← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ونحو المغرب الأقصى أيضا، وقد برزت على صفحاتها شخصيات فرنسية مهتمة بالعالم الإسلامي، ومنها لويس ماسينيون الذي سيصبح من أبرز خبراء فرنسا في شؤون الإسلام والمسلمين. وقد رأى ماسينيون أن السنوسية والدرقاوية لهما دور سياسي خاص يختلف عن الطرق الأخرى، في عهده، فذكر أن للأولى زاوية طكوك الواقعة بهليل، كما لها مراكز وتأثير في نواحي الطوارق والصحراء عموما. أما الدرقاوية التي سماها (المغربية) فقد قال عنها إنها تحاول توحيد جميع الفروع الشاذلية، وأنها طريقة متقشفة ورافضة لكل مساومة مع الفرنسيين. ولها ٢٥، ٠٠٠ من الإخوان و ٢١ زاوية، منها زاوية غلام الله بتيهرت، وهي تعتبر من الزوايا الأكثر حداثة. وعلق ماسينيون على الطريقة العليوية فقال إنها فرع جديد للدرقاوية والبوزيدية، وكانت منذ ١٩١٨ بقيادة الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة المستغانمي. وكانت نشيطة، وهي تقول إن لها أتباعا يمتدون من مليلة إلى تونس ويصلون إلى ثلاثمائة ألف نسمة (؟) وهو رقم مبالغ فيه بدون شك. وقد كشف ماسينيون على أن هناك تأثيرات صوفية أخرى غير الطرق الصوفية المعروفة، مثل تأثير أبي زيد البسطامي في بختي ناحية زوسفانة، وتأثير أبي القاسم الجنيد في القورارة، والرقود السبعة في قصر البخاري وبسكرة وقجال ونقاوس، ثم ضريح أبي مدين الغوث في تلمسان (١). وفي هذا السياق كتب بعض المستشرقين الفرنسيين دراسات عن الإسلام والمسلمين في الجزائر وعن الطرق الصوفية، نذكر من بينها دراسة ألفريد بيل عن الفرق الإسلامية، وهو أستاذ شهير كان على رأس مدرسة تلمسان الرسمية المتخصصة في إخراج القضاة والمعلمين والمترجمين، ومثله معاصره ويليام مارسيه، وآخرون، أما إيميل غوتييه فقد فاجأ الجميع

стр. 1717

بكتابه (القرون الغامضة) الذي ألفه في وقت لم تعد فيه السلطات الفرنسية في حاجة إلى الطرق الصوفية وذلك عشية الاحتفال بمرور مائة سنة على الاحتلال، وقد برر فيه الوجود الفرنسي الذي أضاء، في نظره، الماضي المظلم، ورتب الأمور بعد فوضى واستعاد الحضارة اللاتينية الطريدة منذ دخول الإسلام. ولعل آخر الدراسات في هذا المجال هو ما نشره إيميل بيرمنغام تحت عنوان (الجزائر الدينية) في كتاب (المدخل) الذي نشرته الحكومة العامة حوالي سنة ١٩٥٧. وقد استعرض بيرمنغام في بحثه ما بقي من الطرق الصوفية، بنفس المواقف تقريبا، مع شيء من (التحرر) الذي فرضته المعطيات الجديدة في الجزائر والمشرق، وفي الفترة نفسها نشر أيضا الجنرال أندري ANDRE كتابا عن الطرق الصوفية والإسلام، أثبت فيه أن العنصرية العرقية عنده قد انتقلت إلى العنصرية الدينية، وصب فيه جام غضبه العسكري على الإسلام والمسلمين بدل أن يثبت قدرته الدفاعية كجندي في الميدان، فكان كتابه يمثل آخر (التخريفات) الفرنسية عن حياة التصوف عند المسلمين الجزائريين. وفي هذا المجال سنتناول آراء وتوصيات وملاحظات لويس رين وديبون وكوبولاني لأن السياسة الفرنسية قد استفادت منها فيما يبدو كثيرا، ولأنها دراسات شاملة ومتخصصة، ولكننا سنستفيد من الآراء والملاحظات الأخرى كلما لزم الأمر. يذهب رين إلى أن التعصب نادر عند المرابطين ما لم يكونوا منضوين تحت طريقة صوفية لأن مصالحهم المادية تحتم عليهم الليونة ومواجهة الواقع بروح عملية. واستشهد على ذلك بأن بعض المرابطين كان يقدم الملجأ للمدنيين الفرنسيين عند حدوث الثورات وتعرضهم للخطر، وحتى في الأوقات العادية كان منهم من قدم خدمات للمدنيين الفرنسيين أثناء عزلتهم أو ضيقهم أو حاجتهم، واستشهد على ذلك بموقف الشيخ عبد الصمد (الأوراس - جبل بو عريف) وهو من شيوخ الرحمانية، وكان عبد الصمد قد

стр. 1718

حمى بعض الفرنسيين سنة ١٨٧١ معتبرا ذلك موقفا إنسانيا، ورفض عبد الصمد المكافاة والتوسيم الذي عرضه عليه الفرنسيون اعترافا بالجميل، قائلا: إنه لم يقم إلا بواجبه كمسلم، ونفس القول كرره عبد الصمد يوم حضر المحكمة في قسنطينة بصفته شاهدا، فقد شكره القاضي على موقفه فرد عليه بنفس العبارة (١). وأثبت رين أن أمثال هذا المرابط كثيرون، وقد استعمل المرابطون نفوذهم لتهدئة قبائل ثائرة أو نافرة، ولإصلاح ذات البين بين المتخاصمين، وهذا النوع من المرابطين هم من يسميهم رين بالمستقلين، ومنهم مرابط زاوية شلاطة (ابن علي الشريف) التي كانت تمنع طلابها من الانخراط في الطرق الصوفية، وقد فعل الآغا الصحراوي في تيهرت نفس الشيء فازداد نفوذه على إخوانه (٢). ولذلك أوصى رين بالنسبة لهؤلاء المرابطين بضرورة مراقبتهم بصفة غير علنية، ولكن معاملتهم بالحسنى لأنهم هم الاحتياطيون الذين يعينون الفرنسيين في حالة حدوث ثورات من الطرق الصوفية. من الملاحظات الهامة التي أبداها رين، بعد دراسة وإمعان، أن الطرق الصوفية التي تحالفت مع فرنسا فقدت حيويتها وانخفض عدد أتباعها بينما الطرق التي ظلت على عدائها أو حيادها اكتسبت أتباعا وتجددت، ولذلك نصح بعدم اتخاذ أسلوب المواجهة والانتقام ضد الطرق العدوة كهدم الزوايا واعتقال الزعماء ونفيهم لأن ذلك يخدمها ويضر بالمصلحة الفرنسية، وقال إن أكثر الطرق عداء في وقته هي الرحمانية والدرقاوية، وأكثرها ولاء هي الحنصالية والعيساوية والتجانية، وكرر القول بأن الطرق التي استفادت من

стр. 1719

حماية الفرنسيين واستفادوا هم من خدمتها ظلت بدون تطور، لأن الخدمات التي قدمها رؤساؤها للفرنسيين قد أضرت بهم لدى المخلصين من قومهم. واعتبر رين ضرب الزوايا وأصحابها خطأ ارتكبته الإدارة لأن ذلك أدى إلى تعاطف الناس معها واختفاء الإخوان حتى أصبح الفرنسيون يجهلون موضع اجتماعهم وعددهم وأماكن إقامة المقدمين منهم. وقد انتقد رين سياسة بلاده غير المحددة من الطرق الصوفية، ذلك أن فرنسا لم تجرأ على الاعتماد على هذه الطرق علنا ولا على القضاء عليها نهائيا، وهكذا بقيت سياستها، كما قال، مترددة بين اضطهاد في منتهى القسوة أحيانا، ومعاملة في منتهى اللين أحيانا أخرى، فلم تنجح فرنسا لا في زيادة سمعة الأصدقاء ولا في القضاء على سمعة الأعداء، واقترح أن تتبع بلاده سياسة الحكمة وبذل النقود لدى هذه الطرق لتستفيد منها وتتصادق معها وتقلم أظفارها، اقتداء بما كان يفعله حكام مصر والمغرب وتونس واسطانبول مع رجال الدين والتصوف في بلدانهم، ويتجسد ذلك في صيغة خاصة، وهي اعتراف فرنسا بشرعية الرؤساء الذين يمكنهم الانضواء تحت حماية فرنسا ومنحهم مقادير مالية وشرفية، وبذلك يبقون خارج النشاط السياسي منشغلين بمصالحهم، ولكنهم في نفس الوقت يبقون متداخلين مع الفرنسيين ومرتبطين بهم، وينتهي بذلك خطرهم وتأثيرهم على الجماهير. ويرى رين أن الذي يقف وراء الثورات ليس هو التعصب الديني ولكن الطموحات السياسية والشخصية، أما الدين والجهاد فيتخذان فقط غطاء للأهداف السياسية والشخصية، وهو يقيس على ما جرى بالخصوص في ثورة سنة ١٨٧١ التي كتب عنها كتابا، ورأى أن الجهاد استعمل عندئذ كوسيلة لتحقيق طموحات المقراني وعزيز الحداد، ذلك أن كلا منهما كان موظفا لدى السلطات الفرنسية، الأول باشاغا والثاني قائد، وكان طموح الأول أن يكون خليفة وأن يعاد له النفوذ السابق الذي فقده، بينما كان طموح عزيز أن يكون باشاغا، فاثر عزيز على والده فاعلن الجهاد كوسيلة لجمع الجماهير وتجنيدها، ورأى رين أيضا أن الثورة، مهما كانت، أقوى من الناس، أي أن

стр. 1720

الذين ينضمون إليها ليسوا بالضرورة من إخوان الطريقة الداعية لها، رغم أن قيادة الثورة والإيمان بها يظل منحصرا في الذين قاموا بها أول مرة، كل ذلك قياسا، فيما يبدو، على أحداث ثورة ١٨٧١. وقارن رين أيضا بين موقف علي بن عثمان شيخ زاوية طولقة وموقف عزيز الحداد. ورأى أن الأول صحراوي لا يحب العمل ولا التجارة، وكان يعيش بعيدا عن السياسة ومخالطة الفرنسيين، وحياته قائمة على الدين والتعليم والعزلة، ولم يكن رافضا للفرنسيين، أما عزيز فهو ابن الجبل، وكان موظفا عند الفرنسيين ويعرف لغتهم، ومع ذلك انضم للثورة لتحقيق طموحه الشخصي والسياسي، فالثورة لم تكن لصالح الإسلام، في نظر رين، ولكن من أجل المصالح الفردية المادية، إن الفكرة الدينية هنا كانت وسيلة لتحقيق الفكرة السياسية، وعد رين ثورات العمري ١٨٧٦، والأوراس ١٨٧٩، وأولاد سيدي الشيخ ١٨٨٠ - ١٨٨١ على أنها كلها في نظره قد أثبتت أن التعصب الديني ليس إلا عنصرا ثانويا وراية يجتمع حولها الناس (١). ولعل هذه الآراء التي أبداها رين تدخل في موقفه الخاص من الدين، فقد لاحظ عليه البعض أنه كان شخصيا ضد الدين عموما بالمفهوم الأروبي عندئذ، بالإضافة إلى أنه كان ينفي الطابع الوطني للثورات، وكان يلصق بها الأهداف السياسية/ الشخصية فقط، كما رأينا. ومن أغرب الآراء التي أبداها رين في هذا المجال دعوته إلى إعادة العمل بلقب (شيخ الإسلام) في الجزائر بتقديم شيخ التجانية إلى هذا المنصب (٢). إن فرنسا قد قضت على هذا اللقب في الجزائر بعد الاحتلال.

