فإنهم لم ينتظروا كل ذلك بالنسبة لزاوية هذا الجامع. فمنذ ١٨٣٣ أعطوها لأحد المهاجرين الفرنسيين فحولها إلى حمامات فرنسية، وفي ١٨٤٠ تخلى عنها هذا الفرنسي وهدمت وضمت إلى ما حولها من المنشآت الجديدة (١).
وبشأن زاوية الجامع الكبير قال أوميرا لقد تعودنا أن نرى المساجد هي التي تتبع الزوايا، أما بالنسبة للجامع الكبير فقد رأينا أن الزاوية هي التي تتبع الجامع. وكان موقعها في مقابلته وفي نفس الشارع (شارع البحرية). وبعد أن ذكر بشأنها ما ذكره زميله ديفوكس، قال أوميرا إن الزاوية لم تتخل عن وظيفتها بل استعملت كحمامات فرنسية بعد ١٨٤٠ (خلافا لما قال ديفوكس)، والجديد في نظره، هو أنه وقع بيعها بعد أن كانت مؤجرة (٢). ولا تسأل أين حقوق الجزائريين في هذه المؤسسة، تلك الحقوق التي نصت عليها وثائق الوقف. فالفرنسيون لم يكونوا مهتمين بذلك، رغم تعهداتهم المكتوبة سنة ١٨٣٠.
٥ - زاوية أحمد أيوب: وتعرف بزاوية يوب. وهي زاوية واسعة، وكانت كغيرها من الزوايا تستعمل للأغراض الاجتماعية والعلمية. وكانت تقع في شارع تروا كولور، ويتبعها مصلى وجبانة. وكانت وكالتها وراثية في عائلة الولي أيوب. وقد اعترفت السلطات الفرنسية بهذه الوراثة للعائلة، ولكن الزاوية مع ذلك خرجت من يد الوكيل بطرق أخرى غير شرعية. يقول ديفوكس إن الوكيل رضي بالتخلي عنها لفائدة بعض الأوروبيين. أما أوميرا فقد جاء برواية أخرى تبرر الاستيلاء غير الشرعي على هذه الزاوية الواسعة، وهي أن الوكيل كان قليل التعصب الديني، فرضي بأن يبيع الزاوية، زاوية أجداده، إلى الفرنسيين (٣).
стр. 2067
٦ - زاوية الشرفة (الأشراف): وهذه زاوية أخرى كان مصيرها يشبه مصير سابقتها. وكانت تقع في شارع الجنينة وزنقة بروس. ويرجع بناؤها إلى عهد الداي محمد بكداش (أوائل القرن الثامن عشر)، الذي أمر ببنائها تقربا إلى الأشراف ورجال الدين في الجزائر. وقد تحدثنا عنها في غير هذا. وكانت لها جبانة ومسجد وأرض وأوقاف، وكانت تضم مساكن ومطاهر ونحوها، مثل غيرها من الزوايا. ومنذ ١٨٣٢ طمع فيها الفرنسيون فعطلوها وبيعت بطريقة التحايل زاعمين أن وكيلها قد رضي بذلك. وهي في الواقع لا تخص شخصا بعينه ما دامت وقفا على الأشراف جميعا. ولم يكتف الفرنسيون بذلك بل صادروا الزاوية سنة ١٨٤١ واستولوا على أرضها وجبانتها وأوقافها، ثم هدموها ووسعوا بها، كما قالوا، مكاتب إدارة الداخلية - المدنية (١). وقد أضاف أوميرا معلقا على ما حدث للزاوية فقال (إن هذا يدل مرة أخرى على أن مسلمي الجزائر ليسوا متعصبين بالدرجة التي تقال عنهم). ولكنه أكد ما جاء في كتابة زميله، وقال إن مكانها تشغله الآن (سنة ١٨٩٨) مكاتب الحكومة العامة، عدا الجزء الذي سقط منها في الطريق العمومي سنة ١٨٤١ (٢).
٧ - زاوية سيدي ولي دادة: ويرجع تاريخ هذا الولي وأهميته إلى القرن العاشر الهجري وإلى معركة الجزائر سنة ١٥٤١، تلك المعركة الكبرى التي انهزم فيها الامبراطور شارلكان. وتعزو الأسطورة الشعبية إلى الولي داده أنه ببركته وكرامته ثارت عاصفة هوجاء أثناء المعركة أدت إلى هزيمة المعتدي (شارلكان)، ومن ثمة أنقذ الولي دادة الجزائر وأبقاها للإسلام بعد أن كادت تضيع كما ضاعت الأندلس. وقد حظيت زاوية الولي دادة بالتبرعات والزيارات، وهي تضم قبر الولي، ومسجدا وملجأ للعجزة
стр. 2068
والفقراء. وقد جاء في وثائق القرن ١٨ م أن ضريح وزاوية الولي كانت تقع بالقرب من الدار القنصلية الفرنسية (١). ويقول بلاكسلي (سنة ١٨٥٨) إنه كان لهذه الزاوية أوقاف هامة، منها مزرعة تقع على الضفة اليسرى لوادي الحراش (٢).
وماذا فعلت السلطات الفرنسية مع هذه الزاوية؟ يقول ديفوكس إنها صادرتها، وبذلك أخرجتها عن غرضها الإسلامي والاجتماعي. وفي سنة ١٨٦٤ ألحقتها بمبنى (جمعية الرحمة) الكاثوليكية، أما رفات الولي دادة فقد نقلت من ضريحه هناك إلى زاوية الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، وتصرفت السلطات الفرنسية فيما بقي من زاوية الولي دادة، فالملجا مثلا ألحق ببناية أخرى (٣)، أما الأوقاف الكثيرة التي كانت للزاوية وكانت معاشا للفقراء والعجزة فقد حولت إلى خزينة الدولة الفرنسية وذهبت في مهب الرياح في جيوب الفرنسيين، وكأنها ليست ملكا خاصا محددا بالشروط القانونية لأصحابه. والغريب أن أوميرا أهمل ذكر زاوية الولي دادة تماما، رغم أنه ذكر ما هو دونها في الأهمية.
٨ - زاوية المولى حسن: يقول عنها ديفوكس إنها كانت منزلا مخصصا لسكنى المسلمين غير المتزوجين، وإن السلطات الفرنسية قد عطلتها وحولتها عن غرضها منذ ١٨٤٠، ولكنه قال إنها ما تزال قائمة إلى وقته (١٨٧٤). أما أوميرا فقد حددها بقوله إلا كانت تقع في شارع الديوان، ثم أكد ما قاله زميله، ولكنه لم يصفها في وقته (١٨٩٨). ولعلها قد أدمجت في غيرها أيضا (٤).
٩ - زاوية الأندلس: لقد تأسست هذه الزاوية في القرن الحادي عشر
стр. 2069
(١٠٣٣/ ١٦٢٣) استجابة للنزوح الأندلسي نحو المغرب العربي، وقد كان العطف على الأندلسيين عندئذ يشبه العطف على الفلسطينيين اليوم، ولكنه في كلا الحالتين كان عطفا بدون قوة تدعمه، عطف الضعيف على الضعيف، لأن الدويلات المحلية كانت عاجزة، برغم قوة الجزائر الظاهرية، ولأن الدولة العثمانية كانت في حالة تدهور. كان لهذه الزاوية مسجد أيضا بنفس الاسم. وهو خاص بأهل الأندلس. وكانت الزاوية تقع في شارع بور، ولها أوقاف كثيرة وغنية، ووكيل يديرها، ومهمتها التضامن مع الأندلسيين وتقديم المساعدات للنازحين منهم أو من كان أصله من الأندلس.
هذه الزاوية التي قاومت مدة قرنين تعاقب الحدثان لم تستطع أن تبقى في نظر الفرنسيين بضع سنوات بعد الاحتلال. وقالوا إنها تدهورت سنة ١٨٤٣ فأخلوها وعطلوها وتصرفوا فيها كما لو كانت ملكا لأجدادهم. كما اغتصبوا أوقافها. ويذهب ديفوكس الذي كان شاهدا على هذا التصرف والذي زكاه وباركه، إلى أن الحكومة الفرنسية استمرت في تقديم المساعدات للعائلات الأندلسية المستحقة (١). لكن من أين؟ وإلى متى؟ ألم يكن لهذه العائلات ما يكفيها من الأوقاف ويغنيها عن التسول من سلطات الاحتلال؟ وقد أكد أوميرا كلام زميله حول هذه الزاوية، ولكنه سكت عن المساعدات الفرنسية، لأنها بدون شك قد انقطعت في وقته.
١٠ - زاوية الشبارلية: ويطلق عليها أيضا زاوية شيخ البلاد وزاوية كتشاوة. وهي من آثار شيخ البلاد (رئيس البلدية) الحاج محمد خوجة المكتابجي سنة ١٢٠١ (١٧٨٦). وكانت تقع في شارع الكورون، وهذه الزاوية في الواقع ليست لولي من الأولياء مثل بعض الزوايا الأخرى، فهي مدرسة للعلم بكل معنى الكلمة، ولذلك كان فيها كل ما يهم الطلبة والمدرسين، من مسجد وغرف، ومطاهر. وقد أوقف عليها الحاج محمد بنفسه ثم أوقفت عليها زوجته (حيفة) بعد ذلك. وكان يشرف عليها وكيل
стр. 2070
سبل الخيرات. أما مصير هذه الزاوية - المدرسة، فهو التعطيل ثم الهدم. وبذلك حرم منها الطلبة والعلماء، واغتصبت أوقافها وأرضها ومسجدها. فقد استولى عليها أولا الجيش الفرنسي (الدرك)، ثم تخلى عنها بعد خمس سنوات إلى مكاتب بيت المال التابعة لمصلحة أملاك الدولة. وفي ١٨٤٠ حولت عن غرضها، وهدمت، ودخلت في بناءات ما سمي ببازار أورليان (١). وقد نقل السيد أوميرا كلام ديفوكس حول هذه الزاوية ولم يضف إليه جديدا.
١١ - زاوية أبي التقي: وتسمى أيضا زاوية شخطون، وهو اسم لأحد وكلائها (٢). أما أبو التقى فهو أحد الأولياء. وكانت تقع في شارع ليقل (النسر). ومنذ الاحتلال صودرت الزاوية أيضا وضمت إلى الثكنة المعروفة بالخراطين، ثم تحولت هي والثكنة إلى مستشفى عسكري. وفي أكتوبر ١٨٣٨ ألحقت الزاوية بالمستشفى المدني وكذلك الخزينة والبريد. وكان مصيرها هو الاختفاء تماما لأن المقاولين الذين مدوا الشارع قد جعلوا بقاياها تختفي فيه. والشارع المقصود هو شارع الجمهورية الذي يقول عنه أوميرا إن فتحه وتوسيعه (حتم) اختفاء الثكنة والزاوية معا (٣).
