← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وكان النقد غالبا موجها (للطرقية) دون تمييز، أي إلى الظاهرة في حد ذاتها باعتبارها مؤثرا اجتماعيا سلبيا ومعرقلا في مسيرة الإصلاح المنشود، ونظرا لعلاقة الطرق الصوفية بالاستعمار الفرنسي منذ تجريدها من سلاحها في فاتح هذا القرن وجعلها آداة في يد الإدارة، فإن الهجوم عليها كان (كاسحا) بالأولوية، وحتى الاستعمار نفسه، بقوانينه وتعسفاته، لم يحظ بمثل الهجوم الذي شن على الطرق الصوفية، ولعل الهجمة في الجزائر على هذه الظاهرة كانت أشد من غيرها في العالم الإسلامي (١)، نظرا لشراسة الاستعمار من جهة وسيطرة الطرق على عقول الناس من جهة أخرى، ففي غياب التعليم وفي ظل العزلة القاتلة حكم الفرنسيون على الجزائر بالإعدام المعنوي من خلال عدة ظواهر، ومن بينها توظيف الطرق الصوفية. ونادرا ما يذكر المهاجمون طريقة بعينها إلا العيساوية ربما، فقد انفردت أحيانا لشعوذتها وبهلوانيتها (ومثلها العمارية). وكذلك التجانية لغموضها وضلالتها و (إلحادها) على حد تعبير ابن باديس. فرغم دور التجانية في المغرب وفي غرب افريقية في مقاومة الاستعمار ونشر الدين الإسلامي، فإنها في الجزائر قد اعتبرت طريقة متسترة على فظائع الاستعمار، وقد لاحظنا ذلك في الجانب السياسي فيما مضى، أما الجانب العقائدي فقد ظهرت عدة كتابات في نقد بعض أذكار التجانية وما نسب إليهم من تفسير لبعض الآيات، وما نسب إلى شيخها من فتوحات وكشوفات لا تتلاءم مع التصوف السني، ومن تلك الكتابات النقدية ما ظهر في مجلة (الفتح) المصرية ونقلته عنها (الشهاب) (٢). ومنها ما كتبه محمد الحجوي المغربي في مجلة (الرسالة) ضد التجانية، وقد تبنى ابن باديس ما جاء به الحجوي وتوسع فيه، فإذا بأحد المغاربة وهو الشيخ أحمد سكيرج يرد على ابن باديس معتبرا إياه (مهدم الطائفة

стр. 1752

التجانية). ولم يكن ابن باديس فيما يبدو ضد الطريقة في حد ذاتها ولكن ضد أمور اعتبرها إلحادية وضالة ومنومة لأتباعها. وقد طلب من علمائها والمنتسبين إليها أن ينفوا ذلك عنها وأن يتبرأوا منه نفيا للتضليل في الدين، ولكنه قال إنه لم يتلق أو يقرأ بيانا في ذلك، إلا ما جاء على قلم سكيرج. قال الحجوي: (إن التجانية ليست كسائر الطرق بدعة وضلالة في الإسلام، بل هي هدم صريح وضد عتيد للإسلام ...). فأخذ ابن باديس هذه العبارات وأوضحها قائلا إنه صرح بما جمجم به الحجوي: (صرحنا فيه بذلك، وبيناه بدلائله، وبنينا كلامنا فيه على كلام الشيخ الحجوي، وطلبنا من جميع المنتسبين للتجانية أن ينفوا ما نسب إليها أو يتبرأوا منه، وتحديناهم في ذلك، فلم نر منهم جوابا من عالم إلى الآن)، ثم قال ابن باديس: (نعم، إن الحملة على الطرقية وبيان ضلالتها وفضح التجانية وبيان إلحادها، كل ذلك محمول على كاهلي ومربوط به رأسي، وإن كنت فيه كواحد من إخواني) (١). أما الشيخ أبو يعلى الزواوي فقد هاجم فكرة (المهدي) المنتظر من أساسها، واعتبر الإيمان بالعصمة والشعوذة من الضلالات، وقال إن ما جاء به ابن تومرت من مبدإ (الإمام المعصوم المهدي المعلوم) فكرة ملعونة، واعتبر هذه الدعوة التي جاءت في قواعد الدولتين الفاطمية والموحدية، دعوة المهدي والعصمة، إنما هي ضلالة ولعنة، وقد أخذها المتصوفة أيضا وبالغوا فيها، ولذلك سلط نقده العنيف على الطرقية وأدعياء العصمة في الشيخ،

стр. 1753

وقال إن الشيخ سعيد بن زكري (مدرس وإمام ومفتي) قد أيده فيما ذهب إليه (١). ولكننا لن نتتبع هنا كل الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع، فهي في الحقيقة تحتاج إلى معالجة منفصلة وهادئة في إطارها الحقيقي من تطور المجتمع الجزائري. وغرضنا الآن هو معرفة كيف انتهى مصير الطرق الصوفية. إنها لم تنته كما توقع الفرنسيون، ولم تتلاش، رغم الأدبيات التي صدرت ضدها، ورغم تطور المجتمع وظهور الحركات السياسية والإصلاحية وانتشار التعليم والوعي العام، ولكنها لم تبق كما كانت تخيف السلطة وتجند آلاف الجماهير، ونحن وإن كنا ننتهي بهذه الدراسة إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية فإننا نشير إلى أن ثورة نوفمبر قد جندت آلاف الإخوان الذين كانوا سابقا احتياطيين في الطرق الصوفية، وأن هذه الطرق في جملتها قد رأت في مجاهدي ١٩٥٤، صورة لمجاهدي القرن الماضي الذين قدمتهم فداء لتحرير الدين والوطن، وإذا أخذنا بنظرية الدورة التاريخية لابن خلدون والتي طبقها أوغسطين بيرك على الحركات الدينية في الجزائر، فإنه يمكن القول بأن ثورة ١٩٥٤ كانت إحدى الدورات - بعد الطرق الصوفية ثم جمعية العلماء - وإن الحركة الإسلامية التي ظهرت أخيرا ما هي إلا حلقة أخرى في هذه الدورة التاريخية، وقد رأينا في السنوات الأخيرة أيضا كيف انبعثت الطرق الصوفية من مرقدها نتيجة الضغط السياسي والانحراف الاجتماعي، لكن يجب ألا نضع كل الطرق الصوفية والمرابطين في كيس واحد، إن أصلها متشابه وممارساتها تكاد تكون واحدة، وأساليبها متقاربة، ولكن أهدافها ومواقفها ووسائلها قد اختلفت باختلاف رجالها وظروفهم، فمن الطرق الصوفية ما كافح بشتى الوسائل وكذلك المرابطون، ولكن الموجة كانت أعتى منهم، وقد ظلوا منطوين على أنفسهم ومخلصين لتراثهم النضالي فربوا جيلا على ذلك فكانوا الشرارة للثورة التي عرفتها الجزائر. وإذا بحث

стр. 1754

الباحثون مستقبلا عن أصول القادة والمناضلين البارزين فسيجدون منهم من كان له تاريخ طويل في النضال داخل الطرق الصوفية والحركة الدينية عموما، ولا ننسى أن بعض أصحاب الطرق قد اختار الهجرة، وهو موضوع لم نتناوله هنا، سيما من زواوة ومن تلمسان، كما هاجرت عائلات مرابطة إلى المغرب الأقصى من جهة معسكر. والتصنيف الفرنسي لدور الطرق الصوفية يصدق أحيانا إذا قيس بموجة الاحتلال نفسها، فهي قوية عاتية بين ١٨٣٠ - ١٨٦٠، ثم تأتي مرحلة المملكة العربية ١٨٦٠ - ١٨٧٠، حين تضاءل دور كبار الأعيان وحكام الخيام الكبيرة، ثم عادت قوة الاحتلال كأشد ما تكون بعد ثورة ١٨٧١ فضربت الجزائر في العمق، وتلا ذلك قوانين جائرة وتغييرات في البنية الاجتماعية، فكان رجال الزوايا والمرابطين والطرق هم الملجأ الآمن للناس، وكان صوتهم يمثله الشاعر الشعبي والمداح. ولكن ابتداء من فاتح هذا القرن غير الفرنسيون من تعاملهم وأخذوا في نشر التعليم بلغتهم وتقديم النخبة المتفرنسة، وتشجيع العلماء الرسميين على إعطاء الدروس العامة، ونشرت بعض الآثار والمخطوطات والصحف وفتحت النوادي، كل ذلك كان على أيدي الفرنسيين أنفسهم أو بتشجيع وإيعاز منهم، فإذا الطرق الصوفية تظهر وكأنها تخلفت عن الركب، وعندما ظهرت الحركة الإصلاحية في العشرينات والثلاثينات حاولت فرنسا بعث الحياة في الطرق الصوفية لتوازن بها (المتطرفين) دعاة الوهابية والعروبة والإسلام السلفي، حسب الدعوة الفرنسية، وقد رأينا أنه كان للطرق الصوفية والزوايا دور هام في حركة التعليم.

стр. 1755

الفصل الثالث السلك الديني والقضائي

стр. 1756

مدخل نتناول في هذا الفصل موضوعين رئيسيين، وهما الديانة الإسلامية والقضاء الإسلامي، ونحن لا نميل إلى استعمال كلمة (الديانة)، ونفضل بدلها كلمة الدين، وهو الإسلام عند الله وعندنا، ولكن الفرنسيين أبوا إلا استعمال كلمة الديانة التي هي ترجمة للكلمة الفرنسية (Culte). وكذلك كنا نفضل إطلاق كلمة القضاء بدون إضافة، وهي معروفة، ولكن الاستعمال التاريخي والإداري جعلنا نتحدث عن القضاء الإسلامي في مقابل القضاء الفرنسي الذي استحوذ بالتدرج على كل اختصاص كان للقضاء الإسلامي ما عدا الأحوال الشخصية. مجال هذا الفصل إذن هو شؤون الديانة ورجال الدين ورجال القضاء واختصاصاتهم وأصنافهم ورواتبهم وأنشطتهم وأدوارهم وأوضاعهم مع السلطة الفرنسية، (رجال الدين؟) أليس القضاة أيضا من رجال الدين؟ ألم يكن المدرسون أيضا من رجال الدين؟ نعم، هو كذلك تاريخيا، ولكن الأوضاع انقلبت في العهد الفرنسي، كان الدين هو أساس كل التصرفات والوظائف الأخرى قبل هذا العهد، فالقاضي يمكن أن يكون خطيبا ومدرسا وإماما، والعكس صحيح أيضا، ومنذ الاحتلال تفطن الخبراء الفرنسيون إلى هذه العلاقات الوطيدة فعملوا على الفصل بينها، ونشأت بذلك ثلاثة اختصاصات، وسندرج في الفصل أيضا شؤون الحج وسير بعض رجال الدين والقضاء، ونختم بالحديث عن تدوين الفقه الإسلامي. إن هناك رجل الديانة (الدين الإسلامي) وهو الموظف الرسمي القائم

