← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

حجت البنت فعلا وعادت عبر جغبوب، حسب الخطة المرسومة، ولكن الزواج المخطط لم يتم، دون أن نعرف السبب، فرجعت البنت إلى أبيها، وتزوجت من رجل آخر، يقول الفرنسيون إنه أحد (القياد) السابقين، وقد جرى كل ذلك دون معرفة بتواريخ الأحداث. لكن في سنة ١٨٧٦ أبلغ المخبرون أو الوشاة أن في زاوية طكوك أسلحة وذخيرة، فهرع الفرنسيون إلى الزاوية واحتجزوا الأسلحة وصادروا الزاوية نفسها، واعتقلوا شيخها مرة ثالثة، ووجهوا إليه تهمة الاغتيال، وساقوه إلى سجن مستغانم أيضا، والمؤلفان، ديبون وكوبولاني، يسوقان هذا الحدث وكأنهما يكتبان رواية خيالية أو قصة (بوليسية) تذكرنا باغتيال الشيخ كحول واعتقال الشيخ العقبي ووجود السكين البو سعادي عند المتهم عكاشة، سنة ١٩٣٦، ولكن الإدارة الفرنسية هي هي سواء مع الشيخ طكوك أو الشيخ العقبي، والغريب في الأمر أنهم بعد أن اعتقلوا الشيخ وصادروا ما في الزاوية تبينوا براءة الشيخ (دون محاكمة طبعا) إذ قالوا إنه لم يدع قبيلة المجاهر إلى الثورة، وكان في إمكانه أن يفعل لأن نفوذه فيهم قوي، بالعكس لقد طلب الهدوء من أتباعه، ومع ذلك سيق إلى السجن كما يساق المجرمون، وذكر آجرون أن الشيخ اعتقل سنة ١٨٧٧ بناء على هجوم الإعلام الكولوني عليه واتهامه بإخفاء السلاح، وكان ذلك في عهد الحاكم العام شانزي، وفي سنة ١٨٧٩ اعتقل الشيخ طكوك من جديد وقيد إلى سجن مستغانم، وكان بإمكانه أن يثور عشرين ألفا من الناس، ولكنه مع ذلك دعاهم إلى الهدوء (١). ومع ذلك فإن الذين فعلوا به ذلك هم الذين قيل إنهم مشوا في جنازته وأظهروا التأسف عليه. ولا ندري كم المدة التي قضاها الشيخ في الاعتقال هذه المرة. لأن الذي عاش بين ١٨٧٠ - ١٨٩٠ يعرف أن قانون الأهالي ليس له مرجع في القانون العام، وأن الإنسان الجزائري كان مسحوقا بيد الجمهورية الثالثة،

стр. 1682

وحكامها العامين من أمثال ديقيدون، وشانزي ولويس تيرمان، وقد تزوج الشيخ طكوك على كبر سنه بإشارة من حاشيته، حسب ديبون وكوبولاني، طمعا في نيل الزيارات التي منعتها فرنسا على الطرق الصوفية إلا على من ترضى عنها، ويفهم من هذا، لأن العبارة غير صريحة، أن هذا الزواج كان فرصة لجلب المال للزاوية، ولا ندري متى وقع هذا الزواج ولكن قيل إنه كان في آخر أيام الشيخ، في ٥ غشت سنة ١٨٩٠، فقد توفي الشيخ في هذه السنة عن ٩٦ سنة، ودفن في زاويته، وترك خلافته الروحية لأخيه أحمد طكوك، ويبدو أن الفرنسيين ممن يبكون على الميت بعد أن يقتلوه، إذ قالوا إن الأروبيين كانوا يحترمون الشيخ ويلجأون إليه عند وقوع السرقة وغيرها، ولذلك حضر عدد منهم جنازته مع المسلمين أسفا على فقده، وحضر جنازته حوالي ثمانية آلاف شخص. ولم تسلم الزاوية من الغلق مرة أخرى رغم وفاة شيخها الشهير بتهدئة الأوضاع، وكان غلقها راجعا إلى أسباب سياسية، كما قال ديبون وكوبولاني، وزج بشيخها الجديد في السجن أيضا، ولكن في (أينكرمان) هذه المرة، ويذهب آجرون إلى أن المتصرف الإداري لبلدية هليل قد حكم بغلق الزاوية ١٨٩٠ لمعاقبة شيخها بالنيابة لأنه جمع أموالا (زيارات) على أثر وفاة أخيه، ولما حاكموه وجدوه شخصا شرها ونشيطا جدا فسجنوه (١). كما سجنت فرنسا أحمد بن الشيخ طكوك بعد رجوعه إلى الجزائر بعد غربة دامت خمس سنوات في زاوية جغبوب، ويقولون إن أحمد بن طكوك قد ذهب إلى المشرق على إثر زواج أبيه المشار إليه، ثم رجع بعد وفاة والده بثلاث سنوات (أي ١٨٩٣، في عهد جول كامبون). وكان الشيخ أحمد الإبن قد تزوج في جغبوب من إحدى بنات أخوة الشيخ المهدي السنوسي، وقد حل أحمد محل عمه الذي ربما يكون قد توفي في سجنه، ذلك أن هذا المصدر الفرنسي يقول إن أحمد الإبن كان على رأس الزاوية عند اعتقاله، (لأسباب

стр. 1683

سياسية لا وهي، حسب آجرون، أفكار الجامعة الإسلامية، وقد سجن أولا في كاسينيو Cassaigne، ثم في كالفي CALVI (كورسيكا) (١). والأسباب السياسية المشار إليها يمكن إدراكها بوضوح، ذلك أن عودة الشيخ أحمد بن طكوك إلى الجزائر، بعد الارتباط بالسنوسية عن طريق المصاهرة، والارتباط النسبي والوطني القديم، كانت كلها تخيف الفرنسيين إذ جاءت في الوقت الذي كان فيه الكتاب الفرنسيون يحذرون من خطر السنوسية داعية الجامعة الإسلامية والهجرة إلى دار الإسلام (٢). فلعل هذا الشيخ قد اتهم بمثل هذه الاتهامات، ولكن دون إثبات، وقد أخبر آجرون أن هذا الشيخ قد بقي (عدة شهور) في المنفى والسجن، ثم أطلق سراحه، وأنه أظهر تعاونا مع الإدارة سنة ١٩٠٠ حين دعا إلى تجنيد فرقة من الرماة، كما كانت الإدارة تريد. وفي ترجمة لأصحاب زاوية طكوك ذكر ابن بكار، معلومات إضافية عن مؤسس الزاوية ولكنها قليلة (٣). فقد أضاف إلى الشيخ اسم محمد، فهو إذن محمد بن طكوك، وقال إن نسبه يتصل بنسل الولي سيدي عبد الله دفين مستغانم، بقرية المطمر، ويتصل نسبه كذلك بإدريس الأصغر، وقد ذكرنا انفا كلام (رين) حول نسب أولاد سيدي عبد الله الذين هم أيضا أصل محمد بن علي السوسي، وأضاف ابن بكار أن محمد بن طكوك قد فتح زاويته للعلم، ونحن لا نستغرب ذلك ما دامت السنوسية قد جعلت التعليم من مهامها الأساسية، ولكن المستغرب هو ماذا يمكنه أن يعلم في بلاد حكم عليها الفرنسيون بالجهل؟ ومن الجدير بالملاحظة أن هؤلاء الشيوخ: محمد بن طكوك، وعدة بن غلام الله، ومحمد الموسوم، وعلي بن عمر الطولقي،

стр. 1684

ومحمد بن بلقاسم الهاملي، وسعيد بن أبي داود ... كلهم متعاصرون، وكلهم حاولوا التعليم عن طريق الزوايا، وكأنهم كانوا على اتفاق وبرنامج موحد، ولكن تجربتهم لا تقاس بتجربة مصطفى بن عزوز في نفطة ولا بتجربة محمد بن علي السنوسي في جغبوب لحرية التعليم في تونس وليبيا وسيطرة الاستعمار في الجزائر، ولم يذكر ابن بكار أن خليفة الشيخ طكوك الأول هو أخوه، كما ذكر ديبون وكوبولاني، وإنما ذكر ابنه أحمد مباشرة. فقال (وبعد وفاته خلفه ابنه أحمد بن طكوك). ولم يذكر شيئا أيضا عن الاعتقالات التي تعرض لها الشيوخ الثلاثة، لماذا؟ وقد لاحظ ابن بكار، الذي كان من أتباع الزاوية الطيبية، إن الزاوية الطكوكية اشتهرت بالعلم، وبتحفيظ القرآن في زمن أحمد بن طكوك، والظاهر أن عهد هذا الابن قد طال أيضا مثل والده، إذ يقول ابن بكار أنه عاش إلى أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وتوفي عن ٨٠ سنة، والغريب أن ابن بكار لم يقل إن زاوية طكوك سنوسية، بل قال إنها قادرية - شاذلية، فلماذا هذا التعتيم أيضا؟. وفي هذا الجو الاضطهادي المتميز بين الطرق الصوفية لا يمكن أن يكثر الأتباع في الجزائر بالآلاف، كما حدث مع الطرق المخلصة للإدارة أو الجامدة أو الثائرة التي عرفناها، ففرع طكوك من الزاوية السنوسية كان يعيش على الهامش بين الزوايا والطرق، ولعله لم يكن يعلن أنه سنوسي أصلا، وكان يكتفي بأنه قادري أو شاذلي، كما لاحظ ابن بكار، لأن السنوسية طريقة (أجنبية) وخصمة لفرنسا. ومع ذلك كان الفرنسيون يحسون بالعلاقات بين الزاوية الأم وهذا الفرع اليتيم في موطن السنوسي الأصلي، ولذلك فنحن لن نذكر (ملايين) أتباع السنوسية في العالم، كما قال بعضهم، ومئات الزوايا والمقربين والوكلاء، يقول إحصاء رين سنة ١٨٨٢ أن عدد إخوان السنوسية في الجزائر حوالي ٤٨٠ فردا، ولهم زاوية واحدة (زاوية طكوك) وثلاثون مقدما، وقد صنف رين زاوية طكوك ضمن الطريقة الخضرية، وبعد عشر سنوات ذكر ديبون وكوبولاني (١٨٩٧) أن للسنوسية ٩٥٠ إخوانيا، وعشرين مقدما، وشيخا واحدا وزاوية واحدة.