стр. 1721

وكان موجودا في قسنطينة في عائلة الفكون، وكان رئيس المجلس العلمي في الجزائر خلال العهد العثماني بمثابة شيخ الإسلام رغم أنه لا يحمل هذا اللقب. وقد أحس الفرنسيون بأن إلغاءهم لهذا المنصب ربما كان وراءه عقيدتهم المعادية للبابوية من جهة والخوف من خطورة المنصب على الوضع السياسي في الجزائر، من جهة أخرى وها هو رين في أوائل الثمانينات يريد تدارك ذلك وينصح بلاده باستعادة اللقب خدمة للمصالح الفرنسية في داخل الجزائر وخارجها. وقد مهد لذلك بقوله إن الطريقة التجانية هي الوحيدة التي لها أصولها في الجزائر ومبادئها وعلاقاتها ومصالحها المادية، وهي أيضا الوحيدة التي بمقتضى دستورها، لا يمكن أن تكون لها روابط دينية مع المشرق أو مع المغرب، فهي، حسب تعبيره، (نوع من الكنيسة الإسلامية الجزائرية)، وقد كان أعضاؤها دائمأ احتياطيين مخلصين للحكومة الفرنسية، ووصولا إلى ذلك اقترح رين جعل حرمة واعتبار خاص لرئيس الطريقة التجانية لكي يكون فوق كل الموظفين الرسميين من خلفاء وأغوات وقياد، وسينظر المسلمون في الجزائر وفي الخارج إلى ذلك نظرة طبيعية، ونتيجة لذلك سيكون الشيخ محل اعتراف من قبل الجميع كشخصية رسمية، أي الرئيس الفعلي للديانة الإسلامية بالجزائر، وعن طريقه ستجني فرنسا فوائد جمة، وذلك بجعل هذا الشيخ في مواجهة ناجحة مع شيوخ الإسلام في اسطانبول ومكة وغيرهما، وقد حذر رين بأن بقاء الفرنسيين على موقفهم سيؤدي إلى إضعاف التجانية في وجه المتعصبين وستنمو في الظل طرق لها علاقات مع الخارج مثل السنوسية والمدنية والطيبية والخلوتية (الرحمانية) (١). وكثيرا ما لاحظ رين وغيره ضرورة تقوية التجانية لتكون حاجزا ضد تسرب الطرق المعادية في الجنوب، على الخصوص. وتبعا لذلك اقترح رين تعيين الأيمة في البادية (الأرياف) من أتباع

стр. 1722

الطريقة التجانية، وبذلك يصبح الأتباع موظفين مطمئنين على مستقبلهم، كما يكونون عينا على مقدمي الطرق الأخرى، وسيعملون على إغراء هؤلاء المقدمين بقبول نفس الوظيف المربح فيصبحون غيورين على وظيفهم ومكانتهم الاجتماعية ويتخلون عن مشايعة الثورات، وتنحل عقدة الابتعاد عن الفرنسيين وتجنبهم، وتصبح المصالح هي التي تتحكم في العلاقات، ويقع تذويب شحنة العداء الديني في بوتقة الخدمات العامة، ذلك أن من بين أصحاب الطرق الصوفية من هو مستعد للتعامل مع الفرنسيين وقبول الوظائف منهم، إذا أرضت فرنسا شرفهم ومصلحتهم، وتكسب فرنسا بذلك خدمة كبيرة، ولاحظ رين أن الاندماج الاجتماعي الحقيقي سيكون بالوسيلة التي وصفها وليس بالمراسيم والبنادق والخعطب، وهو في هذا ينتقد أنصار الاندماج عن طريق القوانين (عهد تيرمان) واستعمال القوة العسكرية والخطب البرلمانية والمقالات الصحفية الرنانة، وقال إن الاندماج الحقيقي عنده يكمن في المدرسة والحراثة وسكة الحديد والتجارة ومراعاة المصالح (١). ويهمنا من هذا كله رأيه في توظيف الطرق الصوفية ضد بعضها البعض وجعل بعض أتباعها أيمة ومخبرين (٢) وأدوات جذب لأتباع الطرق الأخرى. ومنذ الثمانينات ظهر في الطرق الصوفية الاستعداد لتقبل الوظائف الإدارية ونحوها، ولم تعد تكتفي بالاستسلام للأمر الواقع، فقد قبل بعض قادتها وظائف الآغا والقايد، ومنهم من حصل على أوسمة رسمية كالآغا الحاج قدور الصحراوي (تيارت). ولكن القائمة قد فتحت وستظل طويلة، لأن إدماج هؤلاء (الشيوخ) في الحياة الإدارية الجالبة للمال، هو جزء من

стр. 1723

مخطط وضع في الستينات، كما سنرى، ومن أبرز القادة الدينيين الذين قبلوا بالوظائف الإدارية منذ الخمسينات هم أولاد سيدي الشيخ الذين أصبح منهم الخليفة والآغا، ويقول رين إن جميع المرابطين قد فهموا أن الفرنسيين سيصلون إليهم بسهولة سواء لأشخاصهم أو لأملاكهم، ولذلك استسلموا ولم يعودوا مضادين لفرنسا، وحتى الذين بقوا مضادين إنما وقفوا ضد (المسيحيين) فقط، فقد كان المرابطون يدفعون الضرائب، ويتبعون التعليمات الإدارية ويطيعون أوامر الشرطة، وهذا لا يتناقض مع ضمائرهم لأنهم يؤمنون بأن الله هو الذي حكم بإعطاء الجزائر للفرنسيين وجعل المسلمين في قبضة المسيحيين، وقد سبق القول بأن رين يعتبر التعصب الديني نادرا عند المرابطين، وأنه تحدث عن تسامح بعض هؤلاء وإنسانيتهم في حالة الشيخ عبد الصمد سنة ١٨٧١ (١). ولكن رين يعترف أن الطرق الصوفية تظل معرقلة لتقدم الاستعمار، إذ هي تقف ضد (الحضارة) الفرنسية، وتعارض سياسة فرنسا في الجزائر، ورغم أن لها قواعد مكتوبة تقول فيها إنها لا تتدخل في السياسة، فإنه سيكون من الخطأ في نظره الاكتفاء بهذا التصريح وتصديق نواياها في ذلك (٢). فالمراقبة والتدجين واستخدامها ضد بعضها البعض، واستعمال سياسة اللين والرشوة بالنقود ... هي خير الوسائل لجعل الطرق الصوفية في خدمة المصالح الفرنسية. ومن بين الوسائل التي سكت عنها رين تشجيع الزواج بين المرابطين والفرنسيات، ونحن لم نطلع على خطة مرسومة في ذلك، ولكن بداية الظاهرة في وقت الحديث عن تدجين الطرق الصوفية يجعلنا نشك في أن هناك مخططا مدروسا، ولم يكن أحمد التجاني هو الوحيد الذي بدأ في تطبيق هذا المخطط بل هناك آخرون. تزوج هو من أوريلي التي بقيت (عين)

стр. 1724

الفرنسيين على الطريقة التجانية من تاريخ الزواج سنة ١٨٧١ إلى وفاتها سنة ١٩٣٣، وهذا بشهادة الفرنسيين أنفسهم، ورغم الإعلان عن عقد الزواج بخط المفتي الحنفي بالجزائر، بعد رجوع الزوجين من فرنسا، وإشهار ذلك منعا للشبهات وإسكات الهمسات، فإن الفرنسيين أنفسهم يثبتون أنها بقيت على مسيحيتها (١). وحتى لا تفقد فرنسا عينها على الطريقة التجانية (أجبر) الحاكم العام جول كامبون، البشير التجاني على الزواج من زوجة أخيه (٢). ولكن أوريلي لم تكن شاذة في هذا الباب، فقد تزوج أحد أقطاب أولاد سيدي الشيخ بامرأة فرنسية أيضا، وهي الآنسة فيري Feret. ونعني بذلك حمزة بن بو بكر، آغا جبل عمور، وكذلك تزوج محمد الشرقي العطافي (تلميذ الشيخ الموسوم وعدة بن غلام الله وصاحب زاوية العطاف) من امرأة فرنسية، يسميها البعض بلغة القدماء (جارية علجة رومية). وقد عرفنا أن شيخ الطيبية في المغرب الأقصى، عبد السلام بن الطيب، قد تزوج من امرأة انكليزية ودخلت تحت الحماية الفرنسية، وأن هذه المرأة لم تسلم إلى أن ماتت حسب تعبير ابن بكار، كما أن ابن الشيخ البودالي الهبري تزوج من امرأة فرنسية (٣). وقد تأثر لويس فينيون بكتاب رين، فأخذ منه وأضاف عليه ملاحظات في كتابه عن (فرنسا في شمال أفريقية) الذي أصدره سنة ١٨٨٧، فقال فينيون إن التعصب لدى الطرق الصوفية كان موجودا من قبل وليس جديدا وكان موجودا عند كل فرد، أما الجديد فهو التنظيم والانضباط والمال الذي لدى الجمعيات السرية (الطرق الصوفية) والحركات المضادة لفرنسا. وإن هذه الجمعيات كان يشرف عليها الشيوخ وينفذ تعاليمها المقدمون، عن طريق

стр. 1725

الاجازات والدعوات وتوفير المال بالزيارات وتكثير الأتباع، ويستعمل الشيوخ والمقدمون مختلف الوسائل للتأثير على الإخوان، ومنها الكرامات، وللشيوخ زبائن وخدم دينيون ليسوا بالضرورة متدينيين، ولكن المصالح السياسية تجعلهم يخدمون الطريقة، وقد بسطوا الدين حتى أصبح مجرد أذكار وأوراد يرددونها بأصوات وحركات، والفرق بين طريقة وأخرى كان يتمثل فقط في كيفية ترديد الذكر، والخطورة تكمن في الطاعة العمياء من الأتباع للشيوخ وفي المراسلات التي يجريها هؤلاء مع الخارج، سيما استطانبول، عن طريق جريدة (الجوائب؟) وهي تذكر لها الولاء للإمامة، ونبه فينيون إلى أن للطرق الصوفية عملاء يتجولون في كل وقت وتحت عناوين مختلفة لأنهم يؤمنون بوطن لا حدود له، واعتبر ذلك يمثل ما سماه هجمة العالم الإسلامي على العالم المسيحي (؟)، ورغم وجود خلافات بينها وعدم قدرتها على القيام بعمل مشترك، وأن العرب يطالبون بالخلافة من العثمانيين، وأن بعض الطرق لا تعترف بالسلطان العثماني، رغم ذلك كله فإنهم على استعداد للقيام من أجل انتصار ولو كان مؤقتا، لسياسة الجامعة الإسلامية، انتصار يسكت الخلافات ويجمع العرب إلى الترك، تحت راية واحدة، وبذلك يمثلون خطرا كبيرا على كل الأمم المسيحية التي لها رعايا مسلمون، مثل فرنسا (١). مما يطلبه الفرنسيون من المعلومات عن شيوخ الطرق الصوفية ومقدميهم جملة من البيانات التي تمس حتى العظم والمخ. وهم يبدأون بمعلومات شخصية عن الفرد، مع وصف دقيق لحياته ومؤهلاته وصفاته وأملاكه، بالإضافة إلى صورته، ثم يأتي تأثيره السياسي والمعنوي وعلاقاته سواء بالجزائريين أو بالفرنسيين، ويأتي بعد ذلك الإفصاح عن تأثيره الديني

