الإدارة المدنية، فشرعت في هدمه ودام ذلك، كما يقول ديفوكس، ثمانية عشر شهرا. وقد دخل الجزء الكبير من ترابه في الطريق العام، ودخلت أطرافه في المنازل المجاورة مثل دار بازار فيالار. وكان يقع في شارع شارتر (١).
وقد تحدث بيربروجر في كتابه (الجزائر المصورة والتاريخية والأثرية) عن جامع الحاج حسين باشا فقال إنه كان أحد المعالم العربية لمدينة الجزائر التي يأسف المرء على هدمها. وقد وصفه كما وصف منارته التي قال إنها تقع في أحد أطرافه جهة باب عزون. وكانت مزينة بالزليج، وكانت تتصاعد في الجو برشاقة وأصالة. ولها ثلاثة أدوار وتقوم على أربعة أعمدة. واعتبر بيربروجر هذا الجامع من المباني العظيمة من الوجهة العمرانية (٢). وكان بيربروجر معاصرا لهدم هذا الجامع وغيره، لأنه جاء الجزائر سنة ١٨٣٥، على أنه أثرى.
ولكن هذه الكلمات التأسفية التي تخرج أحيانا من أفواه بعض الكتاب، مثل بيربروجر وديفوكس وأوميرا، ما هي إلا من نوع البكاء على الأطلال، وهي في الواقع لا تصل حتى إلى البكاء.
٥٠ - مسجد سويقة عمر: إن أقدم المعلومات عنه نرجع إلى سنة ١٠٣١ (١٦٢١)، فهو إذن من المساجد القديمة التي عاشت دهرا ولم تبل، ومع ذلك فإن الفرنسيين هدموه سنة ١٨٦٩ من أجل الأمن العام، ودخل ترابه في الطريق العام (٣). ولا ندري لماذا أبقوه إلى ذلك التاريخ بينما غيره هدموه منذ البداية.
стр. 1997
٥١ - مسجد الكبابطية: ويدعى أيضا. مسجد الحلفاوية والحلفاوين. وهو من المساجد القديمة التي تحدث عنها هايدو الإسباني، وقد عده الخامس من السبعة الكبار التي وصفها. ويقول ديفوكس إن ذلك احتمال فقط، أي كون هايدو عناه هو بالذات، لأن كلامه في ذلك غير واضح، ولأنه تحدث عن مسجد يقع في سوق يصنع أهله المعاطف (الكبابط). ومهما كان الأمر فإن المسجد قديم واسمه يدل على أنه من العهد العثماني. وفي سنة ١٨٣٩ هدم هذا المسجد بدعوى المنفعة العامة ودخل مكانه في الطريق العام كما دخل جزء منه في أحد المنازل الأوروبية (١). وقد آلت أوقافه إلى إدارة الدومين.
٥٢ - مسجد سوق الرقاعين: وقد سماه ديفوكس أيضا مسجد سوق السمن، وحتى لا يختلط بالمسجد الذي سبق ذكره والذي يحمل نفس الاسم (السمن أو السمان) فقد حافظنا على اسمه الثاني (الرقاعين). وهو مسجد صغير، وهدم سنة ١٨٣٩ بدعوى الأمن العام، وقد دخل مكانه في الطريق العام جزئيا (٢).
٥٣ - مسجد سيدي عبد العزيز: وهذا المسجد المنسوب لأحد المرابطين كان يقع في سوق الحيوانات المسمى: المركاض. ويذكره ديفوكس على أنه بقي بضع سنوات (غير محددة) غير معطل عن وظيفته، ثم عطل وحول عن غرضه، وبنيت على أرضه دار فرنسية تأخذ من شارع قسنطينة وشارع روفيقو. ومن جهة أخرى يرى ديفوكس أن حياة سيدي عبد العزيز غير معروفة، وأن المسجد كان يقع على بعد مائة متر من باب عزون، لكن الوقفية تقول إنه خارج باب عزون (٣).
٥٤ - مسجد بجوار مسجد علي بتشين: ليس لهذا المسجد اسم في
стр. 1998
الوثائق الفرنسية المعاصرة للاحتلال، فقالوا إنه المسجد الواقع فوق جامع علي بتشين. وقد احتفظ بوظيفته فترة ثم هدم وأدمج في إحدى الدور التي بنيت على أنقاضه. وكان يقع بين شارعي القصبة وباب الواد (١).
٥٥ - المسجد الأخضر: جامع صغير، هدم سنة ١٨٤٤ بدون مبرر مذكور. كان يقع في شارع يحمل اسمه لكنه حرف هكذا (شارع لكدور). وله أوقاف، أقربها عهدا يرجع تاريخه إلى سنة ١٢٣١ (حوالي) (٢).
٥٦ - مسجد ابن ميمون: اسم صاحبه هو محمد بن عبد الله بن ميمون. وتعود تواريخ بعض أوقافه إلى القرن الثاني عشر الهجري، ١١٧١ (١٧٥٧). وقد هدمته السلطات الفرنسية سنة ١٨٤٠، فدخل مكانه في إحدى الدور (٣). وكان يقع في شارع يحمل اسمه محرفا هكذا (شارع آكرميمونت). ولعل ابن ميمون هذا هو الشاعر الذي تناولناه في غير هذا، والذي تولى عدة وظائف قضائية ودينية.
٥٧ - مسجد مصطفى باشا: رغم بقاء اسم هذا الباشا بيننا في المستشفى الرئيسي بالجزائر وبقاء قصره مدة طويلة مقرا للحاكم الفرنسي، وحيه (حي مصطفى باشا) جهة أول ماي حاليا، فترة طويلة من الاحتلال الفرنسي فإن اسم الداي مصطفى باشا يذكرنا بتمكين التجار اليهود، سيما عائلة بكري وبوشناق، في عهده من السيطرة على اقتصاد البلاد. والمسجد الذي يحمل اسمه لم يشيده وإنما جدده فقط. ويحمل المسجد أيضا اسم إمامه العالم، المانقلاتي. وهو من أسرة علماء وأدباء اشتهروا في الجزائر منذ القرن الحادي عشر، ومنهم عمر وأحمد وعلي، وكان الأخير معاصرا للاحتلال،
стр. 1999
ومن المفتين. ورغم إبقاء الفرنسيين على قصر مصطفى باشا فإنهم لم يحتملوا المسجد الذي يحمل اسمه، فهدموه سنة ١٨٣٧، وبقي جزء منه أضافوه إلى مدرسة بلدية كانت تديرها في عهد ديفوكس جماعة تسمى (أخوة المذهب المسيحي) (١). وقبل أن يتحول إلى مدرسة كان جزء الجامع داخلا في قاعة عرض وألعاب. وكان الجامع يقع في شارع المتصرف (المدني؟).
٥٨ - مسجد سيدي داود: يقع هذا المسجد في شارع هيئة الأركان، وله وقفية تثبت له التسمية المذكورة. ولكن الفرنسيين لم يصبروا على بقائه فهدموه سنة ١٨٣٣ بدعوى توسيع ساحة السودان (٢).
٥٩ - مسجد سوق الجمعة: يقول ديفوكس إن المسلمين هم الذين أهملوا هذا الجامع منذ الاحتلال. فوقع تعطيله وهدمه سنة ١٨٤١، وهكذا أصبح مكانه دارا فرنسية، وهو يسمى أيضا مسجد عقبة ابن شاكر. وكان يقع في شارع سوجيمه (٣).
٦٠ - مسجد كوشة بولعبة: ويسمى أيضا جامع سيدي سليمان الشريف. وقد نسي الناس اسم المرابط وبقي اسم الكوشة. ولكن الوقفية تشير إلى اسم المرابط (الشريف). وكان المسجد يقع في شارعي بولعبة والهلال (كرواسان). ونظرا لتداعيه، كما قالوا، حكم الفرنسيون عليه بالهدم في يونيو (جوان) ١٨٤١. وبنيت على أرضه دار فرنسية (٤).
٦١ - مسجد الشيخ سيدي أحمد بن عبد الله: يقول ديفوكس إن الشهرة تسميه مسجد فرن ابن شكور (شاكر؟)، أو عقبة ابن شكور. وله وقفية تذكره بالاسم الأول. وكان يقع في شارع طولون، وقد احتله الجيش من أول وهلة
стр. 2000
وبقي في أيدي الدرك باعتباره ثكنة عسكرية مدة طويلة. وفي عهد ديفوكس أصبحت بناية المسجد تابعة لمدرسة البنات المسلمات (١). وربما هي المدرسة التي كانت تشرف عليها السيدة أليكس (لوسي) التي كانت تعلم فيها اللغة الفرنسية والطرز بدعم من الحكومة. وأحمد بن عبد الله قد يكون هو أحمد الزواوي صاحب (المنظومة الجزائرية) الشهيرة والذي عاش في عهد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي (٢). وعلى هذا يكون الجامع قديما (القرن ١٥).
٦٢ - مسجد ابن الشاهد: هذا المسجد معروف عند العامة بمسجد بوشقور، اسم المرابط المجاور له. وابن الشاهد اسم رنان في الأدب الجزائري، والتاريخ الثقافي. فهو من عائلة شهيرة بالعلم. آخرها محمد بن الشاهد المفتي والشاعر الذي درسناه في غير هذا المكان. وكان في بعض الوقت وكيلا لأحد المساجد، فلعل هذا هو مسجده. وقد بكى سقوط مدينة الجزائر في أيدي الفرنسيين بكاء مرا وبكى هدم المساجد. ولهذا المسجد أوقاف غير محددة. وكان يقع في شارع هيئة الأركان. وكان مسجد ابن الشاهد من أوائل ضحايا الاستعمار والصليبية. فقد قال ديفوكس إنه هدم منذ السنوات الأولى للاحتلال ودخل كله في الطريق العمومي (٣).
٦٣ - مسجد المشدالي: لا شك أن هذا اسم لأحد وكلاء المسجد. وقد كانت أسرة المشدالي أيضا شهيرة بالعلم. وكانت شهرتها في بجاية ونواحيها. أما باني المسجد فهو رمضان باشا، ومع ذلك لم يشتهر به. ورمضان هو أحد الحكام الذين تداولوا على السلطة. وكان إمامه عند الاحتلال
стр. 2001
أحد أفراد عائلة المشدالي، ويدعى سيدي أحمد المسدالي (كذا). ويقع المسجد في شارع سالوست. وقد عطل ثم هدم سنة ١٨٤٤، بدعوى تداعيه للسقوط (١).
