الروحية لابن أخيه الحاج محمد بن بلقاسم، صاحب كتاب (الروض الباسم) في سيرة ومناقب الشيخ، ولكن لأسباب عائلية لم يتول الحاج محمد شؤون الزاوية مباشرة بعد وفاة عمه، بل تولتها السيدة زينب ابنة الشيخ، وحسب (أشيل روبير) فإنها أدارت شؤون الزاوية بنجاح، ورفضت الزواج، وظلت على رأس الزاوية إلى وفاتها سنة ١٩٠٤.
ولكن ولايتها لم تكن م عبد، بالورود، فقد كان عليها أن تناضل للحصول عليها، ضد ابن عمها وضد السلطات الفرنسية المحلية معا، فقبل وفاة أبيها بعث برسالة أو وصية إلى القائد الفرنسي كروشار (رئيس المكتب العربي) في بوسعادة أعلمه أن خليفته هو ابن أخيه الحاج محمد، وكانت السلطات الفرنسية تلح عليه في تعيين خليفته، وهي تقصد بذلك الحاج محمد الذي قيل إنه كان على علاقة طيبة مع هذه السلطات الحريصة على استقرار الزوايا وأمنها، لكن زينب اعترضت على هذه الوثيقة بعد وفاة والدها وقالت إن السلطات قد استصدرتها من والدها وهو في حالة لا يملك معها قواه، ثم إن زينب استعملت وثيقة أخرى قديمة لتثبت حقها في خلافة والدها، ففي ١٨٧٧ أصيب الشيخ بنوبة قلبية، وبعدها كتب وصية موثقة على يد القاضي على أن أملاكه - وهي كثيرة - توضع تحت تصرف ابنته زينب، في شكل حبس عائلي، على أن تأخذ منه هي النصف، خلافا لما جرت به العادة، وفسرت زينب ذلك بأن هذه الوثيقة ترشحها هي لخلافة والدها، وهكذا دخلت في نزاع مع كروشار ومع ابن عمها، كما انجر الخلاف إلى الأتباع، وقد انتصرت هي في النهاية، ولكن حياتها لم تطل إلا سبع سنوات بعد وفاة والدها.
من المحتمل أن تكون زينب من مواليد الخمسينات من القرن الماضي، وقد نشأت في حجر والدها، وهي ابنته الوحيدة، وعلمها القرآن والعلوم والمحاسبة، وعاشت في مكتبة الزاوية مهتمة بالمخطوطات، وكانت هي التي تحفظ سجلات أملاك الزاوية، وعاشت عزبة طول حياتها، وتفرغت للزاوية والحياة الروحية والعبادة، وكاذت، بناء على وصف من راها، نحيفة الجسم
стр. 1577
وعلى وجهها آثار الجدري وآثار الوشم، وفي آخر حياتها كانت ذابلة، وقد ازدادت نحولا وضعفا، وكانت تحضر مع والدها ولائم الزاوية ومآدب الزوار من مسلمين وأوروبيين، وكانت أثناء توليها شؤون الزاوية تستقبل الزوار من شيوخ الرحمانية والمسؤولين الفرنسيين، وكانت تظهر أمام الأتباع، ومن الذين شاهدوها وتحدثوا إليها من الأوروبيين وسجلوا أنطباعهم عنها: الفنان قيوميه، والمغامرة الأديبة إيزابيل إيبرهارد، والغريب أن هذه المغامرة قد زارتها عدة مرات، وكان الجواسيس الفرنسيون يسجلون حديثهما، وقد توفيتا في وقت واحد: إيزابيل في أكتوبر، وزينب في نوفمبر، عام ١٩٠٤ (١).
ولا شك أن لابن عمها وجهة نظره أيضا في هذه المسألة الخلافية، ويبدو أن الكتاب انتصروا عموما لزينب ورأوا أن السلطات الفرنسية كانت تتدخل فيما لا يعنيها، وربما كان هذا الاتفاق على زينب لأنها امرأة، وقد أصبحت المرأة موضوعا اجتماعيا كبيرا بدعوى أن المجتمع لم يرحمها، وقد اعترف أشيل روبير بأن زينب قد أدارت الزاوية بنجاح، واعترف القضاء الفرنسي، بعد أن خرجت مسألة الخلاف من بوسعادة إلى الجزائر، أن الحق كان مع زينب، ويبدو أن السلطات الفرنسية العليا قررت الانتظار وترك المسألة للزمن تفاديا لتشعب الخلاف، ولعل هذه السلطات كانت تعرف أن زينب لن تعيش طويلا، وهكذا اختفت من المسرح بالموت وحل ابن عمها محلها تلقائيا، وتفادت الزاوية الانقسام الذي عانت منه زوايا أخرى (٢). ونحن لا ندري كيف صارت حالة الزاوية بعد وفاة الشيخ الكبير (محمد بن بلقاسم). ولكن يبدو أنها مرت بمرحلة انتقالية، ونلاحظ أنه حلافا لبعض الزوايا لم تنقسم زاوية الهامل على نفسها وتتفرع إلى زوايا
стр. 1578
صغيرة رغم كثرة الأبناء والأحفاد، فهل ذلك كان بوعي من أبناء العائلة القاسمية نفسها، أو كان هو رغبة السلطات الفرنسية؟ المهم أن الزاوية بقيت موحدة، وبقيت على سيرتها في التعليم أيضا، سيما أثناء حياة الشيخين: الديسي والخنقي (١). وأثناء مشيخة مصطفى القاسمي ستكتسب زاوية الهامل شهرة كبيرة، ولكنها وظفتها في أغراض أخرى معادية لحركة الإصلاح والتطور، وقد ظهر الشيخ مصطفى القاسمي متزعما لتيار هذه المعارضة فكتب هو وغيره الرسائل والتقارير إلى السلطات الفرنسية ضد الحركة الإصلاحية (٢) وترأس المؤتمرات الموالية للإدارة وتحالف مع الشيخ عبد الحي الكتاني وغيره لجمع كلمة أصحاب الزوايا المؤيدة لفرنسا على مستوى المغرب العربي.
وما دمنا نتحدث محن الشيخ محمد بن بلقاسم (المرابط) كما أراده أهل الوقت والسلطات الفرنسية فلنقل إنه قد نسبت إليه كرامات كثيرة، ونحن لا ندري عقيدة الشيخ نفسه في ذلك وفيما كان يقال عنه، لأن علماء من أمثال أبي مدين الغوث ومحمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي أصبحوا في نظر العامة وحتى في نظر المستعمرين ذوي النوايا الخاصة، من أصحاب الدروشة والكرامات، ونسي الناس علمهم وكتبهم وآراعصم في الدين والفلسفة والفلك ودورهم في قوة الأمة الإسلامية، وعلى هذا النحو فهم مستعدون أيضا لإلصاق الكرامات بابن خلدون وابن رشد وابن سينا والجاحظ ونحوهم، ومن أراد أن يطلع على بعض كرامات الشيخ محمد بن بلقاسم في
стр. 1579
نظر معاصريه فليطالع ترجمته في (تعريف الخلف) إذ يقول صاحب هذا الكتاب: (ما وقع نظره على عاص إلا أطاع، ولا على ناس إلا استيقظ، ولا مر بأرض مجدبة إلا أنبتت). فكيف يستقبل أبناء الجزائر اليوم هذا الكلام وكيف يفهمونه؟
ويقول أشيل روبير، بعد أكثر من ربع قرن من الوفاة، إن قبر الشيخ محمد بن بلقاسم يزار يوميا من ١٥٥ إلى ٢٠٠ شخصا، ويحمل بعضهم إليه الزيارات الكريمة، وكان الشيخ قبل موته إذا تجول في الريف يأتيه الناس زرافات ووحدانا يقبلون برنوسه كقديس ويتمسحون بأوراقه ورسائله، معتقدين فيه الشرف، زار الشيخ الجزائر والبليدة والبرج والمدية والسور والبرواقية والمسيلة، وكان يجلس للناس ويقدم إليهم النصائح، ويأتيه من يطلب البرء من المرض ومن يطلب إنجاب الأطفال، ولا يجلس إلا على حصير وبعض الوسائد، دعاه مرة موظف رسمي إلى وليمة فجاء في الوقت وخلفه بعض الطلبة كالعادة، فكان هؤلاء يكددون عظام الدجاج الذي أكله الشيخ فيجدون في ذلك لذة خاصة، وذات يوم حضر لقاء كانت فيه نسوة فرنسيات، طلب من إحداهن كم لها من الأولاد فقالت إن لها بنات فقط، فطلب كوبا من الحليب فشرب منه رشفة ثم طلب من السيدة أن تشرب منه، مضيفا أن هذه الطريقة لا تتخلف في إنجاب الأولاد، لكن المرأة شربت من جانب آخر من الكوب، وبعد عام حضر الشيخ في مناسبة مشابهة فاستخبر عن المرأة فأجابوه أنها أنجبت بنتا، فقال: إن الله وحده هو المدبر! ومن الكرامات المنسوبة إليه هروب قطاع الطرق عندما أغاروا على قافلة محملة بالمؤونة إلى الزاوية، ومنها توقف قطار البليدة لكي يصلي الشيخ العصر رغم رفض السائق وقف القطار (١).
أرأيت كيف ضاعت شخصية الشيخ محمد بن بلقاسم العلمية في
стр. 1580
ضباب هذه القصص الأسطورية؟ ولكن من كان يروج لها ويستفيد منها؟ اللهم إن هذا بعيد عن تعاليم الطريقة الرحمانية الأصلية التي قامت على بث العلم وخدمة الدين، على الأقل بالمفهوم البسيط، من عبادات وسلوك طيب مع الناس ومع الله.
ونعود إلى فروع الرحمانية في قسنطينة بعد وفاة الشيخ الحداد، ففرع قستطينة بقي مستقلا في عائلة باش تارزي، وعندما احتلت قسنطينة كانت الطريقة الرحمانية هناك في يد مصطفى باش تارزي الذي ورث والده، ثم السعيد بن أحمد باش تارزي الذي كان متوليا آخر القرن الماضي، وكان نشاط زاوية قسنطينة الرحمانية قد تأقلم مع الحياة المدنية في عهد الاحتلال، وتولى الرحمانيون هناك الوظائف الإدارية، ولكنهم ظلوا على صلة بالعلم والدين أيضا، أما المواقف السياسية فلا نجد لهم مشاركة فيها إلا ضمن العرائض التي كان يقدمها أعيان قسنطينة إلى السلطات الفرنسية مثل الشكوى لرفع الظلم أو طلب تعديل قانون جائر (١). ولا نعرف أن الرحمانيين في قسنطينة قد شاركوا في ثورة ١٨٧١ التي دعا إليها الشيخ الحداد.
