بينها رأس ابن الصخري وابنه).
وبعد عام (أي سنة ١٠٤٨) ثار أحمد بن الصخري، أخ القتيل، وقاد جموع العرب والحنانشة والذواودة وغيرهم ضد العثمانيين. وقد هاجم الثوار مدينة قسنطينة وغيرها. وجاءت النجدات من الجزائر إلى مراد باي، حاكم الإقليم. وامتدت الثورة إلى الزيبان والصحراء وعنابة. ومن المعارك التي انتصر فيها الثوار (معركة كجال) التي هرب خلالها مراد باي، ولم يعرف مصيره بعدها. كما قتل فيها كاتبه شريط ابن صولة، وأثناء هذه الثورة الخطيرة عدل يوسف باشا عن إعلان الجهاد ضد الإسبان في وهران وجاء بنفسه لحرب الثوار فأقام سنة في قسنطينة وتوجه إلى الزيبان، ولكن الثورة استمرت (١). وقد جند الباشا كل الوسائل للقضاء عليها مثل مكاتبته لأهل الرأي والعلماء وطلب مساعدتهم وتهديد المنشقين بالويل والثبور (٢). وقد سجل الشعر الشعبي استمرارية ثورة ابن الصخري في مناسبات أخرى. فهذه علجية بنت بوعزيز بوعكاز (التي سماها بيسونيل الرحالة الفرنسي عندئذ جان دارك قومها) قد قادت العرب وجموع الحنانشة ضد الترك عندما دب الفشل في الرجال. والشاعر الشعبي قد ذم الترك وأشاد بقومه وبالفتاة الشجاعة إذ قال:
قصة طراد شاو الزمان يا حضار ... مع الترك الخداعين يا حسرة
وقال عن علجية بالذات:
طاحو اليوم سادات في الحروب أبدان ... أهل العلوم يقرأوا من الحمد للبقرة
يندهو إلى أشياخ القومان ... بنت بوعزيز سيدة الرجالة (٣)
ركبا على زرقا تنطمى فرخ الجان ... تسبق الغزال تشطفه تزيد في لغواط
стр. 212
٧ - وهناك ثورات ذات طابع ديني بعضها كان بقيادة مرابط بعينه وبعضها بقيادة طريقة صوفية كاملة. ومن النوع الأول ثورة يحيى الأوراسي في القرن العاشر في جبال الأوراس. فقد كان الشيخ يحيى رجلا عالما ومدربا في مدينة قسنطينة، وكان من تلاميذ عمر الوزان، وكتب أوراقا وتقاييد في النحو والبيان والفقه، وتولى الإفتاء في الجزائر وقسنطينة. وكان في أول أمره صاحب نفوذ لدى أهل الدولة الذين كانوا يعتقدون فيه الصلاح حتى أنهم كانوا (لا يقطعون دونه أمرا) وقد انتهى إلى التصوف وأسرار الحروف وله سلسلة وخرقة على عادة المتصوفة. وهذا ما جعل أهل السلطة، بالإضافة إلى العامة، يعتقدون فيه الصلاح. ولكن حساده وشوا به إلى السلطة وأشاعوا عنه الأقاويل (فخلع البيعة وفر من قسنطينة إلى جبل أوراس مع أخيه أحمد) وقد جرت حروب بينه وبين العثمانيين انتهت بفشلهم من إلقاء القبض عليه، ولكن الموت جاءه غدرا. ولعل ذلك كان من دس العثمانيين بعد أن فشلوا في قتله في الميدان. ومهما كان الأمر فإن ثورته قد استمرت على يد أخيه أحمد (١).
وهذه الرواية لثورة يحيى الأوراسي لا تكشف عن جميع جوانب الثورة لأن الذي ساقها (الفكون) كان ضد العلماء الذين يتزلفون السلطة ويهينون علمهم وصلاحهم بتولي الوظائف الرسمية وخدمة الأمراء. وفي نظره أن جميع العلماء الذين فعلوا ذلك قد انتهوا بالتخلي عن قيمهم وعلمهم وصلاحهم وضحوا بالأخلاق، أو أنهم انتهوا إلى الثورة أو التصوف الكاذب. ومن هذا الصنف يحيى الأوراسي. ولعل الشيخ يحيى في نظر الفكون كان يستعمل الصلاح والتصوف لأغراض وصولية أخرى، بالإضافة إلى التدريس والفتيا. وحين انكشف أمره وخشي العاقبة لجأ إلى الثورة ضد الذين أنعموا عليه بالوظائف واعتقدوا فيه الصلاح وكانوا (لا يقطعون دونه أمرا) فأسباب الثورة حينئذ كانت شخصية بالدرجة الأولى، ولكن كان لها أهمية في المنطقة
стр. 213
كلها. ذلك أن العثمانيين قد جندوا لها قوات كبيرة دون نتيجة. فالفكون لا يعطي تفاصيل عن هذه الثورة. ولكنه يستعمل تعابير تدل على سعتها وقوتها وطول مدتها، كقوله (أرسلت ضده المحلات وجرت حروب وعادوا دون أن يظفروا به) (١).
٨ - وقد أشار الفكون أيضا إلى اضطرابات أخرى وقعت في قسنطينة نفسها, من ذلك أنه تحدث عن امتحان جده والشيخ عبد اللطيف المسبح سنة ٩٧٥ من طرف العثمانيين (٢). كما تحدث عن شكوى العامة بأهل الشورى وقرار العثمانيين عدم تولية القضاء في قسنطينة أحدا من خاصتها أو من أعيان سكانها. كما (تدخل العسكر وهدمت دور ونفي بعض الناس) ويروي الكاتب أن العامة قد تدخلت، في مناسبة أخرى، وولت القضاء رجلا أميا، ولكن العثمانيين قد تراجعوا عن قرارهم وعزلوا هذا القاضي الأمي بعد ذلك. وسبب هذا الاضطراب واضح من كتاب الفكون. فهو تدخل العثمانيين في شؤون العلماء وضرب هذا بذاك منهم. فالاضطراب إذن كان يعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ودينية.
ورغم شهرة صالح باي في قسنطينة فإن عهده لم يخل من ثورات، ولا سيما تلك التي قادها بعض المرابطين. وتذكر المصادر أن مرابطين على الأقل قد أعلنا عليه الثورة. أولهما أحمد الزواوي والثاني محمد الغراب. وتختلط في ثورة هذين المرابطين الخرافة بالتاريخ. وتذهب الأساطير إلى أن الزواوي كان مرابطا في نواحي قسنطينة وأنه أيد صالح باي عندما توجه إلى مدينة الجزائر لمحاربة الإسبان (حملة أوريلي) وأن الزواوي قد أرسل فرسه المسماة (الرقطاء) لتحارب إلى جانب المسلمين. وبعد الانتصار عادت إليه.
стр. 214
ولكن الزواوي انضم بعد ذلك إلى أعداء الباي وقاد ضده الثوار. وقد أرسل إليه الباي من يحمله إلى قسنطينة وحاول استرضاءه ولكن بدون جدوى. ذلك أن الزواوي ظل على غضبه إلى أن توفي وفاة طبيعية ودفن قرب جبل شطابة غير بعيد من قسنطينة. أما محمد الغراب فقد جند أتباعه ضد صالح باي أيضا وأرسل الباي في طلبه وحكم عليه بالإعدام رغم شهرته وتصوفه ورغم نصيحة العلماء له بعدم تنفيذ الحكم فيه. وتذهب الأساطير إلى أن جثة الشيخ محمد قد تحولت إلى غراب ضخم (ومن ثمة تلقيبه بالغراب) فخاف الباي، الذي كان هو أيضا يؤمن بالخرافات، من سوء طالعه. فبنى للمرابط ضريحا بقبة بيضاء جميلة في نفس المكان الذي وقع عليه الغراب، وذلك خارج مدينة قسنطينة (١).
٩ - ومن الثورات الدينية أيضا ثورة درقاوة، أو ثورة أتباع الشيخ محمد العربي الدرقاوي سنة ١٢١٩. وقد كان الشيخ الدرقاوي من فقراء (متصوفة) المغرب الأقصى، ولكن أتباعه كانوا منتشرين في الجزائر وخصوصا غربها. وكان مقدم طريقته في وهران ونواحيها هو الشيخ عبد القادر بن الشريف الذي يعود إلى قرية أولاد بليل، قرب فرندة. وكان ابن الشريف قد أسس معهدا أو زاوية حيث يستقبل الأتباع وتلقى الأذكار وتلقن الأوراد وتعطى كلمة السر، وحيث يدرس العلم ويخرج الأتباع المؤمنون بمبادئهم وطقوسهم ومراميهم. وقد درس ابن الشريف في زاوية القيطنة (حيث ولد الأمير عبد القادر) القادرية ثم توجه إلى المغرب الأقصى فدرس العلم هناك أيضا وأجيز من علمائه ولقي شيخ الطريقة الدرقاوية محمد العربي، الذي عينه ليكون مقدم طريقته في الجزائر. فعاد ابن الشريف إلى بلاده. وأنشأ معهدا وأخذ يدرس
стр. 215
العلم ويلقن أوراد الطريقة وتعاليمها (١).
وعندما سمع باي وهران، محمد المقلش، بحركة ابن الشريف توجس منها خيفة وأخذ يستعد للقضاء عليها. ويبدو أن الباي قد أحس أن حركة ابن الشريف الدرقاوية لم تكن دينية محضة، كما يدل عليها ظاهرها. فقد كان لها طابع سياسي يتداخل فيه المغرب الشريفي والجزائر العثمانية. ولعل ابن الشريف كان مجرد أداة لتنفيذ خطة سياسية ضد النظام العثماني فأراد هذا النظام حماية نفسه. ومما يؤكد هذا ظهور شخصية مغربية غامضة في الشرق الجزائري ادعت أيضا أنها درقاوية وحاربت العثمانيين هناك، ونعني بها محمد بن الأحرش الذي لعب أيضا دورا في حوادث مصر أثناء الحملة الفرنسية عليها. فقد جاء ابن الأحرش إلى الجزائر ونشر تعاليم الطريقة الدرقاوية في الظاهر واتصل ببعض المرابطين الجزائريين، أمثال عبد الله الزبوشي مقدم الطريقة الرحمانية بنواحي قسنطينة.