٦٤ - مسجد ابن فارس: ويذهب ديفوكس إلى أن هذا الاسم يرجع للحي، ولعله اسم لأحد الوكلاء. أما المرابط فاسمه سيدي الحربي، ولذلك يسمى به المسجد أيضا فيقال مسجد سيدي الحربي. وكان مصيره هو الهدم سنة ١٨٤٢، بسبب الإهمال والتداعي للسقوط. وكانت قد بنيت على أنقاضه دار تسمى الدار الفرنسية، ثم هدمت هذه الدار أيضا من أجل بناء البيعة (المعبد) اليهودية، وفتح ساحة راندون. وهكذا فإن أرض هذا المسجد تقع في جزء منها على الأقل تحت البيعة اليهودية، حسب الوثائق. وهذا هو النموذج الثاني لهذا التصرف الغريب وتنازع أهل الأديان. وابن فارس رجل أندلسي بدأ يظهر اسمه في الوثائق منذ القرن الحادي عشر الهجري (١٠٨٩)، وهو الحاج علي بن فارس الذي كان يملك دارا بهذا الحي. وكان المسجد يقع في شارع كاتون (٢).
٦٥ - مسجد الجامع المعلق: هكذا يذكره ديفوكس، ويقول إن عمره أكثر من قرنين أي أن أول إشارة إليه كانت سنة ١٠٣٦ هـ (١٦٢٦ م). ومع ذلك فقد عطله الفرنسيون ثم هدموه سنة ١٨٤٤، وأدمجت أرضه في إحدى الدور الفرنسية (٣). وموقعه في شارع بلو (الأزرق) (٤).
٦٦ - مسجد حوانيت سيدي عبد الله: وكان يعرف أيضا باسم المرابط سيدي شعيب، لكن العامة زمن الاحتلال تعرفه باسم الحي. وهو يقع في شارع (سيدي؟) عبد الله عندئذ. أما ما بقي من سيدي شعيب عند الاحتلال فهو
стр. 2002
خلوة فقط تقع في شارع تمبكتو. ويقول ديفوكس إن هذا المسجد ما يزال يستعمل للديانة الإسلامية (١). ولكن أين هو؟
٦٧ - مسجد عين العطش: وهو يقع أيضا في شارع (سيدي) عبد الله. وله أوقاف، بعضها يرجع إلى ١١٠٥، سبتمبر ١٦٩٣، ولم تحل سنة ١٨٦٣ حتى عطل المسجد عن وظيفته، دون أن يقول ديفوكس ما إذا كان قبل ذلك بأيدي المسلمين، ثم هدم بسبب البلى والتداعي للسقوط (٢).
٦٨ - مسجد ابن جاور علي: وهو يقع في شارع اسطاويلي. ويعرف أيضا بشارع الحاج عبد العزيز. وهو اسم حسب ديفوكس، غير معروف عند العامة عند الاحتلال، وهناك حي يدعى أيضا حومة ابن جاور علي. وقد جاء ديفوكس بمعلومات موسعة عن هذا الاسم الذي يعني الكافر (جاور أو كور)، والمقصود به علي رايس الشهير في آخر القرن الحادي عشر الهجري (٣). هذا المسجد هدمه الفرنسيون سنة ١٨٤٨ دون مبرر، وأخبروا أن موقعه كان في ساحة راندون التي تجاور المعبد اليهودي.
٦٩ - جامع سيدي مصباح: له وثائق عديدة، بعضها يشير إلى تاريخ ٩٧٣ (١٥٦٥). ويظهر من الاسم أنه لأحد المرابطين والأولياء. وكان يقع في شارع الجيتول. وفي ١٨٤١ حكمت سلطات الاحتلال بهدمه بسبب التداعي في دعواها، وأصبح مكانه في عهد ديفوكس واقعا في شارع سان فانسان دوبول (٤).
٧٠ - مسجد سوق الكتان: من المساجد التي لا نعرف تاريخ بنائها
стр. 2003
بالضبط، لكن هناك ما يثبت تجديده سنة ١٨٢٠ من قبل أحد الفضلاء وهو مصطفى السائجي. ومنذ الاحتلال جعلته السلطات العسكرية مستودعا للطبول التي تستعملها المليشيا. وعندما انتهت مهمتهم منه وبلى وعفى عليه الزمن والإهمال، هدموه سنة ١٨٤٣ وأدخل مكانه في إحدى الدور الواقعة في شارع الباب الجديد (بورت ناف). أما أوميرا فيضيف عن هذا الجامع معلومات أخرى، فيقول إنه أصبح بعد ترك المليشيا له، (مدرسة مشتركة عربية - فرنسية)، ثم هدم سنة ١٨٥٥ نتيجة إصلاح شارع لالير، وأصبح عندئذ يدعى شارع نابليون، وأن الجامع قد دخل في الطريق العمومي (١).
٧١ - مسجد سيدي الهادي: ويرجح أن هذا اسم لأحد الوكلاء، وليس لولي من الأولياء. وفي الوثائق العربية يطلق عليه اسم الجامع الأعظم مما يدل على فخامته. وقد بناه مامي رايس، وهو أحد غزاة البحر المشاهير. وتوصل ديفوكس إلى أن بناءه يرجع إلى القرن العاشر الهجري (٩١٠/ ١٥٠٤)، ويقول عن سيدي الهادي إنه أحد العلماء، وفي القرن الثامن عشر الميلادي (١٢ هـ) كان اسم سيدي الهادي معروفا في الأوساط العلمية، وقد استولت على هذا المسجد الإدارة العسكرية أيضا. وبعد أن قضت حاجتها منه، سلمته ليكون مدرسة أهلية، وهي إحدى المدارس التي كانوا يسمونها (عربية - فرنسية)، أي أن فرنسا عجزت عن بناء مدرسة تعلم فيها لغتها للجزائريين فجاءت تعلمها لهم في أحد مساجدهم بعد أن داسته أحذية عساكرها. ومهما كان فإن هذا المسجد الذي قاوم عاديات الزمن ثلاثة قرون ونصفا لم يبق لا مسجدا ولا مدرسة وإنما هدم سنة ١٨٥٥، وكان يقع في شارع نابليون (٢).
стр. 2004
٧٢ - مسجد حومة السلاوي: وقد قال ديفوكس أنه ما يزال على عهده كما كان إلى سنة ١٨٥٤ حين كان يجمع مادة بحثه. ولكنه سكت عن مصيره بعد ذلك. ومفهوم كلامه أنه عطل عن وظيفته ووقع التصرف فيه. وكان يقع في شارع سنتور. وهناك إشارات إليه في الوثائق التي ترجع إلى سنة ١١٢٨ (١٧١٥)(١). ولم يرد اسم المسجد في كتابات أوميرا.
٧٣ - مسجد الإنكشارية الجديدة: وتسميه الوقفية مسجد رمضان باشا، وهو أحد باشوات الجزائر، وقد سبق ذكره. وكان يقع في شارع ميدي. ومعروف أن ثكنات الإنكشارية كلها قد احتلها الفرنسيون. ونعتقد أن هذا المسجد قد عبث به الجيش الفرنسي ثم هدموه، رغم أن ديفوكس لم يضف عما قلناه جديدا عنه (٢).
٧٤ - مسجد علي باشا: وكثير من المساجد السابقة صغيرة الحجم، لكن هذا الجامع (علي باشا) تقول عنه الوثائق إنه من كبار الجوامع، وإنه للخطبة ومن الدرجة الأولى، وأن له منارة. وكان قد بنى سنة ١١٦٤ هـ على أنقاض زاوية سيدي محمد الأكحل التي تسمى أيضا زاوية أقرون. وتشير الوقفية إلى أن علي باشا قد جدده فقط عام ١١٧٢. يقول ديفوكس عن هذا المسجد الكبير إنه ما يزال في وقته بيد سلاح الهندسة كجزء من الثكنة العسكرية. وكان يقع في شارع ميدي. ولكن أين هو؟ لقد اختفى المسجد في حلقة الكاردينال لافيجري أولا ثم في قاعة المارشالات ثانيا، كما ذكر كلاين (٣).
стр. 2005
٧٥ - جامع سوق البلاط: وهو جامع قديم يرجع تاريخه إلى سنة ٩٩٩ (١٥٩٠) ولم يذكر ديفوكس مصيره مع بداية الاحتلال، ولكنه يقول إنه هدم سنة ١٨٥٠ بسبب خطره على الأمين العام. ودخلت أرضه في شارع نابليون (١). وكان يقع في شارع نمور.
٧٦ - جامع علي المدفع: ويسمى أيضا جامع سيدي عبدالغفار. ويرجح ديفوكس أن الاسم الأخير هو اسم لأحد الأولياء الذي نسي الناس اسمه. وله وقفية تشير إلى هذا الاسم. ومصير هذا الجامع الذي كان يقع في شارع الزرافة (الجيراف) هو الهدم منذ سنة ١٨٣٨، لأنه أصبح في نظر الفرنسيين خطرا على الأمن العمومي (٢).
٧٧ - مسجد ابن شلمون: يرجع إلى القرن الحادي عشر على الأقل (أي سنة ١٠٥٧ هـ/ ١٦٤٧ م) ففي هذا التاريخ كان الفقيه سيدي رمضان بن شلمون من المدرسين. ولعله كان من علماء الأندلس، لأن الصيغة توحي بذلك. وهو يقع في الباب الجديد. ويقول ديفوكس إنه ما يزال مستعملا للديانة الإسلامية (٣). ويجب ألا يختلط هذا المسجد بمسجد سيدي رمضان الذي سيأتي الحديث عنه والذي بقي قائما إلى الآن.
٧٨ - جامع سيدي رمضان: هذا من الجوامع التي قدر لها البقاء خلال الاحتلال، صدفة أو قضية مدروسة؟ ورغم أن أوقافه قد صودرت أيضا كغيرها، فإنه ظل يؤدي الوظيفة الإسلامية، وظل له موظفون من رجال الدين، قدرهم ديفوكس خلال عهده بثلاثين موظفا. وجامع سيدي رمضان يرجع إلى عهد الممالك الإسلامية السابقة للعهد العثماني، ولكن تاريخه غير مضبوط، ولهذا الجامع منارة تشبه منارات جوامع تلمسان. ولا يتميز بطراز معماري معين، وقد وصفه الفرنسيون بأنه لا يدل على أية خصوصية،
стр. 2006
وأنه كان مغطى بالقرمود الأحمر مثل الجامع الكبير وجامع القشاش وغيرهما من الجوامع القديمة في العاصمة. و (سيدي رمضان) اسم لأحد الأولياء المشاهير عند الناس، ولكن حياته غير مسجلة، وقال ديفوكس إن قبة الضريح كانت بائسة، وهي بداخل الجامع. وللجامع أوقاف هامة قدرت بخمسين بناية يستعمل مدخولها للصرف على الجامع وموظفيه.
وموظفو الجامع هم: الخطيب الذي يقوم بخطبة الجمعة والعيدين. ومن مهمة الخطيب عادة إلقاء الدروس العامة في الدين والأخلاق والتوحيد والتفسير. ثم إمام يقوم بالصلوات الخمس. وفي العهد الفرنسي أصبح الإمام هو الذي يلقى الخطبة أيضا، اقتصادا في النفقات. ومؤذنان عاديان لجميع الأوقات؛ أما صلاة الجمعة فلها ثلاثة مؤذنون، وستة من الحزابين أو قراء القرآن، وخمسة موظفين لقراءة كتاب (تنبيه الأنام) في المواعظ والتصوف. وقارئ واحد لصحيح البخاري، وآخر لقراءة التوحيد، بالإضافة إلى قراء احتياطيين للقرآن الكريم خلال شهر رمضان. ويذكر ديفوكس أيضا أن هناك قارئا آخر لكتاب سيدي عبد الرحمن، ولا ندري من هو ذلك القارئ ولا الكتاب المقروء، ولعله أحد كتب الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في التصوف والأخلاق. وهناك موظفون آخرون مثل الكناس والسراج (الذي كان يوقد الشموع أو القناديل)، ومنظف المطاهر أو الميضآت، ورئيس للموظفين. وكان للاوقاف وكيل أيضا.
