← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فاحترق. وقد رثاه أحد شعراء بني راثن واستنجد بالأربعين مرابطا الذين تذهب الأسطورة الشعبية إلى أنهم حماة الجامع (١). وفي تقرير يرجع إلى سنة ١٩٠٥ كتبه فيكتور ويل، الأستاذ بمدرسة الآداب (كلية) العليا وقدمه إلى الحاكم العام شارل جونار، أن جامع سيدي علي بشرشال قد عطل وحول إلى إسطبل لخيول سلاح الهندسة العسكرية، وأنه لم يبق منه في التاريخ المذكور سوى بعض العرصات الواقفة (٢). مساجد إقليم قسنطينة ليس لدينا دراسات مفصلة عن مساجد إقليم قسنطينة بعد الاحتلال سنة ١٨٣٧. وكانت مدينة قسنطينة محل اهتمام بعض الباحثين الفرنسيين مثل شيربونو، وميرسييه وفيرو وفايسات. وكانوا مثل زملائهم الذين تخصصوا في هذا الموضوع بالنسبة لمدينة الجزائر، يعتمدون على علماء المسلمين وعلى السماع والنقوش المكتوبة التي وجدوها على البنايات نفسها وبعض الوثائق الرسمية. والذين تناولوا البنايات الدينية قدموا لنا معلومات وأوصافا سريعة ومختصرة لا تفي بالغرض إلا بالنسبة لبعضها، كالمسجد الذي حولته السلطة إلى كنيسة، ولم يفصلوا في إحصائهم العام بين المسجد والزاوية والقبة. والحقيقة أن الأمر كثير ما اختلط حتى عند المسلمين. ذلك أن العدد الكبير من المساجد كان جزءا من مؤسسة دينية كاملة تضم أيضا الضريح والمدرسة والزاوية والجبانة. وكانت مساجد الخطبة والصلوات الخمس كثيرا ما تلتصق بها مدرسة القرآن الكريم أو الكتاب (المكتب) أيضا. ولذلك فإننا سنواجه هنا، سيما مع مدينة قسنطينة، صعوبة الفصل بين أجزاء المؤسسة الدينية. وننبه إلى أننا قد خصصنا هذا الحيز للمساجد فقط،

стр. 2032

مؤجلين الحديث عن الزوايا وغيرها إلى فصول أخرى. وتشير الإحصاءات إلى أن مدينة قسنطينة وحدها كانت تحتوي على حوالي مائة مسجد، حسب روسو (١٨٣٨)، وسبعين مسجدا سنة ١٨٣٧، تاريخ احتلالها، وقد استكثر شيربونو ذلك على مدينة قيل إنها كانت تضم حوالي عشرين ألف نسمة على أضعف تقدير (١). ولكنه سرعان ما لا حظ، وهو الخبير الذي أقام في قسنطينة زمنا طويلا وعرف علماءها وطلبتها عندما كان أستاذا لحلقة دراسات اللغة العربية، إن أهل قسنطينة متدينون جدا، كما لاحظ أن الناس أخذوا يتحولون في وقته (١٨٥٧) من المساجد إلى الزوايا والطرق الصوفية (٢)، وهي ظاهرة أشرنا إليها في فصل آخر (الطرق الصوفية)، وهي غير خاصة بهذه المدينة. وسنحاول إعطاء أرقام للمساجد التي سنذكرها مع المعلومات الإضافية الممكنة. وإذا وجدنا اسما لمسجد عاريا من المعلومات، فسنتركه كذلك إلى أن نستطيع نحن أو غيرنا إضافة البيانات اللازمة عنه. ١ - جامع رحبة الصوف: قيل إنه يرجع إلى القرن الخامس الهجري. وكانت له أوقاف شأن مختلف البنايات الدينية (٣). هذا المسجد القديم الذي يرمز إلى الوجود الإسلامي في المنطقة عطله الفرنسيون عن وظيفته منذ الاحتلال، وجعلوه مخزنا للشعير تحت الإدارة العسكرية. وفي سنة ١٨٤٨ جعلوه ملجأ لإيواء ضحايا المجاعة حين كان الأهالي يموتون في الطرقات جوعا. وكتب الفرنسيون على باب هذا الجامع - الملجأ - عبارة بالعربية، وهي (الجمهورية الفرنسية، الأم الرؤوم للفقراء والأيتام). ولعلهم

стр. 2033

لو منحوا للجامع أوقافه لما افتقر الناس إلى هذا الحد ولما احتاج الفرنسيون إلى هذه الدعاية المكشوفة. وفي سنة ١٨٥٢ أسقطوا منارته (١). وبعد عدة سنوات كتب أرنست ميرسييه عن هذا الجامع قائلا إنه اختفي ليقام مكانه المستشفى المدني (٢). ٢ - جامع القصبة: يرجع إلى العهد الحفصي. وقدر تاريخ تجديد بنائه سنة ٦٨٣ هـ، فهو إذن كان موجودا قبل هذا التاريخ كما لاحظ شيربونو. ولكن مكانته واشتهاره كان في العهد الحفصي، وقد اشتهر بالعلماء الذين درسوا فيه وورد ذكره في كتب عبد الكريم الفكون وغيره. لكن الفرنسيين لم يراعوا حرمة الدين ولا حرمة التاريخ والآثار فعطلوه عن وظائفه وحولوه إلى بناية عسكرية تضم تارة الأسلحة وتارة الأدوية. وفي عهد شيربونو كان الجامع مخزنا لعتاد الهندسة (٣). وقد قال عنه ميرسييه إنه اختفى تماما، من أجل إقامة المستشفى العسكري (٤). وفي كتاب (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون بعض الأخبار عن هذا الجامع الذي كان مقصدا للعلماء. ومن مدرسيه قبل الاحتلال عمار الغربي المعروف بأبي راشد. وكان مفتيا وشاعرا أيضا (٥). وكذلك الشيخ أحمد العباسي. ٣ - الجامع الكبير: وهو يقع بين الساحة المسماة بالبطحاء وسوق الجلود. وكان في خدمة آل الفكون لمدة قرون. وقد جاء ذكره في بعض مؤلفاتهم. وكان مقرار لشيخ الإسلام في العهد العثماني، كما كان يحتوي على أربعين عرصة. ووصفه شيربونو بأنه يشكل في الحي شبه جزيرة، وزعم أنه قد يكون مبنيا على معبد وثني (؟) ولكن الحفريات والبحوث لم تثبت هذه

стр. 2034

الفكرة. وتشهد الكتابة العربية المنقوشة على سارية محرابه أن الجامع الكبير مبني بعد القرن السادس الهجري، ٦٠٣ هي حسب بعض الروايات. والغريب أن الجامع الكبير لم يرد ذكره في قائمة ميرسييه. ومن شيوخه في العهد الفرنسي حمدان الونيسي ومحمد الصالح بن مهنة والمولود بن الموهوب. وجاء في بعض المراجع أن نصف الجامع الكبير قد هدم، كما هدمت منارته من أجل توسيع شارع الحي الأوروبي. أما منارته الحالية فهي حديثة العهد (١). ٤ - جامع صالح باي: يسمى أيضا جامع سيدي الكتاني. وقد اعتبره شيربونو الجامع الوحيد الذي يتميز بثروة فنية وفخامة في البناء. وكان من مساجد المذهب الحنفي. ولم نجد لهذا الجامع ذكرا في بحث ميرسييه. والمعروف أن جامع سيدي الكتاني كانت تتبعه مدرسة اشتهرت في العهد الفرنسي حين أصبحت هي المدرسة الشرعية الرسمية منذ ١٨٥٠. وكان من خطبائه أحمد العباسي الذي توفي حوالي ١٨٣٤. وكان الجامع يقع في سوق العصر الذي كان في الواقع جزءا من الجامع والمدرسة، ولكن الفرنسيين هم الذين فصلوا السوق عن الجامع. ومنذ ١٩٤٧ أصبحت المدرسة الكتانية والجامع التابع لها تدعى المعهد الكتاني الذي كان تحت إشراف عمر بن الحملاوي (الطريقة الرحمانية) والذي كان ينافس معهد ابن باديس. ٥ - جامع سوق الغزل: وهو الذي حوله الفرنسيون إلى كنيسة بعد سنتين من احتلال المدينة. ففي ٣ مارس، ١٨٣٩ جاء القسيس سوشيه وأشرف على اغتصابه وافتتاحه كنيسة. وكان الحاكم العام، المارشال فاليه، هو الذي أعطاه الرخصة في ذلك دون الرجوع إلى المسلمين ولا إلى اتفاق ١٨٣٠ القاضي باحترام الدين الإسلامي. وكان الجامع من أجمل مساجد قسنطينة وأوسعها. وقد كررت السيدة (بروس) المعاصرة لهذا الحدث أن العرب كانوا لا يفرقون بين إله الفرنسيين وإله المسلمين وأن الله عندهم

стр. 2035

واحد، ولذلك كانوا يأتون إلى هذه الكنيسة/ الجامع متطفلين ليشاهدوا الطقوس الدينية عند المسيحيين. ولا ندري أي صنف من (العرب) تتحدث عنه، وكيف يصح ذلك مع الروايات الأخرى التي تصف المسلمين (العرب) بالتعصب الديني؟ لا شك أن الواعين من أهل قسنطينة كانوا يفرقون بين الله الواحد وآلهة الشرك والتثليث، وبين الإسلام والنصرانية. وكان بعض رؤساء العرب قد دعاهم الفرنسيون إلى هذا الاحتفال فحضروا (١). أما ميرسييه فقد اكتفى بالقول إن جامع سوق الغزل قد اختفى بعد تحويله إلى كاتدرالية. وجامع سوق الغزل منسوب إلى الباي حسين وكمية الذي كان حاكما سنة ١١١٥ (١٧١٣). وهناك كتابة تخلد ذلك، ذكرناها في مكانها. هذا هو الشائع والموثق. ولكن باحثي الفرنسيين حصلوا من الشيخ مصطفى بن جلول على وثيقة تثبت أن جده عباس بن علي جلول (عباس بن عبد الجليل)، هو الذي بنى الجامع بنقوده في حي سوق الغزل، ولتخليده وضع عباس لوحة رخامية فوق الباب الرئيسي عليها نقش بالخط المشرقي نادر المثال، ولكن الباي حسين، دعاه وطلب منه أن يضع هو اسمه بدل عباس على النقيشة التلخيدية، وما دام طلب الحكام يعتبر أمرا فقد وافق عباس على طلبه وأعطاه التعويض على البناء، أو اعتبره هدية. وبعد موت عباس جاء الحسدة والكائدون ووسوسوا للباي بأن عباس ما وضع اسمه إلا ليكون هو المخلد وأن أهالي قسنطينة سينسون اسم الباي، فقام هذا بمحو اسم عباس ووضع اسمه بدله. ولكن ما قيمة كل ذلك عند الله وعند الفرنسيين؟ إذا كان الله هو الذي يعرف حقيقة ما جرى بين الباي حسين وعباس بن جلول، فإن الفرنسيين لا يعنيهم ذلك في شيء، وإنما الذي كان يعنيهم هو الاستيلاء على هذا الجامع النادر الصنعة والذي جلبت إليه أحجار الغرانيت من نواحي عين ياقوت، كما يؤكد شيربونو، وكان موقع الجامع هو ساحة قصر الباي أحمد (٢).