وكان للزاوية الرحمانية في قسنطينة نشاط وفروع ومقدمون، وهي تتبع القواعد الرحمانية في الأذكار والممارسات والحضرة، وقد أصدر الشيخ محمد السعيد بن أحمد بن عبد الرحمن باش تارزي إجازة بتاريخ ١٣١٢ هـ وجهها إلى أتباعه وأصدقائه المحبين للزاوية، فأوصاهم فيها بذكر الله وترديد (لا إله إلا الله). والإجازة منجرة إليه من والده أحمد بن عبد الرحمن، وختمها يحمل تاريخ ١٢٥١، وحسب إحصاء آخر القرن (١٨٩٧) فإن أتباع زاوية قسنطينة بلغوا ١٠، ٠٧٠ بينهم ١، ٩٥٨ امرأة، ولها ثماني زوايا، ووكيل واحد، و ٢٥ طالبا، وشيخ واحد، و ٨٥ مقدما، و ١٠٤ من الشواش، ومعظم هؤلاء الأخوان كانوا في إقليم قسنطينة، وبعضهم كانوا
стр. 1581
في إقليم الجزائر أيضا (١).
ولكن الرحمانية قد مرت بامتحان عسير منذ ١٨٧١، سيما في المنطقة الممتدة من الأخضرية إلى القل، فقد استجاب الإخوان هناك لنداء الجهاد الذي أصدره الشيخ الحداد في ٨ إبريل ١٨٧١، ونتيجة لذلك خربت زاوية صدوق، وسجن شيخها في ١٣ يوليو وقبض على ابنيه عبد العزيز ومحمد، وحوكم المقدمون والوكلاء وأعدم عدد منهم، وشرد الباقون تشريدا نموذجيا، وطوردوا إلى حدود تونس، وصودرت أملاكهم ووزعت على المستعمرين الفرنسيين، وزاد هؤلاء نكاية في الرحمانيين خاصة والجزائريين عامة، فاقاموا على أرض الزاوية وأوقافها قرية استيطانية قالوا إنها قرية جميلة، وأصبح خماسوها خدما عند الكولون (٢). ولا تهمنا الثورة في حد ذاتها هنا لكن يهمنا مصير الرحمانيين، لقد تجاوز عمر الشيخ الحداد الثمانين عندما أدركته الوفاة في سجن الكدية بقسنطينة.
كان الخليفة المنتظر للشيخ الحداد هو ابنه عبد العزيز (عزيز). وكان عزيز هو الذي شجع والده على إعلان الجهاد، وتحمس للثورة، وكان يتحدث الفرنسية ويعرف بعض القادرة الفرنسيين، ولولا نفيه إلى كاليدونيا الجديدة لكان هو الخليفة الروحي للرحمانيين، ولذلك أوصى الشيخ الحداد بخلافته لتلميذه الحاج علي بن الحملاوي بن خليفة، وهو مقدمه في زاوية أولاد عبد النور، وكانت وصية الحداد قد كتبت واحتفظ بها إلى ما بعد وفاته، وبالتدرج تحول مركز الزاوية إلى وادي العثمانية، وقد أصبح هذا المركز مشعا على مجموعة من النواحي الأخرى، وأصبح لابن الحملاوي مقدموه أيضا، ومنهم الشيخ محمد البشير بن أحمد بن البواب الزموري الذي منحه الإجازة، وأصبحت زاوية وادي العثمانية ذات فروع أيضا، ولكن لم
стр. 1582
تتبعها الفروع الرحمانية الجنوبية، وقد قدر الباحثون الفرنسيون أنه كان لابن الحملاوي ٤٤ زاوية سنة ١٨٩٧ و ١٣٦ طالبا، و ٢٢٧ مقدما، و ٣٥٢ شاوشا، أما الأخوان فقد قدروهم بـ ٣٩، ٥٢٨ من بينهم ٣، ٠٤٣ من النساء، وقيل إن له أتباعا أيضا في تونس وطرابلس والقاهرة وجدة.
وقد وصف الشيخ ابن الحملاوي بأنه محافظ جدا على عادات الطريقة، وأنه زاهد، ولا يخرج من الزاوية أبدا تقريبا، وكان يمتاز بالذكاء الحاد والعلاقات الصحيحة مع الفرنسيين، وقد بنى زاوية وادي العثمانية مجاورة لأخرى كانت بشلغوم العيد (شاطودان). وكانت له علاقات ودية مع بعض الأوروبيين في المنطقة، وهم يشهدون له بأنه أعانهم بالمال عندما كانوا في حاجة إليه، وقد شهد له بذلك وبحسن سيرته مع الفرنسيين (أوكتاف ديبون) أحد مؤلفي كتاب (الطرق الدينية الإسلامية) سنة ١٨٩٧ (١). ويظهر من كلام الفرنسيين عن الشيخ ابن الحملاوي أنهم كانوا يفضلونه على الشيخ أبي القاسم البوجليلي الذي كان ينافسه في خلافة الشيخ الحداد، ولا ندري إن كان الشيخ الحداد قد أخذ في الاعتبار الاختلاف بين الشخصيتين ومدى فائدة الطريقة في ذلك، والغالب أن ذلك لم يكن خافيا عنه، ويقول (رين) إن اختيار الشيخ ابن الحملاوي كان اختيارا حكيما، لأنه كان مجهولا فلا يسبب حرجا للسلطات الفرنسية ولا للأعضاء المنفيين من عائلة الشيخ الحداد، وأن السلطة الفرنسية كانت تراقبه عن كثب (٢). فلعل الشيخ الحداد فضل ابن الحملاوي على البوجليلي محافظة على الطريقة التي نكبت بعد ثورة ١٨٧١، ومهما كان الأمر فنحن لا ندري مدى ثقافة علي بن الحملاوي هذا، ولا جهوده في نشر العلم بالناحية، أما تلقين الذكر وهو (لا إله إلا الله). مع رفع الصوت واغلاق العينين، وإعطاء العهد، فقد جاء في إجازته لمقدمه محمد البشير الزموري، ونصت هذه الإجازة أيضا على وضع الشيخ كف اليد اليمنى على كف اليد اليمنى للمريد وترديد الذكر، أما بالنسبة للمرأة فالعهد يعطى
стр. 1583
لها بوضع يدها في الماء أو بإحاطة خرقة على اليد، ويقوم الشيخ بنفس الشيء معها أيضا.
أما الشيخ محمد بن بلقاسم الحسني البوجليلي العباسي، فهو نموذج آخر من العلماء والزهاد، رغم أنه كان أيضا مقدما للشيخ الحداد، وقد ركز البوجليلي على العلم والتعليم بدل التصوف والممارسات المنسوبة للدين، كان الشيخ البوجليلي عالما بمفهوم ذلك الوقت، وهو يشبه شخصيات أخرى مماثلة ومعاصرة له، ولكن الاستعمار الفرنسي ثبطها وكبت مواهبها، مثل محمد الموسوم وعدة بن غلام الله ومحمد بن بلقاسم الهاملي ومصطفى بن عزوز، فلو أتيح لهؤلاء المناخ المناسب والحرية الفكرية لأعطوا للجزائر وجها آخر يمتاز بالمعرفة واتساع الأفق وخدمة اللغة والدين، كان الشيخ البوجليلي من الشخصيات المعترف لها كمقدم لزاوية بوجليل، دوار تيقرين، بلدية آقبو المختلطة عندئذة وقد أكب على التعليم والتأليف، وخدمة الدين، فاشتهر أمره وورد عليه الطلبة، فكان يجيزهم بالعلم لا بالذكر، وهذه ملاحظة المؤلفين الفرنسيين عليه (١). فقد أجاز تلميذه محمد بن عمر السازيلجي في ١٨ ذي الحجة ١٢٩٢ (١٥ يناير ١٨٧٦). وكان ذلك عند نهاية الدراسة، رخص له فيها بتعليم كل العلوم التي أخذها عنه من نحو وفقه وحديث، وغيرها، قائلا: (ليس هناك فرق بيني وبينه للراغب في هذه العلوم). فنحن إذن أمام شهادة علمية وليس إجازة بذكر الطريقة الرحمانية، كما اعتاد المشائخ، ومع ذلك فالشيخ عند السلطات الفرنسية وعند عامة الناس إنما هو مقدم بوجليل، وكان له أيضا إخوان يعلمهم الذكر، وهم يعدون ٧، ٩٠٤ إخوانيا، منهم بعض النسوة ١، ١١٥، وله ٤٢ زاوية تابعة، وهو الشيخ الوحيد، بالإضافة إلى ثمانية من الوكلاء، و ٦٤ مقدما، فمجموع إخواف ٩، ٠٩٢ حسب إحصاء سنة ١٨٩٧.
стр. 1584
ونلاحظ هنا تركيز الفرنسيين على استقلالية الفروع الرحمانية بعد الشيخ الحداد، وقد ذكروا أن هناك فروعا أو مقدمين لا يعترفون بأي شيخ، ولكنهم بقوا يؤدون الزيارة السنوية إلى الزاوية الأم بآيت اسماعيل أو مدينة الجزائر حيث مزار الشيخ محمد بن عبد الرحمن (بو قبرين). وذكروا من هؤلاء الشيخ محمد بن الحسين المقيم في قرية (آيت أحمد) والذي كان يتمتع - بسمعة كبيرة في الدين والورع، وقيل عن هذا الشيخ إنه كان يثبت ولاءه للفرنسيين بإرسال قطع من السكر أو بضع برتقالات إليهم، مع بركته (١). كذلك بقي في آيت إسماعيل الشيخ محمد البجاوي وغيره ممن يقولون إنهم من نسل الشيخ ابن عبد الرحمن (بوقبرين). باعتبارهم مرابطين وليسوا مقدمين للرحمانية في المنطقة، وإضافة إلى ذلك هناك حوالي خمسة عشر مقدما آخرين في أنحاء الجزائر عندئذ، ولهم زوايا وأتباع رحمانيون، وقد قدر عدد أتباعهم وزواياهم كما يلي: حوالي ٢١، ٠٠٠ إخواني، و ١٩ زاوية في المجموع، هذا طبعا خارج زوايا وأتباع الفروع التي ذكرناها.
لكن فرار الشيخ عزيز من منفاه في كاليدونيا الجديدة، سنة ١٨٨١ قد سبب إحراجا للأشياخ الرحمانيين، خصوصا ابن الحملاوي، وللسلطات الفرنسية، جاء الشيخ عزيز إلى مكة والمدينة بعد عشر سنوات قضاها في المنفى، وأصبح يتردد بين مكة وجدة، وكانت له فرصة في لقاء الحجاج ومراسلة إخوانه الرحمانيين عن طريقهم ومحاولة الرجوع إلى أرض الوطن، للأهل والأبناء، ولكن السلطة الفرنسية التي احتلت تونس وعاشت ثورة بوعمامة، غير مستعدة أن تفتح باب الجزائر للذي كان أحد زعماء ثورة ١٨٧١، ومع ذلك لم يقطع عزيز الأمل لقد كانت فرنسا مستعدة لشيء آخر وهو مراقبته عن طريق قناصلها ومراقبة مراسلاته عن طريق جواسيسها، كان الشيخ عزيز على صلة مباشرة، كما تقول المصادر الفرنسية، بكل رؤساء
стр. 1585
الدين الإسلامي، وكانت تأتيه المراسلات من أتباعه في الجزائر عن طريق البريد والحجاج، ويعلق (رين) على محاولات ومناورات عزيز قائلا: إنه قد نضج بالسن، وتكون في مدرسة الشر، وهو يعرف أن إخوانه مسجونون في كورسيكا، وأن أقاربه ونساءه وابنه في قبضة الفرنسيين، ولذلك كان يبدي المشاعر النبيلة منذ فراره (١) من الفرنسيين، محاولا إقناعهم بتوبته النصوح، لكي يحصل على العفو، وكان يستخدم في ذلك كل الوسائل، من بينها معرفته الشخصية لبعض الدبلوماسيين الفرنسيين.
