← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

محمد العروسي والزاوية التجانية بقمار، وأعلن الوفد (وهو نوع من السفارة) أنه جاء ليعرف شروط ومطالب وعروض الفرنسيين في نواحي الهقار، وأبدى استعداد قومه لمعاقبة الذين قتلوا البعثة الفرنسية التي كان يقودها العقيد (فلاترز). وأخبرت الصحف الفرنسية أن الوفد (التارقي) قد اندهش من الكرم الذي وجده من السلطات الفرنسية من خلال الزاوية، ومن الاهتمام بلغة الطوارق وعاداتهم من قبل الفرنسيين، والمعروف أن الذين كانوا يتولون (الربط) والترجمة هم المستشرقون الفرنسيون، أمثال (ماسكري) و (موتيلانسكي). وقد وصف (ماسكري) الحفل الذي أقيم للميعاد التارقي في قمار، والموائد والخيام ونحو ذلك، تحت إشراف المكتب العربي طبعا، وبعد الاستراحة والتعرف على الشروط والعروض من الطرفين توجه الميعاد إلى مدينة الجزائر لمقابلة الحاكم العام، كامبون، وترأس الشيخ محمد العروسي بنفسه هذا الميعاد، خلال أكتوبر ١٨٩٢، وأثناء حفل أقامه كامبون بالعاصمة خطب هذا كما خطب الشيخ محمد العروسي أيضا وقام بالترجمة عليه (موتيلانسكي). وقد جرى الحفل في قصر مصطفى باشا حيث مقر الحاكم العام، وفي وصفه للحفل قال (ماسكري) إن فرنسا وجدت دائما الولاء من الطريقة التجانية وأن الفضل في هذه المرة يرجع إلى الشيخ محمد العروسي، وكان الشيخ العروسي قد ذهب بنفسه إلى بلاد الطوارق، حسب تقرير كتبه (رولان). وأثر فيهم وجاء (العروسي) معهم إلى الجزائر، وأشاد رولان أيضا بدور العروسي الشخصي في الموضوع (١). كان الفرنسيون يعتقدون أن نهاية بعثة فلاترز ١٨٨١ ليست ضربة للمصالح والسمعة الفرنسية فقط ولكن لدبلوماسية الطريقة التجانية أيضا، ذلك أن البعثة قد هلك فيها مقدم التجانية أيضا، ولذلك لجأ الفرنسيون إلى

стр. 1647

شخصية قوية ولها علاقات مثل الشيخ محمد العروسي، وهو الذي ربط بينهم وبين زعماء الطوارق ووظف سمعته وسمعة الزاوية لهذا الغرض، وتكررت (الميعادات) القادمة من الهقار إلى الوادي ثم الجزائر، كما تكررت البعثات الفرنسية المنطلقة من الوادي نحو الهقار، من ذلك ميعاد ١٥ نوفمبر سنة ١٨٩٣ الذي جاء لشكر الحكومة الفرنسية على حسن استقبالها لوفد عبد النبي، ومناقشة قضايا إدارية وغيرها مع السلطات، مثل الإبل المسروقة، والغارات (السنوسية). وقد طلب الوفد أيضا من الجنرال (لاروك) معاونته على خصومهم، وتعويضهم عن خسائرهم، ثم وضعوا أنفسهم تحت الحماية الفرنسية، وهكذا، جاءت إلى قمار حوالي أربعة وفود تارقية في ظرف سنتين، ثم انطلقت بعثة فرنسية، من ورماس (الوادي) نحو الهقار، في ١٣ يناير ١٨٩٤ (١). ومنذ تولاها الشيخ محمد العروسي اكتسبت الزاوية التجانية بقمار مكانة مرموقة، وكانت للتجانية أيضا زاوية أخرى بتاغزوت ولها مقدم ونفوذ، ولكن لم تبلغ سمعتها ما بلغته جارتها في عهد الشيخ العروسي (٢). وقد عرفنا أن شيخي زاوية عين ماضي قد زارا الشيخ العروسي، وهما الأخوان: أحمد التجاني سنة ١٨٩٧، والبشير سنة ١٩١١، ولا شك أن من بين أسباب زيارتهما إصلاح العلاقات بين زاويتي عين ماضي وتماسين

стр. 1648

وتوسيط الشيخ العروسي للوصول إلى ذلك الإصلاح، كما أن هواء قمار الصحي كان يجلب شيوخ وعائلات زاوية تماسين إليها لقضاء بضعة أشهر من كل سنة في الربيع والصيف، حتى أنهم كانوا يعتقدون أن الأولاد يموتون لهم إذا بقوا في تماسين في تلك الشهور. أما زاوية تماسين فاستمرت الوراثة فيها بعد الشيخ محمد بن محمد العيد على النحو التالي: توفي الشيخ محمد هذا سنة ١٣٣١ (١٩١٢). وخلفه ابنه البشير إلى وفاته ١٣٣٦، ثم خلفه ابنه محمد العيد وتوفى سنة ١٣٤٠ (١٩٢٧). ثم خلفه عمه أحمد بن محمد الذي امتد عهده ٥٣ سنة، وتوفي سنة ١٣٩٨ (١٩٧٨). تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة ١٩١٤ استخدم الفرنسيون مختلف الوسائل لاستغلال ما أسموه (بالصفوف) وهم يعنون بها الأحزاب والانشقاقات والنزاعات القبلية والشخصية والدينية والطبقية ونحوها، ويهمنا هنا (صفوف) الطرق الصوفية، فقد أوحوا إلى كل طريقة بأن الطريقة الأخرى تنافسها وتريد أخذ مكانها وأتباعها وزياراتها (نقودها). ثم أوحوا إلى كل مقدم في الطريقة الواحدة بأن المقدمين الآخرين ينافسونه على الزعامة والمال والجاه، وهكذا نشأ بين الطرق توتر لا عهد لها به، ونشأ بين المقدمين تنافس لا يعرفونه من قبل. وهكذا أوحوا للطريقة التجانية بضرورة (قطع العلاقات) مع القادرية منذ عهد الأمير، ومع الشيخة منذ الستينات، لأن من الشيخية من يتبع القادرية التي مثلتها فرنسا للتجانية كأنها الخصم العنيد لها، بينما الواقع أن كلا من الشيخية والقادرية أصبحتا تتعاملان مع الفرنسيين بطريقة الأمر الواقع، وقد رأينا أن فرنسا قد ركبت الشيخية ووظفتها لأغراضها أيضا، كما ركبت القادرية ووظفت بعض فروعها، على الأقل، لأغراضها أيضا، فما

стр. 1649

الفرق إذن؟ الفرق أن ممثلي الفرنسيين لا مبدأ لهم في التعامل مع (الرعايا) الجزائريين، سواء كانوا تجانيين أو قادريين أو شيخيين أو غيرهم، ما داموا جميعا يعلنون الولاء لفرنسا ويضربون بعضهم البعض. ونفس الموقف وقفه الفرنسيون من الطيبية والزيانية والكرزازية فقد أعلنوا للتجانيين أن هذه الطرق (مغربية) وأنها تريد أن تضعف من نفوذهم في غرب الجزائر، وأن فرع فاس التجاني عميل للسلطان في المغرب، وخوفوا التجانيين بأن نفوذهم في الساورة والرقيبات والساقية الحمراء سيضيع، وقالوا لهم، سنة ١٨٨٤، أن نفوذكم في السودان وإفريقية الوسطى أقل مما كان عليه منذ عشرين سنة، لأن الطريقة السنوسية هناك أخذت منكم المبادرة، ويضيف أحد الكتاب الفرنسيين الزيت للنار فيقول: إن الطرق الأخرى تنظر إلى التجانية نظرة سخط (عدا الطيبية) لمهادنتها الفرنسيين، ولأنها كانت محل هجوم هذه الطرق المنافسة لها في كثير من المناسبات (١). وحين ظهرت الحركة الإصلاحية في العشرينات وقع هجوم آخر على الطريقة التجانية ليس فقط من جهة موالاتها ومهادنتها لفرنسا التي لم تعد في حاجة كبيرة إليها، وإنما من جهة عقيدتها الصوفية وتعاليمها وأذكارها وممارساتها (٢). فما هي العقيدة الصوفية للتجانية؟. ... والمرجع الرئيسي للتجانية هو كتاب (الكناش) الذي أشرنا إليه والذي قلنا إن الشيخ أحمد التجاني قد أملاه على بعض تلاميذه، وهما الحاج علي حرازم ومحمد بن المشري السائح، وضمنه تاريخ حياته وعقيدته الصوفية، ووصاياه إلى أتباعه، وهو يحمل تاريخ ذي العقدة ١٢١٤ (مارس/ ابريل

стр. 1650

١٨٠٠). ولكن ليس كل التجانيين يعرفون الكناش أو يقرأونه، اللهم إلا الخاصة منهم أو خاصة الخاصة، لضخامته من جهة ولغموض محتواه الصوفي عليهم من جهة أخرى، وقد قيل إن الشيخ أملاه بعد رؤيته للرسول ﷺ . فقد كلفه فيها بمهمة القيام بشرح الآيات الغامضة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن يشرح ويعلق على الدروس التي صدرت عن الشيوخ والفقهاء المسلمين، وقد ذكرنا أن عنوان الكتاب الكامل هو (جواهر المعاني). وأنه يضم حوالي ٦٠٠ صفحة، وقال (رين) إنه لو ترجم إلى الفرنسية لجاء في خمسة أو ستة مجلدات، وأخبر أنه لم يعد كتابا سرا لأن مكتبة الجزائر أصبحت تتوفر على نسخة جيدة منه تابعة لقسم المخطوطات العربية، ووصفه بأنه مقسم إلى ستة فصول، ويطلق عليها كتب (١). وإليك محتوى هذا الكتاب، فالفصول أو (الكتب) الستة بعد المقدمة التي تتناول فضل التصوف، هي: الأول: الميلاد والأصل والعائلة والنسب والشباب للشيخ التجاني. الثاني: دراساته في التصوف، ونمط حياته، خصائصه، خيرته ومناقبه. الثالث: كراماته Prodiges، وعلمه وورعه. الرابع: أوراده وأذكاره وطريقته، وصورة الباحث عن الحقيقة فيه، وأنواع الأدعية عند التجاني. الخامس: تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم والحديث، الخ. السادس: بعض كراماته.