стр. 1757

بأمر المسجد من صلاة وعبادة وفتوى وخطبة وحزب وأذان وجنائز وقراءة القرآن على الموتى، وما إلى ذلك. وهناك (المدرس) الذي احتفظ بلقب Mouderres حتى في الأدبيات الفرنسية، وهو ناشر العلم، وهو المعلم في المدارس والمساجد، وهو موظف رسمي أيضا، يعين بقرار حكومي، كرجل من رجال الديانة، ولكن المدارس قضى عليها الفرنسيون بالهدم ونحوه، فلم يبق إلا مدرسو المساجد (عدا مدرسي المدارس الرسمية الثلاث). وكان المدرس حرا في درسه يختار مادته كما يشاء، ولكن في العهد الفرنسي أصبح المدرس لا يدرس إلا أبوابا معينة من الفقه، والتوحيد، وأصبحت دروسه للعامة فقط وليست للطلبة والعلماء كما كان الحال في السابق، وبعد تنظيم دروس المساجد أوائل هذا القرن سمح للمدرسين أن يدرسوا مواد أخرى محددة كالنحو والصرف، ولكن للمترشحين للمدارس الفرنسية فقط وفي مراكز محددة، وغالبا ما كانت خارج المساجد، وألحق المدرسون حوالي سنة ١٩١٠ بسلك المعلمين وأخرجوا تماما عن السلك الديني. أما القضاء فقد أصبح وظيفا مستقلا عن الديانة والتدريس، لقد أصبح وظيفا سياسيا بكل معنى الكلمة، وكان القضاة قد بدأوا يمارسون نشاطهم الجديد في ظل المكاتب العربية، وهي مؤسسات عسكرية لإدارة شؤون الجزائريين في مختلف أنحاء المدن والقرى، كان القاضي تابعا ذليلا للعقيد الفرنسي الذي يترأس المكتب العربي. وكان القاضي مبغوضا في نظر المواطنين لأنه تابع لهؤلاء الحكام المستبدين ومنفذ لتعليماتهم، وكان هو تحت ضغط الحاجة والضمير والدين، بالإضافة إلى ضغط الفرنسيين الذين يشكون في نزاهة أحكامه وفي قدرته ويحيطونه بجهاز من الرقابة والتحقيق، ولذلك هاجر عدد من القضاة بعد أن تخلوا عن هذه المهنة الخطرة في تلك الظروف، وكان أجدادهم يعتذرون عنها حتى عندما كانوا مستقلين فيها لأنهم يعرفون أن معظم القضاة في النار، وأنها مهنة تورث أصحابها الهلاك وسوء المصير.

стр. 1758

وهكذا مر القضاء الإسلامي في العهد الفرنسي بأطوار سنعرفها. ولقد أضعف الفرنسيون جهاز التعليم منذ البداية فأهملوا المدارس والمدرسين واستولوا على الأوقاف، ووضعوا أيديهم على المكتبات والكتب، وراقبوا مواد التدريس وتحكموا فيها، فكان التعليم (التدريس) أول ضحية لإدارة الاحتلال التي شعرت بعدم الحاجة إليه مطلقا ما دام يتعلق بالمسلمين. بينما تحكم الفرنسيون في شؤون الديانة وحاولوا أن يجدوا موظفين يواصلون الصلوات بالناس ويقرأون على الأموات ويباركون أو يبررون الأعمال التي تقوم بها الإدارة، وكان قادة الفرنسيين يعتقدون أنهم بذلك قد حافظوا على (الدين المحمدي) كما نص عليه اتفاق يوليو ١٨٣٠، فكأن الدين الإسلامي عندهم هو فقط الصلوات وأوجه العبادات الأخرى، وقد استغلوا هذا السلك استغلالا شنيعا حتى كانوا لا يعينون فيه إلا من لا يروف خطرا عليهم، وهم أضعف رجال الدين وأكثرهم انقيادا، وبالتدرج انقرض هذا الجيل وجاء بدله جيل آخر تخرج من المدارس الشرعية الفرنسية الثلاث التي كان التعليم فيها موجها ومتواضعا سيما أمام انحطاط الوضع الثقافي وإهمال التعليم العمومي. وهذه المدارس الشرعية - الفرنسية هي التي أصبحت تخرج القضاة أيضا على المقاس الفرنسي، وأول شروط هذا المقاس هو معوفة الفرنسية وشيء من الفقه على قواعد مختصر الشيخ خليل والرسالة لأبي زيد القيرواني، وشيء من النحو في مستوى الآجرومية وقطر الندى، أما القاضي المتعمق في التراث الفقهي والعارف بالتفسير والحديث وأصول الفقه والمذاهب الإسلامية، والدارس للتاريخ الإسلامي والمدارس الفكرية فيه، فلا حديث عنه في العهد الفرنسي إلا ما شذ وندر وبجهود شخصية محضة، ثم إن هؤلاء القضاة قد سلبوا من اخمصاصهم من قبل القضاة الفرنسيين، فلم يعودوا مؤهلين للحكم في الجنايات ولا في المسائل التجارية ولا حتى في

стр. 1759

التركات إلا إذا كان المبلغ كذا وكذا. إن الفرنسيين كانوا يبحثون عن الأداة الاستثنائية، كما قالوا هم عن حسن بن بريهمات، وليس عن العالم الكفء المستقل بعلمه، كان يهمهم الشخص الطيع المنقاد الطماع الذي لا يهمه دين ولا ملة بقدر ما يهمه الجيب وإرضاء الأسياد، وقد أحس بعض الفرنسيين بذلك بعد حين وعلموا أن ذلك النوع من الناس يضرهم ولا ينفعهم على طول المدى، وأحس بعضهم بالندم على توظيف غير المؤهلين والجشعين والانتهازيين وضعاف العلم والنفس، ولكن الندم لم يعد يفيد، يقول أوغسطين بيرك، وهو الذي قضى معظم حياته في خدمة الإدارة الفرنسية في الجزائر مختصا بشؤون (الأهالي). يقول سنة ١٩٤٩ عن (غلطة فرنسا الكبرى) في هذا المجال: إن الخطأ الثقيل الذي ارتكبناه في سياستنا الدينية ... هو تساهلنا مع رجال رسميين جهلة وشرهين بدون ثقافة، وكل مؤهلاتهم هي ضحالتهم .. لقد رأينا أحد المفتين يطلب معلومة عند الشيخ الطيب العقبي حول طفل قطعه الأطباء مائة قطعة، وكثر الجدل حوله، ولكن هذا المفتي كان مخبرا للشرطة، ورأينا أكثر من موظف رسمي من هذا الصنف وهو يلقي خطبة في أحد المؤتمرات فأثار الضحك والسخرية بين علماء المغرب وتونس، إن هذا العالم الرسمي كان حلس مكاتب الشرطة أيضا، وكم من حزاب رأيناه لا يكاد يعرف مبادئ القرآن ويرتكب أخطاء فظيعة لا يقبلها حتى أكثر المسلمين تخلفا، لكن هذا الحزاب كان عميلا انتخابيا Agent Electorat. وقد ختم بيرك ملاحظته بقوله: إننا بذلك عجلنا بتدهور أصحاب الديانة الإسلامية التابعين لنا، إنها غلطة لا يمكن أن تغتفر، وها نحن ندفع اليوم ثمنها غاليا، لقد كان بيرك يكتب عن ذلك ليستنتج منه نتيجة وهي نجاح جمعية العلماء على حساب رجال الدين الذين وظفتهم فرنسا (١).

стр. 1760

ولعل أبلغ من ذلك قول (مجلة العالم الإسلامي) سنة ١٩١٠، والمقال ربما كان من تحرير مديرها عندئد (لوشاتلييه) الذي لم يوقع اسمه. يقول صاحب المقال: إن فرنسا قد اصطنعت في الجزائر (إسلاما) فريدا خاصا بهما، كما اصطنعت له رجالا من نوع خاص، وكل هذا الاصطناع جاء عن طريق اضطهاد المؤسسات الإسلامية، إن فرنسا قد دخلت إلى إفريقية الإسلامية عن طريق الجزائر. وخلال ثمانين سنة اصطنعنا إسلاما فذا في العالم، بدون أوقاف، وبمساجد إدارية، وأهل دين ورعين Dévôt Résansés، وقضاة موظفين، وحج برخصة، وها نحن نصوغ الآن (كودا) لقيطا من إنتاج الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي (١). إننا خلال ٤٠ إلى ٥٠ سنة من الحملات والجيوش يمكننا أن ننسب نصفها على الأقل إلى اضطهاد المؤسسات الإسلامية، إنه لا يمكن الآن الرجوع إلى الوراء لكي نؤسلم الجزائر من جديد، إن الإساءة قد وقعت (٢). والواقع أنه منذ ١٨٣٣ أخبرنا حمدان خوجة بأنه لم تبق للعلماء جرأة أمام الحكام الفرنسيين المتغطرسين، فالعلماء لا يقولون ما يغير مزاج هؤلاء الحكام، لأن نفي القاضي وقع بدون وجه حق، وأن كلوزيل Clauzel نفى المفتي - شيخ الإسلام - بعد أن ادعى عليه دعوات ونصب له حيلا، وقال خوجة معلقا على هذا الوضع: إن علماءنا يفنون شبابهم في العلم في الجوامع، وكانوا لا يختلطون بالناس، ولا علم لهم بالشؤون السياسية، ولا مخالطة لهم مع الملوك والسلاطين، فإن قالوا أو سكتوا عن خوف حكم عليهم بالنفي أو الحبس (٣). وفي هذا الجو إذن نشأت الهيئة الدينية (الإسلامية) التابعة للإدارة الفرنسية.

стр. 1761

الهيئة الدينية وجد الفرنسيون ساعة الاحتلال هيئة دينية قائمة الذات، وكانت تتألف من العلماء الذين يشملون القضاة والأيمة والمفتين والمدرسين، الخ، وكان على رأس هؤلاء (شيخ الإسلام). الذي كان مقدما عن جميع العلماء، وكان في المراسيم الرسمية يقدم على غيره احتراما للدين والعلم، وللعلماء مجلس أعلى يعقد أسبوعيا للنظر في القضايا الشائكة أو المعلقة التي لم يستطع القضاة أن يجدوا لها حلا، وكان يحضر هذا المجلس المفتون والقضاة وكبار العلماء والداي أو ممثله، وفي عاصمة كل إقليم (قسنطينة، وهران بالخصوص) مجالس مشابهة، وفي قسنطينة بالذات كان منصب شيخ الإسلام منحصرا في عائلة الفكون منذ القرن العاشر الهجري، وكان مقدما على جميع العلماء وله مكانة روحية وسياسية يستطيع بها أن يسقط البايات وأن يحمي الهاربين إليه من الحكم بالإعدام، وبالإضافة إلى ذلك كان شيخ الإسلام معفي من الضرائب وكل الالتزامات المالية (١). هذا الوضع كان يعرفه الفرنسيون جيدا عند الاحتلال، وقد عنوه، كما عناه الداي، عندما وقعوا اتفاق ١٨٣٠ الذي نص على حرية العقيدة وعلى احترام الدين الإسلامي والمساجد، الخ، ولكن ذلك الاحترام لم يدم طويلا، وكان الاتفاق المذكور، كما قال عنه كلوزيل، وهو يرد على حمدان خوجة، مجرد (لعبة حرب) في نظرهم، وهكذا بقي الإسلام تحت النفوذ الفرنسي، مضطهدا أكثر من قرن، كما قال ماسينيون (٢). ومن أوائل ما فعل الفرنسيون هو نفي (شيخ الإسلام) وهو محمد ابن العنابي، وإلغاء هذا المنصب سنة ١٨٣٠، كما أن وظيفة شيخ الإسلام قد ألغيت في قسنطينة منذ احتلالها سنة ١٨٣٧، وكان آخر من لقب بذلك هو محمد الفكون الذي كان عمره ثمانين