١٢ - زاوية سيدي أحمد بن عبد الله: وهي كغيرها من الزوايا القديمة وكانت تتألف من مسجد وجبانة وبيوت للعلماء والغرباء والطلبة. وأحمد بن عبد الله مثل الشيخ الثعالبي، كان يعتبر من العلماء وكان معاصرا له، وهو صاحب القصيدة المعروفة (بالمنظومة الجزائرية) في التوحيد، وكانت قصيدة مدروسة ومشروحة ومتداولة بين العلماء في الجزائر وغيرها، لمدة قرون. وكانت الزاوية في مدة الاحتلال تقع في شارع كوسيجا. وقد اغتصب الفرنسيون أوقافها الكثيرة وعطلوها عن وظيفتها منذ الاحتلال، وألحقوا جزءا
стр. 2071
منها بالشارع المجاور الذي أحدثوه، أما الجزء الباقي فقد جعلوه مدرسة عربية - فرنسية (١)، ولو تركوها جميعا تؤدي وظيفتها في التعليم لكان خيرا للمسلمين. وقد ذكر السيد أشيل روبير (١٩١٨) أنها قد هدمت، ولا ندري متى.
١٣ - زاوية سيدي السعيد: ليس هناك وصف لهذه الزاوية فيما كتبه ديفوكس، ولم يذكرها أوميرا. ويقول الأول إن مصير الزاوية كان هو مصير جامع ابن شكور (شاكر؟). فإذا عدنا إلى هذا الجامع نجده قد قال عنه إنه احتل من قبل الجيش ونزل به الدرك وأصبح ثكنة مدة طويلة. أما زمن الكتابة (١٨٧٤) فقد أصبح الجامع، وكذلك الزاوية، تابعين للبناية المخصصة لمدرسة البنات المسلمات (٢). وقد كنا أشرنا إلى أن هذه التسمية خاطئة أو مضللة لأن المؤسسة تصبح عبارة عن ورشة فرنسية تابعة (للدومين) وليست تابعة للمسلمين. ومن ثمة فإن المسؤولين على هذه الورشة (لتعليم الطرز والخياطة واللغة الفرنسية) كن نساء فرنسيات متطوعات أو معينات.
١٤ - زاوية سيدي عبد المولى: كانت هذه الزاوية كغيرها تتبعها بنايات إضافية كالجبانة. وقد استغلها الفرنسيون في البداية دون أن نعرف، في أي شيء، ولكن استيلاءهم على أوقافها وضمها إلى مصلحة أملاك الدولة، جعلها تتدهور وتؤول للسقوط. وقد ذكر ديفوكس أنهم أهملوها سنة ١٨٤٠ بسبب حالتها، ثم هدمت ودخلت في البيوت المجاورة لها (٣). أما أوميرا فلم يذكر هذه الزاوية.
١٥ - زاوية سيدي محمد الشريف: هذه من الزوايا التي بقيت
стр. 2072
للمسلمين، لكنها تعرضت إلى تعديل وتغيير وتعطيل أيضا. كانت من الزوايا الكبيرة في العاصمة. وكانت تتألف من باحة واسعة، فيها مجموعة من القبور، ومن مطهرة وميضآت، ومن غرفة (قبة) مربعة ومزينة بالأعلام تحتوي على ضريح سيدي محمد الشريف، والضريح مغطى بتابوت غير مزخرف، حسب رواية ديفوكس. وتضم الزاوية مسجدا بمنارة (١) ودهليزا فيه قبور أخرى، وغرفة أخرى فيها ضريح ولد سيدي محمد الشريف، وهي في نفس الوقت مقر لوكيل الزاوية، كما تضم جبانة عمومية، ومدرسة حديثة البناء، ثم ثلاث غرف للسكنى. وتاريخ وفاة سيدي محمد الشريف هو ٩٤٨ (١٥٤٢).
أما مصير هذه الزاوية فقد رواه ديفوكس وغيره كما يلي: منعت السلطات الفرنسية الدفن في جبانة سيدي محمد الشريف سنة ١٨٣٠، هكذا تعسفا وبدون مبرر، بطريقة مخالفة لما هو في وثائق الواقف. ورغم أن هذه السلطات قد أبقت الزاوية في يد المسلمين إلا أنها أغلقتها سنة ١٨٣٠، ثم أعادتها بعد أن رممتها وبنت إزاءها مدرسة، ولكن هذه المدرسة هدمت أيضا سنة ١٨٥٥ بدعوى توسيع الزاوية (٢). ونستنتج من ذلك أنه قد وقع العبث بهذه الزاوية من قبل السلطات الفرنسية، فمن جهة أغلقتها ومنعت الدفن فيها، ثم استولت على أوقافها، ثم عادت لأسباب سياسية (ترضية فئة الأشراف (٣)) فرممتها وبنت إزاءها مدرسة ثم هدمتها ووسعت الزاوية، ولا نظن أن هذه الزاوية قد احتفظت بكل عقاراتها
стр. 2073
ومساحتها رغم بقائها بيد المسلمين.
١٦ - زاوية سيدي أحمد العباسي: وهو أبو العباس أحمد بن سالم العباسي الشرق. وترجع إلى القرن العاشر الهجري (٩٢٥/ ١٥٢٠). وتعرف أيضا بزاوية سيدي عيسى بن الحسن (بلحسن)، وقد وقع لهذه الزاوية ما وقع لشقيقتها (١). فقد زعم بعض الكتاب أن السلطات الفرنسية قد (اعترفت) بالزاوية ملكية خاصة لأسرة الشيخ العباسي. وقامت بتمليكها لها، نعم هكذا! وكأن القرون السابقة والوثائق لا تكفي لتملك هذه العائلة الشريفة فظلت تنتظر السلطات الفرنسية لتعترف لها بتراث أجدادها. وقد أضاف هؤلاء الكتاب فقالوا إن العائلة باعتها إلى أحد الفرنسيين بعد ثبوت ملكيتها. هكذا أيضا! ثم قام هذا الفرنسي بهدمها وتصرف فيها بالبناء ودخلت بعد ذلك في المنازل المجاورة لها. وكانت هذه الزاوية تقع في شارع التمر (دي دات) وكانت تتبعها جبانة وغيرها من مستلزمات الزوايا.
ولا ندري كيف تصرف الشاري الفرنسي مع هذا التراث الإسلامي. وقد أكد أوميرا كلام زميله واستغرب كيف تم البيع رغم أن البائع مسلم. ولكن ديفوكس علق على عملية البيع بقوله إن المسلمين إذا اعترف لهم بالحق فإنهم لا يترددون عن بيع ما يرجع إليهم من بنايات مخصصة للدفن أو للصلاة إلى الفرنسيين، مضحين بتقاليدهم الدينية من أجل مصالحهم (الدنيوية؟)، ورد ديفوكس على من انتقد الحكومة الفرنسية على استيلائها على أملاك المسلمين بقوله: إن على المرء ألا يكون مسلما أكثر من المسلمين أنفسهم! ونحن بدورنا نتساءل ما المصلحة التي تجعل المسلم يبيع زاوية عائلته وضريح جده إلى فرنسي؟ لا بد أن يكون هناك سر سكت عنه ديفوكس وأوميرا، إذا كانت عملية البيع هذه صحيحة فعلا.
١٧ - زاوية سيدي الرحمن الثعالبي: وتعتبر من أهم الزوايا خلال العهد
стр. 2074
العثماني وقد بقيت كذلك زمن الاحتلال أيضا. ولا ندري التطورات التي خضعت لها، سيما بعد إقامة (حديقة مرنقو) بجوارها وهدم العديد من المساجد والقباب والجبانات القريبة منها والتي أصبحت داخلة في الليسي الذي أصبح اليوم ثانوية الأمير عبد القادر. إن هذه الظروف لا تتحدث عنها المصادر الفرنسية. ولكن زاوية الشيخ الثعالبي بقيت على أية حال. وقد زارها أوميرا سنة ١٨٩٨، وعاصر ديفوكس الأحداث التي ذكرناها أيضا، وهو الذي وصف أوقافها ذات الثروة الهائلة التي استولى عليها الفرنسيون وأدخلوها في مصلحة أملاك الدولة. وقد بقي للزاوية وكيل ولكنه أصبح فقيرا معدما بعد أن حرم من مدخول الوقف، وكان اسمه أحمد بن محمد. فقد كتب أحمد هذا شكوى إلى الحاكم العام، ذاكرا أوقاف الزاوية واستيلاء السلطات عليها، ومذكرا له بأن غلة (ريع) الأحباس كانت تصرف في إطعام الطعام للفقراء والمساكين في كل ليلة جمعة وفي المواسم، وكذلك في صيانة المسجد وأجور الإمام والحزابين، وغير ذلك. وقال هذا الوكيل المسكين في شكواه إنه ذهب كالعادة إلى مصلحة الدومين لتعطيه النصيب الذي قرروه له، فامتنعوا، (فضاق علي الحال، ولم يمكني إلا أن نشتكي حالي إليك، لأني لم أقبض شهريتي ثلاثة أشهر) (١).
كانت زاوية الشيخ الثعالبي، تضم مجموعة من المصالح، مسجد بمنارة مربعة ومزينة بالزليج الملون، وقبة ضخمة تضم عدة أضرحة، أهمها ضريح الشيخ الثعالبي، وجبانة ومساكن، وميضات وغرفا للموظفين، ومطاهر (٢). ومن الذين دفنوا في جبانة الثعالبي، الحاج أحمد، باي
стр. 2075
قسنطينة، وبعض أفراد عائلة حمدان خوجة. ولم تكن زاوية الشيخ الثعالبي مشهورة بالتعليم في العهد العثماني. ولكن الفرنسيين أنشأوا إزاءها مدرسة رسمية لتخريج القضاة، سموها (الثعالبية) ..
١٨ - زاوية سيدي يعقوب: وكانت تقع خارج باب الواد في الجزء الشمالي منه وتتبعها أيضا جبانة وقبة خاصة بسيدي يعقوب. وكان مصير هذه الزاوية التي لا نعرف حجمها ولا دورها، هو الاحتلال العسكري، منذ ١٨٣٠. فقد احتلها الجيش الفرنسي واستعملها لأغراضه. ويقول أوميرا إنها اليوم تشكل ملحقة سالبتريير (١) Salptriere . وكانت للزاوية أوقافها وهي تتمثل في ستة حوانيت وبستان وضيعة. ويضيف كلاين أنها تعرف أيضا بمرابط الزيتونة. وأن السلطات العسكرية سلمتها إلى مدينة الجزائر في مارس، ١٨٦٥، وأن أقواسها العربية الجميلة والأصيلة قد اختفت سنة ١٩١٠، بينما شيدت في مكانها دار جديدة، أي أن الزاوية قد هدمت.
