← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وهناك ظاهرة أخرى في هذا السلك الديني كانت شائعة في القديم وظلت موجودة حتى في العهد الفرنسي، ولكن بدرجة أقل، ونعني بها تداول أفراد الأسرة الواحدة على نفس المنصب الديني، فابن الحفاف طالب (بحقه) في وظيفة جامع سيدي رمضان لأن والده كان موظفا فيه، وحميدة العمالي اقترح ابنه (علي) كمؤذن في الجامع الذي كان مفتيا فيه، وعندما مات الشيخ محمد الحرار طالب المفتي بتعيين ولده (ولد الحرار) ليحل محل والده في المسجد الذي كان تحت يده، ويقول المفتي بصراحة: (وعادة بلادنا من له مسجد وخلف ولدا يقرأ القرآن، فهو أحق به من غيره)، وظلت هذه الظاهرة متواصلة أيضا، فنحن نجد محمود بن الشاذلي قد خلف والده في المدرسة بقسنطينة، وعبد الحليم بن سماية قد خلف والده في مدرسة الجزائر، وخلف أحمد بن زكري والده في مهنة التدريس، وهكذا، إن هذه الدائرة الضيقة للسلك الديني (والتعليمي أيضا) قد أضرت بالمستوى العام من جهة وجعلت الفرنسيين ينظرون إلى دور رجال الدين نظرة استهزاء وسخرية، ولم يكن يهمهم الأمر ما دام ذلك يجلب إليهم الراحة والأمن، ذلك أن الابن عادة سيقلد والده في سلوكه نحو الفرنسيين أصحاب النعم السابغة على العائلة، وبذلك يتكرس ضعف المستوى وضعف الضمير، ومن ثمة ضعف الدور الأجتماعي للسلك الديني. وهذا التضييق في دائرة التعيين وقلة الفرص أمام رجال السلك الديني جعلتهم متحاسدين متباغضين أيضا، وكانوا يحرسون بعضهم البعض ويشون ببعضهم إلى السلطات الفرنسية التي كانت تحب ذلك منهم وتعتبره علامة إخلاص وكفاءة، فإذا تولى أحدهم وظيفة أخرى شنعوا عليه وطلبوها منه واتهموه بأنه يملك كذا وكذا غيرها، ونذكر نموذجا على ذلك شكوى ابن الحفاف، قبل ولايته الفتوى، من القاضي قدور بن المسيني الذي استولى على وظيف جامع سيدي رمضان إلى جانب وظيف القضاء وغيره، وفي مراسلات هؤلاء الرجال مع السلطات الفرنسية نماذج عديدة لما نقول.

стр. 1787

وكانوا في مراسلاتهم مع الإدارة الفرنسية يتزلفونها بطريقة مهينة لهم، فالواحد منهم يتذلل في طلب زيادة الراتب، أو قبض راتب متخلف، أو طلب الإذن في كذا، ولم يكونوا يفكرون أنهم يمثلون العلم والدين، أو أنهم رموز للشعب المحكوم، أو نحو ذلك من التفكير العالي، وكانوا يستعملون لذلك ألقاب المدح الذليل للحاكم أو مدير الداخلية أو غيرهما، ولم تكن المراسلات إدارية محضة بل فيها من التكلف المعنوي واللفظي ما يؤدي إلى التقزز أحيانا، خذ مثلا على ذلك طلب المفتي الحنفي أحمدبن محمد من مدير الداخلية دفع مخلف الزيادة المترتبة على ترقيته منذ وقت الترقية، ولنتأمل في ألفاظها التذلل وعبارات التواضع السخي، فقد عبر عن سروره بزيادة الراتب (الذي نقبضه من حضرتك الرفيعة ... كثر الله خيرك وشكر سعيك وأطال عمرك ... نطلب منك ومن جزيل فضلك صاحسانك أن تنعم وتتفضل علي بالزيادة الماضية من وقت التاريخ السابق، أو كما يظهر لك، لأن الحاجة قد دعتني إلى ذلك، والطلب من سعادتك، هذا ولا يخفى على سيادتك، وأنت عالم بهذا، وأنا قصدتك، وأنت من عادتك وحسن طبعك ومودتك، (ان) من قصدك لا يرجع خائبا، وعليك ألف سلام) (١). إن الجهل العلمي والسياسي هو الذي أدى بهذا المفتي إلى أن يريق ماء وجهه بهذه الطريقة، فلو كان يعلم أن مدير الداخلية لا يعطيه إلا ما أخذه منه، وأنه اغتصب أموال الأوقاف وجعلها تحت يده وأصبح يمن بها، لما مد المفتي يده على النحو المذكور، ولو كان المفتي يحترم علمه لأكرم لحيته بنفسه وعرف قدره، فالمفروض أنه قدوة لغيره في الهمة والشبوب والشفوف، وعزة النفس، ولكن الجهل وتغير الحال أدى إلى تغير الرجال، ولا تقل إن هذا كان في الأربعينات من القرن الماضي وانتهى، فقد وجدنا المتذللين يطلبون بنفس الطريقة تقريبا في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن.

стр. 1788

وقليل من رجال السلك الديني من كان يحسن كتابة رسالة صحيحة. ونعني هنا المفتين والأئمة وليس المؤذنين والفراشين. إن المراسلات التي اطلعنا عليها قلما تجد فيها رسالة خالية من الأخطاء النحوية والإملائية، على قصر الرسالة، ولم نطلع لهؤلاء على أعمال أدبية أو شروح فقهية أو تقاييد لنحكم عليهم من خلالها، وقد علمنا أن عددا منهم كانوا أيضا ينتمون إلى الطرق الصوفية المعاصرة، فكانوا يأخذون ويعطون (إجازات) ضعيفة النسج أيضا، وعباراتها مكررة في الإجازات الأخرى وليس لهم فيها سوى النقل والحفظ، وقل من المفتين من اشتهر بمؤلف، باستثناء عدد قليل منهم مثل ابن الحفاف، وأبي القاسم الحفناوي، ومحمود كحول، ومحمد السعيد بن زكري، وابن الموهوب، واشتهر في وهران المفتي محمد بن عبد الرحمن، ولكن لم نطلع على بعض مؤلفاته، كما اشتهر الونوغي في أم السنام (الأصنام) الذي اشترك مع القطرانجي في الرد على مفتي اسطانبول، وبالجملة فإن السلك الديني كان ضعيف الثقافة رغم وجود أشخاص نادرين يؤكدون القاعدة ولا ينفونها. وكانوا غير مستقلين حتى فيما يدخل في دائرة اختصاصهم المحددة. وذلك راجع، في نظرنا، إلى تضييق السلطات الفرنسية عليهم، فالمفتي القديري لم يستطع أن يبت في ظهور زوجة الحاج أحمد، باي قسنطينة، أمام المجلس بنفسها، ولذلك كتب يطلب رأي (سلطان الجزائر وعمالاتها)، وهو الحاكم العام عندئذ، المارشال بوجو، وأخبره أنه قد ثقل ذلك على أعضاء المجلس، فظهر لهم أن يخصصوا لها وقتا (لحرمتها وحرمة زوجها) ثم توقفوا عن ذلك إلى أن يأتيهم الأمر من الحاكم العام (إن أذنت لنا فعلنا وإلا فلا) (١). ولا شك أن ذلك يعني الميراث وما إليه.

стр. 1789

رأينا إذن أن دور رجال السلك الديني محدود جدا، فلا المجلس العلمي ولا المفتي ولا الإمام كان قادرا على إصدار شيء دون الرجوع إلى السلطات الفرنسية، أما التعيينات في الوظائف الدينية الصغيرة، كالحزاب، والفراش، والمؤذن الخ .. فلا بد فيها من كتابة محضر ومراسلة مقننة تعرض فيها أسماء ثلاثة مرشحين، مع تبريرات محددة، كشغور المنصب بالوفاة أو الحج أو الهجرة، ثم يترك للسلطة المذكورة لكي تتخذ القرار الأخير، وأحيانا يعطي المفتي أو المجلس الأسماء على الترتيب في الاستحقاق والأولوية، وهذا كل اجتهاده، وقد يذكر الحالة المادية للمترشح، وكذلك الصلة بالمنصب كالمؤهل والعلاقة العائلية مع صاحب المنصب الشاغر، وقد لاحظنا أنه في حالة شغور منصب المفتي فإن المجلس يقترح أربعة أشخاص، مرتبة أيضا. (بهذه الحالة المترتبة عرفوهم، وبها وصفوهم)، وقد ختم أعضاء المجلس ذات مرة اقتراحهم بقولهم للمسؤول الفرنسي: (ونظرك أوسع، لأنك تعرف ما لا نعرف) (١). استعمل الفرنسيون رجال السلك الديني في أغراضهم السياسية والاجتماعية أيضا، كما استعملوا رجال الطرق الصوفية فيما بعد، ولو استعملنا اللفظ على عمومه لقلنا إنهم استغلوا العلماء استغلالا فظيعا، كانوا لا يتناولون موضوعا يخص الجزائر إلا لجأوا إليهم في مؤلفاتهم وآرائهم ومع ذلك قلما يذكرونهم أو يعترفون لهم بالفضل، أما الإدارة فقد استغلت نفوذها عليهم وأسكتتهم أو أنطقتهم حين تشاء هي، وكانت تنعم على بعضهم بالأوسمة والنياشين والعضوية في المجالس واللجان والإرسال في المهمات الخاصة داخل الجزائر أو خارجها، ولا نريد هنا أن نتوسع في الموضوع، لأن لذلك مكانه من الكتاب (٢).

стр. 1790

رجال الدين والسياسة ولا نعرف أن السلك الديني قد اتخذ موقفا من الثورات والمحاكمات والتغييرات التي حدثت في الجزائر، وما أكثرها، ولذلك شعرت الإدارة بواجبها نحو عناصر من هذا السلك فمنحتهم أوسمة معينة سميت بالأكاديمية أو العلمية، وكان ذلك في عهد بداية (التنوير)، عهد جول كامبون (١٨٩١ - ١٨٩٧). ومن رجال الدين الذين حصلوا على الوسام إمام الجامع الكبير، واسمه أمين قدو ربن محمد بن عبد الرحمن، ومحمد السعيد بن زكري إمام جامع سيدي رمضان، وعلي بن الحاج موسى، قيم ضريح الشيخ الثعالبي، وأحمد بن القبطان الإمام المتقاعد (١). وهذه النياشين قد منحت لعدد آخر من رجال الدين الرسميين وحتى غير الرسميين مثل الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في بني يسقن، ومحمد بن بلقاسم شيخ زاوية الهامل، وليس الهدف هنا ذكر قائمة من هؤلاء، ولكن الإشارة إلى المكافاة على الخدمة الهادئة والمخلصة التي قدمها أمثال هؤلاء للسلطة الفرنسية، ومن الجدير بالذكر أن منح الأوسمة لرجال الدين كان من إبداعات كامبون لإحكام قبضته بالتقرب إلى هذه الفئة. ومن هذه الخدمات الوقوف مع فرنسا في الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا والدولة العثمانية، وقد بدأت القضية في الواقع منذ الإعلان عن فرض التجنيد الإجباري (١٩١٢). وكان رجال السلك الديني يواجهون امتحانا عسيرا أكثر ربما من زملائهم المدرسين في المدارس الرسمية