стр. 1651

وقد لفت نظر الدارسين الفرنسيين ما في (الكناش) من آراء (مستقلة) ومن ليبرالية نحو المسيحيين، فأورد رين العبارة التي ذكرناها حول شمول حب الله للمسيحيين، حسب تفسير التجاني، كما أورد رأي التجاني في لعنة الله بمن يعطي الزكاة للطغاة من الأمراء المسلمين، ولكي لا يسري ذلك على (الطغاة) الفرنسيين أيضا علق رين بقوله: إن التجاني يعني الحكام الأتراك، لأن هذا الرأي إذا تمسك به التجانيون فلن يجلب إليهم الأنصار في شمال إفريقية، وكان رأي رين صريحا عندما استنتج من ذلك وهو يخاطب الفرنسين، إن موالاة التجانية لفرنسا قد ضربت التجانيين في الصميم وعرقلت تطور طريقتهم، ولكنه قال إن المرء إذا عرف أن هذه الأفكار - حول المسيحيين وعلاقتهم بالله - قد ولدت في قصر بفاس وفي بلاد إسلامية أوائل القرن التاسع عشر، ويتأكد أن المؤلف لا علاقة له بالمسيحيين، يعرف مدى استقلالية التجاني في تفكيره (١). وهذه الليبرالية والاستقلالية والتسامح التي استوحاها رين من كلام أحمد التجاني في (الكناش). قد أخذها وألح عليها سابقه، دو فيرييه أيضا، فقد قال هذا إن التجانية طريقة تؤمن بالتسامح والليبرالية، وأخذ يشرح عبارة (ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم) الواردة في أذكار التجانية، بأنها تعني نصرة القانون بالقانون والتسامح في طريق الله، وتعني أيضا أن الحق يتبع الحق، وأن كل ما جاء من عند الله يجب أن يحترم، واستنتج دو فيرييه، بحرية مطلقة، قائلا: إن هذه الفلسفة هي التي أدت إلى مواجهة الأقلية (الأوليغاركية) التركية وإنهاء القرسنة، ويعني بذلك طبعا الاحتلال الفرنسي وهيمنة فرنسا على الجزائر، فكأن (فلسفة) التجانية قد وجدت من ينفذها وهي فرنسا، أما عن الكناش نفسه فقال دو فيرييه: إنه (دليل) إخوان التجانية، وهو ينص على أن كل شيء سائر في طريق الله لا

стр. 1652

يمكن انتهاكه (١). وللتجانية مبادئ خاصة، مثل بعض الطرق الأخرى، ولكنها تختلف عنهم في التضييق على التابع وإلزامه بالبقاء فيها إذا اختارها وعدم الدخول في أخرى وهو فيها (٢). كما أن مسألة إعطاء الورد ليست سهلة عندها، بالإضافة إلى أن هناك درجات في ترديد الذكر وشروطا في التصويت به، وفي الحضرة والزيارة، وغير ذلك، فهم يقولون عن التجانية إنها تؤمن بأن عقاب الله وحتى الموت، سيحل بمن تخلى عن الورد بعد أخذه، وأنه لا يمكن لأتباع طريقة أن يأخذوا ورد التجانية إلا إذا تخلوا تماما عن طريقتهم السابقة وأن يعدوا بعدم الرجوع إليها أبدا، وقد لفتت العبارات الأخيرة أنظار الباحثين، لأنها قيد كبير في عنق الأتباع ومخالفة لما سارت عليه معظم الطرق الأخرى، وهو الجمع بين طريقتين أو أكثر، ولعل هذا المبدأ مستنتج من أخذ الشيخ التجاني نفسه عن الطرق الأخرى أول مرة ثم التخلي عنها تماما واتباعه الرسول ﷺ مباشرة، كما زعم. ومن تعاليم الطريقة التجانية أنه لا يمكن لأحد إعطاء الورد إلا برخصة من الشيخ الأكبر - شيخ الزاوية الأم - حامل البركة، ويفهم من هذا أن الإخوان لا يمكنهم وحدهم أن ينتخبوا المقدم، كما تفعل الطرق الأخرى، وأن الشيخ الأكبر هو وحده المرجع في تعيين الشيوخ، ومن ثمة تظهر هذه المركزية الشديدة في الطريقة التجانية، ولعل ذلك راجع إلى عدم تعددية شيوخها (زاويتان رئيسيتان لكن بالتبادل). ويلاحظ القارئ أن الرجوع في

стр. 1653

القرار الأخير إلى الشيخ الأكبر، قد نتج عنه عدم تفتيت الطريقة إلى فروع متنافسة واستقلالية المقدمين كما حدث في الطرق الأخرى، وقد قلنا إن ذلك كان بإرادة فرنسا التى لو شاءت لحدث للتجانية ما حدث لغيرها، سيما تلك التي ثارت وأعلنت الجهاد، وكل من دخل الطريقة التجانية عليه أن يحلف اليمين على أنه سيلتزم بشروطها، لأن المهم ليس الورد في حد ذاته، لأن الأوراد متشابهة في الوسائل التي تؤدي إلى الخلاص، ولكن المهم هو العمل بتعاليم الطريقة نفسها، ومن تعاليمها أن كل تابع (حبيب) خرج من طريقة أخرى لا خوف عليه من شيخه القديم ولا من الرسول ﷺ ولا من الله تعالى، ولا أن يشك في أي شيء، إذا اختار الطريق الذي عليه التجانية، وأبعد من ذلك هو أن كل تابع اتصل بشخص تابع لطريقة أخرى سيجرد من التزامه فورا، ومن الشروط كذلك أن كل تابع للطريقة يجب ألا يزور أي شيخ آخر على قيد الحياة، ولكن يمكنه زيارة الأموات منهم لأن المشايخ (الأموات) هم الأبواب التي يدخل بها الأتباع إلى الله تعالى (١). وهذه هي أوراد التجانية العامة - كما وردت في الكناش -: الذكر ألف مرة لكل عبارة من العبارات الآتية: يا لطيف، استغفر الله، لا إله إلا الله. ثم (اللهم صلي وسلم، وبارك على سيدنا محمد، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره، ومقداره العظيم). أما الورد الخاص، الذي لا يقرأه إلا المتعلمون فقط، فهو: اللهم ... عين الحق التي تتجلى منها عروش الحقائق ... والورد الأخير يقرأ اثني عشر مرة، وللعامة أن يقرأوا بدله سورة (الإخلاص) اثني عشر مرة (٢). والإحصاء الرسمي لسنة ١٨٨٢ يعطي للتجانية ١١، ٩٨٢ تابعا في

стр. 1654

الجزائر، وهو عدد غير ضخم إذا قيس حتى ببعض الطرق الفرعية الأخرى، وهم موزعون على كامل القطر، لكن يلاحظ كثرتهم في إقليم قسنطينة ثم الجزائر ثم وهران، ويبدو أن عددهم في الإقليم الغربي ضعيف جدا عندئذ، ولعل ذلك راجع لنفوذ الطيبية والكرزازية والزيانية والشيخية، أما السنوسية فلا تأخذ الأتباع من التجانية هناك، وإليك هذا الإحصاء (١): إقليم الجزائر ٣ زوايا ٢٦ مقدما ٤، ٣٤٨ إخوانيا (حبيبا) إقليم وهران ٢ زاويتان ٢٠ مقدما ٥٨٨ إخوانيا إقليم قسنطينة ١٢ زاوية ٥٤ مقدما ٦، ١٤٦ إخوانيا أما إحصاء سنة ١٨٩٧ فيعطي الطريقة التجانية عددا أضخم، مما يدل على انتشارها في آخر القرن، بفضل توسعها نحو الصحراء ربما، وبفضل جهود محمد الصغير بن الحاج علي ومحمد العروسي في زاويتي تماسين وقمار، ودون توزيع العدد حسب الأقاليم فجملته هي: ٢٥، ٣٢٣ أي بمضاعفة العدد الذي أورده رين وزيادة، ويسري ذلك أيضا على عدد الزوايا والمقدمين، فالزوايا هنا ٣٢، والمقدمون ١٦٥، والوكلاء تسعة، والشواش اثنان، وقد ذكر هذا المصدر أن للتجانية خونيات أيضا أو تابعات من النساء (٢). ولم يضف هنري قارو سنة ١٩٠٦ جديدا في عدد الأتباع ولا عدد الزوايا (٣). ... وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى لجأت فرنسا إلى الطرق الصوفية تطلب منها الدعم المعنوي لمناداة أتباعها بموالاة فرنسا، وعدم الاستماع إلى الدعاية التركية (العثمانية) والألمانية، وكانت الطريقة التجانية في طليعة هذه الطرق، وقد وجدنا نداءات ونصائح بأسماء مقدمي هذه الطريقة في كل من عين ماضي وتماسين وقمار، وها نحن نذكر بعض ما جاء

стр. 1655

فيها: ١ - من علي بن أحمد (القطب الأكبر - كذا -) التجاني شيخ الطريقة في عين ماضي إلى أنصاره في العالم الإسلامي، فقد وجه نداء إليهم حثهم على ذم تركيا لدخولها الحرب، وذكرهم بما فعل الأتراك في الجزائر من ارتكاب الفواحش والضرر بالدين وعادات الأهالي، وأورد حديثا نسبه إلى الرسول ﷺ : (اتركوا الترك ما تركوكم). وطلب من أنصاره التعلق بذيل فرنسا (صاحبة الفضل والفضائل، شاكرين نعمها العظيمة، ومزاياها الجسيمة التي لا تعد ولا تحصى، فهي أمنا الحنينة ... ويجب علينا معاشر المسلمين أن نعينها بنفوسنا وأموالنا وأولادنا على عدوتها ألمانيا وحليفتها النمسا وحليفتها تركيا) (١). ٢ - من محمد بن محمد البشر ابن (القطب الأكبر - كذا -) أحمد التجاني، وهو نداء موجه أيضا إلى أنصار الطريقة في جميع البلدان، ويسير النداء على نفس الخط، مضيفا ذم (جون ترك) - الشباب التركي - لعدم معرفتهم بالدين، ولبيعهم بلادهم لألمانيا من أجل (الأصفر الرنان). وقال النداء: (نحن عرب وهم (اتراك) وسلطانهم عجم). والأتراك أول من انتزع من العرب بلادهم، ولذلك أوصانا أجدادنا بمعاداة الترك، أما (دولتنا العزيزة الفرنسوية .. فقد كثرت علينا من نعمها، وسقتنا ماء عدلها .. فكيف لا نكون متمسكين بأذيال رايتها المثلثة التي هي عنوان عن الحرية والأخوة والمساواة، فإن عدوها إنما هو عدو لنا) (٢).

стр. 1656

٣ - من محمود بن محمد البشير ابن (القطب الأكبر - كذا -) أحمد التجاني، إلى أنصار التجانية أينما كانوا، نفس المعاني الواردة فى الندائين السابقين مع التذكير بفضل فرنسا على تركيا، ولولا ذلك الفضل لما بقيت تركيا دولة مستقلة إلى ذلك الحين، وكون الأتراك اغتصبوا الخلافة، وضرورة الدفاع عن (دولتنا الفرنسوية العزيزة إلى آخر رمق). وقال النداء إن (الألمان أصلهم جرمان، والترك أصلهم تتار، ونحن عرب، والفرق بين العرب والتتار كالفرق بين السماء والأرض) (١). ٤ - من محمد العروسي نجل محمد الصغير التماسيني، شيخ زاوية قمار، إلى سائر المقاديم وأنصار الطريقة التجانية: نفس الأفكار، مع طلب الاستعداد لبذل المال والنفس للدفاع عن النفس، وكون (أبنائنا) داخلين في الحرب إلى جانب فرنسا، والإشادة بما قدمت فرنسا للجزائر من خيرات. وطلب الشيخ العروسي من الأتباع الاقتداء به في موقفه ليفوزوا في الدارين (ببركة الغوث التجاني) (٢). ٥ - من محمد البشير نجل محمد التماسيني، شيخ زاوية تماسين: نداء موجه إلى المقدمين وأحباب الطريقة التجانية (٣) في نفس المعنى ... أما عن الدور الثقافي للطريقة التجانية وعلمائها، فانظره في الفصول الخاصة بذلك. ... الطريقة السنوسية/ الطكوكية كتب المؤلفون كثيرا عن السنوسية في السياسة والإصلاح، وفي الدين