١٩ - زاوية سيدي عمار التنسي: هذه الزاوية كانت تقع في الجزء الأسفل من المدينة لكن فوق مدخل باب الواد، وهي تتألف من مسجد بدون منارة، وقبة لضريح الولي. وكان لها وكيل وأوقاف. لكن الدرك الفرنسي احتلها منذ ١٨٣١، وحولها إلى ثكنة عسكرية. وظل أمرها كذلك إلى أن هدمت وضمت أرضها إلى الأرض التي بنى عليها ليسي بوجو (الأمير حاليا) (٢).
٢٠ - زاوية جامع الصباغين: وتسمى أيضا زاوية المقايسية. وكانت تقع تحت الأقواس بساحة الحكومة (الشهداء حاليا) ولكنها هدمت مع المسجد الذي يحمل نفس الاسم (جامع المقايسية - انظره).
٢١ - زاوية جامع السيدة: وقد هدمت أيضا، مع الجامع الذي يحمل نفس الاسم، منذ ١٨٣٠ ودخلت في ساحة الحكومة (انظر جامع السيدة).
...
стр. 2076
لا يعني هذا أننا أتينا على كل الزوايا التي تصرف فيها الفرنسيون بعد الاحتلال في العاصمة (١). ولكننا حاولنا أن نذكر تلك التي تأثرت بالهدم والتعطيل والتحويل ونحو ذلك نتيجة استيلاء السلطات الفرنسية عليها واغتصاب أوقافها. وقد رأينا أن تعطيل الزوايا أو هدمها أدى إلى البؤس الاجتماعي والجفاف العلمي. كما فقدت البلاد معالم أثرية - حضارية كانت تدل على التراث العمراني الذي هو ملك للأجيال.
وقد وجدت الزوايا أيضا في سهل متيجة والمدن الوسطى كالبليدة والمدية وشرشال ومليانة، ولكن الزوايا خارج المدن لم تتضرر كثيرا بالهدم والتعطيل. ومع ذلك هدم بعضها نتيجة الحروب والانتفاضات. ومنها زاوية سيدي محمد بن عبد الرحمن - بوقبرين - التي تعرضت للهدم مرتين. الأولى في آيت إسماعيل أثناء الثورة التي قادها الحاج عمر سنة ١٨٥٧ والتي كانت نهايتها احتلال زواوة. والمرة الثانية كانت على إثر ثورة ١٨٧١ التي تزعمها الشيخ محمد أمزيان الحداد، شيخ الرحمانية عندئذ في صدوق.
ويقول ليونار بارليت: إن (آيت) بني إسماعيل ظلوا على ثورتهم بين ١٨٥٧ و ١٨٧١. ففي هذه السنة أعلن الشيخ محمد الجعدي الجهاد في آيت مرجة عند قبة سيدي محمد بن عبد الرحمن، وكان محمد بن الحاج بلقاسم، أمين أمناء بني إسماعيل، قد شارك بقسط وافر في هذه الثورة. ولذلك كان
стр. 2077
أول قرار اتخذه الجنرال سيريز هو غلق جامع سيدي محمد بن عبد الرحمن ومنع أي تجمع فيه وأي زيارة له. وقال بارليت إن الولاية قد أكدت هذا المنع والغلق سنة ١٨٧٤ أيضا، وأن ذلك القرار بقي ساري المفعول إلى سنة ١٩١٣. ولكن بارليت لا يذكر أن السلطات العسكرية قامت أيضا بتخريب الزاوية عن آخرها سنة ١٨٧١ (زاوية صدوق) ونفت رجالها إلى كايان وكاليدونيا الجديدة وحكمت عليهم بالغرامات الثقيلة واستولت على أراضيهم. ومن جهة أخرى قسمت السلطات الفرنسية بني إسماعيل إلى قسمين انتقاما منهم سنة ١٨٩٣ (دوار بونوح، ودوار أنيسمان). وكانت قد أطلقت العنان للمبشرين (الآباء والأخوات البيض) على أرض بني إسماعيل، بين سنوات ١٨٧٩ و ١٨٨٥ (١).
وهناك زاويتان أخريان تعرضتا للهدم والتدمير في زواوة. الأولى هي زاوية محمد (أمحند) الحاج الواقعة في قرية باجو، ببني وغليس. وكان مصيرها الانقراض مع أوائل الاحتلال.
أما الثانية فهي زاوية تيزي راشد المعروفة باسم زاوية الحسين بن أعراب، وكان ذلك نتيجة لثورة ١٨٧١. وهذه الزاوية كان لها سمعة كبيرة في نشر التعليم، خلال القرن ١٨ م. وقد ذكرناها في غير هذا. وقد توقف نشاطها منذ الاحتلال وانقرضت بعد الثورة المذكورة. وممن تخرج منها قديما مؤسس الطريقة الرحمانية (سيدي محمد بن عبد الرحمن) والسعيد بن أبي داود مؤسس زاوية تاسلنت (آقبو) (٢). ولكن زوايا زواوة، كغيرها من زوايا الوطن، قد تعرضت للمراقبة الشديدة والتدخل السافر في شؤونها الداخلية، وفي منهج تعليمها والحد من نشاطها الديني والاجتماعي، بالإضافة إلى الاستيلاء على أوقافها. وفي ذلك كله ضرر كبير وإلغاء
стр. 2078
لدورها في التاريخ. ولكن ذلك تصادف مع حاجة الاحتلال إلى الزوايا وشيوخها ضد رجال السيف والخيام (العائلات الكبيرة). ومن ثمة وقع نوع من التقارب المؤقت بين شيوخ الزوايا والسلطات إلى نهاية الثمانينات تقريبا (١).
وهناك ملاحظة أخرى نذكرها بخصوص الزوايا خارج المدن، وهي أنها بقيت (مستقلة) بمرابطيها وورثة صلحائها إلى ما بعد ١٨٧٠. فبعد هذا التاريخ بدا للفرنسيين أن الزمن قد حان لتشجيع الزواي على حساب الأجواد أو رجال السيف والبارود أو الاعتماد على المرابطين بدل أهل السلطة. ولذلك أخذ الفرنسيون يتغاضون عن انتشار الزوايا والتكثير منها، كما لاحظنا في الطرق الصوفية، ولكن الموقف المالي منها بقي هو هو لم يتغير. فقد استولى الفرنسيون على أوقاف هذه الزوايا، وأبقوا مع ذلك على حق الزيارات بشرط الولاء لفرنسا وتقديم الخدمات لها عند الثورات.
الأضرحة في إقليم الوسط
وإذا رجعنا إلى الحديث عن القباب أو الأضرحة فإننا هنا أمام عدد هائل منها، سواء في مدينة الجزائر أو غيرها. فعبارة (قبة سيدي فلان) أو (ضريح الباشا فلان) كثيرة في الجزائر عموما، وفي العاصمة على الخصوص. كما أن المقابر أو الجبانات متعددة، سواء تلك التي كانت تتخذ طابعا عاما أو تلك الداخلة في أرض تابعة لولي من الأولياء.
وليس من غرضنا هنا أن نأتي على قائمة طويلة من القباب، ولكن غرضنا يتمثل في شيئين: كون هذه البنايات ذات طابع ديني وعمراني - حضاري، وكون أوقافها اغتصبتها السلطة الفرنسية، وهي من أموال وأملاك
стр. 2079
المسلمين. ولذلك فإنا سنكتفي بذكر ما علمنا أنه هدم أو حول عن غرضه الإسلامي. أما ذلك الذي بقي قائما ولو في حالة متدنية، فإننا لن نذكره هنا سواء في العاصمة أو في غيرها. كما أننا سنحاول عدم إعطاء كل التفاصيل حول كل بناية، إلا إذا رأينا ذلك ضروريا وفيه فائدة عامة. ويجب أن نلاحظ أيضا أن بعض الكتاب لم يذكر كل التفاصيل عن كل بناية، مع اختلاف أزمنة الكتابة. فهذا مثله أشيل روبير الذي نشر بحثه سنة ١٩١٨ لم يذكر من الثماني عشرة قبة التي جاء بها سوى عدد قليل قال عنه إنه هدم. بينما الذين سبقوه بفترة طويلة ذكروا أن بعضها قد هدم. ومن ذلك:
١ - قبة بنت جعفر الكتانية: وهي من القباب التي قال عنها ديفوكس إن معاول الحضارة قد هدمتها. وكانت ضمن مقبرة باب الواد التي أزالها الفرنسيون منذ أوائل الاحتلال والتي ضاعت معها معالم وكتابات تاريخية هامة. ولهذه القبة أوقاف تتمثل في حانوت الخ.
٢ - قبة سيدي محمد النشا: نفس الملاحظات السالفة عن المكان ومناسبة إزالة القبة. فالقبة كانت خارج باب الواد، تحت زاوية الشيخ الثعالبي. وكان لهذه القبة أوقاف تتمثل في ضيعة وحانوتين، الخ.
٣ - قبة الحاج باشا: حدث لها نفس المصير، وكان مكانها خارج باب الواد. ومن أوقافها ثلاثة حوانيت. وقد رجح ديفوكس أن (الحاج باشا) هو الذي حكم بالنيابة سنة ١٥٤٣ بعد حسن آغا الذي حارب ضد حملة شارلكان (١٥٤١)، وكان الحاج باشا من الذين ذكرهم هايدو الإسباني، وقد توفي بالحمى عن ٨٠ سنة، وكان حسب هايدو، حاكما محبوبا ومحترما. وفي كلاين أخبار أخرى عن هذه القبة. فقد استولى عليها الجنود سنة ١٨٣٣، ثم سلموها إلى الدومين سنة ١٨٤٨. وفي هذه السنة استولت عليها الكنيسة ووظفتها للحلقة (السمينار) الكبيرة. والغريب أن كلاين يذكر أن عرب المنطقة طلبوا المرابط (الرفات؟) سنة ١٨٤٦ فأعطى لهم. ويبدو أن الأرض هناك كانت لعائلة عبد اللطيف الشهيرة.
стр. 2080
٤ - قبة حسن باشا: وتصفها الوقفية بأنها قريبة من ضريح الشيخ الزراد، وأنها خارج باب الواد. وقد خضعت قبة حسن باشا لما خضعت له القباب السابقة من الإزالة عن طريق العنف. ولم يستطع ديفوكس تحديد من هو هذا الباشا لأن أسماء الحسن والحسين كثيرة في الباشوات.
٥ - قبة (ضريح) الشيخ الزراد: ليس هناك معلومات عنها عدا ما ذكر في رقم ٤، وقد أزيلت القبة بنفس الطريقة السابقة، وهي العنف.