стр. 1726

في الداخل والخارج، أما الزاوية نفسها فلا بد من وصف لها وإثبات صورتها، وتأريخ تأسيسها، وهل تؤدي أيضا وظيفة المدرسة، وهل هي مؤسسة اجتماعية للإحسان وإيواء الفقراء والضيوف، وهل فيها مسجد للصلاة (١). إن اهتمامهم بالشيخ وزاويته وأفكاره دليل على اهتمامهم بدوره في الحياة، وهم من خلال ذلك يوظفون الوسائل له، كاستعماله المال والسياسة، حسب رين، واستعمال نفوذ طريقته ضد طرق أخرى مخيفة لهم، وتحضير الوسائل الأخرى للتدجين كالزواج والوظيف والوسام. وفي هذا الصدد أوصى ديبون وكوبولاني، بعد دراسة مستفيضة، بثلاث توصيات على فرنسا تنفيذها لتضمن استمرار استعمارها فى الجزائر وحضورها في العالم الإسلامي: الوصية الأولى: إقامة العلائق مع الطرق الصوفية، والتمييز بينها، كما ذهب إلى ذلك رين، بغرض وضعها تحت الوصاية الفرنسية، وجعل شيوخها ورجالها أيمة ليس لهم رواتب ولا تابعين للدولة في الظاهر، وهذا اقتراح شبيه باقتراح رين، ولكن رين حصر الإمامة في التجانية وبعض الطرق الأخرى الموالية. الوصية الثانية: ربط علاقات مع جماهير الأهالي التابعين للطرق الصوفية أو الواقعين تحت تأثيرها و (التسرب) إلى مشاعرها عن طريق وضع اليد Main Mise على الزوايا الموجودة وإظهار التسامح معها في كل مكان، وهو اقتراح يشبه اقتراح رين أيضا حين قال إن على فرنسا أن تستعمل المال والسياسة مع الطرق الصوفية. ولكن توصية ديبون وكوبولاني تضيف إلى ذلك إنشاء زوايا مشابهة ومجاورة للزوايا القائمة، بالتدرج، أي زوايا ضرة تكون تحت سلطة فرنسا، وتحديثها، واستعادة العمل بالخصائص التي كانت للزاوية قديما، إلى هذه الزوايا الجديدة، وهذه الخصائص هي الدين والعبادات، والتعليم، والإحسان.

стр. 1727

الوصية الثالثة: عن طريق الطرق التي لها علاقات خارجية يمكن لفرنسا أن تربط علاقات تجارية وسياسية وحضارية، مع السودان الشرقي والغربي، بواسطة هذه الطرق تعمل فرنسا على تسريب أفكارها الحضارية إلى العالم الاسلامي كله (١). وهذا اقتراح لم يأت ضمن مقترحات وملاحظات رين بشكل صريح. ولماذا اتباع هذا الأسلوب في التعامل مع الطرق الصوفية؟ لأن مكافحة هذه الطرق واضطهاد قادتها وإخضاعهم بالقوة قد دلت التجارب على فشله، ذلك أن الإسلام واحد، وإن القوة لم تعد هي الوسيلة في القضاء على الطرق بعد أن مر على الاحتلال عشرات السنين، ولا شك أن الطريقة الصوفية ستجد لها مكانا آخر وظروفا أخرى مناسبة لو استعملت فرنسا القوة ضدها، وسيصبح زعماؤها شهداء، وسيزداد (التعصب) عند أتباع الزوايا، فالتسامح إذن هو الحل إلى أن تصل فرنسا إلى مشاعر وقلوب الإخوان، فيتنورون ويستيقظون ويتركون التعصب من تلقاء أنفسهم، وحينئذ تتفتت الطريقة الصوفية وتتلاشى، وبذلك يحصل الهدف الفرنسي البعيد، وقد استعمل الحكام المسلمون سابقا هذا الأسلوب في التعامل، حسب الاستنتاج الفرنسي، فتسامحوا مع المقدمين والأتباع، وأظهروا لهم اللين، ودخل بعض حكام المسلمين في الطرق الصوفية، إلى أنا (تسربوا) إلى قلوب أهلها، ودخلوا إلى قلب هذه (الجمعيات السرية) الغامضة، وقربوا الشيوخ منهم. وهذا يصدق على حكام الجزائر أيضا مثل صالح باي، وبعض السلاطين العثمانيين، وباشا مصر (٢)، فلماذا لا تسلك فرنسا نفس السياسة فتحصل على النتائج المرجوة والهدف المنشود، دون عناء كبير، يجب إذن الذهاب أمام

стр. 1728

الشيخ أو المرابط المعارض لفرنسا والحديث إليه بصراحة عن المشاريع الفرنسية، بلغة السلم والهدوء والتسامح، فيزول عنه التعصب ويحس أن الفرنسيين يعملون من أجل الصالح العام، وسيتحقق هذا بالاتصال بمختلف شيوخ الطرق، سواء كانت طرقا هامة أو غير هامة، والعمل على جعلها تحت الوصاية الفرنسية كما سبق (١). وقد امتدح ديبون وكوبولاني سياسة الحاكم العام جول كامبون نحو الطرق الصوفية منذ توليه سنة ١٨٩٢، وهي السياسة التي قامت على الاحتفاظ بحرمة الشيوخ الذين بقوا بعيدين عن الفرنسيين، وكانوا بالآلاف، لأنهم كانوا يعتبرون أنفسهم ويعتبرهم أتباعهم أيضا الملجأ الوحيد لخلاص المجتمع المسلم مما حل به، وقد تحددت هذه السياسة في العناصر الآتية: ١ - إعطاء الشيوخ برنوسا أحمر لا يستطيعون رفضه، وكذلك منحهم الكلمة العليا في الدوار والقبيلة لمحاولة إخراجهم من عزلتهم وربطهم بالحياة المادية الصعبة، وهذه السياسة كان قد اتبعها بوجو منذ ١٨٤٤ حين عاملهم معاملة الحرمة الدينية الواجبة لهم، مع إظهار التسامح نحوهم، كما رأى كامبون دعوتهم لتولي السلطة تحت المظلة الفرنسية، ولكن بهدف جعلهم أصدقاء لفرنسا. ٢ - احترام إرادة الشيخ والإخوان حين يختارون مقدمهم وعدم التدخل في شؤونهم، فإذا عين الشيخ مقدميه أو انتخبهم إخوانهم فما على فرنسا إلا الموافقة لأن تدخلها بالرفض ونحوه يسبب التوتر والعداء لها، كما تسهر فرنسا على تعيين الشيوخ والخلفاء في الطرق التي يتوارث أصحابها البركة. ٣ - الموافقة على الإجازات الصادرة من الشيوخ للمقدمين والاعتراف بها، لأن ذلك يزيد في حرمتهم وثقتهم في فرنسا، وبذلك تصبح هناك هيئة دينية منتظمة واقعة تحت يد فرنسا، وجعل الشيوخ

стр. 1729

الرئيسيين ممثلين للحكومة بعنوان روحي - دنيوي، أو على الأقل يكونون مفتين كبارا، وبذلك يتحرر أتباعهم ومقدموهم ويصبحون مستقلين في زواياهم الثانوية. ٤ - إخراج الإخوان من ربقة التبعية الصوفية وذلك بإرضاء الحاجات الدينية لهم، لأن الوقوف موقف اللامبالاة من جانب السلطة الفرنسية يجعل هؤلاء الإخوان واقعين تحت نفوذ البركة الصوفية، ولكن هذا الاقتراح غير كامل لأنه لم ينص على الوسائل ولا الكيفية التي سترضي بها فرنسا الحاجات الدينية للإخوان. ٥ - وفي انتظار تحقيق تلك الخطوات اعتمد المشروع أيضا على إحلال خريجي المدارس الثلاث الحكومية الرسمية محل المقدمين - الآيمة بالتدرج، والخريجون ما هم إلا شباب رضعوا من لبان الثقافة الفرنسية، وتشبعوا بأفكارها، وبذلك تؤتى الجهود الفرنسية أكلها (١). ٦ - إنشاء زوايا موازية وعصرية إلى جانب الزوايا القديمة، فقد كان بالجزائر في آخر القرن الماضي حوالي ٤٠٠ زاوية معظمها بني حديثا، ومنها حوالي مائة فقط كانت من الطراز القديم، ولكنها أصبحت بتقادم الزمن عبارة عن سكنى خاصة بالمرابطين، وهي ملك متوارث للعائلة الواحدة، وبهذه الصفة لا يمكن دخولها ولا معرفة ما فيها، فبناء زاوية أخرى إلى جانبها تكون مصلى ومدرسة وملجأ، كما كان حال الزوايا في القديم (٢)، قد يكون هو الفكرة الصائبة للتسرب (٣)، إلى مشاعر الناس وتحقيق الهدف من السيطرة الفرنسية، فالزاوية الجديدة ستكون تحت نظر الفرنسيين، ومن خلالها يمكنهم مراقبة الزاوية القديمة المجاورة، وحث صاحبا الاقتراح على وضع

стр. 1730

نموذج معماري جذاب لهذه (الزاوية الفرنسية) والإكثار منه لدى الحاجة، لأنه بدون شك سيكون نموذجا جذابا إذا وضع إلى جانب الزوايا القديمة التي ما هي إلا أكواخ بالية أو خيام، وستكون الزاوية الجديدة عصرية كما قلنا وذات طابع عمومي، وتقوم بالمهمة الثلاثية التي كانت تقوم بها الزاوية قبل الاحتلال، وهي الدين والتعليم والإحسان. هذا هو برنامج ديبون وكوبولاني للسيطرة على الزوايا والطرق الصوفية في آخر القرن الماضي، ولإنجاحه اقترحا أيضا إضافات تبدو هامة كإعادة العمل بنظام الأحباس (الأوقاف)، وهو النظام الذي توقف منذ استولت السلطات الفرنسية على الأملاك الإسلامية في ديسمبر ١٨٣٠، وتضمن الاقتراح الجديد حصول فرنسا على العشر من الأحباس إذا ما أعيد إنشاؤها، ويكون ذلك وسيلة لفرنسا لتتدخل في شؤون الزوايا والطرق الصوفية، عن طريق طلب المحاسبة المالية على الملايين التي يتلقاها الشيوخ والتي قدرها صاحبا الاقتراح بثمانية ملايين، ويسمح بإشراف فرنسا أيضا على الأموال المرسلة إلى الخارج للزوايا الأم، كما تظهر فرنسا في نظر الجزائريين بالوجه الكريم العادل فيتسرب كرمها وعدلها إلى مشاعر المسلمين، ومن جهة أخرى يكون الشيوخ مجبورين على إطعام الفقراء والزائرين. ويتطلب إنجاز هذا البرنامج أيضا تكوين فرقة من (الأطباء الاستعماريين) - هكذا اسمهم في الأصل -، أو الضباط - الأطباء المخصصين للأهالي، مع إمكانية تكوين أطباء من الأهالي أنفسهم لهذا الغرض، وهو المعالجة داخل الزاوية التقليدية، ويزاد إلى الزاوية واجب رابع وهو العلاج - بعد الدين والعلم والإحسان -، ويكون في إمكان الفرد من الأهالي أن يأتي إلى الزاوية للعلاج عند الأطباء الاستعماريين، ولا يكون التعليم في الزاوية تقليديا بل ستدخله اللغة الفرنسية على يد المعلم الفرنسي الذي يعلم لغته في الزاوية الفرنسية - الإسلامية، بينما (الطالب) (١) يعلم القرآن للأولاد.

