولاد محمد، حسب رواية الحفناوي، وذلك في رمضان عام ١٢٣٩، وكان لهذا الميلاد والنشأة في البادية أثره الإيجابي على مستقبل الشيخ، وبعد حفظ القرآن الكريم التحق بزواوة ودرس في زاوية علي

стр. 1573

الطيار بالبيبان بعض الوقت ثم بزاوية السعيد ابن أبي داود الشهيرة بالعلم، ناحية آقبو، وقد قضى ثماني سنوات هناك متعلما ومعلما، ونال رصيدا واسعا من الدراسة اللغوية والدينية. ونلاحظ أن وجوده في زواوة عندئذ كان بعيدا عن الفرنسيين لأن تلك الناحية لم تكن قد احتلت بعد، وقد تخرج حوالي سنة ١٨٤٤، ورجع إلى موطنه، ولا ندري إن كان قد أخذ الطريقة الرحمانية أيضا في زاوية ابن أبي داود، لأن هذه الزاوية اشتهرت بالعلم أكثر من التصوف، ولكن المنطقة كلها كانت خاضعة لتأثيرات الرحمانية على كل حال، وكانت الرحمانية كما عرفنا طريقة مجاهدة عندئذ في زواوة تحت راية الأمير وخليفته أحمد الطيب بن سالم، وبين ١٨٤٤ و ١٨٥٩ كان على الشيخ محمد أن يجد له مكانا في ناحيته، وأن يكتشف مستقبله شأن من وصل إلى سنه وعلمه، وكانت ناحية بوسعادة وبسكرة وأولاد جلال وطولقة تعيش على ذكريات حركة الجهاد التي أشرنا إليها قبل أن يحتل الفرنسيون منطقة الزيبان سنة ١٨٤٣ - ١٨٤٤، بل إن بقاياها عادت إلى الظهور في ثورة الزعاطشة التي تدخل فيها أيضا أهل بوسعادة (بقيادة محمد بن علي بن شبيرة) وأهل أولاد جلال (بقيادة الشيخ المختار). كما كانت الرحمانية نشيطة على يد الشيخ المختار والشيخ علي بن عثمان بطولقة والشيخ عبد الحفيظ بالخنقة، إنها فترة حرجة بالنسبة لشاب في العشرينات من عمره مثل محمد بن بلقاسم، وكان عليه أن يختار. لقد اختار إنشاء زاوية للتعليم كأستاذه أحمد بن أبي داود وجيرانه الشيخ المختار والشيخ علي بن عثمان، فهو لم يكن من رجال الجاه الديني مثل ابن علي الشريف الذي عينه الفرنسيون (باشاغا) رغم مقامه وزاويته التي كانت علمية أيضا، وليس من المغامرين الذين سماهم (رين) (بالأشراف المزيفين) الذين يندسون وسط السكان والأعراش ويتحالفون مع بعض السياسيين الطموحين ويعلنون حركة جهاد تهز العدو هزا مؤقتا ثم تنهار، كما فعل بوزيان وبوبغلة ومحمد بن عبد الله، إن (فن الممكن) عندئذ لدى الشيخ