стр. 2036

٦ - الجامع الأخضر: أو جامع سيدي الأخضر. وقد بناه الباي حسن المعروف بوحنك سنة ١١٥٦ (والمتوفى سنة ١١٦٧). وهو من مساجد المذهب الحنفي، ويشهد الأثريون أنه كان مسجدا بديع الصنعة، له خمس بلاطات (أروقة) وأجملها الوسطى. وكان يضم أضرحة العائلة. وقد ألحقت به مدرسة جميلة أيضا بناها صالح باي. وتسمى مدرسة جامع سيدي الأخضر. وهذه المدرسة هي التي اغتصبها الفرنسيون من يد المسلمين وجعلوها مقرا لحلقة اللغة العربية التي أحدثوها لأنفسهم، أي تدريس العربية لمن سيتولون شؤون المسلمين كضباط المكاتب العربية وموظفي الإدارة المدنية. وفي هذه المدرسة كان المستشرق شيربونو هو أول من تولى حلقة اللغة العربية (١). وقد اشتهر الجامع الأخضر منذ الحرب العالمية الأولى بدروس الشيخ عبد الحميد بن باديس، زعيم النهضة الوطنية. ٧ - جامع عبد الرحمن المناطقي: واسم المناطقي كان يوحي بحرمة كبيرة في قسنطينة حتى أن بعض الناس كان يحلف برأسه، بقطع النظر عن كون هذا من الشرك بالله. وقد بني الجامع حوالي ١٠٢٢ هـ (١٦١٣ م)، من قبل قايد الباب. ويقال إن المناطقي رجل من المغرب الأقصى، ويرجع تاريخه إلى العهد الحفصي، ربما في عهد السلطان عبد الواحد بن أبي حفص. ولا يعرف تاريخ وفاة المناطقي. وله كرامات عديدة (٢).

стр. 2037

٨ - جام الأربعين شريفا: ولا نعرف عنه الآن سوى أن السلطات الفرنسية قد حولته إلى محكمة للأحوال الشخصية الإسلامية. ولا ندري ما إذا كان قد استعمل قبل ذلك في غير غرضه الأصلي. ٩ - جامع البيازري: هذا الجامع اختفى، كما يقول ميرسيي دون ذكر السبب. ١٠ - جامع الجوار: وقد هدم دون ذكر السبب. ١١ - جامع الجوزة: ويسمى أيضا جامع سيدي أحمد زروق. والمعروف أن أحمد زروق البرنوسي كان يتردد على قسنطينة، قادما إليها من المغرب الأقصى، كما جاء ذلك في كتاب (منشور الهداية). هذا الجامع (اختفى) أيضا على يد الفرنسيين. ١٢ - جامع خليل: هدمته السلطات الفرنسية أيضا دون تسجيل السبب. ونذكر الآن جملة من المساجد التي هدمت بصريح عبارة السيد ميرسيه الذي نشر ذلك سنة ١٨٧٨، والمساجد هي: ١٣. سيدي الوردة الذي هدم لإنشاء الساحة المعروفة باسم ساحة نمور، وهو لقب ابن ملك فرنسا. ١٣. (مكرر). سيدي فرغان هدم لإقامة ساحة القصر. ١٤. سيدي قليو. ١٥. سيدي حسون. ١٦. سيدي حجام. ١٧. سيدي حيدان. ١٨. سيدي ياسمين. ١٩. سيدي قنيش. ٢٠. سيدي كرامة. ٢١. سيدي محمد زواو (الزواوي). ٢٢. سيدي حسن بن ميمون. ٢٣. سيدي مفرج. ٢٤. سيدي سبعين. ٢٥. سيدي يحيى الفسيلي. والملاحظ أن الأسماء كلها تبدأ بلفظ (سيدي) وهي لذلك تدل على أن صاحبها من أهل الولاية والصلاح عند العامة. فنحن نذهب إلى أن هؤلاء كانوا من صلحاء وأولياء قسنطينة القديمة. وقد أضاف السيد شيربونو تواريخ وفيات بعضهم مما يدل على قدم هذه المساجد. فهذا سيدي يحيى الفسيلي قد توفي سنة ٦٧٦ هـ. وهذا سيدي حسن بن علي بن ميمون من آل القنفذ

стр. 2038

المشاهير، وكان من الدرسين، وقد توفي سنة ٦٦٤ هـ. ٢٦ - جامع سيدي فاريش (فارس؟): قال عنه شيربونو إنه قد هدم سنة ١٨٤٨ لفتح طريق (ديمواييه) (١). وهناك مساجد ذكر الباحثون أنها في وقتهم قد عطلت عن وظيفتها بفعل السلطات الفرنسية لأسباب مختلفة. وها نحن نذكر بعضها: ٢٧ - جامع سيدي أبي عبد الله محمد الصفار: هذا الجامع ذكر شيربونو أن السيدة ماكماهون (٢) قد حولته إلى روضة للأطفال، ومن أجل ذلك رفعوا عليه الصليب الذي وضع في أعلى صومعته نكاية في المسلمين. وكان محمد الصفار من علماء الجزائر مبرزا في الحديث الشريف. ويذكر شيربونو أنه توفي بالوباء الذي حدث سنة ٧٥٠ للهجرة (٣). ٢٨ - جامع سيدي علي بن مخلوف: لقد حدث له تغيير ثم هدم. وعلي بن مخلوف هو أحد الصالحين، توفي سنة ٥٨٦ للهجرة. واقتطع من الجامع الجزء الأكبر فهدم لصالح (لوبلان) سنة ١٨٥١. ثم حولت قاعة الصلاة (المصلى) إلى اسطبل لخدمة فرقة العسكر المسماة الصبايحية النظامية. وكان يتبع هذا الجامع مدرسة وهي التي بقيت إلى سنة ١٨٥٦، وفيها كانت تعقد الجمعية الأثرية (٤) اجتماعاتها. أما الجامع فقد اختفى تماما بفعل ما ذكرنا. ٢٩ - جامع سيدي علي التلمساني: وقد بني في القرن العاشر الهجري

стр. 2039

(سنة ٩٥٤). ويذكر شيربونو أنه وجد كتابة تقول إنه بني (على يد سيدنا ... القطب الرباني، سيدي علي التلمساني) في السنة المذكورة. ويبدو أن التلمساني كان من أهل العلم والتصوف. ولعله قد حل بقسنطينة قادما من تلمسان، كما جرت عادة علماء وصلحاء الوقت في التنقل والترحال. وإلى جانب هذا الجامع كانت هناك زاوية تحمل نفس الاسم. وقد تحولت البناية كلها (الجامع والزاوية) إلى أيدي الفرنسيين. ففي سنة ١٨٥٥ احتلتها (سيدات بون باستور) ثم هدمت. وفي البحث الذي نشره ميرسييه نجد مجموعة من المساجد التي تحولت عن غرضها أيضا، أي بعد ما كتب شيربونو بحوالي عشرين سنة. نذكر منها ما يلي: ٣٠ - مسجد بن علناس (١): وقد اكتفى ميرسييه بقوله عنه إنه حول عن غرضه الإسلامي. وكذلك ذكره الشريف مقناوة. ٣١ - مسجد سيدي الجليس: تحول إلى مدرسة عربية - فرنسية تابعة للإدارة الفرنسية. ومن معلميها الشيخ محمود كحول المعروف ابن دالي، وهو المفتي المغتال سنة ١٩٣٦. ٣٢ - مسجد سيدي الرماح (٢): قال عنه إنه قد حول إلى مدرسة للبنات المسلمات، والمقصود أنه أصبح تابعا للإدارة الفرنسية التي أعطته إلى إحدى السيدات الفرنسيات فأقامت فيه ما يسمى ورشة atelier لتعليم الخياطة والطرز لخدمة السياحة والاقتصاد الفرنسي، وليس لتعليم المسلمات، كما قد يفهم. وهناك مساجد أخرى جاءت في مقالة الشريف مقناوة المنشورة عام ١٩٣٠ والمعتمدة على سجل قائد البلاد (رئيس البلدية) لسنة ١٨٤٨. وكان السجل قد أشار إلى اثنين وعشرين مسجدا في قسنطينة عند الاحتلال، وكلها جرت تسميات الموظفين لها، ثم أخذت تتغير أحوالها بالهدم والتعطيل وتبادل الأيدي. ولا نريد تكرار أسماء المساجد. التي ذكرت سابقا، وإنما

стр. 2040

نكتفي بما لم يذكر، وهي: ٣٣ - مسجد سيدي الشاذلي، بعد ثلاث تسميات للموظفين، اندثر ولا وجود لأثره. والغالب أنه هدم. ٣٤ - سيدي علي الطنجي، بعد تسميتين له، أصبح لا وجود له، دون ذكر كيف اختفى. ٣٥ - سيدي بو شداد، نفس الملاحظات السابقة، أي الاختفاء والسكوت عن حاله. ٣٦ - سيدي عفان، مسكوت عنه، بعد تسميتين للموظفين، ونفهم من بعض الكتابات المعاصرة أنه بقي دون هدم (١). ٣٧ - سيدي محمد بن ميمون، نفس الملاحظة التي تخص ما قبله. ٣٨ - سيدي علي القفصي، أصبح لا وجود له بعد تسمية واحدة، أي أنه كان قد هدم مبكرا. ٣٩ - سيدي إبراهيم الراشدي، نفس الملاحظة التي تخص ما قبله. ٤٠ - سيدي فتح الله، مسكوت عن مصيره. وتوجد له تسمية واحدة. وعائلة فتح الله بقيت معروفة في المدينة حتى بعد الاحتلال. انظر العطار (تاريخ حاضرة قسنطينة). ٤١ - سيدي فليسه، لا وجود لأثره، ولا توجد تسمية له. ٤٢ - سيدي هواهوارن (كذا)، أيضا لا أثر له. ولا يعرف ماذا حدث له. ولا شك أن هناك تحريفا في الاسم. ٤٣ - سيدي قيس، وكان في سنة ١٩٣٠ مقرا للزاوية العقارية. ووجدت له تسمية واحدة فهي السجل المذكور. ٤٤ - سيدي مفرج (٢)، بعد تسمية واحدة، اختفى دون أن عرف كيف ذلك. (انظر قائمة ميرسييه، سابقا).