والمهم ليس ذلك، وإنما الخلافة الرحمانية، فالشيخ عزيز لم يتخل عنها سواء عفا عنه الفرنسيون أو لم يعفوا، ولكن هؤلاء غير مستعدين لتمكين عزيز من الرجوع إلى الجزائر، فهو حامل لواء ثورة ١٨٧١ وكان قد سمى نفسه (أمير جيش الجهاد). وهو الذي أثار السكان، وهو في نظرهم متفرنس وطموح إلى حد الغرور والكراهية لهم، وهو الذي تزعم اجتماع ٢٧ مارس بصدوق وخطب فيه امرأ بقتل الفرنسيين، وقد أرسل عزيز رسائل الدعوة إلى الجهاد إلى الأقارب وأهل طريقته، فكيف يعفو الفرنسيون عنه؟ ومن يكن له الحقد الأعمق إذن؟ إضافة إلى ذلك كان عزيز ينتمي للرحمانية، التي هي فرع فقط لخلوتية الموجودة في القاهرة، وبينها وبين الشاذلية مبادئ مشتركة، وهي منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، وللرحمانية والشاذلية علاقات مع الطريقة السنوسية، ثم إن للرحمانية سنة ١٨٨٤ حوالي مائة ألف من الأتباع - دون النساء (٢) - فكيف تغامر فرنسا بالعفو عن عزيز؟
ولعل ذلك هو السبب الذي جعل فرنسا ترضى بخلافة ابن الحملاوي الذي قيل عنه إنه كان مجهولا أو مغمورا، وبذلك ينقطع الطريق أمام عودة
стр. 1586
عزيز. إن السلطة الفرنسية كانت تهيء الجو، في الواقع، لابنه صالح (ابن عزيز). الذي أصبح موظفا إداريا، والذي سيكون نعم الخلف لشر سلف، إذ يتماشى تعيينه على رأس الرحمانية، مع مبادئ هذه السلطات في تفتيت الطرق الكبرى وجعلها فروعا مشتتة أو مستقلة، كما يقولون. ولكن ذلك لن يكون ما دام الشيخ عزيز حيا.
وقد بقي عزيز حيا إلى سنة ١٨٩٥، وحصل فعلا على العفو في هذه السنة، بعد جهود مضنية جعلته يعد الفرنسيين بنصائح وفوائد يجنونها من عودته، فقد رخصت له السلطات الفرنسية بالتوجه إلى باريس للعلاج في السنة المذكورة (١٨٩٥). ولا ندري ما الضمانات التي حصل عليها ولا المأمول منه لدى هذه السلطات، فالظاهر أن الجانب الإنساني كان وراء الترخيص، ولكن السلطات الفرنسية كانت تعرف أن عزيز على صلة، كما قالوا، بكل أعيان العالم الإسلامي الروحيين، في وقت كانت فيه فرنسا تعيد ترتيب سياستها الإسلامية في المشرق على ضوء تيار الجامعة الإسلامية، فلماذا تترك هذا الغريم يعكر صفو خططها ويشوه سمعتها في الحجاز وغيره، ويكون مطية لأي راكب ضد السياسة الفرنسية؟ ألم تسمح للهاشمي بن الأمير عبد القادر بالرجوع والاستقرار في الجزائر بأسرته سنة ١٨٩٢ (عهد جول كامبون)؟ ألم ترخص بزيارة فرنسا والجزائر لبعض أعيان وصحافي الشرق؟ ولكن عزيز لم تطل إقامته في باريس، فقد توفي بعد قليل من حلوله بها، دون أن نعرف الآن سبب الوفاة، وقد جيء بجثمانه إلى قسنطينة ودفن بها (١).
وتذهب بعض المصادر الفرنسية التي يحلو لها تخليط الأوراق لمصلحتها أن بعض مقدمي الرحمانية في الجزائر بقوا على ولائهم لعزيز بعد وفاة أبيه ولم يعترفوا بخلافة ابن الحملاوي، وتقول إن هؤلاء سيعترفون بابن عزيز، صالح، كشيخ عليهم عندما يكون هذا قد قرر أخذ شؤون الطريقة الرحمانية
стр. 1587
بين يديه، بعد أن أصبح موظفا في الإدارة الفرنسية، ومهما كان الأمر فإن عزيز قد استمر، من جانبه، يمنح بركته عن طريق الإجازات للإخوان، بالمراسلة من جدة ومكة، ومن الذين حصلوا منه على إجازة، الشيخ محمد بن عمارة، وقد جاء في اخرها: من عزيز الحداد (المبعد عن أهله) (١). وكان لعزيز أختام يوقع بها، منها واحد يظهر فيه اسمه هكذا (الشيخ عبد العزيز الجزائرلي) بطريقة النسبة التركية للجزائر، وفي هذا الختم تاريخ غير واضح، ولكن من الأكيد أنه بعد هروبه إلى الحجاز، وهناك ختم آخر يظهر فيه اسمه هكذا (الشيخ عزيز بن الشيخ الحداد) محاطا بغصني زيتون.
للطريقة الرحمانية عموما سلسلة الحقيقة وسلسلة الشريعة، ولها إجازات، ومصادرها في ذلك هي وصية الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري لأتباعه ومصادر الخلوتية، والرحمانية تستمد أيضا من تعاليم الشاذلية، ومن إجازة الشيخ الأزهري لعلي بن عيسى نعرف نموذج الورد الذي كان على هذا التلميذ أن يعطيه لغيره من الإخوان وسائر المسلمين، والورد هو (لا إله إلا الله، الله هو حق حي قيوم قهار) في كل وقت، ولاسيما من عصر يوم الجمعة إلى عصر يوم الخميس، وعليه أن يذكر الصلاة الشاذلية أيضا وهي: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، من عصر يوم الخميس إلى عصر يوم الجمعة، طاهرا أو غير طاهر، ثم يذكر عبارة اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، عدد ثمانين مرة بشرط أن يكون على طهارة، وقد أخذت الطريقة الرحمانية سبعة من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وهي: الله هو الحق والحي والقيوم والعلام والقهار.
وسلسلة الطريقة هي من المقدم إلى شيخه إلى الأزهري إلى الحفناوي الخلوتي، إلى بقية السلسلة التي تصل إلى الملك جبرائيل عن طريق الإمام
стр. 1588
علي ومحمد ﷺ . وتبدأ هكذا: لقن رب العزة جبريل ﵇، وهو لقن النبي ﷺ . وهو لقن علي بن أبي طالب، إلى أن تصل إلى الحفناوي الخلوتي الذي لقن محمد بن عبد الرحمن الأزهري وتسمى أيضا الإجازة، وهي تلتقي مع السلسلة الشاذلية في عدة شيوخ.
وطريقة تلقين الورد موجودة في عدة مصادر، مثل وصية الشيخ الأزهري نفسه، وكذلك إجازة الشيخ علي بن عثمان إلى بعض الأتباع، وهي تبدأ هكذا: أما بعد فإني أذنت وأجزت إجازة تامة شاملة الحامل المنور الصالح العامل الحاذق الأديب العارف بربه، ولدنا قلبا لا صلبا، سيدي (فلان) أن يعطي أوراد طريقتنا الخلوتية المتصل سندها إلى خير البرية، ﷺ ، وصفة التلقين هي أن يمسك إبهام يمين الطالب ويقول له: (غمض عينيك واسمع إلي وتبعني: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمن الرحيم، أستغفر الله، تبنا لله ولرسوله، اللهم يا رب اغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقي، ثم تقول: اسكت، وتقول وحدك: لا إله إلا الله ثلاثا، ثم يقولها ثلاثا، ثم تأخذ الفاتحة لكما وللنبي والشيخ المربي، ثم تأمره بطاعة الله ورسوله، ويذكر بعد صلاة الصبح ثلاثمائة مرة لا إله إلا الله، وإن زدتم فحسن، ومن عصر يوم الخميس إلى عصر يوم الجمعة الصلاة الشاذلية، وهي اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ما يسر الله، وبعد عصر يوم الجمعة أختم بالأمي، وهي اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ثمانين مرة، يغفر الله لقائلها ذنب ثمانين سنة). واستمرت الإجازة توصي الإخوان بقول الشيخ علي بن عثمان (ومن أخذ منه كأنما أخذ مني، وعليكم بطاعته، ومداومة الحضرة صباحا ومساء مجتمعين ليحصل المدد النبوي منه، ﷺ ، وعليكم بمخاوات (مؤاخاة) بعضكم بعضا، وعليكم أيضا بالصبر والتسليم لخلق الله، وتعاونوا على البر والتقوى، وجدوا واجتهدوا في ذكركم لتدخلوا في حزب الطريقة المنورة، فإن من دخلها دخل في حزب وضمانة المصطفى، ﷺ ، ومن دخلها كمن دخل سفينة نوح، وكمن دخل مقام إبراهيم، قال
стр. 1589
رسول الله ﷺ : (طريقتك هذه كسفينة نوح من دخلها نجا ومقام إبراهيم من دخله كان آمنا، وبشارة المصطفى للمشائخ جيلا بعد جيل، ولم تنقطع إلى الآن، وهو زمن التاريخ) (١).
وقد أطلنا في إيراد هذه الإجازة لأنها شاملة وواضخة، وهي تعطي صفة التلقين، وأصل السلسلة الصوفية، وتبين العلاقة بين ورد الرحمانية والخلوتية والشاذلية، ورأينا كيف تنص على الصبر والتعاون و (التسليم لخلق الله) الذي فهم منه عدم التدخل في السياسة والخصومات، كما تذكر عدد مرات الذكر وتحدد أوقاته، ثم تترك المجال للمزيد بقولها: (ما تيسر، أو وإن زدتم فحسن). والعبارات التي تشير إلى أن الطريقة كسفينة نوح موجودة في إجازات الشيخ الأزهري ووصاياه أيضا، وله رؤية يخبر فيها أنه رأى الرسول ﷺ فأخبره أن طريقه كسفينة نوح، وقد لخصها الشيخ الأزهري في العبارات الآتية: سيكون ناجيا من النار كل من اتبع طريقتي، أحب طريقتي أو أحبني، زارني حيا أو وقف على قبرى، قرأ ذكري (٢).
لذلك يجتمع أتباع الرحمانية في زواياهم ويرددون الذكر ويطبقون وصية الشيخ الأزهري، يجتمعون من عصر الخميس إلى عصر الجمعة، ويذكرون بأصوات عالية، ويمكنهم الدخول والخروج بشرط أن يبقى جماعة منهم تواصل الذكر والأدعية والصلوات، وهناك زوايا ينقسم فيها الإخوان إلى أفواج حسب ساعات منتظمة لمواصلة الذكر، حتى لا ينقطع اسم الله من
стр. 1590
مسجد الزاوية، ومن ممارساتهم أثناء ذلك قراءة مرايا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، ولكن الوصية مقروءة أكثر من المرايا عند الإخوان، وتبدأ الوصيه هكذا: اسمع مني وصيتي إليك، واعمل بها كما ألزمت نفسك عهد الله وميثاقه، أن تتقي الله في سائر أحوالك، وتخلص في جميع أعمالك، الخ (١).
