← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

رسالة الأمير، أنه خليفة الله في أرضه، وكان الأمير قد خاب ظنه في التجاني بعد الاطلاع على رسائله وتصريحاته، فقد كان يعتبره من المرابطين، ويعامله معاملة أهل الخير (وأحد أعيان الوطن). ويعتقد جورج ايفير Yver أن الأمير قد لجأ إلى هذا الأسلوب لكي يقنع السلطان عبد الرحمن بن هشام بخطأ موقف التجاني، ولكي يستعطف تعاون المغاربة معه، سيما إرسال الأسلحة والمعدات الحربية التي ذكرها الأمير في رسالته إلى ممثله ابن جلون، ومن المفيد أن نلاحظ أن الأمير كان يخطط للحرب ضد الفرنسيين بعد ذلك، فقد كشف في رسالته المذكورة أن هؤلاء كانوا يستعدون لاستئناف الحرب معه بعد أن احتلوا قسنطينة، وكان الصلح معه من أجل قضاء مآربهم، وكان الأمير مسرعا في تنظيم البلاد وتوحيدها قبل استئناف الحرب مع الفرنسيين، وقد قال عن العدو: (وما أخرنا عن عداوته (أي حربه) إلا جمع الحرج (الآلة العسكرية) والإقامة (المؤونة)) (١). وبناء على هذه الرؤية فإن إخضاع التجاني كان يدخل في توحيد البلاد والحصول على اعتراف الجميع بسلطة مركزية واحدة (٢). وكذلك يؤكد كلام (رين) إصرار التجاني والحاج علي التماسيني على عدم الانضمام إلى حركة الأمير، عن منطق وقناعة، إذ يقول إنهما كانا على يقين من أن الأمير سيفشل لا محالة في حربه ضد فرنسا وأنهما لن يجنيا شيئا منه حتى ولو نجح، لأن التل يقع بين يدي طرق صوفية أخرى أقدم من

стр. 1612

التجانية وأكثر تجذرا بين السكان، ورأيا أن التبعية للأمير غير مناسبة لهما، ولذلك رفضا الانضمام إليه رفضا رسميا (١). ولكن هذا التفسير يلقي الأضواء على رأي الفرنسيين عندئذ في العلاقات بين الطرق الصوفية أكثر مما رأى التجاني في سياسة الأمير. ونفهم من كلام رين أن الرفض كان بسبب الهجوم على عين ماضي من قبل الأمير، ونحن لا نظن ذلك، لأسباب منها أنه لو التزم كل منهما (التجاني والتماسيني) الحياد الفعلي لما هاجم الأمير ربما، مقر التجانية، فقد سبق لطرق أخرى أن أعلنت الحياد، كالشيخية (وهي أكثر أهمية من حيث العدد والموقع من التجانية) والدرقاوية، ومع ذلك لم يهاجمهما الأمير، ومن جهة أخرى، نعلم أن مشيخة الطريقة التجانية عندئذ كانت في تماسين (الحاج علي) وليس في عين ماضي (محمد الصغير) الذي لم يأخذ هذه المشيخة إلا بعد وفاة الحاج علي سنة ١٨٤٤، وكانت تبعية إخوان التجانية بالتالي لتماسين وليس لعين ماضي، فكان الأولى بالأمير والحالة هذه أن يهاجم تماسين، وكان يمكن لخليفته في الزيبان أن يقوم بذلك لو أصدر له الأمر، ولكن ذلك لم يحدث، فلم يبق إلا الموقف الذي أشرنا إليه وهو الاتصالات التي جرت بين الشيخ محمد الصغير التجاني والسلطات الفرنسية والتي تشير رسالة الأمير إلى أنه اكتشفها عن طريق مخابراته، وقد أكدت ذلك المراسلة التي دارت بين المارشال فاليه ومحمد الصغير التجاني. ومع ذلك فمن حق الباحث أن يسأل: ماذا لو أن الأمير لم يهاجم عين ماضي، وهي بعيدة إلى ذلك الحين عن مراكزه وعن مراكز الفرنسيين معا ولم يكن قد انتقل بعد إلى تاكدمت أو اضطر إلى ترك المدن الداخلية كتلمسان ومعسكر ومليانة الخ؟ وكان الجزائريون ينضمون لحركة الجهاد بالغريزة وبالمجاورة وتبعا للمصالح المشتركة، فكيف نتصور أن (أحباب) التجانية في مناطق الأمير لم ينضموا إلى حركة الجهاد؟ وهل في استطاعة أي قائد،

стр. 1613

روحي أو غيره، أن يمنع الناس من الجهاد عندئذ، حتى ولو كان محمد الصغير التجاني؟ إننا نعتقد أن حركة الجهاد الأولى قد ساهم فيها تقريبا كل الجزائريين، بقطع النظر عن رؤساء الطرق الصوفية أو الزعامات الأخرى، حقيقة أن الفرنسيين أخذوا ينوهون بالقيادات التجانية منذئذ، لأنها رفعت شعارا مثبطا لحركة الجهاد، وهو قولها: إن الله قد حكم وقدر للجزائر الآن أن تكون بيد الفرنسيين، وأن تحريرها متوقف على عامل الوقت، وهذا الوقت لم يحن بعد، ولن يحين ما دام الفرنسيون أقوياء، وبمعنى آخر إنهم (التجانية) رفعوا الشعار الآتي، وهو أن الاحتلال مكتوب ومقدر ولا فائدة من محاولة التخلص من المكتوب والمقدور ولأن ذلك ضد إرادة الله (١). جرى إذن حصار الأمير لعين ماضي سنة ١٨٣٨ أيام الهدنة بينه وبين الفرنسيين (معاهدة التافنة). وكان حصارا غير موفق، فبعد المسافة وحرارة الصيف، وانقطاع المؤونة، ومقاومة المحاصرين العنيدة، كلها أدت إلى النتيجة غير المتوقعة، وهي فرض الطاعة على الشيخ محمد الصغير التجاني وقطع الصلة بينه وبين الفرنسيين حتى لا يكون وسيلة للالتفاف على حركة الجهاد بعد ذلك، وكانت معاهدة التافنة تسمح للأمير بشراء السلاح من الفرنسيين ومن غيرهم، وزاد الطين بلة وجود الجاسوس ليون روش الذي كان يلعب دور المورط بين الأمير وشيخ عين ماضي، فالفرنسيون سيكونون هم الرابحين على كل حال، لأن فاليه كان يريد إغراء الأمير بتغيير بعض بنود معاهدة التافنة المتعلقة بالحدود الشرقية (وقد فتح المفاوضات فيما بعد مع المولود بن عراش في الجزائر أثناء رجوع ابن عراش من مقابلة الملك الفرنسي في باريس) (٢). ولو ربح محمد الصغير التجاني المعركة لكانت

стр. 1614

فرنسا قد كسبت أيضا لأن حركة الجهاد ستتصدع بوجود زعيم آخر منافس للأمير، وكانت نتيجة حصار عين ماضي معروفة، وهو الحصار الذي دام حوالي ثمانية أشهر وقد انتهى بالمفاوضة وليس بالسلاح، فقد أرسل الأمير صهره وخليفته مصطفى بن التهامي، وهو من رجال الدين والعلم والأدب، أرسله إلى محمد الصغير التجاني وعرض عليه إنهاء الحرب بالصلح. رغم الحصار الطويل فإن نهايته كانت مثالا على المعاملة الطيبة في حالة الحرب، ودرسا في الاحترام اللازم للطرفين، فلم يكن هناك انتقام ولا تمثيل أو قتل أو حرق، لا ضرورة له، كما فعل الفرنسيون مع القرى والأشخاص المقاومين، فقد عامل الأمير (المرابط) التجاني وعائلته معاملة تليق به وأعطاه الوقت الكافي ليجمع شؤونه، وكذلك أعطاه لوازم الحمل والركوب، وأخذ كل ما يريد أخذه معه، ثم أمر الأمير بانسحاب الجيش من عين ماضي استجابة لطلب التجاني، وعندما أعلن التجاني عن نيته في التوجه إلى الأغواط طلب الأمير من أهلها إعداد منزل لائق للتجاني وعائلته، ومن جهة أخرى، أهداه محمد الصغير التجانى ما قيمته ٣٠ ألف ريال (خمسة وخمسون ألف فرنك عندئذ) وملابس وعبيد وخيول، وربما كان هذا المبلغ نوعا من الضريبة الحربية، وأرسل التجاني ابنه إلى الأمير رهينة على رأس وفد من الأعيان، وهي عادة عربية قديمة في مثل هذه الظروف، وقد قبل الأمير شرط التجاني بالانسحاب إلى الأغواط مع أخذ عائلته معه وكل ما يريد، فأخذ التجاني، كما قيل، قافلة كاملة من الحاجات، وكذلك سمح له الأمير بعدة أيام جمع فيها أموره استعدادا للرحيل ووفر له ولعائلته وسائل النقل، مضيفا إليه بغلين وحصانين مجهزين غاية التجهيز، أحدهما، ليركبه الشيخ التجاني، وبطلب من التجاني ابتعد جيش الأمير إلى سيدي بوزيد شمال عين ماضي، وعندما خرج التجاني من أحد أبواب البلدة دخلها الأمير من باب آخر، وبقي فيها حوالي أسبوع، وتلقى فيها مبايعة أهلها وأهل النواحي الصحراوية، طبقا للعادة، وفي يوم ٢٦ يناير ١٨٣٩ رجع

стр. 1615

الأمير إلى تاكدامت، وبعد عدة شهور رجع التجاني إلى عين ماضي (١). ويمكن القول إن هجوم عين ماضي قد أضر بسمعة الأمير أيضا لأن طول الحصار قد بدا للناس وكأنه عجز عسكري من جانبه، كما أن طول غيابه عن شؤون الدولة الفتية، التي كان يريد تأسيسها في عهد الصلح مع الفرنسيين، قد جعل الأمور تسير ببطء، وهو ما لم يكن في الحسبان، فقد كان الأمير في سباق مع الزمن، لأنه كان متأكدا أن الفرنسيين سيعودون إلى حربه بعد الاستيلاء على قسنطينة (١٨٣٧). فكان حصار عين ماضي مضيعة للوقت والجهد والسمعة، ولعل الفرنسيين هم الذين افتعلوا العداوة بين الأمير والتجاني ليستفيدوا منها في وقت لاحق، وهو ما حدث فعلا. قلنا إن الفرنسيين استغلوا هذا الحادث لتوسيع الهوة بين التجانية وحركة الجهاد ليس فقط في عهد الأمير ولكن خلال عهد الاحتلال كله، وقلنا أيضا إن الفرنسيين سيكونون هم الرابحين من حصار عين ماضي لأنهم سيظهرون كأصدقاء للمنتصرين والمنهزمين معا، وإذا كان صلحهم مع الأمير قد انتهى بإعلان الحرب من جديد سنة ١٨٣٩ فإن صداقتهم للتجانية في دعواهم قد دامت طيلة الاحتلال تقريبا، وقد كان الفرنسيون يعرفون أن التجانية لن يرتموا في أحضانهم كمسيحيين، بعد أن حاربوا العثمانيين ورفضوا طاعة الأمير، ولو فعلوا ذلك علنا، كما فعلت فئات وطرق أخرى، لانكشف سر الطريقة وانتهى نفوذها بين الناس، فكانت المعاملة حذرة من كلا الطرفين، فلا الطريقة التجانية تستطيع أن تجاهر بحبها لفرنسا ولا هذه