стр. 1731

ويصبح هذا النمط الجديد من الزوايا أيضا مقرا لإجراء العدل الفرنسي حيث يجلس القضاة لإجراء الأحكام ويحببون فرنسا للناس، تماما كما يحبب الإمام الله للمصلين (؟). وما دامت الزاوية فرنسية فإن قوانينها أيضا ستكون فرنسية، وبذلك ستتحول هذه القوانين إلى قوانين إسلامية أيضا برائحة الزاوية وبركة الشيوخ (١). في نهاية القرن الماضي كانت الطرق الصوفية تخيف الفرنسيين باعتبارها القوة الوحيدة الباقية للمسلمين الجزائريين. فقد فشلت جميع الثورات وعرائض أهل المدن وشردت النخبة القديمة، فاستسلم الأهالي إلى قوة المرابطين ورجال الطرق الصوفية، وكان الفرنسيون يحسبون أن تحت كل عمامة قنبلة وأن في حبات كل سبحة عدد الرصاص الذي تملكه الطريقة، وأن الإخوان جنود مجندة وراء الشيوخ ينتظرون الإشارة لإلقاء الفرنسيين في البحر، فأعد هؤلاء العدة وتنادوا يحذرون بعضهم البعض من الخطر الداهم الرابض من حولهم، والذي يمكنه أن يأتي بالنجدات من خارج الحدود أيضا، لذلك تكفل لويس تيرمان (الحاكم العام) بدراسة رين، وتكفل كامبون (الحاكم العام) بدراسة ديبون وكوبولاني، وكلتاهما اقترحت العلاج، بعد أن وصفت المرض أو خطة العمل، كما رأينا. لقد تعامل الفرنسيون مع الظاهرة الدينية في الجزائر منذ الاحتلال، وتعاملوا مع الطرق الصوفية والمرابطين بالخصوص، فكان لهم ما شاهدوا من القادرية والدرقاوية والتجانية والشيخية والسنوسية خلال سبعين سنة قبل نهاية القرن الماضي، فرأوا القادرية التي بدأت محاربة قد انتهت مسالمة في الجنوب، وفي منعة بالأوراس، ورأوا الرحمانية التي شنت الثورات المتوالية قد انتهت إلى فروع متفرقة مجتهدة، لكل منها مذهبه، مثل مذهب عبد الصمد الذي أصبح إنسانيا سنة ١٨٧١ في جبل بو عريف، ومثل مذهب علي بن عثمان الذي التزم الصمت في نفس السنة، وكذلك فعل محمد بن

стр. 1732

بلقاسم، صاحب زاوية الهامل (١). وكانت السنوسية في فرع زاوية طكوك قد وقفت موقفا شبيها بذلك، رغم أن شيخها لم يسلم من الاضطهاد والسجن والإبعاد، والتجانية أعلنت الولاء منذ حوالي ١٨٤٠، ولكن الفرنسيين ظلوا يتوجسون منها خيفة، مع ذلك، لأن أتباعها مسلمون على كل حال، ويمكن للطرق الأخرى أن تجرهم إليها في حالة الخطر، ولم تطمئن فرنسا لأولاد سيدي الشيخ رغم ولائهم الظاهري: فقد كانوا من جهة خلفاء وحكاما باسمها ومن جهة أخرى ثوارا عليها، وتاريخهم معها سلسلة من المصادمات والتقارب والتباعد إلى نهاية القرن، ولكن الفرنسيين كانوا يملكون سلاحا ماضيا وهو (سلاح فرق تسد) الذي استعملوه في الطريقة الواحدة والعائلة الواحدة، ثم بين مختلف الطرق والعائلات، ولم يكن لشيوخ هذه الطرق من الوعي السياسي والإمكانات المادية. ومنذ وصل كامبون إلى الحكومة العامة في الجزائر سلك سياسة التقارب مع الطرق الصوفية، لأسباب مختلفة، منها حاجة فرنسا إلى دعمها في الصحراء، وحاجتها إليها في الوقوف ضد سياسة الجامعة الإسلامية/ العثمانية، والسيطرة بها على عامة الجزائريين، وكسر شوكة العداء الذي تكنه الطرق الصوفية للتسلط الفرنسي/ المسيحي، وكان من نتيجة هذه السياسة الكامبونية الاتصال بشيوخ كانوا منسيين أو مهملين وإعطاؤهم الاعتبار والحرمة، وقد دعا كامبون رئيس الطريقة الطيبية لزيارة الجزائر وسهل مهمته في الاتصال لإخوانه، كما تفاهم كامبون مع زعماء أولاد سيدي الشيخ المتمردين مثل قدور بن حمزة الذي جاء لملاقاة كامبون في المنيعة، وأعاد إليه الاعتبار على أساس العمل لصالح السياسة الفرنسية في المنطقة، وكذلك رجع الشيخ المسن، وهو الأعلى بن بو بكر، إلى جيرفيل (٢). كما جرت

стр. 1733

محاولات غير ناجحة لإعطاء الأمان لبو عمامة، وافتخر كامبون بأنه قد أنجز مشروعا كبيرا لفرنسا في الصحراء بهذه السياسة (١). وكيف لا، وقد مهد له الطريق زعماء الطيبية والشيخية والتجانية وبعض فروع القادرية - كلهم تجندوا لهذا الغرض - وأصبحت الطرق الصوفية المخيفة أدوات طيعة في خدمة الإدارة الفرنسية، وقد تحدثنا عن (الميعادات) التي كانت تتوالى من بلاد الطوارق إلى الجزائر عن طريق الزاوية التجانية بقمار، منذ ١٨٩٢، وتحدثنا عن المقدمين المرافقين للمستكشفين الفرنسيين منذ دو فيرييه، بل منذ بعثة إسماعيل بو ضربة سنة ١٨٥٨ إلى غات، والرسائل الإخوانية التي تعتبر الجاسوس الفرنسي أخا (خونيا) في الطريقة الصوفية، كما أشرنا إلى الظلال التي سلطت على مغامرة اليزابيت ايبرهارت أول هذا القرن، في نواحي وادي سوف وبو سعادة والعين الصفراء ومحاولة تورطها في التنافس بين التجانية والقادرية. وآخر صيحة أرسلها ديبون وكوبولاني، بعد إبداء رأيهما المتناقض في عدد من المرات، هي وضع برنامج لمواجهة هذه الجمعيات السرية كثيرة الأتباع، وكثيرة العلاقات، إنه برنامج يجب أن تأخذ به فرنسا زمام الموقف من القوة الوحيدة التي بقيت لدى الأهالي، وهي الطرق الصوفية، إنه برنامج يحولها عن وجهتها العدائة وتسخيرها لخدمة المصالح الفرنسية، وهذه العلاقة ستكون مؤقتة فقط، ففي اليوم الذي يمكن لفرنسا أن تعارضها فيه بقوة أخرى، ستتخلى عنها، وهذه القوة (الثالثة) ستكون أكثر تنورا وأكثر تمدنا، وقد تكون هي النخبة الناشئة، وقد تكون طريقة صوفية عصرية، وقد تكون هي جمعية العلماء التالية، وعندئذ فقط تستغني فرنسا عن دور الطرق الصوفية وتواصل تفتيتها حتى تتلاشى (٢). وعند هذه النقطة بدأ الاسكندر جولي بحوثه مع زملائه، فبعد حوالي

стр. 1734

عشر سنوات من دراسة ديبون وكوبولاني رأي جولي أن الطرق الصوفية قد أدت مهمتها وأنها مدعوة إلى الاختفاء وترك مكانها لبديل آخر، إنها في نظره حققت الكثير للمجتمع فحافظت على وحدته وتدينه، وقدمت خدمات اجتماعية وتعليمية، ولكنها لم تعد (حوالي سنة ١٩١٠) تساير الركب، إن العقليات قد تغيرت والمجتمع أخد يعيش تطورات جديدة لا عهد له بها، ولم يعد للطرق الصوفية قوة المقاومة والصلابة التي تمتعت بها منذ عشرات السنين، ولا خوف على السلطة الفرنسية بعد اليوم من خطرها لأن الطرق لم تعد قادرة على الثورة الجماعية القوية، فإذا كان في استطاعتها أن تتوحد لمواجهة الخطر الفرنسي في وقت ما فإنها سرعان ما تشتت وتبعثرت جهودها بعده الهزيمة، وقد حل التنافس بينها محل التفاهم والتوحيد، وتغلبت المصالح المادية عند الرؤساء على مصالح الطريقة، ولم يعد للروحيات عندها إلا أثر ثانوي، ويضيف جولي أن هذه الآلية (الطرق الصوفية) قد أدت مهمتها، وهناك آليات جديدة أكثر مضاء واتقانا لخدمة المجتمع من هذه الآلية القديمة، وقد ضغطت الإدارة على الناس فأصبحوا مرتبطين بالمصالح الخاصة، وهي عندهم المحرك الوحيد أمام مداهمة الخطر، وإذا لم تغير الطرق الصوفية جلدها، كان تصبح دنيوية Secular، فإنها تختفي تلقائيا لأن قانون الطبيعة يفرض أن كل عضو اعتراه الهرم والشيخوخة عليه أن يموت ويترك مكانه لعضو شاب يتمتع بالحيوية والقوة (١). ويكاد أوغسطين بيرك يسير على نفس المنوال عند حديثه عن دور الدين والطرق الصوفية في المجتمع الجزائري، فقد لاحظ أن الفكر الديني عموما في الجزائر قد خضع لظاهرة دورية، ففي كل مرة تظهر حركة تطهيرية تتولد عن الحركة الأولى التي يعتريها الهرم، وهو في هذا المجال كأنه يقلد رأي ابن خلدون بالرغم من أنه انتقده بشدة وانتقد حتى من يؤمن بنظريته في دورة

стр. 1735

الحياة (١). وقد ذهب بيرك إلى أبعد من ذلك فقال إن المذهب المالكي قد جمد وحجر العقل في المغرب العربي، وغامر مع غيره (٢) الذين يقولون إن فرنسا قد ساعدت على نشر الإسلام (الإسلام الجزائري، كما يقولون) بين الجزائريين وتبنت المذهب المالكي باتباعها فقه مختصر الشيخ خليل واختيار القضاة طبقا لهذا المذهب، أما عن المرابطين فقد قال بيرك إنهم هم الذين تولوا الدفاع عن المجتمع الجزائري بعد ١٨٨٠ وقاموا بحركة التطهير والتجديد عندما أعلنوا الحرب على المسجد الرسمي، أي على علماء الدين الموظفين من قبل فرنسا للإمامة والتدريس والإفتاء ونحو ذلك، كما طلبوا الإعانة من الشرق متجاوزين الحدود التي أقامتها فرنسا، ورأى بيرك أن (الإسلام الجزائري) أي الدين كما مارسته الطرق الصوفية والمرابطون، لم يرتفع إلى السماء ولم يكن دعوة مجردة، بل هو الإسلام الذي يقترب من الناس ويوفر المعبود المحسوس (؟). وهكذا يصبح المرابط في الأرياف هو هذا المعبود المحسوس عند الناس، فهو المذهب والعقيدة، وهو الكرامة والبركة، ولذلك يأتيه الناس بالزيارات والصدقات ويطلبون منه النجدة والولادة والعلاج والغفران. وقد طور بيرك هذه الأفكار حول التصوف في الجزائر فقال إنه لا توجد طريقة صوفية هنا بالمعنى الأسيوي - المشرقي، إن الموجود في الجزائر هو تجمع حول ولي واحد، ذلك أن المرابط هنا يبتلع الطريقة الشرقية ويصفيها من زخمها ويغلقها ويعدلها، ويجعلها طريقة محلية، فالطرق الصوفية في الجزائر ذات طابع منغلق ومستتر وليست طرقا مفتوحة ومستقطبة، ولاحظ أن الجغرافية تلعب دورا في هذا المجال، فالرحمانية في زواوة تتميز عن الرحمانية في الجنوب، والتجانية في عين ماضي غيرها في تماسين وقمار، وهناك ظاهرة أخرى وهي الهجرة السنوية من الجنوب إلى الشمال، إلى التل والهضاب العليا، حيث تذهب أعراش وقبائل، كالأرباع وأولاد نائل وأولاد