стр. 1762

سنة عند احتلال المدينة. وقد أحس بعض الفرنسيين بالخطأ الذي ارتكبته بلادهم - في حق نفسها - بإلغائها وظيفة شيخ الإسلام، لأنه كان بإمكانه أن يفيدها في العالم الإسلامي، وأن يكون صاحب سلطة مركزية لأهل الدين في الجزائر، ومن خلاله كان يمكن لفرنسا أن تحصل على الفتاوى والآراء التي تحتاجها، كما كان يفعل حكام الدولة العثمانية ومصر والمغرب الخ، إذ كان لهؤلاء مرجع في الشؤون الدينية، وأما في الجزائر فليس للديانة مرجع أو رأس منذ الاحتلال، فكل إمام أو مفتي أصبح مستقلا في وظيفته في مسجده ولا يخضع إلا للسلطة الإدارية الفرنسية التي يقع مقر إقامته فيها، ومن رأى بعض الفرنسيين أيضا أنه لو حافظت فرنسا منذ البداية على منصب شيخ الإسلام لما تطورت الحياة الدينية في الجزائر على النحو الذي تطورت به، من ظهور حركة الجهاد بقيادة الأشراف ورجال الطرق الصوفية والمرابطين، بطريقة فوضوية، ولو فعلت فرنسا ذلك لاستطاعت أيضا أن تعزل مسلمي الجزائر عن إخوانهم مسلمي المشرق، لأن صاحب منصب شيخ الإسلام، سيكون في نظر هذا الفرنسي، من صنيعة فرنسا وتحت تصرفها، ولكان عليها أن تفعل ما فعله سلاطين المغرب الإسلامي بعد انفصالهم عن خلفاء بغداد ودمشق، وكان صاحب هذه الفكرة قد طرح اسم شيخ الطريقة التجانية (سنة ١٨٨٤) كمرشح لهذا المنصب الأداة (١). ولكنه مع ذلك رأى أن الزمن قد فعل فعله وأن الفكرة قد تكون خيالية. اكتفى الفرنسيون بالإبقاء على منصب (المفتي). وفي المدن الرئيسية أبقوا على مفتي للمذهب المالكي وآخر للمذهب الحنفي، وكان المفتي يمثل اللقب الأكثر رفعة واحتراما نظريا، وهو في نظر المسلمين العالم الذي يجمع بين العلم وسعة الأفق والتدوين والمعرفة العميقة بالعلوم الإسلامية والعلوم

стр. 1763

العربية، بالإضافة إلى التوازن في الرأي والأخلاق الكاملة والنزاهة، ومن للجزائر بذلك الرجل في العهد الفرنسي؟ إن المفتي في نظر الفرنسيين هو مجرد (رجل ديانة) ويحمل لقب المفتي شرفيا فقط، وهو لقب أعطته له فرنسا التي تختاره عادة من بين الأئمة البارزين، ويقول السيد لويس رين: إن لقب المفتي في البلاد الإسلامية يتجاوز لقب القاضي، ولكنه في الجزائر مجرد لقب شرفي. وللمفتي دائرة تصرف محددة، فهو الذي يشرف على الأئمة في دائرته أو مدينته، وهو (رئيس الديانة) كما يقولون، وليس للمفتي يد على الإمام الواقع خارج المدينة أو الدائرة المحددة له، فالإمام هنا يصبح مستقلا تماما عن المفتي، ولا وجود لسلالم إدارية بينهما، لا دينيا ولا إداريا، وكل من المفتي والإمام تختاره السلطات الفرنسية مبدئيا من بين المتعلمين ومن بين الشخصيات التي انحازت للقضية الفرنسية، كما يقول رين (١). وما دام المفتون مرتبطين بالقضية الفرنسية فإنهم كانوا ناعمين في مواقفهم من القضية الوطنية والدينية، وكانوا، كما قال خوجة، قد فقدوا الجرأة والغيرة الدينية مع الأيام، فلم يكونوا ليرفضوا للفرنسيين طلبا أو يواجهوهم برأي، وتصفهم بعض المصادر بأنهم كانوا أكثر من مدجنين، لقد كان فيهم حتى المتفرنسون جدا، على حد تعبير رين، وكانوا يعرفون أنفسهم أنهم تحت رحمة الإدارة الفرنسية، هي التي توظفهم وتدفع إليهم الأجور، ولم يعد حالهم كحال أجدادهم يعيشون من مصادر الأوقاف بعيدين عن سلطة الحكام، ولذلك وصفوا (بالشجاعة) أيضا، لأنهم في موالاتهم للفرنسيين كانوا يغضبون مواطنيهم ويثيرون الشكوك من حولهم، وكان هؤلاء (الشجعان) المتفرنسون جدا، يستضيفون، سيما في المدن الساحلية، الشخصيات الفرنسية وعائلاتهم لحضور الحفلات الاجتماعية والمواسم

стр. 1764

الإسلامية في المساجد الرئيسية، وكان ذلك تطوعا منهم، كما كانوا يأتون أيضا لحضور الصلوات الدينية الكاثوليكية والمناسبات الرسمية، ويحضرون إنشاد (التوديم) Tedem، والقداسات الكنسية عند الدفن، أو عند زواج الفرنسيين الذين يعرفونهم (١). ولا شك أن الفرنسيين كانوا يعتبرون ذلك تحررا وليبرالية من هؤلاء الأئمة والمفتين. ويسري هذا التوظيف أيضا على القضاة والمدرسين، وقد ذكرنا أن اهتمام الفرنسيين الأول كان لإدارة القضاء، أي بتعيين شخصيات دينية في مناصب الحكم بالشريعة تحت الإدارة الفرنسية، وكان هؤلاء أيضا موظفين مأجورين بعد أن كانوا يعيشون من مال الأوقاف ومستقلين، وسنتحدث عنهم بتوسع في فقرة أخرى، أما المدرسون فقد أهملت وظيفتهم لعدم الحاجة المستعجلة إليهم بالنسبة للفرنسيين ولأنهم عبء على ميزانية الإدارة بعد اغتصاب الأوقاف، ويهمنا من الصنفين: القضاة والمدرسون، أنهم أصبحوا بحكم الوظيف الرسمي منبوذين عند الأهالي وغير موثوق فيهم، فهم أيضا كانوا من الهيئة الدينية الجديدة (٢). من الناحية الرسمية والشكلية أيضا، اتخذت منذ أول جمعة بعد الاحتلال صيغة دعاء حذف منها اسم السلطان العثماني الذي كان دعاء صلاة الجمعة باسمه، ففي الخميس الأول بعد الاحتلال اجتمع مجلس من العلماء ورجال الدين في المدينة، بطريقة تلقائية، حسب رأي رين، وذلك لدراسة موضوع صلاة الجمعة والدعاء فيها، وبعد مداولات طويلة، انتهوا إلى الصيغة التالية في الدعاء دون الإشارة إلى اسم السلطان: (اللهم أيد من أيد الملة الحنيفية، وأحيي قلب من أحيى السنة النبوية، ونجنا من الفتن الدنياوية والأخراوية، إنك على كل شيء قدير)، وقد قدمت هذه الصيغة إلى قائد الحملة الفرنسية، بورمون Bourmont، فوافق عليها، وقد استمرت هذه

стр. 1765

الصيغة إذ وافق عليها أيضا بقية الحكام العامين باسم فرنسا، وجعلوا هذا النص رسميا حتى بعد تغيير النظم السياسية الفرنسية (ملكية، جمهورية، الخ ..) ويعترف رين أن بعض (المتعصبين) الجزائريين كانوا يدعون في الصلاة إلى السلطان فتقوم السلطات الفرنسية بمعاقبتهم، هم والمتواطئون معهم، على هذه التظاهرات المعادية لفرنسا، في نظره، وكان الفرنسيون يعرفون أن ذلك نوع من أنواع المقاومة للاحتلال. ومن جهة أخرى كانت (الفاتحة) تضاف إلى صلاة الجمعة بمناسبة بعض المواسم الفرنسية أيضا، كطلب الغفران، و (التوديم) الخ، وذلك بأمر يصدر من الحاكم العام، وقد استندوا في ذلك إلى أن الفاتحة هي التي تقرأ في الاحتفالات العامة في الدول الإسلامية، ولكن شتان بين المقامين، وكان الإمام يدعو قبل ذلك بالدعاء التالي: اللهم أيد حكومة فرنسا المباركة La Fortunè. ويذهب رين إلى أنه لم يصدر نص رسمي في ذلك (١). واعتقد بعض الحكام الفرنسيين في الجزائر أنهم يمثلون شعبأ مسلما، فقلدوا الحكام المسلمين أيضا في صيغة الأختام والطوابع التي يختمون بها أوامرهم ونواهيهم، وأول من فعل ذلك هو الماريشال بوجو سنة ١٨٤٣، فقد أخذ برأي مستشاريه الذين نصحوه بتقليد الحكام والأمراء المسلمين في مصر وتونس والمغرب الأقصى واسطانبول، وكذلك دايات الجزائر السابقين، وذلك بطبع ختم يحمل عبارات دينية وحكمة عقلية، ولعل بوجو كان في ذلك منافسا للأمير عبد القادر الذي جعل ختما فيه العبارة التالية: (ناصر الدين عبد القادر بن محيي الدين)، ثم قلده من جاء بعده من الحكام الفرنسيين، ومنهم أمير البحر ديقيدون، ولويس تيرمان، وجول كامبون، وليبين وجونار، وكان الختم مكتوبا بالعربية المسجعة عادة مع اسم الحاكم العام، وهو عادة يحمل تاريخ التولية، وفيه الهلال والنجمة في غالب الأحيان

стр. 1766

بالإضافة إلى الزخرفة العربية، أما أشكال الختم فكلها دائرية وإنما التصرف يكون داخل الدائرة حيث يتفنن الفنانون في تنميق الكلمات والسطور حسب المساحة، فأحيانا يكتبون العبارات في أربعة سطور وأحيانا في خمسة سطور، وكذلك حسب الشكل والمساحة المتوفرة، وكلمة الجزائر تكتب أحيانا (الجزائرية) وحدها، أي الحكومة أو الولاية، وأحيانا تكتب مسبوقة بكلمة عمالات وأيضا ولاية في بعض المرات، مع ملاحظة أن تواريخ التولية كلها بالأرقام العربية - الهندية المستعملة الآن في المشرق. وهكذا كان اسم ليبين مكتوبا: (الواثق بالمعين، عبده ليبين، وإلى عموم قطر الجزائر، وقاه الله سوء الدوائر، سنة ١٨٩٧). والختم دائري كبير، والكتابة في خمسة أسطر، وتحيط بالدائرة زخرفة عربية وأهلة ونجوم. وجاء ختم جونار حاملا العبارة التالية: (الواثق بالفاعل المختار، عبده جونار، سنة ١٩٠٠، وإلى عموم الجزائرية، حفظه الله في السر والعلانية). وفي أعلى الختم هلال ونجمة، والكتابة في أربعة سطور ضمن شكل هلالي وتحيط بذلك زخرفة عربية. وعبارة ختم ريفوال هي (المعتصم بذي الجلال، عبده ريفوال، سنة ١٩٥١، وإلى عموم الجزائرية، صانه رب البرية). والكتابة في أربعة أسطر، داخل نجمة مثمنة الشكل، وجزء من الكتابة داخل شكل هلالي في سطر واحد، مع دائرة مزخرفة. وختم لافيريير هو (الواثق بالقدير، عبده لافيريير، وإلى عموم الجزائرية، حفظه الله في السر والعلانية، سنة ١٨٩٨). وكتابته في خمسة أسطر، وسط دائرة، والبقية مثل ختم ليبين. أما ختم جول كامبون فيحمل هذه العبارة: (الواثق بمن أمره بين الكاف والنون، عبده جول كامبون، سنة ١٨٩١، الوالي العام بالولاية الجزائرية، حفظه الله في السر والعلانية). والختم دائري الكتابة، ما عدا الاسم والتاريخ، وكلها جاءت في ستة سطور، والإشارة بالكاف والنون إلى كلمة