стр. 1657

والدولة، ونحن لن ندعي أننا سنأتي بجديد حولها في ذلك، كما كتبوا عن الطريقة السنوسية وأصولها وسلسلتها وتعاليمها، والزاوية السنوسية وقوتها وانتشار الدين والتصوف منها، ومحاصرتها من قبل السلطات الاستعمارية سواء في الجزائر أو في غيرها من المناطق الإفريقية. وتناولوا علاقات السنوسية مع العلماء والحكام المسلمين في مصر واسطانبول والحجاز وفي ليبيا والجزائر وإفريقية، ثم علاقاتها مع الدول الأجنبية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وقد نسبوا إليها آراء ومواقف أملتها أغراض الوقت الذي ظهرت فيه، وتناول المؤلفون أيضا حياة الشيخ محمد بن علي السنوسي بالتفصيل من ميلاده في الجزائر إلى دراسته في فاس ومصر والحجاز، إلى نشاطه العلمي والصوفي في ليبيا ووفاته بها، فما الجديد الذي نطمح إلى الإعلان عنه الآن؟. لا نظن أنه كثير، ذلك أننا سنكتفي من السنوسية بالنقاط التي لها علاقة بالوضع في الجزائر، صوفيا وسياسيا، ومراجعنا في حياة الشيخ السنوسي هي: مؤلفات رين، وديبون وكوبولاني، وعبد الحي الكتاني، وشكيب أرسلان، ولاباتو، ودو فيرييه، ولوشاتلييه، وغيرهم، بالإضافة إلى كتاب رحلة الحشائشي وبعض مؤلفات السنوسي نفسه كالسلسل المعين، والفهرس وبعض الإجازات، وفي أرشيف الحكومة الفرنسية بالجزائر وثائق ودراسات عديدة، منها دراسة كولاس، وبيلار، وكلاهما كان مترجما عسكريا. ولد محمد بن علي السنوسي قرب مدينة مستغانم، سنة ١٢٠٦ طى أغلب الظن، وتكاد المراجع تتفق على أنه من الأشراف، ولكن بعضها يجعله شريفا من جهة الأب والبعض من جهة الأم فقط، فهو عند الكتاني محمد بن علي بن السنوسي كما هو معروف في بلاده (ابن السنوسي). ولم يذكر عن شرفه ما يفيد رأيه رغم أن الكتاني من المولعين بذلك، وقد حلاه بعبارات فخمة وعامة، ولكنها تمثل الصورة المعروفة عن السنوسي الذي جمع بين علم الشريعة وعلم الحقيقة، فقال عنه: (الإمام العارف الداعي إلى السنة

стр. 1658

والعمل بها، ختم المحدثين والمسندين، الكبريت الأحمر والهمام الغضنفر، حجة الله على المتأخرين) (١). ولم يتعرض دو فيرييه لقضية النسب والشرف وكان يكتب عنه بعد وفاته بقليل (٢). ولكن رين فصل القول في ذلك، فقال: إن السنوسي لا علاقة له بالشيخ محمد بن يوسف السنوسي دفين العباد في تلمسان (٣) ولا بني سنوس القاطنين حول تلمسان، وإنما هو اسم شائع في غرب الجزائر، قد يكون تبركا بالشيخ السنوسي المذكور، وتذهب عائلة السنوسي إلى أن جدهم سيدي عبد الله، شريف منحدر من أحد الأشراف الذين حلوا بالمنطقة في القرن الثاني عشر الهجري، وتزوج سيدي عبد الله امرأة بربرية وتناسل منهما الجيل بعد الجيل، ويقولون إن جدهم هو سيدي عبد الله بن خطاب بن العسل بن علي بن راشد، ولكن هذا الجد هو الجد الحقيقي لأشراف قبيلة فليته الشهيرة أيضا، ويدعى (رين) تصحيح هذا النسب فيقول: إن أولاد سيدي عبد الله ينتمون إلى عائلة بني زيان الذين طردهم السلطان المريني أبو يعقوب من تلمسان سنة ١٢٩٣ م، وفي بداية القرن السادس عشر جاء عبد الله بن خطاب جد القبيلة، واستقر في عين مسرة وتزوج فيها بفتاة تنحدر من أصل شريف أيضا، يسمى الحسن الصادق الذي قدم من المغرب الأقصى، وكان الحسن الصادق هذا حسنيا أي من فاطمة والإمام علي، غير أن السنوسيين يقولون إن الشرف عندهم كامل ومباشر. أما سلسلة نسبهم فيذكرها رين هكذا: محمد بن علي بن السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي المجاهري، من قبيلة أولاد سيدي يوسف، عرش أولاد سيدي عبد الله بن الخطاب المجاهري، وكان موطنهم بين سهل سيرات وغابة النارو، دوار طرش، أي الأرض التي عليها اليوم بلدية هليل، وقد اكتفى مؤلف (حاضر العالم الإسلامي) بقوله: إن السنوسي (من سلالة النبوة)

стр. 1659

دون تفصيل، كما أن مكان وتاريخ ميلاد الشيخ السنوسي غير متفق عليهما، فهذا رين يذكر دوار طرش، غير البعيد عن مستغانم، سنة ١٢٠٦ (١). كما أن الكتاني يذكر أن السنوسي من مواليد مستغانم سنة ١٢٠٢ (١٢ ربيع الأول) / ١٧٨٧ م، ويقول صاحب (حاضر العالم الإسلامي): إن السنوسي من مواليد ١٨٠٠ م، بالقرب من مستغانم، وهو بعيد (٢). وهكذا تختلف التفاصيل، أحب السنوسي القراءة والعلم منذ بداية حياته، فتحصل من ذلك على قسط وفير في منطقته، فكان تلميذا لعلماء مستغانم ومازونة ولا سيما محيي الدين بن شهلة ومحمد بلقندوز المستغانمي، ومحمد بن علي بن الشارف، وبوطالب المازوني، وبوراس المعسكري، وأضاف الكتاني هذه الأسماء: عبد القادر بن عمرو المستغانمي، ومحمد بن التهامي البوعلقي، ومحمد بن عبد القادر، وابن أبي زوينة المستغانمي، ولعله كان سيظل في ناحيته لولا حادث بسيط غير مجرى حياته، وبعض المؤلفين يذكرون الحادث على أنه مسألة عائلية أدت إلى مغادرة السنوسي الجزائر إلى فاس، وبعضهم يذكر القصة بالتفصيل فيقولون: إن أحد أبناء عمومته (واسمه محمد بن الأطرش). وكان معه في خصومة، قد صفعه أمام المجلس الفقهي الذي قضى ضده، ومهما كان الأمر فقد توجه محمد بن علي السنوسي إلى فاس حيث بقي سبع سنوات، وكان عمره ثلاثين سنة، (غادر ١٨٢١/ ١٢٣٧ حسب رواية رين). وهو من الشيوخ لا التلاميذ، ولكن السنوسي أبى إلا أن يتتلمذ في فاس على مشايخ القرويين وغيرهم أمثال الطيب بن كيران، وإدريس البقراوي، وحمدون بلحاج، والتاودي بن سودة، ولم يذكر الكتاني من شيوخه المغاربة إلا أهل الطريقة فذكر منهم محمد العربي الدرقاوي بالخصوص. ويبدو أن محمد بن علي السنوسي كان سيواصل الإقامة في المغرب الأقصى لولا التحفظ من السياسة وشباكها، وقد بلغ مرحلة النضج (٣٧

стр. 1660

سنة). ومعظم المؤلفات تجعل خروجه من المغرب الأقصى صدفة أو قضاء وقدرا، ولكن رين يذكر أن السلطان سليمان أراد أن يختبره فأعطاه مخطوطا وطلب منه التعليق عليه، وكان هذا السلطان مطلعا على الأحوال ومتداخلا في قضايا الفقه والطرق الصوفية ومحيطا بأحوال السياسة والعصر، لكن الشيخ السنوسي اعتذر عن ذلك وخاف العاقبة، مثل سلفه أحمد المقري، فغادر البلاد سنة ١٨٢٩ معلنا نية الحج، وقد علق رين على هذا الموقف بأن السنوسي كان (بطبعه) غير مجامل، كما أنه كان قد دخل ميدان التصوف (١). وكأننا بالسنوسي قد سلك طريق الحج المغربي القديم، طريق الصحراء، كما فعل الدرعي والعياشي، فهو لم يركب البحر أو يذهب عبر المدن الساحلية، ولكنه رحل عبر التلول والمدن الداخلية، قاطعا المسافات ببطء، كما لاحظ أحد الكتاب، فكان يتوقف عند مشايخ الطرق، كما فعل مع شيخ القنادسة (الزيانية) وشيخ كرزاز (الكرزازية). وقد أخذ الطريقة عن كليهما، ولا ندري إن كان للحصار البحري الذي ضربه الفرنسيون حول الجزائر منذ ١٨٢٧ دخل في سلوك السنوسي طريق البر نحو الشرق، ولكن الأكيد أن صدى الحملة على الجزائر الذي بدأ منذ يناير ١٨٣٠، وتصاعد منذ إبريل وانتهى باحتلال الجزائر والمرسي الكبير في صيف السنة نفسها، قد أثر على مجرى الرحلة، ونحن نعلم أن الشيخ لم يرجع إلى الجزائر بعد ذلك، ولكنه كان من النضج ومن شدة الملاحظة أثناء الطريق ما يجعله يحتفظ بصورة واضحة عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية فيها. كان الشيخ السنوسي يتوقف في الطريق، وقد انتصب للتدريس في بعض البلدان مثل الأغواط، ونزل عين ماضي وجبل عمور ومساعد، وأخذ ذكر الطريقة التجانية، ودرس الفقه والنحو في الأغواط، وتزوج في مساعد امرأة تدعى منة بنت محمد بن عبد الرحمن، ودخل الجلفة، ثم بوسعادة، وأقام عدة أشهر بين بوسعادة وجبل السحاري، وكان ذلك في الصيف حين كانت الحملة الفرنسية تنزل بالجزائر، وقد علم بذلك وهو في الصحراء، كما

стр. 1661

قص ذلك بنفسه، وفي بوسعادة طلق زوجه (١). وواصل الطريق، فمر بتماسين حيث شيخ الزاوية التجانية الحاج علي، والغالب على الظن أنه مر بوادي سوف ومنه دخل إلى جريد تونس ثم طرابلس وبرقة، ثم مصر، ويرى صاحب كتاب (حاضر العالم الإسلامي) أن السنوسي قد حج سنة ١٨٢٩ ثم رجع إلى المغرب (؟) وبقي ينشط ويعلم في الأغواط، ثم ذهب إلى المشرق من جديد سنة ١٨٣٩، ولعل ذلك مجرد هفوة، لأنه لم يتحدث أحد عن عودة السنوسي بعد حجه الأول إلى المغرب، رغم أن صاحب الكتاب المذكور يروي الخبر عن حفيده (٢). لقد نزل الشيخ بمصر وأقام بها مدة، وقرأ بالأزهر وأخذ الإجازات العلمية وأذكار الطرق الصوفية، كان متطلعا إلى الجو العلمي الذي يسود المشرق، ولا سيما مصر في ذلك العهد، حين كانت الحركة التجديدية بين مؤيد ومعارض، وكان تأثير الغرب، وخصوصا فرنسا، قويا هناك، وكان بعض علماء الأزهر يخدمون ركاب السلطة بالتقرب إليهم زلفى، وقد نوه السنوسي نفسه ببعض العلماء وأهل الطريق الذين لقيهم في القاهرة وتصادق معهم وارتبطوا بعلائق قوية للمستقبل، وكان الشيخ نفسه على ما ذكرنا من المناطحة وعدم المجاملة، ولعله كان متحفظا من أولئك المتزلفين بدون دل، وقد لاحظ أحد الكتاب أن بعضهم (راعه ما هو فيه من استقلال الفكر والنزوع إلى الاجتهاد فأفتى بمخالفته للشرع) (٣). ويقول ديبون وكوبولاني إن