стр. 1685

لكن السنوسيين كانوا منتشرين في أتباع الطرق الأخرى كما لاحظ الفرنسيون، وقد قالوا إنهم موجودون في المدن والبوادي، ولذلك كانوا يتواصون بوجوب المراقبة الشديدة والحذر الدائم منهم، رغم أن رين يقول إنه منذ ١٨٧٥ أصبحت التقارير تكشف أنه لا وجود للسنوسية سوى ما يأتي من جهة مستغانم، ولكن هذا لم يجعله يغفل عن إسداء النصح لقومه بالتزام المراقبة المستمرة للسنوسيين (١). وقد كان مجال نشاط السنوسية هو الجنوب بالخصوص، والكتابات التي رجعنا إليها حتى الآن ترجع إلى أواخر القرن الماضي، لكن احتلال إيطاليا لليبيا والحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث جعل السنوسية تنشط بوجه آخر في الجزائر وغيرها، ومنها أحداث الطوارق سنة ١٩١٦ ومقتل شارل دي فوكو، الجاسوس/ القديس، والثورة التي وقعت في تلك المنطقة، ومقاومة التسرب الفرنسي في فزان. وقد شارك أحمد الشارف طكوك، كغيره من زعماء الطرق الصوفية، في توجيه نداء إلى أنصاره وأتباع طريقته السنوسية بأولاد شافع (شفاعة). وتبدو العبارات الواردة في ندائه أخف حدة ضد تركيا من غيرها، وجاء فيه عن فرنسا (أننا أبناؤها وخدامها من قلب وقالب، مستعدون للدفاع عن حوزتها). وذكرهم الشيخ بأن فرنسا قد قدمت للجزائريين العدرل والإحسان وحسن أحوالهم المادية والمعنوية بعد ظلم الترك وجورهم وقتلهم الأولياء ظلما وعدوانا (٢). وفي سنة ١٩٥٤ كتب إيميل برمنغام مقالة عن الجزائر الدينية، جاء فيها أنه بالرغم من القول إن السنوسية كانت معادية للأجانب، فإن زاوية الشيخ

стр. 1686

طكوك في الجزائر كانت مسالمة، ولكنها كانت تتداخل في الخلافات الداخلية (١). ... إضافة إلى ما ذكرنا، هناك طرق صوفية ذات نفوذ قليل في الجزائر، أما أصولها فتوجد في تونس أو الحجاز أو بغداد أو المغرب، ومعظمها ترجع إلى طرق معروفة كالقادرية أو الشاذلية، وكان يمكننا إضافتها إلى هذه العناوين لولا أن لها أسماء محلية خاصة بها، مثل الشابية و البوعلية ونحوهما. البوعلية: ترجع إلى بوعلي السني دفين نفطة، وتاريخه هو القرن السادس الهجري (توفي ٦١٠). وقد اشتهر بالنفطي لأنه دفين نفطة، كما اشتهر بالسني لأنه انتصر لأهل السنة ضد أهل المذاهب الأخرى، سيما الخارجية التي انتشرت في منطقة الجريد والجنوب التونسي ووادي سوف، فكان أبو علي (الحسن) من المتحمسين للسنة، وكان من أصحاب وتلاميذ أبي مدين، دفين تلمسان، المتوفى ٥٩٤، وللنفطي مناقب ألفها أحد أتباعه، وهو الحسن بن أحمد البجائي (٢). ونظرا لقربها من الحدود فإن بعض الجزائريين تأثروا بهذه الطريقة التي ترجع إلى القادرية، وكان أتباعها في العهد الذي ندرسه موجودين في قسنطينة وعنابة وتبسة وسوف، وهي الجهات التي يقصدها التجار التونسيون أيضا، والسلطات الفرنسية التي كانت حريصة على جمع أخبار هذه الطرق، أكدت أن البوعلية تكاد تكون غير معروفة في الجزائر إلى احتلال تونس (١٨٨١). وقد ذكر رين أن أول إشارة إليها كانت سنة ١٨٧٦ حين لاحظوا في عنابة وجود شخص من قابس اسمه الحبيب بن الصغير، فاعتقلوه وحاكموه ثم طردوه في الجزائر، ثم ظهر شخص آخر من سوف في نفس

стр. 1687

الفترة، لكن اعتقال الأول أسكت الثاني، حسب تعبير رين، وأتباع الشيخ بوعلي السني في الجزائر يمارسون الرقص العصبي والتشنج، وهم بذلك يشبهون العيساوية (١). وإذا كانت التقارير في عهد رين لا تعطيها الاهتمام اللازم ولا تعثر لها إلا على أثر بسيط، فإن التقارير اللاحقة قد بينت أن البوعلية لها نفوذ أقوى من وصف رين له، فقد كان لها زاوية فرعية في خنشلة، ولها مقدم اسمه عماره بوخشم، ولها عدد آخر من المقدمين والشواش، وكان لها في أقليم قسنطينة وحده أربع زوايا، حسب إحصاء ديبون وكوبولاني، (١٨٩٧). كما لها ٣٦٤ من الإخوان، وفيهم بعض النسوة، وستة مقدمون، أما شيخها الرئيسي ففي الزاوية الأم بنفطة (٢). وهكذا نرى أنها طريقة ليست بذات أهمية لا سياسيا ولا اجتماعيا، ولا ندري إن كان الفرنسيون قد وظفوا منها عناصر لصالحهم في الجزائر كما فعلوا مع غيرها، ولا تكاد المصادر الأخرى التي تعرض للطرق الصوفية تذكر تأثير البوعلية في الجزائر (٣). الشابية: تاريخ الشابية في الجزائر يرجع إلى القرن السادس عشر، وهي طريقة ناصرية لأن مؤسسها أحمد بن مخلوف، كان أحد أتباع الشيخ محمد بن ناصر الدرير، وقد نشطت الشابية في نواحي القيروان وأسسوا زوايا عديدة في تونس والجزائر، وتسيسوا كثيرا بحيث ظهر منهم تياران، تيار ديني يمثله مسعود الشابي، وتيار سياسي يمثله عبد الصمد الشابي، وكان عرفة القيرواني هو الذي ثار ضد الحفصيين ثم ضد العثمانيين أثناء عهد انتقالي اتسم

стр. 1688

بالفوضى، وحاول تأسيس مملكة، وقد انتشرت الشابية في نواحي الجريد (تونس) ووادي سوف وتبسة وعنابة وخنشلة والخنقة، بحيث كانت لها زوايا ومقدمون، بل وثورات ومداخلات سياسية في هذه المناطق، وفي العهد الذي ندرسه لعبوا نفس الدور تقريبا، وقد دخلوا أيضا في السياسة، فكان منهم محمد الطاهر بن الحاج على الراعي المعروف بومعيزة، الذي أصبح قايدا على اليدوغ (عنابة) وعضوا في المجلس العام بولاية قسنطينة، وكان أتباع الشابية يأتونه بصفته ممثلا لهم، وكان ذلك بدون شك برضى السلطة، وهو من مقدمي بدر الدين، وبدر الدين هذا هو أحد خلفاء أحمد بن مخلوف الشابي، وهو مدفون في القيرية، قرب تبسة. أما شيخ الشابية الفعلي فهو محمد عبد الهادف (كذا) الذي أنشأ زاوية في جبل ششار تسمى زاوية المسعود الشابي، وكان ابنه المسعود يساعده على نشاطه الذي يشمل خنشلة وتبسة وسوف، وآثار الشابية تظهر في شكل مؤسسات دينية، كالمساجد، وهي موجودة بالخصوص في سوف، ومن حفداء الشيخ المسعود الشابي، ابن جدو بورقعة ورمضان، وللأخير ابن يسمى عمار ترك جبل ششار والتحق بتوزر وأنشأ بها زاوية تسمى (بيت الشريعة). ووريثا عمار بن رمضان هما الحاج أحمد، وابن جدو، وقد أصبح الأخير هو شيخ الطريقة الشابية، ويساعده ابن أخيه الحاج محمد بن الحاج إبراهيم، ورغم صلة الشابية بالناصرية (المغرب الأقصى) فإنها، حسب التقارير الفرنسية، لا تقيم معها أية علاقة. وللشابية إجازة متداولة صادرة عن الشيخ أحمد بن عمار بن رمضان الشابي، شيخ بيت الشريعة، في ٤ جمادي الثانية، سنة ١٢٧٩ (سبتمبر ١٨٦٢). ولها أذكار وقواعد تسير عليها، شبيهة بأذكار الطرق الأخرى، مثل تكرار الاستغفار مائة مرة ولا إله إلا الله مائة مرة، واللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، مائة مرة، بعد صلاة الفجر، لكن الشابية تتميز بخاصية في هذا الذكر وهي رقم سبعين (٧٠) حتى أن قاعدتهم الأساسية تسمى السبعينية، ولعلها هي كلمة السر عندهم أو علامة الفال والسرور.

стр. 1689

وقد لعبت الشابية دورا سياسيا في عهد الاستعمار، كما لعبته من قبل في العهد العثماني، فهي من الطرق التي تجمع بين الدين والدنيا، ويقال عنها إنها طريقة تتقرب من الحكومات وأصحاب النفوذ لكي تحافظ في الظاهر على فوائد الزيارات التي يأتي بها الأتباع، ويذكر الفرنسيون أنهم وجدوا من قادة الشابية مساعدة أثناء احتلال تونس، ولم يذكروا شيئا عن استعمالهم لنفوذها في التوسع بالجزائر أيضا، ومهما كان الأمر فقد أعانت الشابية الفرنسيين على استتباب الأمن وحتى على إرجاع المتمردين أو الهاربين منهم، فعندما حل الجنزال (فيليبير) بالجريد لأول مرة فر من أمامه أهل توزر ونواحيها، فكان ابن جدو شيخ الشابية هناك، وقد عاون على إعادتهم، وكان ابن جدو هو الواسطة بينهم وبين الفرنسيين، ثم عمل على نشر التهدئة، وقد عوضه الفرنسيون على هذه الخدمة بتعيينه (قايد بيت الشريعة) فأصبح يجمع بين القيادة الروحية والزمنية، ولعل قبول الشيخ هذه الهدية المسمومة هو الذي جعل العائلة الشابية تختلف فيما بينها، كما جعل الطريقة نفسها تضعف في أعين الناس، حتى قال الفرنسيون أنفسهم بعد احتلال تونس بحوالي خمس عشرة سنة إنها تكاد تختفي تماما، هذا في تونس، أما في الجزائر فقد لاحظ الفرنسيون أن الشابية كانت ما تزال قوية في سوف لأن أهل الوادي ما يزالون على احترامهم لأجداد الشابية (١). البكائية: وأتباع البكائية في الجزائر قليلون أيضا، وشيخهم هو أحمد البكاي. ومقر الطريقة الرئيسي في تمبكتو (٢). ولكنها منتشرة في الجهات الغربية والجنوبية من الجزائر، سيما توات وكنته والقورارة ثم بلاد الطوارق، والبكائيون ينتمون إلى الفاتح عقبة بن نافع، وقد لعبوا دورا رئيسيا في

стр. 1690

أحداث غرب إفريقية بين السكان والمحتلين الفرنسيين والطامعين من الإنكليز والألمان، وكان (بارث BARTH) الألماني قد لقي أحمد البكاي وكتب عنه وعن طريقته وأفكاره وعن شجرة العائلة، ثم التقى دوفيرييه الفرنسي بابنه الأكبر سنة ١٨٦١ وبعلي ابن أخيه، وأشاد بكليهما، ومن أجدادهم شيخ يدعى عبد الكريم، استقر أحد أبنائه بتوات في ناحية بو علي، وحول قبره بني قصر (قرية) أصبح يعرف بزاوية الشيخ ابن عبد الكريم، وقد عمرت بهم زاوية قبيلة كنته (١). ولا يعرف المهتمون ورد البكائية، والغالب أنه هو ورد القادرية لمن يعتبرهم قادريين، رغم أن بعضهم يعتبرهم شاذليين (٢). ولكن الملاحظ عليهم أنهم لا يهتمون عموما بالسياسة ولا يتداخلون فيها، وإنما هم مهتمون بالشؤون الدينية والتعليم، وفي هذا النطاق كانوا يساعدون القوافل ويصلحون بين الناس ويوفرون الأمن للسابلة والغرباء، وللبكائية فروع في تيديكلت، وتوات، ودانزيقمير، وأولاف، وسالي، وقد ذكر دوفيرييه أن للبكائية أملاكا عظيمة في توات التي ما تزال في نظره (متعصبة). وقال إن البكائية هي مفتاح الطريق من الجزائر إلى توات إلى تمبوكتو، وامتدح ابن أخ البكاي معتبرا إياه (صديقا) وحاميا له أثناء رحلته، كما كانت العائلة متسامحة جدا مع (بارث) الألماني، وقال إنك لا تكاد تعرف هل البكائيون من تمبوكتو أو من توات لكثرة أملاكهم وترددهم هنا وهناك، حتى أن الشيخ البكاي في الواقع هو المالك لأقابلي وزاوية كنته والجديد في تيديكلت (٣). من شيوخ البكائيين المختار الكنتي صاحب التآليف (٤). والمتوفى سنة ١٨٢٦، وليس صحيحا دائما ما قيل عن

