الفرنسية بإعطائها بعض الزوايا إلى الطرق الصوفية أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو الاستيلاء على الأوقاف، والثاني هو تسكيت النقد الموجه إليها ثم استغلال ذلك للدعاية لصالحها على أنها راعية وحامية المسلمين ومتسامحة في الدين.
وإليك الآن ما ذكره ميرسييه عن بعض الزوايا:
١٦ - زاوية ابن جلول، وتسمى أيضا زاوية الزواوي. وقد اختفت دون ذكر السبب لذلك.
١٧ - زاوية التلمساني، وقد احتلتها فرقة فرنسية نسائية تسمى (أخوات بوسيكور) أو الإغاثة الجيدة. ولعلها كانت تابعة للكنيسة كما يبدو من اسمها. وفي مقالة الشريف مقناوة أنها هدمت.
١٨ - زاوية نعمون (ابن)، وقد أصبحت مقرا للطريقة التجانية.
١٩ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة العيساوية.
٢٠ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة الرحمانية.
٢١ - زاوية؟ وقد أصبحت مقرا للطريقة الطيبية (١).
٢٢ - زاوية يحيى بن محجوبة، وقد هدمت سنة ١٨٦٥، ودخل مكانها في المنزل رقم ١٣ الواقع على الطريق الوطني (ابن مهيدي حاليا). وقد وصفها شيربونو سنة ١٨٥٦ واعتبرها نموذجا للفن المعماري الإسلامي (٢).
٢٣ - زاوية النجارين، أصبحت مقرا للطريقة الحنصالية، حسب الشريف مقناوة.
٢٤ - زاوية ابن رضوان، أصبحت مقرا للمحكمة الإباضية، بناء على المصدر السابق.
стр. 2102
وقد ذكرنا بالنسبة لبجاية عددا من البنايات الدينية التي تهدمت أو حولت، ولم نذكر ما يلي:
١ - زاوية سيدي محمد التواتي التي كانت شهيرة في العهد العثماني - مدرسة وزاوية للضيافة - وقد أصبحت ثكنة عسكرية في عهد الاحتلال. وفيها نزل بيري رايس وخاله الريس كمال آخر القرن ١٥ م.
٢ - زاوية للالا فاطمة، وقد تحولت أيضا إلى سكنى عسكرية.
٣ - قبة سيدي محمد امقران، وقد خربت وأهملت خلال السنوات الأولى من الاحتلال. وقال فيرو إنها قد استرجعت سنة ١٨٥٠ ولم يذكر بيانات أخرى عنها (١).
وقد كان في مدن الإقليم وقراه عدد كبير من الزوايا والقباب، ولا نعلم أن هناك من تعرض لها بسوء عدا عوامل الإهمال والحرمان من الأوقاف. وكانت لكل طريقة صوفية زاوية، تتفنن في بنائها وهندستها وتبييضها وزخرفتها. ومن هذه الزوايا ما وجد قبل الاحتلال مثل الزاوية التجانية بقمار، وزاون الحاج علي بن عيسى بتماسين. ومنها ما وجد بعد الاحتلال مثل زاوية الهامل وزوايا أولاد جلال وطولقة والخنقة وعميش (الوادي) وتقرت وبسكرة. غير أن بعض الزوايا قد تعرضت الهدم لمشاركة أصحابها في الثورات مثل زاوية الصادق بلحاج في الأوراس، وزاوية صدوق، وزاوية ابن فيالة، وزاوية مولاي الشقفة في نواحي البابور (٢).
وفي كل مدينة أو قرية أيضا عدد من القباب الكبيرة والصغيرة للأولياء والصالحين والعلماء. كان بعضها محاطا بالتجلة والاحترام والرعاية، ثم عفى عليها الزمن، وتصدع بعضها ولم تبال به الأجيال اللاحقة لانشغالها
стр. 2103
بأمور دنياها، رغم الزيارات التي كان البعض يؤديها إلى أهل التصوف والطرقية، ورغم العقائد والخرافات في ضرر ونفع البشر مع البشر. ولا نعلم أيضا أن السلطات الفرنسية قد تعرضت مباشرة إلى هدم أو تحويل هذه القباب عن أهدافها، بالعكس فقد كانت أحيانا تشجع العامة على التمسك بالخرافات والعقائد البعيدة عن الدين الإسلامي ليبتعدوا عن حقيقة الدين وينقادوا إليها.
...
ب. أما بالنسبة لإقليم الغرب فالإحصاء يثبت أن هذا الإقليم قد عرف بزواياه منذ القديم، وكانت الطرق الصوفية فيه منتشرة وذات نشاط واسع (١). وقد شهدت المنطقة حروبا سياسية/ دينية كبيرة أوائل القرن التاسع عشر. فلا غرابة أن تكثر الزوايا عندئذ. وقد تأثرت هذه الزوايا بالحروب التي جرت بين الفرنسيين والجزائريين أيضا إلى ١٨٤٧، ثم حروب أولاد سيدي الشيخ وغيرها من الانتفاضات اللاحقة. ولذلك لا نستغرب أن تكثر الزوايا، ولاسيما بعد الستينات عندما تغاضت السلطات الفرنسية عن ذلك وحاولت إخراج المرابطين من مخابئهم لتعرفهم بسيماهم، ولتضرب بهم رجال السيف الذين أخذت تنتزع منهم ما أعطتهم مؤقتا من جاه وسلطان وثروات.
هذه المقدمة ضرورية لنعرف أن زوايا تلمسان ووهران ومعسكر ومستغانم ومازونة وغيرها لم تنقص بل ازدادت. وليس لدينا ما يثبت أنها قد تعرضت للهدم والاضمحلال كما حدث في العاصمة مثلي، ولكن هذا لا ينفي الوقوع أصلا، ولا سيما في مدينة مثل وهران. أما زوايا تلمسان العديدة في الأحياء القديمة فلم تبق على نشاطها وعمرانها كما كانت، بل تضررت أيضا، كغيرها، بالعوامل التي ذكرناها، وهي الاستيلاء على الأوقاف والإهمال والتطور الاجتماعي.