وتتمثل مصاريف جامع سيدي رمضان العادية في شراء لوازم الصيانة والإضاءة والفراش. وتضاف مصاريف أخرى لشهر رمضان. ومن ذلك شراء شمعتين كبيرتين في الشهر المذكور، وتسعة مكاييل من الزيت، والسكريات، والحصير، وكان الجامع يبيض مرتين في العام. وتجري عليه الإصلاحات الضرورية إذا ظهر عليه تصدع أو ضرر. ولو أن الجوامع الأخرى لقيت هذه الصيانة أو قريبا منها لما هدمها الفرنسيون بدعوى تداعيها للسقوط وخطرها على الأمن العام، فكل بناء تعرض للإهمال تظهر عليه علامات الهرم، ولكننا قد رأينا بعض المساجد قد هدمت منذ اللحظات الأولى تحت إدعاءات
стр. 2007
وحجج مختلفة وأخرى بعد أربع أو ثماني سنوات فقط، ومع ذلك قيل إنها أصبحت خطرا على الأمن العام (١).
أما أوميرا فقد تحدث عن جامع سيدي رمضان بعبارات أخرى لا ندري إن كانت تصدق عليه. فقد قال إنه في شارع سيدي رمضان، وهو داخل في القصبة القديمة، وإنه فقد وظيفته الدينية منذ ١٨٣٠ على إثر احتلال الجيش الفرنسي للقصبة التي كانت بيد الداي والأتراك (٢). وقد ذكره أيضا كلاين وأكد المعلومات السابقة. وأضاف أن لجنة الجزائر القديمة جعلته من الآثار. وقال إنه يحتوي على ثماني عشرة عرصة بداخله في شكل صفين، وبناؤها أحدث من بناء الجامع نفسه.
٧٩ - مسجد قطع الرجل: هذا المسجد منسوب للحي الموجود فيه. وهو فيما يبدو حي تسكن فيه الحركة وتنقطع الرجل عن المشي. وتتبع المسجد جبانة. ويظهر أنه كان صغير الحجم. ويقع في شارع قطع الرجل، قرب جامع سيدي رمضان السابق، ويسمى أيضا المسجد الكائن بقبور أولاد السلطان. ولا شك أن لذلك قصة ترجع، حسب ديفوكس، إلى العهد السابق للعثمانيين، ومن ثمة الإشارة إلى أولاد السلطان (الحاكم) الذين قد يكونون عاشوا ودفنوا هناك. والغريب أن الفرنسيين زعموا أن هذا الجامع، الذي له أوقاف، قد أصابه الهرم قبل الاحتلال. ومع ذلك انتظروا إلى سنة ١٨٤٢ لكي يهدموه (٣).
стр. 2008
٨٠ - مسجد الشاطبي: ويسمى أيضا مسجد بير الرمانة. ولا نملك وصفا وافيا له، كأوقافه وحجمه وموظفيه. ومع ذلك قال الفرنسيون عنه ما قالوه عن سابقه، وهو أنه أصابه الهرم والبلى قبل الاحتلال، فهدموه واندثر تماما إذ أصبح ضمن إحدى الدور الفرنسية، وقد نسيه الجيل الحاضر - جيل بعد الاحتلال - كما يقول ديفوكس (١). أما الشاطبي فهو اسم لأحد وكلاء المسجد. والغالب عندنا أنه من الأندلسيين النازحين من شاطبة. وكان المسجد يقع في شارع القصبة في أوائل الاحتلال.
٨١ - مسجد ابن شبانة: ويقع أيضا في شارع القصبة. وهو صغير وبدون منارة. وابن شبانة اسم لأحد وكلائه. وقد بقي تحت أيدي المسلمين إلى سنة ١٨٤٣، ولكن في هذه السنة نزلت عليه مطارق وفؤوس الهدم والحقد فأصبح أثرا بعد عين. ودخل جزء منه في الطريق العمومي، والباقي منه فتحت فيه عين جارية عند شارعي القصبة وديزي (٢).
٨٢ - مسجد سيدي عبد العزيز بونحلة: سيدي عبد العزيز اسم لولي له ضريح في المسجد، وهو مسجد صغير تحدثت عنه الوثائق خلال القرن ١٢ هـ، وأحيانا تصفه الوثائق بأنه المسجد الواقع في أعلى بير الجباح. ويقول الفرنسيون إن الجامع قد خرب سنة ١٨٣٩ وأنه بعد هدمه أصبح مكانه مندمجا في الدار الواقعة في ملتقى شارع حنبعل وشامو (٣).
٨٣ - مسجد ساباط العرص: وهو مسجد ترجعه الوثائق إلى سنة ١٠٥٢ هـ (١٦٣٢ م). وقد أصبح في العهد الأول للاحتلال يقع في شارع الدلتا. ويذكر الفرنسيون أنه بقي في أيدي المسلمين إلى سنة ١٨٤٨، وعندئذ قررت سلطات الاحتلال هدمه لكونه أصبح آيلا للسقوط. ويقول ديفوكس إن مكانه ما يزال موجودا عدا جزءا منه ضم إلى الطريق العام (٤).
стр. 2009
٨٤ - مسجد سيدي ابن علي: ويدعى سيدي أحمد بن علي. وقد ذكرنا أن اسم عائلة ابن علي كان شهيرا في أسماء العلماء والشعراء خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين. ولكن ديفوكس يقول إن أحمد بن علي كان أحد المرابطين القدماء، ويذهب إلى أن (أحمد) هذا غير معروف للأهالي، ولا ندري من أين جاء به ديفوكس إذن. والمسجد صغير وتتبعه جبانة. وكان يقع في شارع الامبراطور (١). ويقول ديفوكس إن المسجد ما يزال في يد المسلمين. ولكننا نعرف أنه ليس من المساجد الباقية بعد ذلك، مما يدل على أنه قد هدم. ولم يتعرض له أوميرا.
٨٥ - مسجد الحوانيت الغربية: تصفه الوقفية بأنه يقع فوق بير الجباح، قرب كوشة الوقيد. وهو معروف أيضا باسم أحد أيمته قديما، وهو الشيخ أحمد بن داود. أما نسبته إلى الحوانيت الغربية فنسبة حديثة العهد، وهي نسبة للحي الذي يوجد فيه الجامع. وكان يقع في شارع غريبة منذ ١٨٣٠، ويبدو أنه بقي في أيدي المسلمين إلى تاريخ هدمه، وهو ١٨٥٣، لأن ديفوكس لم يذكر ما إذا كان قد عطل أو أعطي إلى جهة أخرى قبل ذلك. وعلى كل حال فإنه في هذا التاريخ (١٨٥٣) هدم بحجة الأمن العام. وقد بيع مكانه عن طريق المزاد العلني إلى أحد المسلمين، ويقول ديفوكس إن مكان الجامع في وقته قد دخل في إحدى الدور الواقعة في شارع غريبة (قريبة) (٢). ولعل هذا هو الجامع الذي تحدثت وثائق أخرى أن أحد المسلمين اشتراه وأراد بناء مسجد آخر مكانه فمنعته السلطات الفرنسية من ذلك. ومهما كان الأمر فإن ديفوكس لم يذكر ماذا فعل الرجل المسلم بأرض الجامع.
٨٦ - مسجد دار ابن الرقيسة: حسب الوقفية فهو مسجد مبني على أقواس أمام دار الرقيسة قرب ساباط العرص. أما وثائق التملك والشهرة فتطلق عليه اسم مسجد دار ابن الرقيسة. وكان يقع في شارع السرارخيين. وإلى سنة
стр. 2010
١٨٥٤ كان ما يزال في أيدي المسلمين، حسب رواية ديفوكس (١). ولا شك أن مصيره بعد ذلك كان مصير غيره من المساجد التي هدمت. ولم يشر إليه أوميرا (٢).
٨٧ - مسجد ساباط الذهب: حددته الوقفية بأنه المسجد الواقع بمحاذاة حمام القائد موسى، قرب بير الجباح. ولكنه أصبح معروفا بمسجد ساباط الذهب الذي يعني أنه قريب من الأقواس التي يباع فيها الذهب. ويزعم ديفوكس أن هذا المسجد قد أهمله المسلمون منذ الاحتلال، فأعطى للإسعاف أثناء كارثة وباء الكوليرا سنة ١٨٣٥، ثم في سنة ١٨٤٢ هدم بحجة الأمن العام، وأدرجت أرضه في الدار التي تقع في شارع الأهرام (البيراميد). ويقول أوميرا إن هذا المسجد قد دخل في الطريق العمومي (٣).
٨٨ - مسجد ابن الصديق: ترجعه الوثائق إلى القرن ١٢ هـ (١١٧٠ هـ/ ١٧٥٦ م) حين كان يتولاه المؤذن محمد بن الصديق، فبقي اسم المؤذن (والإمام؟) علما على المسجد. أما الوثائق الأقدم من ذلك فتذكره باسم المسجد الواقع فوق حمام القصبة والملاصق لدار أحمد شلبي، وهناك من يذكره أيضا على أنه جامع سيدي يوسف. ومهما كان الأمر فإن المسجد كان يقع في شارع بلين. ويزعم ديفوكس أن المسجد بقي في أيدي المسلمين إلى ١٨٤٨، ولكنهم أهملوه مدة طويلة، فهدمه الفرنسيون حرصا على الأمن العام، خلال نوفمبر ١٨٥١ (٤). ولا ندري إن كان ديفوكس يجهل سبب إهمال المسلمين - إن كان ذلك صحيحا - للمسجد. إن الذي أدى إلى الإهمال واندثار المسجد هو الحرمان من الأوقاف التي كانت تصونه وحرمان الوكلاء والموظفين من حقوقهم في هذه الأوقاف. فالمسؤول عن الإهمال والهدم
стр. 2011
هي سلطات الاحتلال. وقد دخلت أرض الجامع في الساحة التي أقامها سلاح الهندسة العسكرية في أعلى المدينة القديمة. ولعل ذلك هو الغرض الأساسي من هدم الجامع.