стр. 1662

علماء الأزهر قد هاجموا السنوسي لآرائه ومذهبه (المتزمت) واعتبروه مجددا ومصلحا في الدين، وقد أفاض في الحديث عن الفتوى التي كان قد أصدرها الشيخ محمد عليش ضد الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي، شيخ السنوسي في مكة، ثم أصدرها بعضهم بعد ذلك في حق السنوسي نفسه، بعد وفاته (؟) (١). وقد ضخم (رين) علاقة السنوسي بعلماء الأزهر وجاء بالفروق بين العلماء الرسميين التابعين للخديوي والسنوسي الذي كان يبحث عن العلم في رأيه في الصحارى وعند المتصوفة، ونسج رين من وراء ذلك أسطورة لا شك أن أعداء السنوسية قد تخيلوها في وقت تأليف كتابه (١٨٨٤). ولكنه يعترف أن الشيخ السنوسي نفسه لم يرو الأسطورة وأن سبب رحيله من مصر ليس (كرهه للمصريين دا ولكنه حث أحد أقطاب الصوفية له بالتوجه إلى مكة (٢). قبل ذهابه إلى مكة كان السنوسي قد أخذ مجموعة من الطرق في المغرب الأقصى والجزائر، ومنها القادرية، والشاذلية والتجانية، والزيانية، والكرزازية، والدرقاوية، ولعله قد أخذ الرحمانية أيضا، وحين وصل إلى مكة تتلمذ في الطريق على الشيخ عبد الحفيظ بن محمد العجمي وعمر بن عبد الرسول، ولكن (عمدته) في التصوف هناك هو الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي، وكان الفاسي هو شيخ الطريقة الخضرية، وقد ارتبط به السنوسي تماما، فكان يتبعه في إقامته وترحاله، وأشاد به في مؤلفاته، ثم أخذ السنوسي أيضا الطريقة النقشبندية، وكان الشيخ الفاسي إذا غضب من علماء مكة يقصد (صوبيا) في عسير فكان السنوسي يتبعه إليها، وكان الفاسي قد أخذ عن عبد الوهاب التازي الذي عاش ١٣٠ سنة، وأدرك الشيخ عبد العزيز الدباغ، وأخذ عنه الطريقة المعروفة بالخضرية، ويروى صاحب (حاضر

стр. 1663

العالم الإسلامي) أن الشيخ السنوسي قد وقعت فيه ريبة من أنه يميل إلى بعض المبادئ الوهابية (١). ولكن شيخه الفاسي ما لبث أن توفي (سنة ١٨٣٥). فكان على السنوسي وقد تجاوز الأربعين، أن ينظر في حاله وحال العالم الإسلامي من حوله، وأن يقدم ما عنده من معارف سياسية وعلمية ودينية لهذا العالم المبعثر والمغزو في عقر داره، وكانت مكة تعج بمختلف الطرق وواقعة في قبضة دولة إسلامية ضعيفة، وتتصارع في مكة الأفكار التي ترد مع الحجاج، ومنها الأفكار الغريبة عن الدين الإسلامي نفسه، كتلك التي يأتي بها الجواسيس والدعاة المزيفون باسم الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم، وكان في مكة أيضا هاربون من ظلم الاستعمار الغربي في بلادهم مثل الجزائريين ومسلمي روسيا، والهند، فكانت مكة بحق مهبط أفئدة المسلمين في الحج والزيارة، وملتقى الأفكار والمذاهب. وقد أسس السنوسي زاوية في جبل أبي قبيس المطل على الكعبة. وأخذ ينشر طريقته الجديدة حسب التعاليم التي سنذكرها، وكان زميله في التتلمذ على الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي هو الشيخ محمد صالح الميرغني الذي أسس بدوره زاوية في مكة تسمى (دار الخيزران) وأصبحت تعرف بالميرغنية، وكلتاهما ترجع إلى الخضرية/ القادرية، كما حملها عبد العزيز الدباغ، وكان مجال الميرغنية بعد ذلك مكة والسودان، كما كان مجال السنوسية مكة وليبيا ثم إفريقية والجزائر، وكان السنوسي قوي الشخصية غزير العلم مستقلا في رأيه مبتعدا عن الحكام والسياسة، فجلب عليه ذلك توجس الحكام ولكنه استقطب العلماء المستقلين أمثاله، فاغنوا زاويته وطريقته وتقوت بهم، ولكن السنوسي بقي على خلاف مع أبناء شيخه ابن إدريس الفاسي، كما أنه كان في مكة عابرا فقط لأن مهمته في الدعوة إلى

стр. 1664

الدين والطريقة ومكافحة النفوذ الأجنبي كانت تدعوه إلى الخروج من مكة، إلى الميدان والجهاد، كما خرج الصحابة والتابعون من قبل من مكة والمدينة لنشر لواء الإسلام وتعاليمه، وهكذا اغتنم إحاطة وفد من حجاج ليبيا به ودعوتهم له بالنزول عندهم، حسب الروايات، فغادر مكة إلى برقة، تاركا زاوية أبي قبيس في يد أحد مقدميه، وكان ذلك سنة ١٨٤٣. وفي ليبيا بنى السنوسي عدة زوايا وازدهرت طريقته بسرعة، أول زاوية بناها كانت البيضاء بالجبل الأخضر، وكانت أول مهد لحركته، ثم تكاثرت الزوايا حتى وصلت أثناء حياته، اثنتين وعشرين زاوية، منها ثمانية عشر في ناحية برقة - بنغازي، ومنها بعض الزوايا في تونس والجزائر، سيما نواحي توات والصحراء عموما، وأسس سنة ١٨٥٥ زاوية جديدة في جغبوب، ثم انتقل إليها مبتعدا عن الاحتكاك بالسلطة العثمانية المتمركزة بالسواحل، لكي يضمن حرية الحركة والاتصال بالأهالي وبإفريقية بعيدا عن أنظارها، وتقع جغبوب جنوب غرب بنغازي مسافة ١٥ يوما مشيا مع القوافل، ولقد ساءت العلاقة بين الشيخ السنوسي وبين السلطة العثمانية التي أصبحت تخشاه، فكان انتقاله إلى الجنوب فرصة لاستكمال بناء الطريقة وتكثير الأتباع قبل القضاء عليها في المهد، ولكن الوفاة أدركته سنة ١٨٥٩ وهو في أوج عطائه وقوته الشخصية. قلنا إن السنوسي شخصية امتازت بالطموح والهيبة، ونضيف أنه كان عالما قوي العلم، وله هدف محدد وواضح، وأنه عرك الحياة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي من المغرب إلى المشرق، وعرف أن هناك داء ينخر جسم هذا العالم، ويتمثل في الحكام الجهلة والمنحرفين عن شريعة الإسلام، وفي العامة السائبة بدون راع ولا تنظيم ولا علم، ومن حول هذا العالم أطماع شرهة ينقض أصحابها هنا وهناك مفترسين جسم المعالم الإسلامي قطعة قطعة، فلم يكن السنوسي أميرا ليعلن عن إنشاء دولة جديدة، ولا ضابطا يقوم بانقلاب على حاكم فاسد، ولكنه رجل دين وعلم فسعى إلى أن يؤسس للدين منارة تسمى طريقة وللعلم معهدا يسمى زاوية، وكان

стр. 1665

مشهورا بالانضباط والتنظيم، وكان قليل الكلام بعيد الهمة، ولا يظهر للناس إلا قليلا، متمسكا بالكتاب والسنة، متشددا مع نفسه ومع الناس، وكان في استقبالاته يضبط الوقت بالساعة، وهو طويل القامة بادي الهيبة، سهل الحديث بسيط المظهر فصيح اللسان يتمتع بجاذبية نادرة، وطريقة تكوين الدعاة عند السنوسيين كانت تتمثل في شراء الرقيق من الزنوج صغارا ثم يربونهم تربية إسلامية ويعتقونهم، ثم يرسلونهم لبث تعاليم الإسلام، فأصبح سلطان وداي مثلا تابعا للطريقة السنوسية، وأصبح أهلها يأتون إلى الزاوية، وكان هدف السنوسي هو تحرير الإسلام من النفوذ الأجنبي وإقامة حكم إسلامي على الأسس التي كان عليها في عهد الخلفاء الراشدين، كما كان هدفه هو (إعادة الإمامة العامة) ويقول (رين): إنه أسس داخل الدولة العثمانية دولة دينية مستقلة (١). كان مع الشيخ السنوسي رجال أخلصوا له كل الإخلاص وتشبعوا بتعاليمه وآمنوا بهدفه البعيد، ومن هؤلاء عبد الله السني الذي عاش إلى سنة ١٨٧٧، وهو الذي أمر ببناء سبع زوايا حول طرابلس، والحاج أحمد التواتي الملقب (العالم) الذي كان يشرف على مجموعة من الزوايا في نواحي فزان ومرزوق، وهناك شخصية أخرى قوية كان صاحبها مرشحا لخلافة الشيخ، ويدعى عبد الله التواتي، غير أنه قتل سنة ١٨٥١ قرب المدينة المنورة، وقد ترك السنوسي ولدا عمره، حين وفاة أبيه، حوالي ١٤ سنة، وهو المهدي، لكن الزاوية كان يتولاها مستشارون أقوياء العقيدة ومعلمون متمرسون، منهم معلم الأولاد: المدني بن أحمد التلمساني، ومنهم علي بن عبد المولى التونسي، وأحمد الغماري، وأحمد الريفي، وكلاهما من المغرب الأقصى، وعمران الطرابلسي، وغيرهم. وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن تعاليم السنوسية وانتشارها نذكر حادثين وقعا في عهد السنوسي نفسه ويتعلقان بالجزائر، الأول موقف

стр. 1666

السنوسي من مهمة ليون روش، الجاسوس الفرنسي الذي حمل نص فتوى إلى علماء مكة ليوافقوا عليه، ومحتوى النص هو دعوة الجزائريين إلى الكف عن حرب الفرنسيين ما داموا قد سمحوا لهم بالعبادة، والمعروف أن روش قد روى بنفسه في كتابه القصة وكيف ذهب إلى مكة ومن رافقه من مقدمي الطرق الصوفية الجزائريين، وقد تنكر روش مدعيا أنه مسلم باسم (عمر). وكان ذلك سنة ١٨٤٢، وقد اعترف روش أن العالم الوحيد الذي عارض الفتوى في المجلس العلمي الذي دعا إليه الشريف غالب، حاكم مكة، هو السنوسي (١). وكانت حركة الجهاد على أشدها عندئذ في الجزائر بقيادة الأمير عبد القادر، وقد علق الفرنسيون الفتوى في المساجد بعد أن وافق عليها علماء المذاهب الأربعة في مكة، وقرئت في خطب الجمعة من قبل الأئمة والخطباء الرسميين، كما قرئت في الأسواق ونشرتها (المبشر) الرسمية. أما الحادث الثاني فهو الدعم الكبير الذي تلقاه ثائر الصحراء الشرقية، محمد بن عبد الله، من السنوسية خلال الخمسينات بل إلى وفاته، ومحمد بن عبد الله هذا كان التقى بالسنوسي في مكة ونسق معه الرجوع إلى الجزائر في حدود ١٨٥٠، وكتب السنوسي الرسائل إلى أهل الطرق والمؤيدين له يطلب منهم دعم حركة هذا (الشريف). وقد شملت المنطقة التي حارب فيها الشريف محمد، بلاد الطوارق وورقلة وبني ميزاب والأغواط وتوات ووادي ريغ ووادي سوف والزيبان (٢). ويروى دو فيرييه أن الشخصية التي كانت وراء دعم هذا الشريف هو الحاج أحمد التواتي المعروف (بالعالم). وكان هو العضد الأيمن للسنوسي، وكان أحمد التواتي هذا يعيش طالب علم في