стр. 2104
أما القباب والأضرحة والجبانات فكانت كثيرة. والذي يعبر الطريق من الجزائر إلى وهران يشاهد القباب في كل مكان على جانبي الطريق، القباب البيضاء أو الخضراء للمرابطين والصالحين، وهي قباب ذات حرمة كبيرة، وللناس في أصحابها عقائد مختلفة، وقد اشتهرت بعض المعارك لوقوعها عند قبة أحد الصالحين، مثل معركة سيدي إبراهيم (١٨٤٦). وقد عد بعضهم تسع قباب وزوايا في ضاحية غريس وحدها من جهة معسكر (١)، وهذا لا يعني أن القباب على العموم كانت دائما محل احترام، عند الفرنسيين، فقد هدموا ضريح وزاوية أولاد سيدي الشيخ في البيض بعد ثورتهم سنة ١٨٦٤. وفقدت زاوية القيطنة قيمتها وأهملت.
الأوقاف
الوقف أو الحبس نظام إسلامي معروف. وله أهمية اجتماعية واقتصادية وعلمية كبيرة في المجتمع، واستحدثه المسلمون لتوفير المال والسكن وغيرهما من المساعدات للعلماء والطلبة والفقراء والغرباء والأسرى واللاجئين، وصيانة المؤسسات التي أنشئت لهذه الأغراض، كالماء والطرق والمساجد والزوايا والقباب، الخ. وهذا النظام يرمز إلى التكافل الاجتماعي والتضامن بين المسلمين غنيهم وفقيرهم. وكان الوقف هو المصدر الأساسي لنشر التعليم والمحافظة على الدين. وكانت ميزانيته في الواقع تشمل ميزانيات عدة وزارات في الحكومات الحاضرة، ومنها التعليم والشؤون الدينية والشؤون الاجتماعية والشؤون الثقافية والعدل. وقد تناولنا صيغته وأنواعه ومجالاته في جزء آخر من هذا الكتاب.
وأنواع الوقف التي كانت موجودة عند الاحتلال على فرعين، أوقاف
стр. 2105
عامة وأوقاف خاصة (١). أما الأوقاف العامة فهي:
١ - أوقاف بيت المال، ٢ - أوقاف الطرقات، ٣ - أوقاف العيون (المياه)، ٤ - أوقاف الأندلس، ٥ - أوقاف الأشراف، ٦ - أوقاف مكة والمدينة، ٧ - اوقاف سبل الخيرات.
وأما الأوقاف الخاصة فهي:
١ - أوقاف الشيخ الثعالبي، ٢ - أوقاف الجامع الكبير، ٣ - أوقاف مختلف المساجد والزوايا والقباب والجبانات، كل منها على حدة، ٤ - أوقاف القينعي (٢).
والمقصود بالأوقاف العامة هنا هي ذات الطابع الجماعي والمداخيل المحددة والأشراف على مجموعة من الملحقات والتوابع، ولكن في هذا التعريف يلاحظ بعض القيود والخصوصيات أيضا، فمثلا أوقاف الأشراف كانت خاصة بفئة معينة في المجتمع، وكذلك أوقاف الأندلس، فهي لا تتعدى إلى غيرهم. كما أن أوقاف سبل الخيرات رغم عموميتها فهي خاصة بمباني المذهب الحنفي، وهكذا. فالتعريف بالعمومية غير دقيق أحيانا. وعلينا أن نتذكر ذلك لأننا سنواجه تحليلات قانونية فرنسية حول هذه الأوقاف.
ويقصد بالأوقاف الخاصة تلك التي تستعمل فقط لمسجد بعينه أو زاوية أو قبة. وكان لكل مبنى من هذه المباني أوقافه الخاصة به منصوصا عليها في الوقفية منذ إنشائها، ولكل بناية وكيل يسهر على المبنى وأوقافه
стр. 2106
فيعيش منها ويستعمل ريعها في الصيانة ويصرف الفائض على نفسه أو على الفقراء والعلماء الخ، إذا نصت الوقفية على ذلك. فالوكيل هنا مقيد وملتزم بنصوص الوقفية. وقد كان للمباني العمومية وكلاء أو نظار، وجميعهم يعينهم الداي في الجزائر والباي في الأقاليم، وهم مسؤولون لديه، ولهم محاسبون دوريون، تقدم إليهم السجلات والحسابات لمعرفة حالة المداخيل والمصاريف واستعمال حقوق الوقف في مكانها المشروع.
ومنذ اللحظات الأولى للاحتلال وقع الغدر بالمادة الأساسية في اتفاق الجزائر في يوليو ١٨٣٠، وهي المادة التي تنص على احترام الأملاك واحترام الدين الإسلامي والعادات الخ. فقد استولى المحتلون الفرنسيون على ما اسموه بأملاك البايلك أو الدولة الجزائرية، ثم على أملاك أخرى سموها أملاك الأتراك، وبعد أقل من شهرين أصدروا قرارا نص على وضع جميع الأملاك الدينية وبناياتها في يد أملاك الدولة الفرنسية (الدومين). وهكذا دخلت الجزائر في قبضة الأخطبوط الجائع الذي رأى المال في يد السكان جريمة يعاقبون عليها. ولقد كان على الجزائريين أن يحتجوا على هذه الإجراءات التعسفية ومصادرة أملاك آبائهم وأجدادهم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية ومن تراثهم الديني، ولكن كانت الكلمة للقوة.