стр. 1791

والقضاة، فالفتوى والإمامة أقرب في ذهن العامة إلى الدين من القضاء والتدريس (بعد فصل السلطات الفرنسية بين الدين والتعليم والقضاء). ولذلك اختفى محمد السعيد بن زكري مفتي العاصمة، سنة ١٩١٢، باقتراح من دومينيك لوسياني (مدير الشؤون الأهلية) حتى لا يتعرض للضغط الشعبي، ولم نسمع برأي ابن الموهوب مفتي قسنطينة الذي طالما سمعناه ينادي على مواطنيه بدخول المدارس واتباع خطوات الفرنسيين في التقدم، ولا برأي مفتي وهران علي بن عبد الرحمن المنتمي للطريقة التجانية. وعندما حصحص الحق وأعلنت الحرب العالمية لم يتوان ابن الموهوب والمفتي الحنفي عبد الكريم باش تارزي في إصدار (فتوى) لصالح فرنسا، وجاء في نص الفتوى أن ثلاثة عشر من أعيان قسنطينة يؤيدونها أيضا، ومنهم محمد بن الشيخ الفكون (الذي قد لا يكون له وظيف ديني) ومحمد المصطفى بن باديس (والد الشيخ عبد الحميد). وعبد القادر بن الشيخ الحسين، والسعيد عمران (مقدم الطريقة الشاذلية) (١). وعنوان هذه الفتوى الغريبة هو (وصية للمسلمين). وقد جاء فيها الإشادة بفرنسا والحلفاء وذم الألمان والعثمانيين، ومما جاء فيها: (هذه رسالتنا ننصح بها أنفسنا، معشر الواضعين خطوط أيدينا فيها، وننصحكم بها وفاقا للدين والعقل والسياسة والعادة، فدوموا صادقين مخلصين لدولتنا الفرنسوية الفخيمة، قائمين على ساق الجد لإعانتها على أعدائها، دمرهم الله! وأراح منهم الحلفاء، وتمتعوا بعافيتكم في دياركم تحت قوة دولتنا، نصرها الله! واسمعوا وأطيعوا واصدقوا لتكونوا من المسلمين الكاملين العارفين). ولنستمع بعد ذلك إلى هذا الدعاء الذي نورده دون تعليق، تاركين الوثيقة تتحدث بنفسها:

стр. 1792

(اللهم اعن فرنسا التي هي أمنا ونحن أبناؤها، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير) (١). وقد كان الفرنسيون في الماضي يمنعون رجال السلك الديني من التعرض (للسياسة) أو الحديث فيها، فهل لا يعتبرون هذا الموقف من رجال الدين من صميم السياسة؟. ونفس الموقف اتخذه مفتيا العاصمة اللذان لم يذكرا اسمهما، وهما المفتي المالكي والمفتي الحنفي، فقد أصدرا أيضا فتواهما بعنوان (وصية) لنصح المسلمين الجزائريين بعدم اتباع شيطان الألمان الذي وسوس للدولة العثمانية فاستهواها فاتبعته، وطلبا من المسلمين الخضوع والطاعة لفرنسا ذات الباس الشديد والجيش الجرار وصاحبة النعم التي لا تحصى، ولولا الإطالة لأتينا على كل النص، ولكن حسبنا الآن منه هذه العبارات المعبرة عن مقصود المفتيين: (إن شيطان الألمان، بما له من الزور والبهتان، قد وسوس الدولة العثمانية واستهواها، وأضلها، وأغواها، وأصمها وأعماها، وخدعها بمكائده، وأوقعها في حبائله ومصائده، حتى مكرت مكرا كبارا، وأعلنت الحرب جهارا، على الدول العظام: فرنسا وروسيا وانكليزا، بهذا الغرور قد جاءت (الدولة العثمانية) شيئا فريا، وأضرت نفسها، وأهلكت جنسها، حيث لم تتكامل في المآل بل أسرعت، وعليه فلا تحصد إلا ما زرعت، وخصوصا إذا (إذ) خالفت قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا﴾. كما خالفت قوله تعالى أيضا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (٢). وبعد ذلك أعلن المفتيان عن خضوعهما لفرنسا والإذعان لها، والإعراب لها عن (إخلاصنا وتعلقنا بأذيالها، ورغبتنا في الاستظلال تحت ظلالها. وننكر على تركيا غلطها الفاحش فيما أقدمت عليه من هذه الحرب

стр. 1793

النحيسة، ونتبرأ من التشيع لها ...) ثم نصحا الجزائريين بالصبر وعدم التهور، وعدم التشيع لألمانيا: (وعدم الاشتغال بالسياسة). ومسالمة (حكومتهم) الفرنسية، وعدم مشاركة الأتراك، لأن (خليفة المسلمين كان عليه أن يذب عنهم ويدافع عن الدين والمال والبدن، وإلا فهو غير مجتهد للمسلمين بل غاش لهم، إن تركيا في الدرك الأسفل من الضعف والاعتلال، والعجز والقصور والاختلال). أما الدولة الفرنسية، فهي ذات القوة والبأس، والعدل والإحسان والكرم. والواقع أن هذه اللغة وهذا الموقف قد أكدا على ما قلناه من أن الإدارة الفرنسية كانت تستغل رجال السلك الديني، وهي بذلك تضعف من مركزهم في نظر المواطنين، وذلك أن هؤلاء قد وجدوا المتكلمين باسمهم في فئات أخرى، وتركوا هؤلاء المفتين والأئمة في غيهم يعمهون، يباركون أعمال المحتل وينصحون بالخضوع إليه والتسبيح بحمده، ويتدخلون في السياسة وينهون عنها مواطنيهم، ونحن نعلم أن هذه الفتاوى والنصائح قد تكون صادرة عن الإدارة الفرنسية نفسها، وأنه لا حول ولا قوة لهؤلاء الشيوخ في رفضها أو تعديلها، ولكننا لم نسمع عن أحد منهم أنه استقال من منصبه، فالواحد منهم يظل في وظيفه إلى أن يخرج منه إلى القبر، أو ما دام الفرنسيون راضين عنه. وقد أخبرنا أوغسطين بيرك بكل صراحة أن بعض هؤلاء الموظفين كانوا من رجال المخابرات وكانوا يقدمون تقاريرهم إلى الشرطة، فوظيفتهم دينية إسلامية في الظاهر فقط، أما في الباطن فلهم دور آخر يلعبونه، ولذلك كان الفرنسيون يتشددون في اختيار الواحد منهم، وإذا عدنا إلى قائمة المفتين والأئمة الرسميين المأجورين (لأن هناك أئمة معينين غير مأجورين كما سبق) لوجدنا أن أغلبهم مروا بكل المراحل التي تجعلهم تحت مجهر الشرطة والمصالح السرية، من تلميذ في المدرسة، إلى موظف في جريدة المبشر، إلى تابع في إحدى مصالح الأهالي، إلى قاض أو باش عدل، قبل أن يعهد إليهم بالرتبة الدينية الصورية، وخلال ذلك كانت توضع لكل واحد منهم

стр. 1794

ملفات وبطاقات تسجل فيها حركاته وآراؤه ومستواه وطموحاته وعلاقاته، فإذا اختل واحد من مقاييس التوظيف الضرورية فلا يدخل المترشح ذلك الوظيف ولا يتولى المنصب ولو شاب الغراب. وكلما تطورت الحياة في الجزائر وجدنا السلك الديني طوع بنان الإدارة، إن الاحتفال بالاحتلال سنة ١٩٣٠ كان وصمة عار ذكرت الجزائريين بتازيخ فقدان استقلالهم وسيطرة العدو على أرضهم (١). ومع ذلك وجدنا رجال السلك الديني في منصة رئيس الجمهورية الفرنسية (غوستان دومورك) أثناء تلك المناسبة، وكانت لعنات الشعب توجه إليهم من العيون والقلوب، ولكنهم كانوا في وضع لا يحسدون عليه، وكان المتكلم باسم المدرسين هو إمام الجامع الكبير الشيخ دحمان حمود، وهو الذي أصبح مفتيا أيضا (انظر عنه فصل التعليم في المساجد). وأحيانا يكون استعمال رجال السلك الديني في أخطر من ذلك، إن حياتهم قد تصبح معرضة للخطر، ونحن نذكر ما حدث للشيخ محمود كحول المعروف بابن دالي، مفتي المالكية، سنة ١٩٣٦، فقد نسبت إليه الإدارة برقية موجهة إلى السلطات الفرنسية في باريس ضد شرعية وفد المؤتمر الإسلامي، ولا سيما أعضاء جمعية العلماء، في تمثيل الشعب الجزائري، وقد فسر المعاصرون الأحداث التي أدت إلى اغتيال الشيخ كحول في رابعة النهار واتهام الشيخ الطيب العقبي بالتحريض عليه، بأنها كانت من تدبير الإدارة الفرنسية ومصالح المخابرات، لضرب وحدة المؤتمر الإسلامي وزعزعة الرأي العام الوطني من جهة، وضرب جمعية العلماء باتهامها بالاشتغال بالسياسة وعزل الجمهور عنها من جهة أخرى، ويبدو أن الإدارة قد نجحت على الأقل في الهدف الأول لأن المؤتمر

стр. 1795

الإسلامي قد فشل وتنازع أعضاؤه نتيجة الحادث، كما أن جمعية العلماء أصيبت بنكسة بخروج الشيخ العقبي من إدارتها، غير أن الجمعية واصلت رسالتها مع ذلك. لقد حركت الإدارة الفرنسية (رجال الدين) ضد رجال الإصلاح والسياسة، وعندما أبرق الشيخ كحول إلى رئيس وزراء فرنسا يتهم العلماء بالاشتغال بالسياسة وبالمغامرة وبعدم صدق تمثيلهم للشعب، كان في الحقيقة ينطق باسم رجال الدين الآخرين، ونحن لا يهمنا هنا التحقيق القضائي وبراءة هذا وتجريم ذاك، إنما يهمنا التذكير بدور رجال الدين الرسميين وكيف كانت السلطات تسخرهم لخدمة أغراضها في الأوقات الحرجة مثل تأييد فرنسا ضد الخلافة الإسلامية في الحرب الأولى، ومثل الظهور على المنصة الرسمية عند الاحتفال المئوي، ومثل ضرب التضامن الوطني خلال المؤتمر الإسلامي. كان الشيخ كحول من المتعلمين الحذقين، بدأ حياته في قسنطينة (ولد حوالي ١٨٧٢) مستمعا لدروس علمائها مثل المجاوي والونيسي، ومدرسا في إحدى مدارسها الابتدائية الفرنسية (سيدي مسيد). ثم اشتغل محررا في جريدة المبشر بالعاصمة، وهي مدرسة للصحافة والمخابرات معا، وعهد إليه سنة ١٩٠٧ بإدارة تحرير جريدة (كوكب إفريقية) التي أسستها إدارة جونار وأشرفت عليها مطبعة فونتانة، وقد أظهر حنكة وخبرة خلال عمله الصحفي، ثم تولى مع لويس بودي L.BOUDI إنشاء (التقويم الجزائري) فأصدرا منه ثلاثة أعداد (ثلاث سنوات). وكان كحول ناجحا في حشو (التقويم) بالمعلومات والصور والإحصاءات والأشعار، وقد أصبح التقويم مصدرا مهما، باعتباره حولية صادرة من ميزانية الإدارة وتحت إشرافها، ثم تولى الشيخ كحول أيضا الإمامة والتدريس في مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية، ثم الفتوى، ولو سخر قلمه لفائدة الدين والعلم والوطن لقدم فائدة كبيرة لأنه كان متعلما قويا، ولكن الله شاء له تلك النهاية، فعندما نقل جثمانه إلى قسنطينة لم يتطوع أحد حتى للصلاة عليه، فتقدم صديق قديم للصلاة