٦ - قبة سيدي الياقوت: وكانت لها وقفية ترجع إلى سنة ١١٣٠ (١٧١٨). وتقع القبة أيضا خارج باب الواد. وحصل لها ما حصل لسابقاتها.
٧ - قبة سيدي الكتاني: أثبتتها الأخبار الشفوية، والتقاليد، حسب تعبير ديفوكس، أي لم يجد بشأنها وثائق مكتوبة كالوقفيات. وهي قبة كانت على حافة البحر. وقد كد أوميرا أن مصيرها هو مصير القباب الست السابقة (١). ولعل نادي الكتاني اليوم يشير إلى هذه الخلفية التاريخية.
٨ - قبة سيدي المسعود: قال ديفوكس إن الناس في وقته أهملوها ولم يعد يذكرها أحد إلا رجل واحد من الجزائريين أكد له أنها كانت للشيخ سيدي المسعود، وأنها الآن (حوالي ١٨٧٠) لصهر ديفوكس واسمه (جيلي Geylers)، والذي كان يعمل في الأشغال العامة بالعاصمة (٢). وقد أكد أوميرا ذلك، فقال إن القبة عطلت واشتراها فرنسي يدعى (جيلي) وهو مقاول، فحولها إلى دار سكناه (٣).
стр. 2081
٩ - قبة سيدي السعدي: وكانت تابعة للجامع الذي يحمل نفس الاسم، وقد تحدثنا عنه في المساجد. أما القبة فقال عنها ديفوكس إنها ما تزال قائمة في وقته. وكانت تضم ضريح الشيخ سيدي السعدي (المقدس جدا) عند الأهالي. وكان الضريح مغطى بتابوت مزين بالأعلام، وكان الشيخ حيا سنة ١١١٩ (١٧٠٧)(١). وكان حفيد هذا الشيخ هو الذي تولى للأمير عبد القادر على زواوة وحارب الفرنسيين بلا هوادة.
١٠ - قبة المرابط الطبيب: وقد هدمها الفرنسيون، وهي فيما يقال قبة بناها أحد الدايات لطبيب كان يعالجه. وبعد هدم القبة حملت الكتابة التي كانت عليها إلى المتحف، وحملت الرفات إلى حديقة مارنقو، حيث قبة صغيرة مفتوحة الجوانب الأربعة في المكان المسمى عندهم (بوسكي دي لارين). ويذكر ديفوكس أن إحدى العائلات في الجزائر تسمى ابن الطبيب (٢).
١١ - قبة سيدي سالم: استولت عليها السلطات العسكرية منذ الاحتلال، وبقيت كذلك إلى أوائل الستينات حين ضمت إلى أرض الليسيه.
١٢ - ملجأ بو طويل: استولت عليه أيضا- السلطات العسكرية منذ ١٨٣٠ وبقي عند فرقة المدفعية فترة طويلة. وحين زار نابليون الجزائر سنة ١٨٦٠ خصص المبنى وكذلك جامع المصلى القريب منه لتكريم فرسان الامبراطور، وسماه الفرنسيون بعد ذلك جناح المائة حارس، وكتبوا عليه ذلك بخط أسود بارز على بياض ناصع. ولكن هذا الملجأ كان ضحية أخرى من ضحايا الليسيه الفرنسي فقد هدم لصالحه (٣).
стр. 2082
١٣ - قبة سيدي هلال: هذا الضريح أو القبة أهانها الفرنسيون إهانة جديدة، بوضع بيت العاهرات قربها. وبعد أن كان المكان مقدسا كما يقول ديفوكس وكان يعج بالزائرين للقبة، هجرها المسلمون كما هجروا الحي كله. وكان وضع العاهرات قربها قد جرى لمدة طويلة بين ١٨٣٢ - ١٨٥٣. وشهد هذا المؤلف مناظر مزعجة كانت تبعث على الغثيان، بل إنها مناظر دموية، كما قال، كانت تجري عند جدران قبة سيدي هلال. ولم يؤرخ للضريح ولكنه قال إنه يرجع إلى زمن قديم. ومع ذلك فقد ذكر أن له وكيلا خلال الستينات (بعد أن تحول عنه بيت العاهرات؟) يدعى عبدالرزاق بن بسيط الذي تتوارث عائلته هذا المنصب (١).
١٤ - قبة سيدي علي الفاسي: وهو من الأولياء المشاهير، وقد جاء ذكره في الأدب الشعبي منذ القرن ١٨ م، كما في الأنشودة التي نشرها فانتور دي بارادي (انظر سابقا). وادعى الفرنسيون أنه أثناء بناء إحدى الدور أصبحت القبة مهددة فحملت رفات الولي الفاسي إلى زاوية العباسي سنة ١٨٤١، بعد أن اختار له المفتي ذلك المكان (؟). وفي ١٨٤٢ سلم مكان القبة إلى صاحب الدار الفرنسي ليتوسع في البناء على حساب الولي الصالح. وآخر وكيل لضريح الشيخ الفاسي، وهو أحمد بن الصفار، كان الداي حسن باشا قد عينه سنة ١٧٩١ (٢).
١٥ - مطاهر (ميضات): كانت تقع في باب عزون، قرب جامع خضر باشا. وقد ألحقها الفرنسيون سنة ١٨٣٦ بثكنة عسكرية تسمى (البارك)، وبعد ثلاث سنوات ألغيت المطاهر وحولت عن أصلها (٣).
١٦ - قبة سيدي منصور: وتذهب بعض الوثائق إلى أن سيدي منصور قد توفي سنة ١٠٥٤ (١٦٤٤). وهذه القبة قد هدمها الفرنسيون سنة ١٨٤٦.
стр. 2083
وحتى يضحك الفرنسيون على مشاعر المسلمين نشرت جريدة الأخبار في عدد ٣٠ ديسمبر ١٨٤٥، خبرا قالت فيه إن السلطات قد اتخذت إجراءات لنقل رفات سيدي منصور وأفراد عائلته من القبة إلى زاوية الشيخ الثعالبي. وقال الإخبر إن الرفات قد حملتها كوكبة من جنود الزواف (١). ومشى خلفهم حوالي أربعين من المسلمين. والملاحظ أن الجريدة قالت إن الرفات ستظل في زاوية الشيخ الثعالبي (مؤقتا). وكان سيدي منصور يسكن في دكانه فمات فيه وقبر هناك، وله عند نقل رفاته حوالي ثلاثة قرون. وكانت له أوقاف عظيمة لشهرته بين الناس (٢).
١٧ - قبة سيدي محمد بن خليفة: وكانت تقع غير بعيدة من قبة ومسجد سيدي السعدي، واختفت أيضا لفائدة الليسيه الفرنسي منذ الستينات (٣).
١٨ - قبة سيدي أبي التقى (بتقة): وهي قبة للفقراء والمرضى والعجزة. ويرجح أن سيدي أبا التقى كان معاصرا لحملة شارلكان على الجزائر سنة ١٥٤١، وكانت تقع على يمين باب عزون على حافة البحر. وكان يديرها (بيت المال) باعتبارها من المؤسسات الخيرية العامة، ولها أوقاف عامة وأخرى من بيت المال. وكان لها بالإضافة إلى ذلك حمامات وجبانة وميضات عمومية. ومنذ أوئل الاحتلال احتلتها على التوالي فرقة الهندسة العسكرية ثم الأشغال العمومية. وبين ١٨٤٢ و ١٨٥٤ سلمتها السلطات الفرنسية على التوالي لتكون سوقا للزيت ثم سوقا للحبوب، وقد قاومت مع ذلك، ولم تسقط نهائيا، كما قالوا، إلا أثناء عمليات بناء ساحة نابليون وشارع قسنطينة (٤).
стр. 2084
١٩ - قبة سيدي بوحمى: وهي مسماة على رجل كان قد اشتهر بالمداواة من الحمى، وكانت تقع في مواجهة دار الصابون. وينطقه العامة سيدي بوحمه. ومصير هذه القبة هو الهدم ودخولها في الطريق العمومي (١).
٢٠ - قبة لاله تسعديت: حدث لها ما حدث لما قبلها.
٢١ - قبة سيدي عبد الحق: كانت خارج باب عزون، ويتبعها جامع صغير وزاوية وجبانة. ودخلت أيضا في الطريق العام بعد هدمها.
٢٢ - قبة سيدي عيسى (زاوية): وهي ترجع على الأقل إلى القرن الحادي عشر الهجري. احتلها الجيش الفرنسي. وما تزال إلى سنة (١٨٧٠) تحت يده.
٢٣ - قبة سيدي علي الزواوي: ومعها جامع صغير وجبانة. وكانت أيضا خارج باب عزون، وتديرها عائلة بوخدمي. وفيها مياه جارية يعتقد الناس أنها تبرئ من الحمى، وتخصب العقيمات، وتحافظ على أمانة الزوجين. وقد استفاد الوكلاء من ذلك لكثرة من يتردد على الماء فيها، لكن السلطات الفرنسية بادرت إلى هدمها دون أن نعرف متى ذلك، وكانت القبة تقع بين شارعي روفيقو وايزلي (٢).
٢٤ - قبة سيدي عبد القادر: كانت تعرف بنخلة شهيرة، قالت المصادر الفرنسية إن الريح أسقطتها (النخلة) سنة ١٨٦٥. أما القبة نفسها فقد هدمها الفرنسيون سنة ١٨٦٦ لفتح طريق عمومي، وهو طريق قسنطينة. وكانت النساء المسلمات متعلقات بهذه القبة كثيرا ويعتقدن في الماء الجاري هناك عقائد خرافية كالبرء من بعض الأمراض، وطلب الحمل، وطرد الأرواح الشريرة. وكانت في هذه القبة بئر يعقد العامة أن سيدي عبد القادر الجيلاني حفرها عندما زار الجزائر (!) ورغم أنه غير مدفون
стр. 2085
في هذه القبة، إذ هو دفين بغداد، فإن في القبة ضريحا مغطى بتابوت كانت عليه الرايات والأعلام من كل صنف ولون. وقول ديفوكس إن العامة كانوا يأتون إلى قرب هذ التابوت ويجلسون على ركبهم ويدعون الله ويستغيثون بالشيخ. ولا تذكر الوثائق تاريخ بناء هذه القبة لكن تاريخ تجديدها يرجع فقط إلى سنة ١٢٢٣ (١٨٠٨) على يد الداي أحمد باشا (١). وقد قال أوميرا إنه كان على فرنسا أن تبقى على القبة لأن معظم البلاد الإسلامية فيها قباب لهذا الولي.