стр. 1767

(كن). فعل الأمر من كان، والمقصود به الله ﷻ . وكان ختم لويس تيرمان يحمل العبارات التالية: (الواثق بالرحمان، عبده لويس تيرمان، سنة ١٨٨٢، الوالي العام بالعمالات الجزائرية، حفظه الله لحفظه المكنون). والسجع هنا غير وارد في العبارة الأخيرة، وكلمة لحفظه موجودة كذلك، وهي تعني (بحفظه). والختم غير مزخرف. وأما ديقيدون فقد اختلف ختمه عن المتأخرين ولا ندري أختام من سبقه لنقارنها به، خالف أولا بوضع كلمتين لاتينيتين داخل الختم، وهما كلمة Evince أو (النصر) وكلمة Eguida أو (القوة). وخالف ثانيا بعدم ذكر اسم الجزائر في الختم ولا ما يدل عليها، وخالف ثالثا في كونه وضع في الختم رسم جهاز رسو السفن وصورة الأسد والصليب ... وأما العبارة العربية الواردة في الختم فهي (المتوكل على مولاه في السر والجهر، والي الولاية الكونت ديقيدون أمير البحر) (١). ولا شك أن اختيار العبارات الدينية والكتابة بالحروف العربية واستعمال السجع كلها تدخل في التقرب إلى نفوس الجزائريين ظاهريا، ولعلها تدل على أن الفرنسيين قد ظلوا عمليا ينظرون إلى الجزائر على أنها بلاد إسلامية مستعمرة، رغم أن دستورهم يقول إنها جزء لا يتجزأ من فرنسا، فالحكام في فرنسا نفسها لا يستعملون اللغة العربية والعبارات الدينية الإسلامية من مثل: الواثق بالقدير، والمتوكل على مولاه في السر والجهر، والمعتصم بذي الجلال، والواثق بالرحمان، وحفظه الله في السر والعلانية .. وقد كانت الهيئة الدينية في الجزائار تتأثر بذلك، وكانت تنقل ذلك التأثر إلى غيرها. ونرى من الضروري أن نذكر عناية الأمير عبد القادر بالشؤون الدينية

стр. 1768

ومناسباتها منذ تأسيسه أول دولة جزائرية في العصر الحديث قائمة على مبادئ الشريعة الإسلامية، وقد شهد الفرنسيون الذين حضروا احتفالاته بالمناسبات الدينية بأنها كانت مثالا في الاهتمام والبساطة أيضا، وقد رتب الأمير الوظائف الدينية وكانت بلا أجر، وكان هو الذي يعين الإمام والقاضي، غير أنه جعل للقضاة راتبا، كما سنرى، ليكفيهم الطمع في حاجات الناس، فالمؤذن والإمام كانا بدون أجر، وفي أغلب الأحيان ليس هناك جامع مبني وإنما هناك خيمة كبيرة تقام فيها صلاة الجمعة وهي خيمة الإمام، وكانت خطب الجمعة تحث على الجهاد وتذكر المصلين بالآيات التي تنص على مجالدة الغزاة، وكان منصب الإمامة شرفيا فقط، ولا يعهد به إلا لمن عرف بالصلاح والتدين والعلم والنزاهة، أما عند سماع الأذان اليومي (الصلوات الخمس) فإن الناس يصلون حيث كانوا جماعة أو فرادى (١). ونلاحظ أن هذه الطريقة جديدة في القيام بالوظائف الشرعية، فهي قبل كل شيء عمل تطوعي وفرض كفاية، وهي وظائف لا تغطيها أموال الأوقاف، كما كان الحال في العهد العثماني ولا أموال الدولة كما أصبح الحال في العهد الاستعماري، ذلك أن الهيئة الدينية (الكليرجي) التي أنشأتها فرنسا أصبحت معتمدة كل الاعتماد على الحكومة الفرنسية في الحركة والسكون وفي المعيشة، ومن ثمة فقدت استقلاليتها وحريتها. وللإمام في زواوة عشية احتلالها، وظائف عديدة، وهو يتقاضى عليها مالا من أهل القرية، وهو عندهم يسمى المرابط أيضا، فهو الذي يؤمهم في الصلاة، ويحضر المناسبات الدينية والاجتماعية كعقود الزواج والولادات والجنائز، وهو الذي يقوم بتعليم الصبيان القرآن ومبادئ الدين والقراءة والكتابة في مدرسة خاصة، ومن مهمات الإمام أيضا الكتابة لأمين الجماعة، فكل محررات أو محاضر الإدارة تصدر عن الإمام، وإذا خلت قرية من مرابط

стр. 1769

تختار الجماعة الإمام، وكانت الإمامة وراثية في بعض العائلات الدينية، رغم وجود متعلم أفضل من الوارث، والمرابطون هم الذين يختارون الإمام سواء منهم أو من خارجهم، وإذا كان وارث منصب الإمام رجلا أميا بالميلاد فإن الجماعة هي التي تختار مرابطا متعلما ليتولى الإمامة. وفي مقابل الوظائف المذكورة يتلقى الإمام من القرية مبلغا ماليا، وله الحق في السكنى إذا كان غريبا عن القرية، وله الحق أيضا في الحطب للتدفئة، والماء الذي يكفيه لعائلته، ومن واجبهم أيضا تقديم بعض الهدايا إليه من قمح وشعير وتين وزيت، كل حسب طاقته، وللإمام المعلم فوائد إضافية، وهو يتمتع بالحصانة والاحترام (١). ومن المفهوم أن التوظيف الرسمي، وتقاضي الأجور من الإدارة الفرنسية، ثم هذه التبعية الناعمة لرجال الدين (الفقهاء/ العلماء) هي التي جعلتهم لا يقنعون مواطنيهم بنزاهتهم وخدمتهم للدين، وسيتأكد الفرنسيون من أن سياستهم تلك قد أدت إلى تخلي المسلمين عن الهيئة الدينية الرسمية والاتجاه نحو المرابطين المقاومين في البداية ثم نحو الطرق الصوفية كبدائل لرجال الدين، فقد كان علماء الإسلام يعتبرون حراس الدين وحماته و (مصابيح الظلام) وأهل العلم والحكمة، أما في العهد المدروس فقد أصبحوا أدوات في يد السلطة الفرنسية تقؤلهم ما تشاء وينطقون باسمها ما تريد، ولم يكن يشاطرهم في سمعتهم ومكانتهم سوى رجال التصوف والمرابطين، وقد أدى تعاون فرنسا ورجال الدين الرسميين إلى ابتعاد الناس عنهم، وهكذا بقيت (الهيئة الدينية) بدون نفوذ ولا تأثير، وكان دورها يقتصر على إقامة الصلوات الخمس وأداء الجمعة والأعياد، دون أن ينسوا أنهم موظفون رسميون ماجورون من قبل الإدارة الفرنسية. ولعل أول وثيقة صدرت عن رجال الدين بالمعنى الذي نقصده، وقبل أن تتبلور الأمور، هي النداء الذي صدر عن القاضيين والمفتيين سنة ١٨٣٠ -

стр. 1770

أسابيع فقط بعد احتلال العاصمة - والموجه إلى سكان متيجة والمدية، بمناسبة خروج قائد الحملة للنزهة والتفرج، حسب تعبيرهم، ونحن نعلم أن كلا من بورمون وكلوزيل قد حاول فك الحصار المضروب على العاصمة والخروج نحو الجنوب لاكتشاف المواقع ولاختبار إرادة السكان الذين قاطعوا أسواق المدينة والتعامل معها بعد احتلالها، فالخروج لم يكن للنزهة والتفرج وإنما كان للاستكشاف وجس النبض. صدر النداء المذكور من المفتي (شيخ الإسلام) محمد ابن العنابي قبل الحكم عليه بالنفي من كلوزيل، والمفتي المالكي علي بن محمد المانجلاتي، والقاضي الحنفي الذي لم يذكر اسمه في الوثيقة لأن بورمون قد نفاه، والقاضي المالكي مصطفى بن محمد، وهو هنا ابن الكبابطي الذي سيتولى الفتوى مكان المانجلاتي بعد وفاته، وسيكون مصيره النفي أيضا على يد بوجو سنة ١٨٤٣ (١). وبذلك يكون أصحاب هذا النداء الثلاثة قد نفاهم الفرنسيون، أما الرابع فقد توفي طبيعيا، والنداء قد أعلن للسكان أن القائد الفرنسي سيتوجه إلى متيجة والمدية دون نية له في الحرب ولكن للتعامل وشراء البضائع، وأن على السكان ألا يواجهوه بالحرب، لأنه، إذا فعلوا ذلك، سيحاربهم دفاعا عن نفسه، واستشهد هؤلاء العلماء خطأ بالآية الكريمة: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾. وقد تبين أنهم كانوا مخطئين في قراءتهم لنوايا الفرنسيين، فهؤلاء كانوا ينوون الاطلاع على عورات المسلمين ونقاط ضعفهم وجلب المواد الغذائية، ومن ثمة معرفة القوة والضعف لكي يتوسعوا بعد ذلك في الاحتلال، والدليل على ذلك أنهم أرسلوا أسطولهم إلى كل من وهران وعنابة أيضا في نفس الوقت، وأنهم حولوا النزهة إلى غزوة في كل من البليدة والمدية، وكم من مرة استعمل علماء المسلمين والعرب في العصر الحاضر الآية المذكورة غفلة منهم أو تضليلا لشعوبهم، لأن شروط الجنوح إلى السلم معروفة، وهي غير متوفرة. لقد احتج علماء سنة ١٨٣٠ بحسن نية القائد الفرنسي، وكونه حلف

стр. 1771

بالإيمان المغلظة، ووضع ختمه الخ، ولو علموا ما في الصدور لما تعهدوا أمام مواطنيهم طالبين منهم السلم (والصلح خير) ولما أوقعوا بأنفسهم في هذه الورطة أو الغلطة، يقول النداء: (إلى إخواننا المسلمين في البلدان والقرى من عرب وأتراك وقبائل ... أما بعد اعلموا .. أن الجلنار، السر عسكر (١)، الذي ملكه الله بلادنا بحكمه النافذ وتقديره السابق (٢)، قد علمنا منه وتحققنا أن خروجه إلى ناحيتكم لم يكن بقصد حرب ولا قتال، وإنما هو بقصد الاستيلاف (٣) والتفرج وإعانة الضعفاء، وأنه يسالم من يسالمه، ويحسن إلى جميع من لقيه بغير سلاح، ويعطي ثمن كل ما يشتريه، ممن يأتيه به بثمن يرضيه، وأعطانا عهد الله وميثاقه على ذلك بإيمان مغلظة بحيث لم يبق لنا شك في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وتوكل على الله﴾. ونصيحتنا لجميعكم هي أن تجنحوا إلى ما أمر الله، وصونوا دماء المسلمين، ونحن نضمن لكم أن لا يعتريكم منه في خروجه هذا ما يضركم، لا فرق في ذلك بينكم وبين من بالمدية، فإنه آمن على نفسه وبلاده وعساكره ما لم يتعرض لمكروه، فأما من شهر السلاح وأراد الحرب منكم فوباله على نفسه (٤). والسر عسكر مجبور (عندئذ) على مدافعته ومقابلته بالحرب، (والصلح خير). وكل حد (أحد؟) مقرر على دينه (٥) وأملاكه وما تحت حوزه، وهذا ختمه وطابعه مقرر لما أعلمناكم به) (٦).