стр. 1574

محمد بن بلقاسم هو إنشاء الزاوية ونشر التعليم وتكوين أسرة، وفي ذلك من الجهاد ما فيه! أليس ذلك أولى من الهجرة وأنفع من التصوف السلبي القائم على الانزواء والبعد عن الناس؟ ومن يدري لعل الشيخ محمد كان ينوي ما نواه ابن باديس بعد قرن، وهو تكوين حركة تعليمية يصارع بها الجهل الذي ضربته السلطة الاستعمارية على الجزائريين أكثر من نصف قرن، وتخريج طلائع تتولى بنفسها مصير البلاد؟ كان الشيخ قد استقر بالهامل، وأخذ ينشر التعليم، وعندما كثر تلاميذه استعان ببعض المدرسين من أمثال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي وعاشور الخنقي، وبني زاوية للعلم والطريقة الرحمانية لكي يستقبل فيها الزوار والغرباء والضيوف، ولكي يجد الطلبة سكناهم وقاعات دروسهم، وكان يتردد على زاوية أولاد جلال، وهناك أخذ عن شيخها المختار بن خليفة ورد الرحمانية (١). وقد سلك الشيخ محمد بن بلقاسم في الهامل سلوك الشيخ علي بن عمر وابن أخيه علي بن عثمان في طولقة إزاء الثورات والمواقف السياسية، كلاهما لم يتدخل مباشرة في الموضوع، وظل على الحياد حتى عندما أعلن الشيخ الحداد من صدوق الجهاد ضد الفرنسيين سنة ١٨٧١ باسم الطريقة الرحمانية، ورغم أن الشيخ محمد بن بلقاسم كان متزوجا من ابنة محمد المقراني (٢) فإن الشيخ لم يتبعه في ثورته، وإنما استقبل المقرانيين الفارين من العدو وحماهم وعلم صغارهم، وانتشر صيته كمرابط وكثر إخوانه في زواوة والتل والصحراء وتونس (٣) حتى عدهم ديبون وكوبلاني (١٨٩٧) أكثر من ٤٣ ألفا، وهو رقم قد يكون فيه كثير من المبالغة، لأن هناك طرقا كبيرة لم تصل إلى هذا الرقم، وإليك الأرقام التي قدمها هذان المؤلفان:

стр. 1575

الزوايا ٢٩، الشيوخ ٢، الطلبة ١٦٨، الشواش ٤، المقدمون ١٦٤، الوكلاء ١، الإخوان ٤٠، ٨١٠، الأخوات ٢٠، ٠٩١. وتوفي الشيخ في ٢ يونيو (جوان) ١٨٩٧ أثناء عودته من الجزائر إلى بوسعادة، وحدثت الوفاة في قبيلة السحارى بأولاد إبراهيم في بوغار، حسب ديبون وكوبلاني، وكان عمره إذاك ٧٨ سنة، وفي يوم ١٤ يوليو جرت له حفلة تأبين رسمية جدا في جامع الإمامين في بوسعادة، وقد حضر الحفل الضباط الفرنسيون والمدنيون الرسميون، في جمع غفير من المتعلمين والتلاميذ والجمهور، وقد خطب قائد مركز بوسعادة، الضابط كروشار، منوها بدور الشيخ ومساعدته لفرنسا، كما قال، في نشر رسالتها الحضارية التي فهمها بذكائه، والفرنسيون يهمهم الاستفادة من الأموات للأحياء لأن ذلك هو الدرس الذي على الحاضرين أن يعوه من حياة الشيخ كلها، فلا التعليم العربي والإسلامي ولا المحافظة على الهوية الوطنية ولا الدور الديني والاجتماعي للزاوية يهم فرنسا في شيء، إنما المهم هو الإعلان عن أن الشيخ كان يخدم رسالة فرنسا في الجزائر (مخاطرا في ذلك بسمعته). وبعد كروشار خطب أعيان العرب ومنهم ابن أخ الشيخ المتوفى الذي سيتولى مكانه، وقاضي بوسعادة، إبراهيم رحماني، وكلاهما ذكر بالأصول الشريفة للشيخ وبفضائله، وانتهت الحفلة لإقامة ضيفة كبيرة (زردة) جمعت الفقراء والمساكين، وهي الضيفات التي لا يعجز عنها الناس، وإنما الإدارة الاستعمارية كانت إذا رضيت تجيزها وتتبرع لها سرا وعلانية، وإذا سخطت منعتها أو اعتقلت القائمين عليها، وإذن فإن هذه الحفلة لم تكن بريئة، وهي تشبه الحفلة الرسمية جدا أيضا التي أقامتها السلطات الفرنسية في الجامع الجديد بالعاصمة بمناسبة وفاة الشيخ أحمد التجاني في نفس السنة (١٨٩٧) (١). أعلنت مصادر ذلك الوقت أن الشيخ محمد بن بلقاسم ترك خلافته