٨٩ - مسجد حوانيت زيان: يعرف أيضا بمسجد أحمد شلبي (الجليبي)، حسب وثائق القرن ١١ هـ (١٠٩٥/ ١٦٨٣)، ومسجد الباري، منذ القرن ١٢ هـ. ويذهب ديفوكس إلى أن هذا المسجد أخذ الاسم الجديد (حوانيت زيان) منذ آخر القرن ١٢ هـ. وكان المسجد يقع في شارع القصبة. ونفس الحجج الواهية كررت معه أيضا وهي أن المسلمين أهملوه منذ الاحتلال. فهدمه الفرنسيون سنة ١٨٣٧ حرصا على الأمن العام. والمعروف أن آلاف المسلمين قد خرجوا فعلا من مدينة الجزائر نتيجة الاحتلال، ولكن كيف ينهار المسجد خلال سبع سنوات فقط؟ لقد أعطت السلطات الفرنسية أرضه إلى الجيش ليقيم عليها ثكنة. وعبارة أوميرا تختلف عن عبارة ديفوكس في هذا الشأن، فقد قال إن المسلمين أهملوا الجامع. فسلم إلى الجيش ليكون ثكنة عسكرية، سنة ١٨٣٧ (١).
٩٠ - مسجد الداي حسين: هذا مسجد يقولون إنه كان يقع خارج القصبة، وكان مبنيا قبل عهد الداي حسين. لكن هذا الداي جدده ووسعه سنة ١٢٣٣ هـ (١٨١٨). ولهذا الجامع أوقاف ترجع إلى سنة ١٠٦٤ (١٦٥٣)، وتشير الوقفية إلى أنه جامع صغير ويقع في مواجهة باب القصبة الجديدة، ولكن بناءه يرجع إلى ما قبل هذا التاريخ، أما الداي حسين فقد جعله جديرا باستقبال الموظفين السامين الذين ارتحلوا معه إلى القصبة بعد نقل الإدارة إليها من الجنينة. وكان من مساجد الخطبة. وأصبح له وضع جامع السيدة بالنسبة لقصر الجنينة. وهناك كتابات على الجامع تشير إلى سنة تجديده وتوسيعه على يد (صاحب الخيرات والحسنات السيد حسين باشا). وقد ألحقت بالجامع ميضآت ومطاهر وحمامات باردة. وكان قديما يسمى (مسجد
стр. 2012
القصبة). وكان الداي حسين قد أضاف إليه الزليج المستورد من الخارج، وهذا فقط ما يميزه، حسب رواية ديفوكس، وله منارة مثمنة ذات نسب صغيرة، كما له بابان، أحدهما يفتح على شارع القصبة والثاني على شارع النصر (فيكتوار).
هذا المسجد احتلته السلطات العسكرية الفرنسية سنة ١٨٣٠ وجعلته مرقدا للجنود. وفي ١٨٣٩ أعطاه سلاح الهندسة العسكرية إلى أملاك الدولة التي سلمته في نفس اليوم إلى إدارة الشؤون الداخلية (المدنية). فقامت هذه بمنحه لقمة سائغة إلى الديانة الكاثوليكية. ومنذ ذلك الوقت أصبح يحمل اسم كنيسة (سانت - كروا) أو الصليب المقدس. ولا ندري هل ذلك كان انتقاما من المسلمين أو من حسين باشا؟ وقد أكد أوميرا وكلاين هذا المآل للجامع. وأضاف الأخير بأن المحكمة التي كانت بجوار الجامع قد ضمت إلى الكنيسة أيضا (١).
٩١ - مسجد القصبة الداخلي: هذا مسجد آخر قديم ولكن الداي حسين جدده ووسعه أيضا سنة ١٨١٩/ ١٢٣٤. وكان يقع داخل القصبة خلافا للمسجد السابق. ويصفه ديفوكس بأنه كان كبيرا ومكشوفا وبسيطا، وكان قديما جامع خطبة للإنكشارية المكلفين بحماية وحراسة القلعة قبل انتقال الباشوات إلى أعلى القصبة. والداخل إلى الثكنة العسكرية التي استولى عليها الفرنسيون ووضعوا فيها المدفعية، يرى أمامه مسجدا جميل المنظر كبير الحجم تعلوه قبة مزخرفة من الداخل بعرصات مرمرية جميلة متقاربة وعالية، وهي في نسبها وفي مواقعها تسر الناظرين. ولكن المرء يشاهد بداخل المسجد صفوفا من الأسرة للجنود مما يفسد رشاقة منظر المحراب. هذه هي نهاية المسجد الذي يستحق، حسب ديفوكس، مصيرا أفضل. ومعنى هذا أن الفرنسيين اتخذوا المسجد المذكور مراقد لجنودهم وبيتا يعبثون فيه ويعربدون.
стр. 2013
إن هذا المسجد الذي بناه الداي حسين ليكون جامع خطبة الجمعة، كان يكتسب أهمية خاصة على توالي الأيام باعتباره قريبا من مقر إقامة الباشوات. وتشهد الكتابات التي وجدت فيه على ذلك (ثلاثة أبيات شعرية تقليدية تؤرخه وتذكر اسم بانيه وتدعو له الخ). وبداخل الجامع مقصورات خاصة بالداي وعائلته وأصدقائه، تؤدى فيها الصلاة. ويفهم من وصف ديفوكس أن مصير هذا الجامع أو التحفة العمرانية هو وضع السلطات العسكرية يدها عليه، ولكن ديفوكس لم يقل صراحة كيف تم تحويل هذا الجامع عن غرضه. فاكتفى أوميرا بقوله إن الجامع كان دائما ضمن الشقق الخاصة بالداي وعائلته وأقاربه (١).
ويبدو أن جامع القصبة قد بقي في أيدي العسكريين. ففي سنة ١٩٠٤ كتب ألبير باللو يقول إن أحد مسجدي القصبة ما يزال مخزنا لملابس الجنود (٢).
٩٢ - مسجد سيدي بوقدور: مسجد صغير كان يستعمل لتحفيظ القرآن الكريم. وكان يضم قبر الولي بوقدور، بدون رايات ولا زخارف. وأصل التسمية ترجع حسب أسطورة شعبية إلى عهد حملة شارل الخامس ضد الجزائر سنة ١٥٤١. ففي هذه السنة قاد شارل الخامس (شارلكان) أسطولا عظيما، ثم قامت عاصفة هوجاء حطمت معظم الأسطول (٣). وكاد
стр. 2014
الأمبراطور أن يغرق أمام مدينة الجزائر. وبوقدور هو أحد الأولياء الأربعة الذين أنقذوا الجزائر بإثارة العاصفة حسب الأسطورة، وأما الأولياء الآخرون فهم: ولي دادة، وأبو التقى (سيدي بتقا) وسيدي يوسف الزنجي. ويقول ديفوكس إن مسجد سيدي بوقدور (المكتب) ما يزال بأيدي المسلمين في عهده. وأنه يقع في شارع كليبر (١).
٩٣ - جامع سفير: هذا من المساجد التي تحدثنا عن أصلها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وقلنا إن أصله يرجع إلى إحسان عبد الله صفر، الذي أعتقه خير الدين باشا (بربروس)، وأن الاسم تحول شعبيا، من صفر إلى سفير، وأن تاريخ تأسيسه يرجع إلى سنة ٩٤٠ (١٥٣٤). ولكن ديفوكس وأمثاله يقولون إن الجامع كان تفضلا وكرما من عبد كان مسيحيا واعتنق الإسلام وسمي بالقائد صفر بن عبد الله. وإن هذا الرجل قد درس الإسلام وأتقن اللغة العربية، وكان من حفظة القرآن الكريم.
والذي يعنينا اليوم هو أن هذا من الجوامع التي أبقاها الاحتلال تحت اسم (جامع سفير) ربما لرائحة المسيحية في أصله، كما زعموا. وسيرد اسم الجامع لاصقا ببعض أسماء رجال الدين الذين توظفوا فيه أثناء الاحتلال مثل الشيخ محمد بن مصطفى خوجة المعروف بالكمال. وقد قام الداي حسين أيضا تجديده وتوسيعه سنة ١٨٢٦ (٢). وكان يقع في شارع كليبر، الذي لا يتناسب مع اسم الجامع ولا تاريخ صاحبه في الجهاد. ويقول ديفوكس إن
стр. 2015
هذا الجامع لا يعتبر من أجمل المساجد بالعاصمة، رغم رشاقة الإضافة التي أضافها الداي حسين. ويقوم الجامع على ثماني عرصات نصفها من المرمر والنصف الآخر من الحجر. وهي عرصات منخفضة ومدورة وفخمة الشكل، وتقوم على هذه العرصات قبة ضخمة متينة. والمحراب مغطى بالزليج الأبيض والأزرق وكذلك إطارات النوافذ. وكنا قد تحدثنا عن أوقاف هذا الجامع في غير هذا. ولكن تلك الأوقاف كلها صودرت من السلطات الفرنسية كما ذكرنا. ويذهب ديفوكس إلى أن اسم (القائد صفر) بقي لاصقا بالجامع إلى القرن ١٣ هـ. ومنذ هذا التاريخ لم تعد لفظة (قائد) مستعملة، كما وقع منذئذ تحريف (صفر) إلى (سفير) - ربما نتيجة التأثر بالنطق الفرنسي -. وهناك وثائق تدل على تجديد الداي حسين بناء هذا الجامع في السنة المذكورة، وتصف (حسين باشا بالمجاهد). وللجامع منارة مثمنة الشكل وغير عالية (١).
٩٤ - مسجد عبد الرحيم: وهذا مسجد ترجع وثائق تأسيسه إلى القرن ١١ هـ (١٠٨٩/ ١٦٧٨) وتذكر أن مؤسسه هو السيد مصطفى بن محمد الأندلسي المعروف بابن كرونبة. وكان ذلك فوق الحمامات بقرب ضريح الولي سيدي محمد الشريف. وكان يقع في شارع دامغريفيل. وكان معروفا أيضا باسم جامع الحمامات، وجامع عبد الرحيم. ويبدو أن الاسم الأخير كان لأحد وكلائه. وكان مصير هذا المسجد هو الهدم بحجة الأمن العام كأنه في نظرهم قد آل للسقوط، وذلك في نوفمبر ١٨٥٠. ولا ندري هل بقي بين ١٨٣٠ - ١٨٥٠ في أيدي المسلمين أو في أيدي مصالح فرنسية. وقد دخل جزء من أرضه في الطريق العمومي والباقي بيع، وأصبح جزءا من إحدى الدور الواقعة في نفس الشارع (٢). وقد جرت العادة أن الجامع إما أن يجدد ويصان وإما أن يبنى مكانه مسجد آخر أصح منه وأوسع وأجمل. ولكن الفرنسيين لم يأتوا من أجل ذلك.
стр. 2016
٩٥ - مسجد الحمامات: وهو غير المسجد المذكور قبله. وقد اكتسب هذه التسمية لموقعه في الحي الذي يطلق عليه حي الحمامات. ويقع في شارع الباب الجديد. وكان ما يزال في عهد ديفوكس بأيدي المسلمين، كما قال (١)، ولكن مصيره بعد ذلك بقي مجهولا. والظاهر أنه هدم. ولم يذكر صاحب هذا المصدر هل اختلفت عليه الأيدي، وما مقدار أوقافه الخ.