стр. 1736

زكرى وأولاد سيدي الشيخ وسعيد عتبة. وقد لخص بيرك دورة الطرق الصوفية في الجزائر في ثلاث مراحل: مرحلة ١٨٣٠ - ١٩٠٠، وخلالها كانت الطرق ورؤساؤها معارضين للاحتلال بأساليب مكشوفة أحيانا ومقنعة أحيانا أخرى، والمرحلة الثانية بين ١٩٠٠ - ١٩٢٠ (١). وخلالها تبنت فرنسا سياسة جديدة نحو الطرق الصوفية ورجال الدين واعتمدت عليهم بطريقة مكشوفة، فاعلنوا خضوعهم وتحالفوا معها وساهموا في التهدئة العامة خلال الحرب الكبرى (١٩١٤ - ١٩١٨). أما المرحلة الثالثة التي تبتدئ من سنة ١٩٢٠ فقد اضطرب فيها رأي بيرك، فقال مرة إن هذه الطرق قد أظهرت علامات الخروج عن الخط في بعض المناطق، ثم أصبحت الظاهرة أكثر شمولية سنة ١٩٣٠، وفي مكان آخر ذكر أن الحركة الاصلاحية قد حلت محل الطرق الصوفية في الدور الذي سماه عملية التطهير الدوربة في المجتمع. ومهما كان الأمر فإن بيرك يجعل قانون الأرض لسنة ١٨٦٣ حجر الزاوية في التطور الاجتماعي، فقد انتهى، في نظره، عهد الأجواد وفتح عهد المرابطين ورجال الزوايا، أو بالأحرى فإن القانون قضى على الارستقراطية السيفية ونشط الارستقراطية الدينية - الثيوقراطية، ويستعمل بيرك أحيانا عبارة انتصار رجل الدين منذ ١٩٠٠، أو انتصار الزاوية على البرج الاقطاعي، الأول رمز للطرق الصوفية والمرابطين والثاني رمز للتحصن والحكم والسلطة، فقد أصبح الناس يطيعون الزاوية بدل طاعة البرج الاقطاعي (أي القياد والخلفاء والباشغوات). ونختم الحديث عن رأي بيرك في موضوع الطرق الصوفية بملاحظتين، الأولى أنه يذهب إلى أن شخصية المرابط في الجزائر أقوى من العقيدة أو الفكرة الصوفية نفسها عند الناس، فالناس لا يهمهم الجديد الذي يأتي به

стр. 1737

الشيخ أو ما يتميز به عن غيره من أفكار، ولكن تهمهم شخصيته سلطته الروحية، كراماته، فصاحته. وهكذا كانت شخصية ابن طكوك (السنوسية) أقوى من طريقته الصوفية، في نظر بيرك، وكذلك كانت سمعة ابن عليوة وشخصيته أقوى من تصوراته الصوفية التي لا يدركها الناس. وفي بلاد المغرب عموما، حسب رأيه، لا يهتم الناس بفكر الرجل ولكن بالرجل نفسه، وفي الطريقة الكبيرة الواحدة المعروفة بتعاليمها وقواعدها يأتي شخص قوي فيتبعه الناس ويخرج بهم عنها فيتبعونه وينفصل عن الأصل، دون الاهتمام بالفكرة الأولى والتعاليم، فالاهتمام هنا بالشخص بقطع النظر عن العقيدة، وهذا الرأي في عمومه صحيح قياسا على التاريخ والواقع. أما الملاحظة الثانية التي جاء بها بيرك فهي انتقاده لكل من لويس رين ولديبون وكوبولاني في تناولهم الطرق الصوفية وقضية المرابطين، ملاحظا لهم أن المصير السياسي لهذه الطرق مصير غير موحد وغير مترابط، ذلك أن كتبهم صورت الطرق الصوفية عموما بانها العدوة غير المتهاونة للاحتلال وللحكم الفرنسي، لكن الواقع التاريخي أثبت أن هذه الطرق أصبحت اليوم متهمة بأنها عميلة هذا الحكم ومناصرته، فهل يرجع ذلك إلى التغيير في السياسة الفرنسية، أو يرجع إلى تركيبة الطرق الصوفية نفسها، كما لاحظ الاسكندر جولي؟ واتهم بيرك زميليه ديبون وكوبولاني بأنهما كتبا عن الجزائر بروح ما كان موجودا في باريس، وتصورا مشروعهما عن الإسلام بصورة ما هو في باريس، فلونا الطرق الصوفية في الجزائر بألوان لا تملكها في الواقع، وما كان في باريس عندئذ هو الحملة ضد الماسونية وأعمال الجمعيات السرية الأروبية (١). توظيف الطرق الصوفية وتدجينها رأى خبراء الفرنسيين بعد ١٨٧١ أن رؤساء الطرق الصوفية قد حلوا في

стр. 1738

الأهمية محل الأجواد وزعماء العشائر نتيجة ضعف هؤلاء من جراء قانون الأرض سنة ١٨٦٣ - ١٨٧٣ وما يعرف بعهد المملكة العربية. وقد وقف منهم الحكام العامون الثلاثة (شانزي وتيرمان وكامبون) مواقف مشابهة أحيانا وهي المراقبة والتشدد، ومختلفة أحيانا أخرى، سيما عند كامبون، وقد أشرنا في عدة مناسبات إلى السياسة الفرنسية منذ ١٨٧١ نحو الطرق الصوفية، ففي عهد الجنرال شانزي طلبت مصلحة الشؤون الأهلية (تعيين من يجب أخذهم كرهائن) من زعماء الطرق الصوفية في حالة حرب أروبية، ورأى الفرنسيون أن استقلال هؤلاء الزعماء عن الإدارة وعدم قبولهم الوظيفة يجعلهم خطرين ومشكوكا في ولائهم. ولذلك تقررت مراقبتهم عن كثب بالتحكم في مداخيلهم المادية ومنع إعطائهم الرخص لجمع أموال الزيارات، وجاءت تقارير من قناصل فرنسا في تونس والاسكندرية تندد بالإخوان عموما، وندد تقرير تونس بالشيخ أحمد التجاني رغم أن السلطات الفرنسية تحميه، ورأى القناصل أن بعض العلماء الألمان تسربوا إلى الطرق الصوفية مثل (رولفس RUHLFS). وكان شانزي قد منع، بضغط من نواب الكولون، إعطاء الامتيازات لشيوخ الزوايا عدا شيخ زاوية تماسين، بدعوى أن تأثيره مفيد للقضية الفرنسية، وأصدر شانزي منشورا سنة ١٨٧٦ يأذن فيه للسلطات المحلية بإعطاء الرخص لبعض الشيوخ لزيارة أتباعهم بشرط هدف جدي وبصفة استثنائية وتحديد خط السير وبضرورة المرور بالجزائر، أما الشيوخ المقيمون في الخارج فقد احتفظ شانزي لنفسه بامتياز التصرف فيهم، وهكذا استثني محمد بوزيان، شيخ زاوية القنادسة فسمح له بزيارة أتباعه وجمع المال منهم، كما استثني عبد السلام، شيخ الطيبية، واستقبله في الجزائر استقبالا فخما (١). وفي عهد لويس تيرمان (١٨٨٢ - ١٨٩١) كثرت الضغوط على شيوخ

стр. 1739

الزوايا، وألف رين كتابه المعروف. وحدثت ثورة بو عمامة، ومقتلة بعثة فلاترز، وكثر الحديث عن السنوسية، وتجدد اتهام أحمد التجاني بعدم الولاء لفرنسا، بل إن المكتب العربي في تلمسان تحدث عن مؤامرة التجانية في عين ماضي، واعتقلت السلطات عددا من الأهالي في سبدو ونفتهم إلى جزيرة كورسيكا، لكن الشرطة لم تثبت اتهام التجاني ولا طريقته في الأحداث، بالعكس فقد قالوا إن أحمد التجاني قد وجه إلى أتباعه نداء يطلب منهم الهدوء وعدم المشاركة في ثورة بو عمامة، وقالت إنه سهل مهمة العقيد ديبورد إلى السودان، لكن مشروع التمرد الذي ولد في زاوية تلمسان قد ظهر الحديث عنه سنة ١٩٣٠ أيضا في كتاب صادر عن الحكومة العامة نفسها (١). وفي عهد تيرمان أيضا ظهر كتاب دو فيرييه عن السنوسية وحملها مسؤولية ثورات عديدة ضد فرنسا في الجزائر، ورأى تيرمان أن السنوسي له علاقة ببو عمامة وأن كليهما له علاقة بثورة المهدي في السودان، ومن جهة أخرى كان تيرمان يرى في الجامعة الإسلامية خطرا يهدد الجزائر، وقد تحدثت وسائل مخابراته عن مبعوثين جاؤوا من سورية والعراق لكي يدعوا إلى الهجرة وينتقدوا سياسة فرنسا، ومن أجل ذلك لم يرخص تيرمان لشيوخ الزوايا بالتنقل إلا نادرا، ورأى زيس (أحد كبار القضاة) التخلص من رجال الدين بنشر المدارس الفرنسية، ورأى غيره أن إضعاف رجال الدين يكمن في منع المال عنهم واللجوء إلى السياسة الميكيافيللية، أي باستعمال الانشقاق وحط الاعتبار ولكن دون مواجهتهم (٢). وبناء على ذلك جرت دراسات وسجلت آراء حول رد الفعل الفرنسي. فكان الاقتراح البارز هو المراقبة المتشددة دون المهاجمة، ودفع الشيوخ إلى أن يعلنوا ولاءهم أو عداوتهم، ومطالبتهم بتقديم عدد المنخرطين عندهم، وتساءل الكتاب عن الطرق التي زادها الاضطهاد انتشارا وشعبية مثل الرحمانية