ومهما يكن الأمر فإن ثورة درقاوة في الجزائر قد غطت مناطق واسعة وهددت الوجود العثماني فيها بقوة على نحو ما هددته ثورة ابن الصخري قبل ذلك بقرن ونصف. وقد جند لها العثمانيون قوتهم ولا سيما بعد أن أدركوا غايتها السياسية البعيدة. ودارت معارك كثيرة، منها المعركة التي وقعت بين الباي محمد المقلش وطلبة ابن الشريف في المكان المعروف بفرطاسة (قرب معسكر) (٢) أدت إلى انهزام جيش الباي. والهزيمة أحيانا تؤدي إلى الهزيمة، كما أن الغلبة تزيد في الحماس والسمعة. وهكذا كان الأمر بالنسبة للدرقاويين. فقد تقدموا واستمروا في حروبهم ومناوشتهم للسلطات العثمانية
стр. 216
وكثر أتباعهم وأدوا بالبلاد إلى حافة الثورة العامة. واستعمل العثمانيون أيضا وسائل أخرى غير عسكرية كمصاهرة بعض خصومهم. فقد صاهر الباي المذكور خصمه قدور بن الصحراوي، زعيم الحشم، الذين كانوا قد انضموا إلى الثورة. وعانى من الثورة الناس الذين وقعوا بين نارين: السلطة والدين كالعالم الحافظ أبي راس الناصر الذي كادت تأتي عليه رياح الثورة والذي روى هو ذلك في كتابه (درء الشقاوة في حروب درقاوة) وأشار إليها في بعض أعماله الأخرى، ثم العالم الزاهد محمد الزجاي. ولم تنته الثورة إلا بعد إجراء اتصالات سياسية بين الجزائر والمغرب على المستوى الرسمي (١).
هذا عن ثورة ابن الشريف أما عن ثورة ابن الأحرش فقد كانت هي أيضا قوية وكادت أن تقلب الأوضاع في الشرق الجزائري ضد العثمانيين. وقد هدد ابن الأحرش مدينة قسنطينة نفسها. وخاض معارك بين قسنطينة والجزائر قبل أن ينتقل إلى غرب البلاد ليتعاون مع الدرقاويين هناك (٢). ويهمنا هنا ذلك التحالف الذي وقع بين ابن الأحرش والمرابط عبد الله الزبوشي مقدم الطريقة الرحمانية. فقد كانت زاوية الزبوشي في (رجاس) بالقرب من ميلة. وكان هو ساخطا على عثمان باي، حاكم قسنطينة. وقد نجح الزبوشي في قيادة أتباعه ضد الباي الذي قتل في إحدى المعارك سنة ١٢١٩. وأرسل الزبوشي برأس الباي إلى حليفه ابن الأحرش. ويقال إن سبب ثورة الزبوشي هو أن الباي سمع بتحالفه مع ابن الأحرش فسحب منه الإعفاء من دفع الضريبة، وهو إجراء كان يتمتع به المرابطون والعلماء المرضي عنهم. فأرسل الزبوشي إلى الباي يطلب إبقاء الإعفاء ولكن الباي رفض فغضب الزبوشي وثار على الباي، وبعد عام من الثورة قتل عثمان باي، كما ذكرنا. ويبدو أن توجه ابن الأحرش إلى الغرب الجزائري والعداوة الشخصية التي كانت بين الزبوشي والباي هي السبب في عدم مطاردة العثمانيين للمرابط الزبوشي الذي استمر
стр. 217
على قيد الحياة ست سنوات بعد وفاة الباي عثمان، إلى أن وافاه أجله سنة ١٢٢٥ ودفن بزاويته في رجاس (١).
وكان لثورة درقاوة في غرب البلاد وشرقها وانضمام مقدم الطريقة الرحمانية في نواحي قسنطينة إلى الثورة عواقب سيئة على العثمانيين في الجزائر. ذلك أن سمعتهم قد سقطت في أعين السكان. فلأول مرة وقع تحد قوي لسلطتهم منذ عهد بعيد. ونظرا إلى أن القائمين بالثورة كانوا من رجال الدين ومن مديري المعاهد (أو الزوايا) فإن العثمانيين قد أخذوا منذ ذلك الحين يتوجسون خيفة من أصحاب الطرق ويتتبعون أخبارهم وحركاتهم. وقد انعكس هذا حتى على الطرق الأكثر قربا منهم والتي كانوا قد ساندوها وساعدوها على الانتشار كالطريقة القادرية. ومن مواقفهم نحوها ما قام به الباي حسن حاكم إقليم وهران من منع محيي الدين رئيس الطريقة القادرية من الحج وحجزه عنده هو وولده (الأمير عبد القادر في المستقبل).
كما ضيق العثمانيون الخناق بعد ثورة درقاوة على آخرين من زعماء الطرق الصوفية ورجال الدين عامة. وكان من ضحاياهم في ذلك ابن القندوز التوجيني الذي قتل في مازونة، وضيقوا الخناق على أحمد التجاني حتى رحل إلى المغرب، كما فر منهم الشارف بن تكوك إلى المغرب ومحمد بن علي السنوسي إلى المشرق (٢). وقد خلفت ثورة درقاوة وغيرها من الثورات كثيرا من الإنتاج التاريخي والأدبي والشعر الشعبي (٣).
стр. 218
ولكن أقسى ثورة واجهها العثمانيون في الجزائر هي التي وقعت سنة ١٢٤٦ (١٨٣٠). وقد طمع الحضر في الحكم بعدهم ومدوا أيديهم إلى الفرنسيين لمساعدتهم على استلام السلطة السياسية من العثمانيين. وخرج البعض ينتقد تصرفاتهم، كأحمد بوضربة وحمدان خوجة، ورفض محيي الدين والد الأمير عبد القادر رئيس الطريقة القادرية وشيخ الطريقة التجانية أن يمدا يد المساعدة إلى الباي حسن في وهران، كما رفض الأمير عبد القادر التحالف مع الحاج أحمد، باي قسنطينة، الذي ادعى أنه الوريث الشرعي للنظام العثماني. وكان اعتماد الشعب الجزائري على نفسه في مقاومة الفرنسيين أكبر درس للعثمانيين الذين خرجوا من الجزائر غير مأسوف عليهم من قبل أغلب السكان (١).
стр. 219
الفصل الثالث
المؤسسات الثقافية
стр. 220
لا تكاد المؤسسات الثقافية في العهد العثماني تخرج عن المسجد والمدرسة والزاوية والمكتبة. ومعظم هذه المؤسسات كانت للتعليم أكثر مما كانت للثقافة بمفهومها اليوم. ولم يكن من بين هذه المؤسسات جامعة أو معهد عال رغم أن بعض المساجد والمدارس والزوايا كانت تبث تعليما في المستوى العالي. ولم تعرف الجزائر عندئذ المسرح ولكن وجد ما يشبهه كخيام القراقوز وحلقات المداحين وحلبات المصارعة. أما الصحافة فلم يكن لها وجود قبل العهد الفرنسي، وكذلك المطبعة. وسنحاول في هذا الفصل أن ندرس دور مؤسسات التعليم من كتاتيب ومساجد وزوايا ومدارس، بالإضافة إلى المكتبات العامة والخاصة. أما التعليم كنظام ومنهج فسندرسه في الفصل الموالي. ولكن أكبر مؤسسة كانت تغذي هذه المؤسسات جميعا هي الأوقاف . ولذلك رأينا أن نفتح هذا الفصل بإلقاء الضوء على دورها في هذا المجال.
الأوقاف
١ - يعتبر الوقف من أهم مظاهر الحضارة الإسلامية. فهو أساسا يعبر عن إرادة الخير في الإنسان المسلم وعن إحساسه العميق بالتضامن مع المجتمع الإسلامي. وهو بهذا المعنى شرعة اتبعها المسلمون منذ أوائل الإسلام، ولكن بتطور الزمن تكاثر وتعددت أوجهه وأغراضه. وقد تطور خاصة في العهد العثماني نتيجة اعتبارات سياسية واقتصادية ليس هنا محل ذكرها. وكانت الجزائر من بين المناطق الإسلامية التي شملها هذا التطور. ويقوم الوقف على مبدأ شرعي وعلى صيغة قضائية ملزمة. فالقاضي
стр. 221
عادة هو الذي يقوم بكتابته بصيغة معينة وبحضور الواقف والشهود، مع تحديد قيمة الوقف وتعيين أغراضه وكيفية الاستعادة منه وانتقاله وعوامل نموه وتخصيص المشرفين عليه وشروطهم، مع ذكر تاريخ الوقف وتوقيع الشهود والقاضي. فللوقف إذن وثيقة شرعية يستند عليها ويلتزم باحترامها الواقف وأهله والمستفيدون منه، وكذلك السلطة.
ولكن هذه الوثيقة لم تكن دائما محل احترام. فقد يسيء الوكيل التصرف في الوقف، وقد تتدخل السلطة فتحول فوائده إليها , ولذلك كان إهمال الأوقاف مصدر شكوى من المسلمين، وخاصة رجال الدين. ومن ذلك شكوى أحمد بن ساسي البوني أوائل القرن الثاني عشر من أن ناظر الوقف قد بذره حتى كاد ينضب. فهو يقول عن أحباس عنابة شاكيا إلى الداي محمد بكداش:
حبسها قد أسرفا ... ناظره فأشرفا
والشرع فيها باطل ... والظلم فيها هاطل (١)
ومن ذلك شكوى الورتلاني. وهو يتحدث عن قسنطينة، من أن ولاتها أهملوا الأوقاف، فضعف فيها العلم (٢). ونفس الشكوى كررها بصورة أوضح في حديثه عن بسكرة. فقال إن الترك قد استولوا فيها على الأوقاف (فأصبحوا يأكلون منها وينتفعون بها كالأملاك الحقيقية. وهي ليست لهم وليسوا من أهلها، ولكنهم تمردوا وطغوا وجعلوا جميع الخطط الشرعية لهم ظلما. وهذا سبب اندراس العلم وأهله من كل وطن يوجد فيه ذلك) (٣). وأخبر أحمد الزهار أن الأتراك قد جاروا (وأخذوا جمبع ديار الحرمين التي كانت بيد الفقراء وأخرجوهم منها) وذلك في
стр. 222
عهد علي باشا سنة ١٢٢٣ (١).