٢٥ - قبة سيدي صاحب الطريق: وهي لشخص مجهول ذكرته الوقفية التي ترجع إلى سنة ١١٠١ (١٦٨٩) على أنه سيدي صاحب الطريق، ولعله كان أحد الدراويش أو المتصوفة الجوالة الذين يبيتون في الطرقات، ويتركهم الناس على هواهم. ومهما كان الأمر فإن الفرنسيين قد أزالوا هذه القبة منذ أول احتلالهم. وقد كانت القبة تقع تحت القوس حيث الدار التي كان يشغلها المتصرف العسكري. وفي مكان آخر ذكر ديفوكس أن هناك قبة أخرى تحمل نفس الاسم (سيدي صاحب الطريق)، وهي في نظره اسم لولي آخر. وهناك ثالثة بنفس الاسم هدمها الفرنسيون (٢).
٢٦ - قبة سيدي بوشاكر (بوشاقور): وقد أزيلت زاويتها منذ ١٨٤٤. ولكن الضريح والتابوت والأعلام الخاصة بالولي قد (اختفت) قبل ذلك بكثير (٣). ولم يذكر ديفوكس إلى أين حملت هذه الآثار ولا متى وقع ذلك.
٢٧ - مطاهر: كانت تقع عند ساحة القصبة. وألغاها الفرنسيون وأدخلوها في الطريق العمومي منذ ١٨٣٠. ويجب أن ننبه هنا إلى أن
стр. 2086
الميضات والمطاهر والعيون عموما، كانت لها أوقاف خاصة، يجريها المسلمون.
٢٨ - قبة سيدي رمان: وقد عطلت وأصبح مكانها هو حديقة القيادة العسكرية لساحة القصبة (١).
٢٩ - قبة سيدي يعقوب: قرب المكان المعروف بسبع عيون جهة باب الواد. وكان الزنوج يحتفلون في هذه القبة ولهم عقائد في صاحبها.
٣٠ - قبة سيدي بلال: جهة الحامة. كانت أيضا مقرا لاحتفالات الزنوج يوم أول أربعاء من نيسان (أبريل). ولكن القبة كانت نصف مدفونة بالرمال سنة ٨٦٣ ١ (٢).
٣١ - قبة سيدي فرج: هذا الولي الذي شهدت قبته بداية الغزو الفرنسي للجزائر وعند أعتابها نزلت طلائع الحملة في ١٤ جوان ١٨٣٠، كان مصيرها أيضا الهدم والاختفاء سنة ١٨٤٧. فقد قرر الفرنسيون إقامة برج أو قلعة في المنطقة فعزموا على إزالة القبة من الوجود. وقد أفتاهم، كما قالوا، الشيخ مصطفى القديري، مفتي المالكية في التاريخ. ولذر الرماد في عيون العامة أحضر الفرنسيون كل مستلزمات الحفلة الدينية ومراسيم الاحترام. فحضر مدير الداخلية الفرنسي، ووقع التعرف على بقايا رفات الولي سيدي فرج (وشخص آخر يدعى سيدي روش) (٣) من قبل الإمام الثاني للجامع الكبير، وكذلك مسؤول بيت المال. وحضر أيضا (العرب) - أي العامة عند الفرنسيين - ووضعت رفات الوليين في صندوقين من الخشب وحملا على
стр. 2087
بغل. وسار البغل، وسار الجمهور من حوله، إلى مقبرة سيدي محمد الحقار باسطاولي. ثم اختار المدعو محمد القسنطيني (الإمام؟) المكان الذي دفن فيه رفات كل ولي على حدة بعد حفلة دينية عادية (١).
٣٢ - قبة سيدي محمد بن عبد الرحمن: بقيت في أيدي المسلمين، وكانت بعيدة عن مركز الاستقرار الأوروبي في أول العهد، وهي اليوم بالحامة وتتبعها جبانة إسلامية كبيرة. وقد لاحظ جميع الكتاب أنها كانت مزارة للمسلمين في مختلف المواسم والمناسبات (٢). ونذكر هنا أن سيدي محمد عالم متصوف، ومؤسس الطريقة الرحمانية في الجزائر فلا غرابة أن يزورها المريدون وغيرهم لأنها في نظرهم قبة شيخ الطريقة والبركة. أما معظم القباب الأخرى فيزورها الناس للبركة فقط لأن أصحابها لم يؤسسوا طرقا صوفية، عدا بعضهم مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني.
٣٣ - قبة سيدي الجامي (أو الجامع): انظر عن هذه القبة في المساجد. وقد حولت عن غرضها بعد أن احتلها الدرك الفرنسي، ومعها جبانة. ثم أعطيت إلى جمعية (الترابست) المسيحية وسميت باسطاولي الصغيرة.
وهناك مجموعة من القباب ذكرها ديفوكس وسكت عن مصيرها، ولا سيما تلك الواقعة في الفحص القديم للعاصمة، مثل بوزريعة، والأبيار، وحيدرة، وبئر الخادم، وبئر مراد رايس، والقبة، والقادوس، وتقصرين، والزحاولة، والمرادية.
٣٤ - غير أنه (أي ديفوكس) ذكر اختفاء قبة الشيخ المغزى، قرب الأبيار،
стр. 2088
دون بيان السبب، وأخبر أن سيدي المغزى هذا قديم يرجع في نظره إلى حملة شارلكان على الجزائر سنة ١٥٤١.
٣٥ - قبة سيدي إبراهيم، ولي البحارة، وهي تقع في مرسى الجزائر (١).
...
ونريد أن نلاحظ أن معظم القباب كانت تتبعها جبانات لدفن أموات المسلمين. وقد حافظ عدد من التسميات القديمة على نفسه إلى اليوم. وننبه الجيل الحاضر إلى أن قبة سيدي مرزوق في ابن عكنون مثلا هي التي أعطت اسمه إلى الحي المعروف باسمه اليوم (حي مرزوق، ومثله سيدي يحيى الطيار بحيدرة، وسيدي مبارك بوادي الرمان. كما ننبه إلى أن اسم ضاحية القبة جاء من (قبة الحاج باشا) الذي حكم الجزائر سنة ١٥٤٥، فاختفى اسم المنشئ وبقيت القبة، أو كما يقول النحاة حذف المضاف إليه وبقي المضاف (٢).
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن خارج العاصمة، نسوق المعلومات التالية عن جباناتها وما آلت إليه. لقد لاحظنا أن الجبانات كانت كثيرة وكانت تابعة في معظم الأحيان إلى القباب والزوايا. وبتعطيل وهدم هذه البنايات هدمت الجبانات أيضا وتعطلت معها. وقد لاحظنا أيضا، أن بعض الجبانات قد منع الفرنسيون الدفن فيها منذ الاحتلال. وكثر الجدال والنقاش حول موقف المسلمين من التعرض لمقدساتهم ومن نقض الفرنسيين اتفاق ١٨٣٠ الذي تعهدوا بمقتضاه باحترام هذه المقدسات. كما دار النقاش بين الفرنسيين حول أهمية البنايات من الوجهة الأثرية - الحضارية، وكان بعضهم قد نظر إلى القضية نظرة أخرى جانبية، فيما يبدو، وهي مدى تعصب أو تسامح
стр. 2089
المسلمين إزاء ما قام به الفرنسيون نحو مؤسساتهم.
يقول السيد أوميرا لقد أدى إلغاء كل الجبانات إلى ظلم حقيقي لعدد من الوكلاء الذين كانوا يصونونها. فقد اختفت المداخيل والعلاقات مع اختفاء وهدم القباب والأضرحة، وهو هنا يرى أن كل القباب هي في الواقع جبانات لأن قبة الولي ليست وحدها في المكان. وهذا أمر حقيقي. ولكن ذكر الوكلاء وحدهم هنا فيه إجحاف بحقوق الآخرين الذين تضرروا من اختفاء وهدم الأضرحة والقباب والجبانات العامة. فقد كانت مداخيل هذه البنايات تستعمل لأغراض اجتماعية ودينية وتعليمية. ولذلك لا بد من تصحيح هذا الرأي.
في جولة دراسية قام بها الإسكندر جولي إلى منطقة التيطرى حوالي سنة ١٩٠٤ بطلب من الإدارة الفرنسية، وجد أنها تضم عددا من القباب ولكنه لم يذكر ما إذا كانت قد تعرضت للهدم أو التعطيل. وقد أورد من ذلك قبة سيدي علي بن فارس بين وادي عروة ووادي الحاكم، وقبة سيدي ناجي قرب البرواقية، وقبة سيدي محمد ولد البخاري (وهو ابن مؤسس قصر البخاري). وقال جولي إن سمعة الشيخ سيدي البخاري كانت عظيمة بين أهل الناحية ويعتبرونه ناشر الدين الإسلامي هناك. ومع ذلك فإن قبته، رغم ارتفاعها وكبرها على غير العادة، تبدو حزينة ومتقشفة في بلاد نائية ذات طابع صحراوي. ومما قاله في هذا الشأن إن هناك علاقة بين الإنسان والبناء أو العمران. أما مدينة المدية فلم يصف. جولي قبابها، ونحن نعرف أن الأيدي قد تبدلت على هذه المدينة عدة مرات بين الفرنسيين والأمير من جهة وبين الأمير وبعض الطموحين الآخرين أمثال ابن المعطي، وموسى الدرقاوي من جهة أخرى. فهل تضررت القباب والبنايات الدينية من ذلك؟ إنا لا نشك في شيء واحد وهو أن حرمان البنايات الدينية (القباب) من أملاكها قد تسبب في تقشف وإهمال الخدمات الواجبة لها.
وليس لدينا دراسة عن وضع قباب مليانة وشرشال والبليدة والقليعة
стр. 2090
والشلف (الأصنام). أما القباب التي كانت في أوطان متيجة فلم يبق منها إلا القليل، ويبدو أن إقامة المستوطنات الفرنسية على أرض متيجة وتمديد الطرقات وتحديد حدود المزارع ونحو ذلك قد أدى إلى إزالة بعضها على الأقل، والباقي نسيه الناس فأهمل.
تعاليق حول الآثار الإسلامية
أما من الوجهة العمرانية، فقد نقل أوميرا رأي للصحفي (موتانيو) الذي كان يعيش زمن هدم المعالم والبنايات الدينية، فقال: إن الفرنسيين في الجزائر قد حولوا جهة باب الواد - وهي التي كانت تضم القسم الأكبر من البنايات الدينية - إلى ساحة مناورات عسكرية وإلى منتزهات، على حساب معالم وآثار ذات قيمة لقربها من المدينة، وهي آثار تعود إلى قرنين أو ثلاثة قرون، وربما أقدم من ذلك. وقد علق أوميرا على ذلك بأن الفرنسيين كانوا يخشون جرح عواطف المسلمين الدينية، وكذلك النواب في البرلمان الذين بكوا - كما قال - على الآثار وعلى الموتى، وعلى القبور (١) ... وقد ذكرنا أن إقامة الليسي الفرنسي في منتصف الستينات من القرن الماضي قد أدى أيضا إلى إزالة ما بقي من مساجد وقباب وجبانات في جهة باب الواد.