стр. 1616

تريد منها أن تفعل ذلك، خشية العذال والشامتين والحاسدين، إنه الغزل العذري فقط وليس الزواج!. يقول (رين): لا يمكن لمحمد الصغير التجاني ولا الحاج علي أن يكونا نصيرين للمسيحيين بعد الأتراك، لكنهما تابعا الاحتلال الفرنسي بانتباه، وعرفا أن المسلمين عليهم أن يقبلوا الاحتلال إلى أن يأتي وقت آخر، ما دام الفرنسيون يتركونهم ي عبد ون ربهم ويعتمدون على العدالة والمساواة الفرنسيتين، لقد كانا ينظران إلى مؤسساتنا نظرة تعاطف، وقد اتخذنا نحن منهما موقفا واضحا منذ ١٨٤٠ (أي منذ إعلان الحرب الطاحنة ضد حركة الجهاد بقيادة الأمير علي يد فاليه ثم بوجو). ذلك أن محمد الصغير التجاني قد عرض على فاليه دعمه الروحي والمادي ضد الأمير (١). من هنا بدأت (١٨٤٠) الصلة بين التجانية والفرنسيين، وهذه اللغة التي يعلن عنها (رين) ستتكرر في الوثائق الفرنسية، سنجدها عند كل من عالج موضوع الطرق الصوفية ومواقفها من الاحتلال، وعند السياسيين أيضا أمثال جول كامبون، الحاكم العام في تأبينه (سنة ١٨٩٧) للشيخ أحمد التجاني نجل محمد الصغير، وأمثال روجي ليونار R. Leonard الحاكم العام الآخر سنة ١٩٥٢، كما سنرى، ولذلك قلنا إن هذه الصلة قد استغلت عن حق أو عن باطل، أبشع استغلال، وإذا كان قادة التجانية يعلمون ذلك، فإن الأتباع كانوا يجهلون هذه الصلة التي اتصلت منذ ١٨٤٠ والتي كان من الممكن أن تنقطع لو أعلن أحد الطرفين الهجران والتخلص من هذا (الغزل) (٢). ولعلنا أطلنا في هذا المدخل عن علاقة التجانية بأحداث البلاد منذ الاحتلال إلى حوالي ١٨٤٠، فقد كان من الممكن أن يدخل حصار عين ماضي التاريخ ويهمش كما دخل التاريخ وهمش حادث الدوائر والزمالة،

стр. 1617

وحادث المشور، وحادث موسى الدرقاوي، وحادث أبي معزة، لأنها جميعا كانت أحداثا متشابهة، ولكن لحاجة ما وقع تهميش كل هذه الأحداث بينما بقي حصار عين ماضي ينسف جمره كلما جاء ذكر الأمير والتجاني والفرنسيين، أليس في ذلك سر يحير الألباب غير الواعية للتاريخ؟. ... ب - فرع عين ماضي: ولنتابع الآن تطور الأحداث في عين ماضي وتماسين والعلاقة مع الفرنسيين، ثم نتناول أذكار الطريقة التجانية وإحصاء أتباعها ونحو ذلك، كما فعلنا مع الطرق الأخرى، رجع محمد الصغير التجاني إلى عين ماضي بعد بضعة أشهر ورممها ونشط الزاوية من جديد، ويقول أحد المصادر: إن الأمير قد أعاد إليه الرهائن وفيهم ولده وقدم إليه هدية واعتذر إليه (١). ومحمد الصغير من الشخصيات التي عركتها الأحداث إلى جانب ثقافته الدينية والصوفية، فقد ولد ١٢١٧ هـ في المغرب الأقصى، وحفظ هناك القرآن الكريم وأخذ مجموعة من العلوم والمعارف قبل وفاة والده سنة ١٢٣٠، فكان عمره عندئذ حوالي ثلاث عشرة سنة، ثم رجع به الحاج علي التماسيني، مع أخيه، إلى الجزائر، وقد عرفنا أن الحاج علي هو وارث بركة الشيخ التجاني، فأبقى الولدين في عين ماضي إلى أن كبرا، وتعلما الفروسية أيضا، وقد رأينا أيضا طمع السلطات العثمانية في إخضاع بلدتهما ورد فعلهما بالهجوم على معسكر، فالذين يقولون إن التجانية طريقة غير محاربة عليهم أن يتذكروا هذه البداية على يد ابني الشيخ التجاني نفسه، وعند وفاة الحاج علي سنة ١٨٤٤ ورث عنه محمد الصغير البركة التجانية، فأصبح هو شيخ الطريقة، وفي هذه الأثناء (١٨٤٤) وقع احتلال بسكرة على يد الدوق دومال،

стр. 1618

فأشار الحاج علي، حسب المصادر الفرنسية، على أهل تلك الجهة بعدم التعرض للفرنسيين لأن إرادة الله شاءت ذلك، وفي نفس السنة جاء الجنرال (ماري مونج M. MONGE) إلى الأغواط فخضع له أحمد بن سالم، حاكمها ومقدم التجانية فيها، بنصيحة من شيخه محمد الصغير التجاني، فعين ماري مونج ابن سالم، خليفة على الأغواط باسم فرنسا. وفي سنة ١٨٤٤ ايضا جاء الفرنسيون لاحتلال الصحراء بعد حروبهم ضد الأمير والقضاء على الزمالة، نزل الجنرال ماري في ١٢ ديسمبر ١٨٤٤ في تجمعوت فاستقبله أحمد بن سالم الأعواطي والأعيان، ولكن محمد الصغير التجاني لم يخرج إليه واكتفى بإرسال رسالة ووفد، ولما سأل الضابط الفرنسي عن ذلك قيل له إن الشيخ لا يخرج للملوك والحكام وأنه لم يقابل حتى الأمير عبد القادر بعد حصار عين ماضي لأنه لا يعترف بأي سلطة زمنية، وبدل أن يفرض عليه الجنرال الفرنسي الخروج جرب معه طريقة أخرى ليرى ما إذا كان صادقا في دعواه الإخلاص والأمن، فأرسل إليه فرقة عسكرية صغيرة من اثني عشر ضابطا على رأسهم العقيد سانطارنو، وكان الهدف هو التعرف على المدينة أيضا، كما أرسل معهم جنودا فرنسيين و ٢٠٠ من الفرسان الموالين لأحمد بن سالم، ورؤساء الأرباع، وكان من بين هذا الوفد أحمد بن سالم نفسه، ورغم أن محمد الصغير قد خاف من هذه (الحملة). فإنه أحسن استقبالها واستفسر عن الأحوال، وأقام لهم ضيفة، وحققوا هدفهم الآخر وهو التعرف على المدينة من الداخل، وأعلن الشيخ محمد الصغير لهم الخضوع ودفع إليهم ضريبة الطاعة في اليوم التالي، وقدرها ٢٠٠٠ بوجو (١). ولنلاحظ أن الأمير عبد القادر لم يفرض سوى دفع ثمن الحصار، وشتان بين المعاملتين!.

стр. 1619

وفي مناسبة أخرى استقبل الشيخ محمد الصغير في عين ماضي القائد الفرنسي عندئذ، وهو بيليسييه، كان ذلك على أثر المعركة التي دارت في الأغواط بين جيش العدو وقوات محمد بن عبد الله (شريف ورقلة) في ديسمبر ١٨٥٢، وقد أحسن التجاني استقبال بيليسييه أيضا، وقيل إن ذلك كان آخر استقبال له للقادة الفرنسيين قبل وفاته بحوالي شهرين (آخر فيفري ١٨٥٣). والغريب أن السلطات الفرنسية في الجزائر لم تكن تثق فيه كل الثقة، ولذلك أرسلت إليه من المدية قاضيين ليأتيا به، فوجداه جثة هامدة، إذ أدركه الموت. وقد ترك الشيخ محمد الصغير ابنا صغير السن لا يمكن تكليفه بشؤون الزاوية، فوضع تحت وصاية المشري الريان إلى أن يبلغ، وتولى الريان تسيير شؤون الزاوية من جهة وإدارة عين ماضي من جهة أخرى بتكليف من الفرنسيين، وكان الريان محل ثقة الشيخ محمد الصغير، وهو الذي قام ببناء الزاوية وأصبح وكيل الشيخ في مختلف المسائل، وبناء على وصيته تولى الريان الإشراف على الزاوية والنواحي الروحية فيها، كما تولى القضاء في البلدة، ولكن ابن التجاني المذكور توفي بلدغة عقرب، حسب العقيد تروميلي، سنة ١٨٥٧ (١). توفي الشيخ محمد الصغير في فبراير (أو مارس) ١٨٥٣، فخلفه في قيادة الزاوية والبركة التجانية الشيخ محمد العيد بن الحاج علي بتماسين، وهكذا كان التبادل على المشيخة بين الزاويتين، عين ماضي وتماسين، لكن المشيخة هذه المرة ستظل في عائلة الحاج علي إلى آخر القرن الماضي، رغم ما حدث من توتر بين الزاويتين والعائلتين، وهو التوتر الذي كاد يخرج إلى الأتباع أيضا لولا تدخل الفرنسيين في الوقت المناسب، وخلال هذه الفترة الطويلة (١٨٥٣ - ١٨٩٧) كانت القيادة الروحية للطريقة بيد

стр. 1620

محمد العيد، من ١٨٥٣ إلى ١٨٧٥، ثم أخيه محمد الصغير بن الحاج علي من ١٨٧٥ إلى ١٨٩٢، ثم أخيهما، معمربن الحاج علي من ١٨٩٢ إلى ١٨٩٣، ثم محمد بن محمد العيد من ١٨٩٣ - ١٨٩٧، ولم ترجع بركة الطريقة إلى فرع عين ماضي إلا في عهد البشير بن محمد الصغير التجاني، ويزعم الفرنسيون أن هذا الاشتراك في القيادة الروحية بين الفرعين أدى إلى كسر الهيمنة للطريقة التجانية وتفتيت وحدتها الإدارية (المركزية) (١). والسبب في هذا التوتر فيما يبدو، يرجع إلى وراثة الشيخ محمد الصغير التجاني، فقد توفي ابنه الكبير أثناء حياته، واختلف في عقبه الآخر من الذكور، فبعض المصادر تثبت أنه ترك عند وفاته ولدين صغيرين، أحدهما ثلاث سنوات والآخر سنة واحدة، واسمهما أحمد والبشير، وبعض المصادر تقول: إنه لم يترك عقبا وإنما جرى تدبير الأمر بطريقة غامضة على يد السلطات الفرنسية، وذلك بإدخال أمة إلى الزاوية ومعها ولدان في نفس السن وبالوصف والاسم الذي ذكرناه، ثم وقع إعلام الناس بأن ولديها كانا من نسل الشيخ، ويشير (رين) إلى ذلك بقوله: إنه قد وقع التنازع في (شرعية الولدين) (٢). والخلاصة عن وراثة الشيخ محمد الصغير التجاني في عين ماضي أن هناك عدة آراء، بعضها قال إنه لم يترك وريثا من الولد، وإنما ترك بنات تزوجن من أبناء شيخ زاوية تماسين، ولكي تبقى الوراثة مستمرة في آل الشيخ التجاني، دبر الفرنسيون خطة، وهي جلب وصيفة كان لها ابنان صغيران كما قلنا، وأدخلوهما إلى الزاوية وجرى الإعلان أنهما من أولاد الشيخ واسمهما أحمد والبشير الخ، والرأي الآخر: قال: إنه كان للشيخ ولد وهو الذي كان