стр. 1796

عليه، وهو الشيخ أحمد الحبيباتني، ولكن هذا الشيخ قد عرض حياته للتهديد إذا هو فعل ذلك (١). والإمام الذي وقف سنة ١٩٣٠ على منصة الرئيس الافرنسي ليحتفل بالاحتلال ويمارس السياسة على أوسع نطاق، هو الذي أفتى - وقد صار مفتيا - سنه ١٩٣٧ بعدم استعمال الجامع للسياسة، كان ذلك عندما لجأ بعض أنصار (حزب الشعب) أثناء إحدى المظاهرات، إلى الجامع الكبير، بعد اشتباكهم مع الشرطة الفرنسية، فقد أصدر المفتي حمدان حمود بيانا استنكر فيه لجوء المتظاهرين إلى الجامع، وقال إن ذلك يجب ألا يتكرر لأنه لا يليق بحرمة الجامع، وقال أيضا إنه لا يليق بجماعة سياسية الاعتداء على حرمة المسجد، خصوصا وأنها تنتمي إلى حزب سياسي منحل (٢). وكان متوقعا أن يتخذ رجال الدين بمناسبة الحرب العالمية الثانية مواقف مشابهة لما اتخذوه من مواقف في بداية الحرب الأولى، سواء كان ذلك بإرادتهم أو أملي عليهم إملاء، ويبدو أن أكثرهم حماسا هو المفتي حمدان حمود الذي لا نعرف عن كفاءته الدينية والعلمية سوى أنه من خريجي مدرسة الجزائر الرسمية، فمن هو حتى يمثل الإسلام والمسلمين؟ لقد اغتنم رجال الدين هؤلاء - من مفتين وأئمة - فرصة حلول ليلة الإسراء والمعراج، وعقدوا اجتماعهم (السياسي) جدا، وبعد خطاب ألقاه المفتي المذكور (دحمان حمود). طلب من المصلين الدعاء بالنصر للأمة الفرنسية (٣). ولكن

стр. 1797

الحكومة الفرنسية سقطت في أقل من عام، وعانت الأمة الفرنسية من التمزق والاحتلال بدورها ما كان عبرة للجزائريين والعالم. تصنيف المساجد وموظفيها إذا نظرنا إلى هيئة رجال الدين فسنجدها لا تلفت النظر في حجمها ولا فعاليتها، ففي آخر العهد الفرنسي بلغ عدد المفتين ٢٥، والأئمة ١٢٤، والمدرسين ٢١، وبلغ الحزابون والمؤذنون ١٥٠، وهناك أشخاص آخرون توظفهم الإدارة الفرنسية في المساجد وتسميهم بالأشخاص الرئيسيين وعددهم ٦١٨٩، والأشخاص الثانويين وعددهم ٢٥٣ (١). كل ذلك في شعب تعداده حوالي عشرة ملايين نسمة. هذا عن المساجد التي تشرف عليها الإدارة وعن الموظفين الذين تصرف عليهم من ميزانية الدولة (بعد ضم الأوقاف إليها). أما المساجد الأخرى فهي كثيرة، وهي إما تحت رقابة السلطات المحلية دون الإشراف المالي عليها، وإما حرة تماما، وهي المساجد التي نشأت منذ ١٩٢٠ تقريبا، وتذكر المصادر الفرنسية أن فرنسا أصلحت من الجامع الكبير بالعاصمة ونقلت إليه عرصات جامع السيدة بعد هدمه، وأنها رممت بعض المساجد في عواصم الأقاليم الأخرى مثل وهران وقسنطينة، كما قامت بإنشاء مسجد باريس، وهو مشروع سياسي في الحقيقة ولا يهم الجزائريين وحدهم، وقد بدأ العمل فيه والحديث عنه منذ آخر القرن الماضي (عهد كامبون). ولو أن السلطات الفرنسية تركت للمسلمين مساجدهم دون أن تهدمها أو تحولها عن وجهتها أو تبيعها لأغراض دنيوية، لقاموا بشؤونها أفضل بكثير مما فعلت هي، سيما لو أنها ردت إليهم أوقافهم المصادرة، وقد لخص الشيخ محمد

стр. 1798

بيرم الخامس الوضع عند زيارته للجزائر في القرن الماضي بقوله عن السلطات الفرنسية والمساجد (وفي كل بلد (بلدة) اقتصرت (السلطات) على عدد من المساجد مخصوص تقوم به، وتصرفت في غير ذلك بما يناسبها، وحرمت المستحقين من مال الأوقاف الذي هو مالهم، مثل أوقاف الحرمين) (١). لم تكن الجزائر في حاجة إلى مساجد عندما احتلتها فرنسا، ولم يكن الشعب عاجزا عن إنشاء المساجد والمحافظة عليها، فالوثائق الفرنسية تشهد أن الأعراش كانت تبني المساجد من تلقاء نفسها، رغم الحرمان والفقر والحروب ومصادرة الأراضي، ويذكر تقرير يرجع إلى سنة ١٨٤٦ - ١٨٤٩ أن ثلاثة مساجد بنيت في البليدة، وستة في أم السنام (الأصنام)، واثنين في معسكر، وواحدا في كل من سور الغزلان وسكيكدة، وقالمة، وسطيف وباتنة (٢). فالمجموع ستة عشر مسجدا قيل عنها إنها بنيت من أموال الأعراش والقبائل وليس من ميزانية الإدارة الاستعمارية. وفي إحصاء آخر يرجع إلى سنة ١٨٥١ أن في الجزائر، المحتلة عندئذ، ١، ٥٦٩ مسجدا، منها ٧٥ في المناطق التي أطلقوا عليها مدنية (أي المدن الساحلية وما حولها) موزعة كالتالي: ٣٣ في إقليم الجزائر، و ٢٨ في إقليم قسنطينة، و ١٤ في إقليم وهران، أما المساجد في المناطق الريفية (البادية أو العسكرية) فتبلغ ١، ٤٩٤ مسجدا، منها ٩٥١ في إقليم قسنطينة، ٩٤٧ في إقليم الجزائر، ١٩٤ في إقليم وهران، ولكن هذه المساجد كلها (عدا المصنفة التي سنذكرها) لا يحصل القائمون عليها على أي راتب لا من الأوقاف التي صودرت ولا من ميزانية الحكومة الفرنسية، غير أن التناقض يظهر في أنهم (الأئمة) جميعا كانت تعينهم السلطات الفرنسية للإشراف عليهم سياسيا فقط (٣).

стр. 1799

وما سمي بتصنيف المساجد في الجزائر جرى سنة ١٨٥١. فخلال عشرين سنة من الاحتلال ظل وضع المساجد وموظفيها على ما هو عليه دون دراسة في ضوء التغيرات التى حدثت نتيجة الاحتلال، ولا سيما التغيرات الكبيرة مثل: ١ - الاستيلاء على الأوقاف. ٢ - هدم وتحويل العديد من المساجد. ٣ - هجرة وموت الكثير من الوكلاء والموظفين. وقد ترتب على الإجراءات الفرنسية المذكورة الإهمال لشؤون المساجد وموظفيها، فقد انتزعت الرواتب من هؤلاء دون أن يحصلوا على ما يؤمن بقاءهم في تسيير شؤون المساجد، وكذلك كان مصير الوكلاء، الذين كانوا يشرفون ويسيرون أوقاف كل مؤسسة، وهذا في الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية تفسح المجال وتساعد على إنشاء الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر وتقدم لها العون المالي والأراضي وحتى المساجد لتحولها إلى كنائس (١). وبعد دراسات مستفيضة دامت سنوات، صدر تصنيف المساجد حسب أهمية المسجد والمدينة الواقع فيها، مع ملاحظة أن التصنيف لا يشمل الجامع الكبير بالعاصمة، وهو الجامع الذي نظر إليه الفرنسيون على أنه ذو اعتبار خاص، كما كانوا ينظرون إلى كنائسهم الكبرى - أو الكاتيدرالية (وكان في الواقع ذا حرمة كبيرة في العهد العثماني، وكان من حيث التعليم في مقام الجامعة، ولكن الفرنسيين قلصوا حجمه ووظيفته وغطوه من جميع الجهات، وكادوا في عدة مرات يهدمونه، وإليك الآن أصناف المساجد: ١ - الصنف الأول: المساجد ذات المنارة الكبيرة. ٢ - الصنف الثاني: المساجد ذات منابر الخطب الجمعية والعيدين.

стр. 1800

٣ - الصنف الثالث: المساجد ذات المنابر الأقل أهمية. ٤ - الصنف الرابع: المساجد التي ليس لها منابر. ٥ - الصنف الخامس: الزوايا (أو المساجد التابعة لها) (١). وبناء على هذا التصنيف، الاعتباطي في الحقيقة والذي راعى الجانب المالي أكثر من الجانب الروحي، أصبح في الجزائر كلها تسعة مساجد فقط من الصنف الأول: ثلاثة في العاصمة (عدا الجامع الكبير). وهي: الجامع الجديد، وجامع سيدي رمضان وجامع صفر، وكم كان في العاصمة من المساجد ذات الصوامع الكبيرة والجميلة ولكنها هدمت أو حولت عن غرضها مثل جامع كتشاوة وجامع السيدة، وفي قسنطينة كذلك كانت عدة مساجد من الدرجة الأولى من التصنيف لو أنها بقيت على حالها، ولكن هذا التصنيف ذكر منها الجامع الكبير وجامعا آخر لا يحضرنا اسمه، أما في تلمسان فلم يبق إلا الجامع الكبير، وقد كان في معسكر مسجد ذو منارة عالية أشاد به الفرنسيون أنفسهم، ولكنه أهمل من هذا التصنيف، ربما لأن مدينة معسكر لم تعد لها الأهمية التي كانت لها زمن الأمير والبايات. وعدد مساجد الصنف الثاني تسعة فقط أيضا، أي تلك التي لها منابر للخطبة، منها اثنان في قسنطينة واثنان في تلمسان، وواحد في كل من البليدة وعنابة ووهران ومستغانم ومعسكر، ومن الصنف الثالث اثنا عشر مسجدا: قسنطينة (٥)، وتلمسان (ضضض ٢)، وواحد في كل من شرشال وتنس والمدية ومليانة ودلس. لاحظ أن التصنيف لم يذكر لمدينة الجزائر التي كانت تضم عشرات المساجد، أي مسجد من الصنف الثاني ولا من الثالث، أما الصنف الرابع فقد كان يضم ١٤ مسجدا، وكان حظ مدينة الجزائر منه أربعة فقط، وقسنطينة ستة وتلمسان اثنين، وواحد في سكيكدة والقليعة، ونلاحظ أن مدينة بجاية التي كانت تتوفر على عدد كبير من المساجد (انظر الفصل