стр. 1772

هذه هي الخطوات الأولى في توظيف رجال الدين في الجزائر من قبل الفرنسيين، وقد استمر هذا الدور لهم مدة العهد الاستعماري، وكان منهم من استقال من وظيفه واختار العافية، ومنهم من هاجر تاركا وطنه وذكرياته، ومنهم من انتبه ضميره ولكن بعد حين، وأغلبيتهم رضيت بالحياة الذليلة وعاشت على الأجر القليل، سيما بعد أن تقدم العهد وانقطعت الصلات بالماضي ورجاله، فالهيئة الدينية كانت خليطا من الغث والسمين، وكان لبعضهم ظروفهم التي أملت عليهم هذا الوضع المحرج. فمن هم عناصر هذه الهيئة؟ إنها تتألف من المفتي، والقاضي، والإمام، والمدرس، والخطيب (إمام الجمعة والعيدين). والباش حزاب، والطلبة، والباش مؤذن (أو المؤقت). والمؤذن، وقراء تنبيه الأنام، والحضور، والشعالين، والكناسين، والوكلاء، والمؤدبين. ولا شك أن حجم هذه العناصر قد ازداد في آخر القرن الماضي وأوائل العشرين، ولا سيما بعد التوسع في تعليم المساجد (١٨٩٨ - ١٩٠٠). وبعد إعادة النظر في سياسة فرنسا في العالم الإسلامي، وفي خطبة له عن الوضع العام في الجزائر سنة ١٨٩٦ قال جول كامبون إن عدد موظفي الديانة والقضاء في تلك السنة قد بلغ الألفين، وكان حريصا على ذلك منعا لتوظيف (أجانب) عن المدرسة الفرنسية كخريجي الزوايا والمعاهد الإسلامية في المغرب وتونس (١). وفي عهد كامبون أيضا كانت الوظائف التقليدية ما تزال مطبقة في أغلبها، رغم أن بعضها قد يكون تقلص، وقد فصل لنا ديبون وكوبولاني سنة ١٨٩٧ هذه الوظائف، وعندما نتامل في تعاريفهما لا نجد إلا قليلا من التغيير قد حدث لها ولأهلها، ويجب أن نلاحظ أن هذه المعلومات قد كتبت قبل إعادة تنشيط التعليم في المساجد بالطريقة الفرنسية، كما ننبه إلى أن وظيفتين

стр. 1773

قديمتين غير مذكورتين وهما الشاوش والعون، ويمكن أن نضيف إلى ذلك وظيفة الخوجة، وكان الخوجة هو مساعد الوكيل في الحسابات، والشاوش يساعد المفتي في الجامع، وقريب منه العون. يعرف ديبون وكوبولاني المفتي في العهد الفرنسي (وهو ليس في درجة المفتي بالمشرق، كما عرفنا) فيقول: إنه يمثل أعلى درجة في السلم الديني، وهو الذي يدير الجامع الرئيسي، وهو رئيسه، ويؤدي صلاة الجمعة، ويعلم التوحيد (؟) ويصدر الفتوى، وعلى هذا النحو فالمفتون متساوون وليس بينهم سلالم أو تفاوت. والخطيب موجود فقط في جامع الصنف الثاني، وهو يؤدي وظائف في نظر ديبون وكوبولاني، شبيهة بما يقوم به رجال الدين الفرنسيين في كنائسهم، فهو يشرف على الشؤون الدينية، ويسهر على المسجد التابع له، ويقوم أيضا باداء صلاة الجمعة كالمفتي، ويلقي خطبتها وخطب الأعياد والمواسم الأخرى. ويلقي المدرس درسا في المستوى العالي في التوحيد والفقه والنحو والأدب وعلم الفلك، الخ، وهذا نظريا فقط، لأننا عرفنا أن هذا النوع من التدريس قد اختفى مع السنوات الأولى للاحتلال، وحتى بعد تنظيم التعليم المسجدي وضعت السلطات برنامجا محددا للمدرسين وبالتدرج، وبتوصيات المفتشين الفرنسيين تحولت الدروس من المساجد إلى مؤسسات تعليمية فرنسية، ثم فصل المدرسون تماما عن جسم السلك الديني الإسلامي وألحقوا بإدارة التعليم العام الأهلي، وقد صدق ديبون وكوبولاني في قولهما إن المدرس هو أكثر رجال الدين تعلما، وأنه هو الذي يكون التلاميذ والطلبة الذين من بينهم يترشح المترشحون لمنصب الفتوى والقضاء، غير أن هذا المنصب في الحقيقة كان تعيينيا وليس مسابقة أو نحوها، إن السلطة هي التي تختار الإطارات، وهم عادة من الذين خدموا مصالحها المختلفة، بما فيها المخابرات والتجسس على مواطنيهم،

стр. 1774

ويأتي بعد ذلك الباش حزاب والحزابون، وهم الذين يقرأون أجزاء من القرآن أو كله، ويقول المؤلفان المذكوران إن عددهم يصل عادة إلى الستين شخصا، وهم طبقات، بعضهم يقرأ في الصباح عند الفجر، وعند العصر، وهم يفعلون ذلك بطريقة تمكنهم من ختم القرآن كل شهر، ويقرأ حزابة النهار عند الظهر فقط، وفي نهاية العام تكون الطبقة الأولى قد ختمت القرآن اثني عشر مرة والطبقة الثانية ست مرات فقط. والباش مؤذن (المؤقت) والمؤذنون العاديون يقضون الأربع والعشرين ساعة منشغلين بالوقت بالتناوب، وهم ساهرون دائما لتحديد أوقات الصلاة والمناداة لها من أعلى الماذن في أوقاتها المضبوطة، والمفترض فيهم أنهم ذوو أصوات جهورية ويمتازون بحسن الأداء. ووظيفة (تنبيه الأنام) تعني قراءة القراء المكلفين بهذا الكتاب أو غيره من كتب السيرة والدين، خلال ساعات معينة، ويختار القارئ عادة كتب الصلوات والدعوات وشمائل الرسول ﷺ وأعماله لتكون قدوة للمؤمنين، وتكثر قراءة تنبيه الأنام بالخصوص يوم الجمعة منذ الساعة الحادية عشر والنصف أو قبل الصلاة بحوالي ساعة أو عندما يرتفع علم أخضر على المئذنة، ويكون جمهور المصلين عندئذ قد اجتمع في الجامع، ويبدو أن القراءة كانت جهزية بحيث ترتفع الأصوات وتحدث أثرا مهيبا في النفوس. ويختلف تعريف (الحضور) نوعا ما عما عرفناه في العهد العثماني، فهو عندئذ عبارة عن قراءة سردية لصحيح البخاري في المناسبات المعينة، أما ديبون وكوبولاني فيقولان إنه اجتماع (الطلبة) - القراء - الذين يتابعون دروس المدرس في مساجد الدرجة الأولى، فهذا التعريف يصدق على المتعلمين في وقتنا الحاضر، وهم المستمعون الذين لهم رغبة في التعمق في الدين، وأيضا قدما لنا تعريفا غير دقيق (لناس الحضور). ولا ندري من قدم لهما المعلومات عن هؤلاء الموظفين، فقالا عن ناس الحضور بأنهم

стр. 1775

أولئك الذين يشتركون في حضور درس المدرس أو المفتي في مساجد الصنف الأول، ويشتركون في الاستماع للكتب الأكثر تقديرا عند المسلمين، وهو تعريف مأخوذ من اللفظ فقط، ولا علاقة له بالواقع في أغلب الظن. ثم يأتي دور الشعال أو السراج، وهو الذي يقوم بإسراج المصابيح في الأوقات المحددة، وإطفائها أيضا، ولعله هو الذي يملأ المصابيح زيتا، وينبه على نفاد الزيت، ثم الكناس وهو الذي يقوم بالتنظيف العمومي للمؤسسة من غبار وعنكبوت وغير ذلك، كما أنه يقوم بغسل المطاهر وتوفير الماء للوضوء، ويعتبر عمل السراج والكناس من الأعمال اليدوية الشائعة إذا قيس بالوظائف الدينية الأخرى (١). والطلبة (بضم الطاء وتسكين اللام) هم التلاميذ، طلاب العلم عادة. وهم الذين يوظف منهم السابقون، وأحيانا يطلق الاسم (الطلبة) على العلماء أنفسهم، كما يطلق على من يحفظ القرآن للأولاد، وهم المؤدبون عندئد. وقد تعتقد أن هذه الوظائف الدينية والتعليمية قد بقيت كلها بأعيانها خلال العهد الاستعماري، والواقع أن الكثير منها قد اختفى بالتدرج، وسنذكر الوظائف الباقية التي يحصل أصحابها على رواتب من ميزانية فرنسا بعد أن كانوا يحصلون عليها من الأوقاف، ونلاحظ هنا أن الجامع الكبير بالعاصمة هو الذي بقي فيه أكبر عدد من هذه الوظائف، أما بقية المساجد فقد احتفظت بعدد قليل منها، كالإمامة والأذان، وأحيانا يكون الإمام هو القائم بكل شيء، إماما للصلاة وخطيبا للجمعة، ومدرسا للعامة، ومؤدبا للصبيان، ومؤذنا، الخ، ومعظم المساجد كانت على هذا المنوال، وذلك تقليلا من المصاريف