стр. 1621

قد أعطاه رهينة للأمير عبد القادر آخر سنة ١٨٣٨، ثم رجع الولد إلى والده، وعاش إلى ١٨٥٧، أي بعد وفاة والده بأربع سنوات، ثم لدغته عقرب فمات، وبذلك انتهت أسرة التجاني وانقطع نسله حسب تعبير العقيد تروميلي، وكان هذا الابن الذي لا نعرف اسمه، قد وضع تحت وصاية المشري الريان الذي كان يقوم بشؤون الزاوية العامة، وعزا تروميلي الدور الرئيسي بعد ذلك إلى الريان الذي لم يقبل بهذا الوضع، فقد كان في حاجة إلى سمعة الزاوية والى نقود الزائرين، وكان يعرف أن انقطاع نسل الشيخ يعني موت الزاوية في عين ماضي، كما يعني توجه الأتباع نحو زاوية تماسين فقط، وإذن فلا بد من البحث عمن يكون (ابنا) للشيخ التجاني لتستمر به الزاوية، وقد أطال تروميلي في إيراد قصة البحث عن (أحمد) الوريث المزعوم للشيخ، واشغرق في روايتها أكثر من عشر صفحات، ونحن نلخصها فقط فيما يلي: تذكر المشري الريان أن شيخه محمد الصغير قد ضاجع وصيفة بين ١٨٤٠ - ١٨٤٥، وبدأ البحث عن هذه الزنجية التي قد يكون عندها الوريث المطلوب، ولكن الذي اشتراها غير معروف، قال بعض الأتباع: إنها في تونس، وقال آخر: إنها في طرابلس، وثالث: إنها جهة الأوراس، لقد اختفت مع ابنيها منذ عام دون أن يعلم أحد وجهتها، وذات يوم جاء زاوية عين ماضي أحد الفرسان وأخبر الريان أنه وجد الوصيفة والطفلين، وعلامات ذلك هو الشبه، وحصل الفارس، واسمه أبو حفص بن عبد الرحمن (من أولاد ابن قانة). على الجائزة المرصودة، وذهب مع ثلاثة اختارهم الريان، إلى باتنة حيث كانت الأم وولداها، وقد وصلوا إلى المكان فوجدوا الأم والابن الصغير، أما الكبير، وهو أحمد، فلم يأت إلا عند المغرب، وكان يدفع أمامه حمارين، وكان عمره عندئذ بين ١٥ - ١٦ سنة، فأخذوا أحمد إلى عين ماضي ونصبوه على أنه الوريث، أما أمه وأخوه الصغير (البشير؟) فقد بقيا في باتنة، وفي سنة ١٨٦٤ كتب تروميلي هذه القصة وقال: إن أحمد (التجاني) عندئذ كان بين ٢٠ و ٢٥

стр. 1622

سنة، وأنه زنجي (١) هذه هي رواية تروميلي، وهناك رواية أخرى ذكرها العقيد كوان Coyne تختلف إلى حد ما عن سابقتها ولكنها تتفق معها في النتيجة، ويبدو لنا أن قصة الوراثة في زاوية عين ماضي بعد وفاة الشيخ محمد الصغير تحتمل الصدق والكذب، وفيها خيال كثير ومغامرات تصلح للأدب أكثر مما تصلح للتاريخ، ولا بد أن يكون للطريقة نفسها مصادرها في ذلك، ولعل الأرشيف الفرنسي يضم أيضا معلومات هامة عن الموضوع، ومهما كان الأمر فإن أحمد المذكور هو الذي تزوج من الفرنسية أوريلي بيكار، وتوفي في زاوية قمار سنة ١٨٩٧ وجرى تأبينه تابينا رسميا في العاصمة تحت رعاية السلطات الفرنسية وبحضور الحاكم العام جول كامبون نفسه. ويقول رين أيضا: إن هناك وثيقة غير مسلم بصحتها (Très Discutable) تعطي الولدين للمشري الريان، قائد عين ماضي ووكيل الزاوية، كي يرعاهما، ولذلك فإن ما سيحدث للولدين وما سيصدر عنهما من تصرفات تنسبه السلطات الفرنسية إلى سوء تربية المشري الريان لهما، أو بالأحرى إهمال تربيتهما التربية المطلوبة لتولي قيادة الزاوية وحمل البركة الصوفية، كما تحمله (المشري) السلطات مسؤولية ترك الأمور تتوتر بين الزاويتين حتى وقعتا في التنافس، نتيجة الزيارات والطمع في المال، وأنه قد جر معه الولدين في ذلك النزل، فقد كان الريان يريد أن توجه العطاءات والجبايات إلى عين ماضي بدل تماسين، وحاول أن يحصل على دعم مقدمي التجانية في الجهة الغربية، وذهب، حسب الفرنسيين، إلى حد إثارة الشك في المرابطية والشرف في الطريقة التجانية عن طريق إشاعات مغرضة، وكان في الواقع يحضر لفصل الزاويتين، دون مراعاة مصالح الطريقة التجانية نفسها.

стр. 1623

ولذلك خرج الفتى أحمد (التجاني) عن المشري الريان منذ بلغ خمس عشرة سنة وتحرر من الوصاية عليه، ولا شك أن ذلك لم يأت تلقائيا، فالأمور كانت تجري على مرأى ومسمع من المكاتب العربية التي لا تنام لها عين، فقد ولى الفرنسيون الفتى أحمد قيادة عين ماضي منذ ١٨٦٥، بدل الريان، وفي هذه السنة، كانت ثورة أولاد سيدي الشيخ على أشدها، وهم جيران عين ماضي، وقد اشترك فيها الإخوان (الأحباب) التجانيون دون الرجوع إلى طريقتهم، بغريزة الجهاد التي كانت تدفع الجزائري إلى الثورة ضد العدو بقطع النظر عن الطريقة الصوفية، ولكي يفصل الفرنسيون التجانيين عن ثوار أولاد سيدي الشيخ وأتباعهم، عينوا أحمد التجاني قائدا على عين ماضي وكذلك مقدمأ للتجانية، ليلعب هذا الدور، فأكد لهم، كما يقولون، ولاءه، رغم أن ذلك يضر بسمعته بين المسلمين في الناحية الغربية، لأن الطرق الأخرى هناك - القادرية، والطيبية والدرقاوية - تراقبه وتحكم عليه وتحاسبه، وكذلك الكرزازية والزيانية، لأن الجميع لهم مصالح في المغرب والصحراء، ولا يريدون للتجانية التوسع، ولم يكن أحمد ولا أخوه (١٢ سنة) (١) في مستوى ما يحاك حولهما من ظروف وتحالفات دينية وسياسية، وقد لاحظ الفرنسيون أن ذلك سرى أيضا إلى الزعامات الأهلية (أهل السيف والحكم) التي كانت متولية لفرنسا، إذ أصبحوا تحت تأثير الطرق المعادية للتجانية، ويقول (رين): إن هذا العداء للولدين، أحمد والبشير، قد ظهر حتى في بعض الأوساط الفرنسية الرسمية القيادية (٢). وفي ضوء ذلك جرى اعتقال الأخوين سنة ١٨٥٩، فلماذا وكيف؟ بعض الروايات تذهب إلى أن الاعتقال راجع إلى تهاون أحمد التجاني قائد عين ماضي في غلق أبواب البلدة في وجه الثوار، كما فعل سلفه، حسب

стр. 1624

تعبيرهم، مع الأمير ومع العثمانيين، وبعضها يذهب إلى أن الاعتقال كان لشبهة الانضمام للثورة، كما شاع بين الناس، وأخيرا هناك من يقول إن الاعتقال كان تخويفا للتابعين، وإليك بعض التفصيل، كان أولاد زياد (بجيرفيل) التجانيون يعيشون وسط أولاد سيدي الشيخ الثائرين، فحاربوا إلى جانبهم، وقد طلبوا، ربما بإيعاز من الفرنسيين، من أحمد التجاني التفاوض مع لمحيادة أولاد سيدي الشيخ، لفصلهم عن الثورة وعودتهم إلى منطقتهم، فقام أحمد بالمفاوضات لصالحهم، وجاء أولاد زياد إلى الأغواط، وجاء معهم البعض من أولاد سيدي الشيخ، حسب التقاليد العربية، ودخلوا عين ماضي، فخرجت الإشاعات على أن ولدي التجاني قد انضما إلى الثوار، ومنعا لهذا الاحتمال، كما يقول رين، قام العقيد (دي سونيس) باعتقال أحمد وأخيه البشير، في أول فيفري ١٨٦٩، وبعثهما إلى مدينة الجزائر حيث سجنا، وبعد بضعة أشهر استسلم التجانيون من أولاد زياد (١). لكن قصة الأخوين التجانيين لم تنته بعد، فقد كان أحمد بين ٢٥ - ٣٠ سنة، حسب ملاحظة العقيد تروميلي، وظل في العاصمة حوالي سنة، فإذا بفرنسا تدخل في الحرب مع ألمانيا، وكان على الرؤساء (الأهالي) أن يرسلوا عرائض التأييد لفرنسا جبرا أو نفاقا، فكان من بين الموقعين على العريضة الصادرة من أهل العاصمة، أحمد التجاني، وخلافا لما يقال إن السلطات الفرنسية هي التي (نفته) إلى بوردو، تقول رواية أخرى إنه هو الذي تطوع لحمل عريضة أعيان العاصمة إلى حكومة بوردو (٢). ولكي تؤكد فرنسا براءتها، أشاعوا بأن أحمد التجاني قد أرسل قبل سفره منشورا إلى أتباع

стр. 1625

التجانية في الغرب يخبرهم أنه ذاهب إلى فرنسا من تلقاء نفسه، وعليهم بالطاعة والخضوع، ثم سافر مع حاشيته يوم ١٦ غشت ١٨٧٠ وحل بباريس، ثم التحق به أخوه البشير، ويقول رين: إن الفرنسيين حملوا الأخوين من باريس إلى بوردو في ٤ سبتمبر ١٨٧٠، اتخاذا للحيطة (؟). وهناك استقبلهما الجنرال دوماس، وأسقف المدينة ورئيس محكمة الاستئناف، وفي ١٧ أكتوبر حضر أحمد مع حاشيته حفلة لصالح المجاريح بالمسرح فاستقبل أثناءها بالموسيقى الرسمية، ثم تزوج هناك بأوريلي ابنة الضابط المتقاعد، ثم طلق زوجاته الأخريات بعد رجوعه إلى الجزائر سنة ١٨٧٢ (١). ودون أن يكون المرء تجانيا أو غير تجاني، فالتجارب الإنسانية وحدها تخبرنا أن شابا في سن أحمد التجاني كان بين أيدي الفرنسيين ومترجمي المكاتب العربية ومخططات السلطة الفرنسية للزوايا عموما والتجانية خصوصا، كل ذلك يجعل العبء صعبا على أمثال أحمد التجاني وأخيه البشير حتى ولو اجتهد المشري الريان في تربيتهما تربية علمية وصوفية وأخلاقية تليق برجال الزوايا والمرابطين، فما بالك بشابين تثبت مصادر الوقت أنهما وقعا ضحية الإهمال التعليمي والاجتماعي، لقد تزوج أحمد، وهو في بوردو، فتاة فرنسية اسمها أوريلي بيكار، وكان والدها ضابطا في الدرك (الجندرمة). ومن الأكيد أنه لو شاء الفرنسيون عدم زواجه منها لمنعوه أو منعوها، كما فعلوا مع غيره، فقد كان قاضي قسنطينة، محمد الشاذلي، ذات مرة يرغب في الزواج من فرنسية أيضا في باريس، ولكن السلطات في الجزائر سارعت إلى التدخل لمنع هذا الزواج (٢). حرصا على مصالحها