стр. 1667

تيديكلت، كما كان ناقما على الفرنسيين الذين يصفونه بدورهم بالتعصب، وبتزكية من الشريف محمد بن عبد الله ذهب الحاج أحمد التواتي إلى السنوسي فعينه مقدما على المنطقة الغربية، أي فزان ومرزوق وتوات وبلاد الطوارق، وقد تحالف التواتي مع الشريف فكان التواتي، حسب روايات فرنسية، يجند الأتباع للسنوسية والشريف هو الذي يحارب بهم، وأخبر دو فيرييه أنه إذا تحول موقف الزاوية السنوسية إلى موقف هجومي، فإن الحاج التواتي سيكون على رأسها، فقد كان يدعو إلى الجهاد في كل مكان ويتنقل من مكان إلى آخر، ويأمر بشراء الأسلحة والذخيرة، وكان يدفع بالشريف إلى الدخول في هجومات، وهو الذي أوعز إليه بتنظيم الحملة الأخيرة التي انتهت باعتقال الشريف سنة ١٨٦١، وكان الحاج التواتي قد أفتى بقتل بعثة دو فيرييه بمن فيها من المسلمين، حسب قول هذا الرحالة الفرنسي (١). والمعروف أن السنوسي قد رجع إلى ليبيا سنة ١٨٤٣، وتعتبر هذه السنة مهمة في حياة الجزائر، أليست هي السنة التي فقد فيها الأمير عبد القادر الزمالة الشهيرة؟ ومع ذلك استمرت حركة الجهاد ضد الفرنسيين إلى نهاية ١٨٤٧، كما هو معروف، لكننا نذكر أن قبيلة السنوسي، أولاد سيدي عبد الله، حاربوا في هذه الحركة أكثر من عشر سنوات، لكنهم أجبروا على الاستسلام سنة ١٨٤١ ودخلوا تحت قيادة المجاهر (الأغاليك) التي عينها الفرنسيون بعد أن استولوا على المنطقة في عهد بوجو (٢). ... ألف السنوسي عددا كبيرا من الكتب في علوم الظاهر والباطن، كما يقولون، أو الشريعة والتصوف، ومنها تلك التي ذكر فيها أسانيده ومسلسلاته، وقد ذكر الكتاني جملة منها في كتابه (فهرس الفهارس) حسب عناوينها، مثل الأوائل، وسوابغ الأيدي، والمنهل الروي الرائق ... ومنها

стр. 1668

كتاب (السلسل المعين في الطرائق الأربعين) (١). وقد اعتمد رين كثيرا على هذا الكتاب وعلى فهرسة السنوسي، وقال عن الفهرسة إنه ذكر فيها شيوخه ورحلاته وأسافيده، وقد صاغ الرحلة في المقدمة، ومن جملة ما ذكره حوالي ١٥٠ كتابا بأسانيدها وكلها تتصل بعلم الشريعة أو علم الظاهر، ثم ذكر مجموعة بأرقام جافة عن مختلف الطرق الصوفية التي أخذ منها ودرسها، وهي تمثل علم الحقيقة أو الباطن، فقد قال السنوسي في الفهرسة إنه رحل من مكان إلى آخر في سبيل العلم ولقي العديد من الشيوخ المشهورين والمغمورين وصاحب كثيرين منهم، ووصف علمهم بالقوة والصلابة، وقال إن من بينهم الخطيب والإمام، وكان بعضهم يريد أن يصل إلى الحقيقة والتصوف وبعضهم كان يكتفي بنيل الإجازة، كان لقاؤه بهم في مختلف الأماكن التي مر بها، في الصحارى والخلوات، وفي القرى والواحات، بين الجزائر وتونس وليبيا ومصر، فكون معهم صحبة العلم والطريقة وتكلم معهم بلغة ليست هي لغة العامة، وارتبطوا جميعا بروابط العلم والصداقة والعمل المشترك (٢). وألح الشيخ السنوسي على أنه تلميذ لأحمد بن إدريس الفاسي بمكة واعتبر نفسه استمرارا له بعد موته، وقد ذكر سنده منه، والكتب التي أخذها عنه، وكذلك الطرق الأصلية والفرعية التي أخذها عنه، فكانت ٦٤ طريقة، أما كتابه (السلسل المعين) فقد تضمن أربعين طريقة أخذها، لكن هناك فروع لبعض الطرق لم يذكرها (٣). وقد ذكر السنوسي أن من أوائل من أخذ عنهم الإجازة في مستغانم هو بدر الدين بن عبد الله المستغانمي، وهو تلميذ الشيخ محمد بن علي بن الشارف المازوني، ويظهر مما سبق ومن دراسات الباحثين أن الطريقة السنوسية هي خلاصة الطرق القديمة والمعاصرة، وأنها تميزت

стр. 1669

برفع شعار الرجوع إلى عمل السلف والعمل بالكتاب والسنة وتصفية الدين مما علق به من الشوائب كالخرافات والزيغ والبدع الضالة، وما دام صاحبها من علماء الوقت فإن طريقته قد استعملت العلم والتعليم وسيلتها إلى قلوب الناس وعقولهم، وإلى إحياء العمل بالدين الخالص، والوقوف في وجه الغارات الأجنبية على العالم الإسلامي فكريا وعسكريا، ماديا ومعنويا. وباعتبارها طريقة صوفية أيضا اعتمدت السنوسية أنماطا من الطقوس يمارسها أتباعها ليدخلوا في حظيرتها ويصبحوا من أنصارها، من ذلك ذكر لا إله إلا الله مائة مرة، بعدد حبات السبحة، ومائة أخرى لعبارة الاستغفار، ومائة أخرى لعبارة اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، وإذا لم يكن هناك غريب عن الطريقة يجوز للتابع أن يقول أيضا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله على سيدنا محمد في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله، وهذه أذكار قريبة من أذكار الطرق الأخرى، مثل الشاذلية، ومن تعاليم السنوسية أيضا عدم تعليق السبحة في الرقبة، كما يفعل الدرقاويون، بل يحملونها في أيديهم، وكذلك عدم استعمال الطبول، ولا آلالات الموسيقية في الاجتماعات، ولا الرقص والإنشاد، ولا التدخين ولا شرب القهوة، أما الشاي فمسموح به، ويقول المسلم عقب صلاة الفجر: يا رب اغفر لي ساعة الموت وما بعد الموت، أربعين مرة (١). وللطريقة حضرة أو مجلس بحضرة الشيخ بنفسه، ولها وكلاء في مرتبة الوزراء. وهناك ميزات تتميز بها السنوسية عن غيرها من الطرق، من ذلك أنها لا تمنع أتباعها من الانضمام إلى أية طريقة أو طرق أخرى، فيمكن للتابع أن يبقى درقاويا أو تجانيا أو رحمانيا ومع ذلك يكون سنوسيا إذا أراد، لأن مؤسسي الطرق في الواقع يرجعون إلى أصل واحد في نظرها، وهو القرآن الكريم، ولوحظ أن السنوسيين يتميزون عن غيرهم ظاهريا في وضع أيديهم

стр. 1670

على صدورهم عند الصلاة، وذلك بوضع اليد اليسرى في اليمنى، خلافا للسدل عند المالكية، ويذهب رين إلى أن السنوسية ليست طريقة مجددة ولا مصلحة، لأن ما تدعو إليه هو السلفية، والرجوع إلى الكتاب والسنة مجردين من كل البدع التي نشأت عبر السنين، سواء من قبل الحكام أو من قبل شيوخ الطرق، الذين خرجوا عن تعاليم القرآن، ومعنى ذلك أن السنوسيين يدعون (للإمامة) والحياة الصافية المثالية في التأمل والإخلاص، وتعني الإمامة عند (رين) الجامعة الإسلامية الدينية - الثيوقراطية (الخلافة). ذلك هو محور الدعوة السنوسية، وهم لا يدعون إلى تحقيق ذلك عن طريق الثورة والعنف، وإنما يدعون إليه بكل هدوء وصبر، فهم يريدون في نظر رين البقاء خارج الشؤون السياسية، ومع ذلك فهم في الشؤون السياسية أخطر من غيرهم، لأن الإسلام المتجدد سيقف في وجه الاختراعات (الشيطانية) للحضارة الأروبية وروح التقدم العصرية، إن كل ما يصدر عن السنوسية في نظره، له محرك ديني وهدفه ديني (١). ويذهب دوفيرييه الذي قام برحلته على إثر وفاة الشيخ السنوسي نفسه. إلى وصف الطريقة السنوسية بأنها حركة احتجاجية (قياسا على المذاهب الأروبية الدينية). فهي في نظره تقف ضد التنازل للغرب، وضد البدع التي حدثت نتيجة لتقدم الغرب، وضد محاولات الغرب الامتداد إلى المناطق الإسلامية الباقية، واعتبر هذه الطريقة عدوة ومتعصبة، وقال إن الشيخ السنوسي ثار ضد حكام إسطانبول وحكام مصر لأنهم استعملوا التقاليد الفرنسية والنظم الغربية، ولكن دوفيرييه اعترف بظلم الحكام في العالم الإسلامي والهبوط المعنوي الذي عليه حالة المجتمع الإسلامي، والتخلي عن الدين وظهور الشرور والفساد، واعترف أيضا بأن الشيخ السنوسي كان مثقفا وكثير الأسفار والاطلاع على أحوال العصر والمجتمعات، وأنه (السنوسي) يرى أنه لا بد من تبني التقدم الآتي من الشرق وإنشاء قلعة حصينة سياسية - دينية تدافع عن الإسلام وتحميه، وقال دوفيرييه إن السنوسية ما تزال

стр. 1671

دفاعية ولكنها قد تتحول إلى حركة هجومية (١). وإذا كان برنامج السنوسية يجد معارضة من الغرب ومن الحكومات الإسلامية الواقعة تحت تأثير الغرب، فإنه كان يجد معارضة أيضا من بعض العلماء الرسميين وحتى من بعض الطرق الصوفية المتحركة بتعليمات أنانية أو بإيعازات غربية، رأينا كيف انتفل السنوسي من الجبل الأخضر إلى جغبوب بعيدا عن أنظار وضغط الحكام العثمانيين ليؤسس زاويته ونفوذه بحرية، ومع ذلك بقيت الاتصالات بينه وبين السلطة العثمانية من جهة والمبعوثين الغربيين من جهة أخرى، محاولين معرفة نواياه والاستفادة من نفوذه، وسنعود إلى هذه النقطة بعد حين، وقد قال (ستودارد) إن السنوسي كان حذرا من الحكومات النصرانية (الغربية) والحكومة العثمانية (٢). وكان الفرنسيون في الجزائر يحركون بعض الطرق الصوفية في الجنوب، كما رأينا، ضد نفوذ السنوسية مخوفين إياها بأن السنوسية ستأخذ منها الأتباع وتحرمها من الزيارات والاستقلالية، ونحو ذلك من الأساليب، ولذلك قال ديبون وكوبولاني إن برنامج السنوسية في الجزائر وتونس يواجهه شيوخ الطريقة التجانية والقادرية في الجنوب (٣). وقد رأينا أن الفرنسيين كانوا يوظفون التجانية، في تماسين وقمار، وبعض فروع القادرية في ورقلة وعميش، ضد السنوسية، ومن جهة أخرى رأينا كيف نشرت بعض الجهات فتوى لبعض علماء الأزهر (الشيخ محمد عليش) ضد تعاليم ونشاط السنوسية، وهي الفتوى التي كانت في الأصل ضد الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي بمكة (٤).