٢ - وللوقف نظام داخلي دقيق. فالوكيل (أو الناظر) هو المشرف الرئيسي عليه، وهو الذي يسهر على تطبيق ما جاء في الوقفية من شروط، وهو المسؤول على تنمية الوقف واستعماله في الأوجه المعينة له. والباشا (أو الباي في الأقاليم) هو الذي كان يعين الوكيل بناء على مواصفات معينة كالأخلاق الفاضلة والنزاهة والعلم والسمعة الطيبة بين الناس. ومن الممكن تغيير الوكيل عندما تشتهر عنه أمور مخلة بنظام الوقف أو بالأخلاق العامة. وإذا كان الوقف في عائلة ولي صالح فمن الممكن أن تظل الوكالة وراثية في أبنائه، غير أن هذا ليس مطلقا. فقد يتدخل الباشا أو الباي لتعيين وكيل آخر ليس من أبناء الولي إذا دعت الضرورة. ولا يخضع الوكيل إلا لمراقبة ضميره والرأي العام وموقف العلماء، فإذا أشيع عنه الفساد والانحراف واستعمال الوقف في غير وجهه تدخل الباشا أو الباي لتنحيته (٢).
ومن الأمثلة على تدخل السلطة في هذا الموضوع ما فعله صالح باي في قسنطينة. فقد وصلته الأخبار بأن التقصير قد وقع في أوقاف المساجد وعاث فيها الوكلاء فسادا ونهبا وإهمالا فعطلت عن وظائفها وأصبحت مرابط للدواب. فأمر الباي أن تضبط الأمور في الحال. وقد وضع لذلك سجلات يشرف عليها القضاة والمفتون، وأمرهم أن يبحثوا، بالإضافة إلى ذلك، عن الأوقاف سواء التي انقرضت أو التي ما زالت ولكن في حالة سيئة، كما قرر محاسبة الوكلاء في كل ستة أشهر، وعهد إلى (المجلس العلمي)، المكون من العلماء وصاحب بيت المال، بالنظر في شؤون الأوقاف وفائضها في كل سنة، على أن يستعمل الفائض في شراء عقار آخر يصبح بدوره وقفا، وهكذ (٣). وقد اتبع الباي محمد الكبير في معسكر طريقة مشابهة. فقد جاء
стр. 223
في إحدى الوثائق أنه تتبع أوقاف مدرستي تلمسان (التي استولت عليها الأيدي ونسي الناس أنها أوقاف) وأعاد للمدرستين الأراضي التابعة لهم (١).
والوقف كما يكون تحت إشراف وكيل بعينه يكون تحت إشراف لجنة أو مجلس أو إدارة معينة. وسنتحدث بعد قليل عن الأوقاف الموضوعة تحت إدارة جماعية، كأوقاف مكة والمدينة وسبل الخيرات والأندلس والأشراف. ومهما كان الأمر فإن وكيل الوقف، حتى في الإدارة الجماعية، يعينه الباشا نفسه أو الباي. ولذلك كثر التزلف للباشا رغبة في الحصول على هذا التعيين. وللوكيل مرتب معين من الوقف، ولكنه كان مع ذلك يتصرف في مدخوله بطرق معروفة كدفع الهدايا للباشا وكبار المسؤولين ودفع مرتبات الموظفين في المؤسسة التي يشرف عليها والقيام بلوازم المؤسسة نفسها. وكان على الوكيل أن يقدم تقريرا دوريا إلى العلماء يذكر فيه نمو أو نقصان الوقف وحالته. ولكن هذا التقرير لم يكن هاما ولا مصيريا لأن الوكيل كان يشتري سكوت الناقدين بسهولة (٢).
وأنواع الوقف كثيرة وليس من السهل حصرها. فهناك من يوقف عقارا من أرض أو دكان أو دار أو نحو ذلك. وبعضهم كان يوقف عينا أو بئرا لأبناء السبيل، ومن يوقف غلة حقل من الحقول أو غلة مجموعة من الأشجار، وهلم جرا.
ويستعمل الوقف في أغراض كثيرة. منها العناية بالعلم والعلماء والطلبة الفقراء والعجزة واليتامى وأبناء السبيل. ومن أهم أغراضه العناية بالمساجد والمدارس والزوايا والأضرحة. كما أن من أغراضه العناية بفقراء فئة معينة كفقراء الأندلس وفقراء الأشراف أو بطلبة خصوصيين كالشبان الأتراك أو
стр. 224
بفقراء مدينة بعينها كفقراء مكة والمدينة أو العناية بمذهب كالوقف على نشر وتدريس المذهب الحنفي. ومن جهة أخرى قد ينص الواقف على قراءة حزب معين من القرآن أو سور منه كسورة الإخلاص، أو كتاب أو ذكر معين مثل (تنبيه الأنام) مع تحديد النقود لكل نوع. وكان بعضهم يوقف للقراءة على نفسه أو على زوجه أو ولده. وهناك من كان يوقف على شراء الزيت للإنارة العامة، أو للإنارة خلال شهر معين مثل شهر رمضان (١). وكانت بعض الأوقاف لصالح الإنكشارية وأخرى كانت لصالح الطرقات العامة والعيون والمياه الصالحة للشرب (٢).
ويظهر من ذلك أهمية الوقف في الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية (٣). فهو مصدر العيش للزوايا والأضرحة وغيرها من المؤسسات الدينية. كما أنه مصدر الحياة والنمو للمساجد والمدارس والكتاتيب ومعيشة العلماء والطلبة. ومن جهة أخرى لعب الوقف دورا بارزا في الحياة الاجتماعية بتضامن المجتمع وترابطه وتوزيع ثرواته على فقرائه والعجزة منه، كما أظهر تضامن فئات معينة كالأشراف وأهل الأندلس. وكان الوقف، بالإضافة إلى ذلك، يلعب دورا في التأثير الديني والسياسي خارج الحدود كإرسال النقود سنويا إلى فقراء مكة والمدينة مع ركب الحج (٤).
ولكن ليس كل وقف يجر أموالا طائلة على الوكيل أو الناظر. فهناك
стр. 225
أوقاف لا تكاد تفي بالحاجة الموقوفة لها. وكان الوقف كالشجرة يحتاج إلى التعهد المستمر لكي يزداد دخله، فإذا توقف الوكيل عند استغلاله فقط توقف الوقف تدريجيا عن الإيفاء بالحاجة. لذلك كانت بعض المؤسسات الدينية والعلمية تعاني نتيجة ضآلة دخلها وإهمال الوكلاء، بل إن بعض المؤسسات تلفت من عدم العناية بأوقافها أو من عدم حصولها على أوقاف جديدة. ولكن بعض المؤسسات كانت تتمتع بأوقاف ضخمة مما جعلها مصدر ثروة لمن يتولاها، لذلك كان يكثر في هذه الحالة التنافس على تولي وكالة هذه المؤسسات، مثل الجامع الكبير بالعاصمة الذي كانت أوقافه ضخمة ومداخيله عالية.
٣ - والواقفون في الجزائر لا حصر لهم بجنس أو طبقة أو مذهب.
ولذلك وجدنا فيهم الرجال والمرأة، والعثمانيين والحضر، والأحناف والمالكية. ولعل الفرق بين واقف وآخر هو النية الحسنة والثروة. قالفقراء قلما يوقفون لأنهم أنفسهم كانوا في حاجة إلى مداخيل الوقف. وهكذا كاد الوقف ينحصر في طبقة الأغنياء ومتوسطي الحال. ومن هؤلاء الباشوات والبايات الذين كانوا يجلسون على كرسي الحكم والنفوذ، ومنهم الكراغلة الذين كانوا يتولون الشؤون الإدارية والاقتصادية وغيرها في إطار الدولة، ومنهم الحضر الذين كانوا يمارسون التجارة والصناعة. وكان من بين الواقفين أيضا المدنيون والعسكريون. والوازع وراء الوقف عند هؤلاء جميعا هو وازع الخير والحماس للدين والعلم وإصلاح المجتمع، وأحيانا كان الوازع هو السمعة والرغبة في الخلود والذكر الحسن في الحياة أو بعد الممات. وقد كان الوازع أحيانا ماديا أو دنيويا كإبعاد الثروة عن بعض الورثة أو الاحتفاظ بها تحت اسم الوقف حتى لا تؤول إلى الدولة التي كانت تستولي على الأملاك التي لا ورثة لها وتضعها تحت إشراف بيت المال (١).
стр. 226
وقد وجدت أثناء البحث في الوثائق، العديد من الوقفيات التي أوقف فيها أصحابها أملاكهم على أنفسهم ثم على ذريتهم ثم على ذرية ذريتهم، وهكذا، قبل أن تؤول الأوقاف إلى إحدى المؤسسات الدينية كالمسجد أو أملاك الحرمين الشريفين. وقد شاع هذا النوع من الوقف في العهد الأخير على الخصوص، كما نلاحظ اشتراك النساء والرجال فيه، ولعل نسبة النساء فيه أكثر. كل ذلك كان لمنع الدولة من الاستيلاء على أملاك الواقف عند وفاته أو عند انقراض نسله. ونذكر من ذلك وقفية محمد المازوني التي نص فيها على أنه أوقف أولا على نفسه ثم على ابنته ثم على ذريتها، وأنه إذا انقرض نسله منها تؤول الوقفية إلى الجامع الكبير بالبليدة. ونصها، بعد الديباجة (أشهد المكرم الحاج محمد المزوني وأشهد على نفسه لدى الشيخ القاضي وشاهديه أنه حبس ووقف لله تعالى جميع البحيرة الكائنة في باب الزاوية مع ما يخصها من الماء، أولا على نفسه ينتفع بغلتها واستغلالها مدة حياته. وبعد وفاته يرجع ذلك على بنته عائشة تستغلها مدة حياتها، وبعدها على ذريتها وذرية ذريتها ما تناسلوا وامتدت فروعهم في الإسلام، يستغلون جميع ما ذكر طبقة بعد طبقة، وإن قرضوا عن آخرهم وأتى الحمام على جميعهم يرجع ذلك على أولاد أخيها محمود، على حسب ما ذكره، وإن قرضوا (كذا) عن آخرهم يرجع ذلك على جامع (كذا) الأعظم من بلدة البليدة ..) وتاريخ هذه الوقفية حوالي ١٢٣٥ (١). وكان هذا النوع من الوقف شاملا حتى الباشوات والبايات (٢).