٩٦ - مسجد عين الشاه حسين: وكان يقع أيضا في الباب الجديد. ورغم صغر حجمه فقد كانت له منارة مذببة. وكان يأخذ اسمه من العين الجارية القريبة منه والمسماة عين الشاه حسين، ويرى ديفوكس أن لفظ (الشاه) هنا هو تحريف للفظ (الشيخ) وليس من كلمة (الشاه) الفارسية. ولكن لا دليل على هذا التحول. فما يمنع أن يكون أحدهم يحمل هذا اللقب (الشاه) السلطاني. ومع ذلك فإن التحريف جائز. أما تاريخ بناء المسجد فيرجع إلى القرن العاشر الهجري. في عهد الاحتلال عطل المسجد عن وظيفته، وبيعت أرضه سنة ١٨٤٤ بدعوى الإهمال، ودخل مكانه في إحدى الدور التي بنيت على أنقاضه في شارع الباب الجديد. ولا يصف ديفوكس أوقافه وحالته قبل ١٨٤٤ (٢).
٩٧ - مسجد الزيتونة: مصير هذا الجامع غريب رغم جمال اسمه. وهو يقع في شارع الباب الجديد أيضا. وله أوقاف تقول إنه مسجد سيدي إبراهيم التكروني تحت الباب الجديد. وهو معروف باسم جامع الزيتونة. ويرجع اسم سيدي إبراهيم التكروني إلى القرن ١١ هـ (١٠٥٥/ ١٦٤٥). وهو يذكر أحيانا باسم إبراهيم التكرور. وقد نسي الناس اسم هذا الولي (السوداني؟) واحتفظوا للجامع باسم الزيتونة. وقاوم هذا الجامع الحرمان من الأوقاف والصيانة إلى سنة ١٨٥١ حين رأت السلطات الفرنسية خلال شهر فبراير أن تعمل فيه المطرقة والفأس أيضا بحجة الأمن العام. وبعد أن تعرت أرضه
стр. 2017
بيعت في المزاد العلني خلال مايو ١٨٥٢، فاشتراه أحد الغيورين، وهو السيد حمود بن الحاج محمد بأربعمائة فرنك. ونوى إعادة بنائه مسجدا، ولكن وسائله المادية لم تكن، كما يقول ديفوكس، في مستوى نيته الخيرة. ولا ندري لماذا لم يعط الجامع للمسلمين من قبل هدمه. وقد أضاف ديفوكس أن مكان جامع الزيتونة ظل أرضا عارية سائبة (١). ولا ندري مصيره، ولا نذكر أن أوميرا الذي كتب في نهاية القرن قد أشار إليه، مما يدل ربما على زواله.
٩٨ - مسجد الباب الجديد: هذا المسجد كان معتمداد على حصن أو قلعة الباب الجديد. وهو يقع في شارع الباب الجديد، الذي أعطاه اسمه. وقد ظل فترة طويلة مقرا لفرقة الحرس الفرنسية. ولا ندري كم هي المدة التي بقيها كذلك، لأن عبارة ديفوكس لا تجيب على سبب اختفاء (هدم؟) المسجد. وقد اكتفى ديفوكس بعبارة غامضة جدار وهي أن المسجد كان عليه أن يختفي (!) مع التحصينات التركية القديمة التي هدمها الفرنسيون، دون إعطاء تاريخ لهذا الاختفاء. ونفس التعبير استعمله أيضا أوميرا في وصف مآل الجامع (٢).
٩٩ - مسجد قلاق عبدي: وكان يقع في شارع النصر (فيكتوار). والتسمية أعلاه جاءت في الوقفية الخاصة به، ومع ذلك لم يعد الناس يذكرون (قلاق عبدي) سنة ١٨٣٠. كان هذا المسجد يستعمل (مكتبا) قرآنية أو مدرسة لتحفيظ القرآن. ولكن الفرنسيين أزالوه من الوجود في تاريخ غير محدد، وحين ذكره ديفوكس قال إن هدمه قد وقع (منذ أمد طويل)، دون ذكر السبب، كما جرت العادة. وأخبر أن مكانه قد دخل في الطريق العمومي (٣).
١٠٠ - مسجد كوشة الوقيد: هذ مسجد آخر يحوط الغموض بمصيره،
стр. 2018
إذ ترجعه الوثائق إلى القرن الحادي عشر (١٠٦٨/ ١٦٥٧). وكانت إلى جانبه مدرسة تشير إليها الوقفية أيضا. ويذهب ديفوكس إلى أن هذا المسجد قد سقط من البلى قبل الاحتلال. ويفهم من كلامه أن الفرنسيين هم الذين أزالوه من الوجود. وقد دخلت أرضه وأرض المدرسة في الساحة التي أقامها الجيش الفرنسي في أعلى المدية القديمة (١). وكان يقع في شارع كوندور.
١٠١ - مسجد حوانيت ابن رابحة: ويسمى أيضا مسجد التفاحي، وهذا اسم قد يكون لأحد الوكلاء. وأما اسم ابن رابحة فهو اسم الحي، واللفظ الشعبي هو برابحة (بتشديد الراء). ويذهب ديفوكس إلى أن المسجد قد آل للسقوط قبل ١٨٣٠، ومع ذلك بقي إلى ١٨٤٢ حين هدمه الفرنسيون. وتصفه الوقفية بأنه كان يقع على أقواس (ساباط) القائد قاسم. وكان يقع في شارع البحر الأحمر (٢).
١٠٢ - مسجد سيدي عبد الرحمن المرايشي: وإذا كانت بعض المساجد قد هرمت قبل الاحتلال، كما يذهب بعض الفرنسيين، فماذا نقول في هذا المسجد الذي يحمل اسم أحد الأولياء، وهو سيدي المرايشي؟ إن قبر هذا الولي كان بالمسجد. وقد حكمت عليه السلطات الفرنسية بالهدم بحجة الأمن العام، سنة ١٨٤٩. وضمت أرضه إلى أرض دار واقعة في شارع ميدي (٣).
١٠٣ - مسجد زنقة بوعكاشة: ويسمى أخبار مسجد البيلو، الذي يرجح ديفوكس أنه أحد الوكلاء الأندلسيين. وكان لهذا المسجد منارة، وله أوقاف. ويبدو أن اسم الوكيل قد نسي وبقي اسم الحي (أبو عكاشة)، ولماذا لا يكون أبو عكاشة اسما لأحد الوكلاء أيضا؟ وكان المسجد يقع في شارع غرناظة. وقد حكمت السلطات الفرنسية على هذا المسجد بالهدم أيضا بحجة الأمن
стр. 2019
العام، في أفريل ١٨٥٥، أي أنه بقي ربع قرن بعد الاحتلال، ومع ذلك لم يقل ديفوكس ماذا فعلت به السلطات قبل ذلك. ولكنه قال إن أحد المسلمين اشترى مكان المسجد في نفس هذه السنة (٢٢ سبتمبر، ١٨٥٥) وأن موقعه قد دخل في إحدى الدور الواقعة في شارع غرناطة المذكور (١). فهل بنى المسلم داره على أرض الجامع؟ أو أنه باعها، كما يذكر أوميرا في إحدى مقالاته؟ الجواب الشافي غير معروف.
١٠٤ - مسجد سيدي الجامي: بناية تضم المسجد والضريح، والقبة، وهي عبارة عن زاوية. ونكتفي هنا بذكر المسجد لأن الوقفية تحدثت عنه. وكان يقع في باب الواد. وينطق أحيانا سيدي الجامع. وكانت له أوقاف مهمة منها سبعة عشر حانوتا، وخمسة منازل، وغرفة، ورحى وأرض ريفية. وكان له وكيل يقوم مقام الإمام والمؤذن أيضا. وآخر وكلائه هو علي بن رمضان، الذي سمي سنة ١٨٣٥. ويقول ديفوكس إن معظم أملاك هذا المسجد قد هدمت، بدون توضيح.
ومنذ الاحتلال عطلت هذه البناية عن غرضها الديني، فاحتلها الدرك مدة طويلة، ثم سلمت إلى أملاك الدولة في غشت ١٨٥٠. فأعطتها بدورها إلى جمعية مسيحية تعرف (بالترابيست). وفي عهد ديفوكس كانت هذه الجمعية ما تزال تحتل المسجد، وقد أطلقوا عليه اسم (اسطاويلي الصغيرة). وكان المسجد يقع عند المدخل السفلي للحديقة المعروفة باسم مرنقو على يمين الصاعد إلى القصبة (٢).
١٠٥ - مسجد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي: اشتهر الشيخ عبد الرحمن الثعالبي (ت ٨٧٣) بزاويته أكثر من مسجده. ومع ذلك فقد كان المسجد على
стр. 2020
على درجة هامة. وحياة الشيخ معروفة وقد درسناها في غير هذا. ويقول أوغسطين بيرك إن بناء المسجد يرجع إلى الداي الحاج محمد (أحمد) العلج سنة ١٦٩٦، ويرجح أن هذا الداي قد أعاد البناء فقط أي جدده، وهو تقليد كان جاريا. ولاحظ بيرك أن بالمسجد آثارا من العهد السعدي في المغرب الأقصى وأن هناك عرصة واردة من فاس أو من مراكش. وللمسجد منارة ومحراب مزخرفتان بالفسيفساء الفارسية، وتوابع أخرى. أما القبة فمثمنة. ومنارته مربعة ومزينة بالزليج أيضا (١).
وقبل هذا كان الشيخ الثعالبي الذي اشتهر بالعلم والتصوف السني والجهاد في سبيل الدين بالمعنى السلفي للكلمة، يعيش في منزل أو خلوة بشارع شارت charte رقم ٢ في البداية ئم أخذت رقمي ٥٤ و ٦٠. وهذه الخلوة قد هدمها الفرنسيون ودخلت في ما اسموه (فندق الإدارة العامة). وكان بقرب الخلوة التي قضى فيها الشيخ حياته متعبدا ومؤلفا وواعظا، مسجد صغير يحمل اسم الشيخ أيضا، وهو رقم ٢٩ فيما ذكرنا من المساجد. وكما لاحظ بيرك فإن بناية الشيخ الثعالبي الحالية ترجع إلى ١٦٩٦ حين بناها أو جددها الداي الحاج أحمد عطشى، وقد ألصق به الفرنسيون لقبين وهما العلج والطباخ (عطشى)، لكي يؤكدوا من اللقب الأول (العلج) على مسيحيته الأصلية قبل اعتناق الإسلام، ويؤكدوا من اللقب الثاني (عطشى) على الحط من قيمته باعتباره كان طباخا ثم وصل إلى سدة الحكم.
وكانت مساحة مسجد الثعالبي وتوابعه كبيرة بلغت ١، ٤٠٠ متر. وكان المسجد حسب ديفوكس من الدرجة الثانية، وله منارة صغيرة وجميلة، ثم وصفها بما وصفها به بيرك سابقا. ولاحظ أن القبة مزينة من الداخل وهي من الحجم الفخم. والقبة تضم عددا، من الأضرحة، ومنها ضريح الشيخ الثعالبي نفسه المغطى بتابوت عليه أعلام وخرق ورموز، بالإضافة إلى ملحقات من الغرف والبنايات لاستعمال الوكيل ومن معه من الموظفين. وهناك أيضا قاعة
стр. 2021
للعجزة، وجبانة خاصة. ويتبع ذلك أيضا ميضآت ومطاهر عامة.