стр. 1626

وليس على مصالحه الأنه كان قاضيا عند فرنسا). ونحسب أن مقام أحمد التجاني أكبر من مقام محمد الشاذلي في نظر الأتباع ونظر السلطات الفرنسية أيضا، ولكن ما دام هذا الزواج سيخدم المخططات البعيدة لهذه السلطات فقد وافقت عليه وباركته كنيسة بوردو، وكذلك باركه الكاردينال لافيجري في الجزائر، وقد كتب الكثير عن (ملكة الرمال، أريلي التجاني) (١) ودورها في حياة الزاوية التجانية، فقد غيرت حياة الزاوية تماما، وبنى لها أو بنت لنفسها، قصر كوردان على بعد قليل (حوالي عشر كلم) من عين ماضي، وأصبح القصر نواة للحضارة الفرنسية في الصحراء، حسب تعبيرهم، وكان الضيوف الفرنسيون ينزلون فيه كما ينزلون في أي قصر أوربي، من حيث الأثاث والمأكل والمشرب والمنتزهات، مضافا إليه الملمح العربي والروحانية الإسلامية (؟) وهناك فرق بين ما يكتبه الفرنسيون عن هذا القصر في كتبهم وبين ما يكتبونه في مذكراتهم ورسائلهم، ويذهب الجاهلون من الجزائريين إلى أن الشيخ أحمد قد تزوج أوريلي على سنة الله ورسوله، وأنه طلق نساءه الأخريات، وأن المفتي الحنفي هو الذي حرر العقد بعد رجوع الزوجين (١٨٧٢) من فرنسا، وأشهر الزواج، فهل كان الزواج قبل ذلك زواجا سريا أو غير شرعي، وما دروا أن الاستعمار إذا أراد شيئا قال له كن فيكون (٢). وما أكثر الجاهلين فينا بالأمس واليوم!. وخلال السبعينات والثمانينات عاشت الجزائر أحداثا جساما، عسكرية وسياسية واجتماعية، من ثورة ١٨٧١ إلى ثورة ١٨٨١، ومن قرارات كريميو إلى قرار إنشاء الحالة المدنية، ومن مصادرة ما بقي من الأراضي لإعطائه إلى لاجيء الألزاس واللورين إلى قانون الأهالي - كود دو الأندجينا - البغيض، وقد عرفنا أن بركة الطريقة التجانية ما تزال خلال هذا العهد، في أولاد الحاج

стр. 1627

علي التماسيني، وكان أولاد محمد الصغير التجاني، ينظرون بعين السخط إلى هذا الوضع حتى كادت الزاويتان تنفصلان، كما أشرنا، ويبدو أن الفرنسيين لم يقرروا ما إذا كان الجو مناسبا لإعلان أحمد التجاني، على ما هو عليه، شيخا للطريقة، ولذلك اكتفوا به مقدما، وسمحوا له فقط باستقبال الزيارات، وبقيت أوريلي التجاني - التي لم نعرف أنها غيرت اسمها رسميا إلى اسم إسلامي خلافا للعادة - هي عين الفرنسيين التي ينظرون بها إلى الزاوية والطريقة عموما، ويبدو أن أحمد التجاني كان يشعر بالحرمان من حق البركة، ولذلك لجأ إلى حلول أخرى يلجأ إليها كل محروم، ولكنها بقيت في طي الكتمان، وكذلك أخوه البشير، ولم يظهر من هذه الحلول إلا بعض الدخان، وفي إحدى المرات ذهب أحمد إلى تماسين لمحاولة رأب الصدع وإيجاد حل لقضية الوراثة والجبايات، ولكنه توفي في الزاوية التجانية في قمار سنة ١٨٩٧، كما ذكرنا آنفا. وبمناسبة وفاته أقيم لأحمد التجاني حفل تأبين في الجامع الجديد بالعاصمة، وهو حفل رسمي جدا، الغرض منه ليس خدمة المرحوم ولكن خدمة الأحياء من الفرنسيين وغيرهم، وقد طبع محضر الحفل على نفقة الحكومة العامة في الجزائر في نفس السنة (١). حضر الحفل المدنيون والعسكريون الفرنسيون يتقدمهم الحاكم العام نفسه، جول كامبون، كما حضر السلك الديني من المسلمين وعلى رأسهم المفتون والقضاة ورؤساء الطرق الصوفية، بالإضافة إلى أعيان المسلمين من أغوات ونحوهم، وكانت الحفلة مناسبة لذكر خصائل المرحوم ومحاسن أبيه وفضل التجانية على فرنسا، مع ذكر كل حادثة جديرة بالتنويه. ونعود إلى البداية ونسوق لغة الفرنسيين، فمحمد الصغير (الذي يسمى هنا الحبيب) قاوم حصار الأمير ثمانية أشهر وامتنع من ملاقاة عدو فرنسا

стр. 1628

(الأمير). ثم مساعدة التجانية في تماسين للدوق دومال D'Aumale على احتلال بسكرة سنة ١٨٤٤، وكان أحمد التجاني قد (انحرف) عن الخط سنة ١٨٦٩ (١). فإنه ذهب إلى فرنسا سنة ١٨٧٠ لتهنئة الجنود المسلمين الذين حاربوا مع فرنسا ضد ألمانيا (٢). وكان زواجه من الفرنسية (البكر) الحرة، المصونة أوريلي بيكاردا تكفيرا عما يكون قد بقي في خاطر الحكام الفرنسيين ضده من (انحرافه). السابق، وكانت بيكار هي السبب في تحويل كوردان من زاوية صحراوية إلى قصر هجين يسر الناظرين (٣). واستمر أحمد التجاني محل شك لدى السلطات الفرنسية التي كانت لا تصدق براءته، فبعد ثورة بوعمامة سنة ١٨٨١ ظهرت إشاعات جديدة مفادها أن أحمد قد تورط فيها أو أنه لم يمنع توريط أتباعه من الانضمام إليها، وحامت حوله الشكوك لاعتقاله، وبدل أن تنفيه السلطات هذه المرة أيضا اكتفت (بدعوته) إلى الجزائر للإقامة بها بعض الوقت، ومن هناك وتحت إشراف الفرنسيين، كتب الرسائل إلى إخوانه ومقدميه يحذرهم من مشايعة الثورة، ولكي يبرهن على براءته، حسب دعواهم، طلب من هذه السلطات إرسال ضابط إلى عين ماضي ليطلع على الأمور، وقد فعلت، كما طلب منها إرسال معلم فرنسي إلى هناك أيضا (١٨٨٢). وفي سنة ١٨٨١ توجه أحد مقدمي التجانية وهو عبد القادر بن حميدة، صحبة العقيد (فلاترز) دليلا لبعثته، وقد قتل فلاترز ومات معه ابن حميدة، وأرسل أحمد التجاني الرسائل إلى توات وعين صالح وبورنو وسقوطو رغيرها لتقديم المساعدات للنفوذ الفرنسي، ونفس الشيء قامت به زاوية

стр. 1629

تماسين أيضا، وتقديرا لهذا الدور حضر الحاكم العام شخصيا حفلة التأبين المذكورة، وألقى كلمة نوه فيها بدور الطريقة ودور أحمد التجاني ودور أوريلي بيكار في كوردان أيضا، ومما ذكره الحاكم العام أن أحمد التجاني كان عازما على إحداث مستشفى لزائري زاويته تكون إدارته في يد الآباء البيض، كدليل على تحرره وتقبله المدنية وخدمة الحضارة. ومن خطباء هذه المناسبة الرسمية جدا والتي لا يستطيع المدعوون إليها رفض حضورها، المفتي الحنفي أحمد بوقندورة، والمفتي المالكي محمد بن زاكور، والمفتي الأول هو الذي ألقى كلمة رجال الدين الموظفين، أما كلمة رجال الطرق الصوفية فقد ألقاها محمد بن الحاج محمد بن بلقاسم الهاملي نيابة عن عمه الذي حضر رغم مرضه (١). أما الأهالي فقد ألقى كلمتهم الآغا الأخضر حاكم الأرباع. وقد ظلت شمائل الشيخ أحمد التجاني تتردد على أفواه الحكام الفرنسيين إلى ١٩٥٢، ففي افتتاح (متحف برازا) بالجزائر عرج الحاكم العام، روجي ليونار، على ذكريات برازا BRAZZA في إفريقية، فقال: كيف ننسى بهذه المناسبة ذكرى الشيخ أحمد التجاني رئيس الطريقة التجانية القوية وزوج تلك (المرأة) الفرنسية من اللورين، التي دخلت الأسطورة بالاسم الجميل وهو (أميرة الرمال)؟ إن أحمد التجاني هذا هو الذي أعطى إلى برازا الرسائل الثمينة لتقديمه إلى زعماء الكونغو من أعضاء طريقته، وهو الذي استجاب لدعوة برازا لتسهيل مهمة (فور - لامي FORT-LAMY) نحو تشاد (٢).

стр. 1630

بعد وفاة الشيخ أحمد، كانت البركة ما تزال في الشيخ محمد بن محمد العيد التماسيني، ورأت فرنسا أنه آن الأوان أن تفعل عدة أمور محافظة على مصالحها في الصحراء وإفريقية عن طريق التجانية، وبإشارة من الحاكم العام، جول كامبون، تزوج البشير التجاني من أرملة أخيه، أوريلي بيكار، وهكذا بقي قصر كوردان (عامرا). وكان أحمد قد ترك ولدين من هذه المرأة، الأمر الثاني الذي فعله الفرنسيون هو إعادة البركة إلى زاوية عين ماضي في شخص الشيخ البشير هذه المرة، رغم أن الشيخ محمد بن محمد العيد كان يحملها منذ ١٨٩٣، ولكن يبدو أن فرنسا كانت غير مرتاحة له، وكانت تفضل عليه الشيخ محمد العروسي، شيخ زاوية قمار، لاعتبارات سنذكرها، الأمر الثالث هو المحافظة على وحدة الزاوية وعدم ظهور التصدع عليها، ولذلك قال ديبون وكوبولاني: إنه رغم الشقاق بين الزاويتين فإن الخط السياسي لهما ظل هو هو مع الفرنسيين، وقد اعترف الأتباع في الأغواط والمناطق المجاورة بالشيخ البشير كزعيم روحي للطريقة، وتوقع ديبون وكوبولاني أن ينمو نفوذه بالتدرج، وبعد إقامة العلاقات المتماسكة مع زاويتي تماسين وقمار من جهة وأتباع الطريقة في تونس وغيرها أيضا على عهده (أي البشير) من جهة أخرى. ومن أخبار الشيخ البشير التجاني (وقد سبق الحديث عن نشأته الغامضة) أنه استمر في مشيخة الزاوية بعين ماضي وحمل البركة التجانية إلى وفاته في قمار أيضا سنة ١٩١٢، وكان قد جاء من عين ماضي لتفقد زوايا التجانية بقسنطينة والصحراء الشرقية، وبهذه المناسبة ذكر أنه كان أول من ركب العربة (الكليش) التي يقودها حصانان، قادمأ من تقرت إلى قمار، وقد جاء أتباعه لاستقباله، وكانوا يضعون برانيسهم تحت عجلات العربة ليمنعوها من المرور وليحظوا برؤيته، ثم أصبحت كأنها محمولة من دفع وتدافع هؤلاء الأتباع (١). وأما أرملته (أوريلي) فقد عاشت إلى منتصف الثلاثينات. ...