وهكذا، فلا يكاد يوجد باشا ظل في الحكم مدة طويلة نسبيا إلا وقد بنى جامعا (أو مسجدا) أو كتابا أو زاوية أو وقف الأوقاف على ما بناه. ولعل هذا يخالف ما قيل من أن العثمانيين في الجزائر لم يكونوا مهتمين بشؤون الدين. إن الآثار تدل على أن الحكام العثمانيين كانوا يشعرون ببعض الواجب
стр. 227
الديني والاجتماعي نحو المجتمع الذي كانوا يحكمونه. حقا إن منشآتهم العلمية لم تتطور فتصبح جامعات شهيرة ومعاهد راسخة القدم، ولكن الحد الأدنى من العناية بهذه المنشآت يدل على نوايا بعضهم الحسنة والخيرة. ويبدو أن قصر المدة التي كان يبقاها كثير منهم في الحكم والعنف الدموي الذي كان يتسم به الحكم نفسه والانقلابات المتوالية هي التي كانت السبب في عدم تطور هذه المنشآت ومنع الكثير منهم من وقف أوقاف جديدة عليها وتعهدها بالعناية والتنمية. ومن الغريب أن بعض أوقاف المساجد ونحوها قد أوقفها عثمانيون كانوا في السابق على الدين المسيحي ولكنهم رضوا بالإسلام دينا، أمثال الحاج حسين ميزمورطو (١) وعلي بتشين، بل إن هناك مساجد وأوقافا قد أمر بها الوجق كله مثل الجامع الجديد الذي وضعت أوقافه تحت مؤسسة (سبل الخيرات العثمانية الحنفية).
ومن سوء حظ هذه المؤسسات أن الباشا الجديد كان في أغلب الأحيان خصما لسلفه فلا يحرص على استمرار سياسة خصمه الدينية أو العلمية أو الخيرية. فهو يبدأ من الصفر. وهكذا دواليك. فالمنشآت إذن ظلت فردية أو تنسب إلى الأفراد، كما أن الوقف في طبيعته كذلك. ولم تقم مؤسسة عامة تتعهدها الدولة والمجتمع بقطع النظر عن أشخاص الحكام وتطور المجتمع. والوقف في الحقيقة كان، بالنسبة للدولة، هو وزارة الثقافة والتعليم والدين والشؤون الاجتماعية مجتمعة اليوم، رغم أنه لم يكن هناك وزارة بهذا العنوان ولا بهذا المحتوى الشامل. فقد كان التعليم، كما سنرى، لا يهم الدولة، ولكنه يهم كل أفراد المجتمع بمن فيهم الحكام،
стр. 228
فهو حر أو خاص كما نقول اليوم.
ومن أقدم الواقفين العثمانيين في الجزائر خير الدين بربروس وخادمه الذي أعتقه، وهو عبد الله صفر، فقد بنى الأخير الجامع المعروف بجامع سفير (صفر) سنة ٩٤٠ (١٥٣٤ م) وأوقف عليه وقفا بلغ عشر زويجات، وهي تقدر بحوالي مائة هكتار من الأرض، وكذلك أوقف عليه خير الدين نفسه قطعة أرض هامة (١). وسنتعرض للجامع نفسه عند الحديث عن المساجد. وعندما أسس الباشا الحاج حسين ميز مورطو جامعا أوقف عليه أراضي ودكاكين وسوقا وأوكل عليه مجلس إدارة أملاك مكة والمدينة. وقد وزع الوقف على إصلاح الجامع وتنظيفه وأداء الصلوات فيه، وقراءة الذكر والحديث. فخصص ستين دينارا للخطيب وأربعين للإمام وخمسة وثلاثين للمدرس المالكي والمحدث، وثمانية للمسمع، وأربعة لقراء كتاب (تنبيه الأنام) (٢) وخمسة وثلاثين لإدارة الوقف، بالإضافة إلى حصص للمؤذنين والحزابين وقارئي (المحمدية) والمنظفين، كما نص عليه أن يتعمل باقي دخل الوقف في شراء حاجات الجامع. أما الفائض منه فيعود إلى أملاك مكة والمدينة (٣). وقد قام عبدي باشا أيضا ببناء مسجد جامع وأوقف عليه أوقافا جعلها تحت إدارة أملاك مكة والمدينة. كما نص في وقفيته على أن الفائض من وقف الجامع يؤول إلى هذه الأملاك. ومن الباشوات الذين اشتهروا بالوقف على المساجد والمدارس ونحوها: محمد بن بكير، والحاج محمد بن محمود، ومحمد بكداش الذي بنى زاوية للأشراف وأوقف عليها، ومحمد باشا الذي جدد جامع السيدة، وخضر باشا الذي بنى مسجدا يحمل اسمه، وكذلك حسين باشا الأخير الذي بنى جامع خطبة خاصا به.
وبالإضافة إلى الباشاوات أوقف البايات والوزراء والكتاب (الخوجات)
стр. 229
وكبار الضباط عدة أوقاف على مجموعة من المنشآت. وقد اشتهر بالعناية بالوقف وتنظيمه وبالقضايا الدينية والعلمية في قسنطينة صالح باي الذي سبق ذكره. كما اشتهر في معسكر الباي محمد الكبير الذي سبق ذكره أيضا. فكلاهما حكم في أواخر القرن الثاني عشر، وكلاهما حاول أن يمثل (عصر التنوير) في الجزائر العثمانية. وسنعرف المزيد عن آثارهما عند الحديث عن المنشآت نفسها. كما اشتهر الباي حسن (المعروف بوحنك) باي قسنطينة الذي أنشأ سنة ١١٥٦ الجامع الأخضر وأوقف عليه عدة أوقاف. وقد دفن في نفس الجامع إثر وفاته سنة ١١٦٧ (١). أما من غير البايات فهناك رضوان خوجة، قائد الدار، الذي قيل إنه اشتهر بالورع وأسس زاوية له في قسنطينة وأوقف عليها. وقد توفي سنة ١٢٢٠. وسنتحدث عن هذه الزاوية فيما بعد. كما أوقف الحاج محمد خوجة، أحد كتاب قصر الباشا، أوقافا ضخمة سنة ١١٩٠ على مدرسة عليا (أو معهد) ومسجد وزاوية. ومن جهة أخرى بنى مصطفى بن مصطفى، آغا الصبايحية، زاوية لسكنى الطلبة وأوقف عليها. وكذلك فعل ساري مصطفى بن الحاج محمد، بيت المالجي (٢). فقد بنى أيضا مدرسة لتعليم الأطفال، وهناك غير هؤلاء. على أن معظم الأوقاف الرسمية وشبهها كانت تذهب إلى الزوايا والجوامع القائمة مثل الجامع الكبير بالعاصمة وضريح عبد الرحمن الثعالبي.
وهناك وثائق عديدة تثبت أن النساء كن يشتركن في الوقف أيضا. فأخت خضر باشا، وهي السيدة قمر بنت القائد محمد باي، قد أوقفت على جامع أخيها الباشا بعد وفاته (٣). كما أن السيدة مريم، وهي من عائلة ابن نيكرو الأندلسية قد أوقفت أوقافا على الجامع المعروف باسمها (جامع السيدة مريم). وتتمثل الوقفية في ثلاثة منازل وأربعة عشر
стр. 230
دكانا (١). وخصصت السيدة حنيفة بنت مصطفى خوجة، وهي زوج الحاج محمد خوجة سابق الذكر، أوقافا على الزاوية التي بناها زوجه (٢). أما السيدة دومة بنت محمد فقد أوقفت أواني طبخها النحاسية لفائدة ضريح عبد الرحمن الثعالبي على أن يكون إصلاح هذه الأواني من مدخول آخر تملكه.
٤ - ومن أشهر مؤسسات الوقف الجماعية إدارة (سبل الخيرات) الحنفية (٣). وكانت مؤسسة شبه رسمية. فهي التي كانت تشرف على جميع الأوقاف المتعلقة بخدمة المذهب الحنفي من زوايا ومدارس ومساجد وموطفين وفقراء. وكانت تديرها جماعة يعينها الباشا نفسه. وقد كان على رأسها، حوالي سنة ١١٠٨، الحاج حسن آغا بن محمد التركي والحاج إبراهيم بن الحاج حميدة الأندلسي. ومن بين المشرفين عليها سنة ١٢٠٩ الحاج خليل (معزول آغا). وكانت مؤسسة سبل الخيرات تقبل الأوقاف الموجهة لخدمة الفقراء والعلماء والطلبة والعجزة، كما كانت تقوم بإنشاء المؤسسات الجديدة لنفس الغرض وتشرف عليها وتوجهها وتنميها. ذلك أن كثيرا من الواقفين كانوا يعهدون بوقفهم إلى إدارة سبل الخيرات.
ومن أبرز ما قامت به إنشاؤها للجامع الجديد أو الحنفي المسمى أحيانا بجامع الصيد البحري، وهو الذي ما يزال قائما إلى اليوم. وسنتحدث عنه في المساجد. وكان جامع كجاوة (كتشاوة) من أهم المساجد التابعة لإدارة سبل الخيرات أيضا، وكذلك جامع على بتشين وجامع باب الجزيرة وزاوية
стр. 231
(مدرسة) شيخ البلاد. وكانت مؤسسة سبل الخيرات ذات نفوذ كبير في المجتمع والدولة وذلك لأهمية الأوقاف التي كانت تتلقاها والمنشآت التي كانت تشرف عليها، وهي التي كانت أيضا مكلفة بدفع مرتبات حوالي ثمانية وثمانين طالبا أو قارئا ملحقين بالمساجد التي تحت إدارتها، كما كانت تقدم الصدقات للفقراء وترعى حاجات المساجد التسعة التابعة لها.