стр. 1740

(الشمالية) والدرقاوية، رغم أنهما طريقتان أقرب إلى التقشف منها إلى الحياة الرغدة، وقالوا لماذا لم ينضم الفلاح إلى الطرق (الارستقراطية) مثل التجانية والطيبية. ولكن الذي تفطن إلى اتباع أسلوب جديد نحو هذه الطرق هو جول كامبون، فقد رأى أن يقترب من الطرق المصنفة (عدوة) ويستميل رؤساءها، وهكذا استمال زعيم أولاد سيدي الشيخ وتفاوض مع بو عمامة (وهو منهم). وعرض الوظائف عليهم، ولا سيما الدرقاوية والرحمانية، وأذن لزعيم الطيبية بزيارة أتباعه في الجزائر، وسلم إلى رؤساء هذه الطرق وغيرها برانيس وأوسمة، وأقام لمن مات منهم احتفالات التأبين (التجاني، القاسمي ...). وكان هدف كامبون هو توظيف نفوذ الطرق الصوفية في خدمة المصالح الفرنسية في الصحراء، ومن أجل ذلك لجأ أيضا إلى الحصول على فتوى من علماء المسلمين (سنة ١٨٩٥) شبيهة بالفتوى التي حصل عليها روش قبل ذلك (١). ومع ذلك أيد كامبون غلق الزوايا التابعة للطريقة الدرقاوية (٢). وقد سار الحاكمان العامان شارل جونار (١٩٠٣ - ١٩١٢) وشارل ليطو (١٩١٢ - ١٩١٨) على سياسة مشابهة نحو الطرق الصوفية، ورأينا كيف استخدمت الإدارة نفوذ هذه الطرق خلال الحرب العالمية ضد الدعوة إلى الجهاد التي صدرت عن شيخ الإسلام بإسطانبول، ورغم بداية الضعف الذي اعترى الطرق الصوفية فإن الإدارة استمرت في توظيف نفوذها إلى الحرب العالمية الثانية، وسترد عليك أمثلة على ذلك. لم تستنفد الطرق الصوفية كل طاقتها عشية الحرب الأولى، كما قال الاسكندر جولي، فقد رأيناها قد ساهمت في تهدئة السكان خلال هذه الحرب، ثم ان دورها لم ينته مع الاحتفال المئوي، كما قال أوغسطين بيرك،

стр. 1741

بل استمرت السلطة الفرنسية في توظيفها لمعارضة التيارات السياسية والإصلاحية التي ولدت في الجزائر منذ ١٩٢٠ (١). ولا حاجة بنا إلى شرح الظروف التي أدت إلى ظهور التيارات السياسية كحركة الأمير خالد ونجم الشمال الإفريقي واتحادية النواب، أو ظهور الحركة الإصلاحية بزعامة ابن باديس ثم جمعية العلماء سنة ١٩٣١ (٢). إن الإدارة التي كانت تتحدث منذ أواخر القرن الماضي عن البديل للطرق الصوفية والتي رأته في النخبة الجديدة المتخرجة من المدارس الفرنسية وفي التحولات الاجتماعية التي أدت إلى تنور الأتباع ووعيهم، هذه الإدارة فوجئت بتحولات من نوع آخر تولدت من الحرب الكبرى، من جنود عائدين من الميدان ومن صحافة نشطة ومن مطالب جماعية برفع الضيم ونيل الحقوق، بالإضافة إلى التيارات السياسية والإصلاحية التي أشرنا إليها، وإذن لا بد من فعل شيء يحدث التوازن في المجتمع الأهلي ويحافظ على الهدوء، الذي ترجوه الإدارة دائما. ولم يحدث خلال العشرينات أن ظهرت هيئة أو جمعية تعارض الطرف الصوفية سواء بدعم من فرنسا أو بغير دعمها، وإنما ظهر أمران أمام مسمع ونظر الإدارة، وكلاهما يضر بالطرق الصوفية التقليدية، الأول ظهور طريقة الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة التي اعتبرها الفرنسيون نموذجا جديدا للتصوف (العصري)، وقد تعرضنا إليها وبينا أنها كانت تختلف في أسلوب دعوتها وتحركات شيخها وصحفها ومطالبها عن الطرق القديمة والمتجذرة، وقد كانت الإدارة راضية، إن لم تكن مشجعة، عن هذه الظاهرة التي ستؤدي عند بعض محلليها إلى تغيير وجه الطرق الصوفية من الأساس، أما الأمر الثاني فهو نشاط الحركة الإصلاحية بين ١٩٢٠ - ١٩٣١ بزعامة ابن باديس، ويهمنا الآن من هذه الحركة موقفها من المرابطين والطرق الصوفية. ففي

стр. 1742

الصحف ذات الاتجاه الإصلاحي التي ظهرت خلال هذا العهد هجوم قوي على الظاهرة المرابطية والشعوذة والبدع والخرافات التي كان يمارسها الأشياخ، والموقف السياسي لهم وتبعيتهم للإدارة، وتضليل الناس عن الدين، ونشر الخرافة والتخدير بين الناس بممارسات معينة كالحضرة والذبائح والزيارات والكرامات، وكانت الإدارة تراقب هذا التحول في المجتمع وتدرس عواقبه وتعرف أنه سيزعزع جذور الطرق الصوفية التي طالما حاربتها وخافت من خطرها. وعندما تقدمت (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بطلب التأسيس سنة ١٩٣١ لم تمانع السلطات الفرنسية في ذلك، بل إن بعضهم قد لاحظ السرعة التي تمت بها الموافقة، وكان الجو الذي خلقه الاحتفال المئوي يبرر هذه الموافقة، ربما، لأن الجزائريين تذمروا كثيرا من غطرسة الفرنسيين بعد قرن من الاحتلال والتحكم، ولاحظت ذلك صحفهم، حتى المعتدلة منها، ففي الموافقة على طلب العلماء تفريج لهذا التوتر، ولكن الموافقة تخدم أغراضا أخرى للإدارة أيضا، فقد أعلنت الجمعية في قانونها الأساسي أنها تقبل بعضوية (العلماء) غير الموظفين، ومن هؤلاء بعض رجال الطرق الصوفية، وأن انضمام عناصر من هذه الطرق إلى الجمعية كان يخدم موقف فرنسا المعلن منذ آخر القرن الماضي وهو (تذويب) الطرق في غيرها وإحلال البديل محلها طبقا لمقتضيات التطور الاجتماعي والسياسي، والغرض الآخر الذي تخدمه الموافقة على إنشاء جمعية العلماء هو أن النشاط الشيوعي كان قويا في الجزائر وهو يحاول أن يحتوي العناصر الأهلية المستعدة لممارسة السياسة والهجوم على الامبريالية والاستعمار، فميلاد جمعية العلماء المتحمسة للنهضة الإسلامية والمعتمدة على السلفية والإصلاح الديني سيكون حاجزا ضد توغل التنظيم الشيوعي في الأوساط الأهلية، في نظر الإدارة، ولكن هذه التوقعات لم تكلل بالنجاح المطلق، لقد كان على رأس الإدارة الأهلية عندئذ جان ميرانت الضابط المختص في قضايا الجزائر الإسلامية، وهو الذي كان يعمل مترجما في الحكومة العامة منذ آخر القرن

стр. 1743

الماضي، وكان من المساعدين في الترجمة لكل من ديبون وكوبولاني أثناء تحرير كتابهما سنة ١٨٩٧. ولا شك أنه أقر توصياتهما لأن الكتاب نشرته الحكومة العامة وتبنت كثيرا مما جاء فيه. ومبدأ توازن القوى يفرض على الإدارة أن لا تقضي تماما على الطرق الصوفية وأن لا تعطى لخصومهم كل التسهيلات، بل لا بد من جعلهم في درجة واحدة أو جعلهم يتبادلون القوة والضعف دواليك. وقد ظهر من انتخاب المجلس الإداري الأول والثاني لجمعية العلماء أن العناصر الإصلاحية هي المتحكمة وأن العناصر الطرقية كانت في المركز الأضعف، ولعل الإدارة كانت تريد العكس، لأن وجود عناصر من العلماء الدارسين في الشرق أو الزيتونة يزعج الإدارة، ويصعب من تشديد قبضتها على الجمعية، ولذلك لم يدم تفاهم المصلحين والطرقيين إلا حوالي سنة، ففي ١٩٣٢ انفصل أصحاب الاتجاه الطرقي وكونوا (جمعية علماء السنة) التي تقمصت مبادئهم، وهذا الانقسام كان يحقق أيضا أهداف الإدارة من الطرق الصوفية ومن المصلحين معا، لأن خلق التنافس والصراعات عادة قديمة وأسلوب ناجح مارسه الفرنسيون طيلة عهدهم، وبه تحكموا في رقاب الجزائريين. وإذا كانت مسيرة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) مدروسة ومعروفة سواء في عهد ابن باديس أو عهد الإبراهيمي، فإن مسيرة نقيضتها (جمعية علماء السنة) والجمعيات الأخرى المشابهة غير معروفة. ذلك أن الإدارة الفرنسية رأت أن الجمعية الأخيرة وليد ضعيف بالأسلوب الذي وقع به الانفصال وبالشخصيات التي تبنت هذا الاتجاه والوسائل المختارة والأهداف المرسومة، فلم تعش جمعية علماء السنة إلا عاما أو بعض العام، وقد حاولت هذه الجمعية أن تقلد نشاط المصلحين، فأنشأت جريدة (الإخلاص) وفتحت ناديا، وأعلنت أنها تعمل من أجل (الإسلام الجزائري) الذي سماه أوغسطين بيرك الإسلام المنغلق على نفسه، ويمكن القول إن جمعية علماء السنة هي (رابطة الطرق الصوفية) بأسلوب عصري، ذلك أن فرنسا كانت تخشى تجمعهم في الماضي ولم تحاول أبدا من جهتها تكوين رابطة أو ناد

стр. 1744

لهم، بل كانت تعمل على تفتيتهم وتمزيقهم حتى لا يتوحدوا ضدها، حتى فكرة رين في إعطاء سلطة فوق العادة لشيخ التجانية وتنصيبه في مكانة (شيخ الإسلام) في الجزائر لم يقدر لها التنفيذ، أما بين الحربين ففرنسا أخذت تحاول أن تؤطر الطرق الصوفية وأن تحدثها لمواجهة جمعية العلماء من جهة، والحركة الشيوعية والتيارات الأخرى السياسية (المتطرفة). ودعما لجمعية علماء السنة التي ولدت ضعيفة، كما قلنا، أوعزت الإدارة بعقد مؤتمر يضم مختلف الطرق الصوفية والزوايا في الجزائر، وربما كان هو الحدث الأول من نوعه، انعقد هذا المؤتمر الذي أطلق عليه (مؤتمر رؤساء الطرق الإسلامية) في الأسبوع الثاني من نوفمبر ١٩٣٣ بالعاصمة، وفي (نادي الإخلاص) التابع لجمعية علماء السنة، ومن قراراته أن أعضاء المؤتمر يصبحون أعضاء في الجمعية، وأن جريدة (الإخلاص) تتحول إلى مجلة لنشر المقالات حول الأخلاق والدين والمجتمع، وقد ترأس المؤتمر الشيخ مصطفى القاسمي (زاوية الهامل) وأوضح الهدف حين ذهب وفد منه لزيارة الحاكم العام، جول كارد، وكان الوفد مرفوقا بجان ميرانت الذي أشرنا إليه، وأمام الحاكم العام ألقى الشيخ القاسمي كلمة باسم زملائه رؤساء الطرق، وأعلن له تعلقهم بفرنسا والإخلاص لها، كما فعلوا في الماضي، ولكن الوفد طالب الحاكم العام أيضا بتحسين حالة (الرعية). وقد علق محمد سعيد الزاهري العضو في جمعية العلماء المسلمين عندئذ، بقوله إن جمعية علماء السنة قد تحولت إلى (سنديكا) - نقابة - من شيوخ الزوايا، وأن هدفها هو تكوين (كهنوت) وليس الدفاع عن الإسلام (١). وقبل أن نواصل الحديث عن المؤتمرات الطرقية الموازية للنشاط الإصلاحي الذي تقوم به جمعية العلماء المسلمين، نشير إلى العريضة التي بعث بها عدد من رجال الطرق الصوفية في تلمسان ضد الشيخ الإبراهيمي سنة