стр. 1691

البكائية والسياسة، فإنهم وقفوا مع الشيخ ماء العينين الشهير آخر القرن الماضي، وكان قادريا وبكائيا، وكذلك تزعم الشيخ عابدين الطوارق ودعاهم للجهاد ضد الأجانب، وكان أيضا بكائيا (١). والبكائية ينتمون إلى جدهم الكنتي، عمر بن أحمد البكاي الذي عاش في القرن ١٦ م (ولد سنة ١٥٠٤). وكان عمر هذا هو الناشر لورد الطريقة القادرية الذي أخذه عن الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي الداعية الإسلامي الشهير، وتسمى البكائية هناك بالمختارية نسبة إلى الشيخ سيدي المختار الكبير الذي جدد الطريقة في آخر القرن ١٨ وأوائل ١٩، وكانت القادرية الكونتية قد عارضت نشاط التجانية في الناحية، وكان تحالفهما مع الأجانب مختلفا أيضا، قلنا إن القادرية انتشرت على يد المغيلي هناك وفي النواحي الصحراوية والسودانية، وقد أخذها عنه في البداية الشيخ أحمد البكاي الجد، ولكنه لم يعمل على نشرها كما فعل ابنه عمر البكاي الذي أصبح داعية كبيرا للقادرية بعد أبيه وبعد المغيلي، وكان للبكائية زوايا في توات وتمبكتو وغيرهما. أما أحمد البكائي الحفيد فقد ولد سنة ١٨٠٣، ودرس على جده الشيخ المختار الكنتي، ومند حوالي ١٨٤٧ أصبح أحمد البكاي هو زعيم الطريقة القادرية بلا منازع في الناحية، وأصبح له نفوذ روحي وزمني كبير، وقصده المستنجدون والرحالة الأجانب، وفاوض على أن تكون تمبكتو هي المدينة التي يديرها أهل سنغاي، وقد زارها الرحالة بارث سنة ١٨٥٣ فوجد ذلك النظام هو السائد في تمبكتو، واستقبل البكاي بارث، وهو الذي أعطاه من مشى معه مسافة طويلة كما أعطاه عهد الأمان، وامتد نفوذ البكاي إلى سكوطو وبحيرة تشاد، وقد أشاد به بارث على أنه متسامح وذكي ومتفتح الذهن والروح، وإنه كان فضوليا يحب المعرفة حيثما وجدها، وحين سمع باحتلالط الفرنسيين لورقلة أعذ البكاي حملة ضدهم، ولكن بارث نصحه

стр. 1692

بالعدول عن ذلك، فاكتفى بإرسال رسالة احتجاج ضد الاحتلال مع التحذير من التوسع في الصحراء والجنوب. ومن جهة أخرى أظهر البكائيون تسامحهم أيضا مع الرحالة دوفيرييه سنة ١٨٦١، وخدموه في رحلته بين غدامس وتوات وغات، كما سبق القول، كما أنهم ربطوا علاقات مع فيديرب، الحاكم الفرنسي للسينغال، منذ ١٨٦٤، وتراسلوا مع الإنكليز أيضا. وقد حاول الكونتيون اجتذاب حركة الحاج عمر في غرب إفريقية والعمل معه في نفس الاتجاه، فامتدحه البكاي بأنه (مجدد الإسلام). وكان الحاج عمر في البداية من أتباع القادرية، غير أنه تحول منها إلى التجانية، ورفع لواء الجهاد ضد الفرنسيين، وأظهر اللامبالاة بل العداء للبكائي، فما كان من هذا إلا أن عاداه أيضا ودخل معه في صراع حول التوسع والنفوذ الروحي والزمني، وأعلن البكاي أن الحاج عمر خارج عن الدين الإسلامي لعدم تلبيته لمبادئ السنة النبوية، وكان ذلك الانشقاق قد أدى إلى ضعف المسلمين جميعا في غرب إفريقية، مما سهل عملية الاحتلال الفرنسي للمنطقة كلها، وتوفي الزعيمان في وقت متقارب (الحاج عمر ١٨٦٤، والبكاي ١٨٦٥) (١). المكاحلية (الرماة): هؤلاء ليسوا طريقة بالمعني الصوفي، إنهم تنظيم من عصبة أو عصابة يكاد يكون (ميليشيا) بالمعنى الحديث، وبهذا المعنى كانوا يخيفون الفرنسيين، رغم قلة أعدادهم وقلة انتشارهم، وأصل المكاحلية أو الرماية - الرماة، يرجع، كما يقولون، إلى عهد سعد ابن أبي وقاص والصحابة الآخرين، فقد كانوا يمارسون الرياضة على النشاب والقوس والكرة والسهم.

стр. 1693

وهي الأسلحة التي استعملت في الغزوات النبوية، هذا عن الأصل، أما تأسيسها ومكانها في الجزائر ففي الجهة الغربية، سيما نواحي معسكر والعين الصفراء ومغنية وفرندة، وسعيدة، كما أنها معروفة في البيض وتيهرت، ولا يكاد يوجد لها ذكر في النواحي الشرقية من الجزائر، وكانت شائعة في فرق الفرسان (الصبائحية). وقد يكون أصلها في السوس الأقصى، ثم انتقلت إلى الجزائر. وحسب إحصاء ١٨٨٢ فإن إعداد هذه العصبة أو التنظيم، لا يتجاوزون ٥٠٠ فرد، ولهم حوالي ثلاثين مقدما (١). ولكن ليس لهم زاوية أو شيخ، ولا تعرف لهم أذكار دينية ولا سلسلة نسبية، لأن ممارساتها في الواقع كانت رياضية - عسكرية (الفروسية). وكان الفرنسيون يتصيدون أتباعها لخوفهم منها، ولعلهم كانوا يخشون أن تستغلها بعض الطرق الصوفية الغاضبة. الناصرية: نقصد هنا فرع الناصرية بالخنقة (خنقة سيدي ناجي). وهي ترجع إلى مرابط قديم اسمه سيدي ناجي، وكانت لها زاوية ومسجد بالخنقة، وازدهرت في القرن ١٨ م ونشرت التعليم، كما ذكرنا في غير هذا، وفي العهد الفرنسي نافستها الرحمانية، ودخل رجالها الوظيف الإداري الرسمي فضعف نفوذها الروحي والتعليمي، ومنها عائلة ابن حسين (٢). وعن موقفها السياسي انظر ما كتبه أحد أفراد هذه العائلة في جزء لاحق من الكتاب. طرق أخرى: هناك طرق عديدة ظهرت في المشرق ولم تؤسس لها فروعا في الجزائر، وكان من المفروض أن لا نذكرها، ولكن رأينا التنبيه على صلة بعضها بطرق معروفة في الجزائر، فالسهروردية ليس لها أتباع في الجزائر ولكنها تتصل بالرحمانية وبالشاذلية، وهم يأخذون عن الشيخ أبي نجيب ضياء

стр. 1694

الدين السهروردي، كما أن طريقة أبي القاسم الجنيد ليس لها أتباع في الجزائر ولكن الشاذلية قد أخذت عنها وكذلك السنوسية، وبعض الطرق تعتبر الجنيد (قطب الأقطاب). وقال السنوسي إن معظم الطرق متصلة بالجنيد. ومن جهة أخرى أشرنا إلى الصديقية المنسوبة إلى الخليفة أبي بكر الصديق، وهي تتصل في الجزائر بالطريقة الشيخية التي تنتسب إلى الخليفة أبي بكر الصديق، كما أخذ السنوسي عن كبار شيوخ الصديقية، وهي متصلة عندهم بالرسول ﷺ . وقد قلنا في مكان آخر إنها متصلة بالخليفة عن طريق سلمان الفارسي، أما العويسية فترجع إلى عويس بن قرآني المتوفى سنة ٣٧ هـ، وليس لها أتباع في الجزائر، ولكن السنوسي أخذ عنها وانضم إليها، وهي ترجع إلى الخليفة عمر بن الخطاب، كما يقولون، وكان السنوسي (خطابيا). كما ذكرنا في نسبه. كذلك ذكرنا الخضرية التي كان يمثلها أحمد بن إدريس الفاسي في الحجاز إلى وفاته سنة ١٨٣٥. وليس للخضرية أتباع مباشرة في الجزائر ولكننا تحدثنا على أن السنوسي قد أخذ عن الشيخ الفاسي واعتبره عمدته، وكانت زاوية طكوك تقول إنها خضرية، وليس للميرغنية أو الختمية أتباع أيضا في الجزائر، ولكننا عرفنا أن أصل السنوسية والميرغنية (الختمية) واحد، وهو الخضرية، وهناك عدد من الطرق في الجزائر، كالشاذلية، تذكر الخضر في سلاسلها الصوفية، ولا نعرف أن للنقشبندية ولا البكداشية أتباعا في الجزائر في العهد الذي ندرسه، وإنما نعلم أن الأمير عبد القادر قد أخذ النقشبندية عن شيخها في الحجازأثناء حجه سنة ١٨٦٣. في ميزاب ومتليلي: ذكرنا أن الطرق الصوفية لم تنشأ في وادي ميزاب لأسباب ترجع إلى المذهب الإباضي نفسه، وربما ترجع أيضا إلى فشل حركة الجهاد في بقية الجزائر من جهة والطابع العلمي والتجاري لأهل الصحراء، ولا سيما بنو