стр. 1801

الخاص بذلك) لم يذكر لها التصنيف أي مسجد من أي صنف من الأصناف الأربعة، ولم يذكر لعنابة إلا مسجدا من الدرجة الثانية رغم ما كان فيها من مساجد، وقس على ذلك مدنا أخرى. أما المساجد التي بداخل الزوايا والتي صنفت في الزوايا، فمنها سبعة وثلاثون (٣٧). منها في العاصمة ١٢، وفي ساحلها ٧، وفي قسنطينة ٦، وفي تلمسان ٥، ثم واحد في كل من بجاية وجيجل وميلة، وسطيف، وباتنة، ووهران، وسيدي بلعباس (١). فجملة المعابد والمساجد التي شملها التصنيف ٧٨. وبمقتضى هذا التصنيف للمساجد يتحدد الموظفون ودرجاتهم وعددهم، وقد قلنا إن الذي تحكم في التصنيف كما يبدو، هو الميزانية التي ستخصص للموظفين والصيانة ونحو ذلك، وعلى هذا الأساس فإن المساجد التي ترجع إلى الأصناف الثلاثة الأولى يشرف عليها ويسيرها موظفون من نوع المفتين ويساعدهم في مهمتهم واحد أو اثنان من نوع الأئمة، كما يساعدهم عدد آخر من الموظفين بأهمية أقل، أما المساجد التي تدخل في الصنفين الرابع والخامس فيشرف عليهما موظفون من نوع الأئمة، ويمكننا أن نقوم بعملية لإخراج عدد المفتين وعدد الأئمة الرسميين، فمدينة الجزائر كان لها مفتيان - مالكي وحنفي - وكذلك قسنطينة، وفي تلمسان مفتي واحد، ولكن عدد الأئمة كان تقريبا بعدد المساجد، أي حوالي ٧٨ إماما في الجملة، وهؤلاء هم الذين سيتقاضون مرتبات من الميزانية الاستعمارية (هكذا كانت تسمى). أما أئمة المساجد الأخرى، المساجد غير المصنفة وغير الرسمية - فلا يتقاضون مرتبات، كما ذكرنا، وعددهم بالمئات. وبعد أن عرفنا بعض الموظفين أثناء الحديث السابق، وهم المفتون

стр. 1802

والأئمة، دعنا نذكر الآن بقية الموظفين في المساجد والذين ستيقاضون أيضا أجورا من الميزانية الاستعمارية، وهؤلاء الموظفون موزعون أيضا حسب أهمية المسجد التابعون له، أي من أي صنف من الأصناف المذكورة هو، فموظفو مساجد الصنف الأول هم: مدرس واحد، وباش حزاب، وثلاثة حزابين آخرين من الدرجة الأولى، وثلاثة من الدرجة الثانية، (والحزاب هو قارئ القرآن) ومؤذن، وأربعة من الطلبة يطلق عليهم (ناس الحضور) أو الحضور فقط، وهم قراء صحيح البخاري في مواسم معينة مثل شهر رمضان المعظم. وأما موظفو مساجد الصنف الثاني، فبالإضافة إلى المفتي والإمام (أو هما معا) هناك حزاب من الدرجة الأولى، وحزابان من الدرجة الثانية، ومؤذن، ثم موظفو مساجد الصنف الثالث، وهم بالإضافة إلى المفتي والإمام، هناك حزاب واحد من الدرجة الثانية، ومؤذن، أما موظفو مساجد الصنف الرابع فيضاف إليهم مؤذن واحد فقط، ومن المفهوم أنه ليس للصنف الخامس موظف آخر غير الإمام فهذا هو الذي يقوم في المساجد المعنية بكل الوظائف تقريبا، بما فيها الإمامة في الصلاة والأذان وقراءة القرآن، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. بقي أن نتعرض للجامع الكبير بالعاصمة الذي استثني من التصنيف، لمراعاة سياسية، فيما يبدو، والجامع الكبير (الأعظم، كما كان يسمى) كان مقرا للمجلس العلمي، وللمفتي المالكي، وكانت له أوقاف ضخمة متميزة، وسمعة هائلة لمكانة مدرسيه ومرافقه المريحة لاستقبال العلماء الغرباء ومكتبته الغنية بالمخطوطات، الخ .. وقد بلغ أوجه كمؤسسة علمية في عهد الشيخ سعيد قدورة، وطل محتفظا بأهميته إلى وقت الاحتلال (١). وعندما صادرت فرنسا الأوقاف (ومنها أوقاف الحرمين والأشراف الخ ..) استثنت أوقاف الجامع الكبير، ولكن عندما بدأت بمصادرة أوقاف المساجد بدأت

стр. 1803

بأوقاف الجامع الكبير سنة ١٨٤٣، وكان المفتي الكبابطي قد عارض ذلك وغيره من الإجراءات الفرنسية، فكان مصيره النفي، ومن ثمة نرى أن الجامع الكبير بالعاصمة ظل في وضع استثنائي منذ الاحتلال، وكان يمكنه أن يلعب دورا استثنائيا أيضا في الحياة العلمية والدينية للبلاد لو أنه وجد علماء يقدرون ذلك ويعرفون مكانته ومكانتهم في التاريخ، ولكنه أصيب (بموظفين) خنعوا للضغط وطمعوا في المنصب، فكان حال الجامع كحال بقية المساجد (بدون استثناء)، وكان حالهم كحال بقية الموظفين في المساجد الأخرى. ولا تظهر المكانة المعنوية للجامع الكبير في عدد الموظفين الذين يتقاضون أجورا من السلطات الفرنسية، ولكن في الدور العلمي والديني، وهو الدور الذي فقده منذ الاحتلال، ومع ذلك فإن الفرنسيين قد خصصوا لهذا الجامع عددا أكبر من غيره من الموظفين، فكان هؤلاء يشملون: المفتي، والإمام، والمدرس، والباش حزاب (رئيس القراء)، وستة حزابين من الدرجة الأولى، و ١٢ حزابا من الدرجة الثانية، وباش مؤذن وهو ناظر الجامع أو القيم عليه، وثلاثة مؤقتين، و ٩ مؤذنين و ٤ يسمون ناس الحضور، وهم، كما قلنا، أناس متعلمون (طلبة) مهمتهم قراءة صحيح البخاري، ونلاحظ هنا عدم ذكر الوكيل الذي كانت مهمته الإشراف على الأوقاف وتسييرها وحفظ مداخيلها، وهو وظيف لم يعد له ضرورة ما دامت الأوقاف قد دخلت في الإدارة المالية (الدومين) وأصبح المشرف داخل هذه الإدارة نفسها تأتيه السجلات والحسابات إلى مكتبه، كما لا نجد ذكرا هنا لقارئ أو قراء (تنبيه الأنام) الذي كان ضمن موظفي بعض المساجد، وقد ذكرت المصادر الفرنسية أن المدرس هو (مفسر القرآن)، وهذا يعني أن الدور المسنود للمدرس في الجامع الكبير خلال هذا العهد قد انحصر في الدرس الديني، وهو في الواقع درس في الفقه والتوحيد انطلاقا من آية أو نص من حديث، ولذلك قلنا إن الجامع الكبير الذي كان في الماضي يعج بالمدرسين الأحرار قد خصص له مدرس واحد - وأي مدرس؟ - ليلقي على العامة درسا

стр. 1804

في مبادئ الدين، ومن ثمة فقد الجامع مكانته العلمية، وكثير من الموظفين المذكورين سيقع الاستغناء عنهم أيضا فيما بعد. بالنسبة للرواتب أو الأجور نلاحظ أن تصنيف سنة ١٨٥١ قد نص على بعض التفصيل، فأجور المفتين والأئمة (حوالي ٨٠ فردا) تخرج من ميزانية الدولة الفرنسية، أي من وزارة الحرب لأن الجزائر كمستعمرة كانت تابعة لهذه الوزارة، وأما أجور الموظفين الآخرين، ممن ذكرنا، المدرس، الحزاب، الخ، فتخرج من الميزانية المحلية أو البلدية (١). وفي السبعينات ذكر ألبير ديفوكس أن موظفي جامع سيدي رمضان (جامع القصبة القديمة، كما كان يسمى) كانوا على النحو التالي: خطيب وهو أيضا الإمام الذي يؤدي الصلاة اليومية والجمعة، ووكيل، ومؤذنان عاديان (من الدرجة الثانية). وثلاثة مؤذنين خاصين بيوم الجمعة، وستة من الحزابين، وخمسة من قراء كتاب (تنبيه الأنام)، وقارئ واحد لصحيح البخاري، وقارئ للتوحيد (٢). وقراء آخرون احتياطيون لقراءة القرآن خلال شهر رمضان، وقارئ وأحد لقراءة كتاب سيدي عبد الرحمن (٣). ثم رئيس للموظفين، وسراج وهو موقد المصابيح، ويسمى أحيانا الشعال، والكناس أو المنظف للمطاهر ونحوها. ولجامع سيدي رمضان مصاريف تتمثل في الصيانة والإضاءة خلال رمضان وغيره، من ذلك شراء الشمع: اثنتين خلال رمضان بخمسة فرنكات للواحدة، وتسعة مكاييل زيت للإضاءة، وسكريات، ثم شراء الحصر والزيت للإضاءة العادية، وتبييض الجامع مرتين في العام، والإصلاحات الضرورية الأخرى، وقد كانت للجامع أوقاف ضخمة (حوالي خمسين بناية) تغطي هذه

стр. 1805

المصاريف وغيرها، ولكنها ضمت كغيرها إلى الإدارة المالية الفرنسية (الدومين) (١). وأصبحت هذه الإدارة تقتر عليه وعلى موظفيه. وهناك نموذج آخر ذكره ديفوكس وهو يخص إحدى الزوايا، أي الصنف الخامس من التصنيف المذكور، ونعني بها زاوية سيدي محمد الشريف المتوفى بالجزائر سنة ٩٤٨ (١٥٢٢) (٢). وكانت تضم مسجدا من الدرجة الثانية (تصنيف ديفوكس) وله صومعة، وأضرحة، وغرفة فيها ضريح سيدي محمد الشريف، وجبانة لدفن المسلمين، ولكن الفرنسيين أوقفوا الدفن فيها منذ ١٨٣٠ (ضضض ٢). وكان بها أيضا مدرسة وثلاث غرف للسكنى، وكانت الزاوية مقرا للوكيل ولها موظفون كانوا يختارون عادة من نسل الشيخ سيدي محمد الشريف نفسه، وهم إمام (الخطيب) ومؤذن، وحزابان، وشاوش، وسراج، وكناس، ومنظف، وللزاوية مصاريف تنحصر تقريبا في التبييض مرتين سنويا لكل من الجامع والزاوية، وشراء حوالي ٦٠ ليترا من الزيت للإضاءة شهريا، ثم شراء الحصر، و ٢٥ رطلا من السكر للشربات المخصصة للعلماء وزوار الزاوية، وكانت الزاوية تطعم بمناسبة المولد النبوي، عددا من الفقراء الذين يحضرون إليها، كما كانت تشتري ثورين لهذا الغرض، و ١٨ كيلة من القمح، و ٣٠ رطلا من الزبدة، و ١٥ أحمال من الحطب، و ٦ كيلات من الزيت، بالإضافة إلى الخضر والفحم (٣). من الطبيعي أن تختلف المصاريف من مؤسسة إلى أخرى، حسب الحجم والمال، وكذلك من عهد إلى آخر، وقد عرفنا أن جزءا فقط من الميزانية كانت تتحمله الدولة الفرنسية، رغم أنها هي التي استولت على مصادر التمويل لهذه المؤسسات وموظفيها، أما الجزء الباقي فمتروك