أما الإجازة والسلسلة في الشريعة عند الرحمانيين فتبدأ هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين، ثم تذكر الإجازة، كما رأينا في إجازة البوجليلي لتلميذه في العلوم التي درسها عليه، وخلافا لبعض الطرق الصوفية، فإن الرحمانية تعمل على نشر العلم وتعتبره من مهماتها إلى جانب نشر الطريقة، ذلك أن الشيخ الأزهري لم يكتف بتأسيس الطريقة والزاوية وإنما بث المعارف من فقه وتوحيد وتفسير ولغة، لذلك أصبح التعليم عندهم جزءا عاما من مهمات المقدمين الذين كانوا عادة من بين المتعلمين، وتشهد إجازاتهم على أنهم يعملون بالعلم الظاهري أو الشريعة بالإضافة إلى العلم الباطني أو الحقيقة والطريقة، وقد رأينا كيف نشأت معاهد ومدارس في ظل الزوايا الرحمانية ومكتبات وحلقات درس في وقت كادت فيه شمس العلم أن تغرب خلال العهد الفرنسي.
وإحصاء أتباع الطريقة الرحمانية من الصعب إدراكه بدقة، والذين حاولوا ذلك توقفوا في عدة نقاط، فالذين أحصوا الرجال لم يستطيعوا عد النساء، والذي أحصوا إخوان الشمال لم يستطيعوا إحصاء إخوان الجنوب، كما أنهم لاحظوا أن تفرق الزوايا والمقدمين بعد الضربات التي تلقتها الطريقة جعل الإخوان ينضمون إلى هذه الزاوية أو تلك دون عراقيل، ولذلك صعب إحصاء عددهم، كما قلنا، وعند نهاية القرن الماضي بلغوا أكثر من مائة وستين ألف تابع، فلو كان لهذا العدد رأس واحد (شيخ واحد) - كما هو تقليد الطرق، لأصبح على الفرنسيين أن يواجهوا حزبا دينيا يقض مضاجعهم
стр. 1591
ويهدد وجودهم، ولذلك كانوا يتواصون بالحذر من الرحمانيين ومراقبتهم، كما سنرى.
يثبت إحصاء سنة ١٨٨٢ أن عدد الإخوان الرحمانيين بلغ ٩٦، ١٦١ من الرجال فقط، أما المقدمون فهم ٧٥٤، وأما عدد الزوايا عندئذ فهو ٢٢٠ (١). وقد جاء في إحصاء ١٨٩٧ أن العدد قد بلغ ١٦٠ ألفا في مجموع الزوايا التي درست، ومعنى ذلك أن هناك مناطق ظلية لم تدرس وهناك إخوان لم يدخلوا بعد في العدد، وقد حمد الله صاحب هذا المصدر على أنه لم يكن لهؤلاء الرحمانيين قوة محركة واحدة (يقصد شيخا أو زاوية واحدة) وإلا لكان على فرنسا أن تنسج كفنها بسرعة، وقد تنبأ بأن الرحمانية ستتلاشى مع الأيام وتنتهي عاجلا أو آجلا بالاختفاء من مسرح الحياة (٢).
وقد أعطى هنري قارو الذي درس الحركة الإسلامية في أوائل هذا القرن، إحصاء آخر للطريقة الرحمانية سنة ١٩٠٦. فكان مجموع الإخوان الرحمانيين، بناء على رأيه هو ١٣٣، من بينهم أكثر من ١٣٠٠٠ من النساء، وهذا هو جدول الأتباع والزوايا بناء على إحصاء قارو:
وادي العثمانية ... ٤٠، ٠٠٠ إخواني ... ٤٠ زاوية
آقبو ... ٩، ٠٠٠ إخواني ... ٤٢ زاوية
قسنطينة ... ١٠، ٠٠٠ إخواني ... ٨ زوايا
طولقة ... ١٦، ٠٠٠ إخواني ... ١٧ زاوية
الهامل (بوسعادة) ... ٤٣، ٠٠٠ إخواني ... ٢٩ زاوية
أحمر خدو (الأوراس) ... ٢، ٠٠٠ إخواني ... ٣ زوايا
نفطة (تونس) ... ١٣، ٠٠٠ إخواني ... ١٥ زاوية
стр. 1592
ونلاحظ أنه لم يذكر فرع وادي سوف (زاوية سيدي سالم). وذكر فرع نفطة رغم أنه في تونس ربما لكثرة أتباع هذا الفرع في الجزائر ولأصوله الجزائرية، كما لم يذكر فروعا رحمانية أخرى مثل الخنقة وخيران (١).
وقبل أن نطوي صفحة الحديث عن الرحمانية نذكر أن بعضهم يقول إنها كانت وراء انتفاضة عين التركي سنة ١٩٠١ التي وقعت بالقرب من مليانة والتي قادها الشيخ يعقوب (المرابط الرحماني) ضد المسيحيين في الناحية، محاولا إجبارهم على اعتناق الإسلام، حسب رواية هذا المصدر، وقد أعد الشيخ العدة للهجوم على المراكز الأوروبية قبل إعلان الجهاد (٢). وأضاف هذا المصدر (هنري قارو) أن انتفاضة الشيخ عمر (عمار؟) بن عثمان التي حدثت سنة ١٩٠٦، في أعقاب انتفاضة الشيخ يعقوب المذكورة كانت أيضا رحمانية، وقد وقعت في القصرين Kasserine (؟). وهيج هذا الشيخ المسلمين باسم الجهاد وهاجم الأوروبيين الذين رفضوا اعتناق الإسلام، بل ذهب هذا المصدر إلى القول بأن الشريف بوبغلة زعيم ثورة ١٨٥١ - ١٨٥٤، كان مقدما رحمانيا، وهكذا كان بعض الباحثين الفرنسيين (يتخيلون) أشباح الإخوان الرحمانيين وهي تطاردهم في كل حدث يقع ضدهم.
نعم هكذا كانوا يتخيلونها، فهذا ديبون وكوبولاني يقولان (٣) إن الرحمانية انتشرت بسرعة عبر الجزائر في أقل من قرن، وإنه يمكن مقارنتها بكنيسة (كذا) وطنية مقسمة إلى أكثر من عشرين فرعا بقساوستها (كذا) وكهنتها ومسؤوليها، ولكنها كنيسة بدون وحدة إدارية (بدون بابا). فهي ممزقة، وان ممثليها يتنافسون فيما بينهم تبعا للمصالح الداخلية، وهم يديرون زواياهم باستقلال، ويجلبون الأتباع لأنفسهم، ولهم مقدمون نشطون
стр. 1593
يسكنون المدن ومتمردون عن مراكزهم وزواياهم، لقد كانت الرحمانية طريقة دينية (صوفية؟) وتحولت إلى جمعية سياسية (حزب). حيث العلاقات مندمجة مع المصالح المادية أو الزمنية، لقد انتهى تأثير الشيوخ الكبار أو سينتهي لكن كل مقدم بقي غيورا على الإجازة التي يملكها والتي بها يجلب الإخوان ويعطي العهد ويتقبل الهدايا من الزوار، وما يزال الذكر مشتركا بين الرحمانيين والممارسات واحدة، وهم (يحسون) بوجود بعضهم البعض.
وقبل ذلك كان رين قد أبدى ملاحظات مشابهة حول تطور الطريقة الرحمانية، فمقدموها يسميهم (الخليفة) بطلب من الإخوان وباقتراحهم، وكل خليفة له ختم يختم به على الإجازة وعليه تاريخ توليته، وتضم الطريقة عددا كبيرا من النساء أيضا وفيهن بعض المقدمات، وقد تداخل الرحمانيون بنشاط في مختلف الثورات ضد الفرنسيين، ولكنهم لم يكونوا دائما هم المثورين المباشرين بل كانوا أحيانا مجرد عملاء نشطين لزعماء آخرين، يتنقلون بين الثوار ويحمسونهم للجهاد، ويذهب رين الذي كان يكتب سنة ١٨٨٤ أن فرعين من الرحمانية بقيا موالين للسلطات الفرنسية، وهما فرع طولقة وفرع أولاد جلال، وموقف هذا الفرع تبناه أيضا شرفة الهامل، وكان ذلك هو موقف الشيخ الحداد أيضا بين سنوات ١٨٥٧ و ١٨٧١، لقد كشف (رين) عن ممارسة غير غريبة على السلطات الفرنسية عندئذة وهي استخدام الطرق الصوفية ضد بعضها البعض، وذلك في قوله إن فروع الرحمانية في الجنوب توجد وسط مناطق ينتشر فيها أيضا أتباع الطريقة التجانية، وهم يتساوون معهم أو يتفوقون عليهم من حيث العدد، وذكر أن أتباع التجانية يقومون بمراقبة الرحمانيين لأنهم خصومهم، ولأن التجانية، في نظر رين طريقة مهدئة لا غبار عليها (١). وردد هنري قارو نفس الرأي تقريبا إذ قال سنة ١٩٠٦ إن الزوايا الرحمانية المستقلة في نفطة وطولقة والهامل قد اتبعت
стр. 1594
إشارة الطريقة التجانية بأن الساعة لم تحن بعد لطرد الرومي (الفرنسي) (١). ولكن (رين) حذر قومه قائلا: إذا كنا اليوم نعتمد على فروع الرحمانية في الجنوب فقد يكون ذلك غير ممكن غدا، ذلك أن المقدمين الرحمانيين في الصحراء وفي التل يعيشون متحررين من الالتزام، وإذا لم يكن هناك زعيم صف (حزب) سياسي قدير على جميع الزيارات وتبديل العلاقات، فإن بإمكانهم حينئذ أن ينضموا لهذا أو ذاك، دون حرج، كما حذر من العلاقات (الخارجية) التي للرحمانية مع الشاذلية والسنوسية والخلوتية، وهي العلاقات التي لا يمكن لفرنسا مراقبتها دائما وبدقة.
إن الرحمانية كانت منتشرة أيضا في مناطق شرقية أخرى غير الجنوب. وقد دلت البحوث الفرنسية على انتشارها في نواحي تبسة وخنشلة ومسكيانة وسوق أهراس والعين البيضاء، وكانت زاوية نفطة العزوزية هي الأكثر نشاطا في تلك النواحي، ومنذ احتلال تونس ١٨٨١ تغير نشاط هذه الزاوية لأن الفرنسيين تدخلوا في شؤونها وراقبوها، كما أنهم أحدثوا الشقاق بينها وبين زاوية طولقة من جهة وبينها وبين الزاوية التجانية من جهة أخرى، وقد وجد (أوغست كور) لذي درس الزوايا والأتباع في النواحي المذكورة حوالي ١٩١٤ أن الرحمانية وحدها كانت تضم أكثر من نصف عدد السكان، والتجانية أكثر من الربع، والقادرية أكثر من العشر، غير أنه لاحظ أن التأثير الحقيقي ليس بالعدد ولكن بنفوذ المقدمين، وكان أكثر هؤلاء المقدمين من فروع الرحمانية بتونس (نفطة وتمغزة). أو من طرابلس بالنسبة لبعض الطرف الأخرى كالمدنية، وهكذا لم يبق لتأثير الطرق الجزائرية، حسب تعبيره، سوى النصف (٢).