стр. 1576

الروحية لابن أخيه الحاج محمد بن بلقاسم، صاحب كتاب (الروض الباسم) في سيرة ومناقب الشيخ، ولكن لأسباب عائلية لم يتول الحاج محمد شؤون الزاوية مباشرة بعد وفاة عمه، بل تولتها السيدة زينب ابنة الشيخ، وحسب (أشيل روبير) فإنها أدارت شؤون الزاوية بنجاح، ورفضت الزواج، وظلت على رأس الزاوية إلى وفاتها سنة ١٩٠٤. ولكن ولايتها لم تكن م عبد، بالورود، فقد كان عليها أن تناضل للحصول عليها، ضد ابن عمها وضد السلطات الفرنسية المحلية معا، فقبل وفاة أبيها بعث برسالة أو وصية إلى القائد الفرنسي كروشار (رئيس المكتب العربي) في بوسعادة أعلمه أن خليفته هو ابن أخيه الحاج محمد، وكانت السلطات الفرنسية تلح عليه في تعيين خليفته، وهي تقصد بذلك الحاج محمد الذي قيل إنه كان على علاقة طيبة مع هذه السلطات الحريصة على استقرار الزوايا وأمنها، لكن زينب اعترضت على هذه الوثيقة بعد وفاة والدها وقالت إن السلطات قد استصدرتها من والدها وهو في حالة لا يملك معها قواه، ثم إن زينب استعملت وثيقة أخرى قديمة لتثبت حقها في خلافة والدها، ففي ١٨٧٧ أصيب الشيخ بنوبة قلبية، وبعدها كتب وصية موثقة على يد القاضي على أن أملاكه - وهي كثيرة - توضع تحت تصرف ابنته زينب، في شكل حبس عائلي، على أن تأخذ منه هي النصف، خلافا لما جرت به العادة، وفسرت زينب ذلك بأن هذه الوثيقة ترشحها هي لخلافة والدها، وهكذا دخلت في نزاع مع كروشار ومع ابن عمها، كما انجر الخلاف إلى الأتباع، وقد انتصرت هي في النهاية، ولكن حياتها لم تطل إلا سبع سنوات بعد وفاة والدها. من المحتمل أن تكون زينب من مواليد الخمسينات من القرن الماضي، وقد نشأت في حجر والدها، وهي ابنته الوحيدة، وعلمها القرآن والعلوم والمحاسبة، وعاشت في مكتبة الزاوية مهتمة بالمخطوطات، وكانت هي التي تحفظ سجلات أملاك الزاوية، وعاشت عزبة طول حياتها، وتفرغت للزاوية والحياة الروحية والعبادة، وكاذت، بناء على وصف من راها، نحيفة الجسم

стр. 1577

وعلى وجهها آثار الجدري وآثار الوشم، وفي آخر حياتها كانت ذابلة، وقد ازدادت نحولا وضعفا، وكانت تحضر مع والدها ولائم الزاوية ومآدب الزوار من مسلمين وأوروبيين، وكانت أثناء توليها شؤون الزاوية تستقبل الزوار من شيوخ الرحمانية والمسؤولين الفرنسيين، وكانت تظهر أمام الأتباع، ومن الذين شاهدوها وتحدثوا إليها من الأوروبيين وسجلوا أنطباعهم عنها: الفنان قيوميه، والمغامرة الأديبة إيزابيل إيبرهارد، والغريب أن هذه المغامرة قد زارتها عدة مرات، وكان الجواسيس الفرنسيون يسجلون حديثهما، وقد توفيتا في وقت واحد: إيزابيل في أكتوبر، وزينب في نوفمبر، عام ١٩٠٤ (١). ولا شك أن لابن عمها وجهة نظره أيضا في هذه المسألة الخلافية، ويبدو أن الكتاب انتصروا عموما لزينب ورأوا أن السلطات الفرنسية كانت تتدخل فيما لا يعنيها، وربما كان هذا الاتفاق على زينب لأنها امرأة، وقد أصبحت المرأة موضوعا اجتماعيا كبيرا بدعوى أن المجتمع لم يرحمها، وقد اعترف أشيل روبير بأن زينب قد أدارت الزاوية بنجاح، واعترف القضاء الفرنسي، بعد أن خرجت مسألة الخلاف من بوسعادة إلى الجزائر، أن الحق كان مع زينب، ويبدو أن السلطات الفرنسية العليا قررت الانتظار وترك المسألة للزمن تفاديا لتشعب الخلاف، ولعل هذه السلطات كانت تعرف أن زينب لن تعيش طويلا، وهكذا اختفت من المسرح بالموت وحل ابن عمها محلها تلقائيا، وتفادت الزاوية الانقسام الذي عانت منه زوايا أخرى (٢). ونحن لا ندري كيف صارت حالة الزاوية بعد وفاة الشيخ الكبير (محمد بن بلقاسم). ولكن يبدو أنها مرت بمرحلة انتقالية، ونلاحظ أنه حلافا لبعض الزوايا لم تنقسم زاوية الهامل على نفسها وتتفرع إلى زوايا