стр. 1745

١٩٣٣، وكانت العريضة موقعة من قبل خمسة عشر فردا، من أعيان البلدة (مستشارون، وتجار، وشيوخ). من بينهم خمسة من مقدمي الطرق الصوفية، وكان الإبراهيمي قد حل بتلمسان في نهاية سنة ١٩٣٢ كممثل لجمعية العلماء في الناحية الغربية، وكانت الجمعية قد وقفت ضد منشور إداري يسمى منشور ميشيل صدر في ١٦ فيفري ١٩٣٣، وهو منشور يحد من نشاطها ويصف أعضاءها بالوهابية والتبعية للخارج، وكان المنشور جزءا من تدخل الإدارة الذي ذكرناه من أجل إحداث التوازن بين الطرق الصوفية وخصومها، ذلك أن موقف الإدارة كان ضد الاثنين معا، ولكن لا بد من هذا الأسلوب الذي يقدم البعض ويؤخر الآخرين لإحداث التوتر والمنافسة لكي تعيش الإدارة في أمن وهدوء. والغريب أن أصحاب العريضة قالوا عن الإبراهيمي إنه (أجنبي) وعليه أن يرجع إلى (بلاده) سطيف، وقد ذكروا الإدارة الناسية في نظرهم، بأن الطرق الصوفية عاشت منذ قرون في تفاهم وأنها تقف مع السلطة الفرنسية موالية ومخلصة الولاء، وأضافوا أن الإبراهيمي ينتمي إلى (جمعية سرية) هدفها زعزعة الحضور الفرنسي، وأنها تستعمل الدين كغطاء لهدفها، وأنها أصبحت تستعمل النوادي بعد منع المساجد عليها (طبقا لقرار ميشيل). وقد اعتبرت العريضة ما تقوم به هذه الجمعية السرية (جمعية العلماء) والشيخ الإبراهيمي بالذات هو (موجة وطنية ومعادية لفرنسا). أما الإبراهيمي وأصحابه فقد اعتبروهم أهالي متعلمين (وشبانا أتراكا) من صنف آخر، وأخبروا الحاكم العام الذي وجهوا إليه العريضة، أن في تلمسان حوالي عشر طرق صوفية كلها ذات صلة عميقة بفرنسا. أما نشاط الإبراهيمي فهو (جرثومة آتية من الشرق). وتساءلوا: لماذا تسمح الإدارة (للأجانب) مثل الإبراهيمي بالعمل في الجزائر مع أن هدفهم هو إثارة الشغب؟ (١).

стр. 1746

وكلما تقدمت جمعية العلماء في نشاطها الإصلاحي وازداد نشاط التيارات السياسية الوطنية، برز على المسرح نشاط الطرق الصوفية في ثوب جديد، لقد أصبحت هذه الطرق موظفة بكل عناية من قبل الإدارة، لم يعد هناك خوف ظاهر منها، وبدل أن تموت عضويا، كما قال الاسكندر جولي، كانت الإدارة تبعث فيها الدم وتحاول ملاءمتها مع الوضع الجديد، وبعد مؤتمر الطرق الإسلامية في العاصمة، كما رأينا، تأسست (الجمعية الطرقية الدينية الإسلامية) (١) في قسنطينة سنة ١٩٣٧ على إثر انعقاد المؤتمر الإسلامي ونشاط العلماء والنواب فيه، خصوصا في مدينة قسنطينة، ولكن نشاط هذه الجمعية لم ينحصر في قسنطينة، بل امتد إلى أنحاء القطر كله، وكان أعضاؤها يتكونون من المقدمين والشواش ورؤساء الزوايا والإخوان، ولها مجلس إداري من أربعين عضوا هو الذي يسيرها، وهو منتخب من الجمعية العامة، ويرأسها شرفيا، الحاكم العام للجزائر والولاة الثلاثة (وهران والعاصمة وقسنطينة)، وكذلك حكام المقاطعات الجنوبية الثلاثة (وكلهم فرنسيون طبعا). وماليتها تأتي من اشتراك الأعضاء والتبرعات ومن (إعانات الحكومة) والولاية، أما هدفها فهو المحافظة على نفوذ الزوايا والطرق، وعلى شهرتها وسمعتها ومكانتها بالإضافة إلى الاهتمام بالفقراء (المنتشرين في المساجد والزوايا وإصلاح حالهم)، وكلمة (فقراء) هنا قد تعني البائسين عموما، وهو الأقرب، وقد تعني فقراء الطرق الصوفية الذين هم صنف من الأتباع. ومثل كل الجمعيات غير السياسية عندئذ أعلنت هذه الجمعية الطرقية

стр. 1747

أنها لا تتدخل في السياسة، ومفهوم ذلك بلغة الوقت عدم انتقاد السياسة الفرنسية في الجزائر أو المطالبة بحقوق سياسية للمواطنين. أما مقر الجمعية فهو: الزاوية التجانية بمدينة قسنطينة، وكاتبها هو أحمد بن بسام (١). واستمرت الإدارة تحرك أصحاب الطرق الصوفية لأغراضها، وكانوا من جهتهم يحسون أنهم يدافعون عن وجودهم المهدد في الواقع من الإدارة نفسها، كما عرفنا، وليس من الحركة الإصلاحية، لأنه إذا كان مأخذ السلطة الفرنسية عليهم هو الثورة والسياسة، فإن مأخذ الحركة الإصلاحية عليهم هو التجارة بالدين واستغلال العامة مما نتج عنه خدمة الاستعمار. فقد انعقد في الجزائر مؤتمر آخر لأصحاب الطرق يسمى (بجامعة اتحاد الزوايا)، في افريل سنة ١٩٣٨ ودام ثلاثة أيام، وكان انعقاده على إثر قرار مارس من نفس السنة بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي رينيه، وهو القرار الذي يشبه قرار ميشيل، وكان يهدف إلى وقف التعليم العربي وتوقيف دروس الوعظ والإرشاد في المساجد، ومعاقبة المعلمين بدون رخصة، وكانت رئاسة المؤتمر الجديد أيضا للشيخ مصطفى القاسمي (زاوية الهامل). كما حضر رجال الزوايا الآتية: طولقة (رحمانية). عميش (قادرية) (٢). وكان هناك ضيفان غريبان، الأول هو محمد سعيد الزاهري بعد خروجه من جمعية العلماء، والأغرب من ذلك أنهم نعتوه (بالفاشيست) لأنه كان عضوا في الحزب الفرنسي اليميني، أما الضيف الغريب الثاني، فهو عبد الحي الكتاني، رئيس إحدى الطرق الصوفية في المغرب الأقصى ونصير فرنسا هناك وفي الجزائر، وسيرد اسمه بعد حين، كانت كل جلسة تفتتح بالقرآن الكريم، ثم بالخطب في موضوعات دينية شتى. وقد دعا أصحاب الزوايا الذين اجتمعوا تحت المظلة الفرنسية، إلى

стр. 1748

عدم التعرض للسياسة ونبذ البدع (والأخير يعتبر أحد مطالب جمعية العلماء، والمقصود به بالنسبة إلى الدين ما لم يرد في القرآن والسنة النبوية ولم يأت في فعل أو قول السلف الصالح) ومن الذين حضروا أيضا الشيخ السائح (التجانية؟) الذي ألقى قصيدة في المناسبة، كما حضر الشيخ اسطانبولي إمام الجامع الكبير بالمدية، ومحمد بن الموهوب (قسنطينة). وعبد الحميد عثماني (طولقة) ومحمد الصالح بن الهاشمي (الوادي). والشريف الصائغي مدير مدرسة السلام بقسنطينة، ونلاحظ أن بعضهم (ابن الهاشمي) قد ألقى خطبة لتأييد الإصلاح واتباع طريق السنة النبوية، وهو الخطاب الذي ألقاه باسم أخيه (عبد العزيز) الذي اعتقلته السلطات الفرنسية سنة ١٩٣٧، والغريب أيضا أن هذا الخطاب تضمن مقولة الشيخ عبد العزيز بأنه كان طرقيا وتحول إلى الإصلاح، وإن الحكومة العامة تريد القضاء على الدين واللغة العربية بقرار ٨ مارس (١٩٣٨)، وهو رأي يظهر نشازا في ذلك التجمع الطرقي لا ندري كيف سمح له بإعلانه على الحاضرين (١). وفي ١٩٣٨ أيضا طلبت فرنسا من مختلف الهيئات في الجزائر الإعلان عن تأييدها لها في الحرب القادمة ضد ألمانيا، وبادرت الأحزاب الموالية تفعل ذلك، وتحفظت جمعية العلماء، كما هو معروف من (حادثة البرقية) الشهيرة والتي أدت إلى خروج الشيخ الطيب العقبي منهاة ولم تكتف فرنسا بالمواقف الفردية للزوايا والطرق الصوفية في الجزائر، بل نسقت ونظمت وخرجت بطبخة جديدة سمتها مؤتمر الزوايا على مستوى المغرب العربي كله. وانعقد المؤتمر في مدينة الجزائر في شهر إبريل ١٩٣٩، وبالإضافة إلى

стр. 1749

الجزائريين حضره من المغرب الأقصى عبد الحي الكتاني الذي سبق ذكره، ومن تونس الفاضل بن عاشور، والتبريزي بن عزوز، شيخ الزوايا بتونس، وكان حضور ابن عاشور بالطائرة قد جعل بعض الكتاب يعلق على ذلك بطريقة تهكمية، ومن ليبيا حضر وفد يمثل طريقة (طائفة) سيدي عبد السلام (السلامية؟) ولكنه جاء من مصر، لأن الخبر يقول إن إيطاليا لم تسمح لوفد طرابلس بالحضور، وكان المؤتمر برئاسة الشيخ مصطفى القاسمي أيضا. وكالعادة ذهب وفد من المؤتمرين لمقابلة الحاكم العام وتقديم فروض الطاعة لفرنسا، وعلى إثر المؤتمر نشرت الجرائد عريضة (رجال الدين والعلم) في تأييد الحكومة العامة بالجزائر، واعتبروا أنفسهم ممثلين لمشائخ الطرق ورؤساء الزوايا وعلماء الدين، والمتكلمين باسم أكثر من ثلاثة ملايين، وقد وضعوا ثقتهم في فرنسا وسياستها، وقرروا ما يلي: ١ - قطع الطريق على المشوشين والمغرضين، أعداء فرنسا في الجزائر (وهو ما كانت السلطة الفرنسية في الماضي تنسبه إلى أصحاب الطرق أنفسهم). ٢ - على المسلمين (الجزائريين) (الثبات الراسخ على إخلاصهم لفرنسا، وتضحيتهم في سبيلها، ومحبتهم لها)، (واضح أن هذا هو الهدف من المؤتمر والعريضة، لأن هدف الإدارة هو توظيف سمعة شيوخ الطرق لصالحها أمام الخطر الألماني والإيطالي). ٣ - تنبيه الجزائريين إلى أن قانون ٨ مارس (١٩٣٨) (لا يمس الدين الإسلامي بحال). وفي ذلك رد على جمعية العلماء المقصودة به، والتي جندت ضده إلى جانبها التيارات السياسية الأخرى، وقد لاحظت العريضة ردود الفعل القوية على ذلك القانون (القرار) عندما قالت إنه (صار مبعثا جديدا لزرع بذور الحقد السائد في الجزائر الآن). ذلك أن فرنسا لا تريد أن تواجه الخارج بجبهة مضعضعة من الداخل، وكأنها بهذه العريضة تريد التخفيف من وقع ذلك القرار (١).