стр. 1695

ميزاب، ولكن عقيدة الشيخ كانت موجودة سواء عند أهل المذهب الإباضي أو عند أتباع المذهب المالكي بالناحية، ذلك أن الشيخ أطفيش مثلا كان (قطبا) عندهم وإن لم تبلغ العقيدة فيه ما بلغته عقيدة الشيخ في بعض الطرق الصوفية، فقد كان قطبا في العلم والعمل ليس في التصوف والزهد، ويبلغ الاحترام عند بني ميزاب لشيوخهم مبلغا كبيرا، ولكن ليس عندهم أوراد ولا حضرات ولا زيارات كما هو حال معظم الزوايا في المناطق الأخرى. لكن انتشر بينهم تقديس بعض المقامات والأضرحة والأماكن التي يعتقدون فيها البركة والأسرار الخفية، وهذا لا يكاد يختلف عما هو موجود في المناطق الأخرى، وقد قام بعض الباحثين بدراسة لهذه الظاهرة في وادي ميزاب فوجد بعض المقامات والأضرحة والخرائب والرموز التي يتردد عليها أهل كل بلدة ويعتقدون فيها العقائد المختلفة في الضر والنفع، وذكر مسجد الشيخ أبي عبد الرحمن القرطبي الذي قيل إنه كان معتزليا ثم تمذهب بالمذهب الإباضي، وكان قبره يزار وتقدم عنده الصدقات، وخرائب تيميزيرت في مليكة وبونورة، ومقام سيدي عيسى في غرداية، وضريح الشيخ أبي محمد في بني يزقن، وضريح الشيخ زكريا في العطف، ومقام الشيخ العرفجي الذي قيل إنه من وادي ريغ (١). وقبة الشيخ عمي سعيد، ومقام الشيخ محمد بن الحاج بلقاسم، ومشهد عجاين على هضبة مليكة، وغارداية، وهناك كثير غيرها. أما في ناحية متليلي فتوجد أماكن محترمة بل مقدسة للشيوخ وآثارهم المتمثلة في القباب والمساجد والمزارات، من ذلك مقام الشيخ السايس بن بوبكر، وضريح مولاي سليمان بن مولاي محمد، زعيم أشراف متليلي، كما توجد جبانة خاصة بالشرفة، وكانت محل أدعية وزيارات سنوية، وزاوية

стр. 1696

الحاج موسى بن أحمد، وهم يعتقدون أنه من نسل العباس عم الرسول ﷺ . وتقام له حفلة سنوية في ساحة الزاوية، وقبة الحاج بو حفص بن سيدي الشيخ، ويعتبر من حماة متليلي، وله أوقاف وتذبح عنده الذبائح، وهناك ثلاث قباب للشيخ عبد القادر الجيلاني كان بعضها لأتباع الشيخ بوعمامة، وكذلك مقام الشيخ ابن الدين حيث الذبائح والزيارات والأدعية، وكان للزنوج مقامهم أيضا، وهو مقام الفلاح بن بركة الذي أصله من السودان (١). وتحتوي غرداية وضواحيها على عدد من المساجد ذات الطابع الصوفي والمقامات والمزارات الخاصة بأهل كل مذهب، ولكننا لا نجد فيها الزوايا المعروفة في بقية القطر، ولا الطرق الصوفية نفسها كالتجانية والرحمانية، وربما وجد ذلك بين الأفراد والأتباع ولكن ليس في شكل مؤسسات ومشيخات. تمويل الزوايا للطرق الصوفية مصادر للعيش والتوسع، فإذا انقطعت أو نضبت تقلص نفوذ الطريقة واعتراها الانكماش والفناء، ولذلك كانت كل طريقة حريصة على تحصيل المال بوسائل معلنة وغير معلنة، تقليدية ومتجددة، ونريد الآن أن نعرف مصادر التمويل ووسائل التحصيل. معظم الطرق لها زوايا يديرها الشيخ حامل البركة، وهذه الزوايا منها التقليدية المبنية منذ عهد قديم، ومنها الجديدة التي بناها المقدمون المنفصلون عن شيوخهم الأصليين، والزوايا القديمة كانت مقرأ لبعض المرابطين المشهورين وهم الوارثون لقداسة جدهم وتركته وسمعته وأمواله. ومعظم الزوايا القديمة كانت لها أحباس (أوقاف) تتمثل في الأراضي الزراعية، وكانت الأرض تحرث وتزرع وتحصد ثمراتها على يد السكان

стр. 1697

أنفسهم عن طريق تخصيص يوم أو أكثر لها، فهو عندهم عمل مجاني لله، ومن أجل بركة الشيخ عند أصحاب الزاوية، ولكنه في المفاهيم الحديثة هو نوع من السخرة الممنوعة، ومهما كان الأمر فإن الزاوية تجني من وراء ذلك المال والثمرات من مختلف الإنتاج الذي تأتي به الأرض. ولم يكن للزاوية إلا الأرض، فهناك أيضا العقارات كالدكاكين والمحلات الأخرى التي يذهب ريعها للمرابط والزاوية. هذا النوع من الوقف قد توقف في العهد الفرنسي بعد أن استولت الإدارة الاستعمارية على جميع أحباس الزوايا وضمتها إلى أملاك الدولة، في المدن أولا ثم في الأرياف، ولذلك اعتمدت الزوايا على طرق أخرى في التمويل والعيش والانتشار. ومن ذلك حق الزيارات، وقد شرحنا هذا اللفظ من قبل والذي يعني ما يأتي به الزائر من عطية أو صدقة أو هبة للزاوية وصاحبها، والزيارات على هذا النحو خاصة بكل فرد تابع للطريقة (إخواني). فكل من جاء للتبرك أو السؤال أو زيارة قبر الشيخ، يأتي معه بمبلغ من المال، أو يقدم عينا من كل نوع يستطيع، من الملابس إلى المواد الغذائية إلى الحيوانات المختلفة، وهناك الزيارات المنظمة أو الموسمية التي يحددها الشيوخ والمقدمون، حسب طبيعة المنطقة ومواقيت جني المحاصيل وحصول الناس على مداخيلهم، كأوقات الزكاة، ومواسم الزواج والأفراح، وتكون الزيارات في هذه الحالة جماعية، وما يأتي منها مبالغ محددة لكل فرد، أو لكل عرش أو قبيلة. وهناك نوع آخر من المداخيل يحصله، في مواسم معينة، الشواش والوكلاء باسم كل طريقة، إذ يذهب هؤلاء موسميا، وبأمر من الشيخ أو المقدم، لتحصيل المستحق على الأفراد أو الجماعات من الإخوان، وإذا رجع الشيخ من الحج، أو صح بعد مرض، أو احتفلت الزاوية بإحدى المناسبات، فإن على الإخوان واجب التبرع والزيارة أيضا وتقديم ما عليهم إلى شيخ الطريقة، كل حسب استطاعته، وقد عرفنا أن من بين المناسبات التي تجمع فيها الأموال أو الأعيان هو الحضرة التي تعقد مرة أو أكثر في

стр. 1698

السنة والتي يحضرها الشيخ بنفسه في أغلبية الطرق، وهناك مناسبات أخرى لجمع المال للطريقة، كالوعدة والنذر وميلاد الأولاد والبرء بعد المرض ونحو ذلك، وقد ذكرنا أن الإخوان يدفعون ما عليهم في أغلب الأحيان عن طيب خاطر لأن ذلك من واجب الانتماء للطريقة والتقدير للمرابط. وقد ذكرنا أن من بين المدفوعات أيضا الهدايا والغفارة والغرامات التي تدفع للزاوية، وبعض هذه المدفوعات قد تكون لتفادي حدوث كوارث أو للحماية أو التبعية، بالإضافة إلى التقدير والاعتبار للشيخ، سيما في الزوايا التي تقوم بالضيافة والتعليم. ولكن كل ذلك أصبح خاضعا للسياسة والعلاقات بين الطريقة والسلطة الفرنسية، فالمال سلاح خطير في نظر الفرنسيين، ولا يمكنهم التغاضي عمن يجمعه لاستعماله ضدهم، ولذلك وضعوا شروطا للزيارات والحضرة والخدمة ونحو ذلك مما فيه معنى الدعم للطريقة، ئم منعوها تماما إلا على من يرخصون له لمصلحة سياسية، كما سنذكر، ولكن المنع والقيود الرسمية لم تمنع الطرق من تحصيل المال بالطرق المستقيمة والملتوية، فالإخوان الأوفياء لشيخهم يدفعون إليه في الخفاء ما كانوا يدفعونه إليه علنا، وفي المناسبات التي ذكرنا قد لا تقدم الزيارة بطريقة تقليدية ولكن تقدم أشياء مادية أخرى بعناوين مختلفة. والإستيلاء على الأحباس من جهة وتقييد ثم منع الزيارات من جهة أخرى إجراءان أضرا طبعا بنشاط وقوة الزاوية والطريقة. بالنسبة لمنع الزيارات اشترط الفرنسيون في البداية الرخصة المسبقة للتوجه للزيارة ومنح المال، دون الاعتراف بالزيارة نفسها، كما يقولون، أو التدخل في كيفية أدائها، ثم وقع التدخل حين رأى البعض، ربما بتشجيع من السلطة نفسها، عدم الدفع والتخلص من هذا الولاء المكلف للطريقة، وإلى هنا كان يمكن لأي شيخ أن يحصل على حق الزيارة بطلب منه إلى المكتب العربي في ناحيته، كما يمكن للوفد أو الفرد المتوجه للزيارة أن يطلب الرخصة من نفس

стр. 1699

المكتب، ولكن الدراسات أثبتت للفرنسيين بالتدرج أهمية المرابطين والطرق الصوفية في الحياة السياسية واليومية للناس فرأوا أن تضييق الخناق هو الوسيلة العملية للسيطرة عليهم ومراقبتهم. وسلك الفرنسيون أفانين من التصنيفات في هذا المجال، فبدلا من اشتراط الرخصة وقع تخفيض عددها، وبدلا من منح الرخصة في عين المكان ودون إجراءات من السلطات المحلية، كالبحث عن هوية الزائر والمزور، وعلاقاتهما، وتاريخ الطريقة، ونوع الزيارة، أصبح الضباط المسؤولون في عين المكان، ثم من فوقهم في المقاطعة من جنرالات وولاة، هم الذين يمنحون الرخصة، وبذلك لم يعد من السهل الحصول على الرخصة إلا بعد إجراءات بحثية وتنقلات مكانية، وانتظار طويل، وزيادة في التصعيب سحب أحد الحكام العامين (ألبير قريفي A. GREVY) سنة ١٨٨٠، حق منح الرخصة من هؤلاء جميعا، ومنع الزيارة مبدئيا على أساس أنها تدخل في مجال التسول وطلب الصدقات، ولم يجزها إلا في حالات استثنائية، وقد أثبتت الحالات الاستثنائية أنه لم يكن صادقا في اعتبارها (شحاتة) أو تسولا، لأن الذين أجاز لهم فيما بعد ليسوا مساكين ولا متسولين، رغم أن الزيارات، بالطريقة التي أصبحت عليها عند بعض الطرق، هي فعلا نوع من الاستغلال لعرق الناس ونوع من الاستجداء، والحالات الاستثنائية عند هذا الحاكم العام هي التي تقررها الحكومة لأسباب سياسية، وفي هذه الحالة تعطى الرخصة لشيخ الطريقة الصديقة لفرنسا أو التي تنتظر منها فرنسا خدمة ما، ويقول الفرنسيون بأنه منذ هذا التاريخ لم تعط الرخصة إلا في حالات نادرة جدا (١). وقد ذكر رين أربع حالات منحت فيها السلطات الفرنسية الرخصة بالزيارة لبعض الطرق الصوفية، الحالة الأولى لشريف وزان، شيخ الطيبية، وذلك بطلب من الوزير الفرنسي في طنجة، ويبررون ذلك بأن الزيارة كانت