وإدارة أوقاف مكة والمدينة كانت لا تقل أهمية عن مؤسسة سبل الخيرات، رغم أن الأولى أكثر ثروة حتى قال بعضهم إنها كانت تشمل ثلاثة أرباع الأوقاف العامة (١). ويذهب بعضهم إلى أن مؤسسة مكة والمدينة أقدم من مؤسسة سبل الخيرات فهي تعود حسب هذا الرأي إلى ما قبل العهد العثماني. وكانت مؤسسة مكة والمدينة تدار أيضا من قبل مجلس من أربعة أشخاص وقد تتسع لأعضاء آخرين. وكان على رأس هذا المجلس وكيل يعينه الباشا أيضا، كما كان لها وكلاء في المدن الجزائرية الأخرى. وكانت مؤسسة مكة والمدينة تدير بعض الأوقاف المحلية سواء كانت مالكية أو حنفية، وهي الأوقاف التي يؤول فائضها إلى فقراء المدينتين الشريفتين (٢).
وتدل الإحصائية التالية على أهمية مؤسسة مكة والمدينة في الحياة الاجتماعية. فقد ثبت أن هذه المؤسسة كانت تملك في آخر العهد العثماني الأوقاف التالية: ٨٤٠ منزلا، ٢٥٨ دكانا، ٣٣ مخزنا، ٨٢ غرفة، ٣ حمامات، ١١ كوشة، ٤ مقاهي، فندق واحد، ٥٧ بستانا، ٦٢ ضيعة، ٦ أرحية، ٢٠١ إيجار. ومما يذكر أن معظم هذه الأوقاف قد خرجت أو ألحقت
стр. 232
بمصالح الدولة الفرنسية بعد الاحتلال مباشرة (١).
ولمؤسسة مكة والمدينة أهمية سياسية أيضا، فقد كانت تمثل وجه الجزائر في العالم الإسلامي وكان ركب الحج الجزائري يحمل كل سنة كمية هائلة من النقود والذهب والفضة والألبسة وغيرها إلى فقراء مكة والمدينة وخدام الحرمين الشريفين، وفي حديثنا عن العلماء والأشراف سنعرف أن إمارة ركب الحج كانت قضية معقدة تتدخل فيها السياسة والعلم والدين (٢). وكان لعواصم الأقاليم أيضا أوقاف خاصة بأملاك مكة والمدينة على غرار ما كان في مدينة الجزائر. وكان ركب حجيج كل إقليم يحاول أن يتفوق على نظرائه في الثروة والجاه. ومن أشهر من حمل صدقة مكة والمدينة من قسنطينة، بعد عبد الكريم الفكون، القاضي أحمد العباسي. وقد اشتهر الباي محمد الكبير بحبه للجاه والسمعة فكان يهادي علماء المشرق، ولا سيما علماء مكة والمدينة، عن طريق ركب الحج الذي كان ينطلق من عاصمته معسكر ثم وهران (٣).
وقد كان مهاجرو الأندلس يعيشون وضعا خاصا في الجزائر قبل اندماجهم في المجتمع الجديد نهائيا. فقد كانوا في البداية لاجئين يبحثون عن أماكن للاستقرار ووسائل للعيش والأمن. وبتقادم الزمن استقروا في المدن الساحلية وأخذ بعضهم يسهم في الحروب البحرية ضد الإسبان، كما
стр. 233
أن بعضهم قد مارس التجارة والتعليم والصنائع المختلفة والزراعة. ولكن هذه الأعمال لم تمنع من شعورهم بالحاجة إلى التضامن كفئة خاصة. لذلك أسسوا بتشجيع من السلطة التي كانت تتعاطف معهم، عدة مؤسسات خيرية كانوا يهدفون من ورائها إلى التضامن فيما بينهم من جهة وإلى خدمة فقرائهم من جهة أخرى. فلقد أسسوا جمعية لهذا الغرض أشرفت بدورها على إقامة مسجد وزاوية ومدرسة خاصة بهم. وكانت هذه الجمعية الأندلسية مكونة من ستة أشخاص كلهم من المهاجرين الأندلسيين. وقد اشتروا دارا كبيرة وحولوها بالبناء والإصلاح إلى المدرسة والمسجد المذكورين وأوقف أغنياؤهم على ذلك الأوقاف التي بلغت، حسب بعض الإحصاءات، ستين مؤسسة وقف. وقد عينوا لذلك وكيلا، وهو الشيخ محمد الآبلي. ومما يلاحظ أن كثيرا من الأوقاف كانت مشتركة بين الحرمين والأندلس أو بين الجاح الأعظم بالعاصمة والأندلس، وظلت هذه الجمعية الأندلسية وأوقافها الكثيرة إلى الاحتلال الفرنسي الذي قضى على الجمعية واستولى على أوقافه (١). وكان الأندلسيون يتمتعون بمكانة خاصة في المجتمع الجزائري وخصوصا لدى العثمانيين حتى أن بعضهم كان يعين على أوقاف حنفية عثمانية، مثل حميدة الأندلسي الذي كان عضوا في لجنة إدارة سبل الخيرات، ومثل سليمان الكبابطي الذي عينه خضر باشا على أوقاف جامعه، ومثل محمد بن جعدون الذي عينه محمد عثمان باشا وكيلا على أوقاف جامع سوق اللوح، وسنعرف أن عائلات أندلسية، مثل عائلة ابن نيكرو، قد اشتهرت وتنفذت في العهد العثماني (٢).
стр. 234
وكان الأشراف كذلك من الفئات المتميزة في المجتمع ولهم أوقاف خاصة. وهم أيضا من الفئات التي كانت تتعاطف مع العثمانيين. وقد شاع في هذا العهد ادعاء الشرف بكثرة حتى أنك لا تكاد تجد عالما أو صالحا قد اشتهر أمره بين الناس إلا واسمه مقرون بعبارة (الشريف) أو (الحسنى)، وبعضهم كان يدعي أنه من شرفاء مكناس أو فاس أو من شرفاء الساقية الحمراء. وقد استوى في هذا الادعاء، علماء وصلحاء الحواضر والبوادي على السواء. وهي ظاهرة تدل بدون شك على ما وصل إليه التخلف الحضاري. فإن أصحاب هذه الدعوى كانوا يعيشون على الماضي وكانوا يبحثون عن شيء يدفنون فيه أنفسهم أو يتمايزون به عن غيرهم بعد أن ضاع منهم كل شيء، فلم يجدوا سوى الشرف وادعاء الصلاح والتصوف. ومن الغريب أن ادعاء الشرف قد شاع حتى بين بعض باشوات الجزائر الذين لا صلة لهم بهذا الموضع. فقد ادعى أحمد البوني وعبد الرحمن الجامعي المغربي وغيرهما أن محمد بكداش باشا كان شريفا من بني هاشم (١).
ومهما كان الأمر فقد كان للأشراف في الجزائر نقابة خاصة ونقيب يسمى (نقيب الأشراف) يتمتع بمكانة مرموقة لدى رجال الدولة والمجتمع. حتى أن مبايعة الباشا كانت لا تتم إلا بحضوره إلى جانب العلماء والديوان، ولا شك أن هذا التقليد كان اتباعا لما كان يجري في إسطانبول نفسها من مراسيم سلطانية، ومن أشهر العائلات التي تولت هذه النقابة في الجزائر عائلة المرتضى وعائلة الزهار (٢). وكان لأوقاف الأشراف وكيل خاص أيضا، وليس هو النقيب المذكور، لأن النقابة منصب معنوي أما الوكالة فقد كانت منصبا إداريا.
стр. 235
وكان ظهور فئة الأشراف يعود إلى أوائل القرن الحادي عشر (١٧ م) وقد بنى لهم محمد بكداش باشا سنة ١١٢١ زاوية خاصة بهم، ولعل هذا كان من أسباب تعاطفهم معه ونسبته إلى حضرتهم، ونصت وقفية الباشا على هذه الزاوية على أن لا يقيم فيها سوى الشريف غير المتزوج ولا يتولى فيها الإمامة والدرس أو الخطابة ونحو ذلك من الوظائف إلا الشريف أيضا، وفي حالة عدم توفر الشريف يبحث عن إنسان ورع للقيام بالوظيفة الشاغرة، كما نصت الوقفية على أن الوكيل هو الذي يتولى تصريف شؤون الوقف، وأن الفائض منه يوزع على فقراء الأشراف المولودين في الجزائر وأنه لا يجوز للوكيل أن يأخذ شيئا من الوقف لنفسه إلا عند الضرورة القصوى، وفي هذه الحالة يصير هو كالشريف الفقير، ولم يكن هذا الوقف خاصا بالرجال، فهو لهم وللنساء والأطفال أيضا. ولا يجوز لنقيب الأشراف أن يتدخل في شؤون الزاوية، ذلك أن وضعه بالنسبة إليها هو وضع أعيان الأشراف الذين عليهم أن يجتمعوا مع الوكيل مرة في السنة في الزاوية للنظر في إدارة الوكيل وأحوال الوقف. وهؤلاء كانوا يمثلون المجلس الذي له البت في كل أمور الزاوية وحاجاته (١).
ومن مؤسسات الأوقاف في العهد العثماني مؤسسة (بيت المال) التي كان يشرف عليها أمين يسمى أحيانا (ييت المالجي) , وأمانة بيت المال وظيفة رسمية إذا قيست بوظيفة الوكلاء السابقين. ولذلك كان الباشا يعين أحد القضاة أيضا ليساعد أمين بيت المال في إدارة المؤسسة، ذلك أن هذه المؤسسة كانت من جهة سياسية ومن جهة أخرى خيرية. فقد كانت تشرف وترعى جميع أموال اليتامى والغائبين والأملاك التي تصادرها الدولة وكذلك التركات. وكانت أيضا تقوم بأعمال خيرية وإنسانية واجتماعية كدفن فقراء المسلمين وتوزيع الصدقات على حوالي مائتي فقير كل يوم خميس، وتقديم الهدايا في كل عيد إلى الباشا وحاشيته وخدمه. وبالإضافة إلى ذلك كانت
стр. 236
تصون الأملاك الواقعة تحت طائلتها، كما كانت تدفع شهريا مبالغ مالية معينة إلى خزانة الدولة (١).