стр. 1631

ج - فرعا تماسين وقمار: هذا عن فرع التجانية في عين ماضي، أما فرعها في تماسين الذي أشرنا إليه في عدة مرات، فقد كان أكثر استقرارا واستمرارية بفضل شخصية الحاج علي وأولاده وأحفاده، فقد أسس هذا الفرع الحاج علي الينبوعي الذي جاء أجداده، حسبما هو الشائع، من (ينبع) بالحجاز، في ظروف مخير معلومة، وقد ولد لأبيه الحاج عيسى، في تماسين، سنة ١١٨٠، ونشأ على التصوف ويبدو أن تعليمه كان بسيطا، ذهب الحاج علي عدة مرات لزيارة الشيخ أحمد التجاني (مؤسس الطريقة) في عين ماضي ثم في فاس، مرة سنة ١٢٠٤ وأخرى سنة ١٢١٤، وآخرها كان عند وفاة الشيخ التجاني في فاس، وفي إحدى المرات ذهب لأخذ الوصية منه لكي يكون هو حامل البركة بعده في الجزائر وراعى ابنيه، كما سبق، وقد بنى الشيخ علي زاوية تماسين منذ ١٢١٤ - في ضاحية تعرف بتملاحت، ورغم الخلاف بين عائلة بني جلاب (سلاطين تقرت) والحاج علي على النفوذ (السلطة الزمنية والروحية). فإننا لا نعرف أن السلطات العثمانية قد تدخلت في تماسين كما تدخلت في عين ماضي، كما لا نعرف أن الحاج علي كانت له وثائق (حماية) من حكام قسنطينة، كما جرت العادة مع بعض المرابطين والأشراف وحتى رؤساء الطرق الصوفية، ولعل ذلك راجع إلى تنافس بايات قسنطينة وبايات تونس على وادي ريغ وسوف، وكان الحاج علي يحبذ الفلاحة فشجعها مما أدى إلى عمارة تماسين بالنخيل والأشجار المثمرة، وبعد بلوغه ثمانين سنة توفي سنة ١٢٦٠ (١٨٤٤) (١). ولدينا أوصاف عديدة لشخصية الحاج علي ودوره إبان الاحتلال

стр. 1632

الفرنسي، يقول دو فيرييه: إن من عقائد الطريقة أن دعوات الحاج علي هي التي جعلت الجزائر تسقط في يد الفرنسيين عقابا للأتراك الذين قتلوا ابنه (١). ويخبر دو فيرييه، الذي كتب بعد سنوات قليلة من احتلال تقرت ووادي سوف، أن الحاج علي هو الذي أخبر أهالي وادي سوف ووادي ريغ والزيبان بتقدم الفرنسيين نحو بسكرة وقال لهم: إن الله هو الذي أراد أن يعطي الجزائر إقليمها للفرنسيين، وهو الذي مكن لهم فيها، فأبقوا مسالمين، ولا تطلقوا البارود عليهم ... فاتركوا الفرنسيين وشأنهم يفعلون ما يريدون، لأنهم اتخذوا في الظاهر طريقا عادلا وحكيما ... والواقع أن هذه القصص عن الحاج علي ليست خاصة بدو فيرييه، بل إن زملاءه الذين جاؤوا قبله وبعده رددوها أيضا، ونحن لا ندري صحة ذلك ولا صحة صدوره عن هذا الشيخ، إنما نذكره كرأي للفرنسيين في أعدائهم وحلفائهم من الجزائريين عند تقدم احتلالهم، فهم يبنون على أقوال الحاج علي استيلاءهم على جنوب إقليم قسنطينة (بدون مقاومة) (٢). ويذهب ديبون وكوبولاني أنه كانت لدى الحاج علي وصية وهي أنه بعد موته تكون الخلافة على الطريقة متبادلة اختيارا بين أبنائه وأبناء الشيخ أحمد التجاني، وعلى هذا الأساس ترك الحاج علي الوراثة للشيخ محمد الصغير بن أحمد التجاني، كما أشرنا، وكان للحاج علي اثنان وعشرون ولدا، وما دام الشيخ محمد الصغير حيا فإن أبناء الشيخ الحاج علي لا حق لهم في الوراثة، لذلك انفتح المجال أمامهم سنة ١٨٥٣، سنة وفاة شيخ عين ماضي، سيما وأن ابنه الكبير قد توفي أيضا وأن الولدين المنسوبين إليه صغيران، فآلت الوراثة إذن إلى أحد أبناء الحاج علي وهو الشيخ محمد

стр. 1633

العيد، وقد ولد هذا الشيخ سنة ١٢٣٠، وتشيد به المصادر الفرنسية المعاصرة له، سيما دوفيرييه الذي عرفه وصوره وحمل رسائله، كما عرفه رين الذي ألف كتابه تسع سنوات بعد وفاته، وتقول بعض المصادر: إن محمد العيد كان على ثقافة طيبة واستعداد لأداء دور رئيس الزاوية، وأنه حج عن طريق تونس، ويصفه دوفيرييه (١٨٥٩) أنه كان وفيا لتقاليد الطريقة التجانية، وأنه رجل ممتاز ومتعلم وخير وورع، ولذلك كان موضع احترام الجميع، وكان يلقب (بالولي). ويشهد له دوفيرييه أنه هو الذي ساعده، بوصية من الجنرال ديفو، القائد العسكري لإقليم قسنطينة، على الدخول بكل أمن وأمان إلى بلاد الطوارق رغم معارضة مقدمي الطريقة السنوسية، وقد أعطاه محمد العيد لقب التابع للطريقة وهو (الأخ). لحمايته من الأذى، وقلده سبحة الطريقة، فسافر محميا، على أنه عضو في الطريقة التجانية، واستقبله أتباعها وأنصارها على أنه منها فعلا (١). ويقول رين (١٨٨٤) إن محمد العيد قد سار على نفس النهج الذي سارت عليه الطريقة التجانية بالنسبة للفرنسيين، وأظهر كل التفهم والإخلاص، وكان تأثيره في سوف ووادي ريغ قد سهل كثيرا مهمة الجنرال (ديفو Desvaux) سنة ١٨٥٤ في تأسيس السلطة الفرنسية (الاحتلال) بهذه المنطقة، ولما يمر عليه سوى عام على تقلده شؤون الطريقة، وأنه هو الذي منح دوفيرييه سنة ١٨٦٠ سبحته ووصية إلى إخوانه، وبفضل ذلك حقق دوفيرييه رحلة ناجحة في بلاد الطوارق، ويصفه رين أيضا بأنه كان يدير زاوية تملاحت (تماسين) بحذر وحنكة كبيرين، وكان رئيسا روحيا ناجحا للطريقة، وظل موقفه من فرنسا هو هو، محترما وصحيحا، وكانت له في بلاد الطوارق سياسة حكيمة، وبفضل ورعه وفضائله الشخصية كان يلقب بـ (صديق الجميع). وقد كان موقفه إبان ثورة ١٨٧١ صريحا وسلوكه واضحا فلم يقع بين إخوانه عصيان على سلطته، ولكن تأثير التجانية بين ١٨٦٠ و ١٨٨١ على

стр. 1634

الطوارق قد ضعف نتيجة نشاط السنوسية في المنطقة إذ كان نفوذ هذه الطريقة يزداد هناك منذ ١٨٦٠، ومنذ ثورة ١٨٦٤ فصل التجانيون قضيتهم عن قضية أولاد سيدي الشيخ الذين كان عدد كبير منهم قادريين، وهكذا فإنه كان للفرنسيين مؤشرات Indications ثمينة من زاويتي عين ماضي وتماسين، ضد أولاد سيدي الشيخ (١). وقد ذكرنا أن الشيخ محمد العيد قد توفي سنة ١٨٧٥. وقد وصف دو فيرييه زاوية تماسين في عهد الشيخ محمد العيد بأنها كانت أعظم زوايا الجزائر، وقال إنك حين تدخلها تحس بعظمة المؤسسة وحكومتها القوية، فيها مسجد للصلاة، وعدد من المنازل للأتباع والخدم، وقصر ضخم لإقامة الشيخ يحتوي على مرايا جيء بها من البندقية، كما تحتوي على الأرائك المزينة على الطراز الأوربي، وكل ذلك من الضخامة بحيث لا تظن نفسك في مدينة صحراوية، والغريب أن دو فيرييه أضاف، بعد أن ذكر أن الزاوية قد أبقت على العلاقات الطيبة مع السلطات الفرنسية، بأنها كانت مركزا كبيرا وأنها كانت تحت حماية حكام فاس وتونس (٢). وقال: إن

стр. 1635

نفوذها يمتد إلى تمبكتو والسودان ومصر ومكة، وأن بعض أمراء وملوك الزنوج في إفريقية أعضاء في الطريقة التجانية وهم يقومون بحملات ضد الوثنية في إفريقية الوسطى (١). وهناك رواية أخرى تتحدث عن الشيخ محمد العيد ودوره في المنطقة بطريقة تختلف في تفاصيلها، ونعني بذلك حديث الضابط فيرناند فيليب سنة ١٨٧٤، أي بضعة شهور فقط قبل وفاة الشيخ، وكان فيليب هذا في حملة الجنرال ليبير ضد الصحراء، وكان ليبير عندئذ هو قائد المنطقة الشرقية التي مقرها قسنطينة، فحين تقدم الموكب الفرنسي من تملاحت (تماسين) وجد في استقباله الشيخ محمد العيد وأخاه معمر، راكبين على بغلين، وقد نزلا عن المركوب تحية للزوار، وتأسفا على أن الموكب لم يقبل دعوتهما لزيارة الزاوية، ولكن لماذا لم يزر الجنرال ليبير الزاوية إذن؟ يقول فيليب: إن الجنرال كان يشك في أن للزاوية التجانية ضلعا في مقتل العربي المملوك، قائد وادي سوف، ولذلك اكتفى بالتوقف بتملاحت (٢). وبعد التحية المعتادة حمل الخدم الشيخ وأركبوه على بغلته ودخل تماسين، أما أخوه معمر الذي كان مكلفا بالحياة المادية والدبلوماسية للزاوية، فقد رافق الموكب الفرنسي إلى بلدة عمر. يصف فيليب الشيخ محمد العيد بأنه كان في نحو الستين من عمره عند وفاته، وكان رجلا بدينا جدا، وله بشرة داكنة السمرة (وكذلك تظهر صورته في كتاب دو فيرييه) ولحية قصيرة وكلها بيضاء تقريبا، وكان له وجه لا يعبر، إذا تأملته، عن أي شيء، ولكنك تعترف عندما تراه أنه الرجل الذي إذا أراد شيئا تحقق فورا لعدم وجود الوقت لديه، أما أخوه معمر فقد كان أصغر منه سنا