стр. 1595
وهناك فرع للرحمانية نشأ في سوق أهراس على يد الشيخ الكامل بن المكي بن عزوز، ولا نريد أن نطيل في الحديث عنه رغم أنه قد يكشف عن خلفيات هامة في علاقات التصوف بالسياسة وعلاقات الجزائر بالمشرق، والشيخ الكامل هو حفيد الشيخ مصطفى بن عزوز الذي هاجر إلى نفطة بعد احتلال بسكرة ١٨٤٤، كما سبق، وكان للشيخ مصطفى عدد من الأبناء، هم: الحفناوي الذي خلفه على زاوية نفطة، ومحمد الذي أسس زاوية بالقيروان، ومبروك الذي أسس زاوية بالأغواط وتوفي فيها سنة ١٨٨٨، والمكي الذي اشتهر بالعلم والهجرة إلى المشرق والعمل في نطاق الجامعة الإسلامية، وأحدث الفرنسيون، بعد احتلال تونس تنافسا بين زاويتي طولقة ونفطة أو بين الحفناوي المذكور والحسين أخ علي بن عثمان شيخ زاوية طولقة، فقد اتهم الحسين معاصره الحفناوي بانه معاد لفرنسا، كما تقول الوثائق الفرنسية، وانتهى الخلاف بينهما إلى الانفصال، وهو ما كان يعمل له الفرنسيون، ولكن بعض زعماء الطرق الصوفية عندئذ كانوا غافلين.
بقيت الخصومة بين الفرعين: طولقة ونفطة حتى بعد اختفاء الحسين والحفناوي، فقد ذهب البليدي بن الحسين إلى توزر لتأسيس زاوية منافسة للعزو زية، وبعد وفاة الحفناوي خلفه ابنه محمد الأزهاري الذي وجد صعوبة في المحافظة على رصيد الزاوية الذي كان لها في عهد جده مصطفى (١).
وكان الشيخ المكي قد تزوج من نواحي بوسعادة وأنجب ولده الكامل في الجزائر التي كان يتردد عليها من تونس، ويقول (كور) إن الكامل ولد في برج طولقة، وعلمه والده إلى أن تخرج مثله من جامع الزيتونة، ولكنه لم يهاجر معه إلى المشرق، فقد رجع الكامل إلى الجزائر وحاول نشر الرحمانية دون التدخل في السياسة، سكن العين البيضاء وحصل على أرض هناك
стр. 1596
بالكراء حوالي سنة ١٩٠٥، وكانت الطرق الفاعلة هناك هي الرحمانية التابعة لزاوية نفطة ثم الطريقة التجانية، ووسط خلافات عائلية (عائلة ابن بوزيد وعائلة سي عون) وخلافات المخازنية والمرابطين وتدخلات الإدارة، أخذ الكامل ينشر طريقته، وقد قيل إن الإمام الرسمي للجامع قد تركه يخطب بدله في الناس مما جعل الإدارة تتحرك ضده (الكامل) وتجبره على مغادرة العين البيضاء سنة ١٩٠٧، فذهب إلى العاصمة، ثم رخصوا له في الذهاب إلى سوق أهراس حيث كان جده من جهة الأم يشتغل بالقضاء في ناحية مجردة، واشترى الشيخ الكامل مزرعة هناك وكثر مقدموه وأتباعه نظرأ لسمعة جده مصطفى وكذلك سمعة والده (المكي).
وكانت المزرعة ملكا لأحد الكولون، ولكن الكامل حولها إلى زاوية. وعند إعلان الحرب العالمية (١٩١٤) طلب الشيخ الكامل، كما قال كور، من أتباعه تأييد فرنسا (١). وحاول الفرنسيون أن يستعملوا نفوذه أيضا ضد زاوية طولقة وزاوية الخنقة، ويذكر (كور) أن الكامل كان تحت (المراقبة الشديدة) من قبل الفرنسيين وأنه نشط نشاطا خاصا أثناء حرب طرابلس ضد الإيطاليين وجمع التبرعات للمجاهدين (٢). ولا ندري الآن كيف انتهت زاوية سوق أهراس.
وشخصية صالح خاوة من النوع (الميلودراما) في العلاقات بين رجال الدين والدنيا والفرنسيين، وقصته طويلة وتعبر عن ظلال كثيفة لا يمكن رؤية ما خلفها بسهولة في الوقت الراهن، ونحن لا نهتم هنا إلا بالجانب الديني - الرحمانية - والإدارة، وصالح هو ابن يوسف بن عبيد، كان جده عبيد قاضيا في عنابة في العهد الفرنسي، وكذلك تولى أبوه يوسف القضاء في بوحجر، حيث ولد صالح حوالي ١٨٥٦، والعائلة من دوار المريج ببلدية مرسط، وأصلهم من قبيلة الهمامة القاطنة تونس في أغلبها، ويبدو أن صالح كان
стр. 1597
طموحا ونشطا ولكنه وجد عراقيل إدارية وتواطؤا محليا، فلجأ إلى المغامرة ومواجهة الأمر الواقع بدون عدة، وصفه كور بأنه رجل وسيم الطلعة، له صوت طليق، وحديث جذاب، وكان صوته مسموعا على بعد، وعيناه نافذتان، وكان فخورا بنفسه لدرجة الادعاء والغرور، حسب تعبير كور.
أمام العراقيل الإدارية، حصل صالح خاوة على إجازة من مقدم الرحمانية في زاوية الكرشة، قرب عين مليلة، وهو الشيخ أحمد الشريف، وأصبح مقدما رحمانيا، وكان الشيخ أحمد الشريف تابعا لزاوية باش تارزي في قسنطينة، وكان الشيخ صالح يتصرف باستقلال فيعطي بدوره الإجازات لمن يقومون بالدعاية له، كما كان، حسب كور، يقوم بالتطبيب ويمارس السحر، فجاءته الزيارات (المالية) بكثرة، وكانت له أرض غرسها أشجارا، واستولى على منبع الماء هناك (دوار عين الملاحة). وحين أرادت السلطات أخذ الضرائب منه رفض وادعى أنه على أرض تونسية، وتقول السلطات الفرنسية إن رفضه كان قاطعا وخشنا وأمام الأهالي الذين أراد أن يستثيرهم ضد هذه السلطات، ومن ثمة يفهم أن الإدارة كانت تخشاه وتتهمه بالاستفزاز ضدها وتهديد الأوضاع عامة، ولذلك سجنوه دون محاكمة كما تدل الرواية التي ساقها كور، وكان المتصرفون الإداريون يفعلون ما يريدون بالأهالي، حسب قانون (الأندجينا) المعروف.
واستنجد خاوة بالنائب البان روزي، الذي عرف عنه الاهتمام بشؤون الجزائر والتردد عليها لمعرفة ما يجري فيها، ووصلت شكوى صالح خاوة ضد حاكم مرسط إلى أسماع جورج كليمنصو، رئيس الوزراء، وجرى التحقيق سنة ١٩١٠، ولكنه لم يسفر على إنصاف خاوة بل الاستمرار في سجنه، فباع أرضه إلى أحد الأوروبيين واشترى أرضا أخرى في تونس وطلب رخصة بالإقامة فيها فلم يرخص له، بل أنه حمل إلى سجن تقرت حيث ساءت صحته. وظل يحتج على سوء المعاملة والظلم طالبا إذن الإقامة على ملكه في تونس، وحين نشبت الحرب العالمية كان ما يزال سجينا، ونظرا لسوء صحته أطلقوا سراحه ومات في تآجرونة قرب الكاف سنة ١٩١٩، وهكذا اختفى رجل لا
стр. 1598
نعرف التهم التي كانت ضده بالضبط، فهل كانوا يخشون من رحمانيته أو عدائه الواضح للإداريين المحليين؟ هذا مع اعتراف الفرنسيين أن جده وأباه قد خدماهم في نطاق القضاء (١).
ولكن الحرب العالمية الأولى وجدت الرحمانية مستعدة كغيرها للإعلان عن تأييد فرنسا ضد تركيا وألمانيا، والزوايا الثلاث التي أعلنت رأيها كلها (جنوبية) حسب تعبير الفرنسيين، وهي زاوية الهامل وزاوية طولقة وزاوية أولاد جلال، ولا ندري لماذا لم نجد اسم زاوية وادي العثمانية التي أخذ شيخها ابن الحملاوي بركة الشيخ الحداد، كذلك لا نجد اسم زاوية باش تارزي في قسنطينة التي كانت (الأم) لعدد من زوايا الجنوب في وقت سابق.
فقد وجه شيخ زاوية طولقة عندئذ عمر بن علي بن عثمان، نداء إلى إخوانه الرحمانيين والمسلمين عامة قائلا إن بين زاويته والدولة الفرنسية علاقات وثقى (حتى صرنا معها (الدولة الفرنسية) كالأصابع الملتصقة بالراحة، فنحن وإياها ذات واحدة (وهذا تعبير صوفي بدون شك) وما يصيب أحد الطرفين يؤلم الآخر). وبعد هذه اللغة الصوفية - السياسية، وصف الشيخ عمر موقف تركيا بأنه مخز، ووصف ألمانيا بالتوحش، وقد تنبأ بسقوط الخلافة التي اغتصبها الأتراك، وأورد الشيخ عمر رؤيا غريبة حول الحرب وانضمام تركيا إلى معسكر الظالمين، كما قال، وبذلك تخرج الخلافة من يدها لأنها اغتصبتها اغتصابا، كما تنبأ بانتصار فرنسا، وأخبر أتباعه بأنه يدعو (لدولتنا الجمهورية العزيزة بالنصر آناء الليل وأطراف النهار) (٢) ويذكرنا موقف زعماء الطرق الصوفية سنة ١٩١٤ بموقف زعيم حزب الشعب، مصالي الحاج، من فرنسا سنة ١٩٣٩، فهو وإن لم يدع بالنصر لها لأنه كان
стр. 1599
سجينا عندها، فإنه رفض الخروج عنها والانضمام إلى أعدائها في الحرب قائلا ما معناه إن استعمارا تعرفه خير من استعمار لا تعرفه.