وتعتبر أوقاف الجامع الكبير وبعض الزوايا بالعاصمة، وأوقاف الجامع الكبير في قسنطينة ومعسكر وتلمسان والمدية من المؤسسات الغنية في المجتمع الجزائري، وهي لذلك كانت وسائل للنفوذ والإثراء لمن يتولى وكالتها من العلماء، ونحوهم (٢). وقد كانت عائلة قدورة متولية وكالة أوقاف الجامع الكبير بالعاصمة مدة طويلة، واستطاع سعيد قدورة أن يبني زاوية ومدرسة من فائض أوقاف الجامع الكبير. ومن الزوايا كثيرة الدخل في العاصمة زاوية الولي دادة، وزاوية أحمد بن عبد الله الجزائري، وزاوية عبد الرحمن الثعالبي، وكانت جميع الطبقات الاجتماعية توقف على زاوية الثعالبي، بل إن بعض البلدان، مثل تونس، كانت ترسل إليها حمولة زيت كبيرة سنويا. أما في قسنطينة فقد كان للجامع الكبير أوقاف هائلة بلغ دخلها على عهد صالح باي ٤٩١ ريالا بينما صرفها بلغ ٤٠٨ ريالات، وقد سبق أن وصفنا ثروة زاوية الشيخ المجاجي (آبهلول) نواحي تنس، وهي الزاوية التي كانت تطعم حوالي ألف وثلاثمائة رجل (بالرغائف والثريد والزبدة والعسل) والتي كانت قصعتها تحتوي على ثلاثين (نوعا من الطعام واللحم) (٣).
وقبل أن نختم الحديث عن الأوقاف نشير إلى أن اليهود كانوا أيضا يستغلون الأوقاف عن طريق الكراء ونحوه، بل لقد وجدت في الأرشيف أن
стр. 237
أحد اليهود قد أخذ مبلغا من أملاك الحرمين، كما وجدت أن أحد النصارى كان مكلفا بكنس ميضات جامع عبدي باشا، وكان يأخذ نصيبه من وقف هذا الجامع (١). ومن جهة أخرى وجدت أن معظم الأوقاف تنص على مسائل وأغراض دينية كالطواف بالكعبة باسم الواقف وقراءة أذكار أو أحزاب من القرآن الكريم على الواقف، وقلما وجدنا منها ما ينص على شؤون العلم كالتدريس والكتب. وبالإضافة إلى ذلك وجدنا أن كثيرا من الأوقاف كانت مشتركة بين عدة مؤسسات كالجامع الأعظم والأندلس والطلبة والأسرى والفقراء ونحو ذلك.
وفيما يلي إحصاء للأوقاف الدينية أجري حوالي سنة ١١٨٤:
الأوقاف المشتركة بين الحرمين والأندلس ... ٦٢
الأوقاف المشتركة بين الحرمين والجامع الأعظم ... ٦٩
البيوت والدور للحرمين خاصة ... ٧٤
المخازن للحرمين خاصة ... ٧٦
الأعالي للحرمين خاصة ... ٨١
أوقاف جامع ميزمورط ... ١٣٠
أوقاف جامع عبدي باشا ... ١٣٤
أوقاف جامع علي باشا ... ١٤٢
أوقاف جامع خضر باشا ... ١٣٩
أوقاف الفقراء والأسرى والطلبة ... ٤٨ (٢)
وهكذا تتضح أهمية مؤسسة الوقف في الجزائر خلال العهد العثماني.
فقد كانت تؤدي وظائف عديدة أهمها في هذا المجال خدمة الدين والتعليم. كما كانت عنوانا على التضامن الاجتماعي. وكانت تمثل بالنسبة لأوقاف مكة والمدينة الوجه السياسي للجزائر أيضا. وقد ظهر من النماذج التي سقناها أن
стр. 238
العثمانيين لم يهملوا تماما وسائل نشر التعليم الديني ورعاية المجتمع الخيرية، غير أن هناك عوامل أخرى تدخلت فجعلت الأوقاف غير فعالة في خدمة التعليم والنهوض بالمجتمع. كما ساعدت على نشر الغموض والتصوف والشعوذة ومظاهر التخلف الاجتماعي الأخرى. ومهما كان الأمر فإن الأوقاف هي التي كانت وراء بناء المساجد للعبادة والتدريس. وهذا ما سنتناوله الآن.
المساجد
١ - كثيرا ما يختلط على الباحث اسم الجامع والمسجد والزاوية. ذلك أن بعض الجوامع والمساجد كانت تابعة لزوايا معينة، كما أن بعض الزوايا كانت تابعة لجوامع ومساجد معينة. والتداخل ليس في الاسم فقط بل في الوظيفة أيضا. فالجوامع والمساجد كانت للعبادة والتعليم كما أن الزوايا كذلك أحيانا، ولكن هذه في الغالب كانت رباطا أو ملجأ أو مسكنا للطلبة والغرباء ومركزا لتلقين الأذكار واستقبال المريدين. كما أن حجم هذه المؤسسات له دخل في تحديد وظائفها. فالجالع اصطلاحا أكبر حجما من المسجد، فهو الذي تؤدي فيه الصلاة الجامعة أو الجمعة والعيدين، وكثيرا ما يسمى أيضا جامع الخطبة، وبعض هذه الجوامع كان أيضا يسمى بالجامع الكبير أو الأعظم. غير أن هناك بعض الباحثين يذكرون (المساجد) فقط ثم يفصلون كبيرها وصغيرها، ما له صومعة وما ليس له صومعة، بل ما له صومعة عالية وما له سوى قبة أو نحوها. ثم أن الجوامع والمساجد في الغالب غير منسوبة إلى الأولياء والصلحاء، بل هي منسوبة إلى مؤسسيها من السياسيين والتجار والعسكريين ونحوهم، بينما الزوايا تنسب غالبا إلى ولي من الأولياء. فهناك زاوية أحمد بن عبد الله الجزائري وزاوية عبد الرحمن الثعالبي، ولكن هناك الجامع الأخضر والجامع الجديد، والجامع الكبير الخ. كما أن بعض الجوامع كانت تنسب إلى الأحياء الواقعة فيها مثل. جامع باب الجزيرة وجامع سوق اللوح وجامع سوق الغزل (بقسنطينة)، أو إلى صنعة
стр. 239
أهل الحي مثل جامع الخياطين وجامع حي الرمان (بتلمسان).
ومهما يكن اسم ووظيفة وحجم هذه المؤسسات فإننا بالنسبة إلى المساجد قد استعملناها هنا في معناها العام، باعتبارها أماكن للعبادة وأماكن لنشر العلم، ولكننا سنوضح الفرق في الاستعمال عند الضرورة. ومما يلاحظ أن أغلب المدن الجزائرية كانت تشمل مسجدا يطلق عليه اسم (الجامع الكبير) وهو المسجد الذي اشتهر بين الناس إما لقدمه أو لسعته. ولكن (الكبير) هنا لا يعني دائما السعة الحقيقية. فقد يكون في المدينة من المساجد ما هو أوسع من الجامع الكبير مساحة. وقد يطلق على أحد المساجد اسم (المسجد العتيق) أو القديم الذي يكون قد بنى وسط المدينة القديمة أثناء نموها، فيصبح بهذا المعنى (شيخ المساجد) وحامي حمى المدينة في نظر السكان. وبذلك يكون موضع اهتمام الحكام وهدف المحسنين لوقف الأوقاف عليه، وكثيرا ما يكون هو المصلى لحاكم البلاد. ورغم شهرة الجامع الكبير بالعاصمة وضخامة أوقافه فإنه لم يتطور إلى (جامعة) علمية كالأزهر أو الزيتونة أو القرويين، فقد ظلت شهرته منحصرة في قدمه (وهو يعود إلى ما قبل العهد العثماني) وحجمه وأوقافه ومركزه القضائي باعتباره المركز الذي كان ينعقد فيه مجلس الفتوى كل أسبوع، كما أنه كان مقر مفتي المذهب المالكي.
والعناية بالمساجد كانت ظاهرة بارزة في المجتمع الجزائري المسلم. فلا دكاد تجد قرية أو حيا في المدينة بدون مسجد. فقد كان المسجد هو ملتقى العباد، ومجمع الأعيان، ومنشط الحياة العلمية والاجتماعية، وهو قلب القرية في الريف وروح الحي في المدينة، إذ حوله كانت تنتشر المساكن والأسواق والكتاتيب. وكان المسجد أيضا هو الرابطة بين أهل القرية والمدينة أو الحي لأنهم يشتركون جميعا في بنائه كما كانوا جميعا يشتركون في أداء الوظائف فيه. وقد كان تشييد المساجد عملا فرديا بالدرجة الأولى، فالغني المحسن هو الذي يقود عملية بناء المسجد والوقف عليه وصيانته. ولكن أعيان القرية أو الحي كانوا يساهمون بالتبرعات ونحوها. ولا يتعدى مجهود
стр. 240
السلطات الحاكمة في هذا المجال مجهود الأفراد. فالدولة لم تكن مسؤولة على بناء المساجد. وإذا بنى أحد الباشوات مسجدا فإنما يبنيه من ماله الخاص ويوقف عليه من ريعه وأملاكه. فهو بذلك يعبر عن إحسانه وحبه للخير وواجبه الديني وليس عن واجبه السياسي. حقا إن عمل الحكام قد يشجع رعاياهم على تقليدهم، وقد يفتح مجالات للتعلم والتثقف لا يمكن للمواطنين العاديين أن يفتحوها، ولكن عملهم، كما قلنا، يظل من الوجهة الدينية عملا فرديا.