стр. 1700

لابن الشريف المذكور فقط وليست للمقدمين الطيبين عموما، ولكن رين لم يحضر نهاية القرن عندما جاء شريف وزان بنفسه إلى الجزائر وجمع ما راق له من زيارات من زواياه وأتباعه، وقد وصل إلى القورارة وتوات، من أجل تسهيل مهمة فرنسا في تلك النواحي. والحالة الثانية لشيخ الطريقة الزيانية بالقنادسة تعويضا له على خدماته أثناء، لتمرد، ويقصدون بذلك معارضته لثورة بوعمامة سنة ١٨٨١، والحالة الثالثة كانت لشيخ الطريقة التجانية دون تحديد، والغالب أن المقصود به هو أحمد التجاني في عين ماضي بعد تأثره من عدم انتخابه شيخا للطريقة على أثر وفاة الشيخ محمد العيد بن الحاج علي سنة ١٨٧٥، وبعد أن شحت عليه زاوية تماسين بالزيارات الإخوانية، فرخصت فرنسا لأحمد التجاني أن يجمع الزيارات من إخوانه أيضا في النواحي الغربية، وذلك هو زمن التوتر بين الفرعين التجانيين (عين ماضي وتماسين). أما الرابعة فقد رخصت فرنسا للشيخ علي بن عثمان شيخ زاوية طولقة الرحمانية على خدماته أيضا، وربما كان ذلك راجعا إلى موقفه من عدم اتباع الشيخ الحداد في إعلان الجهاد سنة ١٨٧١، لأن الشيخ علي بن عثمان، كان متبوعا من معظم الرحمانيين في الجنوب، ومع ذلك لم ينضم للثورة، ولذلك أكد رين قائلا إن الرخصة قد منحت في الحالات الأربع من أجل خدمات قدمت للسلطات الفرنسية (١). ولكن رين كان يكتب سنة ١٨٨٤ وما يزال العهد طويلا والعلاقات متداخلة بين الفرنسيين والطرق الصوفية. لقد رأى الفرنسيون أن أموالا طائلة كان يجمعها أصحاب الطرق الصوفية تحت غطاء الدين وأن ذلك يعتبر في نظرهم منافسة لهم في الحكم، لأن الفكرة التي جاء بها الفرنسيون أن علامة الطاعة والخضوع عند العرب والمسلمين هي الإلتزام المالي، من غرامة وضريبة ونحوهما، ورأوا أن المرابطين وأصحاب الطرق الصوفية قد أفتوا بأن الحكومة الكافرة تفرض

стр. 1701

الضرائب على المسلمين، وأن الحكم الإسلامي غير موجود، وإذن فإن المال الذي كان يدفع لبيت المال أصبح حلالا على أصحاب الطرق عن طريق الزيارات، فالزيارة إذن أصبحت واجبة عند أصحاب الطرق، وأشاعوا في الناس ذلك حتى أصبح عقيدة عندهم وهي أن خلاصهم من عذاب الله يمكن في دفع الصدقات للزاوية، وكانت الزيارة في الماضي مستحبة فأصبحت في عهد الحكم غير المسلم واجبة، فدفع العشور والزكوات والصدقات الدينية إنما هو للمرابط أو الشيخ أو المقدم، وأما الغرامة فهي للحاكم الفرنسي، وليس للزيارة مبلغ محدد، وهي عادة بين عشرة ومائة فرنك، وقد تكون أكثر، بحساب القرن الماضي، وكانت قطعة الخمسة فرنك هي ما يدفعه الخماس أو الفلاح للمقدم، مرة في السنة، عند موسم الحصاد في الصيف وعند نهاية العمل في الخريف، وهناك من يدفع مبالغ اعتبارية تدخل في الجاه والثروة والمكانة للدافع، ذلك أن الدافعين قد يكونون من الموظفين البارزين، قبل زوال نعمتهم، وقد يكونون من رؤساء الأعراش وأصحاب الخيام الكبيرة الذين يدفعون للشيخ من أجل الحماية المعنوية والعقيدة في البركة والدعم السياسي. وهناك عناوين أخرى للدفع إلى الزاوية، منها العمل الجماعي كالتويزة، ومنها العمل اليومي الفردي لصالح الزاوية وأرضها بدون مقابل، وهناك (المعونة) التي تدفع عند المهمات والمناسبات والكوارث، ولكن الزيارة تظل هي المصدر الأساسي والدائم للزاوية وأصحابها، وهي عنوان ولاء والتزام الإخوان نحو شيخهم، ويذكرون أن الاحتفال بدخول (الأخ) إلى الطريقة وبإعطائه الجائزة من الشيخ تأتي معه صدقة أيضا غير محدودة إلى الشيخ. وقد بالغ الفرنسيون في حساباتهم لهذه (الضرائب) الدينية المدفوعة للطرق الصوفية بدل أن تدفع لهم، أو تبقى عند أهلها، فوجدوا أن أكثر من سبعة ملايين من الفرنكات بحساب القرن الماضي، كانت تدفع للطرق الصوفية، واعتبروا أن ذلك خطر سياسي داهم، قائلين إنه يجعل من الطرق

стр. 1702

دولة داخل الدولة، فقد قدروا سنة ١٨٩٧ أن في الجزائر حوالي ٢٤ طريقة صوفية تحصل من الزيارات رغم القيود، على حوالي ثلائة ملايين فرنك، ومن الإجازة والاحتفالات بها حوالي مليون ونصف، يضاف إليها ناتج الزيارات، والتويزة ونحو ذلك، فكان المبلغ الإجمالي سبعة ملايين ونصفا، ثم قارنوا ذلك (بالضرائب العربية) المفروضة التي يدفعها الجزائريون لفرنسا، فوجدوا أن الطرق الصوفية تحصل على حوالي نصف هذه الضرائب الرسمية، صاليك ما ذكره تقرير سنة ١٨٩٧: نتاج الصدقات = ٣، ٠٠٠، ٠٠٠ فرنك نتاج الزيارات = ٣، ٠٠٠، ٠٠٠ فرنك حق دخول الطريقة = ١، ٥٠٠، ٠٠٠، فرنك سخرة (تويزة) = (غير مذكور). المجوع = ٧، ٥٠٠، ٠٠٠ فرنك (١) وبعد أن ذكر شارل تيار TAILLART سنة ١٩٢٥ المبالغ السابقة التي تحصل عليها الطرق الصوفية، فقال إن رجالها ليسوا متآمرين ولا حمقى بل هم أناس مهرة يعرفون أن الحرب ضد فرنسا تقضي على الزيارات وأن الأمن هو الذين يضمن لهم استمرارية الحياة من هذه المداخيل، ولكن تيار جعل شيوخ الزوايا مستغلين للجماهير وهدوئها (٢). وقد ربط الفرنسيون أيضا بين هذه الأموال التي جعلت من الطرق دولة داخل الدولة، وبين (جمود الثروة العامة) وتفقير السكان لفائدة طبقة معينة ووحيدة، وخفض الدخل الضريبي للدولة الفرنسية، فدقوا طبول الخطر وأنذروا بالعواقب الوخيمة إذا استمر هذا النزيف، وقالوا إن هذه الأموال تجمعها الطرق الصوفية والزوايا بعد اختفاء الأحباس التي كانت مقررة

стр. 1703

ومخصصة لكل مؤسسة دينية والتي قلنا إن السلطات الفرنسية قد استولت عليها، ولعل ما كان يقض مضاجع الفرنسيين ليس المال الذي يبقى في الجزائر عند أصحاب الطرق، ولكنه المال الذي يخرج منها إلى (الخارج). إلى الزوايا الأم في بغداد والحجاز وبيروت والمغرب الأقصى، فقد اكتشفوا أن من الجزائريين من كان يرسل المال عن طريق الحوالات البريدية مستغلين هذه (الوسيلة الجديدة). دون الحديث عن النقود المرسلة مع الأفراد المسافرين والحجاج. إحصاءات الطرق والزوايا أثبتت التقارير التي جمعتها المصالح الفرنسية من مختلف مراكزها أن هناك عددا كبيرا من الأتباع للطرق الصوفية في الجزائر، وبالإضافة إلى التقارير الرسمية جمعوا المعلومات من شيوخ الزوايا أنفسهم فيما يخص الأتباع والمقدمين والثروات، وكان الشيوخ بدون شك متحفظين في ذكر الأرقام الحقيقية، خوفا من المتابعات والأسئلة وليس تواضعا منهم. كما لاحظت التقارير أن الطرق الصوفية وأتباعها منتشرون في الأرياف أكثر من المدن لأسباب اجتماعية واقتصادية، ففي المدن يشتغل الناس غالبا بالتجارة والحرف ونحو ذلك، وهم من جهة أخرى أكثر وعيا بمصالحهم وأموالهم فلا يريدون أن يشركهم فيها أحد، ويضيف الفرنسيون بأن أصحاب المدن قد جعلهم احتكاكهم بالفرنسيين أقل (تعصبا) من أهل الريف، ومن ثمة لا يقبلون على أهل الزوايا ولا يعتقدون في خلاصهم وبركتهم، ويذهب أهل المدن إلى المساجد ولكن بعقلية ليست هي عقلية الذاهب إلى ضريح الشيخ أو لمقابلة المقدم في الأرياف. والطرق العاملة في الجزائر أي التي لها زوايا وشيوخ ومقدمون، تصل إلى حوالي ٢٣ طريقة، بعض هذه الطرق نشأ في الجزائر وبعضها كان يتبع طريقة أم في بغداد كالقادرية أو في المغرب الأقصى كالعيساوية والطيبية،

стр. 1704

وقد نمت هذه الطرق ليس في عددها فقط ولكن في توسعها وزيادة زواياها ومقدميها أيضا، فبينما قدر رين مجموع الزواياب ٣٥٥ زاوية، قدره ديبون وكوبلاني مجموعاب ٣٤٩ زاوية، ونفس الشيء يقال عن عدد أتباع كل منها، ٨١ بينما ٢٩ لذكر رين عدد الأتباع ١٦٩، ٠٠٠ يذكره ديبون وكوبلاني: ٢٩٥، ١٨٩. ونلاحظ أنه في الفترة التي كتب فيها رين كان الموقف الفرنسي من الطرق الصوفية غير واضح، أما في عهد ديبون وكوبولاني فقد أخذت هذه السياسة تتحدد، وذلك عن طريق أخذ إجراءات تضمن تفتيت الطرق وإضعافها والاستفادة منها، دون القضاء عليها أو مواجهتها، وسيكون لهذه السياسة عواقبها خلال العشرينات والثلاثينات من هذا القرن عندما ظهر وكان هذه الطرق قد استنفدت طاقتها وأدت دورها وكان عليها أن تترك المجال لموجة جديدة من (حماة الدين) وهم رجال الحركة الإصلاحية، إذا أخذنا بتفسير أوغسطين بيرك الذي سنذكره. إحصاء لويس رين: سنة ١٨٨٤ الطرق الصوفية في الجزائر ... ١٦ طريقة الزوايا ... ٣٥٥ زاوية هامة الإخوان ... ١٦٩، ٠٠٠ إخواني عدد السكان المسلمين الإجمالي ... ٢، ٨٤٢، ٠٠٠ وهذا تفصيل الأتباع، حسب كل طريقة، ونلاحظ أن أضخمها هي الرحمانية وأقلها الحبيبية، وقد اكتفى رين بذكر الطرق الرئيسية من رقم ١٦ المذكور، أما تفاصيل ما لكل طريقة فهو مذكور معها في الفقرة الخاصة بها من الفصل:

стр. 1705

الرحمانية ... ٩٦، ٩١٥ إخواني الطيبية ... ١٦,٠٤٥ إخواني القادرية ... ١٤,٨٤٢ إخواني التجانية ... ١١,١٨٢ اخواني الشاذلية/الدرقاوية ... ١٠,٢٥٢ إخواني الحنصالية ... ٣,٦٤٨ إخواني العيساوية ... ٣,١١٦ إخواني الحبيبية ... ٠,٠٤٠ إخواني الكرزازية ... ٢,٩٨٦ إخواني الشيخية ... ٢,٨١٩ إخواني الزيانية ... ٣,٤٠٠ اخواني المدنية ... ١,٦٠١ إخواني السنوسية ... ٥١١ إخواني اليوسفية/ الراشدية ... ٤١٣ إخواني الناصرية ... ١,٠٠٠ إخواني الدردورية ... ٢٠٤ إخواني (١) أما ديبون وكوبولاني فقد أحصيا ٢٣ طريقة، كما ذكرنا، ورتباها على هذا النحو، مع المعلومات الإضافية التابعة لها: ١ - الشاذلية: لها أربعة فروع في الجزائر وإحدى عشرة زاوية، و ١٩٥ طالبا (٢). وتسعة شيوخ، و ٩٩ مقدما، و ١٣، ٢٥١ إخوانيا، و ٦٥٢ امرأة (خونية). وهذه الطريقة منتشرة في إقليمي الجزائر وقسنطينة، أو الوسط والشرق، وقد رأينا أن ممثلها لفترة طويلة هو الشيخ محمد الموسوم صاحب زاوية قصر البخاري، وقد توفي سنة ١٨٨٣. ٢ - القادرية: لهذه الطريقة أربعة فروع في الجزائر، وهي منتشرة في كل القطر، ولها

стр. 1706

٣٣ زاوية، و ٥٢١ طالبا، وهم يتلقون التعليم الديني والصوفي، وأربعة شيوخ، و ٣٠١ مقدما، و ٢١، ٠٥٦ إخوانيا، و ٢، ٦٩٥ امرأة، وليس لها في الجزائر رأس واحدة وفروعها مستقلة وإنما تتبع زاوية الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، وفي وقت لاحق من القرن الماضي أصبح فرع بيروت (رئيسه هو محمد المرتضى) (١) محطة هامة لها، ورشحت فرنسا زاوية الكاف بتونس (المازوني) لتلعب دور المنسق لفروع القادرية. ٣ - الرحمانية: اضطهدت بعد ثورة ١٨٧١ وهدمت زواياها الواقعة في المناطق الثائرة، وتفرعت إلى فروع وفقدت مركزيتها بعد هدم زاوية صدوق بزعامة الشيخ الحداد الذي توفي فى سجن قسنطينة سنة ١٨٧٢، ونفى زعماؤها إلى خارج الجزائر، ولكنها كانت أكثر الطرق انتشارا، عدد زواياها ١٧٧، وطلبتها أكثر من ٦٧٦، وشيوخها أكثر من ٢٢، ولها ٨٧٣ مقدما، و ٨٤٩ شاوشا، و ١٤٠، ٥٩٦ من الإخوان، إضافة إلى ١٣، ١٨٦ امرأة، والإحصاء العام يذكر لها حوالي ١٦٥، ٢١٤ تابعا، ولكن هذا الرقم دون الواقع بكثير، والرحمانية منتشرة في كل الجزائر عدا الجهة الغربية، وهي أيضا منتشرة في تونس، بعد إنشاء زاوية نفطة وهجرة أهل زواوة إلى تونس بعد ثورة ١٨٧١. ٤ - التجانية: لها فرعان رئيسيان، عين ماضي وتماسين، ولها شيخان ابتداء من ١٨٩٧، أما قبل ذلك فكانت المشيخة واحدة إما في تماسين وإما في عين ماضي، وللطريقة ٣٢ فرعا منتشرين في الصحراء والتل والهضاب العليا، في كل الجزائر، ولها أيضا ١٦٥ مقدما و ١٦٢ شاوشا، كما لها ١٩، ٨١٢ من الإخوان (الأحباب). و ٥، ١٦٤ امرأة.

стр. 1707

٥ - الطيبية: زاويتها الرئيسية كانت في المغرب الأقصى، وشيخها واحد وهو المعروف بشريف وزان، ولكن لها ٢٣٤ مقدما في الجزائر، ولها ثماني زوايا، و ٢١ وكيلا، و ١٩، ١١٥ من الإخوان إضافة إلى ٢، ٥٤٧ امرأة، وهي منتشرة في كل أنحاء الجزائر، سيما الجهات الغربية، ويزور رئيسها الجزائر ليتفقد زواياه باتفاق مع السلطات الفرنسية مقابل خدمات يؤديها لها، وكان شيخها قد اختار الحماية الفرنسية، حتى في المغرب الأقصى، وتزوج من إنكليزية، ودرس أولاده في الجزائر وفرنسا. ٦ - الحنصالية: مركزها الرئيسي في قسنطينة ونواحيها، والهضاب العليا والتل أيضا، ولها ثماني عشرة زاوية، وشيخ واحد، وزاويتها الأصلية في المغرب الأقصى، ولها ٤٨ مقدما، و ١٠٢ شاوشا يشرفون على ٣، ٤٨٥ من الإخوان، و ٤٣٨ امرأة، كما لها ١٧٦ طالبا، والحنصالية اعتبرت من الطرق المسالمة في هذا العهد، ومن شيوخها أحمد بن المبارك المعروف بالعطار، من علماء قسنطينة في منتصف القرن الماضي. ٧ - العيساوية: أصلها في مكناس حيث الزاوية الأم، لكن علاقتها بها ضعيفة لمضايقات الفرنسيين لها، ومقرها في الجزائر بلدة وزرة، بين المدية والبرواقية، ولها أتباع منتشرون في مختلف أنحاء الجزائر، ولها أيضا عشر زوايا، و ٣ وكلاء، و ٥٨ شاوشا، وشيخ واحد مقره وزرة، و ٣٩ مقدما، أما مجموع إخوانها فمنهم ٣، ٤٤٤، إضافة إلى ٣٣ امرأة، ولكن ممارساتها وشعبيتها تجعل هذا الرقم دون الحقيقة.

стр. 1708

٨ - العمارية: وهي كالعيساوية في ممارساتها، وقد أحياها مبارك بن يوسف المغربي بتشجيع من الفرنسيين لأغراض الهيمنة بها والمخابرات. ولها ٢٦ زاوية و ٣ وكلاء، و ٧٩ طالبا، وثلاثة شيوخ، و ٤٦ مقدمأ و ١٨٨ شاوشا، و ٢٨٤ من الإخوان، و ٢٢ امرأة، كما لها ٣٦ خليفة، لكن لها فقراء يقدر عددهم بـ ٥، ٧٧٤. وتوجد في الوسط والشرق (١). ٩ - الزروقية: لا تكاد توجد إلا في مناطق معينة من الجزائر كالبرواقية وتابلاط والسور، وربما وجدت لها بقايا في تلمسان وبجاية، ولها زاوية واحدة، وهي شاذلية، ولها شيخ واحد، و ٥٥ طالبا، و ١٦ مقدما، و ١٣ شاوشا، و ٢، ٦١٤ من الإخوان، إضافة إلى ٣٥ امرأة، وتنسب إلى أحمد زروق البرنوسي. ١٠ - السنوسية: لها زاوية واحدة بالجزائر هي زاوية الشيخ طكوك قرب مستغانم، وشيخ واحد أصبح في الثمانينات صهرا لشيخ الزاوية الأم في ليبيا، ولها عشرون مقدما، وعشرة شواش، و ٨٧٤ إخوانيا، و ١٣ امرأة، و ٣٥ طالبا. ١١ - الناصرية: تنسب إلى زاوية درعة بالمغرب الأقصى، ولها ثلاث زوايا وأربعة شواش، وشيخ واحد، وثلاثة مقدمين، و ٤٦٨ إخوانيا، و ١٦٥ امرأة، ومقرها خنشلة، وهي تختلط عند البعض بالشابية المستمدة منها، وفي خنقة سيد ناجي آثار لها.

стр. 1709

١٢ - الدرقاوية: وهي من فروع الشاذلية الرئيسية، ولها ثمانية فروع، أصبح فرع منها بالتدرج تحت سلطة الشيخ الهبري في بني سناسن (١). وهي موجودة في الغالب في أقليم وهران، ثم انتشرت بعد ذلك بالتدرج، ولها عشر زوايا، و ١٣٤ طالبا، وتسعة شيوخ، و ٧٢ مقدما، و ٨، ٢٣٢ إخوانيا أو درويشا، كما لها ١، ١١٨ امرأة، وشاوشان، أي حوالي ٩، ٥٦٧ من الأتباع، وكان من شيوخها العربي بن عطية في زمن الأمير، وقد توفي ابن عطية في تونس، ثم عدة بن غلام الله، صاحب زاوية أولاد الأكراد قرب تيارت في النصف الثاني من القرن الماضي. ١٣ - المدنية: مركز إشعاعها طرابلس، لكن أصلها من المدينة المنورة، وهي شاذلية الأصل، ولها في الجزائر زاويتان، و ١٤ مقدما وشاوش واحد، و ١، ٦٧٣ إخوانيا، و ١١ وكيلا، وتوجد في النواحي الغربية والوسطى، ولها يد في نشر فكرة الجامعة الإسلامية وعلاقات مع سلاطين آل عثمان، ومن شيوخها المحاربين موسى الدرقاوي في عهد الأمير، وقد ازدهرت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ومن شيوخها محمد ظافر المدني الذي استقر بأسطانبول. ١٤ - الزيانية: مقرها القنادسة، لها زاويتان، و ٧٦ مقدما، وأربعة شواش و ٢، ٦٧٣ من الإخوان، وهي منتشرة في النواحي الغربية.

стр. 1710

١٥ - الكرزازية: مقرها زاوية كرزاز، ولها ٧٨ مقدما، و ١، ٦٧٣ إخوانيا، و ٢٦٣ امرأة، وهذه الطريقة والتي قبلها لها علاقة قوية بطرق المغرب الأقصى، وكانت في خدمة القوافل التجارية عبر الصحراء، ولعبت دورا في استيلاء الفرنسيين على المناطق الغربية والجنوبية. ١٦ - المكاحلية: أو الرماة الأحرار، وهم يوجدون في الجنوب خاصة، ولهم مقدمان، وحوالي ١٢٠ من الإخوان، وهم فرسان وفتوة أكثر منهم أهل تصوف. ١٧ - الشيخية: للشيخية أربع زوايا، و ٤٥ مقدما و ١٠، ٠٢٠ من الإخوان، و ١٤٠ امرأة، ولها أحد عشر وكيلا، وهم منتشرون في عمالة وهران والجنوب عموما، صاذا عد أتباع بو عمامة، وهم ثلاثة آلاف، يكون للشيخية حوالي ١٣، ٠٢٠ إخوانيا، والمقصود بها طريقة أولاد سيدي الشيخ الصديقيين. ١٨ - اليوسفية: وهي طريقة تكاد تنقرض، ولعل ذلك راجع إلى صلتها القديمة بالعثمانيين أو لأسباب أخرى غير سياسية، وهي محصورة في الوسط - نواحي مليانة - ولها شيخ واحد، و ٨ مقدمين، و ٤٣٧ من الإخوان، ومن أقطابها القدماء أحمد بن يوسف الملياني، دفين مليانة، وتسمى أيضا بالراشدية. ١٩ - الشابية: أصلها مدينة القيروان وجريد تونس، ولها ٢، ٥٠٠ من الخدام في نواحي عنابة وقالمة ووادي سوف وقسنطينة.