стр. 1636

وأطول منه قامة وله بشرة مهجنة وعينان جاحظتان، يمتاز بالذكاء والأنف المفرطح، وله شفتان كبيرتان وشهوانيتان، وكان معمر رجلا حيويا أيضا وهو الرجل الرئيسي في العائلة، حتى أن أخاه محمد العيد، على سمو مقامه الديني والروحي، يتبع نصائحه ويشاوره في أموره، سيما فيما يتعلق بالفرنسيين. وسلطة محمد العيد الروحية، حسب رأي فيليب، كانت قوية في الجنوب إذ يمتد نفوذه إلى جبل الهقار، كان محمد العيد يبتعد عن المسيحيين بغرض المحافظة على سمعته الدينية عند أتباع الطريقة، فهو لا يتصل بالفرنسيين في المسائل الإدارية، تاركا ذلك لأخيه معمر الذي يقوم بمختلف شؤون الدنيا، ويقول فيليب: إن محمد العيد قد حقق غرضه من سياسته، ذلك أن الطرق المنافسة للتجانية لم تجد ثغرة تدخل منها لنقدها أو نقده على صلته بالفرنسيين، بينما أخوه معمر هو الذي كان يتصل بالفرنسيين، وهو ليس شيخ زاوية أو مقدمأ للطريقة، رغم أن الجزائريين الآخرين الذين يسميهم الفرنسيون متعصبين وحسادا وأطهارا كانوا ينعتون معمر بأنه الرجل المتعامل مع الكفار، ولذلك حكم فيليب على أن معمر هذا لا يمكنه أن يكون، من أجل ذلك، مقدما للطريقة التجانية، فهو يتناول العشاء مع الجنرالات الفرنسيين، يستقبله الضباط السامون، ويحصل على زيارات (جبايات) الأحباب في الطريقة، ولكنه، حسب رأيه، لا يمكن أن يطمح إلى أن يكون شيخ الطريقة (١). غير أن رأي فيليب كان في غير محله، فقد رأينا من الشجرة العائلية أن معمر هذا قد تولى لفترة قصيرة مشيخة الطريقة مع ذلك، سنة ١٨٩٢، ولعل ذلك هو السبب الذي جعل الفرنسيين يرشحون زاوية عين ماضي لتقود الطريقة التجانية من جديد ابتداء من سنة ١٨٩٧، حين رخصوا للبشير التجاني، الزوج الثاني لأوريلي الفرنسية، ليكون هو حامل البركة بعد أن مز جيل على حادثة الوراثة ونسيها الناس إلا القليل منهم.

стр. 1637

وقد عثرنا على بعض الرسائل المرسلة من بعض شيوخ زاوية تماسين في الثمانينات، إلى مدير مدرسة تقرت السيد جان لاقليز Lagleyz. من ذلك رسالتا اعتذار من الشيخ معمر إلى لاقليز عن حضور حفل بالمدرسة، الأولى بسبب وجود الجنرال الفرنسي قائد الناحية العسكرية في تقرت وضرورة حضوره، وهي بتاريخ ١٢ مايو ١٨٨٥، والثانية اعتذاره لمرضه بالزكام وذلك بتاريخ ٣٠ ديسمبر ١٨٨٧، ويبدو أن الحفلة الأخيرة كانت بمناسبة رأس السنة الميلادية تحت عنوان نزهة (حفلة؟) المكافآت. وهناك رسالة من الشيخ محمد الكبير إلى لاقليز أيضا، وهي مرسلة إليه من تماسين في يناير ١٨٨٧ لشكره على الدواة التي وصلته منه، وتعهد له الشيخ بجلب الأشجار التي طلبها لاقليز من توزر، وفي هذه الرسالة بعض العبارات الفرنسية (١). ولا ندري من هو محمد الكبير بالضبط، فهل هو محمد بن محمد العيد، شيخ الزاوية نفسه عندئذ؟. على أثر وفاة محمد العيد اجتمع المقدمون وانتخبوا خليفة له يوم ١٩ نوفمبر ١٨٧٥، فكان هو أخاه محمد الصغير بن الحاج علي، وكان محمد الصغير هذا مقدما على زاوية قمار بوادي سوف، وتذكر المصادر الفرنسية أن هذا الانتخاب قد سبب دهشة في أوساط الناس وأحرج أحمد التجاني في عين ماضي كثيرا، ذلك أن المعتقد العام هو أن الوراثة للبركة متبادلة بين العائلتين والزاويتين، وأن ذلك يعني أن الدور الآن على الشيخ أحمد التجاني، ويذهب رين، وهو صوت السلطات الفرنسية المعاصر للأحداث والخبير بدقائقها، إلى أن هذا الانتخاب، كان مع ذلك موفقا، وهذا بالطبع رأي السلطات الفرنسية التي كان في إمكانها أن تغير الأوضاع لو أرادت لمكانتها ولمصلحتها في الزاويتين، بل يضيف رين: إن الانتخاب كان (منطقيا وجيدا). لماذا؟ لأن معظم الطرق كانت تلجأ إلى هذه الوسيلة، وتقدم مصلحة الطريقة العامة على المصالح الفردية الخاصة، وهو المبدأ الذي يخضع له الجميع، هذا من

стр. 1638

جهة، ومن جهة أخرى، فلأن الشيخ أحمد التجاني لم يكن الرجل المؤهل لهذا المنصسب (الخليفة أو الشيخ) لعدة أسباب، منها، في نظر رين، (سوابقه) أي تداخله أيام ثورة أولاد سيدي الشيخ، و (سلوكه). ونحن لا ندري إلى أي شيء يشير (رين) بذلك، ولعله كان يلمح إلى ما أشيع من أن الشيخ أحمد كان يتناول الخمر في قصره أو إلى موقفه المشبوه أيام ثورة ١٨٦٤، وأخيرا فإن عمره لم يكن سوى أربع وعشرون سنة، ولا ندري لماذا لم يذكر رين أيضا كون الشيخ أحمد كان متزوجا من الفرنسية أوريلي بيكار، وخلاصة رأي رين، الذي هو رأي السلطة الفرنسية، أن الشيخ أحمد لم يكن الرجل الذي يتوفر على (القوة المعنوية) لأخذ أمور الطريقة بين يديه وادارتها بسلطة ونجاح (١). كان محمد الصغير بن الحاج علي في الخامسة والستين من عمره حين تولى مشيخة الطريقة التجانية في زاوية تماسين، وقد جاء في وقت كان فيه نشاط الطريقة السنوسية في الجنوب الشرقي وفي ليبيا وإفريقيا كبيرا ويشكل خطرا على السلطات الفرنسية، وكان على التجانية أن تبذل جهدها بالتعاون مع فرنسا لوقف تقدم السنوسية ووقف دعاية الجامعة الإسلامية، ولذلك كان لا بد من اختيار شخصية ناضجة ومتفهمة وحكيمة، وهذه الأوصاف تتوفر، حسب المصادر الفرنسية في محمد الصغير بن الحاج علي، فقد جمع، حسب قولهم، كل الخصائص المطلوبة، من ورع وعلم وفضيلة، وهو أيضا رجل متسامح في فكره، وبسيط في مظهره، رقيق الحاشية، كما أنه أظهر، مثل أخيه محمد العيد، إرادة خيرة نحو الفرنسيين وإخلاصا كاملا لهم، ولكي لا يتداخل شخصيا في الأمور السياسية والعلاقات العامة، جعل أخاه، معمر بن الحاج علي، سندا له وعينه للقيام بدور السفير والمتحدث الرسمي باسمه ورئيس المراسيم، كما كان معمر يقوم بشؤون الموظفين وكل القضايا المادية، ويلاحظ رين على معمر أنه كان ذا قيمة ثقافية، ولكنه كان خشنا في ظاهره.

стр. 1639

وكان دميم الخلقة ولكن يعترف له بالدبلوماسية والقدرة (١). وكانت بين السلطات الفرنسية والطريقة التجانية بفرعيها مراسلات متبادلة، وكانت السلطات الفرنسية تحتاج في كثير من المناسبات إلى تدخل الزاويتين أو إحداهما في إفريقية حيث الثورات والقيادات المتصارعة المنتمية إلى هذه الطريقة الصوفية أو تلك، وكانت فرنسا عندئذ تخوض حربا ضد الحركة الإسلامية بقيادة الحاج عمر وابنه في غرب إفريقية، وكان الحاج عمر من زعماء الطريقة التجانية بعد أن كان قادريا، واستعملت فرنسا نفوذها لدى التجانية في الجزائر للتأثير على التجانية المحاربين لها في إفريقية، وقد جاء رين بعدد من الرسائل المتبادلة بين السلطات الفرنسية وزاويتي عين ماضي وتماسين، منها رسالة من لويس تيرمان، الحاكم العام للجزائر يطلب فيها تزكية مهمة السيد بورنبي - ديسبورد الذاهب إلى سيقو وفوتا، حيث الحركة الإسلامية المعارضة للتسرب الفرنسي، رغم أنهم من أتباع التجانية، وتظهر الرسالة التي كتبها الاخوان: محمد الصغير ومعمر، ابني الحاج علي، روح التسامح، كما قال رين، وكلمة (التسامح) تعني التساهل مع المسيحيين وتقبلهم والابتعاد عن الجهاد ضدهم، وهي كلمة تستعمل في مقابلة (التعصب) التي يصف بها الفرنسيون من كانوا ضدهم أو جاهدوهم (٢). وهناك رسالة أخرى مماثلة صادرة عن الشيخ أحمد التجاني من عين ماضي، إضافة إلى رسالتين أخريين من الزاويتين موجهتين في نفس المعنى، إلى الشيخ احمادو بن الحاج عمر، بسيقو (٣).

стр. 1640

إن العلاقات بين السلطات الفرنسية والطريقة التجانية ليست محصورة في الجزائر دافريقية، ولو كان أمرها متعلقا بالجزائر لربما عاملتها فرنسا كما عاملت الطرق الأخرى، ولكن المصلحة البعيدة اقتضت أن تكون بين الطرفين معاملات خاصة، فلا الدرقاوية/ الشاذلية ولا الرحمانية، ولا حتى القادرية كان يمكنها أن تلعب الدور الذي لعبته الطريقة التجانية في إفريقية وداخل الحركات السياسية هناك، وقد لاحظ دو فيرييه أن للتجانية زاوية بين طوارق الأزجر وطوارق الهقار، وهي تقع في مكان يسمى (تيماسينين). وكان قد أنشاها الحاج الفقي حوالي ١٧٠٠. ومن الأكيد أنها لم تكن زاوية تجانية عندئذ لأنها (التجانية) لم تؤسس إلا في آخر القرن ١٨ م، وقد عرفت هذه الزاوية عدة مقدمين، منهم الحاج البكري، الذي قال عنه إنه عاش ١٠٨ سنوات، وتوفي ١٨٣١، والحاج عثمان، والأخير هو الذي لقيه دوفيرييه، وسيرد اسمه في هذا الكتاب، فقد رافق هذا المقدم (الحاج عثمان) دو فيرييه إلى غدامس وأوصى عليه اخنوخن الذي أوصله إلى مرزوق، وكان للتجانية زاوية أخرى في القورارة بمنطقة توات، ومقدمها هو الحاج محمد الفجيجي، وانتشر التيجانيون في إفريقية الوسطى وبورنو وتمبوكو وبلاد الفوتا، وخص دو فيرييه مدينة الوعاد EL-OUAD وتماسين وشنقيط بالنشاط التجاني (١). ونظرا لذلك كله كانت فرنسا في حاجة إلى دعم التجانية، ولكي تحصل على هذا الدعم القوي، عليها أن تحافظ على وحدة الطريقة وقوتها أيضا. فرغم التوتر الذي شهدته الزاويتان منذ انتخاب محمد الصغير سنة ١٨٧٥ فإن الانفصال الفعلي لم يقع بينهما، ولو حدث ذلك التوتر في طريقة أخرى لشجعه الفرنسيون وكونوا للطريقة الواحدة عدة رؤوس، كما لاحظنا، ولكننا هنا أمام مسألة خاصة، كان الشيخ أحمد التجاني يعتبر نفسه هو