стр. 1578

صغيرة رغم كثرة الأبناء والأحفاد، فهل ذلك كان بوعي من أبناء العائلة القاسمية نفسها، أو كان هو رغبة السلطات الفرنسية؟ المهم أن الزاوية بقيت موحدة، وبقيت على سيرتها في التعليم أيضا، سيما أثناء حياة الشيخين: الديسي والخنقي (١). وأثناء مشيخة مصطفى القاسمي ستكتسب زاوية الهامل شهرة كبيرة، ولكنها وظفتها في أغراض أخرى معادية لحركة الإصلاح والتطور، وقد ظهر الشيخ مصطفى القاسمي متزعما لتيار هذه المعارضة فكتب هو وغيره الرسائل والتقارير إلى السلطات الفرنسية ضد الحركة الإصلاحية (٢) وترأس المؤتمرات الموالية للإدارة وتحالف مع الشيخ عبد الحي الكتاني وغيره لجمع كلمة أصحاب الزوايا المؤيدة لفرنسا على مستوى المغرب العربي. وما دمنا نتحدث محن الشيخ محمد بن بلقاسم (المرابط) كما أراده أهل الوقت والسلطات الفرنسية فلنقل إنه قد نسبت إليه كرامات كثيرة، ونحن لا ندري عقيدة الشيخ نفسه في ذلك وفيما كان يقال عنه، لأن علماء من أمثال أبي مدين الغوث ومحمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي أصبحوا في نظر العامة وحتى في نظر المستعمرين ذوي النوايا الخاصة، من أصحاب الدروشة والكرامات، ونسي الناس علمهم وكتبهم وآراعصم في الدين والفلسفة والفلك ودورهم في قوة الأمة الإسلامية، وعلى هذا النحو فهم مستعدون أيضا لإلصاق الكرامات بابن خلدون وابن رشد وابن سينا والجاحظ ونحوهم، ومن أراد أن يطلع على بعض كرامات الشيخ محمد بن بلقاسم في