стр. 2041

٤٥ - سيدي محمد (عبد الله) الشريف، كذلك اختفى بعد تسمية واحدة. ٤٦ - سيدي نقاش، اختفى أيضا، دون الإشارة إلى التسمية لموظفيه. فأنت تلاحظ كيف آل مصير مجموعة من المساجد بين ١٨٣٧ و ١٨٧٨، أي تاريخ الاحتلال والتاريخ الذي كتب فيه ميرسييه مقالته عن المعالم. ونفهم من بحث الشريف مقناوة أن المساجد المذكورة كانت موجودة سنة ١٨٤٨ بدليل تسمية الموظفين لها في سجل قايد البلاد (١). فخلال ثلاثين سنة (١٨٤٨ - ١٨٧٨) جرت مجزرة كبرى للمعالم الإسلامية في قسنطينة، إضافة إلى الاستيلاء على أوقافها. وهي الفترة التي أحس فيها الفرنسيون أنهم أصبحوا سادة البلاد وأن الشعب الجزائري قد غلب على أمره. وقبل أن ننهي الحديث عن مساجد قسنطينة نذكر بعض الملاحظات: الأولى هي أن فتح الطريق المعروف بالطريق الوطني (في عهد الفرنسيين) قد أدى إلى هدم العديد من المباني الدينية، ومنها المساجد، وغير الدينية كالمنازل والأسواق. وكان أثره على هذه المباني كأثر ليسي الجزائر على المباني المجاورة له، كما هدم الفرنسيون المساجد التي كانت بقرب دار أحمد باي التي هدموها أيضا وكانوا يسمونها ثكنة الإنكشارية، وكذلك المنازل التي حولها (٢).

стр. 2042

والملاحظة الثانية هي أن هذا الهدم والتصرف قد وقع بين ١٨٣٧ و ١٨٧٨. ولا نملك الآن الوثائق التي تتحدث عن الهدم الذي توالى بعد ذلك. أما الملاحظة الثالثة فهي أن أوقاف هذه المساجد كلها قد استولت عليها الإدارة الفرنسية، كما ذكرنا، ومن ثمة حدث الإهمال والاضمحلال للمباني الدينية في غير قسنطينة. والملاحظة الأخيرة هي أن بعض المساجد التي ذكرناها كانت في نفس الوقت جزءا من بناية تضم الزاوية والضريح الخ. كما هي العادة. ... وبجاية كانت من المدن التي تعرضت هي ومساجدها للتخريب. ولدينا وصف لما حدث لها كتبه شارل فيرو سنة ١٨٥٩، وقد مضى عندئذ على الاحتلال قرابة ثلاثين سنة. وبعد ذلك قد يكون حدث لما بقي من المساجد تخريب آخر أزالها من الوجود. والمعروف أن بجاية قد احتلت سنة ١٨٣٣. ويذكر فيرو أن من بين أحيائها الواحد والعشرين هدم خمسة عشر، أي قبل سنة ١٨٥٩، وهذه هي أسماء الأحياء المهدمة: ١ - البريجة. ٢ - سيدي بوعلي. ٣ - الشرشور. ٤ - القنيطرة (قرب زاوية سيدي محمد التواتي الشهير). ٥ - باب اللوز (خرب جزء منه). ٦ - باب المرقوم (خرب جزء منه وهو مقابل لجبل خليفة). ٧ - غريب بخشى (خرب جزء منه). ٨ - سيدي عبد الحق الإشبيلي المتصوف والعالم الشهير. ٩ - دار الصنعة (سيدي الصديق). ١٠ - عين آمسيون. ١١ - عين يلس. ١٢ - عين بوخليل. ١٣ - سيدي الحيمي. ١٤ - ابن درة. ١٥ - تيغلت (١). ومن الملاحظ أن سقوط هذه الأحياء والأبواب يؤدي حتما إلى سقوط المساجد والبنايات الدينية المجاورة، لأن لبجاية أيضا قصبتها كالعاصمة، فكان البناء متقاربا ومدعوما بعضه ببعض، فإذا سقط جزء منه تداعى الباقي وسقط مثله. أما المساجد التي هدمت في بجاية قبل سنة ١٨٥٩ أو حولت عن غرضها فنوجز ذكرها فيما يلي (لأنه ليس لدينا وصف لتاريخ بنائها ولا

стр. 2043

لأوقافها بالطريقة التي وصف بها ديفوكس مساجد الجزائر): ١ - الجامع الكبير: وكان يقع في القصبة نفسها. وقد استولت عليه السلطات الفرنسية وحولته إلى ثكنة عسكرية ثم مستودعا للمواد العسكرية، ولا ندري مصيره بعد ذلك. ٢ - جامع سيدي الموهوب. ٣. جامع صفية. ٤. جامع عين يلس. ٥. جامع البريجة. ٦. جامع سيدي البصرومي. ٧. جامع سيدي عبد الهادي. ٨. سيدي الخضر. ٩. سيدي المليح (وهو يقع حول حصن البراق الذي خرب أيضا). ١٠. سيدي بوعلي (١). ١١. سيدي حماني (خرب ١٨٤٩). ١٢. سيدي عيسى. ١٣. أم عالمة (حليمة؟). وإلى جانب هذه المساجد التي خربت تماما، ذكر فيرو بعض المساجد التي خربت جزئيا أو كانت في حالة خراب عندما كان يكتب، نتيجة الإهمال. كما ذكر مجموعة أخرى حولتها السلطات الفرنسية إلى مصالح عسكرية وغيرها. من ذلك هذه المساجد المستقلة أو التابعة لإحدى الزوايا، وهي: ١٤ - مسجد زاوية الشيخ التواتي، فقد استولت عليه السلطات العسكرية وحولته إلى ثكنة. ١٥ - مسجد لاله فاطمة الذي تحول مع الزاوية إلى سكنى عسكرية. ١٦. مسجد أحمد النجار الذي أصبح هو والزاوية ثكنة عسكرية. ١٧. مسجد سيدي أبي زكريا يحيى، استولت عليه إدارة الحرس الفرنسية. وهناك عدة بنايات ومساجد قال عنها فيرو إنها ما تزال في يد المسلمين أو هي في حالة خراب وإهمال دون أن يذكر ما إذا كان الفرنسيون قد استولوا عليها قبل ذلك (١٨٥٩). وهي: ١٨ - جامع السيدة (في حالة خراب). ١٩. سيدي محمد أمقران. ٢٠.

стр. 2044

سيدي الصوف (في يد المسلمين). ٢١. بابا سفيان التسوري. ٢٢. سيدي الصديق (في يد المسلمين). ٢٣. سيدي يحيى القرطبي (في حالة خراب). ٢٤. لاله القوراية في أعلى الجبل الذي يحمل نفس الاسم. ٢٥. جامع السوق (مسكوت عنه) (١). لقد كان استيلاء الفرنسيين على أوقاف هذه المساجد هو السبب الرئيسي في خرابها. وكان استعمالها أيضا من قبل السلطات العسكرية سببا آخر في إتلافها وإهانتها. وكان لهدم الأحياء المذكورة (واحد وعشرون حيا) أثر كبير على المساجد والأوقاف معا. ثم أدى خروج المسلمين من المدينة ساعة الاحتلال وبعده بسنوات، سيما عند انتفاضة الشريف بوبغلة وغيرها، إلى إهمال المساجد والزوايا مما جعل الفرنسيين يستبدون بها ويعيثون فيه فسادا ولا يراعون لها حرمة. وقد ذهبت معها ثروة من العلم والكتب والكتابات الأثرية والزخارف والفنون المعمارية. ونتوقع أن تكون حالة ما بقي منها بعد ١٨٥٩ قد ازدادت سوءا لغطرسة الإدارة الاستعمارية، سيما بعد ١٨٧٠، مما جعل مدينة بجاية ققد بالتدرج طابعها العربي - الإسلامي وتصبح تقريبا مستوطنة فرنسية. ... ولم تتأثر مساجد المدن الأخرى بالاحتلال كما تأثرت مساجد المدن التي ذكرنا حتى الآن. فهذه عنابة التي عانت قصبتها أيضا من الاحتلال منذ ١٨٣١، كانت تضم مجموعة من المساجد، وقد تحدث عنها سنة ١٨٨٩ السيد بابييه (٢)، وذكر أنه كان بعنابة حوالي ٣٧ مسجدا. ويهمنا منها هنا مصير هذه المساجد. والظاهر أنها جميعا قد خربت وهدمت نتيجة الإهمال وانعدام مداخيل الصيانة بعد اغتصاب الأوقاف. والمساجد الباقية إلى ١٨٨٩

стр. 2045

هي: جامع صالح باي ويسمى أيضا بالجامع الجديد، وثمة جامع آخر بناه أيضا صالح باي ويسمى جامع أبي رفيسة، ثم جامع سيدي أبي مروان. وأما المساجد الأخرى فقد آلت إلى إدارة أملاك الدولة وهدمت. وجامع سيدي أبي مروان كان أعظم مساجد عنابة لضخامته ولاحتلاله موقعا هاما يشرف على البحر الأبيض من جهة ويل على المدينة من جهة أخرى، وهذا الجامع قد هدمه الفرنسيون أيضا مع كل توابعه - الضريح والزاوية والمسجد - بما في ذلك المنازل المجاورة، ليجعلوا مكانه مستشفى عسكري ولم يتركوا من الجامع سوى جزء صغير وقبة داخل المستشفى لتكون هي كنيسته (أي المستشفى). ولكي تزيل الإدارة الفرنسية كل أثر للإسلام فيه علقت على سطح صومعة الجامع ساعة وتمثالا لديك يتحرك مع حركة الرياح. وكانت الصومعة المربعة الجوانب ترتفع حوالي عشرين مترا، وكانت ذات طابقين. ومن التناقض أن الفرنسيين فعلوا ذلك بجامع سيدي أبي مروان في الوقت الذي احتفلوا فيه احتفالا منقطع النظير بإرجاع بقايا القديس أوغسطين من فرنسا، وجاء معها عشرات القساوسة على ظهور المراكب المتزاحمة إلى عنابة. ووجدوا في استقبالهم الأسقف دوبوش وعساكر المارشال بوجو يدقون الطبول تحت أقواس النصر (١). ومع ذلك كانوا يتهمون المسلمين بالتعصب الديني. وكان مصير جامع أبي رفيسة (جامع صالح باي) لا يختلف كثيرا عن مصير جامع سيدي أبي مروان، فقد حجبه الفرنسيون بواجهة ضخمة سنة ١٨٥٢ بلغت أربعين مترا طولا، وأقاموا عند ذلك أقواسا وعرصات في ساحة أسموها (ساحة السلاح) حيث كان المسجد. وتبلغ مساحة الجامع حوالي ٨٥ مترار في شكل مستطيل و ١٢، ٧٥ مترا عمقا و ١٤، ٥٠ مترار عرضاد. وكانت له اثنتا عشرة عرصة مزدوجة، محيط كل منها ١,٠٥ م في القاعدة، و ٣,٢٨ م ارتفاعا.