واستمرت (التشريعات) الفرنسية تسلب الجزائريين حقوقهم مرحلة بعد مرحلة إلى أن اندمجت مداخيل الأوقاف الإسلامية في ميزانية الدولة الفرنسية وضاع حق الجزائريين في التعليم منها وفي المساعدات الاجتماعية لفقرائهم. كما كان مصير عقاراتها وأراضيها هو التوزيع على المهاجرين الفرنسيين (الكولون). وكان حظ المساجد والزوايا والقباب والجبانات في العاصمة بالذات هو الهدم والتصرف الحر فيها والتعطيل عن الغرض، كما عرفنا. والعجب أن الجزائريين قد نسوا كل ذلك اليوم، نسوه كدولة من واجبها أن تطالب به الدولة الفرنسية التي استولت على ما أسمته بأملاك البايلك سنة ١٨٣٠، ونسوه كشعب عليه أن يكون ذاكرا لكل حقوقه محافظا. على كل تراثه لأنها حقوق وتراث أجيال وليست لجيل بعينه.
стр. 2107
بالنسبة لأملاك الدولة، اعتبر قادة الحملة الفرنسية أن كل ما كان بيد الدولة الجزائرية أصبح ملكا للدولة الفرنسية. ولذلك استولوا على القلاع والقصور والثكنات وما شابهها، وكذلك استولوا على الخزينة العامة والأسلحة والثروات والعتاد والأراضي التابعة للبايلك. وكلما استولوا على مدينة أو منطقة طبقوا علها هذا المبدإ وضعوا أملاك الدولة المقهورة إلى أملاك الدولة القاهرة.
وهناك ملكيات فردية أو خاصة استولى عليها الفرنسيون أيضا بمنطق الغزو والجبروت، لأنهم لو حافظوا على معاهدتهم مع الداي حسين لما تعرضت هذه الملكيات لسوء ولبقيت في أيدي أصحابها. يقول السيد أوميرا، إن قائد الحملة (بورمون) لم يجد صعوبة في إسكان الجيش (١). فلم يكتف بالاستيلاء على الثكنات وقلعة ال ٢٤ ساعة (اختفت) وقلعة باب عزون (هدمت). وسكن القائد نفسه في بناية جميلة هي المعروفة بقصر الشتاء، وأسكن قادة الجيش في أجمل منازل الحضر، وهي المنازل (الفيلات) التي وضعت أيضا تحت تصرف الإدارة العسكرية والمدنية. وقد اتخذ قرارا بجعل كل الأملاك تحت إدارة الدولة (الدومين)، بإشراف السيد جيراردان، مترجم جيش الحملة. كما تقرر ضم بيت المال (٢) إلى هذه الإدارة وجعلها تحت التصرف المباشر لجيراردان. وبعد ذلك بقليل صدر القرار بمصادرة جميع أملاك (الأتراك) في الجزائر. وهذه المصادرة على نوعين، الأول يخص الأتراك الجنود غير المتزوجين في الجيش الإنكشاري، والثاني يخص الأتراك المتزوجين من جزائريات ولهم ذرية. وليس هناك مبرر قانوني، حسب اتفاق الداي مع بورمون، لانتزاع الملكية من هؤلاء ولا من أولئك. أما بالنسبة
стр. 2108
للمتزوجين فقد نشأت أزمة اجتماعية وإنسانية على المصادرة والطرد من البلاد. فإذا كانت المصادرة بحجة أن المالك زكي، فأين حقوق الزوجات والأبناء في الملكية؟ وقد احتج حمدان خوجة ومن معه على هذا الخرق الصارخ للاتفاق وعلى الظلم الفاحش والحرمان الذي طرأ في حق الزوجات والذرية من تجريد الأتراك من أملاكهم ومصادرتها وضمها لأملاك الدولة الفرنسية. إن الفرنسيين لم يكتفوا بالتفريق بين المالك وملكه بل بين الزوج وزوجه وبين الأب وبنيه أيضا (١).
يذهب الفرنسيون إلى أنه لو لم يستعملوا تلك الطريقة لتأخر إنشاء الملكية الفرنسية في الجزائر سنوات طويلة. فتجريد الأتراك من أملاكهم ومصادرة أملاك مكة والمدينة وغيرها، مثل أملاك الأندلس، قد سهل على الدولة الفرنسية توفير العقارات والمباني لمنحها للأوروبيين المهاجرين للاستيطان والاستقرار. ذلك أن الملكية كانت غير قابلة للتقسيم والبيع، بصفتها جماعية، وكان من بين أصحاب الحقوق فيها أناس غائبون، إلى غير ذلك من العراقيل التي رآها الفرنسيون تحول دون تمتعهم بالسكن السريع. كما أن المضاربات كانت تأخذ طابعا فظيعا حول التملك في العقارات لأن بعضهم وجد نفسه يبيع ما لا يملك والآخر يشتري ما هو غير موجود. لذلك قررت السلطات الفرنسية الاستيلاء بالقوة على الأملاك وبيعها للأوروبيين والتصرف فيها. وكان أول الضحايا لهذه الإجراءات هم الأتراك، كما ذكرنا ثم أملاك الأوقاف الإسلامية، ثم أملاك الحضر أنفسهم. لقد كان الفرنسيون على ما قيل يخشون من ثورة الإنكشارية فحكموا بطردهم، بل اعتبروا حتى الكراغلة خطرا، عليهم في البداية. وعزلوهم من وظائفهم، ولم يكتفوا بذلك بل طردوا كثيرا منهم وصادروا أملاكهم، كما أشرنا، وأظهروا شيئا من
стр. 2109
التسامح مع الحضر واليهود في البداية أيضا. واستعملوا أسلوب التفريق بين السكان، فكان القرار الأول لطرد الأتراك قد صدر عن كلوزيل، قائد جيش الاحتلال، في سبتمبر ١٨٣٠، أما القرار الثاني فقد صدر عن خلفه، بيرتزين، في جوان ١٨٣١.