وأعلنت زاويتا الهامل وأولاد جلال تأييدهما لفرنسا أيضا على لسان شيخيهما: المختار بن الحاج محمد بن بلقاسم الهاملي ومحمد الصغير بن المختار الجلالي، فقد هنا الأول أتباعه على إعانتهم لفرنسا، وأظهر لؤم الأتراك الذين لم يعترفوا بجميل الدولة الفرنسية التي طالما أعانتهم في البلقان، والغريب أن هذا الشيخ أعلن أن الجزائريين مدينون لفرنسا (كما هو مقرر في الأذهان) لأنها قدمت لهم أفضالا لا تحصى، (فهذه مدة تقرب من قرن ونحن بفضلها رقود في مهد العافية والأمن) قال ذلك ليقارن بين العهد الفرنسي وعهد الأتراك الذي تحدث عنه الآباء عن الأجداد بأنه كان عهد فضائح، وعلى الجزائريين أن ينتظروا أكثر مما مضى من أفضال (دولتنا الفخيمة) (١). أما الشيخ محمد الصغير الجلالي فقد اختصر كلامه وإن كان يصب في نفس المعنى، فحكم بخطأ تركيا في إعلان الحرب على فرنسا، وكونها واقعة تحت النفوذ الألماني ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، وكون ألمانيا دولة متوحشة وفرنسا دولة قدمت في الماضي المساعدات إلى تركيا، أما العلاقات الدينية مع الأتراك فلم تعد الآن قائمة بينهم وبين الجزائريين لأن حكام تركيا عندئذ غير متدينين، وأضاف أن الجزائريين عرب والأتراك عجم، ودعا كغيره الجزائريين إلى الوقوف إلى جانب فرنسا التي أحسنت إليهم، والاستعداد للدفاع عنها بكل الوسائل (٢).
ويبدو أن نداءات ونصائح هذه الزوايا لم تثمر، فإن منطقة الأوراس قد انتفضت سنة ١٩١٦، وشملت الانتفاضة مناطق هذه الزوايا، وظلت المنطقة محاصرة ومعزولة طيلة أمد الحرب، وبذلك أظهر الجزائريون أنهم غير
стр. 1600
مستعدين للدفاع عن فرنسا ولا للاعتراف بجميلها وأفضالها كما أراد بعض الشيوخ، كما أن شيخ زاوية سيدي منصور في بني جناد بزواوة، وهو أحمد بن محمد الداودي، قد وجه نداء إلى أتباعه والمسلمين كافة لمساندة فرنسا والوقوف ضد ألمانيا، ولم يتعرض للأتراك، وقال عن فرنسا إنها احترمت العادات والتقاليد (ونحن في خير وعافية وبسط ورغد عيشة وافية). وإنها فعلت مع الجزائريين ما تفعله الأم بأولادها (١).
لقد مرت الطريقة الرحمانية، كغيرها من الطرق، بمراحل وهزات. وكان عليها أن تتأقلم مع الظروف الجديدة، ومنها الانقسام المراد لجميع الطرق والتشتت، ومنها الضعف العام والتنافس مع بعضها ومع بعض الطرق الأخرى، تنافسا ذاتيا أحيانا أو محركا من قبل السلطات الفرنسية أحيانا أخرى، وقد لعبت هذه السلطات أوراق الطرق القادرية والتجانية والطيبية والرحمانية لصالحها، وحتى الشيخية والسنوسية، وذلك بالدس والتحريض، والترفيع والتخفيض، والتحريش والتهويش، وكان المشائخ أحيانا أدوات طيعة، والأتباع الجهلة مطايا ذليلة، فكان المستفيد الوحيد من ذلك هو الاستعمار الفرنسي أولا وأخيرا، وكان الخاسر هو الدين الإسلامي الذي تزعم تلك الطرق أنها تدافع عنه وتتولاه، ومهما كان الأمر فإن لكل طريقة سجلها الفخري أو غير الفخري في خدمة الدين والبلاد أو خدمة الإدارة الفرنسية.
وستتضح السجلات بشكل أكثر وضوحا عند دراستنا لبقية الطرق الصوفية.
стр. 1601
شجرة الطريقة الرحمانية (*)
[صورة]
стр. 1602
الفصل الثاني
الطرق الصوفية (٢)
стр. 1603
الطريقة التجانية
أ - عموميات:
تعرضنا لتأسيس الطريقة التجانية في الجزء الأول من هذا الكتاب، وتناولنا حياة الشيخ أحمد التجاني إلى أن وافاه الأجل في فاس بالمغرب الأقصى سنة ١٨١٤ (١٢٣٠). وكانت عندئذ تعوزنا بعض المصادر الأساسية للطريقة، ولا نريد اليوم أن ندرس حياة الشيخ من جديد، ولكن نريد أن نذكر بعض المصادر التي يرجع إليها تقريبا كل دارس لهذه الطريقة، أولها الكتاب المعروف بالكناش، وهو الأم لكل الكتب التي جاءت بعده، وسنرجع إلى تناوله، ثم كتاب (جواهر المعاني) للحاج علي حرازم، وكتاب (الجامع) لمحمد بن المشري، و (الرماح) لعمار الغوثي السوداني، و (الياقوتة) لمحمد بن العربي، و (كشف الحجاب) لأحمد سكيرج، و (الإفادة الأحمدية) للطيب السفياني، إضافة إلى كتاب (أضواء) الذي ألفه عبد الباقي بن أحمد مفتاح، وما يزال مخطوطا (١).
стр. 1604
وقد تناول الأجانب أيضا الطريقة التجانية مثل دو فيرييه ورين وديبون وكوبولاني، كما صدرت ردود عليها متهمة إياها بالانحراف الديني والصوفي وبالزندقة وحتى بالكفر، بالإضافة إلى دراسات جامعية عن دور هذه الطريقة في السينيغال وغرب إفريقية، وهكذا ترى أنه ليس من السهل دراسة التجانية لأنها ليست طريقة ساكنة مت عبد، مثل بعض الطرق الروحية المجردة، وليست من الطرق المتحركة التي تواجه الانتصارات والهزائم، ولكنها من الطرق الساكنة والمتحركة في نفس الوقت والعاملة ضمن مساحة جغرافية عريضة، يهمنا منها نحن هنا مساحة الجزائر فقط.
ونحب أن نبين نقطتين قبل المضي في الحديث عن التجانية وتطوراتها، الأولى صوفية، والثانية عسكرية، ونعني بالنقطة الصوفية أن الشيخ المؤسس قد أخذ عدة طرق قبل أن يستقل بطريقته، فقد أخذ القادرية عن مقدمها في فاس الشيخ محمد بن حسن، والطيبية عن مؤسسها مولاي الطيب نفسه، والرحمانية عن مؤسسها أيضا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري في آيت إسماعيل، والناصرية عن الشيخ محمد بن عبد الله التزاني، والحبيبية عن المقدم أحمد الحبيب الصديقي، كما أخذ المدنية عن محمد بن عبد الكريم السمان، في المدينة المنورة، والخلوتية عن محمود الكردي العراقي في القاهرة، وأخذ عن شيوخ اخرين طريقتهم مثل أحمد الطواشي بتازة، وعبد الصمد البوجوري بتونس، وأحمد بن عبد الله الهندي بمكة المكرمة، ولعله أخذ أيضا عن شيوخ الشاذلية، ونلاحظ أن بين الرحمانية
стр. 1605
والتجانية سلسلة واحدة تبدأ من الخلوتية عن طريق الشيخ محمود الكردي، وقد ذكرها الشيخ التجاني نفسه، وتبنى هذه السلسلة التي تصله بالإمام علي إلى رسول الله ﷺ إلى جبريل، مرورا بالحسن البصري وحبيب العجمي وأبي القاسم الجنيد، والحفني المصري، ثم محمود الكردي، ولكن مصادر التجانية تذهب إلى أن الشيخ قد تخلى عن جميع الطرق بعد أن ظهر له الفتح الكبير (رؤية الرسول ﷺ ) في بوسمغون، وهو الذي أمره، كما يقولون، بترك جميع الطرق، لأنه هو الذي سيقوده ويتوسط له عند الله ويكون المساعد الاحتياطي له، ومن ثمة أخذ التجاني يعلم أتباعه قواعد طريقة جديدة، ومنها الذكر الخاص بها والذي يقولون إن الرسول ﷺ هو الذي علمه إياه، وقد فرض التجاني على أتباعه شرطا لم يكن موجودا في الطرق الأخرى من قبل وهو عدم الانضمام لأية طريقة أخرى، وإذا فعلوا ذلك فإنه ينالهم الطرد من حضرة الله واللعنة منه، وسنعمد لنوعية الذكر الذي يردده التجانيون.
أما النقطة الثانية والتي قلنا إنها عسكرية فترجع إلى علاقة التجانية بالنظام العثماني السياسي وقت انتشارها وإلى حدود سنة ١٨٣٠، وقد عرفنا أن علاقة هذا النظام بالطرق الصوفية عموما لم تكن على ما يرام في الثلاثين سنة الأخيرة قبل الاحتلال الفرنسي، فقد هاجر أحمد التجاني نفسه إلى المغرب بعد أن أحس بالمضايقات في الجزائر من جانب بايات الغرب، وقد وجد تكريما خاصا من سلطان المغرب، المولى سليمان، وعرفنا أن محمد بن عبد الرحمن الأزهري قد اتهم بالزندقة، ونصب له مجلس لمناظرته على يد المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين الأزهري، ثم ترك في حال سبيله، وثارت الطريقة الدرقاوية ثورتها المشهورة في غرب البلاد وحتى في شرقها، حتى قال بعض الباحثين إن اسم (الدرقاوة) كان يعني الثورة والتمرد، كما تعني ربما كلمة (فلاقة) في العهد الفرنسي، واخر ما نشير إليه هو ما تعرض له شيخ القادرية (محيي الدين) وولده عبد القادر على يد الباي حسن بوهران، حين عزما على الحج، ومن ضحايا العثمانيين في هذه الظروف أيضا
стр. 1606
الشيخ محمد بلقندوز الذي اغتيل للاشتباه فيه، فأين التجانية من كل ذلك؟، الواقع أن هذه الطريقة كانت مطاردة، حتى بعد وفاة شيخها في المغرب وخلافة الحاج علي الينبوعي له بتماسين، ولم يكن بعين ماضي عندئذ ١٨٢٦ - ١٨٢٧ سوى ابني الشيخ التجاني اللذين جاء بهما الحاج علي من فاس (١). وهما: محمد الكبير ومحمد الصغير، وقد وقعت عدة أحداث وهجومات بين باي وهران والتجانيين بعين ماضي من جهة وبين باي التيطري وعين ماضي من جهة أخرى، ثم هاجم محمد الكبير التجاني مدينة معسكر وكاد يحتلها لولا أنه قتل خلال ذلك، وكان أخوه محمد الصغير في بوسمغون فلم يحضر هذا المصير، فرجع إلى عين ماضي وأخذ قيادة الطريقة والسياسة، ولكنه كان أميل إلى الهدوء من أخيه، وتحالف مع أحمد بن سالم زعيم أحد الصفوف بالأغواط، ولكن بركة الطريقة الحقيقية كانت في يد الحاج علي بتماسين، ولا ندري موقفه إزاء الهجومات التي قام بها التجانيون ضد بايات وهران، وتقول المصادر الفرنسية إن قيادته الحكيمة للطريقة هي التي فرضت على محمد الكبير (الذي قتل في معسكر) الخط الذي سار عليه هو في الجانب الشرقي من الجزائر وفي تونس، إننا نذكر هذه الأحداث السياسية - العسكرية وعلاقة التجانية بها لنفهم بعد ذلك ما قيل عن رفض انضمام التجانية للمقاومة ضد الفرنسيين من أنه رفض يقوم على أساس مبدئي وهو تفضيل التصوف والسكون على الجهاد والحركة، وقد استغل الفرنسيون هذا الموقف أقصى حدود الاستغلال، رغم أنه لم يكن منسجما مع موقف التجانية من النظام العثماني، ولا مع مواقفها في غرب إفريقية.