стр. 1672

ومهما اختلف الناس حول تعاليم وبرنامج السنوسية، فإن نظامهم في الزاوية الأم كان ملفتا لنظر الجميع لما امتاز به من إحكام وضبط وولاء وسرعة انتشار، ففي ظرف قصير تعددت الزوايا وأصبح الأتباع بالآلاف في آسيا وإفريقيا، لقد أصبحت الطريقة عبارة عن حكومة، كما وصفها بعضهم، وأصبح الشيخ السنوسي في زاويته كأنه رئيس دولة، وعلى رأس كل زاوية مقدم أو قيم يدير شؤونها ويرتب أمورها ويبث دعايتها ويحمي أتباعها، ويعطي عهودها، وكان فوقه وكيل دوره هو دور الحاكم المحلي، وكلاهما ينسق مع الآخر ويسهر على الأمن والنظام في القبيلة والزاوية، تنفيذا لأوامر الشيخ السنوسي، وبواسطة هذين المسؤولين تجبي الضرائب وتصرف المصاريف في المصالح العامة، ويجري العدل بين الناس وتفلح الأرض وتسوق السلع، وكانت أراضي الزاوية تحرث وتحصد بمقتضى عمل تطوعي لكل فرد في القبيلة، وبالإضافة إلى ذلك فإن الزاوية هي المسجد للصلوات والأذكار واللقاء الاجتماعي، وهي المدرسة حيث يتلقى الأطفال تعليمهم ويدخلون إلى تعاليم الدين، وفيها تجري عقود الزواج والصلاة على الأموات، وكانت الزاوية أيضا ملجأ الغريب ومأمن الخائف، سيما في المناطق النائية حيث القوافل والمنقطعون (١). قوة الزاوية السنوسية ومركزيتها شهدت لها كل الكتابات المعاصرة. ومنها ما بالغ ربما في عدد الأتباع، فقد قال دوفيرييه سنة ١٨٦١ أن أتباع السنوسية قد بلغوا حوالي مليون ونصف، بينما قال لويس فينيون سنة ١٨٨٧ أنهم ثلاثة ملايين (٢). وهذا الرقم يدفع أصحابه الضرائب ويطيعون الشيخ ويدربون على السلاح، ويتبعون تعاليم السنوسية القائلة بأن الدين كله لله،

стр. 1673

وأن التابع لا يطيع إلا سلطة رئيس واحد (إمام). رئيس دولة مسلم، يجمع بين السلطة الزمنية والدينية، وهذا الرئيس (الإمام) يفقد كل حق له على رعاياه إن تخلي عن العمل بأحكام الدين، كما تحددها الطريقة السنوسية، ويصبح من الواجب الثورة على هذا الرئيس أو الإمام، ويقولون في مبالغة واضحة أن السنوسية تحرم التجارة والتعامل مع غير المسلمين، بل وتحرم حتى الحديث معهم أو تحيتهم (١). وهو قول يهدف إلى تخويف الغربيين من السنوسية، فهؤلاء يرونها خطرا ليس على الأروبيين فحسب بل على الخلافة في إسطانبول أيضا، لأن السنوسية تؤمن (بطرد) السلطان الخارج عن الدين، ولكن لماذا يخرج السلطان عن الدين قبل كل شيء؟. وقد وصفت النصوص المعاصرة واحة جغبوب بأنها كانت محسنة ولها أربعة أبواب وتضم بين ستة وسبعة آلاف ساكن، وزاويتها عجيبة الشكل لبنائها بالرخام المزين، وحولها محطات للقوافل العابرة، وفي الزاوية ضريح الشيخ السنوسي نفسه مغطى بأغطية ثمينة، ويقيم في الزاوية حوالى ٤٠٠ شخص من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ولهم منازل خاصة، ومعظمهم عزاب، والعزاب هم طلبة يخضعون لانضباط قاس، وفي الزاوية حوالي مائة زنجي يخدمونها من الداخل، وتسقى الواحة بثلاث عشرة بئرا، وكل الأشخاص مسلحون فيها، لأن الدفاع عنها ضروري، وفي الزاوية حوالي ٤٠٠ بندقية و ٢٠٠ سيف، هذا في الحياة اليومية، أما في الاحتياط فهناك أسلحة تكفي ٣، ٠٠٠ شخص، وفي الزاوية غرف مليئة بالبارود والرصاص، وحوالي ١٥ مدفعا، وفي جغبوب صناع، لمختلف الحرف، منها صنع الأسلحة، وهناك بريد منتظم عن طريق الخيول والمهاري، يتجه إلى مختلف الاتجاهات من مصر إلى برقة إلى فزان إلى طرابلس إلى وداي، إلخ. كان لهم نظام شرطة محكم، ودار للضيافة ينزل بها الغرباء، ولهم أسلوب حكيم لمعرفة هوية الغريب قبل أن يواصل مسيرته، وفي سنة ١٨٨٤ كان عدد زوايا السنوسية قد وصل إلى أكثر من مائة زاوية في مساحة تمتد من الجزيرة العربية إلى إفريقية، وكل

стр. 1674

زاوية تخضع لنفس النظام، فلها أيضا شيخها ووكيلها ورقابها، وطلبتها وخدمها، ومدريستها ودروسها الوعظية والدينية، والسلطات العثمانية تعفي الزوايا من دفع الضرائب (١). وتسمى السنوسية بالطريقة المحمدية وأتباعها يدعون الإخوان مثل معظم الطرق الأخرى، ولكنها تستوعب عددا كبيرا من الأتباع نظرا لعدم قيودها أو شروطها كما لاحظنا، وقد ذكر بعضهم أن حوالي عشر طرق منتشرة في الجزائر وتونس لها أتباع في السنوسية وتخضع لتعاليمها، وقد اتهمت حتى التجانية بأنها ضالعة في هذا التيار، وعلق لويس فينيون بأنه إذا صح ذلك فعلى فرنسا أن تراجع سياستها إزاء هذه الطريقة - التجانية، أما الشاذلية والدرقاوية والمدنية فبالتأكيد أنها مستوعبة في السنوسية، وقد ذكر فينيون أن أتباع السنوسية مستعدون لتنفيذ الاغتيالات والقيام بالثورات، ثم عدد ما واجهه الفرنسيون من أتباع السنوسية منذ ١٨٥٢، تاريخ الهجوم على الأغواط من قبل الشريف محمد بن عبد الله صديق السنوسي، وكذلك مبعوثي السنوسي سنوات ١٨٧٩، ١٨٨٠، ١٨٨١، ووجود شخصيات منها في ثورات أولاد سيدي الشيخ، واغتيال بعثة فلاترز ١٨٨١، إلخ، هذا بالنسبة للجزائر، أما بالنسبة لدور السنوسية في تونس والسينغال وغيرهما فهناك قائمة أيضا من الثورات والاغتيالات، حسب لويس فينيون (٢). في عهد المهدي السنوسي أصبح ترتيب الإخوان على درجات، يأتي (المجتهد) في أعلاها، وهو العالم، ثم المجتهد الثاني والثالث، أما الدرجة الرابعة فهي العامة، أولئك الذين لا يعرفون من الدين إلا ما يؤدون به صلاتهم، والدخول في الطريقة لا يكون إلا عن طريق مجتهد من أية درجة، وبالإضافة إلى ما ذكرناه عن سلوكهم العام، فهم أيضا لا يتنازعون فيما

стр. 1675

بينهم، ولا يلبسون إلا أحسن الثياب، وكانوا يستهلكون الطيب، وخصوصا العنبر، بكميات كبيرة، ويمارسون التسليات، ولا يهزلون إلا بجد، والنظافة من مظاهر الحياة في الزاوية، ولها ثروة كبيرة، ولها رجال بلغوا حد الحماس لها، أمثال الحاج التواتي الذي ذكرناه آنفا، ومحمد البسكري الذي كان يستقبل الأجانب على أنه هو المهدي أو بتفويض منه (١). وقد اختلفت الآراء حول موقف السنوسية من الحكومة العثمانية، فبعض المصادر تجعلها عدوة لهذه الدولة لانحرافها وتنازلاتها للأروبيين وعدم وفائها بأحكام الدين، ومن ثمة دعوة السنوسية إلى طرد السلطان الجائر والخارج عن الدين، وإلى الإمامة العامة بين المسلمين، أي غير الوراثية، ولذلك يشبهون السنوسية في هذا المجال بالحركة الوهبية (ويكتبها بعضهم الوهابية فيختلط الأمر على غير العارفين). ويعتبرونها حركة خارجية، من أجل ذلك، وهم يستشهدون ببعض التوترات بين السنوسية والعثمانيين كابتعاد السنوسي عن الجبل الأخضر وتأسيس الزاوية في جغبوب، وابتعاد خلفائه أيضا إلى واحة الكفرة وغيرها، ولكن آخرين يذكرون أن السنوسية لم تكن سوى طريقة من الطرق الإسلامية التي تؤيد (الخليفة) المسلم وتعمل على إنجاح حركة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها السلطان عبد الحميد، وأنها قد دعت المسلمين إلى الهجرة من كل أرض احتلها (الكفار). واستشهد هؤلاء بإعفاء السلطات العثمانية الطريقة السنوسية وزواياها من دفع الضرائب، وإرسال المبعوثين من السلطان إلى السنوسي بالهدايا ونحوها (٢). وتقرب من السنوسية في القرن الماضي الألمان والإيطاليون أيضا.