لقد أصبح الأتراك خارج الجزائر، فمن يسمع احتجاجهم ضد الظلم الذي وقع عليهم؟. وكانت لهم حقوق كغيرهم من المسلمين في أوقاف مكة والمدينة وغيرها ولكن جميعها قد صودرت (١) منذ سبتمبر ١٨٣٠، كما سنرى. والكتاب الفرنسيون يعترفون أن لكل المسلمين الحق في الأوقاف بمن فيهم الأتراك، الذين أصبحوا خارج الجزائر. ولكن الاحتجاجات أسكتت بالردع، فاستعمل كلوزيل العصا الغليظة وكذلك روفيقو، الذي جاء سنة ١٨٣٢. كما حرش الفرنسيون بعض الجزائريين ضد الأتراك، بينما عاش الفرنسيون المرحلة الأولى يمتصون دم هذا وذاك على السواء، ويستنزفون خيرات الأوقاف العامة والخاصة. وقد حاول العلماء والوكلاء أن يفهموا الفرنسيين أن الأملاك الدينية لا تخص فريقا واحدا من المسلمين. فأملاك مكة والمدية والأندلس والأشراف كانت كلها فردي خدمات عامة لجمع المسلمين مثلها في ذلك مثل المساجد والزوايا وعيون الماء والطرقات، وأن مؤسسات الوقف تقوم بخدمات تعليمية واجتماعية كبيرة، لأن مداخيلها كانت تستعمل لأغراض محددة و. اجبارية مثل المساعدات العامة، والتعليم وأجور العلماء والطلبة والعناية بالمقابر ودفن الموتى، وتوفير الماء والمحافظة على الطرقات (٢).
وقد لخص بعضهم الأوجه الاجتماعية والدينية لخدمات مؤسسات
стр. 2110
الوقف العامة على النحو التالي:
١ - ما يذهب ريعه للتخفيف على الفقراء بتوزيع النقود والمواد الغذائية، يوم الخميس وعشية الجمعة.
٢ - ما يستعمل ريعه لصيانة المؤسسات الدينية، في مكة والمدينة بالذات، وهو الريع الذي يصل إلى شيخ الإسلام في مكة سنويا.
٣ - الريع الذي يستعمل لافتداء الأسرى المسلمين عند النصارى. (وهذا طبعا كان قبل الاحتلال الفرنسي، وأسقطه الفرنسيون بعد الاحتلال).
٤ - ما يعود ريعه إلى صيانة المساجد والمباني الدينية على العموم (١).
٥ - مصارف وأجور القائمين على المساجد وغيرها كالأيمة والعلماء والطلبة والحزابين والوكلاء.
إن الأطروحة التي انطلق منها الفرنسيون في مصادرة أملاك الوقف قد ذكرناها، ولكن بعض الكتاب المتأخرين يدورون حول أسباب أخرى تبدو أحيانا بعيدة عن هدف الفرنسيين الأولين. إن الدافع الرئيسي من الاستيلاء على الأوقاف العامة كان يتمثل في نظرنا في الرغبة في الاستحواذ على الأموال لتضخيم ودعم ميزانية الدولة الفرنسية، وهو أمر واضح من مبدإ الاستعمار نفسه، إذ هو الاستثراء على حساب الشعب المستعمر. ويفتخر الفرنسيون بأنهم قد وجدوا في خزينة الدولة الجزائرية من المال ما عوضهم عن حملتهم بل فاض عليه، واعتبروا ذلك من نوادر حملاتهم، بل الحملات جميعا. ولكنهم لم يكتفوا بالخزينة الرسمية، بل مدوا أيديهم وعيونهم للأوقاف العامة أيضا، وهي كما نقول اليوم (مال الشعب). فأضافوا مداخيلها
стр. 2111
إلى مداخيل أملاك الدولة الفرنسية، وحرموا منها المسلمين أصحاب الحقوق فيها.
أما الدافع الثاني في نظرنا في الاستيلاء على الأوقاف العامة، فهو ما أشار إليه البعض أحيانا، وهو الخوف من أن يستعمل المسلمون المال الذي عندهم لاسترداد سيادتهم على بلادهم والتحكم في مصيرها وطرد الفرنسيين منها. فالمال قوام الأعمال، كما يقولون، والفرنسيون الأولون كانت لا تغيب عنهم هذه الفكرة، وقد تجسسوا على المفتي ابن العنابي وحصلوا منه على تصريح بأنه مستعد لجمع جيش وإعلان الجهاد ضد جيش الاحتلال. وكانت للداي حسين مراسلات بالشفرة مع علماء وشيوخ وأعيان الجزائر يعدهم فيه بالرجوع ويحثهم على الصبر ومواصلة العمل على تحرير البلاد. وقد وقعت هذه المراسلات في أيدي المخابرات الفرنسية فعرقلوا المخطط. وكان حمدان خوجة يتراسل بالشفرة أيضا مع عدد من زعماء البلاد، وسافر إلى قسنطينة مرتين للاتصال بالحاج أحمد، إلى غير ذلك من المحاولات التي تجعل الفرنسيين يتوجسون خيفة من عملية مضادة يكون المال الذي في أيدي أملاك الأوقاف وسيلة كبيرة لها. فبادروا بوضع أيديهم على هذه الأملاك منذ أول وهلة، دون مراعاة المعاهدة ولا ذوي الحقوق ولا حرمة الدين.