انتشرت الطريقة التجانية في التل وفي الجنوب عن طريق القوافل التجارية بالخصوص. وكثر مقدموها وأتباعها وزواياها، وأصبحت قوة ينشد
стр. 1607
تحالفها الراغبون في التحالف سواء من العناصر الإسلامية أو من الأجانب، كانت القوافل التجارية تعبر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، نحو فاس وتلمسان وتوات والهقار وفوتا والسينيغال، الخ، كلما كثر الأتباع والمقدمون كلما جاءت الزيارات والأمداد والنفوذ، وقد أصبحت عين ماضي وتماسين مركزين ثريين بالمال عن طريق التجارة وعمارة الأسواق، وكانت الزاوية هنا وهناك هي المحرك لهذه الشبكة من القوافل التي تحمل الذهب والعبيد والتبر ومختلف البضائع المتبادلة بين المغرب العربي وإفريقية في ذلك العهد، وهذه الظاهرة لم تكن تخفى على الفرنسيين ولا على الإنكليز ولا حتى الألمان عندئذ، فقد كان الفرنسيون في السينيغال يرقبون تحرك التجانية وارتباطاتها بالأمراء وقوة زواياها، وكانت مخابراتهم في الجزائر وفي السينيغال نشطة في ربط الاتصالات ومنافسة الإنكليز والاستفادة من هذه القوة (الدينية المحلية).
ويجب أن نذكر أن هذه هي فترة الحاج عمر في غرب إفريقية، وكان الحاج عمر هذا قد تأثر بالوهابيين، وتحول من القادرية إلى التجانية، وكان يحارب الفرنسيين بدون هوادة إلى أن هلك، وقمعت حركته رغم أن ابنه قد واصل جهاده، فكيف تكون التجانية محاربة لفرنسا في غرب إفريقية وموالية لها في الجزائر؟ وكيف تكون القادرية محاربة لفرنسا في الجزائر بسيف الأمير عبد القادر وساكنة في نواحي شنقيط وتمبكتو وغيرهما على يد أحمد البكاي القادري (١)؟ هل هي حالة الإسلام والمسلمين عندئذ كما هي حالة الاسلام والمسلمين اليوم بدون منطق ولا رابطة ولا رأس؟.
هز الاحتلال الفرنسي الجزائر كلها ولكن ليس في وقت واحد، لقد أسقط الاحتلال النظام المركزي ولكن أسلوب الحكم السابق جعل ردود الفعل ليست على درجة واحدة، فقد شعر البعض بالانهيار بينما شعر آخرون بالتحرر، وهم لم يعرفوا بعد معاملة الفرنسيين لهم ولا نواياهم في البقاء والاستيطان، كما أنه لم تظهر قيادة ناضجة موحدة ومسموعة الكلمة غداة الاحتلال، وكان على هذه القيادة أن تعركها التجارب ويصهرها الزمن قبل أن تصبح
стр. 1608
معروقة ومسموعة الكلمة، ولكن عندما وقع ذلك كانت السلطة الفرنسية بدورها قد تجذرت وجلبت خيلها ورجلها وعزمت على استخدام كل الوسائل للهجوم والبقاء، وقد احتلت الجزائر بالمراحل، حسب درجة المقاومة، وآخر جزء من شمالها احتل سنة ١٨٥٧، أما الصحراء الشمالية فقد احتلت خلال الأربعينات والخمسينات، وكان دخول الفرنسيين عين ماضي سنة ١٨٤٤ حين داسها العقيد سانطارنو ومن معه بنعالهم وفرضوا على أهلها الضرائب الحربية، وبعد عشر سنوات (١٨٥٤) وقع احتلال تماسين، وبين ١٨٣٠ - ١٨٤٤ كانت الطريقة التجانية تعيش أحلامها، كانت تظن أنه في الإمكان البقاء على الحياد في معركة جند لها العدو كل سلاحه، وفي وقت فقدت فيه البلاد كل القيادات (١) عدا قيادة المرابطين والطرق الصوفية، حاملة البركة ووارثة الأشراف والأنبياء، أما الباقون فمخازنية يخدمون من يدفع أكثر ويهتمون ببطونهم قبل دينهم ووطنهم، أو حضريون دجنتهم المدينة وبطرهم العيش الرخي ففقدوا الشهامة والغيرة وأخلدوا إلى الراحة والسكون.
يجد الفرنسيون مبررا لكل حركة معادية للوحدة الوطنية، فقد قالوا. كما رأينا، عن الدرقاوية - الشاذلية إن موسى الدرقاوي قد خرج عن تعاليمها برفعه السلاح وإعلانه الجهاد، وأن شيخها العربي بن عطية قد نصحه بالرجوع إلى تعاليم الطريقة والتزام الحياد، وقالوا عن الرحمانيين الذين لم يؤيدوا ثورة ١٨٧١ إنهم استمعوا إلى (نصيحة) التجانية بأن الوقت لم يحن لطرد الفرنسيين وأن الله (قدر) تغلبهم على المسلمين هذه الساعة، وقالوا عن أحمد بن سالم الأغواطي إنه أجاب موسى الدرقاوي حين دعاه للجهاد، بأنه (ابن سالم) تجاني الطريقة، وأن الشيخ التجاني قد وضع التمر في فمه فأصبح بذلك ملتزما بعدم الحرب، ولكنه لا يمنع من يرغب في الانضمام إليه (الدرقاوي). ونصل الآن إلى موقف التجانية من حركة الأمير، لقد استغل الفرنسيون موقف التجانية أشنع استغلال في كل حديث لهم عن هذه الطريقة
стр. 1609
وفي كل الظروف، فكلما ذكروا التجانية مجدوها في دعواهم، بأنها صاحبة الموقف المعادي للأمير والمؤيد لفرنسا، وهو الموقف الذي بقي ثابتا لا يتغير إلا نادرا، فانسحب موقف التجانية من الأمير في نظر الفرنسيين، على موقفها من كل الحركة الوطنية، ولعل هذا هو أسوأ أنواع الاستغلال لحدث من الأحداث.
لا شك أن الأمير قد جس نبض التجانية منذ توليه الإمارة سنة ١٨٣٢. فقد اتصل بطرق صوفية أخرى وبشخصيات لعلها دون التجانية في المنزلة والأهمية، وقد عين خلفاءه ووزراءه ونحوهم من مختلف المرابطين ورجال الطرق الصوفية، ومن موظفي الدولة السابقة ومن العلماء، ولم يميز بين طريقة وطريقة أو بين فئة وفئة إلا بالعلم والكفاءة والالتزام للجهاد، فعين من الرحمانيين والدرقاويين والقادريين والشاذليين وراسل الشيخية، كما عرفنا، وراسل العربي بن عطية زعيم الشاذلية - الدرقاوية، ورسائل الأمير إلى هذا الشيخ تدل على احترام وتقدير كبير له، رغم تحفظ ابن عطية من الحرب، وقبل الأمير عذر الشيخية، فهل يكون قد أغفل الاتصال بالشيخ محمد الصغير التجاني في عين ماضي والحاج علي الينبوعي في تماسين؟ لا نظن ذلك (١). يقول رين: إن الأمير حاول أن يجلب التجانية إلى قيادته، منذ ١٨٣٦ (وربما قبل ذلك). ولكنه فشل، ويؤكد بيان الأمير ورسائله أنه أجرى اتصالات مع محمد الصغير التجاني قبل هجوم ١٨٣٨، وأنه لم يقم بذلك إلا عندما ثبت له خطر الاتصالات بين التجاني والفرنسيين (٢). والرسالة نفسها تشير إلى تقدير الأمير للتجاني وظنه الخير فيه لأنه من أهل الدين
стр. 1610
والذين هم محل احترام عند الأمير.
ويذكر موجان في كتابه (تاريخ الأغواط) أن محمد الصغير التجاني كان قد بعث بخيول الطاعة إلى خليفة الأمير، الحاج العربي بن عيسى، وكذلك فعل الآغا جلول قائد جبل عمور، ويبدو أن الخليفة الحاج العربي بن عيسى هو الذي لم يحسن استغلال الفرصة، ولعله قد اكتشف ما يجعله يتصرف ذلك التصرف، فقد كان المعارض الحقيقي له هو أحمد بن سالم قائد الأغواط الذي رفض أن يفعل ما فعله الشيخ التجاني والآغا جلول، وكانت بين الحاج العربي وابن سالم خلافات محلية، ولما اقترب الخليفة الحاج العربي من الأغواط ومعه قطعة من الجيش النظامي، انضم إليه سكان الأغواط بكل صفوفهم، وكذلك أهل الأرباع الذين كان قائدهم هو ناصر بن شهرة، ولكن أحمد بن سالم قد هرب إلى صهره ابن شهرة، ثم خشي العاقبة فابتعد إلى بني يسقن في وادي ميزاب، ولو نجح الخليفة الحاج العربي في التعامل مع القادة المحليين، بمن فيهم شيخ عين ماضي، لقضى على سوء التفاهم الذي حصل بين الأمير وهذا الشيخ.
ومحتوى رسالة الأمير إلى ممثله بالمغرب أنه بعد أن أعاد تنظيم الأوضاع في الولايات الشرقية (حمزة ومجانة وسطيف ...) وأصلح حالها وعين عليها الخلفاء والقواد، عزم على تنظيم الأوضاع في الجهة الجنوبية أيضا، ولما بلغ ذلك محمد الصغير التجاني كاتب الأمير طالبا منه عدم القدوم إلى (قصور الصحراء) وأن لا ينفذ رأيه في ذلك، وفي نفس الوقت شرع التجاني في الاستعداد للحرب، فجمع الخلفاء من مختلف النواحي وأدخلهم داخل بلدة عين ماضي، وفي رأي الأمير أن ذلك يعد تشويشا لأهالي الصحراء ومبادرة بالقتال من جانب التجاني، ومن جهة أخرى قالت رسالة الأمير أن مخابراته اكتشفت رسائل من التجاني إلى الحاكم العام الفرنسي (المارشال فاليه). وهذه الرسائل كانت بخط التجاني نفسه، وهو يقول فيها للقائد الفرنسي: اشغل أنت الأمير من جهة البحر وأنا سأشغله من جهة الصحراء، وقد كاتب التجاني أيضا أهل الأغواط، وادعى لهم، حسب
стр. 1611
رسالة الأمير، أنه خليفة الله في أرضه، وكان الأمير قد خاب ظنه في التجاني بعد الاطلاع على رسائله وتصريحاته، فقد كان يعتبره من المرابطين، ويعامله معاملة أهل الخير (وأحد أعيان الوطن).