стр. 1641

القائد الأعلى الحقيقي للطريقة وليس محمد الصغير في تماسين، ولم يكن يعترف بسلطته ولم يقبل بانتخابه، ولكنه أبقى على علاقة مجاملة معه، لأن فرنسا لم تعطه الضوء الأخضر للانفصال، فاكتفى بالإشراف على زاوية عين ماضي وعلى المقدمين الواقعين غرب خط الجزائر - الأغواط، فأصبح للطريقة فرعان في واقع الأمر، يشرف على كل منهما شيخ، أحدهما منتخب والثاني يرى نفسه هو الأحق بالخلافة، وتذكر مصادر الفرنسيين أن هؤلاء كانوا يتراسلون مع كليهما على قدم المساواة، أي دون سحب الاعتراف بأي من الشيخين، لأن مصلحة فرنسا السياسية تقتضي ذلك (١). وكانت الزيارات متبادلة بين الزاويتين، فقد زار البشير التجاني تماسين لبضعة أسابيع سنة ١٨٨٤، وقد عرفنا أن أحمد التجاني نفسه قد ذهب بعد وفاة الشيخ محمد الصغير، إلى قمار لإيجاد صيغة للوراثة ترضي الطرفين، ولكن الوفاة أدركته هناك. ويبدو أن هناك حادثة جرت ناحية تماسين سلطت بعض الظلال على العلاقات بين فرنسا وفرع تماسين، في أوائل عهد محمد الصغير (١٨٧٨). والحادثة في ظاهرها عائلية ولا تستحق كل الاهتمام الذي أعطى لها، ولكن تطوراتها وتفريعاتها وتوقيتها جعلت منها حادثة سياسية أيضا، فقد تزوج المسمى محمد بن بلقاسم، وهو من أولاد السائح القريبين من تماسين، من أخت معمر بن الحاج علي، الرئيس الزمني للزاوية، وأنجب منها أربعة أولاد، وكان معمر لا يميل إلى أبناء أخته، فلم يهتم بتربيتهم ولا بسلوكهم، فهام اثنان منهم، وهما محمد الصغير وأحمد، في الأرض وأخذا يجمعان الزيارات (النقود ...) باسم شيخ الزاوية، مستغلين علاقة القرابة، وتداخلا مع الطوارق، واعتقدت السلطات الفرنسية أن الزاوية نفسها متورطة في ذلك، وأجرت السلطات التحقيق وتبينت براءة الزاوية، أو هكذا انتهى التحقيق، وظهر أن الزاوية كانت تشكو من تصرف الولدين، وطالبت بتسليط العقوبة عليهما، ولما علم الوالدان بذلك هربا إلى تونس، وبعد حين رجع

стр. 1642

أحدهما، وهو محمد الصغير إلى الجزائر فسجنته السلطات في بريكة، ثم كتب سنة ١٨٨٠ رسالة إلى خاله معمر، يعلن توبته وخضوعه لشروط الزاوية، باسمه وباسم أخيه الذي بقي في تونس، فأطلق الفرنسيون سراح محمد الصغير، ورجع الوئام بين الزاوية والأخوين، ولكن الفرنسيين بقوا حذرين من هذا (الوئام) فقد أقام الأخوان زاوية جميلة وكبيرة في الطيبات (مقر أولاد السائح) القبلية وسكنا فيها، ورأى الفرنسيون أن معمر قد يكون اكتفى بعدم التعرض لزاوية نائشة، وأن الأفضل نسيان ما حدث من ابني أخته، ولكنهم (الفرنسيين) كانوا يتوجسون خيفة من انفصال هذه الزاوية عن زاوية تماسين، كما حاولت هذه الانفصال عن عين ماضي (١). وهناك حادثة أخرى وقعت في زاوية تماسين لعلها أكثر أهمية لما لها من آثار على العلاقات مع زاوية عين ماضي أيضا، ونعني بذلك الانقسام الذي حدث بعد موت الشيخ محمد الصغير سنة ١٨٩٢، فقد تولى أخوه معمر، شؤون الزاوية الروحية والزمنية لمدة سنة واحدة (٢). ثم وقع انتخاب محمد بن محمد العيد خليفة له، دون إعادة هذه الخلافة لزاوية عين ماضي برئاسة أحمد التجاني، ويفهم من المصادر الفرنسية أن عائلة الحاج علي نفسها لم تكن متفقة على هذا الانتخاب، فإذا كان موقف زاوية عين ماضي معروفا وقديما منذ انتخاب محمد الصغير سنة ١٨٧٥، فإن ما حدث بزاوية تماسين يعتبر جديدا ويحتاج إلى معالجة حكيمة قبل أن يستفحل ويظهر للعيان، يقول ديبون وكوبولاني إنه بعد انتخاب محمد بن محمد العيد زعيما روحيا للطريقة التجانية كلها، خرج البعض وشكلوا حزبا في تماسين، بعضهم لم يعترفوا ببركته (عهدته) والبعض الآخر لم يعترفوا إلا ببركة زاوية عين

стр. 1643

ماضي (١). وقد بقيت الأمور على ذلك النحو من الانقسام وسوء التفاهم إلى سنة ١٨٩٧، سنة وفاة الشيخ أحمد التجاني وتولى أخيه البشير التجاني الذي حمل البركة أيضا (بالتقاسم) مع محمد بن محمد العيد، ويظهر أن السلطات الفرنسية كانت تستفيد من هذا الانقسام المزدوج أكثر من ذي قبل، إذ أبرزت الأحداث شخصية جديدة لعبت دورا من الدرجة الأولى، ونعني بذلك الشيخ محمد العروسي. والشيخ محمد العروسي كان من نتاج هذه الفترة، فهو محمد بن محمد الصغير بن الحاج علي، قرأ القرآن على طالب شنقيطي اسمه محمد الطالب، ثم قرأ الفقه على قاضي قمار، الأخضر بن أحمد، والتصوف على والده (٢). وكان متعلما ذكيا، وله ولع بالعلوم والمعارف، وله طموح وتطلع إلى لعب دور قيادي، وقد ذكرنا أن والده كان شيخا لزاوية قمار، ولعل محمد العروسي يكون قد ولد لأبيه فيها، ومهما كان الأمر فقد تولى في عهد أبيه وظيفة مقدم زاوية قمار، وهو الذي جعل من هذه الزاوية محط الأنظار لرجال زاوية تماسين وعين ماضي، وكذلك لرجال السلطة الفرنسية الذين سال لعابهم لتأثير الشيخ محمد العروسي في النواحي الجنوبية بدل رؤسائه في تماسين، كما كانت الزاوية في عهده مدرسة لتدريس العلوم، على الأقل لعدد محدود من أبناء الزاوية وأصدقائها، وقد صادف وجوده على رأس الزاوية في قمار اهتمام السلطات الفرنسية بمنطقة الهقار والتعرض لتقدم السنوسية، أي فترة العشرية الأخيرة من القرن الماضي وبداية هذا القرن، وعاصر الشيخ العروسي عهدي جول كامبون وشارل جونار وشارل ليتو، الحكام العامين على التوالي في الجزائر، وتوفى سنة ١٩٢٠، وصفه ديبون وكوبولاني سنة ١٨٩٧ بأنه في الوقت الذي تعاني فيه زاوية تماسين الانقسام حول دور الشيخ محمد بن محمد العيد، أصبح الشيخ محمد العروسي هو الشخصية التي غطت على الجميع في مقره بزاوية قمار، فهو شخص له

стр. 1644

مؤهلات متميزة، ومتعلم، وورع، غير متعصب، وذكي، ونشيط، ثم إنه الشخص الوحيد من عائلة الحاج علي، الذي له علاقات مع الأتباع البعيدين عن الزاوية الأم (تماسين) سواء في الصحراء أو في السودان. وقد تعرضت عدة مصادر فرنسية إلى دور الشيخ العروسي آخر القرن الماضي في الجزائر والصحراء وإفريقية، ولنقل إن رئيس المكتب العربي عندئذ في سوف وتقرت هو الضابط - المهندس بوجا Pujat الذي اهتم بالمباني والمياه، وفي الوقت الذي كان فيه زميله ديبورتر يفضل التعامل مع زعماء القادرية (انظر سابقا). كان بوجا يفضل التعامل مع التجانية، ومن أبرز زعمائها حينئذ هو الشيخ العروسي بدون شك، فقد اعتمد عليه بوجا في حل مشاكل الصحراء وتسهيل مهمة الضابط فورو وغيره من (المستكشفين الفرنسيين). والتعاون مع زعماء قبيلة الأزجر مثل الشيخ عبد النبي (١). وبدوره ذكر الحاكم العام، كامبون، الأحداث التي وقدت في عهده في الصحراء، فنوه بدور التجانية لمساعدتها في بعثة فلاترز رغم فشل البعثة ومقتل زعيمها مع مقدم التجانية الذي كان يرافقه، وفي آخر ١٨٩٢ جاء عبد النبي على رأس (ميعاد) تارقي إلى العاصمة، واستقبلهم هو (الحاكم العام) بمظاهر كبيرة من الفخفخة، وتعهد الميعاد - أو الوفد - بتمهيد احتلال عين صالح وتيديكلت، وفي سنة ١٨٩٣ جاء ميعاد تارقي آخر ونزل بقمار واستقبله هناك الجنرال دولاروك قائد الناحية العسكرية الشرقية، وقد طلب الميعاد حماية فرنسا من (الطرابلسيين). وفي ١٨٩٥ جاء عبد النبي على رأس خمسة خيام تارقية من قبيلة ايفوغاس وطلبوا النزول في وادي سوف فرارا من (الشعانبة المتمردين). وقد سمح لهم بالبقاء فترة في برج بلحيران. وتعهدت قبائل الأزجر بالسماح للمسافرين الفرنسيين بالمرور بمنطقتهم بشرط أن تدفع فرنسا لهم تعويضات عن إبلهم التي أخذت منهم، وكان ذلك الطلب