ومن جهة أخرى أشار السيد ديفوكس إلى أن بعض الأشخاص قد لاموا الإدارة الفرنسية على هدم المساجد والتصرف فيها إذا كانت تهدد بالانهيار أو تشكل عراقيل في تنفيذ بناءات جديدة لتنظيف وتجميل المدينة. وقد رد هو على هؤلاء بأن المسلمين أنفسهم يتصرفون كذلك إذا حصلوا على الإنصاف في حقوقهم. وضرب مثلا بصاحب زاوف سيدي العباسي، الذي باعها لأحد
стр. 2091
الفرنسيين بعد أن اعترفت له السلطات بحقوقه الوراثية فيها. واعتبر ديوكس هذا المسلم مثالا للمسلمين الذين ضحوا بالتقاليد وبالدين من أجل المصالح الذاتية، وقال إن لديه عدة أمثلة على ذلك. وقد رد على المنتقدين بقوله إن على الفرنسي أن لا يكون مسلما أكثر من المسلمين (١). ويبدو لنا أن ديفوكس قد ناقض نفسه في هذا المجال، لأنه كان في عدد من المرات ينتقد هدم الآثار الإسلامية من قبل سلطات بلاده أو من قبل المقاولين والملاك. ولعله كان برأيه الأخير يحاول أن يبرئ نفسه لأنه هو الذي تولى حصر المعالم والبنايات والتعرف على وثقائها ومتابعة سجلات الوكلاء وغير ذلك. كما أن أحد أصهاره كان مقاولا وعلى يديه جرت تهديمات عديدة للمعالم. وعند حديثه ذات مرة عن حي قطع الرجل وما جرى فيه من هدم للآثار الإسلامية، تأسف ديفوكس قائلا إنه لا أحد قام بإجراء تنقيب عن هذه الآثار المهدمة في الحي. ولاحظ أن البنايات الفرنسية الجديدة قد دفنت تحتها كاتابات وآثار كثيرة ترجع إلى العهد البربري (الإسلامي)، ولن تخرج من تحتها أبدا. وأضاف صراحة بأن تلك الكتابات (قد كسرت بدون رحمة بيد الهادم الجاهل) (٢).
لكن آخرين لا يتفقون مع هذا الرأي ويرون أن الفرنسيين ارتكبوا خطأ فادحا. في هدم البنايات والمعالم الإسلامية. ولا داعي لتكرار رأي كل من ديتسون، وبلاكسلي، وبولسكي وغيرهم، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
بقي أن نعلق على حركة الاحتجاج من جانب المسلمين على هذه الأعمال: إن أوميرا وديفوكس يذكران أن المسلمين كانوا قدريين ومتسامحين ولم يبدوا أية حركة معارضة نحو هدم مقدساتهم، بل أثبتا أن بعضهم قد عطلها بنفسه وباعها للفرنسيين، وقد مر بنا أيضا أن بعض (المفتين) ورجال السلك الديني الرسمي كانوا يوافقون الفرنسيين على
стр. 2092
تحويل بعض المساجد إلى كنائس، ونقل رفات الأولياء وهدم أضرحتهم. وهذا مخالف للأحداث التي رواها هذان المؤلفان من جهة ومخالف للوثائق التي ربما لم يطلعا عليها من جهة أخرى. إن الاحتجاج السري أخطر من الاحتجاج العلني أحيانا، ومع ذلك فلم يكن الجزائريون دائما صامتين في احتجاجهم.
فقد ضم كتاب (المرآة) لحمدان خوجة كتابات احتجاجية علنية وكانت قد نشرت في وقتها، ويبدو أن كلا من ديفوكس المعاصر له وأوميرا المتأخر عنه لم يطلعا على كتاب المرآة، ولا على احتجاج المفتي ابن العنابي، ولا احتجاج المفتي ابن الكبابطي وابن الشاهد وغيرهم من رجال الدين والعلم. ولعل هؤلاء الفرنسيين يقصدون بالاحتجاج حركة عامة في شكل مظاهرة. إن غياب القادة الدينيين والسياسيين بالنفي المنظم والسجن والهجرة الاختيارية قد جعل عامة الناس بدون قيادة. ومع ذلك فقد كانت هناك حركة احتجاجية تلقائية مرتين على الأقل في العاصمة. الأولى عند إهانة المحكمة الإسلامية بدخول أحد الضباط الفرنسيين إليها عند مناقشتها لقضية تنصير امرأة مسلمة (عائشة بنت محمد) وخطفها وهي في عصمة زوجها المسلم (سنة ١٨٣٤). والحركة الثانية عند تحويل جامع كتشاوة إلى كنيسة.
وهناك أحداث أخرى فردية عديدة لا داعي لذكرها جميعا. ويكفي أن نشير إلى أن ديفوكس نفسه أورد حادثة ذات معنى في هذا الشأن، جرت سنة ١٨٤٦. فقد قال إن أحد (المتعصبين) واسمه الحاج جلول، ضرب بالمطرقة قطعة من الرخام عليها كتابات بالعربية تابعة للجامع (الجديد)، وكانت القطعة قد ظلت مرمية في الطريق بعض الوقت. وكان غرض الحاج جلول هو ألا يهين النصارى اسم الجلالة الموجود في الكتابة. ومن أجل ذلك اعتبره ديفوكس متعصبا (١). ولكن ديفوكس نفسه وصف الرجل المسلم الذي باع
стр. 2093
حقه في زاوية سيدي العباسي بالمتسامح (١).
والغريب أن ديفوكس هو نفسه الذي ذكر حركة الهيجان لدى المسلمين عند إزالة مقبرة باب الواد. فقد قال إن الطريقة التي تمت بها عملية الإزالة قد أثارت هيجانا عميقا لدى الأهالي وأعطتهم فكرة وهي أن الفرنسيين لا يحترمون رمم الموتى ولا يقدسونها. وقد وصف الكتاب اللاحقون حالة الفرنسيين المعاصرين للاحتلال فقالوا إنهم كانوا غير متدينين حتى بنصرانيتهم ولا يحترمون المسيح ﵇. فكانوا إما جهلة من حثالات المجتمع وإما لائكيون وماسونيون من رواسب الثورة الفرنسية ونقمتها على رجال الدين والكنيسة. وقد انعكس ذلك حتى على موقفهم من الأوقاف الإسلامية ورجال الدين المسلمين. إذ نظروا إلى رجال الدين الإسلامي نظرة رجال الدين في فرنسا وطبقوا على الأوقاف الإسلامية ما طبقوه على أملاك الكنيسة في فرنسا نفسها. وسنذكر ذلك في الحديث عن الأوقاف.
إن إزالة الجبانة العمومية الواقعة في ناحية باب الواد منذ أول وهلة للاحتلال وبطريقة وحشية جعل المسلمين يأخذون عبرة خالدة من علاقتهم بالفرنسيين. وقد استنكر ذلك حتى من كانوا يدافعون عن هدم الآثار والمعالم الإسلامية للضرورة العامة من الفرنسيين. يقول ديفوكس واصفا إزالة المقبرة المذكورة بالجرافات وما لا ذلك من بعثرة عظام الموتى، ما يلي: إن أول المتأثرين بالاحتلال مباشرة هم الموتى المسلمون. لقد كان عليهم أن يتركوا المكان لشعب (متحضر) ونشيط جاء ليعمل ويحتل المدينة. ذلك أن وجودهم (الموتى) بها لا يتناسب مع وجود أحياء من جنس ودين آخر. فكان عليهم أن يتركوا المكان للساحات والحدائق والطرق العمومية ونحو ذلك (٢).
стр. 2094
لكن ديفوكس اعترف أن العملية لم تتم بناء على الاحترام الواجب للأموات (وكأن الأحياء لا يستحقون ذلك أيضا). فقد اتخذت العملية شكل الاعتداء والإهانة. إن عظام الموتى بقيت (لمدة سنوات) مكدسة ومبعثرة هنا وهناك، ويمكن للمرء أن يراها خلال تلك الفترة كلها. وكانت هذه العظام مسحوبة ومجروفة بعنف من أضرحتها. وكانت ترمى في الهواء بغلظة. وكان يمكن تفادي ذلك مع بعض الاحتياط. ولم يقل ديفوكس إن ذلك كان لا يتناسب مع دعوى التحضر والتمدن التي يتشدق بها الفرنسيون، وإنما قال إن ذلك قد أثار هيجانا عميقا لدى الأهالي وجعلهم يعتقدون أن الفرنسيين لا يحترمون رفات الموتى. وهل كان الأهالي مخطئين في حكمهم؟
هذا عن الأحياء الفرنسيين مع الأحياء والأموات الأهالي. أما عن التاريخ والآثار فمسألة أخرى. قال ديفوكس: إن التاريخ عليه أن يتأسف على إزالة مقبرة أخرى كانت مخصصة لدفن الباشوات. فقد محيت هذه المقبرة تماما من الوجود، وهي مقبرة قديمة جدا أشار إليها هايدو الإسباني سنة ١٥٨١. وقد ضاع مع ذلك جانب هام من التاريخ والآثار.
لقد تعهد الفرنسيون بإزالة الجبانات بعناية تحافظ على كرامة الأموات وقيمة التاريخ، ولكن ذلك التعهد لم يحترم. فقد استعملوا المعاول والجرافات لا لنشر ما في القبور ولكن لكسر المشاهد والشواهد والكتابات وتحصيل الأحجار للبناء وبيع عظام الموتى في أسواق مرسيليا. وقد شهد ديفوكس الذي كان ما يزال صغير السن عندئذ، بأن معالم تاريخية هامة قد ضاعت مع ضياع الأضرحة والقباب، مثل التواريخ المحفورة على الرخام أو على اللوحات (الشواهد). لقد وقع تخريب هذه الصفحات، كما قال، تخريبا مطلقا. وضاعت معها الوثائق الخطية التي تؤدي إلى معرفة تواريخ حكم الباشوات وأزمنة الموظفين السامين في الجزائر. إن جميع ذلك إما هدم
стр. 2095
وإما بقي غنيمة للصوص والمضاربين. وقد استعملت أحجار الشواهد كمواد للبناء. ولم ينج من هذه المجزرة الرهيبة للموتى والآثار التاريخية إلا القليل من الشواهد التي وجدت طريقها إلى المتحف. ومن ثمة فإن القباب التي ذكرناها والتي بقيت بعض الوقت قائمة هي التي لم تكن ضمن المقابر التي تعرضت للهدم الجماعي والتي وصفها ديفوكس (١).