لكن ما يذكره البعض كسبب لمصادرة أملاك الأوقاف لا يخلو أيضا من عبرة وتأمل. إن السيد ديفوكس المعاصر لعمليات المصادرة وردود الفعل، يرى أن وراء ذلك أفكارا معادية للدين عموما جاء بها الفرنسيون المتأثرون بثورتهم سنة ١٧٨٩، وهي أفكار مضادة لرجال الدين من جهة ومضادة للتعصب الإسلامي من جهة أخرى. وقد أيد ديفوكس هذه الأطروحة، فقال: إن وضع الأوقاف في الجزائر يشبه وضع أملاك رجال الدين في فرنسا قبل الثورة. لذلك كانت الإدارة الفرنسية في الجزائر حريصة على أن لا يكون لرجال الدين دخل خاص، بل يجب أن يكون كل شيء تحت يد الإدارة نفسها، وهي التي تتولى نفسها الصيانة والتسيير مباشرة. ويبدو أن السيد ديفوكس قد نسي أن الأوقاف ليست مالا خاصا لرجال الدين، بل هم أمناء
стр. 2112
عليها فقط. ومع ذلك فهو يرفض النقاش حول الاعتراضات التي وردت على مصادرة الأوقاف، وجاء بمبررات لهذه المصادرة لا تخلو من عبرة للجزائريين اليوم. فقد قال عن الشعب الجزائري إنه شعب متعصب غارق في الروتين والتقاليد، بعيد كل البعد عن الأفكار الفرنسية، وهو شعب خصم للمحتلين، ولا يرى في الإصلاحات الفرنسية (؟)، إلا وسيلة للتدخل والإهانة، ونقضا للمعاهدات، والاستغلال. واعترف ديفوكس، بأن الحكومة الفرنسية قد (ضربت ضربة قوية) في الجزائر سنة ١٨٣٠ حين أنشأت نظاما لإدارة أوقاف المسلمين شبيها بما كان عند الفرنسيين. ثم أيد قرار كلوزيل الذي سنتحدث عنه (٠٧ ديسمبر ١٨٣٠) (١).
وهناك أطروحة أخرى جاءت في سجل الإحصاءات (طابلو) لسنة ١٨٣٩، كما رددها بعض الكتاب منذ ذلك الحين. وهي تقوم على أن الوكلاء كانوا غير أمناء ولا نزهاء، فهم يدخلون فقراء ويخرجون أغنياء، ومعنى ذلك أن منصب الوكيل على الأوقاف عموما هو منصب جالب للمال والثروة، وأن مال الأوقاف كان يذهب إلى جيوب الخواص فيستفيدون منه هم قبل غيرهم من أصحاب الحقوق. ويتهم صاحب هذا الرأي نزاهة الوكلاء ويظهر حرص الإدارة الفرنسية على المصلحة العامة أكثر من حرص الوكلاء عليها. ويذهب إلى أن هذه الإدارة قد أبقت على نظام الوكلاء بعض الوقت فظهر فيهم الفساد والتعفن كما كان الحال في العهد (التركي)، ولكن هذه الأطروحة مردودة، لأن السلطات الفرنسية لم (تجرب) هؤلاء الوكلاء ثم تتخذ قرارها بل إن قرارها قد صدر في سبتمبر ١٨٣٠، بعد شهرين فقط من الاحتلال، ولو أنها انتظرت عاما أو عامين أو أكثر وحصلت على حسابات غير نزيهة لصدقنا الأطروحة المذكورة. وقد ضرب البعض مثلا على الفساد وسوء التسيير لدى الوكلاء فقال إن أوقاف مكة والمدينة وحدها كانت سنة ١٨٣٥ توفر ما قدره ٩٠، ٠٠٠ فرنك (بعد المصادرة)، غير أن الفرنسيين لم
стр. 2113
يجدوا إلا ٦٣,٠٠٠ فرنك وزعت على الفقراء، أما الباقي فقد اختفى (١).
القرارات وتنفيذها
وقد حان الوقت لذكر القرار الشهير الذي اتخذه كلوزيل في سبتمبر ١٨٣٠، ثم أجل تنفيذه إلى ٧ ديسمبر ١٨٣٠ (٢). وقد أشرنا إلى أن القرار ينص على مصادرة الأملاك الدينية مهما كان نوعها -عامة وخاصة- ووضعها في يد مصلحة أملاك الدولة الفرنسية أو (الدومين). ويشمل ذلك أوقاف مكة والمدينة والمساجد والأندلس وسبل الخيرات وغيرها. وكان يحتوي على ثماني مواد، جاء في الأولى منها: كل المنازل والمتاجر والدكاكين والبساتين والأراضي والمحلات، وأية مؤسسة، مهما كانت، لها ريع، مهما كان عنوانه، موجهة إلى مكة والمدينة، أو المساجد، أو أية جهات محددة، ستكون مستقبلا تحت إدارة الدومين، وهي التي تؤجرها، وهي التي ستحصل منها على المداخيل وتقدم عنها الحساب إلى من يهمه الأمر.
ومما جاء في المادة الرابعة من هذا القرار أنه خلال ثلاثة أيام سيضع المفتون والقضاة والعلماء وغيرهم، وهم المقترحون إلى الآن، لتسيير المؤسسات المذكورة، سيضعون لدى إدارة الدومين الأسماء وعقود الملكية والأزقة (جمع زمام) والسجلات والوثائق التي تهم تسييرها، وكذلك قائمة اسمية بالمحلات، وعليهم أن يكتبوا عليها أيضا مبالغ الإيجار السنوي لها ومدة آخر دفع مستحق.
وقد تضمنت المادة السابعة منه ما يلي: إن كل شخص يكشف للحكومة عن وجود بناية غير مصرح بها سيكون له الحق في نصف الغرامة
стр. 2114
التي ستفرض على المتسترين.
وجاء في المادة الخامسة من قرار كلوزيل المذكور أن على مسيري الأملاك الدينية العمومية أن يقدموا كل شهر عرضا أو كشفا إلى مصلحة أملاك الدولة، يتضمن مصاريف الصيانة والخدمات الخاصة بالمساجد وأعمال الإحسان وغيرها من المصاريف التي كانت في العادة تؤخذ كمعونة من مداخيل هذه الأملاك. وهذا لا ينطبق على أوقاف المساجد والزوايا ونحوها. وقد تخلصت مصلحة أملاك الدولة أو بالأحرى السلطات الفرنسية بذلك من مسؤولية التعليم والمدارس الإسلامية ومن شؤون الديانة أو توظيف رجال الدين، ومن المساعدات العامة للفقراء. فقد بقيت هذه الأمور جميعا في نظرها، في مسؤولية الوكلاء على المساجد. وبعد اختفاء الوكلاء تولاها (أي إدارة المساجد ...) المتصرفون المدنيون أو مدراء الداخلية. وهكذا كانت مصلحة أملاك الدولة في السنوات الأولى (إلى ١٨٤٨) تتولى فقط مصاريف المساعدات العامة المستخرجة من أملاك مكة والمدينة، وهي لا تتضمن سوى مراقبة بسيطة، تقوم بها بمعونة بعض الموظفين المسلمين (الجزائريين) من خارج مدراء أملاك مكة والمدينة. وكان بعض هؤلاء الموظفين المسلمين موظفين أيضا في الإدارة المدنية الفرنسية، مثل الحاج مصطفى بوضربة، الذي تولى سنة ١٨٣٢ أوقاف مكة والمدينة (١).