стр. 1676

فجاء البروسيون سنة ١٨٧٢ ودعوا المهدي السنوسي إلى إعلان الجهاد ضد فرنسا، حسب رواية الفرنسيين، ولكنه أبى، وحين جاء الرحالة الألماني (رولفس) لمقابلة الشيخ المهدي لم يقابله شخصيا وأرسل إليه الشيخ محمدالبسكري لمقابلته على أنه هو المهدي، وذلك في بئر سالم، أما الأيطاليون فقد جاء الضابط (كامبيريو) إلى برقة سنة ١٨٨١ على أنه مستكشف وحاول أن يجر السنوسية إلى إعلان الجهاد ضد فرنسا في تونس، فلم ينجح في مهمته، كذلك لم تفعل السنوسية شيئا إزاء ثورة عرابي بمصر (١). أما ثورة المهدي السوداني فقد أشيع أنها تلقت تأييد السنوسية، ولعل ذلك راجع إلى العلاقة بين هذه الطريقة والطريقة الميرغنية. وقد اعتبر الفرنسيون السنوسية خطرا عليهم، ابتداء من دوفيرييه إلى لاباتو (١٩١١). ولكن درجات الخطر تختلف من كاتب إلى آخر، ويقول رين إن الفرنسيين أخذوا يهتمون بالسنوسية منذ ١٨٥٥، إثر زيارة السنوسي للجريد (٢). ولكن أول من لفت الأنظار إلى (خطر) السنوسية هو دوفيرييه الذي ألف كتابه بين ١٨٥٩ (تاريخ وفاة محمد بن علي السنوسي) و ١٨٦٤ تاريخ نشر الكتاب على نفقة الجمعية الجغرافية الباريسية، فقد تجول بالصحراء ونزل بغدامس وعبر بلاد الطوارق، وتحسس أثر السنوسية وغيرها من الطرق، وجمع وثائق هامة عن المنطقة في عاداتها ورسومها ولغتها ومجتمعها وعلاقتها، وأصدر أحكاما اتهامية ضد السنوسية لأغراض يقول البعض إنها تخدم تيارات معينة في فرنسا، وكان يظهر السنوسية كأنها جرثومة أو مرض معد يجب الحذر منه، وقد رأينا كيف صور شخصية الحاج التواتي ودوره، ويقول هذا المصدر إن إيطاليا قد أخذت فيما بعد برأي

стр. 1677

دوفيرييه في تعاملها مع السنوسية. ولرين ولوشاتلييه موقف مشابه، فقد كان رين رجلا معاديا للدين عموما. وكان يرى الدين خطرا على الفرنسيين فما بالك على الشعوب التي يسميها المنهزمة (المحتلة). فالدين يصبح هنا أشد خطرا في نظره، وقد درس رين الطرق الدينية عموما، لكنه يتفق مع زميله دوفيرييه بالنسبة للخطر السياسي الذي يكمن في السنوسية، وقد ذكرنا أنه لا يرى السنوسية طريقة مجددة ولا مصلحة، خلافا لزميله، كما يتفق معه في أهميتها، أما خطرها فهو مبالغ فيه عنده، ويذهب رين إلى أن السنوسية حركة لها أهمية قومية وإسلامية وثيوقراطية، أما لوشاتلييه (١) فقريب من رأي دوفيرييه حول السنوسية، فهو يقر بخطرها ويعطيها حجما كبيرا في عمله، واعتبرها مسيطرة على شؤون الإسلام في ذلك العهد، وكان لوشاتلييه رئيسا للمكتب العربي في ورقلة، ونتيجة لذلك ألفط كتابا (مونوغرافيا) حول الموضوع، ثم واصل عمله في الحجاز نفسه، وقال إن للسنوسية تأثيرا كبيرا في الحجاز، وهي قادرة على إعلان الجهاد، وقال إن الحجاز تحت تأثير إمامة جغبوب، وتنبأ أن الجهاد ستعلنه السنوسية في الحجاز كما أعلنته الوهابية في نجد، وهو تنبؤ كان في غير محله طبعا. أما دراسة ديبون وكوبولاني عن السنوسية فكانت أكثر اعتدالا نحوها. وقد نظرا إلى أن الطرق الصوفية مبالغ في دورها، والسنوسية في الحقيقة طريقة مستوحاة من الواقع، ورأيا أن تأثير السنوسية جغرافيا مبالغ فيه وكذلك في عدائها للمسيحيين الذي لا يختلف عن موقف المسلمين الآخرين، وكلاهما يقول برأي رين في أن السنوسي (مرابط). وأنه ولي له أصالة وإنما دعا إلى الرجوع إلى السلفية (٢). وقد رأيا أيضا عدم نسبة الاغتيالات التي وقعت

стр. 1678

في الصحراء إلى السنوسية بطريقة مباشرة، ومنذ آخر القرن الماضي ظهر تيار في الكتابات الفرنسية ينادي بعدم إعلان الحرب على السنوسية، إذ من الممكن أن تكون قوة تنشد فرنسا التحالف معها ضد الإنكليز أو الألمان وقت الحاجة، فالعداء السافر لها ليس في صالح السياسة الفرنسية بعيدة المدى، واعتبر بعض الكتاب أن السنوسية لا تدعو المسلمين إلى العنف ولكن إلى الهجرة إلى دار الإسلام، وهي لا تدعو الناس إلى التمرد والثورة وإنما الذين تأثروا بها هم الذين يفعلون ذلك ولا سيما دعوتها للإمامة والسلفية، وكان الفرنسيون يفتحون الرسائل والمراسلات الأخرى ولم يجدوا ما يدل على دعوة السنوسية للثورة. الطكوكية ورغم كثرة الزوايا السنوسية في العالم، فإنه لم يكن لها في الجزائر سوى زاوية رئيسية واحدة سمحت بها السلطات الفرنسية، وهي زاوية طكوك أو تكوك، نواحي مستغانم، حوالي سنة ١٨٥٩ (عام وفاة السنوسي الكبير). وقد عاشت هذه الزاوية نفس الظروف والتقلبات التي عرفتها الطرق الصوفية في الجزائر خلال الاحتلال، كما عاشت الظروف التي كانت تؤثر على السياسة الإسلامية/ الفرنسية في الخارج ولا سيما بالنسبة للطريقة السنوسية، ويبدو أن الفرنسيين حاولوا أن يجعلوا من زاوية طكوك صلة وصل بينهم وبين السنوسية في ليبيا، وبالخصوص في العهود المتأخرة. ومؤسس الزاوية الطكوكية قيل إنه قادري ورحماني وأنه درقاوي - شاذلي، ثم سنوسي، والواقع أنه قد يكون كل ذلك لأننا رأينا أن السنوسية لا تمانع في أن يجمع التابع لها بين مختلف الطرق الصوفية، وقد فسر

стр. 1679

بعضهم انتقال الشيخ طكوك إلى السنوسية كون محمد بن علي السنوسي من نفس البلدة والقبيل الذي ينتمي إليه، وسيرته تظهر تعامل السلطات الفرنسية مع ضحايا من أصحاب الطرق التي لا مطمع لها فيهم أو الذين تشك في انتماءاتهم وتوجهاتهم، وقد ساق ديبون وكوبولاني سيرته فكانت عبرة للمعتبرين، يقولان إنه هو الشيخ طكوك الشارف، ولد الجيلاني عبد الله بن طكوك، المولود حوالي سنة ١٧٩٤ بمجاهر قرب مستغانم (نفس المنطقة التي ولد فيها السنوسي). درس على عدة مشائخ في الناحية، منهم شيوخ السنوسي نفسه، كالشيخ محمد بلقندوز الملقب (قتيل الترك). لأن الباي حسن، باي وهران، حكم بقتله سنة ١٨٢٩ بمازونة، رغم علمه، ربما لأنه كان من مقدمي الدرقاوية الذين ثاروا قبل ذلك بحوالي عقدين، وقد خشي طكوك على نفسه من المصير الذي عاشه شيخه فهاجر إلى المغرب، تماما كما فعل زميله محمد بن علي السنوسي، ولكن لسبب آخر فيما يبدو. لا نعرف متى رجع الشيخ طكوك إلى إقليم وهران، ولكن من الأكيد أن رجوعه كان بعد هزيمة الأمير عبد القادر (١٨٤٧). لأن الفرنسيين يقولون إنه رجع بعد الاحتلال النهائي، ولعل رجوعه كان زمن ثورة الشريف محمد بن عبد الله بالصحراء الوسطى والشرقية (عقد الخمسينات) والذي عرفنا أنه كان مدعوما من قبل الشيخ السنوسي، ويقول الفرنسيون إنهم لاحظوا على الشيخ طكوك تأثيره على العامة بكلامه الغريب، وهم كانوا يتحفظون من هذا النوع من الناس ويضعون حولهم العيون التي لا تنام، فاستدعوه في مركز الأمن في (عمي موسى). ولكنه لم يحضر، فجاءته العساكر وحملته، ودام اعتقاله (سنوات) حسب ديبون وكوبولاني، بمركز عمي موسى (١). وبعد إطلاق سراحه رجع إلى موطنه الأصلي (المجاهر؟) وأخذ يكون أتباعه وينشئ

стр. 1680

زاويته في أولاد شفاعة، وذلك حوالي سنة ١٨٥٩ كما ذكرنا، وفي هذا العهد كانت ثورة شريف ورقلة تشرف على نهايتها أيضا (اعتقل سنة ١٨٦١). وقد لاحظ الفرنسيون أنه أخذ يربط علاقات مع (الخارج). فكان مبعوثوه يتوجهون إلى لييبا ومصر والحجاز ثم يعودون، فما الأمر؟ لقد أثار حوله الشكوك من جديد، ودون سبب واضح اعتقلوه مرة أخرى ولكن في مستغانم هذه المرة، ولعل من أسباب اعتقاله هو الخوف من تداخله أثناء ثورة قبيلة فليته وشيخها ابن الأزرق، ثم ثورة أولاد سيدي الشيخ بعد ذلك (١٨٦٤). ولكن الفرنسيين لاحظوا أن الشيخ طكوك لم يدع للجهاد ولم يكن مثورا للناس بل كان مهدئا، رغم أنه كان على رأس زاوية تعتبر خصيمة للفرنسيين بانتمائها إلى السنوسية، ونفس الملاحظة أبداها الفرنسيون على موقف هذا الشيخ أثناء ثورة المقراني والشيخ الحداد (سنة ١٨٧١). لكن تقدم السن بالشيخ طكوك جعل شخصيات من حوله تستغله وتشير عليه بأمور رآها الفرنسيون ضد مصالحهم، سيما عندما حدثت ثورة بوعمامة (١٨٨١). فهم يعرفون مدى الارتباط بين الشيخية والقادرية والسنوسية والدرقاوية، ولذلك خشوا أن يكون الشيخ طكوك مطية يركبها المغامرون كما فعلوا، في نظرهم، مع الشيخ الحداد. ولكي نصل إلى علاقة زاوية طكوك بالزاوية السنوسية نقول إن العلاقات لا شك كانت ترجع إلى عهد تأسيس الزاوية السنوسية بأبى قبيس (مكة) سنة ١٨٣٥. فالحجاج كانوا ينقلون الأخبار والرسائل والإجازات، وقد عرفنا أن الشيخ طكوك كان عندئذ مهاجرا في المغرب الأقصى، ومن يدرينا لعله حج والتقى بالشيخ السنوسي في مكة، أما الرواية التي يسوقها ديبون وكوبولاني فهي عاطفية أكثر منها دينية، فقد قالا إن بطانة (السوء) هم الذين اقترحوا على الشيخ أن يرسل ابنته إلى الحج، على أن تتوقف أثناء رجوعها، في جغبوب للزواج من الشيخ المهدي السنوسي، فهل كان ذلك بترتيب مسبق بين المهدي السنوسي (وبطانة السوء)؟ ومهما كان الأمر فقد