стр. 2046

وكان جامع أبي رفيسة من جوامع الخطبة، ويقع إلى جانبه مجلس القضاء، وزاوية (مدرسة) ملتصقة به كما هي التقاليد. ويقع محرابه ومنبره على الجانب الأيسر منه. وكان خشب المنبر مدهونا باللونين الأحمر والأخضر، شأن كل الخشب الذي في الجامع. وله عين جارية (سبالة أو حنفية) للوضوء. أما منارته فكانت مدورة وتقع على الزاوية الشمالية الشرقية منه، وطولها ١٥، ١٤ م، ومحيطها ٥، ٦٥ م. وقد توقف صوت المؤذن في الجامع منذ سكن الفرنسيون حوله، وهكذا لم يعد المصلون يسمعون صوته الداعي للصلاة. ويقول بابييه إن بالجامع بعض الزخارف التي ترجع إلى ١٨٥٥، ولا سيما في القبة الرئيسية منه وفي المحراب، وقد تبرع بها أغنياء السكان، وبعضها جاء من بقايا جامع سيدي أبي مروان. ولا ندري الآن ما هي هذه الزخارف. وهناك نقيشة على المرمر تخلد أبياتا شعرية. وهذه النقيشة تقع خارج الجامع وهي ملتصقة بحائطه. وهي في خمسة أبيات تمجد صالح باي صاحب الفضل في بنائه (١). والغريب أن محمد بيرم الخامس الذي دخل عنابة مرتين، إحداهما كانت سنة ١٢٩٥ هـ، اكتفى من وصف مساجدها بواحد وهو الجامع الكبير (؟) وقال إنه قائم الذات والصفات مثل جوامع تونس، نظيفا ومحروسا ومفروشا بالحصير، وقد سكت عن المساجد الأخرى، فلم نعرف منه ماذا حدث لها (٢) فهل قصد بذلك جامع أبي رفيسة؟ وهل كان يجهل إلى ذلك الحد مصير جامع سيدي أبي مروان؟ وفي القل كان أحمد القلى (وهو أحد القادة) قد بنى الجامع الذي

стр. 2047

أصبح معروفا بالكبير، حوالي ١٧٥٦. ثم تولى بعد ذلك حكم قسنطينة. وكانت للجامع منارة كلغ أربعين درجة. وأوقف أحمد القلى عليه أوقافا هامة بلغت عشرين دكانا على الأقل. ولم يقل فيرو شيئا عن مصير هذا الجامع بعد الاحتلال. ولكنه قال إن القل كانت تحتوي على خمسة عشر مسجدا بالإضافة إلى جامع القلى. وأخبر أن الناس يطلقون عليها اسم الجوامع. وهي جوامع: سيدي بوحديد، وسيدي الأخضر، وسيدي إبراهيم، وسيدي التواتي، وسيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي عبد السلام، وسيدي مسعود، وسيدي عزيز، وسيدي عمار، وسيدي مصباح، وسيدي الزاوش، وسيدي شنوف. وفي سنة ١٨٧٥ قال إنه لم يبق من هذا العدد الكبير من الجوامع سوى أربعة استطاعت، في نظره، أن تقاوم عوادي الزمن! ولعل البعض من الباقي لم يستطع أن يقاوم أيضا بعد ذلك (١). ... أما بسكرة وغيرها من مدن الجنوب فلم تتعرض مساجدها، حسب علمنا، إلى الهدم والاحتلال، وإنما عانت ما عانته المساجد الأخرى من الاستيلاء على الأوقاف، والإهمال. ومثل ذلك وقع لجامع سيدي عقبة ببلدة سيدي عقبة الواقعة اليوم في ولاية بسكرة. وقد كان لبسكرة نفسها سبعة عشر مسجدا سنة ١٨٨٠، بعضها يرجع إلى قرون خلت مثل جامع سيدي الجودي (٢). وفي شكوى من أهالي بسكرة إلى السلطات الفرنسية أن هذه

стр. 2048

المساجد كانت في حالة إهمال فظيع، وأنهم عجزوا عن القيام بها لحرمانهم من أوقافها. والمعروف أن وادي ميزاب كان يضم مجموعة من المساجد، منها الكبير والصغير. وليس في بلاد ميزاب زوايا بالطريقة المعروفة في المناطق الأخرى. ولذلك فإن كل المساجد في ميزاب قائمة بذاتها. وقد نص الاتفاق الذي وقع بين أهل ميزاب والفرنسيين سنة ١٨٥٣ على احترام الدين والعادات والتقاليد في المنطقة. ولذلك لا نتوقع أن يكون الفرنسيون قد اعتدوا على مساجد ميزاب كما فعلوا في بعض المناطق الأخرى، على الأقل إلى سنة ١٨٨٢ تاريخ احتلال ميزاب. وقد كان أهل ميزاب حريصين على صيانة مساجدهم، ولكن الفرنسيين طبقوا عليها نفس القوانين بالنسبة للأوقاف، فقد استولوا هنا أيضا على أوقاف المساجد وضموها إلى أملاك الدولة الفرنسية. ورغم ذلك، فإن أهل ميزاب أبقوا على مساجدهم في حالة جيدة فلم تتعرض للخراب والتلف نتيجة الإهمال والحرمان من الأوقاف، كما حدث في بعض الجهات الأخرى. والمساجد في ميزاب كانت للمذهبين الإباضي والمالكي. وتوجد مساجد إباضية في جهات أخرى مثل تماسين. فقد ذكر بيربروجر منذ حوالي سنة ١٨٥١، أن بها مسجدا (لمرابط) ميزابي، اسمه باعيسى (١). وقريب منه كان يقع الجامع الكبير وهو للمذهب المالكي، ولكن منارة هذا الجامع اعتراها الهرم فأصبحت مهددة بالسقوط فأسقطت سنة ١٨٥٨. وكان ذلك غداة احتلال الواحات الشرقية، ومنها تماسين. ولم يكن الفرنسيون قد احتلوا وادي ريغ إلا سنة ١٨٥٤. والجامع

стр. 2049

الكبير في تماسين قديم البناء يرجع تاريخه إلى سنة ٨١٧ (١٤١٤) حسبما هو مسجل على بابه عندئذ، وقد بناه أحمد بن محمد الفاسي الذي يبدو أنه كان من المغرب الأقصى. (كان أصل بني جلاب، حكام وادي ريغ، من بني مرين). أما الجامعان الآخران فهما جامع الحاج عبد الله، وقد اعتبره بيربروجر أجمل مساجد تماسين، ثم جامع الحاج علي الينبوعي، شيخ الطريقة التجانية (١). وقد وصفه دوفيرييه (٢)، وهو مسجد تابع للزاوية. ولتقرت ووادي سوف مساجد معتبرة وبعضها قديم ويعد من الآثار الهامة. ولكن سياسة الاستيلاء على الأوقاف جعلت الناس لا يقبلون على التبرع للمساجد مما أدى إلى إهمالها وعدم صيانتها، لأنها أصبحت جميعا تحت نظر ومسؤولية السلطة الفرنسية، ماديا ومعنويا. كما أن تدجين الأيمة والخطباء جعل الناس يشكون في خدماتهم وإخلاصهم للدين. ولذلك التجأ العامة إلى الطرق الصوفية وأخذوا يتبرعون لها سرا وعلانية اعتقادا منهم أن الخلاص سيكون على يدها وليس على يد أيمة المساجد، الذين أصبحوا أدوات في يد السلطة الفرنسية إن شاءت عينتهم وإن شاءت عزلتهم. وكانت تقرت هي عاصمة وادي ريع ومقر سلطنة بني جلاب ومهبط القوافل العابرة للصحراء، ومتجر الحجاج، قبل الاحتلال. كما أن الزاوية التجانية منذ تمركزت (في تماسين) على يد الحاج علي الينبوعي قد جلبت الزوار من مختلف الجهات. وكان ذلك مدعاة لنشأة المساجد في المنطقة - ولعل وجود الزاوية التجانية ثم القادرية (في آخر القرن) قد خفف من عبث الفرنسيين بالمساجد. وفي تقرت الجامع الكبير أو العتيق، وفيه كتابات ترجع إلى عهد بني جلاب، وقد جدده إبراهيم الجلابي. وكانت سوف كذلك معبرا للتجارة والسلع المحملة بين تقرت وتونس

стр. 2050

وبين إفريقية وشمال الجزائر. وقد تحدثت الوثائق عن مساجدها المنسوبة للصالحين، ومنهم شيوخ الشابية. وفي (كتاب العدواني) آثار من ذلك، ثم (كتاب الصروف) للعوامر، و (تقاييد) الشيخ التليلي. واهتم بذلك الضباط الفرنسيون الذين كتبوا مؤلفات خاصة (مونوغرافات) عن سوف، مثل الضابط ف. فيليب، والدكتور ايسكار، وكوفيه، وباطايون، وجوس. وفي هذه المؤلفات أوصاف للحياة الدينية في سوف، ولا سيما المساجد، وعددها في كل بلدة، وتاريخ إنشائها، وحالتها. ولكن يلاحظ على هذه المساجد (مثل كل مساجد الجنوب) أنها بسيطة في بنائها وهندستها، وأنها قليلة الأوقاف، وأن أيمتها كانوا تحت رقابة المكتب العربي (العسكري) سواء كانوا يتقاضون أجورا من المكتب أو من عامة الناس. أما الاعتداء على المساجد بالهدم والتعطيل فلم تعرفه حسب علمنا، مساجد سوف ولا مساجد الجنوب على العموم (١) ربما لعدم الحاجة إليها.

стр. 2051

وما قلناه عن بسكرة وسوف وتقرت نقوله أيضا عن ورقلة والأغواط وبوسعادة (١)، فكل مدينة من هذه المدن لها مساجدها العتيقة المصانة بالأوقاف قبل الاحتلال، ولكنها تعرضت بعده إلى الإهمال. ويبدو إن إقليم قسنطينة كان أحرص الأقاليم على بناء المساجد، فالإحصاء يذكر أن هذا الإقليم كان يضم قبل الاحتلال ٨٣٧ مسجدا قديما. وبالإضافة إلى ذلك بنى الناس ٤٦ مسجدا منذ الاحتلال، بينما لم يبن أهل إقليم العاصمة (الوسط) سوى ستة مساجد جديدة، وأهل، اقليم وهران ثلاثة فقط، منذ الاحتلال. فمجموع ما في إقليم قسنطينة من المساجد سنة ١٨٥٣ هو ٨٨٣ مسجدا (٢). ولا ننسى أنه في التاريخ المذكور كانت مناطق عديدة من الإقليم لم تخضع بعد للاحتلال الفرنسي ولا يجري عليها الإحصاء.