стр. 2115
إننا اكتفينا بهذه المواد الأربع من الثمانية، وهي الأساسية في نظرنا، لأن الأولى تحدد أنواع الوقف المصادر، وتصفه، والسابعة تسمى الأشخاص المسؤولين عنه، والثالثة تخبر عن مكافأة الواشين ضد المتسترين، ومن ثمة العقوبة والجزاء، أما الخامسة فتنص على تقديم الحسابات. وهذا هو أسلوب كلوزيل الذي استفتح به فترة الاحتلال، فهو أسلوب التهديد والوعيد ومكافأة الواشين على المتسترين، وغير ذلك من وسائل الضغط والإرهاب المادي والمعنوي.
لكن هذا القرار على صرامة لهجته لم ينفذ كله. فأمام الاحتجاجات من الوكلاء وعلماء المساجد، طبق منه ما يتعلق بالمباني العامة (مكة والمدينة ...) وأجل منه ما يتعلق بالمساجد ونحوها مما يسمى بالأملاك الخاصة. ومع ذلك فقد وضعت الإدارة يدها بمقتضاه على كل شيء في الأملاك الدينية سواء كانت خاصة أو عامة. فمن جهة نفذت الإدارة عملية المصادرة ولم يقع بشأنها أي تراجع. ومن جهة أخرى وضعت الوكلاء تحت الرقابة الإدارية الضيقة، وأصبحوا مطالبين بتقديم الحسابات والحصول على الرخص في كل ما له علاقة بالصرف. ولذلك فنحن لا نوافق من يذهب إلى أن القرار قد (بقي حبرا على ورق) (١)، بخصوص المساجد، إلا إذا كنا نتوقع أن يتصرف الفرنسيون في المساجد مباشرة منذ الوهلة الأولى. فقد زعم صاحب هذا الرأي أن الحكومة ترددت أمام العراقيل وأمام ضغط السكان والوكلاء الذين لهم مصالح مادية في استمرار الأوقاف خارج أملاك الدولة الفرنسية، كما زعم أن الوكلاء كانوا يتحايلون، ولم تتخذ الإدارة الفرنسية قرارها النهائي بشأن المساجد والزوايا ونحوها إلا سنة ١٨٤٣ ثم أكدته بقرار
стр. 2116
١٨٤٨ (١).
وبناء على ذلك استمرت إدارة أملاك الدولة تشرف مباشرة على أوقاف مكة والمدينة والأندلس وسبل الخيرات وبيت المال وحتى وقف الثعالبي، بينما تركت الوكلاء مؤقتا يؤدون خدمتهم في المساجد والزوايا والقباب والجبانات. ومعنى هذا أنها كانت تشرف على ما كان دخله عاما وسهل الإدارة (وكيل واحد في دور الموظف على كل مؤسسة مما ذكرناه في الأوقاف العامة، فالجملة حوالي خمسة وكلاء فقط) وبذلك تحصلت الإدارة على أموال غزيرة بطريقة سهلة في ظرف قصير. ففي سنة ١٨٣٨ - ١٨٣٩ كان دخل الأوقاف العامة ما يلي (لاحظ الزيادات، وهي بفرنكات الوقت، باستثناء أوقاف الثعالبي، ولاحظ أيضا الزيادة الكبيرة في مداخيل أوقاف بيت المال):
المؤسسة (٢) ... ١٨٣٨ ... ١٨٣٩
١ - أوقاف مكة والمدينة ... ١٢٧، ٨٩٥، ٦٥ ... ١٣١، ٩٤١، ١٣
٢ - أوقاف سبل الخيرات ... ١٣، ٩٨٩، ٢٥ ... ١٤، ٣٦٨، ٤١
٣ - أوقاف الأندلس ... ٤، ٠٩٣، ٥٤ ... ٤، ٩٦٣,٩٨
٤ - أوقاف بيت المال ... ٦، ٠٢٥، ٤٩ ... ٢٦، ١٩٧، ٣٨
٥ - أوقاف الثعالبي ... ٥.٥٧٢,٩٠ ... ٥، ٣٩٦، ٨٠
المجموع: ... ١٥٧، ٥٧٦,٨٣ ... ١٨٢، ٨٦٧,٧٠
стр. 2117
والملاحظ هنا أن الإدارة المالية الفرنسية قد تركت لوكلاء المساجد والزوايا الإشراف المؤقت على ما سمي بالأوقاف الخاصة والصغيرة. مثلا وقف مسجد، أو قبة، أو زاوية، أي ذات المردود الضئيل بالنسبة لمردود الأوقاف العامة. وكذلك نلاحظ أن أوقاف مكة والمدينة التي هي ملك مشاع للمسلمين في الجزائر وفي غيرها قد حولت عن غرضها الأصلي، وأن أوقاف بيت المال قد زادت زيادة كبيرة، وأن أوقاف الثعالبي تعتبر من الأوقاف الغنية الخاصة لأنها أوقاف زاوية معينة، ومع ذلك صودرت ووضعت مباشرة من البداية تحت الإدارة المالية لوفرة دخلها.