كانت أوقاف الثعالبي تكون من أحد عشر عقارا عند تأسيس الوقفية. لكن في سنة ١٨٣٤ كانت الوقفية تتكون من ٦٩ ملكية يبلغ دخلها ستة آلاف فرنك. وهو مبلغ كبير بالنسبة للأوقاف الأخرى. ولاحظ ديفوكس أن هناك ثلاث عشرة ملكية أخرى كانت غير منتجة إما لعدم صلاحيتها وإما لهدمها من قبل الفرنسيين. وكانت مداخيل المسجد وتوابعه قد ازدادت نتيجة الصدقات والتبرعات التي كان يتقدم بها المحسنون. وهناك موظفون يترأسهم (شيخ الحضرة) الذي يشرف على جلسة للذكر والدعاء والقراءة على روح الشيخ، رغم أن ذلك لا يعني انتسابها لأحدى الطرق الصوفية. وقد صادرت السلطات الفرنسية أوقاف الشيخ الثعالبي أيضا في آخر سنة ١٨٤٨ (١)، فضاق الحال بالوكيل حتى اشتكى إلى السلطات الفرنسية، لكن بدون جدوى (٢).
...
بعد المساجد الواقعة في العاصمة القديمة، ذكر ديفوكس المساجد والأضرحة الواقعة في الفحوص أو الضواحي مثل بوزريعة والقبة، وبئر الخادم، وبئر مراد رايس والزحاولة (السحاولة؟) والقادوس وسيدي فرج، وتقصرين، والحامة. ولكن معظم ما ذكره في هذه الأماكن كان من الأضرحة، كما سنذكره في مكانه، أما المساجد فقليلة، ومعظم هذه المساجد مذكور فقط بالاسم، وليس هناك تفاصيل عن تاريخ بنائها وأوقافها
стр. 2022
وتبادل الأيدي عليها ووكلائها، ونحو ذلك. ولنشر أيضا إلى أن ديفوكس جعل هذه الأماكن الإسلامية - مساجد وأضرحة وزوايا - في شكل ذيل لكتابه فقط. ولم تكن من مهامه الرئيسية. والملاحظ أن يد الهدم قد مست عندئذ البنايات الواقعة في العاصمة بالخصوص. وهذه هي مساجد الفحوص عندئذ:
١٠٦ - مسجد بئر مراد رايس: هذا المسجد يرجع إلى عهد الداي عبدي باشا (الذي سبق ذكره وذكر مسجده رقم ٢٢)، وكان ذلك في بداية ريع الأول سنة ١١٣٧ (١٧٢٤) حسب وقفية للقاضي الحنفي بذلك التاريخ. والمسجد يحمل اسم الحي (بئر مراد رايس)، وكان مراد رايس هو الذي حفر البئر المسمى عليه الجامع (١). وقد ذكر كلاين أن هذا المسجد قد سكنه الجنود الفرنسيون.
١٠٧ - مسجد بئر الخادم: وثائق سنة ١١٢٤ هـ (١٧١١ م) تتحدث عن بئر الخادم، كحي من الأحياء، لكن الجامع المنسوب لهذا الحي لم يذكر عنه ديفوكس أي تفصيل، كما أشرنا (٢). ولا نعرف من بناه، لكننا نعرف أن بئر الخادم كانت تقع على وادي تيكلوت، وأنها اليوم ضاحية بجنوب شرق العاصمة. ولم يضف كلاين جديدا بشأنه.
١٠٨ - مسجد الزحاولة: والزحاولة نسبيا، بعيدة عن العاصمة في القديم، ومع ذلك اعتبرها ديفوكس من الفحوص. وقال إن مسجدها، الذي لم يقدم حوله أي وصف أو معلومات، قد بناه أحد الضباط العثمانيين باسم يوسف بولكباشي، سنة ١٧٩٩ (٣).
стр. 2023
١٠٩ - مسجد تقصرين: لم تذكر عنه أية معلومات.
١١٠ - مسجد القادوس: يقع على الضفة اليمنى من وادي الكرمة.
١١١ - مسجد سيدي محمد بن عبد الرحمن: وهو مسجد يقع بالحامة، وينسب إلى الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري (بوقبرين)، مؤسس الطريقة الرحمانية. ونحن هنا أمام مجموعة من البنايات الدينية، مسجد وضريح (قبة) وجبانة، وزاوية. وحياة الشيخ درسناها في غير هذا المكان (فصل الزوايا). ويجب أن نذكر أن المسجد وتوابعه قد بنيت في عهد الداي حسن باشا (١٧٩١). وبعضهم يقول إنها بنيت في عهد الداي مصطفى باشا (ت ١٨٠٥). وفي الجامع سلسلة لنسب الشيخ محمد بن عبد الرحمن تربطه بالشرف عن طريق السيدة فاطمة والإمام علي. وتاريخ البناء هو سنة ١٢٠٦ (١٧٩١)، حسب الوثيقة وهو عهد الداي حسن باشا (١).
١١٢ - مسجد الحامة: وهو مسجد صغير ومعه مدرسة، وكان يقع في الحامة، وذكره ديفوكس باختصار، وقال إنه يقع في مقابلة حديقة التجارب (٢) التي أنشأها الفرنسيون لتربية النباتات (٣).
آراء وتعاليق حول مصير مساجد العاصمة
إن المساجد التي ذكرناها حتى الآن لا تعني إحصاء كاملا شاملا لمساجد العاصمة. وعلى الباحث أن يرجع إلى التقارير الأقدم من ذلك وإلى
стр. 2024
وثائق الأوقاف لمعرفة العدد والأسماء والمواقع الصحيحة، وكذلك كتب الرحالة القدماء. وإذا كانت معظم المساجد قد هدمت أو حولت عن غرضها حسبما جاء في أعمال ديفوكس، فإنه أشار إلى أن بعضها كان (ما يزال في أيدي المسلمين)، أي خلال الستينات، عهد المملكة العربية ومراعاة حياة المسلمين تحت مظلة نابليون الثالث الذي قال إنه (امبراطور العرب والفرنسيين معا). ولا شك أن الأمور قد تغيرت بعد ذلك.
ففي سنة ١٨٧٠ انتصرت الليبرالية وحلت الجمهورية الثالثة محل الامبراطورية الثانية وحل الاستعمار المدني محل الاستعمار العسكري، وانطلق العهد الثاني من تخريب وتشويه كل ما هو (أهلي). وقد اختفى ديفوكس الذي حصل على مجموعة من الأوسمة والنياشين على أعماله. وظل الفأس والمطرقة يعملان في البنايات الإسلامية، ومنها المساجد. ولذلك فإن أوميرا الذي كتب بعد ربع قرن من ديفوكس لم يذكر سوى ٣٢ مسجدا وجامعا قال عنها إنها هدمت أو حولت إلى مصالح عسكرية أو مدنية، وأضاف أنه لم يبق سوى ستة مساجد داخل مدينة الجزائر احتفظت بوظيفتها الإسلامية. ولكن هذه قد تقلصت أيضا، فلا الجامع الكبير ولا الجامع الجديد بقي كما كان حجما وأوقافا وتوابع. مثلا هدمت الزاوية والمدرسة التي كانت تابعة للجامع الكبير، وأزيل نصيب من الجامع الجديد، كما أوضحنا. بل كاد الجامعان يختفيان أيضا. ولم يذكر باللو سنة ١٩٠٤ سوى ستة مساجد قال إنها ما تزال على قيد الحياة وتؤدي وظيفتها الإسلامية (١).
وبعد حوالي ربع قرن كتب أشيل روبير عن مساجد العاصمة فقسمها إلى قسمين رئيسيين، مساجد المذهب المالكي وعددها، كما قال، ٨٩ مسجدا بين كبير وصغير. ومساجد المذهب الحنفي وعددها أربعة عشر.
стр. 2025
وكلها من النوع الكبير. ومن المساجد المالكية التي بقيت إلى وقته الجامع الكبير وجامع سيدي رمضان. ومن المساجد الحنفية الجامع الجديد وجامع سفير. وقد ذكر تقريبا نفس القائمة التي جاء بها ديفوكس ولكن بدون تفصيل. ولاحظنا عليه أنه أوردها مع ذكر شوارعها للتاريخ. وفيها أسماء لم تمر بنا حتى الآن، مثل جامع سيدي هلال، وجامع الديارم، ومن ال ٨٩ مسجدا مالكيا ذكر ٤٨ من الجوامع الكبيرة. والباقي، وهو ٤١، عدها من الصغيرة. وقد أورد تقسيمات أخرى للمساجد حسب الأحياء قال إن معظمها كان في القصبة ثم باب الواد: ٨ في القصبة، ٦ في باب الواد، ٦ في باب عزون، ٥ في ساحة الحكومة، ٤ في الباب الجديد، ٤ في شارع شارتر، ٣ في شارع القناصل، ٣ في شارع ميدي، الخ. ثم تتوزع الباقيات على الأحياء الأخرى. ومن المساجد الحنفية التي لم يمر اسمها بنا جامع المقرين، وجامع اسطاويلي (١).
وهناك مساجد أخرى لم يشر إليها السابقون، وإنما وجدنا إشارات إليها في مؤلفات أخرى عرضا. من ذلك المسجد الذي حوله الفرنسيون إلى كنيسة تسمى (سان فيليب) ولا ندري الآن ما اسمه الأصلي. فقد جاء في أحد المؤلفات أن وزير المعارف منح أحد المساجد إلى النساء فسمي كنيسة سان فيليب. ويذكر هذا المصدر قصة غريبة وهي أن الوزير المذكور (طلب) من المفتي الجزائري التنازل عن الجامع، فأجابه المفتي جوابا يدل على التسامح اللامتناهي أو على فهم عميق للدين أسمى من فهم فلاسفة الفرنسيين المتمردين، إذ قال المفتي المغلوب على أمره: إنك أيها الوزير تطلب منا معبدا (مسجدا) لتؤدي فيه عبادتك. يمكنك أخذه إذن، فاعبد فيه الله الذي هو إلهنا أيضا (٢).
стр. 2026
وقد لاحظ الرحالة والزائرون لمدينة الجزائر طمس المساجد بكل الوسائل وتحت مختلف الأغطية. فقال القس بلاكسلي سنة ١٨٥٨ إن من بين بقايا المساجد القديمة الجميلة ما هو مستعمل الآن ثكنة عسكرية للمدفعية أو لأغراض عسكرية أخرى. وقد عانت هذه المساجد من التخريب والتعديل والتحولات بحيث لم يعد المرء يفرق بعد ذلك ما إذا كانت هي نفسها المساجد التي كانت من قبل. وكانت مدارس لتحفيظ القرآن متصلة بالمساجد، فاندثر كل ذلك معها (١).