стр. 2052

مساجد إقليم وهران في الإحصاء العام الذي ختمنا به الفقرة السابقة جاء أن إقليم وهران (الغرب) كان يضم ١٥١ مسجدا سنة ١٨٥٣، منها فقط ثلاثة بنيت في عهد الاحتلال. وهذا الرقم (١٥١) وإن كان أكبر من رقم إقليم العاصمة (الوسط) الذي شهدت مساجده تهديما لا نظير له، فإنه أقل بكثير من رقم مساجد إقليم قسنطينة (الشرق) وهو ٨٧٣ مسجدا (١). والملاحظ أن مساجد إقليم وهران كانت أقل تعرضا للهدم والتحويل والتعطيل من غيرها. فإذا استثنينا مدينتي وهران ومعسكر فإن مساجد الإقليم الغربي بقيت على عهدها تقريبا. أما من حيث الإهمال والحرمان من الأوقاف وإفقار العلماء فقد جرى لها ما جرى للأخريات. وتواريخ الاحتلال للمدن الغربية مختلفة، ويرجع ذلك إلى أن الفرنسيين وضعوا قدمهم منذ الشهور الأولى في المرسى الكبير ثم مدينة وهران، ثم مستغانم. أما المدن الداخلية فقد كانت تحت يد الأمير عبد القادر حوالي عشر سنوات. وقد أدت حملة كلوزيل سنة ١٨٣٥ - ١٨٣٦ إلى احتلال مؤقت لمدينتي معسكر وتلمسان ثم جلا عنهما الفرنسيون بمقتضى معاهدة التافنة (١٨٣٧) ورجعتا إلى الأمير. وبذلك حافظت المدن الغربية على طابعها الإسلامي إلى استئناف الحرب بين الأمير والعدو في نهاية سنة ١٨٣٩. ولم يحتل الفرنسيون مليانة وشرشال إلا سنة ١٨٤٠، ثم احتلوا معسكر وتلمسان سنة ١٨٤٢، وتيارت ١٨٤٣، وهكذا. وإلى هزيمة الأمير عبد القادر ١٨٤٧، بقيت الحرب دواليك بين الطرفين فلم يكن للفرنسيين مجال لإقامة المستوطنات وهدم الأحياء ومد الطرقات وإقامة المنشآت العامة

стр. 2053

على ذوقهم، كما فعلوا في بعض المدن الأخرى. ولكن هذه الحرب الطويلة في المدن وما حولها أدت إلى أضرار أخرى بالحياة الدينية والمدنية، ونعني بذلك خروج السكان من المدن كلما تبدلت الأيدي عليها. فإن مدينة مثل وهران لم يبق فيها حين دخلها الفرنسيون أكثر من خمسمائة فرد. وحين دخل كلوزيل مدينة معسكر وجدها خالية من سكانها، وكذلك حين دخل تلمسان إذ لم يجد فيها إلا عناصر كانوا غير راضين بحكم الأمير (الكراغلة) فذاقوا وبال الحكم الفرنسي بفرض كلوزيل ضريبة حرب عليهم لا قبل لهم بها. ومدينة وهران كانت آخر عاصمة إقليمية للإدارة العثمانية. وكانت مساجدها نسبيا قليلة لأنها حديثة العهد بالحكم الإسباني أيضا (١). وبين العهدين الإسباني والفرنسي بنى المسلمون بعض المساجد. كما أن مدينة وهران عرفت منذ القديم بمساجدها العتيقة. وإذا كانت مساجدها القديمة قد عانت على يد الإسبان فإن مساجدها الحديثة قد عانت على يد الفرنسيين. ومن المساجد الحديثة جامع خنق النطاح الذي حرفه الفرنسيون إلى (كارقانطة)، وهو المسجد الذي بناه الباي محمد الكبير بعد الفتح (١٧٩٢). ويقول أوغسطين بيرك عن جامع خنق النطاح إنه ذو طابع أندلسي وله زخرفة تقليدية ولكنه منفتح على الطبيعة بشكل يثير الدهشة (٢). ولكن هذا الجامع قد تضرر بفعل الاحتلال. فقد قال عنه باللو (١٩٠٤) إنه كان خارج المدينة، وله شكل مربع وأنه كان نصف مهدم. ونسبه إلى محمد الكبير أيضا. وأخبر أن مصلحة الآثار قد (أنقذته) من أيدي الهدامين (٣).

стр. 2054

وكان دوبوش الذي تولى أسقفية الجزائر الجديدة متحمسا لتحويل المساجد إلى كنائس واستعادة الكنيسة القديمة التي عفى عليها الإسلام في نظره. ففي سنة ١٨٣٩ حول دوبوش أحد مساجد وهران إلى كنيسة وأطلق عليها اسم كنيسة (سانت كروا) أو الصليب المقدس. ورغم وجود عدد من الكنائس التي تركها الإسبان أو بناها الفرنسيون، فإنها لم ترض رغبة دوبوش في تحويل الجامع إلى كنيسة ليشفي غليله. وكان خليفته الأسقف بافي Pavy، قد قلده في ذلك أيضا حين حول مسجدا آخر إلى كنيسة سماها (سان اندري)، وكان ذلك بعد سنة ١٨٥٠ (١). وهذا المسجد هو الذي بناه مصطفى بوشلاغم سنة ١٧٠٨، وهو باي الغرب عندئذ. وكانت للمسجد أسماء مثل مسجد البرانية ومسجد بني عامر. وقد هدمه الإسبان بعد احتلالهم الثاني لوهران وأقاموا عليه برج قورد، وبعد استعادة وهران رجع مسجدا، ثم حوله الفرنسيون إلى الكنيسة المذكورة (سان اندري) وغيروا شكله وأغلقوا محرابه. وفي عهد الاستقلال أطلق عليه اسم أبي عبيدة بن الجراح. ومن المساجد العتيقة في وهران مسجد سيدي الهواري. ويقول ألبير باللو سنة ١٩٠٤ إنه يتميز بمنارة على الطراز التلمساني (الأندلسي). أما منارة جامع الباشا فقال إنها في شكل مثمن (٢). ويعتبر جامع الباشا حديث العهد نسبيا إذ يرجع إلى سنة ١٧٩٦. وقد أمر ببنائه الداي بابا حسن الذي حكم (١٧٩١ - ١٧٩٨)، وله مئذنة عالية مثمنة وعليها نقوش. وكانت له أوقاف كثيرة مسجلة على لوحة، وهي حاليا في المتحف البلدي، حسب رواية الأستاذ بوعزيز. وكان يقع في شارع فيليب.

стр. 2055

وكانت مدينة معسكر هي العاصمة السياسية والعلمية قبل انتقال مقر السلطة إلى وهران سنة ١٧٩٢. ثم جعلها الأمير عبد القادر أيضا عاصمة ملكه. فكانت معسكر مؤهلة بمبانيها ومساجدها ومدارسها القديمة وتجارها وعلمائها لكي تقود من جديد وتشع على النواحي. ولكن العدو ضربها، كما قلنا، سنة ١٨٣٥، وأضرم النيران في أحيائها وتركها دخانا ثم غادرها. وكان لذلك الفعل الفظيع أثره على الحياة الدينية والعلمية. لقد رجع السكان إليها وأعادوا بناء منازلهم ولكنهم ظلوا يتوقعون عودة العدو. لذلك أخذ الأمير يعد العدة لبناء عاصمة داخلية أخرى بعيدة عن متناول الفرنسيين وهي (تاكدامت). وقد عاشت معسكر مع ذلك مدينة ذات طابع عمراني خاص. ففي تقرير الفرنسيين لسنة ١٨٣٩ جاء أن هذه المدينة في حالة متدنية، وليس فيها من السكان سوى ٣، ٨٤٠ نسمة. وهي تقريبا مدينة مهدمة (١). لكن تقرير ١٨٤١ يذكر أنها قد بنيت من جديد وأن ما هدمته حملة ١٨٣٥ قد بناه العرب وأصلحوه، وأن المدية في حالة جيدة باستثناء بعض المشاريع غير ذات الأهمية (٢). أما عن المساجد في معسكر فليس هناك إحصاء لها. وإنما تذكر التقارير بعض المساجد عرضا لجمالها أو لموقعها في المدينة. ففي داخل سور المدينة يوجد مسجدان، أحدهما ربما هو مسجد الباي. وكانت معسكر في عهد الباي محمد الكبير عاصمة سياسية وعلمية واقتصادية. وقد شيد فيها هذا الباي بعض المساجد. ولا ندري ماذا حدث لمسجد الباي في حكم الفرنسيين، ولا للمسجد الآخر. وربما استغلتهما السلطات الفرنسية لبعض المصالح الدنيوية قبل التخلي عنهما. وتشير المصادر إلى المسجد الذي يقع في ضاحية العين البيضاء جنوب المدينة دون إعطاته اسما، وقد أعجبت به التقارير الفرنسية لجمال بنائه

стр. 2056

ولكون منارته الرشيقة كانت تعلو جميع المنازل. وهو المسجد الذي كان قد أمر ببنائه الباي محمد بن عثمان عندما كانت معسكر هي مقر حكمه، وتشير الكتابات إلى أن بانيه هو أحمد بن صارمشق التلمساني، سنة ١١٧٥ هـ. وكان الأوروبيون يعجبون بالجامع ويزورونه كمعلم سياحي. ولكن السلطات الفرنسية لم ترحم أيضا هذا الجامع الجميل والأثري، فقد حولته إلى مخزن لبيع الحبوب. وقد لمح ليكليرك إلى ذلك في قوله إن أهمية هذا الجامع وحالته تجعله محفوظا مسخرا لمصير آخر. ولا ندري ما المصير الآخر الذي كان ينتظر أجمل مساجد معسكر غير إقامة الشعائر فيه. وقد أضاف ليكليرك أن العامة تجهل وجود هذا الجامع (١). ولا شك أن كثرة الزوايا في معسكر ومن حولها تجعل المساجد أيضا متوفرة، لكن ليس لدينا أوصاف أو إحصاء بها. وفي مازونة ثلاثة مساجد بدون صوامع، حسب إحصاء سنة ١٨٣٩ (٢). ولا ندري ماذا جرى لهذه المساجد بعد الاحتلال، هل حولت عن مقاصدها أيضا أو حول بعضها أو تركت لحالها وأهلها. والمعروف أن مازونة التي كانت عاصمة إقليمية بعض الوقت، في العهد العثماني الأول، كانت مدينة العلم والعلماء بنزول العديد من الأسر الأندلسية بها، ورسوخ أشرافها، وشهرة مدرستها، وقد ظل بصيص نورها يضيء أيضا رغم الظلمات أثناء الاحتلال الفرنسي (٣). وحين احتل الفرنسيون مدينة مليانة سنة ١٨٤٠ لاحظوا أن سكانها أغنياء ومنازلها جميلة وفخمة، وأن فيها مصانع ومخازن تكفي لإيواء ستمائة ألف وجبة ومستشفى له ٣٥٠ مريض، وإن ثكنات المدينة ومنازلها المهجورة تكفي لاستقبال ٤,٦٠٠ أوروبي. أما عن مساجدها وزواياها فقال التقرير إن