والغريب في الأمر أيضا أن الوقفية الهامة التي سجلت جميع هذه المعالم قبل هدمها وبعده قد فقدت سنة ١٨٤٣. فقد كانت وقفية مفصلة لها باب خاص كل معلم ديني: مساجد، قباب، زوايا، مدارس، أضرحة، جبانات. وهي وقفية أصلية. هذه الوقفية فقدت أثناء وضع الإدارة الفرنسية يدها على أوقاف الجامع الكبير (١٨٤٣). ثم عثر على نسخة غير كاملة منها وغير مؤرخة. وكانت هذه النسخة الناقصة قد وضعت عند القاضي المالكي، وهي ترجع، حسب ديفوكس، إلى أوائل القرن الثاني عشر للهجرة (حوالي (١١٠١ - ١١٢٥) (٢).
وقد علمنا أن الجامع الكبير والجامع الجديد بالعاصمة قد خضعا للهدم الجزئي والتشويه العمراني، ثم خطط الفرنسيون لإزالتهما تماما مرتين، مرة في عهد تيرمان في الثمانينات وأخرى في عهد جونار سنة ١٩٠٥. ولولا الخوف من رد فعل السكان والهيجان الذي رافق التحضير لإصدار قرار الإزالة لما تراجع الفرنسيون عن خطتهم. فكيف نقول إن الجزائريين كانوا متسامحين في أمور دينهم ومعالم حضارتهم؟ حقيقة أن السلطات الفرنسية أخذت تراعي مشاعر المسلمين وتداهنهم عندما تمس الآثار الإسلامية. ونحن نجد عدة أمثلة على ذلك. فكانت تستصدر أولا (فتوى) من رجال
стр. 2096
الدين، وتحضر الرأي العام للعملية التي ستقبل عليها. حدث ذلك عند نقل رفات سيدي فرج إلى جهة سطاويلي ونقل رفات سيدي منصور من قبته إلى مقبرة الشيخ الثعالي.
ويروي جورج مارسيه أن الكولون كانوا يحسون بالغيرة من المدن والآثار الإسلامية. فقد كانوا يعملون على تخليص أو تطهير المدينة التي هم فيها من أي شيء يجلب الزوار إليها مثل المعالم الإسلامية. وكان مارسيه يتحدث عن موقف الكولون من مدينة تلمسان. إن الكولون فيها كانوا لا يريدون لعاصمة بني زيان أن تنافس أي دائرة من دوائر فرنسا. وقد وعدهم مارسيه نفسه بأن تلمسان الأثرية ستنقرض بالتدرج، كما انقرضت في نظره مدينة الجزائر القديمة، وستسقط (تلمسان) تحت ضربات معاول المنتصرين (الفرنسيين)، ولكنها ستظل مدة طويلة محجة لزوار الفن المعماري (١).
واعترف بعض علماء الفرنسيين بأن الجزائريين قد حافظوا على الآثار. ومنذ ١٨٤٦ كتب أحد المستشرقين، وهو أشيل فوكيه، بعد أن تجول في نواحي قسنطينة وبسكرة، قائلا: إن العرب (يقصد الجزائريين) قلما يهدمون الآثار. فالصخور المتراكمة فوق بعضها لا يمسونها. واعترف فوكيه أن الفرنسيين قد هدموا خلال الخمس عشر سنة من الاحتلال ما لم يهدمه العرب خلال عشرة قرون، وهو هنا يكلم عن الآثار الرومانية (٢). وإذا كان العرب لا يهدمون الآثار الرومانية فالأولى عدم هدم الآثار الإسلامية.
ونفس الملاحظات تقريبا. نجدها عند بيقوني سنة ١٩٠٣. فقد تأسف لما حدث لزاوية يحيى بن محجوبة في مدينة قسنطينة. وكان ابن محجوبة من علماء عصره (القرن ١١ هـ). وكانت الزاوية تحفة فنية وعلى بابها نقيشة
стр. 2097
تمجدها وتؤرخ بناءها، ولكن الفرنسيين لم يصبروا عليها فهدموها سنة ١٨٦٥ ودخلت في المباني الفرنسية المحاذية لما كان يسمى بالطريق الوطني (ابن مهيدي حاليا). وكان إلى جانب الزاوية جبانة صغيرة أيضا. وقد عاتب بيقوني الهادمين على اللامبالاة نحو المعالم العربية وعدم عنايتهم بكل ما يمكن أن يخدم المعرفة التاريخية في الجزائر. كما أنهم لم يراعوا في نظره. المشاعر الفنية التي تحتويها الكتابات والخطوط والنقائش والزخارف لمختلف العصور. وقال إنه جاء قسنطينة سنة ١٨٧٨ يبحث فيما أصبحت عليه بعد أربعين سنة من الاحتلال، فلم يتمكن من الوصول إلى أي شيء، لأن الأهالي والأوروبيين جميعا كانوا غير مهتمين. وبعد تفكير وجد بيقوني المقاول الذي هدم عماله مجموعة من المعالم فرخص له بالبحث في أكوام المباني المهدمة. ثم قص كيف وجد النقيشة التي تؤرخ لبناء زاوية ابن محجوبة، في حالة يرثى لها. وفيها آية قرآنية هي ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ (١).
والواقع أن بعض العناية بالآثار الإسلامية بدأت في عهد كامبون ثم انطلقت في عهد جونار. ولكن جهود المنقبين والباحثين عندئذ وجدت الخطيئة قد ارتكبت والمعالم قد هدمت، ولم يبق إلا محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. واعترف أحد الباحثين بأن الفرنسيين قد اعتنوا منذ البداية بالآثار الرومانية والبيزنطية وأهملوا الآثار الإسلامية. فالمجلات التي ظهرت منذ منتصف القرن الماضي قد فاضت بالكتابات عن العصور السابقة للإسلام في الجزائر.
ومن ثمة كان ظهور كتاب عن قلعة بني حماد في آخر القرن الماضي مثار تنويه عند بعضهم، مضيفا أن الفرنسيين قد انشغلوا بكل ما هو روماني حتى استنفدوا هذا الميدان، وأهملوا الآثار البربرية والعربية والتركية، وهي
стр. 2098
الآثار الإسلامية. واغتنم المعلق على كتاب بلانشيه عن قلعة يي حماد، الفرصة فنوه بجهود الذين كتبوا عن الآثار الإسلامية مثل فايسات وشيربونو وفيرو، ولكنه اعتبر جهود هؤلاء معزولة وغير منسقة. وقال إن الأمر يحتاج إلى ثقافة خاصة لدراسة الآثار الإسلامية. ولاحظ أن العرب قد انشغلوا بالورق والمخطوطات أكثر من انشغالهم بالأحجار والآثار. ولذلك دعا زملاءه الفرنسيين إلى توجيه اهتمامهم إلى هذا الميدان (١). وقد أخبرنا جورج مارسيه سنة ١٩٠٣ أن حكومة جونار أصبحت مهتمة بالآثار والفنون، وقام هو وأحد أقاربه بدراسة آثار تلمسان العربية، كما عرفنا. وفي سنة ١٩٠٥ أصدر جونار قرارا يعتبر المعالم التالية في مدينة الجزائر آثارا تاريخية رسميا: ضريح حسن باشا بن علي في الشارع الذي يحمل هذا الاسم، وضريح الأميرة بحديقة مارنقو، وجامع سفير، وجامع سيدي محمد الشريف، كلاهما بشارع كليبر عندئذ، ثم عيون، مثل العين الواقعة بالأميرالية (٢). وقد شمل القرار أيضا عدة معالم في بعض المدن الأخرى.
الزوايا والأضرحة في إقليمي قسنطينة ووهران
أ. بالنسبة للإقليم الأول هناك أعمال جرت سيما في بعض المدن مثل قسنطينة وبجاية، أدت إلى اختفاء عدد من الزوايا أو تحويلها عن غرضها. ولكننا هنا أمام مشكل من نوع آخر، ويتمثل في أن الدراسات المتوفرة لا
стр. 2099
تعطينا البيانات الكافية عن كل بناية. فعندما نجد في قائمة معالم قسنطينة مثالا (سيدي فلان)، فإننا لا ندري هل هو مسجد أو ضريح أو زاوية، أو هو كل ذلك. ولذلك يصعب الفصل هنا ما دامت المعلومات غير كاملة. والمعلومات غير كاملة من جهة أخرى وهي أنها تذكر البناية ولا تذكر مصيرها عند الكتابة، فلا ندري هل كانت عندئذ ما تزال قائمة. أو اندثرت. ومن ذلك مثالا في مدينة قسنطينة:
١ - سيدي عبد الهادي (جامع أو زاوية).
٢ - سيدي عبدالقادر (جامع أو زاوية).
٣ - سيدي عبدالرحمن القروي (جامع أو زاوية).
٤ - سيدي علي بن مخلوف (جامع ومدرسة) (١).
ولدينا معالم أخرى منسوبة إلى أصحابها لكن لا نعرف أيضا مصيرها ولا نوعها، ومن ذلك:
٥ - سيدي بو عنانة (بوعنان؟).
٦ - سيدي بو معزة.
٧ - سيدي بومنجل.
٨ - سيدي دبي.
٩ - سيدي الدرار (معدود في المساجد بناء على مقالة الشريف مقناوة. وسمي عليه أحد الموظفين بعد الاحتلال. ثم أصبح مسكوتا عنه. والغالب أنه اندثر أو هدم).
١٠ - سيدي البياض. (لاحظ صفة الصنعة في الاسم، ولعله كان من الزنوج).
١١ - سيدي الفوال (نفس الملاحظة السابقة بالنسبة للصنعة).
١٢ - سيدي الهواري (معدود في المساجد المندثرة، حسب الشريف
стр. 2100
مقناوة. وكان المسجد موجودا زمن الاحتلال وتعين عليه موظفون ثم اندثر أو هدم).
١٣ - سيدي الخزري.
لكن لدينا أسماء معلومة النوع والمصير، ومن ذلك بالنسبة للأضرحة:
١٤ - ضريح السيدة زهراء بنت موسى بن عيسى المتوفاة سنة ٨٩٨ هـ، فقد قال عنه شيربونو أنه لم يبق من كتاباته العربية إلا ما هو موجود على حيطان المدرسة الملاصقة لجامع سيدي الأخضر، وقد جيء بهذه الكتابات من جامع سيدي الفريش (؟) الذي هدم سنة ١٨٤٨ لفتح طريق (١).
١٥ - ضريح الشيخ المدرس حسن بن علي بن ميمون بن القنفذ المتوفى ٦٦٤. وقد وجد حجر شاهده الرخامي في الجامع المذكور (سيدي الفريش)، لكن أين الضريح؟ وما مصيره؟ (٢).