стр. 1681

حجت البنت فعلا وعادت عبر جغبوب، حسب الخطة المرسومة، ولكن الزواج المخطط لم يتم، دون أن نعرف السبب، فرجعت البنت إلى أبيها، وتزوجت من رجل آخر، يقول الفرنسيون إنه أحد (القياد) السابقين، وقد جرى كل ذلك دون معرفة بتواريخ الأحداث. لكن في سنة ١٨٧٦ أبلغ المخبرون أو الوشاة أن في زاوية طكوك أسلحة وذخيرة، فهرع الفرنسيون إلى الزاوية واحتجزوا الأسلحة وصادروا الزاوية نفسها، واعتقلوا شيخها مرة ثالثة، ووجهوا إليه تهمة الاغتيال، وساقوه إلى سجن مستغانم أيضا، والمؤلفان، ديبون وكوبولاني، يسوقان هذا الحدث وكأنهما يكتبان رواية خيالية أو قصة (بوليسية) تذكرنا باغتيال الشيخ كحول واعتقال الشيخ العقبي ووجود السكين البو سعادي عند المتهم عكاشة، سنة ١٩٣٦، ولكن الإدارة الفرنسية هي هي سواء مع الشيخ طكوك أو الشيخ العقبي، والغريب في الأمر أنهم بعد أن اعتقلوا الشيخ وصادروا ما في الزاوية تبينوا براءة الشيخ (دون محاكمة طبعا) إذ قالوا إنه لم يدع قبيلة المجاهر إلى الثورة، وكان في إمكانه أن يفعل لأن نفوذه فيهم قوي، بالعكس لقد طلب الهدوء من أتباعه، ومع ذلك سيق إلى السجن كما يساق المجرمون، وذكر آجرون أن الشيخ اعتقل سنة ١٨٧٧ بناء على هجوم الإعلام الكولوني عليه واتهامه بإخفاء السلاح، وكان ذلك في عهد الحاكم العام شانزي، وفي سنة ١٨٧٩ اعتقل الشيخ طكوك من جديد وقيد إلى سجن مستغانم، وكان بإمكانه أن يثور عشرين ألفا من الناس، ولكنه مع ذلك دعاهم إلى الهدوء (١). ومع ذلك فإن الذين فعلوا به ذلك هم الذين قيل إنهم مشوا في جنازته وأظهروا التأسف عليه. ولا ندري كم المدة التي قضاها الشيخ في الاعتقال هذه المرة. لأن الذي عاش بين ١٨٧٠ - ١٨٩٠ يعرف أن قانون الأهالي ليس له مرجع في القانون العام، وأن الإنسان الجزائري كان مسحوقا بيد الجمهورية الثالثة،

стр. 1682

وحكامها العامين من أمثال ديقيدون، وشانزي ولويس تيرمان، وقد تزوج الشيخ طكوك على كبر سنه بإشارة من حاشيته، حسب ديبون وكوبولاني، طمعا في نيل الزيارات التي منعتها فرنسا على الطرق الصوفية إلا على من ترضى عنها، ويفهم من هذا، لأن العبارة غير صريحة، أن هذا الزواج كان فرصة لجلب المال للزاوية، ولا ندري متى وقع هذا الزواج ولكن قيل إنه كان في آخر أيام الشيخ، في ٥ غشت سنة ١٨٩٠، فقد توفي الشيخ في هذه السنة عن ٩٦ سنة، ودفن في زاويته، وترك خلافته الروحية لأخيه أحمد طكوك، ويبدو أن الفرنسيين ممن يبكون على الميت بعد أن يقتلوه، إذ قالوا إن الأروبيين كانوا يحترمون الشيخ ويلجأون إليه عند وقوع السرقة وغيرها، ولذلك حضر عدد منهم جنازته مع المسلمين أسفا على فقده، وحضر جنازته حوالي ثمانية آلاف شخص. ولم تسلم الزاوية من الغلق مرة أخرى رغم وفاة شيخها الشهير بتهدئة الأوضاع، وكان غلقها راجعا إلى أسباب سياسية، كما قال ديبون وكوبولاني، وزج بشيخها الجديد في السجن أيضا، ولكن في (أينكرمان) هذه المرة، ويذهب آجرون إلى أن المتصرف الإداري لبلدية هليل قد حكم بغلق الزاوية ١٨٩٠ لمعاقبة شيخها بالنيابة لأنه جمع أموالا (زيارات) على أثر وفاة أخيه، ولما حاكموه وجدوه شخصا شرها ونشيطا جدا فسجنوه (١). كما سجنت فرنسا أحمد بن الشيخ طكوك بعد رجوعه إلى الجزائر بعد غربة دامت خمس سنوات في زاوية جغبوب، ويقولون إن أحمد بن طكوك قد ذهب إلى المشرق على إثر زواج أبيه المشار إليه، ثم رجع بعد وفاة والده بثلاث سنوات (أي ١٨٩٣، في عهد جول كامبون). وكان الشيخ أحمد الإبن قد تزوج في جغبوب من إحدى بنات أخوة الشيخ المهدي السنوسي، وقد حل أحمد محل عمه الذي ربما يكون قد توفي في سجنه، ذلك أن هذا المصدر الفرنسي يقول إن أحمد الإبن كان على رأس الزاوية عند اعتقاله، (لأسباب

стр. 1683

سياسية لا وهي، حسب آجرون، أفكار الجامعة الإسلامية، وقد سجن أولا في كاسينيو Cassaigne، ثم في كالفي CALVI (كورسيكا) (١). والأسباب السياسية المشار إليها يمكن إدراكها بوضوح، ذلك أن عودة الشيخ أحمد بن طكوك إلى الجزائر، بعد الارتباط بالسنوسية عن طريق المصاهرة، والارتباط النسبي والوطني القديم، كانت كلها تخيف الفرنسيين إذ جاءت في الوقت الذي كان فيه الكتاب الفرنسيون يحذرون من خطر السنوسية داعية الجامعة الإسلامية والهجرة إلى دار الإسلام (٢). فلعل هذا الشيخ قد اتهم بمثل هذه الاتهامات، ولكن دون إثبات، وقد أخبر آجرون أن هذا الشيخ قد بقي (عدة شهور) في المنفى والسجن، ثم أطلق سراحه، وأنه أظهر تعاونا مع الإدارة سنة ١٩٠٠ حين دعا إلى تجنيد فرقة من الرماة، كما كانت الإدارة تريد. وفي ترجمة لأصحاب زاوية طكوك ذكر ابن بكار، معلومات إضافية عن مؤسس الزاوية ولكنها قليلة (٣). فقد أضاف إلى الشيخ اسم محمد، فهو إذن محمد بن طكوك، وقال إن نسبه يتصل بنسل الولي سيدي عبد الله دفين مستغانم، بقرية المطمر، ويتصل نسبه كذلك بإدريس الأصغر، وقد ذكرنا انفا كلام (رين) حول نسب أولاد سيدي عبد الله الذين هم أيضا أصل محمد بن علي السوسي، وأضاف ابن بكار أن محمد بن طكوك قد فتح زاويته للعلم، ونحن لا نستغرب ذلك ما دامت السنوسية قد جعلت التعليم من مهامها الأساسية، ولكن المستغرب هو ماذا يمكنه أن يعلم في بلاد حكم عليها الفرنسيون بالجهل؟ ومن الجدير بالملاحظة أن هؤلاء الشيوخ: محمد بن طكوك، وعدة بن غلام الله، ومحمد الموسوم، وعلي بن عمر الطولقي،

стр. 1684

ومحمد بن بلقاسم الهاملي، وسعيد بن أبي داود ... كلهم متعاصرون، وكلهم حاولوا التعليم عن طريق الزوايا، وكأنهم كانوا على اتفاق وبرنامج موحد، ولكن تجربتهم لا تقاس بتجربة مصطفى بن عزوز في نفطة ولا بتجربة محمد بن علي السنوسي في جغبوب لحرية التعليم في تونس وليبيا وسيطرة الاستعمار في الجزائر، ولم يذكر ابن بكار أن خليفة الشيخ طكوك الأول هو أخوه، كما ذكر ديبون وكوبولاني، وإنما ذكر ابنه أحمد مباشرة. فقال (وبعد وفاته خلفه ابنه أحمد بن طكوك). ولم يذكر شيئا أيضا عن الاعتقالات التي تعرض لها الشيوخ الثلاثة، لماذا؟ وقد لاحظ ابن بكار، الذي كان من أتباع الزاوية الطيبية، إن الزاوية الطكوكية اشتهرت بالعلم، وبتحفيظ القرآن في زمن أحمد بن طكوك، والظاهر أن عهد هذا الابن قد طال أيضا مثل والده، إذ يقول ابن بكار أنه عاش إلى أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وتوفي عن ٨٠ سنة، والغريب أن ابن بكار لم يقل إن زاوية طكوك سنوسية، بل قال إنها قادرية - شاذلية، فلماذا هذا التعتيم أيضا؟. وفي هذا الجو الاضطهادي المتميز بين الطرق الصوفية لا يمكن أن يكثر الأتباع في الجزائر بالآلاف، كما حدث مع الطرق المخلصة للإدارة أو الجامدة أو الثائرة التي عرفناها، ففرع طكوك من الزاوية السنوسية كان يعيش على الهامش بين الزوايا والطرق، ولعله لم يكن يعلن أنه سنوسي أصلا، وكان يكتفي بأنه قادري أو شاذلي، كما لاحظ ابن بكار، لأن السنوسية طريقة (أجنبية) وخصمة لفرنسا. ومع ذلك كان الفرنسيون يحسون بالعلاقات بين الزاوية الأم وهذا الفرع اليتيم في موطن السنوسي الأصلي، ولذلك فنحن لن نذكر (ملايين) أتباع السنوسية في العالم، كما قال بعضهم، ومئات الزوايا والمقربين والوكلاء، يقول إحصاء رين سنة ١٨٨٢ أن عدد إخوان السنوسية في الجزائر حوالي ٤٨٠ فردا، ولهم زاوية واحدة (زاوية طكوك) وثلاثون مقدما، وقد صنف رين زاوية طكوك ضمن الطريقة الخضرية، وبعد عشر سنوات ذكر ديبون وكوبولاني (١٨٩٧) أن للسنوسية ٩٥٠ إخوانيا، وعشرين مقدما، وشيخا واحدا وزاوية واحدة.

стр. 1685

لكن السنوسيين كانوا منتشرين في أتباع الطرق الأخرى كما لاحظ الفرنسيون، وقد قالوا إنهم موجودون في المدن والبوادي، ولذلك كانوا يتواصون بوجوب المراقبة الشديدة والحذر الدائم منهم، رغم أن رين يقول إنه منذ ١٨٧٥ أصبحت التقارير تكشف أنه لا وجود للسنوسية سوى ما يأتي من جهة مستغانم، ولكن هذا لم يجعله يغفل عن إسداء النصح لقومه بالتزام المراقبة المستمرة للسنوسيين (١). وقد كان مجال نشاط السنوسية هو الجنوب بالخصوص، والكتابات التي رجعنا إليها حتى الآن ترجع إلى أواخر القرن الماضي، لكن احتلال إيطاليا لليبيا والحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث جعل السنوسية تنشط بوجه آخر في الجزائر وغيرها، ومنها أحداث الطوارق سنة ١٩١٦ ومقتل شارل دي فوكو، الجاسوس/ القديس، والثورة التي وقعت في تلك المنطقة، ومقاومة التسرب الفرنسي في فزان. وقد شارك أحمد الشارف طكوك، كغيره من زعماء الطرق الصوفية، في توجيه نداء إلى أنصاره وأتباع طريقته السنوسية بأولاد شافع (شفاعة). وتبدو العبارات الواردة في ندائه أخف حدة ضد تركيا من غيرها، وجاء فيه عن فرنسا (أننا أبناؤها وخدامها من قلب وقالب، مستعدون للدفاع عن حوزتها). وذكرهم الشيخ بأن فرنسا قد قدمت للجزائريين العدرل والإحسان وحسن أحوالهم المادية والمعنوية بعد ظلم الترك وجورهم وقتلهم الأولياء ظلما وعدوانا (٢). وفي سنة ١٩٥٤ كتب إيميل برمنغام مقالة عن الجزائر الدينية، جاء فيها أنه بالرغم من القول إن السنوسية كانت معادية للأجانب، فإن زاوية الشيخ
следующие страницы →