стр. 1750

وقد هاجم الإصلاحيون هذا المؤتمر ما داموا هم قد تحفظوا من اتخاذ موقف مشابه، كما ذكرنا، وحكموا على المؤتمر بأنه انعقد بوحي من الإدارة الفرنسية، وقد انتقدوا حضور الفاضل بن عاشور (ابن الشيخ الطاهر، شيخ جامع الزيتونة عندئذ) وإعلانه الولاء لفرنسا وتأييده للطرقية، ويبدو أن ابن عاشور حاول أن يمسك العصا من الوسط وأن يوفق بين الإصلاح والطرقية، ولذلك كانت محاضرته بعنوان (الوحدة الإسلامية)، ولكنه فشل في هدفه، حسب تعليق البصائر (١). والواقع أن الانتقاد كان مسلطا على الطرقية عموما باعتبارها أداة في يد الإدارة وليس ضد التصوف من حيث هو، وكانت الحركة الإصلاحية تنتقد أيضا العلماء الذين يفتون لهذه الإدارة بما تريد منهم لا ما يريده الدين أو ينص عليه، ويطول بنا الحديث إذا استعرضنا كل ذلك هنا، فهدفنا هو تقرير ما وصلت إليه الطرق الصوفية بعد مسيرة قرن من الاحتلال الفرنسي، وقد تناول هذا الموضوع معظم رجال الإصلاح الأوائل كابن باديس والإبراهيمي والعقبي والتبسي والميلي وأبي يعلى الزواوي، بل إن علماء من أمثال المجاوي وابن الموهوب وابن زكري قد تعرضوا له ولكن بشكل غير صريح صراحة رجال جمعية العلماء، ولعل العقبي والميلي والزاهري (قبل خروجه من الجمعية) كانوا من أوائلهم وأكثرهم تفرغا لهذا الموضوع. ثم تراجع الزاهري، وخفت حدة العقبي بعد ١٩٣٦، ولكن كتاب الميلي (رسالة الشرك ومظاهره) يظل الوثيقة الأساسية في انتقاد الطرق الصوفية ووصف حالة التصوف عندئذ بطريقة هي أقرب إلى الموضوعية من خطب ومقالات زملائه، وفي المقابل ظهرت أدبيات أخرى أيضا اشتهرت منها جريدة (البلاغ) الجزائري بين الحربين، (وصوت المسجد) بعد الحرب العالمية الثانية، وكتاب من أمثال محمد العاصمي.

стр. 1751

وكان النقد غالبا موجها (للطرقية) دون تمييز، أي إلى الظاهرة في حد ذاتها باعتبارها مؤثرا اجتماعيا سلبيا ومعرقلا في مسيرة الإصلاح المنشود، ونظرا لعلاقة الطرق الصوفية بالاستعمار الفرنسي منذ تجريدها من سلاحها في فاتح هذا القرن وجعلها آداة في يد الإدارة، فإن الهجوم عليها كان (كاسحا) بالأولوية، وحتى الاستعمار نفسه، بقوانينه وتعسفاته، لم يحظ بمثل الهجوم الذي شن على الطرق الصوفية، ولعل الهجمة في الجزائر على هذه الظاهرة كانت أشد من غيرها في العالم الإسلامي (١)، نظرا لشراسة الاستعمار من جهة وسيطرة الطرق على عقول الناس من جهة أخرى، ففي غياب التعليم وفي ظل العزلة القاتلة حكم الفرنسيون على الجزائر بالإعدام المعنوي من خلال عدة ظواهر، ومن بينها توظيف الطرق الصوفية. ونادرا ما يذكر المهاجمون طريقة بعينها إلا العيساوية ربما، فقد انفردت أحيانا لشعوذتها وبهلوانيتها (ومثلها العمارية). وكذلك التجانية لغموضها وضلالتها و (إلحادها) على حد تعبير ابن باديس. فرغم دور التجانية في المغرب وفي غرب افريقية في مقاومة الاستعمار ونشر الدين الإسلامي، فإنها في الجزائر قد اعتبرت طريقة متسترة على فظائع الاستعمار، وقد لاحظنا ذلك في الجانب السياسي فيما مضى، أما الجانب العقائدي فقد ظهرت عدة كتابات في نقد بعض أذكار التجانية وما نسب إليهم من تفسير لبعض الآيات، وما نسب إلى شيخها من فتوحات وكشوفات لا تتلاءم مع التصوف السني، ومن تلك الكتابات النقدية ما ظهر في مجلة (الفتح) المصرية ونقلته عنها (الشهاب) (٢). ومنها ما كتبه محمد الحجوي المغربي في مجلة (الرسالة) ضد التجانية، وقد تبنى ابن باديس ما جاء به الحجوي وتوسع فيه، فإذا بأحد المغاربة وهو الشيخ أحمد سكيرج يرد على ابن باديس معتبرا إياه (مهدم الطائفة

стр. 1752

التجانية). ولم يكن ابن باديس فيما يبدو ضد الطريقة في حد ذاتها ولكن ضد أمور اعتبرها إلحادية وضالة ومنومة لأتباعها. وقد طلب من علمائها والمنتسبين إليها أن ينفوا ذلك عنها وأن يتبرأوا منه نفيا للتضليل في الدين، ولكنه قال إنه لم يتلق أو يقرأ بيانا في ذلك، إلا ما جاء على قلم سكيرج. قال الحجوي: (إن التجانية ليست كسائر الطرق بدعة وضلالة في الإسلام، بل هي هدم صريح وضد عتيد للإسلام ...). فأخذ ابن باديس هذه العبارات وأوضحها قائلا إنه صرح بما جمجم به الحجوي: (صرحنا فيه بذلك، وبيناه بدلائله، وبنينا كلامنا فيه على كلام الشيخ الحجوي، وطلبنا من جميع المنتسبين للتجانية أن ينفوا ما نسب إليها أو يتبرأوا منه، وتحديناهم في ذلك، فلم نر منهم جوابا من عالم إلى الآن)، ثم قال ابن باديس: (نعم، إن الحملة على الطرقية وبيان ضلالتها وفضح التجانية وبيان إلحادها، كل ذلك محمول على كاهلي ومربوط به رأسي، وإن كنت فيه كواحد من إخواني) (١). أما الشيخ أبو يعلى الزواوي فقد هاجم فكرة (المهدي) المنتظر من أساسها، واعتبر الإيمان بالعصمة والشعوذة من الضلالات، وقال إن ما جاء به ابن تومرت من مبدإ (الإمام المعصوم المهدي المعلوم) فكرة ملعونة، واعتبر هذه الدعوة التي جاءت في قواعد الدولتين الفاطمية والموحدية، دعوة المهدي والعصمة، إنما هي ضلالة ولعنة، وقد أخذها المتصوفة أيضا وبالغوا فيها، ولذلك سلط نقده العنيف على الطرقية وأدعياء العصمة في الشيخ،

стр. 1753

وقال إن الشيخ سعيد بن زكري (مدرس وإمام ومفتي) قد أيده فيما ذهب إليه (١). ولكننا لن نتتبع هنا كل الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع، فهي في الحقيقة تحتاج إلى معالجة منفصلة وهادئة في إطارها الحقيقي من تطور المجتمع الجزائري. وغرضنا الآن هو معرفة كيف انتهى مصير الطرق الصوفية. إنها لم تنته كما توقع الفرنسيون، ولم تتلاش، رغم الأدبيات التي صدرت ضدها، ورغم تطور المجتمع وظهور الحركات السياسية والإصلاحية وانتشار التعليم والوعي العام، ولكنها لم تبق كما كانت تخيف السلطة وتجند آلاف الجماهير، ونحن وإن كنا ننتهي بهذه الدراسة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية فإننا نشير إلى أن ثورة نوفمبر قد جندت آلاف الإخوان الذين كانوا سابقا احتياطيين في الطرق الصوفية، وأن هذه الطرق في جملتها قد رأت في مجاهدي ١٩٥٤، صورة لمجاهدي القرن الماضي الذين قدمتهم فداء لتحرير الدين والوطن، وإذا أخذنا بنظرية الدورة التاريخية لابن خلدون والتي طبقها أوغسطين بيرك على الحركات الدينية في الجزائر، فإنه يمكن القول بأن ثورة ١٩٥٤ كانت إحدى الدورات - بعد الطرق الصوفية ثم جمعية العلماء - وإن الحركة الإسلامية التي ظهرت أخيرا ما هي إلا حلقة أخرى في هذه الدورة التاريخية، وقد رأينا في السنوات الأخيرة أيضا كيف انبعثت الطرق الصوفية من مرقدها نتيجة الضغط السياسي والانحراف الاجتماعي، لكن يجب ألا نضع كل الطرق الصوفية والمرابطين في كيس واحد، إن أصلها متشابه وممارساتها تكاد تكون واحدة، وأساليبها متقاربة، ولكن أهدافها ومواقفها ووسائلها قد اختلفت باختلاف رجالها وظروفهم، فمن الطرق الصوفية ما كافح بشتى الوسائل وكذلك المرابطون، ولكن الموجة كانت أعتى منهم، وقد ظلوا منطوين على أنفسهم ومخلصين لتراثهم النضالي فربوا جيلا على ذلك فكانوا الشرارة للثورة التي عرفتها الجزائر. وإذا بحث

стр. 1754

الباحثون مستقبلا عن أصول القادة والمناضلين البارزين فسيجدون منهم من كان له تاريخ طويل في النضال داخل الطرق الصوفية والحركة الدينية عموما، ولا ننسى أن بعض أصحاب الطرق قد اختار الهجرة، وهو موضوع لم نتناوله هنا، سيما من زواوة ومن تلمسان، كما هاجرت عائلات مرابطة إلى المغرب الأقصى من جهة معسكر. والتصنيف الفرنسي لدور الطرق الصوفية يصدق أحيانا إذا قيس بموجة الاحتلال نفسها، فهي قوية عاتية بين ١٨٣٠ - ١٨٦٠، ثم تأتي مرحلة المملكة العربية ١٨٦٠ - ١٨٧٠، حين تضاءل دور كبار الأعيان وحكام الخيام الكبيرة، ثم عادت قوة الاحتلال كأشد ما تكون بعد ثورة ١٨٧١ فضربت الجزائر في العمق، وتلا ذلك قوانين جائرة وتغييرات في البنية الاجتماعية، فكان رجال الزوايا والمرابطين والطرق هم الملجأ الآمن للناس، وكان صوتهم يمثله الشاعر الشعبي والمداح. ولكن ابتداء من فاتح هذا القرن غير الفرنسيون من تعاملهم وأخذوا في نشر التعليم بلغتهم وتقديم النخبة المتفرنسة، وتشجيع العلماء الرسميين على إعطاء الدروس العامة، ونشرت بعض الآثار والمخطوطات والصحف وفتحت النوادي، كل ذلك كان على أيدي الفرنسيين أنفسهم أو بتشجيع وإيعاز منهم، فإذا الطرق الصوفية تظهر وكأنها تخلفت عن الركب، وعندما ظهرت الحركة الإصلاحية في العشرينات والثلاثينات حاولت فرنسا بعث الحياة في الطرق الصوفية لتوازن بها (المتطرفين) دعاة الوهابية والعروبة والإسلام السلفي، حسب الدعوة الفرنسية، وقد رأينا أنه كان للطرق الصوفية والزوايا دور هام في حركة التعليم.

стр. 1755

الفصل الثالث السلك الديني والقضائي
следующие страницы →