стр. 2057

أكثر المساجد فخامة فيها هو الجامع الكبير، وعد من الزوايا فيها أربعة. ولكننا لا نملك وصفا لهذه البنايات الدينية ولا مصيرها في تقرير سنة ١٨٤١ (١). ومن الأكيد أن بلدأ هجره سكانه ودخله العدو الباحث عن الاستقرار والاستعمار سيكون معرضا لكل الاحتمالات ومن بينها الاستيلاء على المساجد والزوايا واستعمالها لأغراض عسكرية ومدنية. وفي ندرومة عدد من المساجد لا نعرف أنها تعرضت للاستيلاء وسوء الاستعمال. وأكبر المساجد فيها هو الجامع الكبير وجامع القدارين، وكلاهما كان جامع خطبة، ويعود تاريخ الجامع الكبير إلى عهد المرابطين، وكان في ندرومة أيضا مساجد أخرى كثيرة ولكنها عديمة الصوامع أو كانت لها صوامع ولكن منخفضة لا تكاد ترى فوق المنازل. والجامعان الأولان يقعان كلاهما في حي بني زيد في جنوب شرق المدينة. وفي الحي الجنوبي - الغربي مساجد سيدي بوعلي ولاله عالية (علية). وهناك مساجد أخرى في شمال المدينة، وهي جامع الحدادين وجامع الرعية وجامع سيدي السياج (٢). ولا شك أن مساجد ندرومة قد تعرضت جميعا إلى الإهمال والحرمان من الأوقاف جد استيلاء الفرنسيين عليها. لكن المدينة التي تميزت بالمساجد والزوايا وغيرها في الإقليم الغربي هي بدون منازع تلمسان. ومن حسن الحظ أن هناك عدة دراسات لمساجدها

стр. 2058

من قبل بعض الفرنسيين، كما أن أهلها قد سجلوا ذلك منذ القديم. ومن الذين كتبوا عن مساجد تلمسان شارل بروسلار الذي استغل وجوده كرئيس للمكتب العربي فيها وتلقى المعلومات الكافية من علماء وأعيان البلاد ونشر عن ذلك سلسلة من المقالات في المجلة الإفريقية تحت عنوان (الكتابات والآثار العربية في تلمسان)، كما خصها الباحث جورج مارسي وأخوه ويليام بكتاب في أوائل هذا القرن حللا فيه أوضاع وتواريخ مساجد تلمسان (انظر الهامش). ويقول أبو حامد المشرفي الذي زار تلمسان بعد الاحتلال: إن بها نحو ثلاثين مسجدا غير الجامع الكبير (١). وأما تقرير الفرنسيين سنة ١٨٣٩، أي قبل احتلالها، فيقول إن بها عددا كبيرا من المساجد، دون تحديد، معظمها صغير الحجم ما عدا الجامع الكبير الذي يتميز بالضخامة والصومعة العالية ووقوعه وسط المدينة. وقال التقرير إن المدينة تتمتع بأمن تحسدها عليه أكبر المدن. وكانت بعض المساجد، مثل مسجد سيدي أبي مدين شعيب، تقع في الضواحي التي كانت تعتبر (قرى) مجاورة لتلمسان مثل العباد والمشور وعين الحوت وعين الحجر (٢)، وجامع سيدي محمد بن يوسف السنوسي. وأشار التقرير أيضا إلى المنصورة ومنارتها الأثرية العالية. ففي العباد، عند قدم جبل بني ورنيد ولاله ستي، يوجد مسجد سيدي أبي مدين (٣). وقد اعتبره الفرنسيون أجمل بناية أثرية دينية في إقليم وهران كله. وقالوا إن لهذا الأثر مداخيل عظيمة من الأوقاف حتى أنهم قدروا أنه يملك ربع أملاك مدينة تلمسان كلها وما حولها في شكل هبات. كما أن البناية لها صفة الملاذ الذي من دخله أمن على نفسه، ولو كان من أكبر المذنبين. ولا شك أن هذه المداخيل هي التي سال لها لعاب الفرنسيين بعد استيلائهم على تلمسان سنة ١٨٤٢، فقد بادروا بوضع أيديهم على جميع الأوقاف التابعة لسيدي أبي مدين وغيره من المساجد والزوايا والقباب.

стр. 2059

وقد تحدث بروسلار عن مصير جامع سيدي بوجمعة في تلمسان. فقال إنه كان لهذا الجامع أوقاف هامة تسمى بستان طاحونة الريح. وقد استولى الفرنسيون على هذا البستان الكبير بوضعه في أملاك الدولة الفرنسية منذ الاحتلال. ثم وزعته السلطات الفرنسية على عدد من الكولون، وبذلك حرموا منه الجامع وموظفيه الذين كانوا يصونونه به من جهة ويعيشون منه من جهة أخرى. كما أن الوقف كان موردا للتعليم، كما هو معروف، وبذلك حرم منه الأطفال أيضا. وقد اعترف بروسلار بأن المحبس الأصلي لم يتوقع ذلك دين كان يضع شروطه وقيوده في الوقفية، ولكنه لاحظ (بروسلار) أن جامع سيدي بوجمعة يتلقى الصدقات من المؤمنين رغم حرمانه من الأحباس (١). ومنذ السنوات الأولى لاحتلال تلمسان لاحظ السكان الخراب الذي أصاب جامع أغادو (العتيق). ولكن الأب بارجيس الذي أخبر أن الجامع كان سنة ١٨٤٥ في حالة خراب، نفى ذلك وقال إن خرابه كان نتيجة الإهمال وأن سقوط الجامع يرجع إلى عدم الصيانة السابقة. ونفس الملاحظة أبداها كل من جورج ووليام مارسيه اللذين كتبا عن مساجد تلمسان. والمعروف أن جامع أغادير كان قائما في القرن السادس عشر ميلادي وأن إمامه عندئذ كان علي بن يحيى السلكسيني (٢). وبعد أن نوه باللو بالفن العربي في تلمسان واعتبرها بحق مدينة الفن الأصيل وأنها تضاهي بآثارها الجميلة قرطبة وغرناطة وإشبيلية، قال إن مساجدها تماثل مساجد الأندلس، وذكر منها مساجد سيدي بومدين وسيدي الحلوى وسيدي أبي الحسن وكذلك الجامع الكبير والمنصورة. أما المشور

стр. 2060

فقال عنه إنه قلعة عسكرية رغم أنه يحتوي على مسجد أيضا. وقد حول الفرنسيون جامع أبي الحسن إلى متحف جمعوا فيه كل القطع الفنية والأثرية التي قال إنهم احتفظوا بها منذ أمد طويل. وكان محراب الجامع (المتحف) مزخرفا بالأرابسك الجميل. وكان الجامع يقع بوسط المدينة غير بعيد من الجامع الكبير، وكأن الفرنسيين عجزوا عن بناء متحف للفن فلجأوا إلى الجامع. أما الجامع الكبير فقال عنه باللو (سنة ١٩٠٤) إنه يرجع إلى القرن الثاني عشر ميلادي، وأن منارته تبلغ ٣٥ مترا وهي مبنية بالآجر، وأن الجامع محلى بالفسيفساء، وفيه ممرات خشبية ذات طراز عربي، وأن محرابه رائع وكذلك قبته. أما الثريا التي تتدلى من القبة فترجع إلى عهد السلطان يغمراسن الذي حكم في القرن الثالث عشر الميلادي، وهو الذي أهداها إلى الجامع. وهي مصنوعة من خشب الأرز ومغطاة بالبرونز (١). وفي تلمسان مساجد أخرى قاومت عوادي الخراب والإهمال إلى فاتح هذا القرن. وقد ذكر منها باللو جامع سيدي الحلوى الذي كان يتميز بمنارته الجميلة والغنية بالفسيفساء. وأخبر باللو أيضا أن هذا الجامع يحتوي على ثماني عرصات رشيقة متميزة في أعلاها بالفن العربي، ومطعمة بالحجر الأسود الكريم. ولكن باب الجامع كان مهدما، وهو باب كبير، ولا يمكن معرفة ما فيه من ثروة فنية. ومن المساجد الأخرى ذكر باللو: جامع سيدي الحسن (هل هو المتحف؟)، وسيدي يدون، وسيدي البمرا، ولاله الغريبة، ولاله الروية، ومسجدا آخر باسم مسجد ريغ (باب زير؟)، وغيرها. ومنها أيضا جامع سيدي بومدين بالعباد. أما منارة المنصورة فقد قال إنها تبلغ ٤١ مترا ارتفاعا بالإضافة إلى أربعة أمتار أخرى في جزئها الأعلى (٢). ولكن باللو

стр. 2061

لم يتعرض إلى جامع سيدي بوجمعة الذي ذكره بروسلار ولا جامع أغادير. ولعلهما قد أصبحا عندئذ من الذكريات الأثرية فقط. وفي مراسلة مع يحيى بوعزيز أفادني أن الجامع الكبير في تلمسان قد شيد سنة ٥٣٠/ ١١٣٦ على يد علي بن يوسف بن تاشفين. وهو يضم قبة تتدلى منها ثريا ضخمة، وله منارة مثمنة الأضلاع ذات ٣٥ درجة من بناء يغمراسن الزياني، وقد نقلت الثريا إلى المتحف بعد تاكلها، غير أن ثريا أخرى تقع قرب السدة لها ٣٦٥ مشكاة جددها الفنان محمد بن قلفاط سنة ١٩٤٣. على أن السلطات الفرنسية قامت بالنسبة للجامع الكبير في تلمسان بما قامت به نحو الجامع الكبير بالعاصمة (وكلاهما يرجع إلى عصر واحد) فأحاطته بالمباني التي حجبته عن الأنظار، كما استولت على الأراضي التابعة له. أما جامع المشور فيرجع أيضا إلى عهد المرابطين أو إلى عهد الزيانيين، وقد حوله الفرنسيون إلى كنيسة ثم جعلوه مخزنا للمستشفى العسكري. وما تزال آثار الكنيسة به مثل الصلبان، رغم أنه رجع إلى حالته كمسجد منذ الاستقلال. أما مسجد العباد فيرجع إلى العهد المريني (بنى سنة ٧٣٩/ ١٣٣٩) وله منارة مربعة وفيه زخرفة، على محرابه وجدرانه نقوشں. وقد جدد الأمير عبد القادر منبره. وبالإضافة إلى ما ذكرنا من مساجد تلمسانية هناك التالية: مسجد إبراهيم المصمودي، وأولاد الإمام، وسيدي زكري، وسيدي إبراهيم الغريب، وأبي عبد الله الشريف، وسيدي عبد الله بن منصور، والشرفاء، وسيدي الحسن الراشدي (حوله الفرنسيون إلى مستوصف)، وسيدي البنا (١). وقد أكد أوغسطين بيرك الطابع الفني الأصيل لمساجد تلمسان وعلاقة ذلك بالفن الأندلسي، ولا سيما المنارات، وقال إن طابع مساجد تلمسان يجذب المؤمنين (المصلين) بالفن وغموض العصور الغابرة، بخلاف المنارة