أما عن الزوايا فنحن نعلم من كتابات سابقة للعهد الفرنسي مثل منشور الهداية ورحلة الورتلاني، أن قسنطينة كانت تضم عددا منها. ومنها زوايا لأكبر العائلات عندئذ مثل زاوية الفكون، وزاوية ابن باديس، وزاوية ابن نعمون، فكيف كان مصير تلك الزوايا أثناء عمليات الهدم المنظم التي تعرضت لها المدينة، خصوصا عنك هدم دار أحمد باي وما حولها وعند مذ الطريق الوطني؟ إن ميرسييه الذي درس هذه الظاهرة سنة ١٨٧٨ قد ذكر عددا من الزوايا التي (اختفت) أو التي حولت عن غرضها، أو التي سلمت إلى بعض الطرق الصوفية لتمارس فيها نشاطها، وهو نشاط ديني إسلامي، ولكنه ليس هو النشاط الذي نصت عليه أوقاف هذه المباني الدينية. ولعل السلطات
стр. 2101
الفرنسية بإعطائها بعض الزوايا إلى الطرق الصوفية أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو الاستيلاء على الأوقاف، والثاني هو تسكيت النقد الموجه إليها ثم استغلال ذلك للدعاية لصالحها على أنها راعية وحامية المسلمين ومتسامحة في الدين.
وإليك الآن ما ذكره ميرسييه عن بعض الزوايا:
١٦ - زاوية ابن جلول، وتسمى أيضا زاوية الزواوي. وقد اختفت دون ذكر السبب لذلك.
١٧ - زاوية التلمساني، وقد احتلتها فرقة فرنسية نسائية تسمى (أخوات بوسيكور) أو الإغاثة الجيدة. ولعلها كانت تابعة للكنيسة كما يبدو من اسمها. وفي مقالة الشريف مقناوة أنها هدمت.
١٨ - زاوية نعمون (ابن)، وقد أصبحت مقرا للطريقة التجانية.
١٩ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة العيساوية.
٢٠ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة الرحمانية.
٢١ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة الطيبية (١).
٢٢ - زاوية يحيى بن محجوبة، وقد هدمت سنة ١٨٦٥، ودخل مكانها في المنزل رقم ١٣ الواقع على الطريق الوطني (ابن مهيدي حاليا). وقد وصفها شيربونو سنة ١٨٥٦ واعتبرها نموذجا للفن المعماري الإسلامي (٢).
٢٣ - زاوية النجارين، أصبحت مقرا للطريقة الحنصالية، حسب الشريف مقناوة.
٢٤ - زاوية ابن رضوان، أصبحت مقرا للمحكمة الإباضية، بناء على المصدر السابق.
стр. 2102
وقد ذكرنا بالنسبة لبجاية عددا من البنايات الدينية التي تهدمت أو حولت، ولم نذكر ما يلي:
١ - زاوية سيدي محمد التواتي التي كانت شهيرة في العهد العثماني - مدرسة وزاوية للضيافة - وقد أصبحت ثكنة عسكرية في عهد الاحتلال. وفيها نزل بيري رايس وخاله الريس كمال آخر القرن ١٥ م.
٢ - زاوية للالا فاطمة، وقد تحولت أيضا إلى سكنى عسكرية.
٣ - قبة سيدي محمد امقران، وقد خربت وأهملت خلال السنوات الأولى من الاحتلال. وقال فيرو إنها قد استرجعت سنة ١٨٥٠ ولم يذكر بيانات أخرى عنها (١).
وقد كان في مدن الإقليم وقراه عدد كبير من الزوايا والقباب، ولا نعلم أن هناك من تعرض لها بسوء عدا عوامل الإهمال والحرمان من الأوقاف. وكانت لكل طريقة صوفية زاوية، تتفنن في بنائها وهندستها وتبييضها وزخرفتها. ومن هذه الزوايا ما وجد قبل الاحتلال مثل الزاوية التجانية بقمار، وزاون الحاج علي بن عيسى بتماسين. ومنها ما وجد بعد الاحتلال مثل زاوية الهامل وزوايا أولاد جلال وطولقة والخنقة وعميش (الوادي) وتقرت وبسكرة. غير أن بعض الزوايا قد تعرضت الهدم لمشاركة أصحابها في الثورات مثل زاوية الصادق بلحاج في الأوراس، وزاوية صدوق، وزاوية ابن فيالة، وزاوية مولاي الشقفة في نواحي البابور (٢).
وفي كل مدينة أو قرية أيضا عدد من القباب الكبيرة والصغيرة للأولياء والصالحين والعلماء. كان بعضها محاطا بالتجلة والاحترام والرعاية، ثم عفى عليها الزمن، وتصدع بعضها ولم تبال به الأجيال اللاحقة لانشغالها
стр. 2103
بأمور دنياها، رغم الزيارات التي كان البعض يؤديها إلى أهل التصوف والطرقية، ورغم العقائد والخرافات في ضرر ونفع البشر مع البشر. ولا نعلم أيضا أن السلطات الفرنسية قد تعرضت مباشرة إلى هدم أو تحويل هذه القباب عن أهدافها، بالعكس فقد كانت أحيانا تشجع العامة على التمسك بالخرافات والعقائد البعيدة عن الدين الإسلامي ليبتعدوا عن حقيقة الدين وينقادوا إليها.
...
ب. أما بالنسبة لإقليم الغرب فالإحصاء يثبت أن هذا الإقليم قد عرف بزواياه منذ القديم، وكانت الطرق الصوفية فيه منتشرة وذات نشاط واسع (١). وقد شهدت المنطقة حروبا سياسية/ دينية كبيرة أوائل القرن التاسع عشر. فلا غرابة أن تكثر الزوايا عندئذ. وقد تأثرت هذه الزوايا بالحروب التي جرت بين الفرنسيين والجزائريين أيضا إلى ١٨٤٧، ثم حروب أولاد سيدي الشيخ وغيرها من الانتفاضات اللاحقة. ولذلك لا نستغرب أن تكثر الزوايا، ولاسيما بعد الستينات عندما تغاضت السلطات الفرنسية عن ذلك وحاولت إخراج المرابطين من مخابئهم لتعرفهم بسيماهم، ولتضرب بهم رجال السيف الذين أخذت تنتزع منهم ما أعطتهم مؤقتا من جاه وسلطان وثروات.
هذه المقدمة ضرورية لنعرف أن زوايا تلمسان ووهران ومعسكر ومستغانم ومازونة وغيرها لم تنقص بل ازدادت. وليس لدينا ما يثبت أنها قد تعرضت للهدم والاضمحلال كما حدث في العاصمة مثلي، ولكن هذا لا ينفي الوقوع أصلا، ولا سيما في مدينة مثل وهران. أما زوايا تلمسان العديدة في الأحياء القديمة فلم تبق على نشاطها وعمرانها كما كانت، بل تضررت أيضا، كغيرها، بالعوامل التي ذكرناها، وهي الاستيلاء على الأوقاف والإهمال والتطور الاجتماعي.
стр. 2104
أما القباب والأضرحة والجبانات فكانت كثيرة. والذي يعبر الطريق من الجزائر إلى وهران يشاهد القباب في كل مكان على جانبي الطريق، القباب البيضاء أو الخضراء للمرابطين والصالحين، وهي قباب ذات حرمة كبيرة، وللناس في أصحابها عقائد مختلفة، وقد اشتهرت بعض المعارك لوقوعها عند قبة أحد الصالحين، مثل معركة سيدي إبراهيم (١٨٤٦). وقد عد بعضهم تسع قباب وزوايا في ضاحية غريس وحدها من جهة معسكر (١)، وهذا لا يعني أن القباب على العموم كانت دائما محل احترام، عند الفرنسيين، فقد هدموا ضريح وزاوية أولاد سيدي الشيخ في البيض بعد ثورتهم سنة ١٨٦٤. وفقدت زاوية القيطنة قيمتها وأهملت.
الأوقاف
الوقف أو الحبس نظام إسلامي معروف. وله أهمية اجتماعية واقتصادية وعلمية كبيرة في المجتمع، واستحدثه المسلمون لتوفير المال والسكن وغيرهما من المساعدات للعلماء والطلبة والفقراء والغرباء والأسرى واللاجئين، وصيانة المؤسسات التي أنشئت لهذه الأغراض، كالماء والطرق والمساجد والزوايا والقباب، الخ. وهذا النظام يرمز إلى التكافل الاجتماعي والتضامن بين المسلمين غنيهم وفقيرهم. وكان الوقف هو المصدر الأساسي لنشر التعليم والمحافظة على الدين. وكانت ميزانيته في الواقع تشمل ميزانيات عدة وزارات في الحكومات الحاضرة، ومنها التعليم والشؤون الدينية والشؤون الاجتماعية والشؤون الثقافية والعدل. وقد تناولنا صيغته وأنواعه ومجالاته في جزء آخر من هذا الكتاب.
وأنواع الوقف التي كانت موجودة عند الاحتلال على فرعين، أوقاف
стр. 2105
عامة وأوقاف خاصة (١). أما الأوقاف العامة فهي:
١ - أوقاف بيت المال، ٢ - أوقاف الطرقات، ٣ - أوقاف العيون (المياه)، ٤ - أوقاف الأندلس، ٥ - أوقاف الأشراف، ٦ - أوقاف مكة والمدينة، ٧ - اوقاف سبل الخيرات.
وأما الأوقاف الخاصة فهي:
١ - أوقاف الشيخ الثعالبي، ٢ - أوقاف الجامع الكبير، ٣ - أوقاف مختلف المساجد والزوايا والقباب والجبانات، كل منها على حدة، ٤ - أوقاف القينعي (٢).
والمقصود بالأوقاف العامة هنا هي ذات الطابع الجماعي والمداخيل المحددة والأشراف على مجموعة من الملحقات والتوابع، ولكن في هذا التعريف يلاحظ بعض القيود والخصوصيات أيضا، فمثلا أوقاف الأشراف كانت خاصة بفئة معينة في المجتمع، وكذلك أوقاف الأندلس، فهي لا تتعدى إلى غيرهم. كما أن أوقاف سبل الخيرات رغم عموميتها فهي خاصة بمباني المذهب الحنفي، وهكذا. فالتعريف بالعمومية غير دقيق أحيانا. وعلينا أن نتذكر ذلك لأننا سنواجه تحليلات قانونية فرنسية حول هذه الأوقاف.
ويقصد بالأوقاف الخاصة تلك التي تستعمل فقط لمسجد بعينه أو زاوية أو قبة. وكان لكل مبنى من هذه المباني أوقافه الخاصة به منصوصا عليها في الوقفية منذ إنشائها، ولكل بناية وكيل يسهر على المبنى وأوقافه