стр. 1806

للسلطات المحلية (العسكرية) والبلدية، ونحن نعلم من دراستنا للأملاك الحضرية التي تعرض إليها السيد أوميرا، أن الحكومة الفرنسية كانت أحيانا تقدم جزءا ضئيلا فقط في شكل (مساعدات) خيرية للسلطات المحلية والبلدية، وكانت هذه السلطات لا تخصص شيئا أو لا تخصص إلا القليل من ميزانيتها للمؤسسات الإسلامية، ولذلك كان هناك مساجد بنيت من أموال الشيعب وتبرعات المحسنين. في ١٨٣١ كان دخل زاوية الولي داده وحدها: ٤٠٣، ٥ بياستر، وكان لها فائض هو ١٨٧ بياستر، وهذا الدخل موزع كما يلي: الإمام ٢٤، ٥، الخطيب ٢٤، القارئ ١٨، زيت المصابيح ٩٦، المنظف ٣٠، الحصير ١٢، مواد أخرى متنوعة ١٢، وكان الفائض يرجع إلى الوكيل، وقد جرت العادة قبل الفرنسيين أن يكون للوكيل خوجة يساعده في الحسابات، كما أن على هذه الزاوية وغيرها أن تدفع مالا لفقراء مكة والمدينة، ولفقراء الجزائر أيضا، هذا عن الدراهم أما مداخيل الإيجارات التي تنجر عن أملاك الوقف والتي كانت تابعة دهذه الزاوية فلا ذكر لها هنا. وهذه الإيجارات تسمى (العنا). كما أن من مداخيل هذه الزاوية وغيرها ما يدفعه الزوار للتبرك والتعبد، وهو عادة يكون بكميات كبيرة (١). ولكن هذا الوضع قد تغير تماما بعد التصنيفات المذكورة سنة ١٨٥١. ومن عدة مصادر نعرف بعض ما كان يتقاضاه بعض الموظفين من الإدارة الفرنسية الجديدة بعد مصادرة الأوقاف، فهذا أحد الأئمة في جامع زاوية القاضي كان يتقاضى سنة ١٨٤٥، مرتبا شهريا هو ٥، ٤٠ فرنك، وقد أناب عنه في الإمامة شخصا آخر (وهي عادة كانت جارية) ويعطيه نصف ذلك المبلغ، وكان المفتي الحنفي سنة ١٢٦٦ هـ (١٨٤٩ م) يأخذ من نفس الإدارة ٢٥٠ ف شهريا. وفي سنة ١٨٤٥ أيضا وجدنا إماما (مسجد ابن شلمون)

стр. 1807

يقبض ١، ٢٠٠ فرنكا سنويا، وهكذا (١). ويخبرنا أبو حامد المشرفي الذي زار تلمسان حوالي سنة ١٨٧٨ أن إمام الجامع الكبير بها (وهو الشيخ ابن عودة بن غبريط) كان يقبض ١٥ ريالا دورو شهريا، وكان رئيس الحزابين (القراء) يقبض ١٢ ريالا دورو، وبناء على الشيخ المشرفي فقد كان بتلمسان عندئذ ثلاثون مسجدا عدا المراكز (المكاتب) القرآنية والجامع الكبير (٢). وكان ذلك بعد التصنيف الذي اعتبر معظم مساجد تلمسان من النوع الرابع والخامس، وعندما زار بيرم الخامس مدينة الجزائر وجد فيها، كما قال، عشرة مدرسين، وأخبر أن القراعة كانت في النحو والفقه المالكي، وقليل من الحديث أو غيره (٣). ويذكر رين أن رواتب رجال الدين المسلمين الموظفين عند الدولة الفرنسية قد بلغت ١٦٦، ٤٩٠ فرنك سنة ١٨٨٤، وهي موزعة كما يلي: ١ - ١٦ مفتيا يقبضون من ١، ٢٠٠ فرنك إلى ٤، ٠٠٠ فرنك، أي ٢٨، ٢٠٠ فرنك. ٢ - ٨١ إماما يتقاضون من ٣٠٠ ف إلى ١، ٥٠٠ ف، أي ٤٠، ٣٠٠ ف. ٣ - عدد من الموظفين لا يوجد إلا في المساجد الكبيرة، وهم: ١ - المدرسون: وهم المكلفون بتعليم الدين للأطفال والتلاميذ البالغين (٤).

стр. 1808

٢ - الباش حزابون: وهم قراء القرآن من الدرجة الأولى، وحزابون آخرون لقراءة القرآن وغيره من الكتب الدينية. ٣ - الباش مؤذنون والمؤذنون العاديون، وقد عرفنا دورهم. ويقول رين: إن هؤلاء الموظفين في الأرقام الثلاثة الأخيرة يكلفون الميزانية الرسمية ٧٦، ٠٧٠ ف. أما صيانة المساجد والوسائل الأخرى الخاصة بإدارتها والمرصودة على ميزانية الجزائر، فقد كلفت الميزانية ٤٩، ٨٥٠ ف، فجملة تكاليف الديانة الإسلامية في الميزانية الفرنسية (مساجد وموظفون الخ) وصلت ٢١٦، ٣٤٠ ف. وهذا مبلغ ضئيل جدا بالنسبة لعدد السكان المسلمين الذين بلغوا في الثمانينات ثلاثة ملايين نسمة، وقد أكد على ذلك لويس رين نفسه، سيما وقد لاحظ مدى تدين الجزائريين وحرصهم على عقيدتهم (١). وسنقارن هذه الميزانية بالميزانية المخصصة من قبل الدولة الفرنسية نفسها للأديان الأخرى في الجزائر، خلال نفس الفترة، وقبل ذلك نريد أن نؤكد على أن مساجد الجزائر لم تكن فقيرة وإنما حرمانها من أوقافها هو الذي جردها من الموارد المالية وترك موظفيها القليلين عالة على الإدارة الفرنسية، وكان الجزائريون في الواقع هم الذين يدفعون المبلغ المذكور (٢١٦، ٣٤٠ ف) لأن السلطات الفرنسية كانت تفرض عليهم الضرائب العادية وضرائب أخرى دينية وأخرى تسميها (الضريبة العربية). فالقول بأن (ميزانية) الدولة أو الحكومة الفرنسية هي التي تغطي مصاريف المساجد ورواتب الموظفين هو محض تمويه غير مقبول. ... وبناء وصيانة المساجد كان مشكلة مزمنة، ويخبرنا آجرون أن المبلغ الذي تخصصه الدولة الفرنسية سنويا لذلك (وهو ٤٥، ٠٠٠ ف) كان لا

стр. 1809

يكفي، وكان يضيع في المرافق الأخرى لأن السلطات المحلية تتصرف فيه، ورغم كثرة الحديث عن بناء المساجد فإن المشاريع لا تتم بدعوى عدم توفر المال، وقصة جامع سبدو مثل على ذلك، ففي سنة ١٨٨٠ (عهد الحاكم العام قريفي) بدئ فيه، ثم توقف العمل بعد سنة، وقيل: إن الحاكم العام تيرمان رخص للأهالي بجمع التبرعات له سنة ١٨٨٨، ثم توقف العمل فيه من جديد بعد أن بلغ حائطه أربع مترات، بدعوى عدم المال، وكيف لا يكون التحيز واضحا في معاملة ميزانية الأديان الثلاثة في الجزائر، فرغم أن الإسلام دين الأغلبية الساحقة من السكان فإن ميزانيته أقل ٢٢ مرة من ميزانية الديانة المسيحية وأقل ٧ مرات من ميزانية الديانة اليهودية (١). وقد أشرنا إلى اضطهاد الديانة الإسلامية في مجال آخر، وهو عدم الفصل بينها وبين الدولة أسوة بالفصل الذي حدث بالنسبة للديانتين المسيحية واليهودية سنة ١٩٠٧، فإلى ١٩٤٧ كانت الدولة الفرنسية هي التي تسير الشؤون الإسلامية (٢). ورغم صدور القانون بالفصل في التاريخ الأخير، فإن التطبيق لم يتم نظرا للعراقيل الكثيرة التي وضعها الكولون والحكام العامون، فقد كان خوفهم كبيرا من استقلالية الديانة الإسلامية، وكانوا يدعون أن المسلمين لم يتفقوا على كيفية الإشراف على ديانتهم، بينما كانت جمعية العلماء ومن أيدها ترى ضرورة قيام هيئة إسلامية لتشرف على ذلك، بينما كان الفرنسيون يريدون تكوين جمعية خاضعة للقوانين الفرنسية وتتحرك كما يتحرك الكاثوليك وغيرهم، وتنصيب (مجلس أعلى) منتخب، على طريقتهم في الانتخاب، وقد وظفت الإدارة عملاءها المعتادين لعرقلة كل تقدم في عملية فصل استقلالية الدين الإسلامي عن فرنسا. وإلى سنة ١٩٥٢ كانت خطبة الجمعة، كما يقول ماسينيون، باسم

стр. 1810

الخلفاء الراشدين الأربعة، وقد أشرنا إلى الصيغة التي ارتضاها المسلمون غداة الاحتلال، وليس فيها إشارة إلى الخلفاء الراشدين، ولا عبرة بالمرجعية التاريخية التي أصبحت في الحقيقة شكلية فقط، ما دامت الخلافة نفسها قد ألغيت سنة ١٩٢٤، وما دام المسلمون غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم وتطبيق شريعتهم. وحوالي هذا التاريخ (١٩٥٢) كان عدد الموظفين الرسميين في الديانة الإسلامية ٥٧٣ من بينهم ٢٥ مفتيا كما سبق، والباقون يشكلون الفئات الأخرى: الأئمة والخطباء والمدرسون والحزابة والمؤذنون، وكانوا جميعا يعينون تعيينا من قبل السلطات الفرنسية، أما عدد المساجد (الرسمية؟) فقد بلغ ١٧٤ مسجدا (١). وسواء نظرنا إلى عدد الهيئة الدينية أو إلى عدد المساجد، فإنه بالمقارنة إلى عدد السكان (قرابة العشرة ملايين سنة ١٩٥٢) لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جدا، ولا يدل على احترام مشاعر المسلمين ولا مكانة دينهم. شؤون الحج الشؤون الدينية (الديانة) في العهد الفرنسي كانت تشمل الصلوات والحج والصوم والزكاة وما تفرع منها كالعمرة والمواسم الدينية والجنائز وما يتصل بالطرق الصوفية والزوايا، ونحو ذلك، فالميدان واسع من حيث الاختصاصات، ولكن السلك الديني الذي نحن بصدده لم يسبق له من ذلك كله سوى اختصاصات محدودة تتعلق معظمها بالصلوات والعبادات الأخرى المتصلة بها، وحفظ المساجد الرسمية وإلقاء الدروس الدينية والظهور في المناسبات الدينية - والرسمية أحيانا - وإصدار رأي ديني تحتاجه السلطة، أما الشؤون الأخرى فلها جانبان: تقليدي وعملي، أما الجانب التقليدي فتتولاه الممارسات الشعبية دون الرجوع فيه إلى رجال الدين كزيارة المقابر والأولياء وإقامة الصلوات المبتدعة والأذكار وغير ذلك، وأما الجانب العملي فقد تولته