٢ - وتختلف الإحصاءات عن عدد المساجد في المدن الجزائرية خلال العهد العثماني، بل إن بعض المدن لا تكاد المصادر تذكر له إحصاء. وتكتفي معظم المصادر بالحديث عن المدن الرئيسية كما أن بعضها لا تذكر إلا الجوامع (أو مساجد الخطبة). ثم إن بعض الإحصاءات تختلط فيها المساجد القديمة المؤسسة قبل العهد العثماني والمؤسسة أثناءه. فالتمغروطي، مثلا اكتفى في حديثه عن مدينة الجزائر في آخر القرن العاشر (١٦ م) بقوله إن فيها الجامع الكبير وهو واسع وإمامه مالكي، وفيها ثلاث خطب أحدها للترك وإمامهم حنفي (١). وهو يعني بالخطب خطبة الجمعة. ومعنى هذا أن مدينة الجزائر على عهده، لم يكن فيها سوى ثلاثة جوامع للجمعة، منها الجامع الكبير المالكي وآخر للمذهب الحنفي (ولعله يقصد به جامع سفير الذي بناه مملوك خير الدين، كما أشرنا). وجامع ثالث لعله هو جامع القشاش الذي سيأتي الحديث عنه، أو جامع سيدي رمضان الذي كان قديما أيضا. بينما يذكر هايدو الإسباني، حوالي نفس الفترة، ان مدينة الجزائر كانت تعد حوالي مائة مسجد، منها سبعة رئيسية (٢). وفي بداية القرن الثالث عشر (١٩ م) ذكر بانانتي الإيطالي أن هذه المدينة كانت تضم تسعة
стр. 241
جوامع وخمسين مسجدا (١). ولكن ديفوكس الذي بحث موضوع المؤسسات الدينية في مدينة الجزائر قال إنه كان بها سنة ١٢٤٦ (١٨٣٠ م) تاريخ الاحتلال، ثلاثة عشر جامعا كبيرا (أو جامع خطبة) ومائة وتسعة مساجد، واثنتان وثلاثون قبة (أو ضريحا) واثنا عشر زاوية، فمجموع ما فيها من المؤسسات الدينية، بناء عليه، مائة وست وسبعون مؤسسة (٢).
كما تختلف الإحصاءات حول مساجد مدينة قسنطينة. ففي عهد صالح باي، الذي اعتنى بإحصاء المساجد وترميمها وتشييدها، بلغت، كما جاء في السجل الذي أمر به، خمسة وسبعين مسجدا وجامعا، بالإضافة إلى سبعة مساجد تقع خارج المدينة (٣). وقد جاء في بعض الإحصاءات المتأخرة أن قسنطينة كانت تضم، قبل الاحتلال الفرنسي، خمسة وثلاثين جامعا (٤) أما الورتلاني الذي زار قسنطينة في القرن الثاني عشر (١٨ م) فقد ذكر أنه كان فيها نحو خمسة جوامع خطبة وأن بعضها كان متقن البناء (٥).
وكان إقليم قسنطينة على اتساعه قد اشتمل على عدد آخر من المساجد أيضا. من ذلك عنابة التي كانت فيها سبعة وثلاثون مسجدا، أشهرها جامع
стр. 242
سيدي أبي مروان (١). وفي سنة ١٢٠٦ أشاد فيها صالح باي جامعا أصبح يعرف بالجامع الجديد، وهو الجامع الذي نقشت عليه هذه الأبيات تؤرخه وتذكر بانيه:
لعمرك بيت الله للسر جامع ... شيد أركان به النور ساطع
بدت دونه زهر الكواكب رفعة ... به بونة للسعد منها مطالع
به جاد تاج الدين والمجد صالح ... إلى درج العلياء راق وطالع
أمير البرايا زاد ظفرا ونصرة ... مؤيد دين الحق للشرع تابع
فمذ أسس البيت الرفيع على الهدى ... أأرخه للخير برك جامع (٢)
كما اشتهرت بجاية بالمساجد القديمة والحديثة، ومن أحدثها في العهد العثماني الجامع الكبير الذي أمر ببنائه مصطفى باشا سنة ١٢١٢ (٣). ومن أشهر مساجد ناحية قسنطينة أيضا مسجد الخنقة الذي يعود تاريخه إلى سنة ١١٤٧ (٤) والذي كان، مع المدرسة والزاوية هناك، مقصد العلماء كما سنرى. أما في القل فقد بنى أحمد القلي، باي قسنطينة وجد الحاج أحمد آخر البايات، جامعا سنة ١١٧٠ اعترافا منه، كما قيل، لأهل القل الذين أكرموه عندما كان آغا عليهم (٥). أما في تقرت فقد بنى إبراهيم بن أحمد بن جلاب سنة ١٢٢٠ جامعا واسعا جلب له الرخام من تونس (٦).
وبالإضافة إلى ما كان من المساجد في غرب ووسط البلاد أنشأت
стр. 243
السلطة العقمانية والأهالي عددا آخر منها. وتذكر المصادر أنه كان بتلمسان في آخر العهد العثماني خمسون مسجدا (١)، منها جامع سيدي بومدين والجامع الكبير وجامع محمد السنوسي وجامع ابن زكري وجامع أولاد الإمام وجامع المشور. والمعروف أن الباي محمد الكبير قد شيد مسجده الأعظم بمعسكر، ولعله هو المعروف بجامع العين البيضاء أيضا (٢). وقد أشاد الشعراء والأدباء بهذا المسجد، كما سنرى. ونفس الباي قد بنى جامع وهران بعد فتحها على يديه سنة ١٢٠٥ (٣). وقد عرفت مازونة ومستغانم وندرومة ومليانة بمساجدها أيضا ولكن إحصاءاتها لم تتوفر لدينا. أما المدية فقد كان فيها في آخر العهد العثماني أحد عشر مسجدا، منها الجامع الكبير الذي تعود به الوثائق إلى سنة ١١٢٧، وجامع سيدي المزاري الذي بناه مصطفى بومزراق آخر بايات التيطري، والجامع الأحمر الذي شيده الباي حسن حوالي سنة ١٢١٣ (٤).
٣ - ورغم وفرة المساجد فإن بعض المؤلفين والملاحظين قد اشتكوا من عدم العناية بها في هذا العهد. ويبدو أن عدد المساجد لم يكن يدل بالضرورة على العناية بها والوقف عليها بما يحفظها ويصونها. فقد كان بعضها خربا وبعضها سيء البناء أصلا وبعضها محروما من الأوقاف الضرورية لتجديده. وهكذا نجد أحمد بن ساسي البوني يشتكي إلى الباشا محمد بكداش خراب المساجد في عنابة وخلوها من المصلين والعباد.
خربت المساجد ... وقل فيها الساجد (٥)
стр. 244
وبعده بحوالي خمسين سنة جاء الورتلاني لينعي على العثمانيين عدم عنايتهم بالمساجد وأوقافها، وخاصة منهم ولاة قسنطينة وبسكرة. وقد نحى الورتلاني باللائمة على المغاربة عموما (وهو يعني الجزائريين - لأنه كان معجبا بعمل التونسيين والطرابلسيين وهو لم يعرف المغرب الأقصى وإنما عمم كذلك حتى يتهرب من توجيه التهمة المباشرة للعثمانيين) لعدم عنايتهم ببناء المساجد: (فلا تكاد ترى في مدائنهم مسجدا عظيما قد أحدث بل ولا مهدما قد جدد، ولا واهيا قد أصلح، بل لو سقط شيء من أكبر مساجدهم فأحسن أحوالهم فيه إن كان مبنيا برخام أن يعاد بآجر وجص، وإن كان مجصصا أن يعاد بطين، بحيث تجد المسجد كأنه معرقة فقير هندي فيه من كل لون رقعة. وما أرى ما حل بمغربنا من الوهن إلا بسبب أمثال هذا) (١). وهذا بدون شك اتهام قاس ضد العثمانيين في الجزائر، وهو أيضا اتهام ضد الجزائريين عموما. فالورتلاني كان يعرف تونس وجامع الزيتونة وشاهد ودرس في الجامع الأزهر وغيره من مساجد مصر، وكان قد عاد من الحجاز ومن الحرمين الشريفين ومن دمشق وجامعها الأموي، فلا غرو أن يصطدم بعدم وجود شيء من ذلك (في مغربنا) أو (وطننا) كما كان يطلق أحيانا على الجزائر.
ومما يؤكد هجوم الورتلاني محاولة بعض البايات تلافي هذا النقص أواخر القرن الثاني عشر (١٨ م). فقد نهض صالح باي قسنطينة يتدبر الأمر ويحصي المساجد وأوقاتها ويحاسب القائمين عليها من الوكلاء عليها وأمثالهم. وجدد بعضها وأنشأ لذلك مجلسا علميا خاصا للنظر في شؤونها. وقد فعل الباي محمد الكبير, فعلا مشابها لذلك في معسكر. كما رمم وبنى مساجد جديدة ليس فقط في عاصمته بل في مدن أخرى كتلمسان
стр. 245
والعاصمة (١). فصراحة الورتلاني إذن كانت في محلها وكان بذلك يعبر عن رأي فئة العلماء في البلاد كلها. فهذه الفئة، كما سنرى، كانت تعيش من المساجد وأوقافها، فإذا ضعفت العناية بالمساجد أو قلت أوقافها افتقرت فئة العلماء وسخطت على الحكام.
٤ - ومع ذلك فإن المساجد القائمة، ولو كانت في غير المدن الرئيسية، كانت تلفت نظر الرحالة وتثير إعجابهم. فالعياشي قد وجد صومعة جامع تماسين عالية جدا تحتوي على حوالي مائة درجة. كما أشاد الورتلاني نفسه ببعض مساجد قسنطينة حين قال إن بعضها (متقن إتقان مسجد الباشا بطرابلس، حتى كأن بانيهما واحد) وكل من العياشي والدرعي قد أشاد بجامع بسكرة الذي كانت له مئذنة في غاية الاتقان والطول والسعة تقدر الدابة على الصعود إليها وأدراجها مائة وأربعون درجة. والمسجد واسع جدا متقن البنا الخ (٢). ولا شك أنه كان في بسكرة، بالإضافة إلى الجامع الكبير، بعض المساجد الصغيرة. والدرعي نفسه قد أعجب بمسجد عين ماضي المبني على ربوة بأحجار كأنها منحوتة لاستقامتها، وهو مفروش بقطائف وحصر جيدة. وله نور يعلوه (٣). وكذلك الحال بالنسبة لجوامع سيدي عقبة وأولاد جلال وتقرت وغيرها من القرى والمدن الصغيرة.