إن الإدارة الفرنسية لم تبق على هذه الأملاك كأمانات، بل تصرفت فيها بالبيع والعطاء والتأجير ونحو ذلك، كما تصرفت فيها بالهدم والتحويل والتعطيل والاحتلال العسكري والمدني. وقد قال تقرير يرجع إلى سنة ١٨٣٩ إن حوالي نصف المنازل التابعة للأوقاف الدينية قد اختفى بالهدم أو منح للمصالح العامة، مدنية وعسكرية ودينية. ومع ذلك فإن المداخيل والعوائد قد تضاعفت من الصدقات والتبرعات، حتى أنه بين سنة ١٨٣٤? ١٨٣٩ ازداد الدخل من ٣٦، ٠٠٠ ف إلى ٧٢، ٠٠٠ ف. وذلك دون الأخذ في الاعتبار المساعدات التي خرجت منها للفقراء. ولك أن تسأل: أين حق أصحاب الحقوق في هذه الأموال الطائلة كلها؟ إن التعويض المنصوص عليه لم يقع، فهناك من بيعت حقوقهم في أملاك الوقف أو هدمت المباني أو أعطيت للأوروبيين أو استولت عليها المصالح العسكرية والمدنية، ولكن دون دفع التعويضات لأصحابها. وقد قال أوميرا بهذا الصدد إن تحويل المصالح والتصرف في البنايات الدينية التابعة للأوقاف قد وقع دون تعويض من له الحق فيها. وإن هذا الإجراء التعسفي لا يلغي حق أصحاب الحقوق السابقة في أملاكهم، لأن الأهالي يظلون مالكين بالشروط التي نص عليها القانون (١). وقد قلنا إن فقراء مكة والمدينة لم تعد تصلهم حقوقهم أيضا ولا
стр. 2118
الأتراك الذين طردوا، ولا الجزائريين الذين نفوا من بلادهم على إثر الثورات، الخ. ولا حاجة إلى ذكر فقراء الجزائر عامة.
أما بالنسبة للأوقاف الخاصة فقد قلنا إنها بقيت مؤقتا في يد الوكلاء، رغم أنها رسميا وضعت تحت الإدارة المالية الفرنسية. ويقول تقرير سنة ١٨٣٩ عنها إن هذه الإدارة رأت ألا تسلك الطريقة الصلبة التي سلكتها إدارة الدومين مع الأوقاف. لقد اكتفت مع الأملاك الخاصة بالحصول على المعلومات الضرورية من الوكلاء، وعلى قائمة جرد للأملاك التي اختفت أو غير الكاملة، والقصد من ذلك الوصول إلى: ١ - معرفة الأخطاء التي ارتكبت، ٢ - الاحتفاظ بالمبالغ المالية لمستحقيها، ٣ - إدخال النظام الفرنسي دون إشعار الوكلاء بذلك ودون إثارة المشاعر الدينية للأهالي.
وسيرا على هذا الخط اختارت إدارة المالية وكلاء جددا تثق هي فيهم بدل القدماء المرتبطين بالعهد العثماني وإدارته (وكان الفرنسيون يتهمون هذه الإدارة بالفساد ويتهمون موظفيها بعدم الإخلاص لهم) وجعلت من حق الوكلاء الجدد، هؤلاء الطائعين النزهاء في نظرها، الاحتفاظ بالصناديق المالية لمداخيل الأوقاف تحت أيديهم، ولكنهم لا يستطيعون الصرف منها أو القبض إليها دون تأشيرة مكتب المراقبة الفرنسي الذي أنشئ لهذا الغرض والذي كان يطلب دائما الوثائق المبررة لكل عملية. وفي حالة تعطيل أي مبنى أو بيعه فلا بد من موافقة وزير الحربية نفسه على ذلك (١). ومن الناحية النظرية فإن كل الشؤون المتعلقة بالتعليم والعدل والديانة كانت من مشمولات هذا الجهاز (مكتب المراقبة).
وقد برر السيد أوميرا أيضا هذا الوضع المؤقت للوكلاء على المساجد وما إليها، مما يسمى بالأوقاف الخاصة، فقال إن مصلحة أملاك الدولة كان من السهل عليها أن تتعامل مع بعض الوكلاء الذين أصبحوا موظفين مأجورين
стр. 2119
عندها بالنسبة لأوقاف مكة والمدينة وبيت والمال الخ. ولكنه كان من الصعب عندئذ الإشراف على وكلاء يبلغ عددهم بين ١٥٠ و ٢٠٠ وكيل (وهو عدد المباني الدينية في مدينة الجزائر تقريبا). ولا ننسى أن كل مدينة كانت تتمتع بنفس النظام، وقد أخضعها الفرنسيون لنفس الإجراءات أيضا بعد احتلالها.
استمر الوضع إذن على هذا النحو إلى ٢١ غشت ١٨٣٩. ففي هذا التاريخ حصل تعديل في مفهوم الملكية. إن قانون ١٨٣٩ قسم أملاك الدولة (الدومين) إلى ثلاثة أصناف: ١ - الدومين الوطني، ٢ - والدومين الكولونيالي، ٣ - والأملاك المصادرة. وقد أدخل القانون أملاك الوقف في القسم الثاني. كما نص على التعويض للمستحقين في حالة الهدم، أما ما عدا ذلك فقد استمر العمل ساريا بمقتضى قرار ٧ ديسمبر ١٨٣٠ إلى سنة ١٨٤٨.
غير أن هناك قرارا آخر توضيحيا صدر سنة ١٨٤٣. ففي ٢٣ مارس من هذه السنة أصدر وزير الحربية (١) قرارا من ثماني مواد، جاء في الأولى منه أن كل الوصولات والمصاريف الناتجة عن المؤسسات (الدينية) والأوقاف مهما كان نوعها (٢)، قد أصبحت ملحقة بالميزانية الاستعمارية (الكولونيالية). ونصت المادة الثانية على استمرار مصلحة أملاك الدولة في تسيير المؤسسات الدينية، حسب القرارات السابقة. وجاء في المادة الثالثة أن البنايات المنجرة
стр. 2120
عن المؤسسات الوقفية والتي توقفت عن تبعيتها الدينية ستجمع فورا إلى تلك التي دخلت في المادة السابقة، ويكون تسييرها طبقا لنفس الأحكام. وأما البنايات التابعة لمؤسسات ما تزال مخصصة للديانة (الإسلامية) فقد نصت المادة الرابعة على ضمها بالتدرج إلى مصلحة الدومين طبقا لقرارات خاصة، كما ضمت أوقاف بين المال إلى هذه المصلحة أيضا (١).