стр. 1811

إدارة شؤون الأهالي لما له من أهمية اقتصادية أو سياسية كالزكوات والأعشار والمواريث والديات. فالزكاة تولتها الإدارة الفرنسية باعتبارها هي الضرائب الإسلامية، وقد أضافت إليها ضرائب أخرى مدنية، أطلقت عليها اسم (الضريبة العربية). فزكاة الحبوب والماشية كانت تجمع من قبل الجباة الفرنسيين في مواسمها، وبطريقة منتظمة، ولا دخل لرجال الدين في ذلك، وأما المواريث (التركات) فقد تولتها المحاكم الفرنسية، بعد أن انتزعتها من القضاة المسلمين. وكان الحج قضية سياسية منذ بداية الاحتلال، من جهة كان الحج مدرسة دينية - سياسية في حد ذاتها يستفيد منه المسلمون باجتماعهم في أقدس مكان عندهم كل سنة، ومن جهة أخرى، كان بعض الحجاج الأحرار لا يعودون من الحجاز ويفضلون البقاء هناك على العيش تحت النظام الفرنسي، وكان الحجاج يركبون سفنا غير فرنسية في أول الأمر، وقد تفطن الفرنسيون إلى ذلك فأصدروا قرارا بمنع الحج في غشت (أوت) سنة ١٨٣٨ سواء كان رسميا أو حرا، ذلك أن بعض الذين كانت الإدارة تنظم حجهم كانوا أيضا لا يرجعون، وتوقفت الإدارة عن إعطاء الرخص للحج الحر، وظهرت أصوات منددة بهذا المنع لإحدى الشعائر الدينية المقدسة، وقرر بعضهم الذهاب إلى الحج مهما كانت العقوبة، ومع ذلك أكد الفرنسيون في مرسوم ٤ ابريل ١٨٥٦ مرسوم غشت ١٨٣٨، ثم وقع التخفيف الجزئي منذ ١٨٥٨ إذ صدر مرسوم آخر يمنح الرخص للحجاج الأحرار بشرط الخضوع لشروط معينة، ومن هذه الشروط التحريات الدقيقة عن أصل الحاج وسلوكه وأملاكه وأخلاقه، ومعنى ذلك ضمان رجوعه إذا سافر وضمان عدم تأثره بالأفكار (الأجنبية) في الحج، فالحجاج أصبحوا عندئذ هم الذين تختارهم الإدارة بنفسها (١).

стр. 1812

ومنذ ١٨٤٧ كانت جريدة المبشر الرسمية ترغب الحجاج بعدم السفر إلا عن طريق الإدارة الفرنسية، وكانت تعلن لهم أن لفرنسا قناصل مهمتهم حماية الحجاج الجزائريين باعتبارهم رعايا فرنسيين، وهؤلاء القناصل، حسب قولها، منتشرون في مصر والشام والحجاز، وقالت إن أخذ الحاج تذكرة السفر الفرنسية (هي حمايتكم، وبها يعتزون، وفي ذلك فائدة عظيمة) (١). ويبدو أن ذلك مجرد (إعلان) رسمي فقط من المبشر، أما الإدارة نفسها فقد كانت تمنع إعطاء الرخص للحج عندئذ، ولا سبيل إليه إلا عن طريق الهروب والتعامل مع الشركات الإنكليزية وغيرها، وقد نشرت (المبشر) خبرا عن الطرق التي يسلكها الحجاج إذا سافروا مع السفن الفرنسية، فهي حسب قولها: طريق الإسكندرية، وثمن التذكرة في الدرجة الأولى ٤٨٤ فرنك ونصف، والدرجة الثانية ٣١٣ ف ونصف، والثالثة ١٤٦ ف ونصف، أما طريق بيروت فتذكرة الدرجة الأولى فيه ٤٩٥ ف ونصف، والثانية ٣٣٨ ف ونصف، والثالثة ١٥٣ ف ونصف، وهناك أيضا طريق يافا وتذكرته الأولى ٥٢٢ ف ونصف، والثانية ٣٤٩ ف ونصف، والثالثة ١٥٨ ف ونصف، ثم طريق مرسيليا التي تسافر منها البواخر مرتين في الشهر (٢). وكان الحجاج الجزائريون يخضعون لضغوط مختلفة في الحجاز، فهم يجدون إخوانهم الذين سبقوهم إلى هناك واستقروا في المدينة أو مكة، كما يجدون أولئك الذين هاجروا إلى بلاد الشام مع الأمير عبد القادر أو قبله يؤدون فريضة الحج، وكثيرا ما يطلب هؤلاء من أولئك عدم الرجوع والبقاء في أرض الله الطاهرة، ولا شك أن الدولة العثمانية كانت ترغب الجزائريين في البقاء في المشرق، وكانت لها أطماع قديمة في الجزائر بعد أن ضيعتها سنة ١٨٣٠، وإلى ١٨٤٧ لم تعترف رسميا باحتلال فرنسا للجزائر، وفي سنة

стр. 1813

١٨٥٨ جرت مظاهرة في الحجاز ووقع أثناءها تعيير الجزائريين على خضوعهم لفرنسا، ولعل ذلك كان من بين الأسباب التي أدت إلى أن يعلن نابليون الثالث أنه يحمي كل رعايا دولته حيثما كانوا. ويزعم فايسات أن آل الفكون (قسنطينة). قد حافظوا على وظيفة أمير الركب التي كانت لهم في الماضي، إلى (سنة ١٨٦٧) (١). والواقع أن هذه العائلة قد فقدت مجدها حتى قبل ولاية حمودة الفكون مشيخة المدينة على أثر الاحتلال سنة ١٨٣٧، أما والده، شيخ الإسلام محمد الفكون فقد كان شيخا هرما، عندئذ وقد جيء به محولا على كرسي لمقابلة المارشال فاليه الذي دخل قسنطينة دخول المنتصرين، ثم أوقف الفرنسيون العمل بوظيفة (شيخ الإسلام). فكيف تبقى عائلة الفكون على وظيفة (أمير الركب) أي رئيس الحجاج؟ وكان أمير الركب هو الذي يحمل (صرة) ما وفرته أوقاف مكة والمدينة كل عام إلى فقراء الحرمين، ولكن الفرنسيين صادروا هذه الأوقاف وغير ها. وإلى جانب التعللات السياسية والاقتصادية، كان الفرنسيون يتعللون أيضا بانتشار الأمراض في الحجاز ويجعلون ذلك سببا في منع الحج، وكان ذلك يتكرر بكثرة، حتى لقد أصبح أمرا مفضوحا وغير مقنع، فقد كان يخفي وراءه الخوف من المرض السياسي، وقد تغيرت الإجراءات قليلا منذ الخمسينات ومرسوم ١٨٥٨. منذ البداية كان الفرنسيون مهتمين بالحجاز لا من أجل قضايا الحج فقط ولكن من أجل التجارة والنفوذ السياسي ومزاحمة الإنكليز أيضا، وكان لفرنسا جواسيسها من الحجاج الجزائريين ومن أبنائها، وقد أصبح معروفا ذلك الدور الذي قام به ليون روش سنة ١٨٤٢ في الحجاز، ولم يكن الأمر متعلقا بالفتوى الشهيرة فقط، ولكنه متعلق أيضا بدراسة أوضاع الحجاز التجارية والسياسية والدينية وتقديم صورة عنها إلى السلطات الفرنسية بعد

стр. 1814

رجوعه، وكان قد اصطحب معه بعض رجال الدين الجزائريين الذين كانوا في واقع الأمر جواسيس أيضا لأن ذهابهم معه لم يكن لغرض ديني، (وإنما لكل امرئ ما نوى). وكانت طرق القوافل والحج موضوع دراسات فرنسية مبكرة، وكان أصحاب الدراسات يحثون حكومتهم على الاستفادة من نفوذ أعيان المغرب العربي وتجارتهم (١). ولكن أبواب الحج كانت غالبا مغلقة لأسباب سياسية، ففي سنة ١٨٤٨ (سنة قيام الجمهورية الثانية، على إثر هزيمة الأمير الذي حمل إلى سجون فرنسا) كان على الحجاج أن يحصلوا على رخصة مسبقة لتسهيل مراقبتهم، ومن شروط الرخصة أن يثبت الحاج أن لديه مالا يكفيه للذهاب والإياب، وغالبا ما كانت الرخصة مرفوضة لأن الحج في نظر الفرنسيين يزيد الحجاج (تعصبا)، وقد أعلن الأميرال ديقيدون (١٨٧١ - ١٨٧٣) صراحة بأنه لن يرخص في الحج لأن الحجاج يرجعون أكثر كراهية للفرنسيين (٢). وتغيرت هذه السياسة بعض الشيء في عهد الجنرال شانزي فرخص بالحج سنة ١٨٧٣، وسافر الناس في أعداد راها المعاصرون كثيرة، وهي ١٥٠٠ حاج، ثم توقفت الرخصة سنة ١٨٧٤، ١٨٧٧، للأسباب المعتادة وهي وقوع الوباء في طرابلس والحجاز، والحروب في الدولة العثمانية، ويذهب آجرون إلى أن الحج قد رخص به سنوات ١٨٧٥، ١٨٧٦، ١٨٧٨ لكنه لا يذكر العدد ولا وسائل النقل ولا شروط الرخصة (٣). والمعروف أن حركة هجرة، جماعية أحيانا، وقعت خلال السبعينات، وكانت السلطات الفرنسية تمنع ذلك خشية من تشويه سمعتها في العالم الإسلامي (٤). وفي هذا النطاق رخص الحاكم العام قريفي (١٨٧٩ - ١٨٨١) بالحج

стр. 1815

سنة ١٨٧٩، ففيها سافر ٩٤٦ حاجا فقط وعلى حسابهم الخاص، وكانوا موزعين، حسب أحد التقارير، على الولايات الثلاث كما يلي: الجزائر ٥١٩، وهران ٢٧٩، قسنطينة ١٤٨، وقد ذكر التقرير أن العدد كان أكبر من ذلك في الأوقات العادية، ولكن وجود المرض المعدي (الوباء؟) في هذه السنة بالجزيرة العربية لم يسمح إلا بالعدد المذكور، وهذا تبرير واه لأن العدد لا دخل له في الإصابات، وليس هناك شروط تشترطها البلاد المستقبلة (١). ثم لجأ قريفي إلى منع الحج بطرق ملتوية وذلك بإصداره منشورا (١٨٨١) يقيد فيه الحج ويمنع على الحجاج الدخول في طرق صوفية معادية لفرنسا (مثل السنوسية والمدنية) أو يربطون علاقات مع المهيجين والدعاة اللاجئين في الدول الإسلامية، ولعل المقصود بهم بعض المهاجرين الجزائريين الذين أصبحوا جالية متنفذة في الشام والحجاز واسطانبول، وقد فهم آجرون أن ذلك الموقف من قريفي يعني منع الحج السري الذي يبدو أنه كان بكثرة ما دامت السلطات قد منعت الحج العلني، وقد يكون ذلك راجعا إلى قلة العدد الذي سمح له بالحج وإلى حسن (اختياره) من الإدارة، فاضطر الناس إلى الحج السري الذي اختلط أيضا بالهجرة، وكان الوباء هو الراية التي يرفعها الفرنسيون لإقناع عامة الناس برفض الرخصة (٢). والمعروف أيضا أن سنة ١٨٨١ قد شهدت ثورة بوعمامة، ومؤامرة القضاة (انظر لاحقا). وفي هذه السنة أيضا كان القنصل الفرنسي روستان في الشام يحذر من (الجمعيات السرية) في البلاد الإسلامية، فمنع الحج إذن كان مرتبطا بكل هذه التطورات. ورغم طول عهد لويس تيرمان (١٨٨٢ - ١٨٩١) فإن الحج لم يقع فيه إلا قليلا، والحجة المعتادة والواهية هي وجود الوباء وتوتر الجو الدولي، ثم أضيف إلى ذلك عدم استعداد السفن الإنكليزية لحمل الحجاج، والحقيقة هي أن تيرمان كان له وجهان، ففي الظاهر كان يلجأ إلى ما ذكرنا، وفي الباطن