стр. 2062

ذات الطراز التركي التي لها دور في التهدئة، لأنها في نظره حكومية وإدارية، وهي أقل حدة وصراخة من المنارات الأندلسية الطابع. واعترف بيرك أن (الفن العظيم قد اختفى). وكان بيرك يقارن بين العهد العربي - الإسلامي والعهد العثماني (التركي)، ولكنه سكت عن دور الاحتلال الفرنسي في اختفاء هذا الفن العظيم (١). ورغم كثرة مساجد تلمسان وبناياتها الدينية وجمالها، فإنها جميعا قد حرمت من أوقافها، وتعرضت بذلك للتلف والبلى إلا ما بقي يقاوم لسمعة صاحبه أو نحو ذلك، مثل جامع وضريح سيدي أبي مدين. وكم من زاوية ومسجد عفى عليها الزمن في مدينة تلمسان نفسها خلال الاحتلال الفرنسي، لا بفعل الفأس والمطرقة كما حدث في الجزائر وقسنطينة وبجاية، ولكن بفعل الإهمال والحرمان واغتصاب الأوقاف التي هي حق من حقوق المؤسسة الدينية والمواطنين. الزوايا في إقليم الوسط نذكر الآن مصير الزوايا والأضرحة والقباب وحدها في مدينة الجزائر وإقليمها، وننبه إلى أن الزاوية لا تستعمل بالمفهوم الديني وحده كما هو الشائع اليوم أو كما أصبح شائعا لدى بعض الطرق الصوفية (٢)، بل الزاوية كانت مؤسسة كاملة فيها السكن والطعام والملجأ والتعليم والعبادة. وكان بعضها يعتبر مدارس عليا لمواصلة التعليم الذي بدأه الفتيان في المكاتب أو المدارس القرآنية. ومن الزوايا ما هو خاص بفئة اجتماعية مثل الأشراف والأندلسيين. والزوايا في الريف تضيف إلى ذلك دورا اجتماعيا هاما، وهو الإصلاح بين الناس وتأمين الطرق ونحو ذلك. وقد عرفنا أن أساس الزاوية هو الرباط الذي قام على مبدإ الجهاد ونصرة الدين ورد الأعداء.

стр. 2063

وقد يفهم من الأضرحة والقباب أنها مجرد قبور لأصحابها. وهذا أيضا سوء فهم. لأن الأضرحة التي سنتحدت عنها والتي نعنيها اليوم كانت مؤسسات دينية واجتماعية ذات حجم كبير، وهي تضم حقا قبر الولي، ولكنها تضم أيضا مصلى ومساكن للوكيل والموظفين وجبانة لموتى المسلمين ومطاهر، ونحو ذلك. وسنرى أن بعض هذه الأضرحة استعملته السلطات العسكرية الفرنسية لأغراض مختلفة، ولكن اسم الزاوية واسم الضريح يختلطان أحيانا، لأن الزاوية تحتوي على الضريح والضريح يستلزم الزاوية لاستقبال وإيواء الزائرين. وقد عرف بعضهم الضريح (القبة) بأنه بناية تضم قبر الولي (المرابط) وأحيانا قبور بعض أسرته أيضا. وقبر الولي يكون عادة مرتفعا ومغطى بتابوت خشبي عليه أقمشة مذهبة وملونة حريرية وغيرها، ومحاطا بشباك، ومعلقا عليه مصباح شرقي الصنعة، وتكون الأعلام والرايات التي ترجع إلى الطريقة التي ينتمي إليها إن كان من أصحاب الطرق، معلقة عليه أو تتدلى منه. إضافة إلى غرفة خاصة بالوكيل الذي يسهر على الضريح ويجمع الزيارات والتبرعات، ويصون القبة والضريح بالزينة والإضاءة (١) ويوفر حاجاتها. وتعرضت الزوايا والأضرحة لما تعرضت له المساجد من الهدم والإهمال والتحويل عن مقصد الواقفين، واغتصبت السلطات الفرنسية أوقافها أيضا. وبذلك حرمت آلاف الموظفين والعلماء والفقراء من حقوقهم المشروعة، التي نصت عليها الأوقاف. وهذه البنايات الدينية كانت كثيرة وذات أحجام متنوعة ومواقع مختلفة. وقد تناولها عدد من الكتاب إحصاء ووصفا ومصيرا، بالنسبة لمدينة الجزائر. أما بالنسبة لغيرها فإن الوثائق شحيحة، ومصدرنا بالنسبة لمدينة الجزائر هو ديفوكس، وأوميرا، وروبير أساسا. وغرضنا ليس الإحصاء في حد ذاته، ولكن معرفة مصير البنايات الدينية. وسنحاول تقسيم ذلك إلى قسمين رئيسيين: الأول الزوايا المتعارف عليها أو التي ورد اسمها كذلك، ثم

стр. 2064

القباب أو الأضرحة والجبانات. الزوايا: ذكر السيد أوميرا سنة ١٨٩٨ حوالي خمس عشرة زاوية في مدينة الجزائر، وكلها قد اشتهرت بهذه التسمية (الزاوية)، وسنورد هنا هذه الزوايا وندعمها إذا أمكن بمعلومات أخرى استقيناها من غيره. ١ - زاوية القاضي: وكانت تقع في شارع باب عزون وزنقة كوربو. وكان مصيرها هو الهدم بحجة الصالح العام، سنة ١٨٥٧ (١). ويقول عنها ديفوكس إن القاضي المقصود هنا هو القاضي المالكي. وأنها كانت مسكنا للطلبة في العهد العثماني، ولها غرف صغيرة تكفي الضرورات، وقد كان مصيرها هو مصير جامع دار القاضي ومسجد الشماعين المجاورين لها. ويضيف ديفوكس أن الزاوية قد أدمجت بعد هدمها في المنازل الواقعة في زنقة كيليوباطرا (٢). ٢ - زاوية القشاش: وكانت تقع في شارع القناصل، وملاصقة للجامع الذي يحمل نفس الاسم (القشاش)، وكان مصيرها هو مصير الجامع المذكور، وكانت تضم مجموعة من الغرف، وكان بعض الناس يسمونها (وكالة) كما هو الحال في تونس، أي مبنى عموميا له أوقاف. وكانت ضخمة وتستعمل لإقامة العلماء والغرباء والطلبة الفقراء، وكان هؤلاء يحصلون فيها أيضا على الغذاء. وكانت زاوية القشاش ملجأ ومدرسة عليا. وممن نزلها قبل الاحتلال بسنوات قليلة الشيخ محمد بوراس الناصر المؤرخ والحافظ المعروف. وكان للزاوية أستاذ واحد على الأقل يدرس الفقه والتوحيد، وعشرة قراء يؤدون ما نصت عليه الوقفية من القراءات. وآخر وكيل كان مسؤولا على الزاوية هو محمد بن الجيلاني، والمعروف أن هذه المؤسسة (الجامع والزاوية) من أقدم المؤسسات الدينية. ويعتقد الباحثون أن قبر الشيخ القشاشں كان في إحدى الغرف السفلى للزاوية التي وقد حملت رقم ٣٥ من

стр. 2065

شارع القناصل في البداية. ثم كان مصيرها الاحتلال العسكري ثم الهدم، كما هو مذكور مع الجامع (١). ٣ - زاوية سيدي الجودي: قال أوميرا إنها كانت تقع في شارع تروا كولور، وأن لها مسجدا، وجبانة كبيرة عمومية. وقد هدمت الزاوية سنة ١٨٣٨ والجبانة سنة ١٨٤٠، وكانت الجبانة قد عطلت منذ الاحتلال. أما الزاوية فكانت تضم رفات الولي سيدي الجودي، وموقعها كان داخل المدينة من جهة باب الواد (٢). ٤ - زاوية الجامع الكبير: رغم قربها بل ملاصقتها للجامع الكبير فقد كانت مستقلة عنه، وكان لها مسجد صغير بدون منارة للصلاة يصلي فيه الطلبة والساكون بها. وكانت الزاوية عبارة عن مدرسة عليا ومسكن للعلماء والغرباء وملجأ للفقراء، وتتألف من طابقين من الغرف، ومطهرة عمومية وعيون جارية، بالإضافة إلى مساكن أخرى لعموم الناس. وإذا كان تاريخ الجامع الكبير يرجع إلى عهد المرابطين فإن بناء الزاوية يرجع إلى سنة ١٠٣٩ (١٦٢٩) بأمر من به الشيخ سعيد قدورة، عالم الجزائر ومفتيها في وقته والذي توارث أباؤه وأحفاده الخطابة والتدريس في الجامع الكبير، وكذلك توارثوا الوكالة عليه وعلى مكتبته الشهيرة. وقد بنيت الزاوية من فائض مداخيل الجامع الكبير. لكن الاحتلال الفرنسي أبى إلا أن يطفئ هذه الشمعة التي كانت تقدم التسهيلات للطلبة والعلماء من أجل البحث والدراسة. وإذا كان الفرنسيون قد انتظروا إلى سنة ١٨٤٣ ليستولوا على أوقاف الجامع الكبير وينفوا مفتيه الشيخ مصطفى الكبابطي،

стр. 2066

فإنهم لم ينتظروا كل ذلك بالنسبة لزاوية هذا الجامع. فمنذ ١٨٣٣ أعطوها لأحد المهاجرين الفرنسيين فحولها إلى حمامات فرنسية، وفي ١٨٤٠ تخلى عنها هذا الفرنسي وهدمت وضمت إلى ما حولها من المنشآت الجديدة (١). وبشأن زاوية الجامع الكبير قال أوميرا لقد تعودنا أن نرى المساجد هي التي تتبع الزوايا، أما بالنسبة للجامع الكبير فقد رأينا أن الزاوية هي التي تتبع الجامع. وكان موقعها في مقابلته وفي نفس الشارع (شارع البحرية). وبعد أن ذكر بشأنها ما ذكره زميله ديفوكس، قال أوميرا إن الزاوية لم تتخل عن وظيفتها بل استعملت كحمامات فرنسية بعد ١٨٤٠ (خلافا لما قال ديفوكس)، والجديد في نظره، هو أنه وقع بيعها بعد أن كانت مؤجرة (٢). ولا تسأل أين حقوق الجزائريين في هذه المؤسسة، تلك الحقوق التي نصت عليها وثائق الوقف. فالفرنسيون لم يكونوا مهتمين بذلك، رغم تعهداتهم المكتوبة سنة ١٨٣٠. ٥ - زاوية أحمد أيوب: وتعرف بزاوية يوب. وهي زاوية واسعة، وكانت كغيرها من الزوايا تستعمل للأغراض الاجتماعية والعلمية. وكانت تقع في شارع تروا كولور، ويتبعها مصلى وجبانة. وكانت وكالتها وراثية في عائلة الولي أيوب. وقد اعترفت السلطات الفرنسية بهذه الوراثة للعائلة، ولكن الزاوية مع ذلك خرجت من يد الوكيل بطرق أخرى غير شرعية. يقول ديفوكس إن الوكيل رضي بالتخلي عنها لفائدة بعض الأوروبيين. أما أوميرا فقد جاء برواية أخرى تبرر الاستيلاء غير الشرعي على هذه الزاوية الواسعة، وهي أن الوكيل كان قليل التعصب الديني، فرضي بأن يبيع الزاوية، زاوية أجداده، إلى الفرنسيين (٣).