стр. 1645

بتدخل من فورو، فقبل الحاكم العام الشرط إذا جاء أصحابه لقبض تعويضهم في الوادي، ولكن التوارق (لا يحترمون إلا القوة) حسب ملاحظة فورو، ولذلك قام الفرنسيون ببناء برج في تيماسنين (١). وكان فورو (خونيا) من أتباع التجانية، بناء على وثيقة سلمها له الشيخ العروسي، واستطاع فورو بذلك أن يشق طريقه في الصحراء إلى السودان، كما رافقه في ذلك المقدمون التجانيون الذين طلبهم فورو من الشيخ العروسي، واعترف فورو بأنه لولا هؤلاء المقدمون لما استطاع عبد الحكيم بن الشيخ، رئيس الشعانبة الذي رافقه في كل الرحلة ورجع معه إلى فرنسا، ومن هؤلاء المقدمين نذكر: عبد النبي، وأحمد باي، وعبد القادر بن هيبة، محمد بن بلقوم ومحمد بن قدور، الأولان من التوارق، والثالث من الشعانبة، والرابع والخامس من وادي سوف، وقد زودهم الشيخ العروسي بمجموعة كبيرة من الرسائل إلى الأعيان في كل محطة، ومنها خمس عشرة رسالة سلمها فورو إلى عبد النبي الخبير في المنطقة، ولكن بعض المقدمين لقي حتفه مع ذلك، مثل أحمد باي الذي قتله، كما قيل، جماعة من التوارق في صيف ١٨٩٩، وكانت هذه البعثة تضم أكثر من ثلاثمائة رجل معظمهم جنود جزائريون، ومنها ٢٨ أروبيا، وكان مسؤول الجزائريين ضابطا اسمه بلقاسم بن الهلالي، ولعله من نواحي الزاب (٢). وقد استغلت السلطات الفرنسية هذه (المؤهلات) التي تميز بها الشيخ محمد العروسي، فعن طريقه جرت المراسلات وإعداد وفد (ميعاد) بزعامة عبد النبي بن علي، وهو ابن أخ الشيخ عثمان (٣). ونزل الوفد في ضيافة الشيخ

стр. 1646

محمد العروسي والزاوية التجانية بقمار، وأعلن الوفد (وهو نوع من السفارة) أنه جاء ليعرف شروط ومطالب وعروض الفرنسيين في نواحي الهقار، وأبدى استعداد قومه لمعاقبة الذين قتلوا البعثة الفرنسية التي كان يقودها العقيد (فلاترز). وأخبرت الصحف الفرنسية أن الوفد (التارقي) قد اندهش من الكرم الذي وجده من السلطات الفرنسية من خلال الزاوية، ومن الاهتمام بلغة الطوارق وعاداتهم من قبل الفرنسيين، والمعروف أن الذين كانوا يتولون (الربط) والترجمة هم المستشرقون الفرنسيون، أمثال (ماسكري) و (موتيلانسكي). وقد وصف (ماسكري) الحفل الذي أقيم للميعاد التارقي في قمار، والموائد والخيام ونحو ذلك، تحت إشراف المكتب العربي طبعا، وبعد الاستراحة والتعرف على الشروط والعروض من الطرفين توجه الميعاد إلى مدينة الجزائر لمقابلة الحاكم العام، كامبون، وترأس الشيخ محمد العروسي بنفسه هذا الميعاد، خلال أكتوبر ١٨٩٢، وأثناء حفل أقامه كامبون بالعاصمة خطب هذا كما خطب الشيخ محمد العروسي أيضا وقام بالترجمة عليه (موتيلانسكي). وقد جرى الحفل في قصر مصطفى باشا حيث مقر الحاكم العام، وفي وصفه للحفل قال (ماسكري) إن فرنسا وجدت دائما الولاء من الطريقة التجانية وأن الفضل في هذه المرة يرجع إلى الشيخ محمد العروسي، وكان الشيخ العروسي قد ذهب بنفسه إلى بلاد الطوارق، حسب تقرير كتبه (رولان). وأثر فيهم وجاء (العروسي) معهم إلى الجزائر، وأشاد رولان أيضا بدور العروسي الشخصي في الموضوع (١). كان الفرنسيون يعتقدون أن نهاية بعثة فلاترز ١٨٨١ ليست ضربة للمصالح والسمعة الفرنسية فقط ولكن لدبلوماسية الطريقة التجانية أيضا، ذلك أن البعثة قد هلك فيها مقدم التجانية أيضا، ولذلك لجأ الفرنسيون إلى

стр. 1647

شخصية قوية ولها علاقات مثل الشيخ محمد العروسي، وهو الذي ربط بينهم وبين زعماء الطوارق ووظف سمعته وسمعة الزاوية لهذا الغرض، وتكررت (الميعادات) القادمة من الهقار إلى الوادي ثم الجزائر، كما تكررت البعثات الفرنسية المنطلقة من الوادي نحو الهقار، من ذلك ميعاد ١٥ نوفمبر سنة ١٨٩٣ الذي جاء لشكر الحكومة الفرنسية على حسن استقبالها لوفد عبد النبي، ومناقشة قضايا إدارية وغيرها مع السلطات، مثل الإبل المسروقة، والغارات (السنوسية). وقد طلب الوفد أيضا من الجنرال (لاروك) معاونته على خصومهم، وتعويضهم عن خسائرهم، ثم وضعوا أنفسهم تحت الحماية الفرنسية، وهكذا، جاءت إلى قمار حوالي أربعة وفود تارقية في ظرف سنتين، ثم انطلقت بعثة فرنسية، من ورماس (الوادي) نحو الهقار، في ١٣ يناير ١٨٩٤ (١). ومنذ تولاها الشيخ محمد العروسي اكتسبت الزاوية التجانية بقمار مكانة مرموقة، وكانت للتجانية أيضا زاوية أخرى بتاغزوت ولها مقدم ونفوذ، ولكن لم تبلغ سمعتها ما بلغته جارتها في عهد الشيخ العروسي (٢). وقد عرفنا أن شيخي زاوية عين ماضي قد زارا الشيخ العروسي، وهما الأخوان: أحمد التجاني سنة ١٨٩٧، والبشير سنة ١٩١١، ولا شك أن من بين أسباب زيارتهما إصلاح العلاقات بين زاويتي عين ماضي وتماسين

стр. 1648

وتوسيط الشيخ العروسي للوصول إلى ذلك الإصلاح، كما أن هواء قمار الصحي كان يجلب شيوخ وعائلات زاوية تماسين إليها لقضاء بضعة أشهر من كل سنة في الربيع والصيف، حتى أنهم كانوا يعتقدون أن الأولاد يموتون لهم إذا بقوا في تماسين في تلك الشهور. أما زاوية تماسين فاستمرت الوراثة فيها بعد الشيخ محمد بن محمد العيد على النحو التالي: توفي الشيخ محمد هذا سنة ١٣٣١ (١٩١٢). وخلفه ابنه البشير إلى وفاته ١٣٣٦، ثم خلفه ابنه محمد العيد وتوفى سنة ١٣٤٠ (١٩٢٧). ثم خلفه عمه أحمد بن محمد الذي امتد عهده ٥٣ سنة، وتوفي سنة ١٣٩٨ (١٩٧٨). تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة ١٩١٤ استخدم الفرنسيون مختلف الوسائل لاستغلال ما أسموه (بالصفوف) وهم يعنون بها الأحزاب والانشقاقات والنزاعات القبلية والشخصية والدينية والطبقية ونحوها، ويهمنا هنا (صفوف) الطرق الصوفية، فقد أوحوا إلى كل طريقة بأن الطريقة الأخرى تنافسها وتريد أخذ مكانها وأتباعها وزياراتها (نقودها). ثم أوحوا إلى كل مقدم في الطريقة الواحدة بأن المقدمين الآخرين ينافسونه على الزعامة والمال والجاه، وهكذا نشأ بين الطرق توتر لا عهد لها به، ونشأ بين المقدمين تنافس لا يعرفونه من قبل. وهكذا أوحوا للطريقة التجانية بضرورة (قطع العلاقات) مع القادرية منذ عهد الأمير، ومع الشيخة منذ الستينات، لأن من الشيخية من يتبع القادرية التي مثلتها فرنسا للتجانية كأنها الخصم العنيد لها، بينما الواقع أن كلا من الشيخية والقادرية أصبحتا تتعاملان مع الفرنسيين بطريقة الأمر الواقع، وقد رأينا أن فرنسا قد ركبت الشيخية ووظفتها لأغراضها أيضا، كما ركبت القادرية ووظفت بعض فروعها، على الأقل، لأغراضها أيضا، فما

стр. 1649

الفرق إذن؟ الفرق أن ممثلي الفرنسيين لا مبدأ لهم في التعامل مع (الرعايا) الجزائريين، سواء كانوا تجانيين أو قادريين أو شيخيين أو غيرهم، ما داموا جميعا يعلنون الولاء لفرنسا ويضربون بعضهم البعض. ونفس الموقف وقفه الفرنسيون من الطيبية والزيانية والكرزازية فقد أعلنوا للتجانيين أن هذه الطرق (مغربية) وأنها تريد أن تضعف من نفوذهم في غرب الجزائر، وأن فرع فاس التجاني عميل للسلطان في المغرب، وخوفوا التجانيين بأن نفوذهم في الساورة والرقيبات والساقية الحمراء سيضيع، وقالوا لهم، سنة ١٨٨٤، أن نفوذكم في السودان وإفريقية الوسطى أقل مما كان عليه منذ عشرين سنة، لأن الطريقة السنوسية هناك أخذت منكم المبادرة، ويضيف أحد الكتاب الفرنسيين الزيت للنار فيقول: إن الطرق الأخرى تنظر إلى التجانية نظرة سخط (عدا الطيبية) لمهادنتها الفرنسيين، ولأنها كانت محل هجوم هذه الطرق المنافسة لها في كثير من المناسبات (١). وحين ظهرت الحركة الإصلاحية في العشرينات وقع هجوم آخر على الطريقة التجانية ليس فقط من جهة موالاتها ومهادنتها لفرنسا التي لم تعد في حاجة كبيرة إليها، وإنما من جهة عقيدتها الصوفية وتعاليمها وأذكارها وممارساتها (٢). فما هي العقيدة الصوفية للتجانية؟. ... والمرجع الرئيسي للتجانية هو كتاب (الكناش) الذي أشرنا إليه والذي قلنا إن الشيخ أحمد التجاني قد أملاه على بعض تلاميذه، وهما الحاج علي حرازم ومحمد بن المشري السائح، وضمنه تاريخ حياته وعقيدته الصوفية، ووصاياه إلى أتباعه، وهو يحمل تاريخ ذي العقدة ١٢١٤ (مارس/ ابريل

стр. 1650

١٨٠٠). ولكن ليس كل التجانيين يعرفون الكناش أو يقرأونه، اللهم إلا الخاصة منهم أو خاصة الخاصة، لضخامته من جهة ولغموض محتواه الصوفي عليهم من جهة أخرى، وقد قيل إن الشيخ أملاه بعد رؤيته للرسول ﷺ . فقد كلفه فيها بمهمة القيام بشرح الآيات الغامضة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن يشرح ويعلق على الدروس التي صدرت عن الشيوخ والفقهاء المسلمين، وقد ذكرنا أن عنوان الكتاب الكامل هو (جواهر المعاني). وأنه يضم حوالي ٦٠٠ صفحة، وقال (رين) إنه لو ترجم إلى الفرنسية لجاء في خمسة أو ستة مجلدات، وأخبر أنه لم يعد كتابا سرا لأن مكتبة الجزائر أصبحت تتوفر على نسخة جيدة منه تابعة لقسم المخطوطات العربية، ووصفه بأنه مقسم إلى ستة فصول، ويطلق عليها كتب (١). وإليك محتوى هذا الكتاب، فالفصول أو (الكتب) الستة بعد المقدمة التي تتناول فضل التصوف، هي: الأول: الميلاد والأصل والعائلة والنسب والشباب للشيخ التجاني. الثاني: دراساته في التصوف، ونمط حياته، خصائصه، خيرته ومناقبه. الثالث: كراماته Prodiges، وعلمه وورعه. الرابع: أوراده وأذكاره وطريقته، وصورة الباحث عن الحقيقة فيه، وأنواع الأدعية عند التجاني. الخامس: تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم والحديث، الخ. السادس: بعض كراماته.
следующие страницы →