ويعتقد جورج ايفير Yver أن الأمير قد لجأ إلى هذا الأسلوب لكي يقنع السلطان عبد الرحمن بن هشام بخطأ موقف التجاني، ولكي يستعطف تعاون المغاربة معه، سيما إرسال الأسلحة والمعدات الحربية التي ذكرها الأمير في رسالته إلى ممثله ابن جلون، ومن المفيد أن نلاحظ أن الأمير كان يخطط للحرب ضد الفرنسيين بعد ذلك، فقد كشف في رسالته المذكورة أن هؤلاء كانوا يستعدون لاستئناف الحرب معه بعد أن احتلوا قسنطينة، وكان الصلح معه من أجل قضاء مآربهم، وكان الأمير مسرعا في تنظيم البلاد وتوحيدها قبل استئناف الحرب مع الفرنسيين، وقد قال عن العدو: (وما أخرنا عن عداوته (أي حربه) إلا جمع الحرج (الآلة العسكرية) والإقامة (المؤونة)) (١). وبناء على هذه الرؤية فإن إخضاع التجاني كان يدخل في توحيد البلاد والحصول على اعتراف الجميع بسلطة مركزية واحدة (٢).
وكذلك يؤكد كلام (رين) إصرار التجاني والحاج علي التماسيني على عدم الانضمام إلى حركة الأمير، عن منطق وقناعة، إذ يقول إنهما كانا على يقين من أن الأمير سيفشل لا محالة في حربه ضد فرنسا وأنهما لن يجنيا شيئا منه حتى ولو نجح، لأن التل يقع بين يدي طرق صوفية أخرى أقدم من
стр. 1612
التجانية وأكثر تجذرا بين السكان، ورأيا أن التبعية للأمير غير مناسبة لهما، ولذلك رفضا الانضمام إليه رفضا رسميا (١). ولكن هذا التفسير يلقي الأضواء على رأي الفرنسيين عندئذ في العلاقات بين الطرق الصوفية أكثر مما رأى التجاني في سياسة الأمير.
ونفهم من كلام رين أن الرفض كان بسبب الهجوم على عين ماضي من قبل الأمير، ونحن لا نظن ذلك، لأسباب منها أنه لو التزم كل منهما (التجاني والتماسيني) الحياد الفعلي لما هاجم الأمير ربما، مقر التجانية، فقد سبق لطرق أخرى أن أعلنت الحياد، كالشيخية (وهي أكثر أهمية من حيث العدد والموقع من التجانية) والدرقاوية، ومع ذلك لم يهاجمهما الأمير، ومن جهة أخرى، نعلم أن مشيخة الطريقة التجانية عندئذ كانت في تماسين (الحاج علي) وليس في عين ماضي (محمد الصغير) الذي لم يأخذ هذه المشيخة إلا بعد وفاة الحاج علي سنة ١٨٤٤، وكانت تبعية إخوان التجانية بالتالي لتماسين وليس لعين ماضي، فكان الأولى بالأمير والحالة هذه أن يهاجم تماسين، وكان يمكن لخليفته في الزيبان أن يقوم بذلك لو أصدر له الأمر، ولكن ذلك لم يحدث، فلم يبق إلا الموقف الذي أشرنا إليه وهو الاتصالات التي جرت بين الشيخ محمد الصغير التجاني والسلطات الفرنسية والتي تشير رسالة الأمير إلى أنه اكتشفها عن طريق مخابراته، وقد أكدت ذلك المراسلة التي دارت بين المارشال فاليه ومحمد الصغير التجاني.
ومع ذلك فمن حق الباحث أن يسأل: ماذا لو أن الأمير لم يهاجم عين ماضي، وهي بعيدة إلى ذلك الحين عن مراكزه وعن مراكز الفرنسيين معا ولم يكن قد انتقل بعد إلى تاكدمت أو اضطر إلى ترك المدن الداخلية كتلمسان ومعسكر ومليانة الخ؟ وكان الجزائريون ينضمون لحركة الجهاد بالغريزة وبالمجاورة وتبعا للمصالح المشتركة، فكيف نتصور أن (أحباب) التجانية في مناطق الأمير لم ينضموا إلى حركة الجهاد؟ وهل في استطاعة أي قائد،
стр. 1613
روحي أو غيره، أن يمنع الناس من الجهاد عندئذ، حتى ولو كان محمد الصغير التجاني؟ إننا نعتقد أن حركة الجهاد الأولى قد ساهم فيها تقريبا كل الجزائريين، بقطع النظر عن رؤساء الطرق الصوفية أو الزعامات الأخرى، حقيقة أن الفرنسيين أخذوا ينوهون بالقيادات التجانية منذئذ، لأنها رفعت شعارا مثبطا لحركة الجهاد، وهو قولها: إن الله قد حكم وقدر للجزائر الآن أن تكون بيد الفرنسيين، وأن تحريرها متوقف على عامل الوقت، وهذا الوقت لم يحن بعد، ولن يحين ما دام الفرنسيون أقوياء، وبمعنى آخر إنهم (التجانية) رفعوا الشعار الآتي، وهو أن الاحتلال مكتوب ومقدر ولا فائدة من محاولة التخلص من المكتوب والمقدور ولأن ذلك ضد إرادة الله (١).
جرى إذن حصار الأمير لعين ماضي سنة ١٨٣٨ أيام الهدنة بينه وبين الفرنسيين (معاهدة التافنة). وكان حصارا غير موفق، فبعد المسافة وحرارة الصيف، وانقطاع المؤونة، ومقاومة المحاصرين العنيدة، كلها أدت إلى النتيجة غير المتوقعة، وهي فرض الطاعة على الشيخ محمد الصغير التجاني وقطع الصلة بينه وبين الفرنسيين حتى لا يكون وسيلة للالتفاف على حركة الجهاد بعد ذلك، وكانت معاهدة التافنة تسمح للأمير بشراء السلاح من الفرنسيين ومن غيرهم، وزاد الطين بلة وجود الجاسوس ليون روش الذي كان يلعب دور المورط بين الأمير وشيخ عين ماضي، فالفرنسيون سيكونون هم الرابحين على كل حال، لأن فاليه كان يريد إغراء الأمير بتغيير بعض بنود معاهدة التافنة المتعلقة بالحدود الشرقية (وقد فتح المفاوضات فيما بعد مع المولود بن عراش في الجزائر أثناء رجوع ابن عراش من مقابلة الملك الفرنسي في باريس) (٢). ولو ربح محمد الصغير التجاني المعركة لكانت
стр. 1614
فرنسا قد كسبت أيضا لأن حركة الجهاد ستتصدع بوجود زعيم آخر منافس للأمير، وكانت نتيجة حصار عين ماضي معروفة، وهو الحصار الذي دام حوالي ثمانية أشهر وقد انتهى بالمفاوضة وليس بالسلاح، فقد أرسل الأمير صهره وخليفته مصطفى بن التهامي، وهو من رجال الدين والعلم والأدب، أرسله إلى محمد الصغير التجاني وعرض عليه إنهاء الحرب بالصلح.
رغم الحصار الطويل فإن نهايته كانت مثالا على المعاملة الطيبة في حالة الحرب، ودرسا في الاحترام اللازم للطرفين، فلم يكن هناك انتقام ولا تمثيل أو قتل أو حرق، لا ضرورة له، كما فعل الفرنسيون مع القرى والأشخاص المقاومين، فقد عامل الأمير (المرابط) التجاني وعائلته معاملة تليق به وأعطاه الوقت الكافي ليجمع شؤونه، وكذلك أعطاه لوازم الحمل والركوب، وأخذ كل ما يريد أخذه معه، ثم أمر الأمير بانسحاب الجيش من عين ماضي استجابة لطلب التجاني، وعندما أعلن التجاني عن نيته في التوجه إلى الأغواط طلب الأمير من أهلها إعداد منزل لائق للتجاني وعائلته، ومن جهة أخرى، أهداه محمد الصغير التجانى ما قيمته ٣٠ ألف ريال (خمسة وخمسون ألف فرنك عندئذ) وملابس وعبيد وخيول، وربما كان هذا المبلغ نوعا من الضريبة الحربية، وأرسل التجاني ابنه إلى الأمير رهينة على رأس وفد من الأعيان، وهي عادة عربية قديمة في مثل هذه الظروف، وقد قبل الأمير شرط التجاني بالانسحاب إلى الأغواط مع أخذ عائلته معه وكل ما يريد، فأخذ التجاني، كما قيل، قافلة كاملة من الحاجات، وكذلك سمح له الأمير بعدة أيام جمع فيها أموره استعدادا للرحيل ووفر له ولعائلته وسائل النقل، مضيفا إليه بغلين وحصانين مجهزين غاية التجهيز، أحدهما، ليركبه الشيخ التجاني، وبطلب من التجاني ابتعد جيش الأمير إلى سيدي بوزيد شمال عين ماضي، وعندما خرج التجاني من أحد أبواب البلدة دخلها الأمير من باب آخر، وبقي فيها حوالي أسبوع، وتلقى فيها مبايعة أهلها وأهل النواحي الصحراوية، طبقا للعادة، وفي يوم ٢٦ يناير ١٨٣٩ رجع
стр. 1615
الأمير إلى تاكدامت، وبعد عدة شهور رجع التجاني إلى عين ماضي (١).
ويمكن القول إن هجوم عين ماضي قد أضر بسمعة الأمير أيضا لأن طول الحصار قد بدا للناس وكأنه عجز عسكري من جانبه، كما أن طول غيابه عن شؤون الدولة الفتية، التي كان يريد تأسيسها في عهد الصلح مع الفرنسيين، قد جعل الأمور تسير ببطء، وهو ما لم يكن في الحسبان، فقد كان الأمير في سباق مع الزمن، لأنه كان متأكدا أن الفرنسيين سيعودون إلى حربه بعد الاستيلاء على قسنطينة (١٨٣٧). فكان حصار عين ماضي مضيعة للوقت والجهد والسمعة، ولعل الفرنسيين هم الذين افتعلوا العداوة بين الأمير والتجاني ليستفيدوا منها في وقت لاحق، وهو ما حدث فعلا.
قلنا إن الفرنسيين استغلوا هذا الحادث لتوسيع الهوة بين التجانية وحركة الجهاد ليس فقط في عهد الأمير ولكن خلال عهد الاحتلال كله، وقلنا أيضا إن الفرنسيين سيكونون هم الرابحين من حصار عين ماضي لأنهم سيظهرون كأصدقاء للمنتصرين والمنهزمين معا، وإذا كان صلحهم مع الأمير قد انتهى بإعلان الحرب من جديد سنة ١٨٣٩ فإن صداقتهم للتجانية في دعواهم قد دامت طيلة الاحتلال تقريبا، وقد كان الفرنسيون يعرفون أن التجانية لن يرتموا في أحضانهم كمسيحيين، بعد أن حاربوا العثمانيين ورفضوا طاعة الأمير، ولو فعلوا ذلك علنا، كما فعلت فئات وطرق أخرى، لانكشف سر الطريقة وانتهى نفوذها بين الناس، فكانت المعاملة حذرة من كلا الطرفين، فلا الطريقة التجانية تستطيع أن تجاهر بحبها لفرنسا ولا هذه