стр. 1816

كان يوصي المسؤولين بعدم الترخيص للحج للأخطار التي ترجع منه على المصالح الفرنسية، وكان يعرف أن المنع الرسمي للحج غير مأمون العاقبة ولذلك كان يلجأ إلى التحايل، وكان يرى في الحج وسيلة سياسية معادية، ولذلك جعل الترخيص به مقصورا على الحاكم العام نفسه، وفي سنة ١٨٨٤ احتج تيرمان بثورة المهدي ضد الإنكليز في السودان، وقيل: إن عددا من الحجاج تمكن من أداء الفريضة سنة ١٨٨٠، ١٨٨٨، ثم منع الحج تماما إلى سنة ١٨٩١ حين سافر ١٥٠٠ حاج، بعد أن اشترط عليهم توفير المال للتذكرة ذهابا وإيابا (١). وفتح جول كامبون الباب نحو الشرق الإسلامي باستصداره أيضا فتوى مشابهة لفتوى سلفه بوجو، وبإرساله بعثة متنكرة للتجسس أيضا على أحوال العالم الإسلامي في الحجاز (٢). وفي هذه المرة كان (البطل) هو (جيرفي كورتيلمون) الذي كتب رحلة إلى مكة روى فيها مغامراته من الجزائر إلى مكة، وقد ذهب هناك في غير وقت الحج لأننا لا نجد في رحلته حديثا عن الوقوف بعرفة، وجيرفي هذا كتب دراسات عن الجزائر وتونس والمغرب الأقصى ومصر، وتخصص في الحياة الإسلامية، وكان يعيش في العاصمة ومشتغلا أيضا بقضايا الفن Editeur d'Art، وكان يعتقد أن مكة، باعتبارها عاصمة دينية وثقافية جديرة بالدراسة، لذلك قرر زيارتها سنة ١٨٩٥، وقد اصطحب معه صديقا له جزائريا وهو الحاج أكلي الذي قال: إنه لا يشك في إخلاصه له ولفرنسا، وقال عن أكلي إنه قد سبق له الذهاب إلى مكة تسع عشرة (١٩) مرة، وما دام الأمر كذلك، فإن الحاج أكلي نفسه ربما كان يقوم بمهمات خاصة لفرنسا في الحجاز لأن الحج لم يكن مرخصا به للجميع، فما

стр. 1817

بالك بهذه المرات الكثيرة. روى جيرفي تفاصيل رحلته إلى مكة رفقة الحاج أكلي، ففي جدة شكت فيه الشرطة التركية وكاد يكتشف ويقع في مأزق، ولكن الحاج أكلي تدخل وأنقذه، وبعد دخوله مكة ظل الشك يحوم حوله أيضا، وأظهر أنه طبيب وقام بعلاج بعض المرضى، وأقام علاقات صداقة في مكة وحصل من هؤلاء الأصدقاء (!) على معلومات ثمينة حول الوضع السياسي والتجاري والصحي، وقام بالشعائر وطاف مع مطوف يسمى عبد الرحمن وهو متخصص في تطويف الجزائريين، كان جيرفي، كما قلنا، مكلفا من حكومته بمهمة سرية لدى شريف مكة، وقد أنجزها، ونحن لا ندري ما هي هذه المهمة، ولعلها تلميع صورة فرنسا أو فتح بعض المجالات التجارية إلى جانب الإنكليز. أما الملاحظات العامة التي أبداها جيرفي فهي مهمة لنا ما دامت تتعلق بالجزائريين في الحج وصورة فرنسا هناك، يقول جيرفي إن الطريق بين جدة ومكة غير آمن من هجمات البدو على الحجاج، وأن تأثير فرنسا السياسي والتجاري شبه معدوم في الحجاز، والناس هناك يتحدثون عن فرنسا كدولة تضطهد الجزائريين والتونسيين، وهم يقولون إن النحس قد أصاب الجزائر وتونس بتسلط فرنسا عليهما ووقوعهما في أيدي النصارى، ويضيفون أن عرب الجزائر وتونس قد جردوا من أراضيهم، وفرضت عليهم الضرائب الثقيلة، وهم لذلك في حالة فقر مدقع وضنك شديد، ويقولون: إن فرنسا تهمل الحجاج الجزائريين وتتركهم بدون موارد، هذه هي الصورة السوداء إذن التي وجدها جيرفي عن بلاده في الحجاز، وكان عليه أن يبيضها، كما كان عليه، وهذه مهمته، أن يربط علاقات تجارية مع هذا البلد، ولذلك أوصى بأن تنشر فرنسا في أوساط مكة مناشير حول تونس والجزائر تذكر فيها بما قامت به فيهما من تقدم، وبذلك تتطور علاقات فرنسا السياسية والتجارية مع الحجاز، ونحن نفهم من رحلة جيرفي أن حالة الجزائر كانت معروفة في الحجاز وأنها حالة سيئة، وأن فرنسا هي التي كانت تتحمل المسؤولية في ذلك، وكان عليها أن تغير هذه الحالة لكي تفتح المجال

стр. 1818

التجاري والسياسي مع المشرق، وخاصة مع الحجاز (١). ولا ندري إن كان ادوارد ألار Allard قد ذهب بنفسه إلى الحجاز أيضا سنة ١٨٩٥، ولكننا نعلم أنه كان الطبيب المتصرف لدى الحكومة العامة في الجزائر، مكلفا بشؤون الحج، وفي هذا النطاق كتب تقريرا طويلا في السنة المذكورة عن الأمراض المعدية والوقاية منها، وكان قد نشر تقريره (أو دراسته) في مجلة متخصصة، ونقلته عنها مجلة إفريقية الفرنسية، ومن رأى (ألار) أن تمنع الحكومة العامة الحج مباشرة وأن لا تكثر من التشريعات في ذلك، بل تترك الوقت يعمل عمله، وعليها إغراء الحجاج المسلمين المتنورين بتفادي الأمراض والاختلاط بغيرهم، ومن رأيه أيضا أن على الحجاج الجزائريين البدء بزيارة المدينة المنورة قبل مكة المكرمة، لأسباب صحية (٢). وفي ١٩٠٢ قام بروفاش، وهو متصرف إداري للبلديات المختلصة في الجزائر، بمرافقة الحجاج الجزائريين إلى جدة، وبعد رجوعه قدم انطباعاته عن (الحج إلى مكة) أمام العلماء المستشرقين في مؤتمرهم بالجزائر ١٩٠٥، وقد ركز على نقطتين: الأخطار التي يتعرض لها الحاج الجزائري كاستغلال المطوفين والتجار له، والأمراض في مكة ومنى، أما النقطة الثانية فهي اتهام

стр. 1819

الأتراك هناك بصنع الكحول وشربها في مكة، وقد رد عليه في ذلك بعض علماء المسلمين الحاضرين، كما رد عليه ابن أبي شنب ضمنيا في مقاله، وكانت توصيات بروفاش شبيهة بتوصيات زميله ألار (١). وطبقا لهذه التوصيات سارت الأمور في عهد شارل جونار الذي أظهر نوعا من التسامح مع المسلمين الجزائريين في مجال الحج، فقد كتب أحد الفرنسيين مشجعا على الحج باعتباره سيعطي نتائج إيجابية لفرنسا، وقال هذا الكاتب: إن الحجاج الجزائريين يرجعون إلى دواويرهم ويقارنون بين ما رأوا في الحجاز وما يعيشونه في الجزائر، ففي الشرق سيجدون التعصب والكحول، وسيجدون الجنود عاجزين عن وقف الهجوم على كسوة الكعبة، وهذه الصورة السيئة ستتغير عند الحاج إذا رجع إلى موطنه وعندئذ سيحمد حكم فرنسا، وهذا هو التطور البطيء الذي عناه (ألار). ولا شك أن الدعاية الفرنسية كانت تصور الشرق على النحو المذكور تمشيا مع وصية جيرفي من جهة، وإعطاء صورة متناقضة عن صورة فرنسا في المشرق، وقد أضاف المستشرق (هوداس) أن مكة ستفقد قيمتها الدينية والتجارية لدى المسلمين بتقادم الزمن!. وفي هذه الأثناء أيضا قام الدكتور الطيب مرسلي، وهو طبيب جزائري متزج من فرنسية ولعله كان أيضا من المتجنسين بالجنسية الفرنسية، قام بجولة طويلة في الحجاز، وسجل ملاحظات لفائدة الإدارة الفرنسية (٢). وهناك ثلاثة من هذه الملاحظات نود التوقف عندها، الأولى: مكانة بني ميزاب عند الشريف عون، شريف مكة، فهو يفضلهم على غيرهم من الحجاج الجزائريين، حسب هذه الرواية، حتى أنه هدم بعض آثار مكة استجابة لشكواهم سنة ١٩٠٢، وكان بنو ميزاب يزاولون التجارة أيضا أثناء الحج ويربطون علاقات التجارة مع الهنود والسوريين، والملاحظة الثانية:

стр. 1820

عن الذبائح والتبذير فيها إذ روى الدكتور مرسلي أن حوالي مائة ألف رأس قد استهلكت في ذلك، والملاحظة الأخيرة أن القاضي لم يوافق على أن يأخذ الحاج عددا كبيرا من النسوة معه إلى الميناء، وذكر من ذلك بالخصوص حجاج الضواحي العليا لمدينة الجزائر (١). إن هذه الأمور الدينية إذا أضيفت إلى الأمور الاقتصادية والصحية والسياسية تجعل الفرنسيين يعرقلون الحج ويتدخلون فيه دون الرجوع إلى الهيئة الدينية الرسمية. كان الحاكم العام جونار قد أعلن سنة ١٩٠٧ عن الترخيص بالحج وقيام الإدارة بالتزاماتها الدينية نحو الجزائريين، ونشرت الجرائد المحلية ذلك في أكتوبر من نفس العام، وبعد بضعة أشهر تغير الموقف فجأة، وأعلن نفس الحاكم العام عن منع الحج عام ١٩٠٨، وسواء أكان المنع لأسباب صحية، كما جاء في الإعلان، أو لأسباب أخرى، فإن الناس لم يصدقوا الرواية الرسمية، ذلك أن من بين الأسباب الخفية حالة التذمر التي بدأت في الجزائر منذ أنشئت لجنة لدراسة فرض التجنيد على الشباب، وقد أخذت بعض العائلات والأفراد تهاجر سرأ وعلانية، كما أن تطور الأوضاع في تونس والدولة العثمانية في نفس الفترة كان يساعد على التفكير في أن السبب في المنع لم يكن كله صحيا، ومع ذلك فالبيان الصادر من الحكومة العامة قد هول الحالة، وقال: إنه قد ظهر الوباء في السواحل الجزائرية، ورغم الاحتياطات فإنه يخشى من انتشاره إذا تجمع الحجاج في الموانئ، وأضاف البيان أن الكوليرا قد انتشرت في البحر الأحمر، وأن لها ضحايا من حجاج الهند، وغيرهم، وأن البرقيات تحدثت عن ظهور الكوليرا في مكة أيضا، وأن ضحاياها بلغوا ٨٠ ضحية، منها ٥٠ حالة مميتة، ومن جهة أخرى أصبحت مصر مهددة أيضا حيث ظهرت الكوليرا في دمياط، وأمام كل ذلك قرر الحاكم العام (جونار) التراجع عن قراره السابق (٢).