стр. 1711

٢٠ - جمعية ابن نحال: لها خدم في نواحي قالمة، يقدرون بـ ٥٠٠، ١ شخص، ولها زاوية واحدة، وبعض الفقراء حوالي ٢٢٠ (١). وإذا أجرينا المجاميع على بعض الأرقام وجدناها هكذا: - مجموع الزوايا ٣٤٩ زاوية. - مجموع عدد الأتباع ٢٩٥، ١٨٩ إخوانيا. ويضاف إلى ذلك بعض الطرق التي دخل تأثيرها الجزائر في آخر القرن الماضي مع حركة الجامعة الإسلامية، ومنها السلامية، وهي طريقة شاذلية منسوبة إلى عبد السلام بن مشيش، ومقر السلامية هو تونس وطرابلس، وهي من الطرق المتسيسة، وتسمى أيضا العروسية، وفي آخر القرن الماضي أصبح لها زاويتان وثلاثة مقدمين، و ٧٧ إخوانيا، وخمس نساء وستة شواش، ونواحي نشاطها هي قالمة وسوق إهراس والمسيلة، الخ (٢). لقد نمت الطرق الصوفية في آخر القرن الماضي بالجزائر نتيجة عدة عوامل، إن فكرة الخلاص الروحي على يد الشيخ كانت أبرز هذه العوامل، لقد وضع الاستعمار، بجيشه واستيطانه وإدارته وقوانينه الاستثنائية، كلكله على صدر الجزائر فلم يعد لأهلها من طريق للخلاص إلا العقيدة في الشيوخ، فالتحرك السياسي كان منعدما والتدخل الخارجي غير وارد والثورات قد فشلت، وهكذا كانت الطرق الصوفية هي الملجأ، وقد لاحظ ذلك علماء الاجتماع الفرنسيون، ورأوا أن ذلك كان لفائدة الإدارة الفرنسية ولصالح الهدوء والاستقرار. ولقد

стр. 1712

شجع الفرنسيون ذلك فأكثروا من الطرق (المستقلة) ومنحوا الشيخ سلطات روحية على أتباعه بشرط أن يكون مواليا ومخلصا لفرنسا، وزاد الجهل الذي تولد عن سبعين سنة من الإهمال للتعليم وتدجين العلماء الموظفين، من تعميق التخلف العقلي لدى العامة فارتموا في أحضان الطرق الصوفية باعتبارها تمثل الدين وتعد بالخلاص بينما ارتمت الطرق الصوفية نفسها في أحضان السلطة الفرنسية. وبناء على ذلك شهد عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي نموا سريعا في عدد الزوايا والمقدمين والأتباع، وقد جمع الفرنسيون المعلومات الإحصائية من مختلف المصادر، فكانت على النحو التالي بالنسبة للاعداد الإجمالية لمختلف الطرق: الشيوخ ... ٥٧ المقدمون ... ٢.١٤٩ الزوايا ... ٣٤٩ الطلبة ... ٢، ٠٠٠ الوكلاء ... ٧٩ الدراويش ... ٨، ٢٣٢ الخلفاء ... ٣٦ الأحباب (١) ... ١٩، ٨٢١ الخونيات ... ٢٧.١٧٢ الفقراء ... ٥.٨٩٤ الخدام ... ٤، ٠٠٠ الشواش ... ١.٥١٢ الإخوان ... ٢٢٤.١٤١ المجموع: ٣٠٠، ٠٠٠ من الإخوان المنتمين للطرق، وهو رقم في نظر الفرنسيين دون الحقيقة.

стр. 1713

ورغم الادعاء بوجود (ملايين) الأتباع للطرق الصوفية عشية الحرب العالمية الثانية، فإن الاحصاءات المعقولة تثبت أن عدد الأتباع سنة ١٩٣٧ هو حوالي ١٩٠ ألف نسمة (١٩٠، ٠٠٠). بينما كان عددهم سنة ١٩١٠، حسب إحصاء آخر هو ٢٩٥، ٠٠٠ (١). ومعنى ذلك أن الأتباع كانوا في تناقص كبير، ولكن مكانة شيوخ الطرق الصوفية ظلت مؤثرة على الأتباع المتعقدين فيهم. الطرق الصوفية والسياسة من الأكيد أن النظرة إلى الطرق الصوفية في الجزائر قد اختلفت من كاتب إلى كاتب في ضوء المصلحة العامة الفرنسية، وقد دار جدال من ١٨٦٠ إلى ١٩٠٠ بين دارسي هذه الطرق حول خطورتها وكيفية التعامل معها والموقف منها مستقبلا، وكانت أولى المحاولات في ذلك هي دراسة العقيد (ثم الجنرال) دي نوفو سنة ١٨٤٥ عن الطرق الصوفية و (اكتشاف) أهميتها في الثورات التي كادت تقضي على أحلام الفرنسيين في الاحتلال السريع، وكان دي نوفو خبيرا بالمجتمع الجزائري إذ عمل في مختلف الوظائف، ومنها وظيفة المكتب العربي، وتزوج من جزائرية، وكان من أتباع سان سيمون، كما كان يعرف العربية. ثم جاءت دراسة شارل بروسلار الذي كتب عن المؤسسات الدينية في تلمسان، وكان أيضا قد تولى المكتب العربي في هذه المدينة العريقة واتصل بأهلها من الحضر وعرف الحياة المدنية الإسلامية والتراث الديني الذي كانت تتمتع به تلمسان، وكان بروسلار يجيد العربية فاستعملها للاطلاع على الثروة الهامة من المخطوطات العامة في الزوايا والمساجد، والخاصة عند العائلات. وكان هنري دو فيرييه قد فتح بابا جديدا للنقاش حول الطرق الصوفية حين رحل إلى الجنوب حتى وصل غدامس تحت حماية شيوخ الطرق الذين

стр. 1714

سلموه من يد إلى يد في الأمن والأمان، وقد كتب كتابه الهام في وقته عن الطوارق و (اكتشاف) الصحراء، وكشف فيه بالخصوص عن أهمية بعض الطرق الصوفية في الجنوب كالتجانية والسنوسية والطيبية والقادرية والبكائية والشيخية، وكان هو في حماية التجانية خلال معظم رحلته، ويقسم دوفيرييه الطرق إلى عدوة وصديقة، بعد أن (كشف) عن أهمية النوعين في التنظيم والنفوذ، وهو يوصي بأن تسلك فرنسا طريق اللين والكرم مع الطرف الصديقة حتى تستفيد من تأثيرها، وأن تحتاط وتستعد ضد الطرق العدوة التي تعمل على إخراج فرنسا من الجزائر بواسطة أتباعها ونظمها وأشرافها. وتتويجا لهذه الدراسات المتفرقة قام لويس رين بوضع كتاب شامل وإحصائي لمن سماهم (المرابطون والإخوان) وأخرجه سنة ١٨٨٤ (١). ورين من الخبراء البارزين في الإدارة الأهلية الفرنسية، فهو ضابط تقلب في مختلف الوظائف في الجزائر، فعرف القبيلة والمسجد والزاوية وسكان المدن وسكان الريف، وعرف نبلاء السيف ونبلاء السبحة والعلم، وقد ألف في مختلف الموضوعات التي تهم الحياة الجزائرية القبلية والدينية والاجتماعية والثورات، ولكي يؤلف كتابه عن المرابطين والإخوان لجأ إلى التقارير الرسمية التي تصل إلى الإدارة المركزية تباعا من المكاتب العربية والولايات، سواء منها التقارير السرية أو العادية، ثم استعمل نفوذه كضابط مسؤول في الإدارة العامة فطلب تقارير من مختلف الشيوخ والمقدمين عن حالتهم صاحصاء أتباعهم وأصولهم النسبية والدينية وعلاقاتهم، وأضاف إلى ذلك مراسلاته مع شيوخ المغرب وتونس، وتقارير القناصل الفرنسيين في مختلف البلاد الإسلامية، وقد خرج من كل ذلك بآراء سنتوقف عندها بعد قليل. أما آخر الدراسات العامة عن الطرق الصوفية فهي التي قام بها الكاتبان: أوكتاف ديبون وايكزافييه كوبولاني في آخر القرن. وقد

стр. 1715

جندت لها حكومة جول كامبون إمكاناتها في البحث والتمويل، وكان المؤلفان مسؤولين إداريين أيضا، فهما خبيران بالشؤون الأهلية وتطور الحياة الجزائرية في عهد الجمهورية الثالثة وفي ضوء سياسة الجامعة الإسلامية التي تبناها السلطان عبد الحميد من جهة ومصالح فرنسا السياسية في العالم الإسلامي من جهة أخرى، كما أن هذه الدراسة قد جاءت في وقت كانت فيه فرنسا تحاول ربط مستعمراتها في غرب افريقية وأفريقية الوسطى بشمال أفريقية، لذلك كانت دراسة الطرق الصوفية العاملة هنا وهناك مسألة حيوية بالنسبة للسلطات الفرنسية، وقد تجندت هنا أيضا التقارير الإدارية، وتقارير القناصل الفرنسيين في البلدان الإسلامية، وتقارير شيوخ الزوايا أنفسهم، لخدمة هذا المشروع، وحين انتهى المؤلفان من عملهما قامت الحكومة العامة بطبعه على نفقتها، وقد تضمن آراء وتوصيات جديرة بالمناقشة، وظل بعضها يتحكم في السياسة الفرنسية نحو الطرق الصوفية ونحو العالم الإسلامي لفترة طويلة، وسنحاول أيضا أن نتوقف عند بعض الآراء والتوصيات لنفهم منها تعامل الفرنسيين مع الجزائريين عموما والطرق الصوفية خصوصا. لقد ظهرت بعد ذلك عدة دراسات أخرى للطرق الصوفية ولكنها لم تأت في شكل شامل مثل عمل رين وديبون وكوبولاني، ذلك أن الإدارة الفرنسية قامت، بعد حوالي عشر سنوات من نشر الكتاب الأخير، بتوجيه خبرائها إلى دراسة الظاهرة الإسلامية من جديد، فكانت دراسة الاسكندر جولي، ودراسة هنري قارو، ودراسة أدمون دوتيه، وأضرابهم عشية الحرب العالمية الأولى، ثم دراسة أوكست كور خلال الحرب، وظهرت في نفس الفترة (مجلة العالم الإسلامي) التي تولى رئاستها الضابط المختص في الشؤون الإسلامية، ألفريد لوشاتلييه الذي سبق له إصدار كتاب عن الطرق الصوفية في الحجاز (١٨٨٧). وكان قبل ذلك مديرا للمكتب العربي في ورقلة، وعن طريق هذا المكتب عرف نشاط ودور الطرق الصوفية في الجنوب، كانت المجلة صورة لتوجه السياسة الفرنسية الاسلامية نحو المشرق