стр. 1776

وتضييقا على الموظفين الدينيين، ومنعا لانتشار الثقافة الدينية والتعليم. ويتفق الباحثون الفرنسيون على أنهم عملوا منذ الوهلة الأولى على إنشاء (كليرجي) إسلامي كما فعلوا ذلك في فرنسا بعد الثورة، وعلى عدم ترك (الكنيسة) الإسلامية - في نظرهم - تسيطر على التعليم وعقول الناس والسياسة، كما كانت تفعل الكنيسة الكاثوليكية، قبل الثورة الفرنسية، وبعبارة أدق، فإن الفرنسيين في الجزائر جاؤوا بفكرة مسبقة عن الدين عموما وعن الدين الإسلامي خصوصا، وهي تجريد الإسلام من سلطته في البلاد، وما دام لا يوجد كهنوت في الإسلام ولا (كليرجي) رسمي، أو بابوية، فقد اكتفى الفرنسيون بتذويب قوة الإسلام بإجراء عدة تنظيمات وهي التالية: مصادرة الموارد التي يتغذى منها الدين والتعليم والقضاء (الأوقاف) والتحكم في مداخيلها لصالح الدولة، ثم تنظيم هيئة دينية هشة ورخوة تعمل تحت إمرة وباشارة الإدارة. وفي حين كانت إدارة الديانة في فرنسا تشرف على الأديان وموظفيها ومصاريفها وأمكنة العبادة الخ، كانت الهيئة الدينية (الإسلامية) في الجزائر تتبع الإدارة العسكرية التي تتبع بدورها وزارة الحرب، فالمفتي والقاضي في الجزائر إنما يعينهما الحاكم العام العسكري (١). وبعد ثورة ١٨٤٨ في فرنسا أصبحت إدارة الأديان، غير الإسلام، تابعة للوزارة الخاصة في فرنسا، أما الشؤون الإسلامية فقد بقيت تابعة للحاكم العام العسكري إلى ١٨٧٠، وفي هذا التاريخ تحولت الإدارة الفرنسية في الجزائر إلى إدارة مدنية، ولكن الشؤون الإسلامية بقيت تابعة لإدارة الشؤون الأهلية التي كانت بدورها تابعة لوزارة الداخلية، وقد ظل الأمر كذلك إلى ١٩٠٧ حين طبق الفرنسيون مبدأ فصل الدين عن الدولة في الجزائر أيضا، ولكنهم استثنوا من ذلك الدين الإسلامي، فقد أصبح النصارى واليهود مستقلين في تدبير شؤون دينهم بعيدا

стр. 1777

عن الدولة، أما المسلمون فقد بقيت شؤونهم الدينية تحت إشراف إدارة الشؤون الأهلية الفرنسية، كما كان الحال قبل الفصل. لقد أدى هدم المساجد بالعاصمة وغيرها، والاستيلاء على الأوقاف إلى إفقار رجال الدين وهجرة العديد منهم، إن أبواب الرزق قد سدت في وجه الكثير منهم بعد أن كانوا وكلاء أو مدرسين أو قراء، كما أن بعض رجال القضاء والفتوى والوكلاء، لم يستطيعوا التأقلم والانسجام مع الفرنسيين، وفي مراسلات المفتين مع الإدارة الفرنسية نماذج لذكر الفقراء من هذه الهيئة التي نحن بصددها، ونماذج أخرى من المهاجرين (١). وكثير من المراسلات تطلب من الإدارة المالية (الدومين) دفع رواتب، ولو قليلة، لموظفي المساجد بعد الاستيلاء على أوقافها، ومنهم علي بن جحبار (البحار؟) في جامع صفر، وأحمد بن شعبان في مسجد ابن ثلجون (قبل هدمه)، ومحمد الحرار، ومحمد بن عيسى، وعلي بن الحفاف (الذي سيتولى الفتوى). وقد أصبح بعضهم يمد يده من الفقر بعد أن كان له معاش من إحدى المؤسسات الدينية، فهذا وكيل زاوية الشيخ الثعالبي، واسمه أحمد بن محمد، يكتب رسالة إلى الحاكم العام يشكو فقره وسوء حاله بعد أن بقي ثلاثة أشهر بدون دخل، وكان قد كتب إلى إدارة المالية (الدومين) التي استولت على أوقاف الزاوية المذكورة طالبا منها ما يعيش به، فلم ترد عليه، (فضاق علي الحال ولم يمكني إلا أن نشتكي حالي إليك، لأني لم أقبض شهريتي ثلاثة أشهر) (٢). وفي سنة ١٨٦٨ (عام المجاعة) وردت على نابليون الثالث رسالة شكوى من المؤذن بالجامع الكبير بمدينة معسكر، وهو الشيخ مصطفى بن المختار بن المكي المعسكري، قائلا: إن أملاكهم من بساتين وأرض وديار قد استولت عليها الدولة الفرنسية وأن والده كان قاضيا، ولم

стр. 1778

يبق له شيء يعيش منه وليس له حرفة، وله إخوة ووالدة الخ، وطلب منه أن (يتصدق عليه) بما تجود به يده (١). وقد اشتكى شيخ آخر عمره ٨٧ سنة، وكان من (أعيان الجزائر وأشرافها)، بأن الحياة ضاقت به، وأصبح مقعدا في فراشه، فعجز عن النفقة على عياله وأولاده، وكان قبل ذلك قد عمل كاتبا لأهل المخزن وخوجة في البلدية، وكاتب ضبط في المحكمة، ثم أصبح من حضور الجامع الكبير بالعاصمة، فهو حينئذ من المتعلمين والكتبة، ومع ذلك طلب من الحاكم العام أن يخصص له شيئا من أوقاف مكة والمدينة ليعيش منه في الأيام القليلة التي بقيت له (٢). وفي مراسلات رجال الدين مع السلطات الفرنسية إشارات عديدة إلى هجرة العلماء والقضاة، وكان استعمال الحج أحيانا ذريعة للهجرة الدائمة، ثم إن الهجرة قد تكون للمغرب الأقصى أو المشرق، وسنتحدث عن هجرة القضاء في الفقرة الخاصة بهم، كما أننا تحدثنا عن هجرة المرابطين والعلماء الأحرار في فصول أخرى، أما هنا فيعنينا هجرة من تولوا الوظائف الدينية نتيجة للفقر أو المضايقات، فنحن نجد في مراسلات المفتي مصطفى القديري الذي تولى سنة ١٨٤٣، اسم الطيب بن بلقاسم، الحزاب بالجامع الكبير، وكان هذا يريد السفر إلى الحج، وطلب المفتي ملء مكانه، وفي مراسلة المفتي حميدة العمالي إشارة إلى اسم محمد بن الطاهر، الحزاب أيضا في جامع سيدي رمضان، وقد ذهب إلى الحج، وفيها أيضا أن السيد حسن بوقندورة قد ذهب إلى الشام، وكذلك قدور بن مرابط الذي توجه أيضا إلى الشام باهله (٣). وكان قبل ذلك يشغل وظيفة حضور (قارئ صحيح البخاري) بالجامع الكبير، ومن جهة أخرى، نجد أن السيد مصطفى بن يوسف قد هاجر إلى المغرب الأقصى بعد أن كان حزابا في جامع سيدي رمضان.

стр. 1779

وكانت هجرة العلماء من الجزائر على أنواع وهي ترجع إلى أسباب مختلفة، ويهمنا منها هنا رفض العلماء تقبل الحكم الفرنسي وسيطرة إدارة أجنبية (مسيحية) على المسلمين، وبدأت هذه الهجرة داخليا فقط أي الهروب من العاصمة والمدن الساحلية الأخرى (وهران، عنابة، بجاية، مستغانم ...) إلى مناطق داخلية حتى لا يخضع المسلم لحكم الفرنسيين (المسيحيين). وحين توسع الاحتلال أخذت الهجرة تتجه نحو الخارج، سيما المغرب وتونس، ومنهما أحيانا إلى المشرق، وقد تطورت حركة الهجرة عبر سنوات الاحتلال واختلفت أسبابها، فمن ذلك فشل الثورات في زواوة والأوراس والجنوب خلال الخمسينات والستينات والسبعينات، فقد هاجر بسبب ذلك عدد من العلماء، سيما إلى تونس والشام، وكانت آخر موجات الهجرة هي التي دفع إليها التجنيد الإجباري ابتداء من فاتح هذا القرن. وقد دارت مناقشات ساخنة بين العلماء حول مشروعية الهجرة، فأفتى بعضهم مثل قدور بن رويلة وعلي بن الحفاف بضرورة الهجرة من الجزائر ما دام العدو قد تغلب عليها، وأفتى آخرون بضرورة البقاء محافظة على الدين وتعليم العامة ما دام العدو قد ترك المسلمين يتعبدون ويقيمون شعائرهم الدينية، ومن هؤلاء مصطفى الكبابطي ومحمد بن الشاهد، وأدى خلاف العلماء حول هذا الموضوع إلى مضاعفات أخرى، فقد فكر الأمير، على إثر هزيمة الزمالة وتغلب العدو على جميع مدنه وأمواله وأسلحته، أن يدعو الجزائريين إلى الهجرة الجماعية، كما أن المارشال بوجو قد أحس بذلك فأرسل سنة ١٨٤٢ الضابط الجاسوس اليون روش) في مهمة لدى مراكز الفتوى في العالم الإسلامي، وحرر صيغة الفتوى، كما تقول المصادر الفرنسية، الشيخ محمد التجاني وبعض المقدمين عن الطرق الصوفية الأخرى، منهم مقدم الطيبية (١). ومحتواها أن المسلمين إذا تغلب الكافر على

стр. 1780

أرضهم ودافعوا عنها ثم عجزوا وأصبح دفاعهم يؤدي بهم إلى التهلكة والانتحار، وكان الكافر قد سمح لهم بإقامة شعائر دينهم، هل تجب عليهم الهجرة؟ أخذ ليون روش هذه الفتوى وغير اسمه إلى عمر، واصطحب معه مقدم التجانية وبعض المقدمين الآخرين، واتجهوا إلى القيروان، والقاهرة، ومكة، ورجعوا بما أفاد ضرورة بقاء المسلمين في بلادهم وليس عليهم حمل السلاح ما داموا قد عجزوا عن الدفاع، وعليهم بالتسليم والاستسلام (١). وقد استفادت السلطات الفرنسية من هذه الفتوى في بسط نفوذها على الجزائر، واستصدر جول كامبون أيضا سنة ١٨٩٥ فتوى شبيهة من علماء المشرق لبسط نفوذ فرنسا في الصحراء وقمع الثورات، وقد شارك العلماء الجزائريون في وضع صيغة هذه الفتوى رغم أننا لا نعرف أسماءهم الآن. وعهد كامبون بتنفيذ الخطة إلى السيد كورتيلمون (٢). هذا عن الهجرة العامة، أما عن الهجرة الخاصة، فالعلماء استمروا في قلقهم كأفراد ولم يكونوا مرتاحين لوضعهم الديني الاجتماعي، وقد روت المصادر أن المفتي علي بن الحفاف كان يفكر في الهجرة فثبطه محمد بيرم الخامس وذكره بأن وجوده ضروري لحفظ الدين وتعليم العامة، فوجوده في الجزائر كان في حد ذاته نوعا من الجهاد، وقد هاجر الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني بعد أن ضايقه الفرنسيون في بداية هذا القرن، وهاجر أيضا الشيخ قدور بن محمد بن سليمان المستغانمي، والشيخ عمار بن الأزعر القماري، والقائمة طويلة (٣). وكان لرجال الدين (مجلس علمي) يحلون فيه القضايا الكبيرة أو