وقد أعجب الأوروبيون أيضا بهندسة بناء المساجد في المدن الجزائرية وعرصاتها المرمرية وزخرفتها بالفسيفساء والنقوش العربية وفرشها بالزرابي الغنية والحرير المطرز أحيانا. وهذا ما جعل الفرنسيين يختارون أجمل وأتقن هذه المساجد ويحولونها إلى كنائس كجامع كجاوة الذي حول إلى كاتيدرالية
стр. 246
وجامع علي بتشين الذي حول إلى كنيسة، وجامع سوق الغزل (في قسنطينة) الذي حول أيضا إلى كاتيدرالية. وبعض هذه المساجد قد هدموه كما فعلوا بأغلب مساجد العاصمة مثل جامع السيدة الذي كان آية في الفن المعماري (١)، وكذلك مساجد عنابة وقسنطينة والمدية وغيرها (٢).
وكانت مدينة الجزائر قبل العثمانيين تحتوي على عدة مساجد كالجامع الكبير الذي ما يزال إلى اليوم يحمل نفس الاسم، وجامع سيدي رمضان وجامع القشاش. ويسمى جامع سيدي رمضان أحيانا جامع القصبة أيضا. وقد سمي على ولي صالح مدفون فيه، وهو كبقية المساجد، التي كان الورتلاني يصفها، يفتقر في بنائه إلى الذوق الفني والأوقاف. فهو كالجامع الكبير وجامع القشاش كان مسقفا بالآجر، وقد ظل على وضعه في العهد العثماني. أما جامع القشاش، الذي كان يسمى أيضا بالجامع القديم، فكان يعتبر من أجمل جوامع مدينة الجزائر حسبما جاء في تاريخ هايدو (٣). وكانت تتبعه زاوية بنفس الاسم اشتهرت خلال العهد العثماني بالعلم كمدرسة عليا، وهي المدرسة التي تحدث عنها أبو راس الناصر وأشاد بها، كما سنرى. ويبدو أن كلمة (القشاش) اسم لأحد الأولياء أيضا.
وكانت المساجد المبنية قبل العهد العثماني للمذهب المالكي. كما أن أغلبها المبني خلال هذا العهد كان للمذهب المالكي أيضا. والظاهر أن أول جامع بني في العهد العثماني للمذهب الحنفي هو جامع سفير (أو صفر) الذي
стр. 247
سبق الحديث عليه. وقد نقشت على الباب الرئيسي لهذا الجامع العبارات التالية (وبعد، فهذا مسجد عظيم، ومقام كريم، أسس على التقوى بنيانه، وارتسمت على السعادة والتوفيق أرجاؤه وأركانه، أمر ببنائه الفقير إلى مولاه مملوك مولانا السلطان الكبير، المعظم الشهير، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا خير الدين، أيده الله ونصره، وهو عبد الله سبحانه صفر، غفر الله ذنبه). وقد جدد حسين باشا، آخر الباشوات، هذا الجامع الذي يعتبر من أجمل مساجد مدينة الجزائر. فهو على عرصات منخفضة عظيمة ومستديرة، أربع منها رخامية وأربع من الحجر، وعليه قبة ضخمة. ومحرابه من الزليج الأبيض والأزرق، وكذلك أطر النوافذ. وله صومعة غير عالية (١). ثم أسس العثمانيون وأحفادهم الكراغلة، المساجد للمذهب الحنفي كمساجد الباشوات الذين ذكرناهم (٢) والجامع الجديد، بل كان في كل عاصمة إقليم جامع للأحناف، وجميعها كانت موضوعة تحت مؤسسة سبل الخيرات.
وإذا كانت مساجد العثمانيين في الغالب جيدة وأنيقة وكثيرة الأوقاف فإن مساجد الأهالي كانت في الجملة متواضعة، كما لاحظ الورتلاني، وكما تشهد لذلك أيضا المساجد المؤسسة قبل العثمانيين. فهي في الغالب مبنية بالجبس أو الجص أو الحجر، وقائمة على عرصات ضخمة وصوامع منخفضة. وليس فيها من الفرش سوى الحصير أو الزرابي البسيطة مع قليل من الإضاءة ومن العناية. أما المساجد العثمانية فقد امتازت بدقة البناء واستعمال الزليج والرخام في العرصات والمحراب، والتأنق في المنبر
وقناديل الزيت والثريات والزرابي الغنية والزخرفة والنقوش بالحروف العربية والتركية على الجدران والعناية بالعيون والإضاءة والنظافة ونحو ذلك، كما شاع فيها استعمال الفسيفاء وزخرفة النوافذ والأبواب. وقد لاحظ بعض الباحثين أن مساجد وهران، مثلا كانت أجمل من الكنائس التي به (٣)، رغم
стр. 248
أن مدة بقاء وهران تحت العثمانيين كانت قصيرة. كما امتازت المساجد العثمانية بالسعة وعلو الصوامع ودقتها وجمال شكلها. ومن أجمل مساجد العاصمة جامع السيدة الذي سبقت الإشارة إليه والجامع الجديد وجامع كجاوة وجامع علي بتشين. ومن أجمل مساجد قسنطينة جامع سوق الغزل والجامع الكبير أو الأخضر. وقد أشاد الأدباء بجامع محمد الكبير بمعسكر لجماله واتساعه. وقد امتازت جوامع تلمسان، التي يعود معظمها إلى العهد الزياني وما قبله، بالفن الأندلسي والذوق العربي.
ومعظم الجوامع كانت تحتوي على المحراب والمنبر والصومعة وقناديل الإضاءة والماء للوضوء (أو الميضات). وتختلف الفرش من جامع إلى آخر فهي في بعضها غنية حتى كانت الفرش تطرز بالحرير المذهب واستعمال الزرابي نادرة القيمة، وفي بعضها كانت مجرد حصير وسجاد متواضع. وكانت تعلق في بعضها الثريات الرفيعة ذات الألوان الزاهية بينما بعضها كان لا يوجد فيه أكثر من حسك قصديرية أو زجاجات عادية (١). ويختلف وضع المساجد (غير جوامع الخطبة) قليلا. فهي في الغالب أقل جمالا وسعة وتأنقا من الجوامع. وفي معظم الجوامع توجد المكتبات الموقوفة على القراء والطلبة والأساتذة (٢). وتختلف الكتب الموقوفة كثرة وتنوعا. ففي بعض الأحيان لا يوجد في المكتبة سوى المصاحف والكتب
стр. 249
الدينية والصوفية مثل صحيح البخاري وتنبيه الأنام ودلائل الخيرات وكتب الأدعية والأذكار. ولكن بعضها كان يحتوي على كتب في العلوم المختلفة من أدب وطب وفقه وتاريخ ورياضيات. ومن أهم ما كان يلحق بالجوامع أيضا الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال، والزوايا لمبيت الطلبة والغرباء. ومن التوابع الضرورية للجوامع الميضات والعيون للطهارة والاستحمام.
وتختلف الجوامع أيضا في حجم موظفيها. فبعضها كان كثير الموظفين حتى أن عددهم كان يتجاوز الستين موظفا كالجامع الكبير بالعاصمة، وبعضها كان يقوم عليه عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحد. وعلى كل حال فإن أغلب الجوامع كان له من الموظفين الوكيل والخطيب والإمام (وأحيانا يجمع الخطيب الإمامة أيضا) والمدرس والمؤذن والحزاب وبعض القراء.
٥ - وكان لكل واحد من هؤلاء، مرتب خاص به، حسب قدره ومكانته وعلمه، من الوقف. ففي أواخر القرن العاشر (١٦ م) وزع خضر باشا وقف الجامع الذي بناه باسمه على النحو التالي (مع ملاحظة أن هذه المرتبات شهرية):
٥٠ دينارا ... للخطيب
٢ ديناران ... لقارئ الصلاة المحمدية (كل خميس واثتين)
٢ ديناران ... لقارئ التعريف (يوم الجمعة)
٢ ديناران ... لثلاثة مؤذنين حنفيين (يوم الجمعة تصبح ستة دنانير)
١ دينار واحد ... لكل حزاب - وهم تسعة (لقراءة الحزب بعد صلاة العصر)
٣٠ دينارا ... للمدرس المالكي
٣٠ دينارا ... لقارئ صحيح البخاري
٣٠ دينارا لقارئ ابن أبي جمرة (مختصر صحيح البخاري)
٣٠ دينارا ... لقارئ الرسالة للقيرواني
٥ دنانير ... لوكيل الوقف (١)
стр. 250
أما جامع سوق الغزل في قسنطينة فقد كان موظفوه، في عهد صالح باي، موزعين على النحو التالي مع مخصصات لكل منهم:
١٠٠ ريال ... للخطيب
٥٠ ريالا ... للإمام
٣٠ ريالا ... لرئيس المؤذنين
١٢٥ ريالا ... لخمسة مؤذنين (٢٥ ريالا لكل منهم)
٢٠ ريالا ... لخمسة حزابين (٤ ريالات لكل واحد)
٤ ريالات ... لحامل عكاز (أو عصا)
الخطيب ٢٨ ريالا ... للمنظفين
٤٠ ريالا ... لناظر الوقف (أو الوكيل)
٤٨ ريالا ... لمدرس المدرسة (التابعة للجامع)
١٤٤ ريالا ... لاثني عشر طالبا يحضرون دروس المدرسة (١)
وفي نفس الوقت أوقف الباي محمد بن عثمان (وهو والد محمد الكبير) على جامع العين البيضاء الذي بناه بمعسكر وقفية تضمنت ما يلي:
٤ سلطانية ذهبا ... للطلبة الذين يحضرون درس صحيح البخاري في كل سنة
٤٠ ريالا ... للإمام
٤٠ ريالا ... للخطب
٨٠ ريالا ... للمؤذنين الأربعة يتقاسمونها
٤٤ ريالا ... للحزابين يتقاسمونها
٤٠ ريالا ... لمدرس صحيح البخاري
٦٠ ريالا ... لكل مدرس (وهم ثلاثة) في الفقه وغيره
٤٠ ريالا ... لمسلك الطلبة (مؤدب الكتاب)