стр. 1716

ونحو المغرب الأقصى أيضا، وقد برزت على صفحاتها شخصيات فرنسية مهتمة بالعالم الإسلامي، ومنها لويس ماسينيون الذي سيصبح من أبرز خبراء فرنسا في شؤون الإسلام والمسلمين. وقد رأى ماسينيون أن السنوسية والدرقاوية لهما دور سياسي خاص يختلف عن الطرق الأخرى، في عهده، فذكر أن للأولى زاوية طكوك الواقعة بهليل، كما لها مراكز وتأثير في نواحي الطوارق والصحراء عموما. أما الدرقاوية التي سماها (المغربية) فقد قال عنها إنها تحاول توحيد جميع الفروع الشاذلية، وأنها طريقة متقشفة ورافضة لكل مساومة مع الفرنسيين. ولها ٢٥، ٠٠٠ من الإخوان و ٢١ زاوية، منها زاوية غلام الله بتيهرت، وهي تعتبر من الزوايا الأكثر حداثة. وعلق ماسينيون على الطريقة العليوية فقال إنها فرع جديد للدرقاوية والبوزيدية، وكانت منذ ١٩١٨ بقيادة الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة المستغانمي. وكانت نشيطة، وهي تقول إن لها أتباعا يمتدون من مليلة إلى تونس ويصلون إلى ثلاثمائة ألف نسمة (؟) وهو رقم مبالغ فيه بدون شك. وقد كشف ماسينيون على أن هناك تأثيرات صوفية أخرى غير الطرق الصوفية المعروفة، مثل تأثير أبي زيد البسطامي في بختي ناحية زوسفانة، وتأثير أبي القاسم الجنيد في القورارة، والرقود السبعة في قصر البخاري وبسكرة وقجال ونقاوس، ثم ضريح أبي مدين الغوث في تلمسان (١). وفي هذا السياق كتب بعض المستشرقين الفرنسيين دراسات عن الإسلام والمسلمين في الجزائر وعن الطرق الصوفية، نذكر من بينها دراسة ألفريد بيل عن الفرق الإسلامية، وهو أستاذ شهير كان على رأس مدرسة تلمسان الرسمية المتخصصة في إخراج القضاة والمعلمين والمترجمين، ومثله معاصره ويليام مارسيه، وآخرون، أما إيميل غوتييه فقد فاجأ الجميع

стр. 1717

بكتابه (القرون الغامضة) الذي ألفه في وقت لم تعد فيه السلطات الفرنسية في حاجة إلى الطرق الصوفية وذلك عشية الاحتفال بمرور مائة سنة على الاحتلال، وقد برر فيه الوجود الفرنسي الذي أضاء، في نظره، الماضي المظلم، ورتب الأمور بعد فوضى واستعاد الحضارة اللاتينية الطريدة منذ دخول الإسلام. ولعل آخر الدراسات في هذا المجال هو ما نشره إيميل بيرمنغام تحت عنوان (الجزائر الدينية) في كتاب (المدخل) الذي نشرته الحكومة العامة حوالي سنة ١٩٥٧. وقد استعرض بيرمنغام في بحثه ما بقي من الطرق الصوفية، بنفس المواقف تقريبا، مع شيء من (التحرر) الذي فرضته المعطيات الجديدة في الجزائر والمشرق، وفي الفترة نفسها نشر أيضا الجنرال أندري ANDRE كتابا عن الطرق الصوفية والإسلام، أثبت فيه أن العنصرية العرقية عنده قد انتقلت إلى العنصرية الدينية، وصب فيه جام غضبه العسكري على الإسلام والمسلمين بدل أن يثبت قدرته الدفاعية كجندي في الميدان، فكان كتابه يمثل آخر (التخريفات) الفرنسية عن حياة التصوف عند المسلمين الجزائريين. وفي هذا المجال سنتناول آراء وتوصيات وملاحظات لويس رين وديبون وكوبولاني لأن السياسة الفرنسية قد استفادت منها فيما يبدو كثيرا، ولأنها دراسات شاملة ومتخصصة، ولكننا سنستفيد من الآراء والملاحظات الأخرى كلما لزم الأمر. يذهب رين إلى أن التعصب نادر عند المرابطين ما لم يكونوا منضوين تحت طريقة صوفية لأن مصالحهم المادية تحتم عليهم الليونة ومواجهة الواقع بروح عملية. واستشهد على ذلك بأن بعض المرابطين كان يقدم الملجأ للمدنيين الفرنسيين عند حدوث الثورات وتعرضهم للخطر، وحتى في الأوقات العادية كان منهم من قدم خدمات للمدنيين الفرنسيين أثناء عزلتهم أو ضيقهم أو حاجتهم، واستشهد على ذلك بموقف الشيخ عبد الصمد (الأوراس - جبل بو عريف) وهو من شيوخ الرحمانية، وكان عبد الصمد قد

стр. 1718

حمى بعض الفرنسيين سنة ١٨٧١ معتبرا ذلك موقفا إنسانيا، ورفض عبد الصمد المكافاة والتوسيم الذي عرضه عليه الفرنسيون اعترافا بالجميل، قائلا: إنه لم يقم إلا بواجبه كمسلم، ونفس القول كرره عبد الصمد يوم حضر المحكمة في قسنطينة بصفته شاهدا، فقد شكره القاضي على موقفه فرد عليه بنفس العبارة (١). وأثبت رين أن أمثال هذا المرابط كثيرون، وقد استعمل المرابطون نفوذهم لتهدئة قبائل ثائرة أو نافرة، ولإصلاح ذات البين بين المتخاصمين، وهذا النوع من المرابطين هم من يسميهم رين بالمستقلين، ومنهم مرابط زاوية شلاطة (ابن علي الشريف) التي كانت تمنع طلابها من الانخراط في الطرق الصوفية، وقد فعل الآغا الصحراوي في تيهرت نفس الشيء فازداد نفوذه على إخوانه (٢). ولذلك أوصى رين بالنسبة لهؤلاء المرابطين بضرورة مراقبتهم بصفة غير علنية، ولكن معاملتهم بالحسنى لأنهم هم الاحتياطيون الذين يعينون الفرنسيين في حالة حدوث ثورات من الطرق الصوفية. من الملاحظات الهامة التي أبداها رين، بعد دراسة وإمعان، أن الطرق الصوفية التي تحالفت مع فرنسا فقدت حيويتها وانخفض عدد أتباعها بينما الطرق التي ظلت على عدائها أو حيادها اكتسبت أتباعا وتجددت، ولذلك نصح بعدم اتخاذ أسلوب المواجهة والانتقام ضد الطرق العدوة كهدم الزوايا واعتقال الزعماء ونفيهم لأن ذلك يخدمها ويضر بالمصلحة الفرنسية، وقال إن أكثر الطرق عداء في وقته هي الرحمانية والدرقاوية، وأكثرها ولاء هي الحنصالية والعيساوية والتجانية، وكرر القول بأن الطرق التي استفادت من

стр. 1719

حماية الفرنسيين واستفادوا هم من خدمتها ظلت بدون تطور، لأن الخدمات التي قدمها رؤساؤها للفرنسيين قد أضرت بهم لدى المخلصين من قومهم. واعتبر رين ضرب الزوايا وأصحابها خطأ ارتكبته الإدارة لأن ذلك أدى إلى تعاطف الناس معها واختفاء الإخوان حتى أصبح الفرنسيون يجهلون موضع اجتماعهم وعددهم وأماكن إقامة المقدمين منهم. وقد انتقد رين سياسة بلاده غير المحددة من الطرق الصوفية، ذلك أن فرنسا لم تجرأ على الاعتماد على هذه الطرق علنا ولا على القضاء عليها نهائيا، وهكذا بقيت سياستها، كما قال، مترددة بين اضطهاد في منتهى القسوة أحيانا، ومعاملة في منتهى اللين أحيانا أخرى، فلم تنجح فرنسا لا في زيادة سمعة الأصدقاء ولا في القضاء على سمعة الأعداء، واقترح أن تتبع بلاده سياسة الحكمة وبذل النقود لدى هذه الطرق لتستفيد منها وتتصادق معها وتقلم أظفارها، اقتداء بما كان يفعله حكام مصر والمغرب وتونس واسطانبول مع رجال الدين والتصوف في بلدانهم، ويتجسد ذلك في صيغة خاصة، وهي اعتراف فرنسا بشرعية الرؤساء الذين يمكنهم الانضواء تحت حماية فرنسا ومنحهم مقادير مالية وشرفية، وبذلك يبقون خارج النشاط السياسي منشغلين بمصالحهم، ولكنهم في نفس الوقت يبقون متداخلين مع الفرنسيين ومرتبطين بهم، وينتهي بذلك خطرهم وتأثيرهم على الجماهير. ويرى رين أن الذي يقف وراء الثورات ليس هو التعصب الديني ولكن الطموحات السياسية والشخصية، أما الدين والجهاد فيتخذان فقط غطاء للأهداف السياسية والشخصية، وهو يقيس على ما جرى بالخصوص في ثورة سنة ١٨٧١ التي كتب عنها كتابا، ورأى أن الجهاد استعمل عندئذ كوسيلة لتحقيق طموحات المقراني وعزيز الحداد، ذلك أن كلا منهما كان موظفا لدى السلطات الفرنسية، الأول باشاغا والثاني قائد، وكان طموح الأول أن يكون خليفة وأن يعاد له النفوذ السابق الذي فقده، بينما كان طموح عزيز أن يكون باشاغا، فاثر عزيز على والده فاعلن الجهاد كوسيلة لجمع الجماهير وتجنيدها، ورأى رين أيضا أن الثورة، مهما كانت، أقوى من الناس، أي أن

стр. 1720

الذين ينضمون إليها ليسوا بالضرورة من إخوان الطريقة الداعية لها، رغم أن قيادة الثورة والإيمان بها يظل منحصرا في الذين قاموا بها أول مرة، كل ذلك قياسا، فيما يبدو، على أحداث ثورة ١٨٧١. وقارن رين أيضا بين موقف علي بن عثمان شيخ زاوية طولقة وموقف عزيز الحداد. ورأى أن الأول صحراوي لا يحب العمل ولا التجارة، وكان يعيش بعيدا عن السياسة ومخالطة الفرنسيين، وحياته قائمة على الدين والتعليم والعزلة، ولم يكن رافضا للفرنسيين، أما عزيز فهو ابن الجبل، وكان موظفا عند الفرنسيين ويعرف لغتهم، ومع ذلك انضم للثورة لتحقيق طموحه الشخصي والسياسي، فالثورة لم تكن لصالح الإسلام، في نظر رين، ولكن من أجل المصالح الفردية المادية، إن الفكرة الدينية هنا كانت وسيلة لتحقيق الفكرة السياسية، وعد رين ثورات العمري ١٨٧٦، والأوراس ١٨٧٩، وأولاد سيدي الشيخ ١٨٨٠ - ١٨٨١ على أنها كلها في نظره قد أثبتت أن التعصب الديني ليس إلا عنصرا ثانويا وراية يجتمع حولها الناس (١). ولعل هذه الآراء التي أبداها رين تدخل في موقفه الخاص من الدين، فقد لاحظ عليه البعض أنه كان شخصيا ضد الدين عموما بالمفهوم الأروبي عندئذ، بالإضافة إلى أنه كان ينفي الطابع الوطني للثورات، وكان يلصق بها الأهداف السياسية/ الشخصية فقط، كما رأينا. ومن أغرب الآراء التي أبداها رين في هذا المجال دعوته إلى إعادة العمل بلقب (شيخ الإسلام) في الجزائر بتقديم شيخ التجانية إلى هذا المنصب (٢). إن فرنسا قد قضت على هذا اللقب في الجزائر بعد الاحتلال.
следующие страницы →