стр. 1781

المعقدة ويحضره كبراؤهم، وكان على العموم مجلسا محترما، لأن الذين يحضرونه هم خيرة المتعلمين وأن القضايا فيه معظمها تهم الصالح العام، وكان اجتماع العلماء في هذا المجلس فرصة لتبادل الآراء والمناظرة والرجوع إلى الكتب والنوازل، غير أن السلطات الفرنسية جمدت هذا المجلس فلم يعد يعقد إلا برخصة منها في السنوات الأولى، ثم انتهى دوره بالتدرج، ويبدو أن ذلك راجع إلى أن الإدارة نفسها هي التي أصبحت تجد الحلول للقضايا المعلقة بالطريقة التي تناسبها هي، كما أن وجود مجلس من رجال الدين المسلمين على ذلك النحو لم يكن ليخدم مصالحها، وقد تكون رأت فيه خطرا على هذه المصالح، وسنرى أن الاهتمام قد انصب منذ الخمسينات على جانب القضاء، فتأسس عندئذ المجلس الفقهي، ثم المجلس الشرعي الأعلى، وكلها تعني انتهاء دور المجلس العلمي الأسبوعي الذي كان الهيئة العليا في تطبيق الشريعة الإسلامية. وآخر ما وجدنا لهذا المجلس من أدوار كان لا يشرف الإدارة ولا أصحابه، ففي سنة ١٨٥٢ تدخلت السلطات الفرنسية لتحسم خلافا وقع بين المفتي المالكي والمفتي الحنفي أدى إلى تبادل الإهانات، حسب بعض الوثائق، كان مفتي الحنفية، محمد بن مصطفى قد (أساء الأدب، حسب التعبير الرسمي، أمام المفتي المالكي، مصطفى القديري، فكتبت السلطات الفرنسية، باسم والي (بريفي) الجزائر نفسه، توبخ المفتي الحنفي وتحذره من العواقب إذا لم يعتذر علنا أمام أعضاء المجلس لزميله، ولكن المفتي الحنفي لم يعتذر رغم أن رسالة الإدارة قرئت علنا في المجلس وفهمها المفتي، فعادت الإدارة إلى التدخل خشية أن يعني سكوتها أو حيادها الضعف، فامهلت المفتي الحنفي بعض الوقت حتى يرجع عن (صممه)، حسب التعبير الرسمي، وأخبروه أن المهلة تصبح ضعفا إذا لم يؤدبوه ويعاقبوه على فعله و (عدم إنصاتك لأمرنا). وقد طلبت الإدارة من المفتي المالكي أن يخبرها رسميا باعتذار زميله إليه (بحضرة المجلس) و (المسامحة) لفظا ومعنى) (١).

стр. 1782

ولا نملك الآن تقرير المفتي القديري عن الحادثة التي يبدو أنها قد انتهت إداريا، ولكنها لم تنته معنويا، ذلك أنها دلت على الضعف الذي أصبح عليه هذا الصنف من العلماء وعلى تداخل الفرنسيين في شؤون المجلس. ... إن مصدر تكوين رجال الدين كان التعليم المسجدي الذي وصفناه (١). فمن الكتاب (المدرسة القرآنية) إلى دروس المساجد والزوايا المحلية. وكان بعضهم مثل ابن الشاهد وابن الأمين وابن العنابي والمقايسي قد أكملوا تعليمهم في المعاهد الإسلامية خارج الجزائر، وقد وجدت السلطات الفرنسية في أول الأمر مجموعة من هذا الصنف فعينت رجال الدين في المساجد ونحوها، وكانوا على العموم متكونين على جيل متمكن على الأقل في المواد الدينية كالفقه والتوحيد والحديث، ومن هؤلاء مصطفى الكبابطي الذي تحول من القضاء إلى الإفتاء في العهد الفرنسي، وكان عالما بالحديث والتفسير، وكان يقرض الشعر، وقد عارض الهجرة كما عرفنا، وعارض كذلك الإجراءات الفرنسية في الجامع الكبير فحكمت عليه بالنفي، وكان أحمد العباسي في قسنطينة من كبار القضاة والمدرسين وهو من خريجي جامع الزيتونة. ولكن هذه الطبقة أخذت تنقرض بالتدرج، فلم تأت سنة ١٨٥٠ (عشرون سنة بعد الاحتلال) حتى شعر الفرنسيون أنهم لم يجدوا إطارات لتوظيفها في القضاء والديانة، لقد أخذت تلك الطبقة تنقرض بالهجرة أو بالوفاة أو بالعجز، وكان على الفرنسيين أن يوظفوا أي شخص وقف ببابهم دون مراعاة العلم والدين والنزاهة والكفاءة، وقد لاحظنا أن التعليم العربي الإسلامي قد أهمل إهمالا كاملا منذ الاحتلال، وجفت مصادره، وتمركز ما

стр. 1783

بقي منه في الزوايا وبعض المساجد الريفية، ولكن الحروب والثورات أثرت أيضا على هذه المراكز، فمن أين إذن تجند فرنسا السلك الديني لملء وظائف الفتوى والتعليم والقضاء والإمامة الخ؟ لقد كونت الحكومة الفرنسية عدة لجان لدراسة الوضع منذ منتصف الأربعينات، ولكن تنفيذ توصيات اللجان لم يبدأ إلا في فاتح الخمسينات ومن ذلك التوصية بإنشاء المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث (١). لم يكن أعضاء السلك الديني خلال الأربعينات والخمسينات إلا من البقايا الذين لم يموتوا أو يهاجروا بعد الاحتلال، ولنا أن نتصور أنهم كانوا ضعافا في المعلومات ومن ثمة ضعافا في شخصياتهم، وقد زاد ذلك في مرونتهم نحو السلطة الفرنسية، فالعالم القوي والمعتد بعلمه لا يرضى بالذل والمهانة لشخصه وعلمه، إلا إذا كان مخلوع الضمير، وقد حسب الفرنسيون باعتمادهم على ذلك الصنف الضعيف من العلماء أنهم يحسنون صنعا، ولكن ثبت أن ذلك كان إحدى غلطاتهم الكبيرة إذ اتجه الشعب إلى المرابطين ثم الطرق الصوفية، وأخيرا اتجه الناس إلى العلم في تونس والمغرب والمشرق، وتركوا الإدارة الفرنسية تضرب على أوتارها الخاصة. أصبحت المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث إذن هي مركز التكوين للسلك الديني الذي نحن بصدده منذ ١٨٥١، وقد وضع لها الفرنسيون برنامجا على مقاس ضيق جدا، يسميه الفرنسيون تعليما إسلاميا عاليا، وما هو بالعالي أبدا، فهو تعليم متوسط في أفضل الحالات، وقسموا المواد إلى دينية ولغوية، وعهدوا بها إلى عناصر في جملتها ضعيفة، سيما مع تقدم السنين، حقا إن بعض العناصر في أول الأمر كانت مقنعة في بعض التخصصات، ومنها في الجزائر حسن بن بريهمات وفي قسنطينة المكي البوطالبي، وفي تلمسان محمد بن عبد الله الزقاي. وعندما جدد برنامج هذه المدارس خلال السبعينات ثم التسعينات لم

стр. 1784

يتحسن المستوى إلا قليلا. فالإدارة أصبحت فرنسية وأدخلت مادة اللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافية، الخ، وتولى التعليم مدرس بارز في قسنطينة ثم العاصمة، وهو عبد القادر المجاوي الذي تكون في القرويين، ولم تستفد هذه المدارس من علم الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (بني يسقن) أو علم أخيه إبراهيم الذي رجع بعلم غزير من عمان ومصر، ولا من علم محمد الصالح بن مهنة الذي تخرج من الأزهر، وإنما انغلقت على نفسها وأصبح الداخلون إليها من دائرتها، والخارجون منها هم الذين يرجعون إليها مدرسين، فكانت تدور في حلقة مفرغة، والعلم يقتضي اتساع الدائرة وتلقيح الأفكار والتجارب، وكان الفرنسيون يخشون من الأفكار (الخارجية)، ونكاد لا نجد إلا المجاوي في هذا العهد، وكان استثناء لا ندري لماذا؟ ولعل صلته بالأمير عبد القادر وآل أبي طالب الذين تحول معظمهم نحو الفرنسيين، هي التي كانت السبب في الاحتفاظ به رغم أنه من خارج الإطار المرسوم للتوظيف في المدارس المذكورة. يضاف إلى هذا الضعف تفضيل الفرنسيين ضعاف العلم وضعاف النفوس من رجال الدين، فالجزائر كانت تتوفر على عدد طيب من العلماء في مختلف مراحل العهد الفرنسي، ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى العمل بعلمهم في الإدارة الفرنسية لأسباب، أهمها الخوف من تأثيرهم، وهذا الوضع هو الذي سيؤدي منذ ١٩٢٠ إلى ترجيح كفة العلماء الأحرار على العلماء الرسميين في نظر الشعب، وقد ذكرنا ملاحظة أوغسطين بيرك في ذلك. وعلى هذا الأساس كان السلك الديني في الجزائر ضعيفا في أغلب الأحيان، وقد انحصر دوره في أداء الشعائر الدينية في المساجد التي لم تهدم أو لم تحول عن غرضها، وفي بعض الزوايا ذات الطابع الرسمي كزاوية الشيخ الثعالبي وزاوية سيدي محمد الشريف في العاصمة، ومن الطبيعي أن نتذكر أن المعالم الدينية لم تكن كلها تحت إدارة موظفين مأجورين من الدولة الفرنسية، فقد كانت عشرات المساجد، مثلا، يديرها أهل القرية أو البلدة.

стр. 1785

ولكن أئمة المساجد كانوا معينين من قبل السلطة دون منحهم راتبا منها، ولم يكن دور السلك الديني في هذا العهد القيام بأي عمل فيه مصلحة عامة للمسلمي، كالتدريس على نطاق واسع، أو حث الناس على العمل في مشاريع تفيدهم، أو نقد الأوضاع العامة في ضوء القيم الإسلامية، أو الدعوة إلى الآداب والأخلاق الإسلامية، أو تناول التاريخ والتراث. إن الموضوعات التي يتناولها خطباء المساجد كانت مقننة ومبرمجة مقدما، وهي تصدر عن إدارة الشؤون الأهلية، ولا حرية للمبادرة فيها من أي خطيب، فهي خطب مكتوبة من قبل المستشرقين الفرنسيين مكرسة فقط للتنويم والتخدير، وليس فيها إلا الحديث عن الآخرة والموت والخضوع لأولي الأمر (؟) وما إلى ذلك، أما شؤون الدنيا من تقدم وتضامن اجتماعي وعمل صالح وعلم نافع، فلا مكان فيه في خطب الأئمة الرسميين، وأذكر أن خطيب بلدتنا كان يخرج، بعد صعوده على المنبر، ورقة صفراء مكتوبة على الجهتين ومطوية على أربع، طولا وعرضا، فكان يقرأ من وجهها الخطبة الأولى ومن ظهرها الخطبة الثانية، وكانت نفس الورقة (الخطبة) تتكرر في كل جمعة حتى كانت الورقة تبدو بالية مهلهلة، وفي كل جامع كان يجلس المخبرون الذين يقدمون تقاريرهم بعد أداء الجمعة عن خطبة الإمام وما حدث في الجامع بين المصلين، وعدد المصلين، وما إذا خرج الإمام بكلمة واحدة عن نص الورقة الصفراء، أو زار الجامع شخص غريب. وكان تعيين رجال السلك الديني يتم عادة في إطار داخلي، أي أن القاضي قد يصبح مفتيا، وأن مؤدب الصبيان قد يصبح حزابا، وأن الحزاب قد يصبح إماما، بل وجدنا مؤذنا قد أصبح قاضيا، وقد يعين أحد المدرسين حزابا، وربما كان اللهاث وراء الوظائف لأسباب مادية، ولكن الدائرة تظل منغلقة على نفسها، سيما في النصف الأول من القرن الماضي، أي قبل تخريج دفعات من المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث.