стр. 1821

وبالتدرج تحول الحج الرسمي إلى مسرحية سياسية، كانت الإدارة هي التي تنظمه وتشرف عليه وتختار عناصر الحجاج من الأعيان المعروفين لديها، وتصدرهم وتجعلهم يتفوهون بعبارات الشكر والحمد، والإخلاص والموالاة، وكانت تخلط بين رجال الدين والدنيا، بل وكانت تجمع بين أعيان الجزائر والمغرب وتونس، ومن ثمة أصبح الحجاج المختارون في الواقع سفراء لفرنسا، وليس غرض هذه الفقرة تتبع كل المراحل من الحج الرسمي المنظم فذلك يخرجنا عن موضوعنا، وإنما نذكر أن السلطات الفرنسية في الجزائر قد منعت الحج طيلة السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى نظرا لأوضاع الجزائر نفسها بعد الهجرة الجماعية سنة ١٩١١ وبعد التصديق على مشروع فرض التجنيد الإجباري وتشوش الرأي العام الجزائري، كذلك كانت حرب طرابلس (١٩١١ - ١٩١٢). واحتلال المغرب الأقصى (١٩١٢) والانقلاب العثماني (١٩٠٨ - ١٩٠٩) من العوامل التي لم تساعد على حرية الحج، وعند اندلاع الحرب العالمية نفسها كانت فرنسا في معسكر والدولة العثمانية في معسكر اخر، فازداد المنع والتضييق على الحج. وكان على فرنسا أن تجند الرأي العام الجزائري ضد الدولة العثمانية، فأوعزت إلى رجال الدين ورؤساء الطرق الصوفية أن يعلنوا عن انحراف تركيا عن خدمة الإسلام، ولم يجد النخبة حرجا في ذلك، واهتم الكتاب، مثل ديبارمي، بما أسموه برواسب التعاطف مع الدولة العثمانية في الجزائر، وقد تضرر الحجاج من كل ذلك فانقطعت السبل باتجاه الحجاز إلى سنة ١٩١٦، ففي هذه السنة قام الشريف حسين بالتعاون مع الحلفاء بالثورة على الدولة العثمانية وإعلان الحرب عليها، وأرسل ابنه فيصل مع لورنس الإنكليزي إلى الشام، وكان الشريف في ذلك كله مخدوعا لأن الحلفاء كانوا في نفس الوقت يضعون خريطة جديدة للعالم العربي بعد هزيمة الدولة العثمانية، وهي

стр. 1822

الخريطة المعروفة باتفاق سايكس - بيكو، وبالإضافة إلى ذلك كان الحلفاء يعدون اليهود بالوطن القومي في فلسطين، وهكذا فإن الفرنسيين بعد أن منعوا الحج على الجزائريين، كانوا متورطين في سلسلة من المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين والعرب. وكما انخدع الشريف حسين وغيره في المشرق انخدع زعماء الرأي العام أيضا في الجزائر، فبعد ثورة الشريف حسين في الحجاز رخصت فرنسا بالحج لعدد من الشخصيات الرسمية المختارة، بلغوا ٢٩٠، معظمهم من رجال) لدين، وكان على رأسهم قدور بن غبريط، ورافق الوفد الحاج بعثة دبلوماسية بقيادة الضابط محمد ولد قاضي، وكان ابن غبريط قد ولد في نواحي سيدي بلعباس وتعلم، ربما في مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية، وأصبح مترجما في القنصلية الفرنسية في طنجة سنة ١٨٩٣، وقام بمهمات لدى الحكومة المغربية تحضيرا للاحتلال الفرنسي، وأرسله الفرنسيون في مهمات دبلوماسية أيضا إلى روسيا، وكان عضوأ في اللجنة التي خططت الحدود بين الجزائر والمغرب سنة ١٩٠٣، وها هو الآن (١٩١٦) على رأس وفد الحج الرسمي (١). ومع ذلك فإن الحج قد اعترضته عراقيل أخرى بعد ثورة الشريف حسين. وفي سنة ١٩١٧ حدث تطوران هامان: الأول: هو إنشاء الفرنسيين لجمعية الأوقاف (الأحباس) والأماكن المقدسة الإسلامية، وكان الهدف منها جلب المسلمين وإرضاءهم خلال الحرب، وكان رئيسها هو قدوربن غبريط، وكانت الجمعية وسيلة فرنسية أيضا للتدخل في الحجاز وفلسطين بعد أن شعرت فرنسا أن الإنكليز قد خططوا لحصر الفرنسيين في لبنان وسورية فقط، فكانت الأوقاف والحج وسيلة سياسية لنشر التأثير الفرنسي في

стр. 1823

مناطق التأثير الإنكليزي، وكان ابن غبريط من رجال الإدارة الفرنسية المخلصين، وكان ينعت على أنه من أنصار التقدم والتدرج السياسي. وفي هذا النطاق رشح لعمادة وإمامة جامع باريس عند افتتاحه سنة ١٩٢٦، وكان هذا الجامع مؤسسة سياسية أيضا قبل أن يكون مؤسسة دينية (١). أما الحدث الثاني فهو وعد الفرنسيين اليهود بالوطن القومي في فلسطين، وكان الشائع إلى هذه السنوات أن الذي وعد اليهود بذلك هم الإنكليز على لسان (بلفور Balfour). ولكن الوثائق برهنت على أن الفرنسيين كانوا أسبق من الإنكليز في ذلك، فعلى لسان وزير الخارجية، ستيفان بيشون Pichon، وأمين عام الخارجية جول كامبون، أعلن الفرنسيون، قبل الإنكليز بعدة شهور، أنهم في صالح إنشاء الوطن القومي للصهاينة في فلسطين، وقد أعطوا وعدهم المكتوب إلى سوكولوف Sokolov، ممثل الصهاينة، (٢). ويذهب علي مراد إلى أن صدور وعد بلفور (ولم يشر إلى وعد بيشون وكامبون) قد كشف للجزائريين عن التحالف المسيحي/ اليهودي ضد الإسلام، سيما وأن ذكرى قرار كريميو بتجنيس يهود الجزائر كانت ما تزال حية، وفي نظر مراد أن القضية الفلسطينية، قد أضيفت إلى القضية العثمانية وزادت من قلق المسلمين الجزائريين سياسيا ودينيا (٣). كانت حرية الحج كما رأينا، تختلف من سنة إلى أخرى، حسب المزاج السياسي في الجزائر والمشرق، وها نحن نجد مجموعة من الحجاج العلماء والأعيان أدوا فريضتهم ورجعوا مسرورين، منهم بعض رجال الدين، ومعظمهم كانوا من شرق الجزائر، وقد وجدنا أحد المفتين يشكر الله على أن

стр. 1824

وفق (قبائل الشاوية) فحج منهم عدد لم يسبق له نظير، كما قال، وكذلك حج من بقية الوطن عدد كبير، وكان ذلك سنة ١٣٥٢ هـ (١٩٣٣). ومن أهل العلم الذين حجوا هذا العام نذكر: أحمد الحبيبي (الحبيباتني؟) المدرس بقسنطينة، وتلميذيه أحمد البوعري (الذي توفي في الحجاز ودفن في رابغ). والشيخ المحسن الصحراوي إبراهيم، ثم الشيخ بلقاسم بن منيع المدرس بزاوية سيدي الحسين القشي، ومفتي تلمسان الحبيب بن عبد المالك، والطاهر بن زقوطة الإمام بأحد مساجد قسنطينة، والشيخ محمد أبو الحبال، الإمام بجيجل، وهو من الماهرين في القرآن (١). ورغم الحرب العالمية الثانية، فإن الفرنسيين وفروا باخرة لحمل الحجاج الرسميين إلى مكة وإعادتهم في ظرف شهر، ومن عجيب الصدف أن الباخرة التي حملتهم كانت تحمل اسم الأميرال (ديقيدون). ذلك الحاكم العام (١٨٧١ - ١٨٧٣) الذي اضطهد الجزائريين ومنعهم من الحج، فقد حملت هذه الب ا، م حجاجأ من الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وغرب إفريقية، فكان مجموع الجزائريين ٢٧٣ فقط من بين ٦١٩ حاجا، وفي قائمة الجزائريين كل من رضيت عنه السلطات الفرنسية من أمثال شيخ العرب وزعيم (الميعاد الخيري) السيد بوعزيز بن قانة، وابن علي الشريف، وغلام الله محمد، وقاضي تلمسان، والباشاغا ابن شنوف، والباشاغا السماتي، وبعد أداء الحج جاء وفد منهم إلى الحاكم العام - لوبو Lebeau - لشكر فرنسا في شخصه، ووجدوا في استقبالهم قدور بن غبريط، ومدير الشؤون الأهلية، ميو، وقيل: إن الملك عبد العزيز بن سعود قد منع أية دعاية خلال الحج، مهما كان مصدرها (٢). ومهما كان الأمر فإن الحج الرسمي كان منظما، كما

стр. 1825

قلنا، وكان يرافق الحجاج وفد من الأطباء أيضا، ولا يخلو التنظيم من التجسس على الحجاج وأفكارهم من جهة والتجسس على حالة المسلمين في الحج من جهة أخرى، فقد كانت دائما وراء الحج الإسلامي حاجة فرنسية. وخلال هذه التنظيمات المختلفة للحج السياسي، لا نعلم أن رجال (الهيئة الدينية) قاموا بأي دور أو دعوا إلى أن يلعبوا في ذلك دورا، فلم يتدخلوا في منع الحج أو الترخيص به، ولم يترأسوا بعثة دينية في الحجاز أو كان منهم (أمير للركب) كما كان الحال في الزمن القديم، نعم، لقد حج بعض المفتين والأئمة والقضاة منذ القرن الماضي، ولكنهم حجوا كأفراد عاديين، وكان عليهم في القرن الماضي أن يتخلوا عن وظائفهم قبل الحج، وقد بقي أحد الموظفين عدة سنوات في المشرق قبل رجوعه،) ذا رجعوا فإنهم لا يجدون مكانهم في السلك الديني تلقائيا، وكان بعضهم لا يرجع أصلا، كما عرفنا، وقد استمرت السياسة الفرنسية نحو الحجاج خاضعة للمصالح السياسية والاقتصادية ودون مراعاة لمصالح الجزائريين، إلى عشية الثورة، ففي ١٩٥١ كانت الإدارة ما تزال تهتم بحجيج الأعيان، رغم أن الإعلان الرسمي ذكر أن الحجاج بلغوا في تلك السنة ١، ٦٢٠ (١). ... هذا عن الحج، أما عن الصوم، فإن شهر رمضان المعظم كان يتخذ
следующие страницы →