стр. 1579

نظر معاصريه فليطالع ترجمته في (تعريف الخلف) إذ يقول صاحب هذا الكتاب: (ما وقع نظره على عاص إلا أطاع، ولا على ناس إلا استيقظ، ولا مر بأرض مجدبة إلا أنبتت). فكيف يستقبل أبناء الجزائر اليوم هذا الكلام وكيف يفهمونه؟ ويقول أشيل روبير، بعد أكثر من ربع قرن من الوفاة، إن قبر الشيخ محمد بن بلقاسم يزار يوميا من ١٥٥ إلى ٢٠٠ شخصا، ويحمل بعضهم إليه الزيارات الكريمة، وكان الشيخ قبل موته إذا تجول في الريف يأتيه الناس زرافات ووحدانا يقبلون برنوسه كقديس ويتمسحون بأوراقه ورسائله، معتقدين فيه الشرف، زار الشيخ الجزائر والبليدة والبرج والمدية والسور والبرواقية والمسيلة، وكان يجلس للناس ويقدم إليهم النصائح، ويأتيه من يطلب البرء من المرض ومن يطلب إنجاب الأطفال، ولا يجلس إلا على حصير وبعض الوسائد، دعاه مرة موظف رسمي إلى وليمة فجاء في الوقت وخلفه بعض الطلبة كالعادة، فكان هؤلاء يكددون عظام الدجاج الذي أكله الشيخ فيجدون في ذلك لذة خاصة، وذات يوم حضر لقاء كانت فيه نسوة فرنسيات، طلب من إحداهن كم لها من الأولاد فقالت إن لها بنات فقط، فطلب كوبا من الحليب فشرب منه رشفة ثم طلب من السيدة أن تشرب منه، مضيفا أن هذه الطريقة لا تتخلف في إنجاب الأولاد، لكن المرأة شربت من جانب آخر من الكوب، وبعد عام حضر الشيخ في مناسبة مشابهة فاستخبر عن المرأة فأجابوه أنها أنجبت بنتا، فقال: إن الله وحده هو المدبر! ومن الكرامات المنسوبة إليه هروب قطاع الطرق عندما أغاروا على قافلة محملة بالمؤونة إلى الزاوية، ومنها توقف قطار البليدة لكي يصلي الشيخ العصر رغم رفض السائق وقف القطار (١). أرأيت كيف ضاعت شخصية الشيخ محمد بن بلقاسم العلمية في

стр. 1580

ضباب هذه القصص الأسطورية؟ ولكن من كان يروج لها ويستفيد منها؟ اللهم إن هذا بعيد عن تعاليم الطريقة الرحمانية الأصلية التي قامت على بث العلم وخدمة الدين، على الأقل بالمفهوم البسيط، من عبادات وسلوك طيب مع الناس ومع الله. ونعود إلى فروع الرحمانية في قسنطينة بعد وفاة الشيخ الحداد، ففرع قستطينة بقي مستقلا في عائلة باش تارزي، وعندما احتلت قسنطينة كانت الطريقة الرحمانية هناك في يد مصطفى باش تارزي الذي ورث والده، ثم السعيد بن أحمد باش تارزي الذي كان متوليا آخر القرن الماضي، وكان نشاط زاوية قسنطينة الرحمانية قد تأقلم مع الحياة المدنية في عهد الاحتلال، وتولى الرحمانيون هناك الوظائف الإدارية، ولكنهم ظلوا على صلة بالعلم والدين أيضا، أما المواقف السياسية فلا نجد لهم مشاركة فيها إلا ضمن العرائض التي كان يقدمها أعيان قسنطينة إلى السلطات الفرنسية مثل الشكوى لرفع الظلم أو طلب تعديل قانون جائر (١). ولا نعرف أن الرحمانيين في قسنطينة قد شاركوا في ثورة ١٨٧١ التي دعا إليها الشيخ الحداد. وكان للزاوية الرحمانية في قسنطينة نشاط وفروع ومقدمون، وهي تتبع القواعد الرحمانية في الأذكار والممارسات والحضرة، وقد أصدر الشيخ محمد السعيد بن أحمد بن عبد الرحمن باش تارزي إجازة بتاريخ ١٣١٢ هـ وجهها إلى أتباعه وأصدقائه المحبين للزاوية، فأوصاهم فيها بذكر الله وترديد (لا إله إلا الله). والإجازة منجرة إليه من والده أحمد بن عبد الرحمن، وختمها يحمل تاريخ ١٢٥١، وحسب إحصاء آخر القرن (١٨٩٧) فإن أتباع زاوية قسنطينة بلغوا ١٠، ٠٧٠ بينهم ١، ٩٥٨ امرأة، ولها ثماني زوايا، ووكيل واحد، و ٢٥ طالبا، وشيخ واحد، و ٨٥ مقدما، و ١٠٤ من الشواش، ومعظم هؤلاء الأخوان كانوا في إقليم قسنطينة، وبعضهم كانوا
следующие страницы →