وعن مصير مساجد العاصمة أيضا كتب السيد بولسكي فقال لقد كان بها عشرة جوامع كبيرة وحوالي خمسين صغيرة، لكن الآن (١٨٥٤) انخفض ذلك العدد إلى النصف. إن كثيرا منها قد هدم لتوسيع الطرقات أو لإفساح المجال لبناء المنازل. وقد حول أحدها إلى مسرح (وهذا ما لم يذكره ديفوكس)، وآخر إلى مخزن لعلف الدواب، وآخر إلى براكة (ثكنة). وأضاف هذا المصدر، أن الحكومة الفرنسية طالما تلقت النقد على سياستها الدينية السيئة نحو بيوت العبادة الإسلامية، وهي السياسة التي لا يمكن للمسلمين أن ينسوها أو يغفروها للحكام الفرنسيين (٢).
وهناك ملاحظات أخرى أبداها بولسكي حول المساجد. من بينها أن عدد السكان المسلمين في مدينة الجزائر قد تناقص كثيرا بالهجرة الخارجية والداخلية. وهذا الوضع جعل المساجد تظهر كأنها أكثر من حاجة السكان الباقين (٣). وهذا رأي لعله كان في أذهان الفرنسيين عندما حملوا الفؤوس لتخريب المساجد الزائدة عن الحاجة في نظرهم. لقد أرغم الفرنسيون (الأتراك) على الخروج من الجزائر، ثم خرج منها كثير من أهل الحضر ذوي
стр. 2027
النفوذ والجاه والثروة والعلم. وبذلك تناقص عدد المترددين على المساجد، حسب رأي بولسكي. أما الجيش الفرنسي والمستوطنون الأوروبيون فقد كانوا في ازدياد، وكانوا جميعا في حاجة إلى منازل ومقرات للإقامة، فكانت المساجد هي إحدى الوسائل. وهناك ملاحظة أخرى أبداها بولسكي أيضا وهي أن دخول المساجد لم يعد ممنوعا، بل أصبح الأوروبيون يدخلونها بحرية بعد نزع أحذيتهم، وهذا بالنسبة للمساجد القائمة التي تؤدي وظيفتها أما تلك التي تحولت عن غرضها وعطل العمل الديني فيها فقد عرفنا أنها ديست بالأقدام وغيرها وأصبحت أماكن للعربدة والعبث، بل واسطبلات.
ويذكر مؤلف آخر أنه دخل جامعا قديما فوجد فيه الجنود يعربدون ويصرخون، وهم يعزفون على آلاتهم الموسيقية ويضربون الطبول وغيرها لأن هذا الجامع السيء الحظ قد جعلته السلطات الفرنسية مقرا لإحدى الفرق العسكرية (١). (انظر عنه قائمة المساجد، والمقصود به جامع الداي حسين بالقصبة).
وقد تساءل أوميرا نفسه سنة ١٨٩٨ قائلا: ماذا بقي من ال ١٥٠ مسجدا. التي كانت بالعاصمة؟ ثم أجاب: إن ثلاثة منها قد حولت إلى كنائس كاثوليكية، وبعضها حول عن غرضه وأعطى إلى المصالح العامة، عسكرية ومدنية، ثم إن معظم المساجد حدث لها ما حدث للزوايا والأضرحة. فقد هدمت لفتح الطرق والساحات أو توسيعها أو بناء مؤسسات عمومية كبيرة كالمستشفيات والمدارس والمسارح والكنائس (٢). وكان الليسيه (الثانوية) الأول في الجزائر المعروف فيما بعد باسم ليسيه بوجو، قد ابتلع عددا كبيرا من المباني الدينية من مساجد وأضرحة، كما ابتلع جبانة باب الواد الشهيرة، حتى وصفه ديفوكس بالبعبع أو الوحش.
стр. 2028
وفي سنة ١٩١٣ كتب جورج ايفير، المتخصص في تاريخ الاستعمار والأستاذ بجامعة الجزائر، عن المساجد التي عانت من الاحتلال بناء على الوثائق المعاصرة. وقد لاحظ أن بعض المساجد حولت إلى كنائس كاثوليكية، وأن بين خمسة وستة مساجد أصبحت مخازن، وإن من بين ال ٨٠ (ثمانين) مسجدا وزاوية التي كانت بالعاصمة سنة ١٨٣٠ هدم منها ستة وستون بين ١٨٣٠ - ١٨٣٢ فقط. وأن هناك مسجدا سلم سنة ١٨٣٢ إلى السيد لكروتز ليصنع فيه الأسرة العسكرية. ونحن نجد أصداء لذلك في كتاب (المرآة) لحمدان خوجة وكتاب بيشون المسمى (الجزائر سنة ١٨٣٢) (١).
ولو وقفت الحكومة الفرنسية موقفا واحدا من الأديان لقيل عنها إنها لائكية أو ثورية/ جمهورية، أو ماسونية، أو نحو ذلك، ولكنها في الوقت الذي كانت فيه تعمل الفأس في بيوت الله الإسلامية، كانت تبني الكنائس على حسابها، (ومن حسابها مال الأوقاف الإسلامية). فقد ذكر أحد المصادر أنها بنت سبعة وثلاثين كنيسة كاثوليكية واثنتين للمذهب البروتيستنتي في الجزائر، قبل ١٨٥٨. ويذكر هذا المصدر أيضا أن الأسقف دوبوش وحده قد بنى من أموال الكنيسة والتبرعات الخاصة ٤٧ كنيسة ومعبدا خلال سبع سنوات. هذا بالنسبة لجالية أوروبية ما تزال صغيرة تقدر ببضعة آلاف فقط. أما المسلمون الذين يقدر عددهم بالملايين فقد بنت لهم الحكومة، ثلاثة مساجد، حسب هذا المصدر. وبدون شك فإن هذه المساجد الثلاثة لم تكن في العاصمة، وكانت من أموال المسلمين (٢).
стр. 2029
بعض المساجد في إقليم العاصمة
وإذا خرجنا من العاصمة إلى مدن إقليمها، نجد الوضع يختلف بعض الشيء. ذلك أن المبررات التي ذكرت بالنسبة للعاصمة غير موجودة بالنسبة لغيرها من مدن الإقليم كالبليدة وشرشال والمدية، ومليانة والقليعة. فليس هناك حاجة لثكنات كبيرة، ومتعددة، ولا حاجة ملحة للمخازن والمنشآت العامة ولا تهديد للأمن العام، ولا حاجة مستعجلة لفتح الطرق وتوسيع الساحات كما زعموا في الحالات الأخرى، وكذلك لم تعش المدن الأخرى نفس الظروف التي عاشتها العاصمة وبناياتها الدينية. ومع ذلك فإنها لم تسلم من الأذى والإهانة والتعطيل.
ففي البليدة، هذه المدينة المتحضرة في قلب متيجة اعتدى الفرنسيون على مسجدها أيضا. وكان أول ذلك أثناء الحملة ضد المدية على يد كلوزيل سنة ١٨٣٠. فقد هاجم الفرنسيون المسلمين في المسجد نفسه بعد التجائهم إليه. وفي حملة لاحقة كان الحاكم العام نفسه، المارشال فاليه، هو الذي سلم الجامع إلى الأسقف ديبوش، فحوله هذا إلى كنيسة كاثوليكية. وحضر ديبوش الحفلة التي رفع فيها الصليب على منارة الجامع. والغريب في الأمر أمم جاؤوا بستة من العرب ليحملوا إليهم هذا الصليب الضخم من المصهرة التي صهر فيها الصليب. ثم لكي تتخذ الحفلة طابعا رسميا ودينيا جيء بالجنود الفرنسيين فحملوا الصليب إلى أعلى الجامع وثبتوه هناك على ضوء شعلة كان يحملها العرب (١).
إن المدن الآتية: المدية، وشرشال، ومليانة لم يحتلها الفرنسيون إلا بعد ١٨٤٠ لأنها كانت تحت حكم الأمير عبد القادر. وأما زواوة فلم يحتلوها إلا بعد ١٨٥٧، أما المناطق الجنوبية فقد احتلت في بداية الخمسينات. ونفهم من هذا أن البنايات الدينية في عهد الأمير عبد القادر قد بقيت سليمة في المدن والمناطق المذكورة إلى الأربعينات. وبعد احتلالها كان الفرنسيون
стр. 2030
قد أخذوا يتأقلمون في الجزائر وربما خفت حدة سخطهم على البنايات الإسلامية. فلم يعد الهدم هدفا سريعا من أهدافهم، ولكن هناك وسائل أخرى لجأوا إليها للإضرار بهذه البنايات كثيرا، ونعني بذلك مصادرة أوقافها كما هو الشأن في الأوقاف جميعا. وهذه المصادرة أدت، مع طول الزمن، إلى إهمال المساجد وخرابها، كما أدت إلى عزوف المواطنين عن تقديم التبرعات إليها أو التحبيس عليها ما دام مالهم وعقارهم سيؤول إلى الفرنسيين في النهاية. ولذلك لم تتنعش حركة بناء المساجد إلا منذ العشرينات من القرن الحالي مع ظهور الحركة الإصلاحية، وهي المساجد التي كانوا يطلقون عليها اسم (الحرة) في مقابل تلك الواقعة تحت يد إدارة الشؤون الأهلية الفرنسية.
على أن المسلمين في الجزائر لم يتوقفوا عن بناء المساجد، ولا سيما في الأرياف. وكانت السلطات الفرنسية تستولي على هذه المساجد الجديدة أيضا، كما استولت على القديمة، وكانت هي التي تعين فيها الأيمة والموظفين وتراقبهم، ولو لم تكن هي التي تدفع إليهم أجورهم، لأن المسجد كان دائما في قبضة إدارة الشؤون الأهلية حتى بعد قانون فصل لدين عن الدولة (١٩٠٧)، كما سنذكر. ولذلك فإنك إذا قرأت عن إنشاء مسجد في العهد الفرنسي فاعلم أنه بني من أموال المسلمين وليس من أموال الدولة الفرنسية. وتذهب بعض الإحصاءات إلى أن إقليم العاصمة (الوسط) كان يضم ٤٨ مسجدا سنة ١٨٥٣، منها ستة حديثة العهد (١). وهذا الرقم لا يشمل بالطبع مساجد العاصمة نفسها.
وليس لدينا إحصاء لمساجد المدن المذكورة (المدية، وشرشال، والبلدية الخ.) ولا مصائرها. وهناك إشارات إلى أن بعض المساجد قد تعرضت للتخريب أثناء الثورات، كما حدث لجامع بوزكرى في زواوة. فقد أشعل الجنود الفرنسيون النار في هذا الجامع سنة ١٨٥٧ (ثورة فاطمة نسومر)
стр. 2031
فاحترق. وقد رثاه أحد شعراء بني راثن واستنجد بالأربعين مرابطا الذين تذهب الأسطورة الشعبية إلى أنهم حماة الجامع (١).