стр. 2067

٦ - زاوية الشرفة (الأشراف): وهذه زاوية أخرى كان مصيرها يشبه مصير سابقتها. وكانت تقع في شارع الجنينة وزنقة بروس. ويرجع بناؤها إلى عهد الداي محمد بكداش (أوائل القرن الثامن عشر)، الذي أمر ببنائها تقربا إلى الأشراف ورجال الدين في الجزائر. وقد تحدثنا عنها في غير هذا. وكانت لها جبانة ومسجد وأرض وأوقاف، وكانت تضم مساكن ومطاهر ونحوها، مثل غيرها من الزوايا. ومنذ ١٨٣٢ طمع فيها الفرنسيون فعطلوها وبيعت بطريقة التحايل زاعمين أن وكيلها قد رضي بذلك. وهي في الواقع لا تخص شخصا بعينه ما دامت وقفا على الأشراف جميعا. ولم يكتف الفرنسيون بذلك بل صادروا الزاوية سنة ١٨٤١ واستولوا على أرضها وجبانتها وأوقافها، ثم هدموها ووسعوا بها، كما قالوا، مكاتب إدارة الداخلية - المدنية (١). وقد أضاف أوميرا معلقا على ما حدث للزاوية فقال (إن هذا يدل مرة أخرى على أن مسلمي الجزائر ليسوا متعصبين بالدرجة التي تقال عنهم). ولكنه أكد ما جاء في كتابة زميله، وقال إن مكانها تشغله الآن (سنة ١٨٩٨) مكاتب الحكومة العامة، عدا الجزء الذي سقط منها في الطريق العمومي سنة ١٨٤١ (٢). ٧ - زاوية سيدي ولي دادة: ويرجع تاريخ هذا الولي وأهميته إلى القرن العاشر الهجري وإلى معركة الجزائر سنة ١٥٤١، تلك المعركة الكبرى التي انهزم فيها الامبراطور شارلكان. وتعزو الأسطورة الشعبية إلى الولي داده أنه ببركته وكرامته ثارت عاصفة هوجاء أثناء المعركة أدت إلى هزيمة المعتدي (شارلكان)، ومن ثمة أنقذ الولي دادة الجزائر وأبقاها للإسلام بعد أن كادت تضيع كما ضاعت الأندلس. وقد حظيت زاوية الولي دادة بالتبرعات والزيارات، وهي تضم قبر الولي، ومسجدا وملجأ للعجزة

стр. 2068

والفقراء. وقد جاء في وثائق القرن ١٨ م أن ضريح وزاوية الولي كانت تقع بالقرب من الدار القنصلية الفرنسية (١). ويقول بلاكسلي (سنة ١٨٥٨) إنه كان لهذه الزاوية أوقاف هامة، منها مزرعة تقع على الضفة اليسرى لوادي الحراش (٢). وماذا فعلت السلطات الفرنسية مع هذه الزاوية؟ يقول ديفوكس إنها صادرتها، وبذلك أخرجتها عن غرضها الإسلامي والاجتماعي. وفي سنة ١٨٦٤ ألحقتها بمبنى (جمعية الرحمة) الكاثوليكية، أما رفات الولي دادة فقد نقلت من ضريحه هناك إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، وتصرفت السلطات الفرنسية فيما بقي من زاوية الولي دادة، فالملجا مثلا ألحق ببناية أخرى (٣)، أما الأوقاف الكثيرة التي كانت للزاوية وكانت معاشا للفقراء والعجزة فقد حولت إلى خزينة الدولة الفرنسية وذهبت في مهب الرياح في جيوب الفرنسيين، وكأنها ليست ملكا خاصا محددا بالشروط القانونية لأصحابه. والغريب أن أوميرا أهمل ذكر زاوية الولي دادة تماما، رغم أنه ذكر ما هو دونها في الأهمية. ٨ - زاوية المولى حسن: يقول عنها ديفوكس إنها كانت منزلا مخصصا لسكنى المسلمين غير المتزوجين، وإن السلطات الفرنسية قد عطلتها وحولتها عن غرضها منذ ١٨٤٠، ولكنه قال إنها ما تزال قائمة إلى وقته (١٨٧٤). أما أوميرا فقد حددها بقوله إلا كانت تقع في شارع الديوان، ثم أكد ما قاله زميله، ولكنه لم يصفها في وقته (١٨٩٨). ولعلها قد أدمجت في غيرها أيضا (٤). ٩ - زاوية الأندلس: لقد تأسست هذه الزاوية في القرن الحادي عشر

стр. 2069

(١٠٣٣/ ١٦٢٣) استجابة للنزوح الأندلسي نحو المغرب العربي، وقد كان العطف على الأندلسيين عندئذ يشبه العطف على الفلسطينيين اليوم، ولكنه في كلا الحالتين كان عطفا بدون قوة تدعمه، عطف الضعيف على الضعيف، لأن الدويلات المحلية كانت عاجزة، برغم قوة الجزائر الظاهرية، ولأن الدولة العثمانية كانت في حالة تدهور. كان لهذه الزاوية مسجد أيضا بنفس الاسم. وهو خاص بأهل الأندلس. وكانت الزاوية تقع في شارع بور، ولها أوقاف كثيرة وغنية، ووكيل يديرها، ومهمتها التضامن مع الأندلسيين وتقديم المساعدات للنازحين منهم أو من كان أصله من الأندلس. هذه الزاوية التي قاومت مدة قرنين تعاقب الحدثان لم تستطع أن تبقى في نظر الفرنسيين بضع سنوات بعد الاحتلال. وقالوا إنها تدهورت سنة ١٨٤٣ فأخلوها وعطلوها وتصرفوا فيها كما لو كانت ملكا لأجدادهم. كما اغتصبوا أوقافها. ويذهب ديفوكس الذي كان شاهدا على هذا التصرف والذي زكاه وباركه، إلى أن الحكومة الفرنسية استمرت في تقديم المساعدات للعائلات الأندلسية المستحقة (١). لكن من أين؟ وإلى متى؟ ألم يكن لهذه العائلات ما يكفيها من الأوقاف ويغنيها عن التسول من سلطات الاحتلال؟ وقد أكد أوميرا كلام زميله حول هذه الزاوية، ولكنه سكت عن المساعدات الفرنسية، لأنها بدون شك قد انقطعت في وقته. ١٠ - زاوية الشبارلية: ويطلق عليها أيضا زاوية شيخ البلاد وزاوية كتشاوة. وهي من آثار شيخ البلاد (رئيس البلدية) الحاج محمد خوجة المكتابجي سنة ١٢٠١ (١٧٨٦). وكانت تقع في شارع الكورون، وهذه الزاوية في الواقع ليست لولي من الأولياء مثل بعض الزوايا الأخرى، فهي مدرسة للعلم بكل معنى الكلمة، ولذلك كان فيها كل ما يهم الطلبة والمدرسين، من مسجد وغرف، ومطاهر. وقد أوقف عليها الحاج محمد بنفسه ثم أوقفت عليها زوجته (حيفة) بعد ذلك. وكان يشرف عليها وكيل

стр. 2070

سبل الخيرات. أما مصير هذه الزاوية - المدرسة، فهو التعطيل ثم الهدم. وبذلك حرم منها الطلبة والعلماء، واغتصبت أوقافها وأرضها ومسجدها. فقد استولى عليها أولا الجيش الفرنسي (الدرك)، ثم تخلى عنها بعد خمس سنوات إلى مكاتب بيت المال التابعة لمصلحة أملاك الدولة. وفي ١٨٤٠ حولت عن غرضها، وهدمت، ودخلت في بناءات ما سمي ببازار أورليان (١). وقد نقل السيد أوميرا كلام ديفوكس حول هذه الزاوية ولم يضف إليه جديدا. ١١ - زاوية أبي التقي: وتسمى أيضا زاوية شخطون، وهو اسم لأحد وكلائها (٢). أما أبو التقى فهو أحد الأولياء. وكانت تقع في شارع ليقل (النسر). ومنذ الاحتلال صودرت الزاوية أيضا وضمت إلى الثكنة المعروفة بالخراطين، ثم تحولت هي والثكنة إلى مستشفى عسكري. وفي أكتوبر ١٨٣٨ ألحقت الزاوية بالمستشفى المدني وكذلك الخزينة والبريد. وكان مصيرها هو الاختفاء تماما لأن المقاولين الذين مدوا الشارع قد جعلوا بقاياها تختفي فيه. والشارع المقصود هو شارع الجمهورية الذي يقول عنه أوميرا إن فتحه وتوسيعه (حتم) اختفاء الثكنة والزاوية معا (٣). ١٢ - زاوية سيدي أحمد بن عبد الله: وهي كغيرها من الزوايا القديمة وكانت تتألف من مسجد وجبانة وبيوت للعلماء والغرباء والطلبة. وأحمد بن عبد الله مثل الشيخ الثعالبي، كان يعتبر من العلماء وكان معاصرا له، وهو صاحب القصيدة المعروفة (بالمنظومة الجزائرية) في التوحيد، وكانت قصيدة مدروسة ومشروحة ومتداولة بين العلماء في الجزائر وغيرها، لمدة قرون. وكانت الزاوية في مدة الاحتلال تقع في شارع كوسيجا. وقد اغتصب الفرنسيون أوقافها الكثيرة وعطلوها عن وظيفتها منذ الاحتلال، وألحقوا جزءا
следующие страницы →