стр. 1786

وهناك ظاهرة أخرى في هذا السلك الديني كانت شائعة في القديم وظلت موجودة حتى في العهد الفرنسي، ولكن بدرجة أقل، ونعني بها تداول أفراد الأسرة الواحدة على نفس المنصب الديني، فابن الحفاف طالب (بحقه) في وظيفة جامع سيدي رمضان لأن والده كان موظفا فيه، وحميدة العمالي اقترح ابنه (علي) كمؤذن في الجامع الذي كان مفتيا فيه، وعندما مات الشيخ محمد الحرار طالب المفتي بتعيين ولده (ولد الحرار) ليحل محل والده في المسجد الذي كان تحت يده، ويقول المفتي بصراحة: (وعادة بلادنا من له مسجد وخلف ولدا يقرأ القرآن، فهو أحق به من غيره)، وظلت هذه الظاهرة متواصلة أيضا، فنحن نجد محمود بن الشاذلي قد خلف والده في المدرسة بقسنطينة، وعبد الحليم بن سماية قد خلف والده في مدرسة الجزائر، وخلف أحمد بن زكري والده في مهنة التدريس، وهكذا، إن هذه الدائرة الضيقة للسلك الديني (والتعليمي أيضا) قد أضرت بالمستوى العام من جهة وجعلت الفرنسيين ينظرون إلى دور رجال الدين نظرة استهزاء وسخرية، ولم يكن يهمهم الأمر ما دام ذلك يجلب إليهم الراحة والأمن، ذلك أن الابن عادة سيقلد والده في سلوكه نحو الفرنسيين أصحاب النعم السابغة على العائلة، وبذلك يتكرس ضعف المستوى وضعف الضمير، ومن ثمة ضعف الدور الأجتماعي للسلك الديني. وهذا التضييق في دائرة التعيين وقلة الفرص أمام رجال السلك الديني جعلتهم متحاسدين متباغضين أيضا، وكانوا يحرسون بعضهم البعض ويشون ببعضهم إلى السلطات الفرنسية التي كانت تحب ذلك منهم وتعتبره علامة إخلاص وكفاءة، فإذا تولى أحدهم وظيفة أخرى شنعوا عليه وطلبوها منه واتهموه بأنه يملك كذا وكذا غيرها، ونذكر نموذجا على ذلك شكوى ابن الحفاف، قبل ولايته الفتوى، من القاضي قدور بن المسيني الذي استولى على وظيف جامع سيدي رمضان إلى جانب وظيف القضاء وغيره، وفي مراسلات هؤلاء الرجال مع السلطات الفرنسية نماذج عديدة لما نقول.

стр. 1787

وكانوا في مراسلاتهم مع الإدارة الفرنسية يتزلفونها بطريقة مهينة لهم، فالواحد منهم يتذلل في طلب زيادة الراتب، أو قبض راتب متخلف، أو طلب الإذن في كذا، ولم يكونوا يفكرون أنهم يمثلون العلم والدين، أو أنهم رموز للشعب المحكوم، أو نحو ذلك من التفكير العالي، وكانوا يستعملون لذلك ألقاب المدح الذليل للحاكم أو مدير الداخلية أو غيرهما، ولم تكن المراسلات إدارية محضة بل فيها من التكلف المعنوي واللفظي ما يؤدي إلى التقزز أحيانا، خذ مثلا على ذلك طلب المفتي الحنفي أحمدبن محمد من مدير الداخلية دفع مخلف الزيادة المترتبة على ترقيته منذ وقت الترقية، ولنتأمل في ألفاظها التذلل وعبارات التواضع السخي، فقد عبر عن سروره بزيادة الراتب (الذي نقبضه من حضرتك الرفيعة ... كثر الله خيرك وشكر سعيك وأطال عمرك ... نطلب منك ومن جزيل فضلك صاحسانك أن تنعم وتتفضل علي بالزيادة الماضية من وقت التاريخ السابق، أو كما يظهر لك، لأن الحاجة قد دعتني إلى ذلك، والطلب من سعادتك، هذا ولا يخفى على سيادتك، وأنت عالم بهذا، وأنا قصدتك، وأنت من عادتك وحسن طبعك ومودتك، (ان) من قصدك لا يرجع خائبا، وعليك ألف سلام) (١). إن الجهل العلمي والسياسي هو الذي أدى بهذا المفتي إلى أن يريق ماء وجهه بهذه الطريقة، فلو كان يعلم أن مدير الداخلية لا يعطيه إلا ما أخذه منه، وأنه اغتصب أموال الأوقاف وجعلها تحت يده وأصبح يمن بها، لما مد المفتي يده على النحو المذكور، ولو كان المفتي يحترم علمه لأكرم لحيته بنفسه وعرف قدره، فالمفروض أنه قدوة لغيره في الهمة والشبوب والشفوف، وعزة النفس، ولكن الجهل وتغير الحال أدى إلى تغير الرجال، ولا تقل إن هذا كان في الأربعينات من القرن الماضي وانتهى، فقد وجدنا المتذللين يطلبون بنفس الطريقة تقريبا في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن.

стр. 1788

وقليل من رجال السلك الديني من كان يحسن كتابة رسالة صحيحة. ونعني هنا المفتين والأئمة وليس المؤذنين والفراشين. إن المراسلات التي اطلعنا عليها قلما تجد فيها رسالة خالية من الأخطاء النحوية والإملائية، على قصر الرسالة، ولم نطلع لهؤلاء على أعمال أدبية أو شروح فقهية أو تقاييد لنحكم عليهم من خلالها، وقد علمنا أن عددا منهم كانوا أيضا ينتمون إلى الطرق الصوفية المعاصرة، فكانوا يأخذون ويعطون (إجازات) ضعيفة النسج أيضا، وعباراتها مكررة في الإجازات الأخرى وليس لهم فيها سوى النقل والحفظ، وقل من المفتين من اشتهر بمؤلف، باستثناء عدد قليل منهم مثل ابن الحفاف، وأبي القاسم الحفناوي، ومحمود كحول، ومحمد السعيد بن زكري، وابن الموهوب، واشتهر في وهران المفتي محمد بن عبد الرحمن، ولكن لم نطلع على بعض مؤلفاته، كما اشتهر الونوغي في أم السنام (الأصنام) الذي اشترك مع القطرانجي في الرد على مفتي اسطانبول، وبالجملة فإن السلك الديني كان ضعيف الثقافة رغم وجود أشخاص نادرين يؤكدون القاعدة ولا ينفونها. وكانوا غير مستقلين حتى فيما يدخل في دائرة اختصاصهم المحددة. وذلك راجع، في نظرنا، إلى تضييق السلطات الفرنسية عليهم، فالمفتي القديري لم يستطع أن يبت في ظهور زوجة الحاج أحمد، باي قسنطينة، أمام المجلس بنفسها، ولذلك كتب يطلب رأي (سلطان الجزائر وعمالاتها)، وهو الحاكم العام عندئذ، المارشال بوجو، وأخبره أنه قد ثقل ذلك على أعضاء المجلس، فظهر لهم أن يخصصوا لها وقتا (لحرمتها وحرمة زوجها) ثم توقفوا عن ذلك إلى أن يأتيهم الأمر من الحاكم العام (إن أذنت لنا فعلنا وإلا فلا) (١). ولا شك أن ذلك يعني الميراث وما إليه.

стр. 1789

رأينا إذن أن دور رجال السلك الديني محدود جدا، فلا المجلس العلمي ولا المفتي ولا الإمام كان قادرا على إصدار شيء دون الرجوع إلى السلطات الفرنسية، أما التعيينات في الوظائف الدينية الصغيرة، كالحزاب، والفراش، والمؤذن الخ .. فلا بد فيها من كتابة محضر ومراسلة مقننة تعرض فيها أسماء ثلاثة مرشحين، مع تبريرات محددة، كشغور المنصب بالوفاة أو الحج أو الهجرة، ثم يترك للسلطة المذكورة لكي تتخذ القرار الأخير، وأحيانا يعطي المفتي أو المجلس الأسماء على الترتيب في الاستحقاق والأولوية، وهذا كل اجتهاده، وقد يذكر الحالة المادية للمترشح، وكذلك الصلة بالمنصب كالمؤهل والعلاقة العائلية مع صاحب المنصب الشاغر، وقد لاحظنا أنه في حالة شغور منصب المفتي فإن المجلس يقترح أربعة أشخاص، مرتبة أيضا. (بهذه الحالة المترتبة عرفوهم، وبها وصفوهم)، وقد ختم أعضاء المجلس ذات مرة اقتراحهم بقولهم للمسؤول الفرنسي: (ونظرك أوسع، لأنك تعرف ما لا نعرف) (١). استعمل الفرنسيون رجال السلك الديني في أغراضهم السياسية والاجتماعية أيضا، كما استعملوا رجال الطرق الصوفية فيما بعد، ولو استعملنا اللفظ على عمومه لقلنا إنهم استغلوا العلماء استغلالا فظيعا، كانوا لا يتناولون موضوعا يخص الجزائر إلا لجأوا إليهم في مؤلفاتهم وآرائهم ومع ذلك قلما يذكرونهم أو يعترفون لهم بالفضل، أما الإدارة فقد استغلت نفوذها عليهم وأسكتتهم أو أنطقتهم حين تشاء هي، وكانت تنعم على بعضهم بالأوسمة والنياشين والعضوية في المجالس واللجان والإرسال في المهمات الخاصة داخل الجزائر أو خارجها، ولا نريد هنا أن نتوسع في الموضوع، لأن لذلك مكانه من الكتاب (٢).

стр. 1790

رجال الدين والسياسة ولا نعرف أن السلك الديني قد اتخذ موقفا من الثورات والمحاكمات والتغييرات التي حدثت في الجزائر، وما أكثرها، ولذلك شعرت الإدارة بواجبها نحو عناصر من هذا السلك فمنحتهم أوسمة معينة سميت بالأكاديمية أو العلمية، وكان ذلك في عهد بداية (التنوير)، عهد جول كامبون (١٨٩١ - ١٨٩٧). ومن رجال الدين الذين حصلوا على الوسام إمام الجامع الكبير، واسمه أمين قدو ربن محمد بن عبد الرحمن، ومحمد السعيد بن زكري إمام جامع سيدي رمضان، وعلي بن الحاج موسى، قيم ضريح الشيخ الثعالبي، وأحمد بن القبطان الإمام المتقاعد (١). وهذه النياشين قد منحت لعدد آخر من رجال الدين الرسميين وحتى غير الرسميين مثل الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في بني يسقن، ومحمد بن بلقاسم شيخ زاوية الهامل، وليس الهدف هنا ذكر قائمة من هؤلاء، ولكن الإشارة إلى المكافاة على الخدمة الهادئة والمخلصة التي قدمها أمثال هؤلاء للسلطة الفرنسية، ومن الجدير بالذكر أن منح الأوسمة لرجال الدين كان من إبداعات كامبون لإحكام قبضته بالتقرب إلى هذه الفئة. ومن هذه الخدمات الوقوف مع فرنسا في الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا والدولة العثمانية، وقد بدأت القضية في الواقع منذ الإعلان عن فرض التجنيد الإجباري (١٩١٢). وكان رجال السلك الديني يواجهون امتحانا عسيرا أكثر ربما من زملائهم المدرسين في المدارس الرسمية
следующие страницы →