وفي تقرير يرجع إلى سنة ١٩٠٥ كتبه فيكتور ويل، الأستاذ بمدرسة الآداب (كلية) العليا وقدمه إلى الحاكم العام شارل جونار، أن جامع سيدي علي بشرشال قد عطل وحول إلى إسطبل لخيول سلاح الهندسة العسكرية، وأنه لم يبق منه في التاريخ المذكور سوى بعض العرصات الواقفة (٢).
مساجد إقليم قسنطينة
ليس لدينا دراسات مفصلة عن مساجد إقليم قسنطينة بعد الاحتلال سنة ١٨٣٧. وكانت مدينة قسنطينة محل اهتمام بعض الباحثين الفرنسيين مثل شيربونو، وميرسييه وفيرو وفايسات. وكانوا مثل زملائهم الذين تخصصوا في هذا الموضوع بالنسبة لمدينة الجزائر، يعتمدون على علماء المسلمين وعلى السماع والنقوش المكتوبة التي وجدوها على البنايات نفسها وبعض الوثائق الرسمية. والذين تناولوا البنايات الدينية قدموا لنا معلومات وأوصافا سريعة ومختصرة لا تفي بالغرض إلا بالنسبة لبعضها، كالمسجد الذي حولته السلطة إلى كنيسة، ولم يفصلوا في إحصائهم العام بين المسجد والزاوية والقبة. والحقيقة أن الأمر كثير ما اختلط حتى عند المسلمين. ذلك أن العدد الكبير من المساجد كان جزءا من مؤسسة دينية كاملة تضم أيضا الضريح والمدرسة والزاوية والجبانة. وكانت مساجد الخطبة والصلوات الخمس كثيرا ما تلتصق بها مدرسة القرآن الكريم أو الكتاب (المكتب) أيضا.
ولذلك فإننا سنواجه هنا، سيما مع مدينة قسنطينة، صعوبة الفصل بين أجزاء المؤسسة الدينية. وننبه إلى أننا قد خصصنا هذا الحيز للمساجد فقط،
стр. 2032
مؤجلين الحديث عن الزوايا وغيرها إلى فصول أخرى. وتشير الإحصاءات إلى أن مدينة قسنطينة وحدها كانت تحتوي على حوالي مائة مسجد، حسب روسو (١٨٣٨)، وسبعين مسجدا سنة ١٨٣٧، تاريخ احتلالها، وقد استكثر شيربونو ذلك على مدينة قيل إنها كانت تضم حوالي عشرين ألف نسمة على أضعف تقدير (١). ولكنه سرعان ما لا حظ، وهو الخبير الذي أقام في قسنطينة زمنا طويلا وعرف علماءها وطلبتها عندما كان أستاذا لحلقة دراسات اللغة العربية، إن أهل قسنطينة متدينون جدا، كما لاحظ أن الناس أخذوا يتحولون في وقته (١٨٥٧) من المساجد إلى الزوايا والطرق الصوفية (٢)، وهي ظاهرة أشرنا إليها في فصل آخر (الطرق الصوفية)، وهي غير خاصة بهذه المدينة. وسنحاول إعطاء أرقام للمساجد التي سنذكرها مع المعلومات الإضافية الممكنة. وإذا وجدنا اسما لمسجد عاريا من المعلومات، فسنتركه كذلك إلى أن نستطيع نحن أو غيرنا إضافة البيانات اللازمة عنه.
١ - جامع رحبة الصوف: قيل إنه يرجع إلى القرن الخامس الهجري. وكانت له أوقاف شأن مختلف البنايات الدينية (٣). هذا المسجد القديم الذي يرمز إلى الوجود الإسلامي في المنطقة عطله الفرنسيون عن وظيفته منذ الاحتلال، وجعلوه مخزنا للشعير تحت الإدارة العسكرية. وفي سنة ١٨٤٨ جعلوه ملجأ لإيواء ضحايا المجاعة حين كان الأهالي يموتون في الطرقات جوعا. وكتب الفرنسيون على باب هذا الجامع - الملجأ - عبارة بالعربية، وهي (الجمهورية الفرنسية، الأم الرؤوم للفقراء والأيتام). ولعلهم
стр. 2033
لو منحوا للجامع أوقافه لما افتقر الناس إلى هذا الحد ولما احتاج الفرنسيون إلى هذه الدعاية المكشوفة. وفي سنة ١٨٥٢ أسقطوا منارته (١). وبعد عدة سنوات كتب أرنست ميرسييه عن هذا الجامع قائلا إنه اختفي ليقام مكانه المستشفى المدني (٢).
٢ - جامع القصبة: يرجع إلى العهد الحفصي. وقدر تاريخ تجديد بنائه سنة ٦٨٣ هـ، فهو إذن كان موجودا قبل هذا التاريخ كما لاحظ شيربونو. ولكن مكانته واشتهاره كان في العهد الحفصي، وقد اشتهر بالعلماء الذين درسوا فيه وورد ذكره في كتب عبد الكريم الفكون وغيره. لكن الفرنسيين لم يراعوا حرمة الدين ولا حرمة التاريخ والآثار فعطلوه عن وظائفه وحولوه إلى بناية عسكرية تضم تارة الأسلحة وتارة الأدوية. وفي عهد شيربونو كان الجامع مخزنا لعتاد الهندسة (٣). وقد قال عنه ميرسييه إنه اختفى تماما، من أجل إقامة المستشفى العسكري (٤). وفي كتاب (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون بعض الأخبار عن هذا الجامع الذي كان مقصدا للعلماء. ومن مدرسيه قبل الاحتلال عمار الغربي المعروف بأبي راشد. وكان مفتيا وشاعرا أيضا (٥). وكذلك الشيخ أحمد العباسي.
٣ - الجامع الكبير: وهو يقع بين الساحة المسماة بالبطحاء وسوق الجلود. وكان في خدمة آل الفكون لمدة قرون. وقد جاء ذكره في بعض مؤلفاتهم. وكان مقرار لشيخ الإسلام في العهد العثماني، كما كان يحتوي على أربعين عرصة. ووصفه شيربونو بأنه يشكل في الحي شبه جزيرة، وزعم أنه قد يكون مبنيا على معبد وثني (؟) ولكن الحفريات والبحوث لم تثبت هذه
стр. 2034
الفكرة. وتشهد الكتابة العربية المنقوشة على سارية محرابه أن الجامع الكبير مبني بعد القرن السادس الهجري، ٦٠٣ هي حسب بعض الروايات. والغريب أن الجامع الكبير لم يرد ذكره في قائمة ميرسييه. ومن شيوخه في العهد الفرنسي حمدان الونيسي ومحمد الصالح بن مهنة والمولود بن الموهوب. وجاء في بعض المراجع أن نصف الجامع الكبير قد هدم، كما هدمت منارته من أجل توسيع شارع الحي الأوروبي. أما منارته الحالية فهي حديثة العهد (١).
٤ - جامع صالح باي: يسمى أيضا جامع سيدي الكتاني. وقد اعتبره شيربونو الجامع الوحيد الذي يتميز بثروة فنية وفخامة في البناء. وكان من مساجد المذهب الحنفي. ولم نجد لهذا الجامع ذكرا في بحث ميرسييه. والمعروف أن جامع سيدي الكتاني كانت تتبعه مدرسة اشتهرت في العهد الفرنسي حين أصبحت هي المدرسة الشرعية الرسمية منذ ١٨٥٠. وكان من خطبائه أحمد العباسي الذي توفي حوالي ١٨٣٤. وكان الجامع يقع في سوق العصر الذي كان في الواقع جزءا من الجامع والمدرسة، ولكن الفرنسيين هم الذين فصلوا السوق عن الجامع. ومنذ ١٩٤٧ أصبحت المدرسة الكتانية والجامع التابع لها تدعى المعهد الكتاني الذي كان تحت إشراف عمر بن الحملاوي (الطريقة الرحمانية) والذي كان ينافس معهد ابن باديس.
٥ - جامع سوق الغزل: وهو الذي حوله الفرنسيون إلى كنيسة بعد سنتين من احتلال المدينة. ففي ٣ مارس، ١٨٣٩ جاء القسيس سوشيه وأشرف على اغتصابه وافتتاحه كنيسة. وكان الحاكم العام، المارشال فاليه، هو الذي أعطاه الرخصة في ذلك دون الرجوع إلى المسلمين ولا إلى اتفاق ١٨٣٠ القاضي باحترام الدين الإسلامي. وكان الجامع من أجمل مساجد قسنطينة وأوسعها. وقد كررت السيدة (بروس) المعاصرة لهذا الحدث أن العرب كانوا لا يفرقون بين إله الفرنسيين وإله المسلمين وأن الله عندهم
стр. 2035
واحد، ولذلك كانوا يأتون إلى هذه الكنيسة/ الجامع متطفلين ليشاهدوا الطقوس الدينية عند المسيحيين. ولا ندري أي صنف من (العرب) تتحدث عنه، وكيف يصح ذلك مع الروايات الأخرى التي تصف المسلمين (العرب) بالتعصب الديني؟ لا شك أن الواعين من أهل قسنطينة كانوا يفرقون بين الله الواحد وآلهة الشرك والتثليث، وبين الإسلام والنصرانية. وكان بعض رؤساء العرب قد دعاهم الفرنسيون إلى هذا الاحتفال فحضروا (١). أما ميرسييه فقد اكتفى بالقول إن جامع سوق الغزل قد اختفى بعد تحويله إلى كاتدرالية.
وجامع سوق الغزل منسوب إلى الباي حسين وكمية الذي كان حاكما سنة ١١١٥ (١٧١٣). وهناك كتابة تخلد ذلك، ذكرناها في مكانها. هذا هو الشائع والموثق. ولكن باحثي الفرنسيين حصلوا من الشيخ مصطفى بن جلول على وثيقة تثبت أن جده عباس بن علي جلول (عباس بن عبد الجليل)، هو الذي بنى الجامع بنقوده في حي سوق الغزل، ولتخليده وضع عباس لوحة رخامية فوق الباب الرئيسي عليها نقش بالخط المشرقي نادر المثال، ولكن الباي حسين، دعاه وطلب منه أن يضع هو اسمه بدل عباس على النقيشة التلخيدية، وما دام طلب الحكام يعتبر أمرا فقد وافق عباس على طلبه وأعطاه التعويض على البناء، أو اعتبره هدية. وبعد موت عباس جاء الحسدة والكائدون ووسوسوا للباي بأن عباس ما وضع اسمه إلا ليكون هو المخلد وأن أهالي قسنطينة سينسون اسم الباي، فقام هذا بمحو اسم عباس ووضع اسمه بدله. ولكن ما قيمة كل ذلك عند الله وعند الفرنسيين؟ إذا كان الله هو الذي يعرف حقيقة ما جرى بين الباي حسين وعباس بن جلول، فإن الفرنسيين لا يعنيهم ذلك في شيء، وإنما الذي كان يعنيهم هو الاستيلاء على هذا الجامع النادر الصنعة والذي جلبت إليه أحجار الغرانيت من نواحي عين ياقوت، كما يؤكد شيربونو، وكان موقع الجامع هو ساحة قصر الباي أحمد (٢).