وفي سنة ١٨٤٣ جرى أيضا حادث آخر أدى إلى وضع مصلحة أملاك الدولة يدها على أوقاف الجامع الكبير بالعاصمة أيضا. وقد كان هذا الجامع إلى ذلك الحين مستقلا بوكيله وأوقافه باعتباره مؤسسة خاصة في نظر القانون الفرنسي. وهذا الحادث هو عصيان المفتي المالكي مصطفى الكبابطي أوامر الحاكم العام المارشال بوجو، فما كان من المارشال إلا أن عزل المفتي ونفاه من البلاد. لكن الجديد هو إصدار قرار ٤ جوان ١٨٤٣ الذي يقضي بضم أوقاف الجامع الكبير إلى مصلحة أملاك الدولة. وهو قرار مصادرة تعسفية لا غبار عليه. وكانت هذه الأوقاف عظيمة الشأن منذ تأسيس الزاوية والمدرسة التابعة للجامع في عهد المفتي سعيد قدورة في القرن ١١ هـ.
ونص قرار بوجو الاستثنائي على أن:
(١) كل البنايات التي يرجع دخلها إلى الجامع الكبير وموظفيه، ومهما كان عنوانها، ومهما كان اسمها، تبقى داخلة تحت يد مصلحة أملاك الدولة الاستعمارية (الدومين الكولونيالي).
(٢) وكل المداخيل والمصاريف الخاصة بهذه المؤسسة الدينية (الجامع الكبير)، مهما كانت طبيعتها، تكون ملحقة بالميزانية الاستعمارية.
(٣) وكل المصاريف المتعلقة بالموظفين الدينيين وصيانة المساجد وأجور الديانة (الإسلامية)، وكذلك الإغاثات والصدقات التي كانت تقدمها هذه المؤسسة (الجامع الكبير) تتولاها منذ الآن الإدارة. وهي داخلة في الميزانية الداخلية.
وهكذا كانت أوقاف الجامع الكبير هي الوحيدة من أوقاف المساجد
стр. 2121
والزوايا، التي ضمت إلى مصلحة ما سمي بالدومين الكولونيالي قبل سنة ١٨٤٨.
ففي عهد الجمهورية الثانية المتحمسة للاستعمار والتغلغل في المجتمع الجزائري والسيطرة على مقدراته، صدر قرار خطير آخر يتعلق بضم جمع الأوقاف الخاصة، مهما كانت وأينما كانت في الجزائر، سواء كانت ما تزال قائمة أو محولة أو مندثرة. وبذلك انتزعت المساجد صغيرها وكبيرها، والزوايا سواء كانت وراثية أو غير وراثية، والقباب سواء كانت لولي أو لباشا، والجبانات سواء كانت عامة أو خاصة ... من يد وكلائها (النزهاء والأكفاء) كما قيل عنهم سابقا، ودخلت تحت إدارة أملاك الدولة، فأصبحت هي التي تجمع المداخيل وهي التي تدفع الأجور، وتطعم الفقراء، وتصون المساجد، على الأقل من حيث المبدأ. وصدر هذا القرار من الحاكم العام (شارون) في ٣ أكتوبر ١٨٤٨. وجاءت فيه ثلاث مواد، نذكر منها ما يلي: جاء في المادة الأولى أن البنايات التابعة للمساجد والمرابطين (القباب والأضرحة) والزوايا، وبصفة عامة كل المباني الدينية الإسلامية، التي ما تزال بصفة استثنائية تحت إدارة الوكلاء، قد أصبحت منذ الآن موضوعة تحت إدارة أملاك الدولة، وجاء في المادة الثانية أن على الوكلاء وضع ما بأيديهم من وثائق ومداخيل وأوجه صرف ومصاريف وقوائم أملاك الخ. في يد مصلحة أملاك الدلة، خلال عشرة أيام من إخطارهم رسميا (١).
ورغم أن ديفوكس قد تحمس لهذا القرار وأخذ، بعد تكليفه رسميا، يحمي المباني الدينية في العاصمة، فإن زميله أوميرا، قد لاحظ الإجحاف في هذا الموقف من أملاك الوقف الخاص، وأكد على أنها أملاك (مصادرة). وهي وإن لم تكن مصادرة صريحة سنة ١٨٣٠ فإنها لم مجد تشوبها شائبة منذ
стр. 2122
١٨٤٨. لقد أصبحت إدارة الدومين هي التي تتولى جميع الأملاك الدينية الإسلامية. وقد لاحظ أوميرا أن هناك فارقا وحيدا بين تحصيل المداخيل في السابق وتحصيلها بعد (المصادرة)، وهذا الفارق هو أن التحصيل لم يعد لفائدة ميزانية كولونيالية ولكن لفائدة ميزانية محلية أو بلدية.
والغريب أن هذه المصادرة كانت بدون تعويض رغم كثرة المتعلقين بالمعالم الدينية المصادرة، ورغم القوانين الفرنسية نفسها التي نصت على التعويض في حالة استعمال البناء للصالح العام. ولم تكن المعالم مجرد ملك خاص للوكيل ولكنها كانت ملكا مشاعا للمسلمين بمن فيهم ورثة الوكيل أو ورثة المحبس. وقد قيل إن الإدارة الفرنسية حين استولت على هذه المعالم قد تكفلت أيضا بالتعليم والمساعدات الاجتماعية والصيانة والشؤون الدينية الخ. ولكننا سنرى أن التعليم كان قد أهمل تماما في هذه الأثناء، وأن الوكلاء والفقراء قد ازدادوا فقرا على فقر، وأن المساجد والمعالم عموما قد أخذت تنهار من الإهمال وعدم الصيانة. فأين إذن المصاريف التي كانت تأتي من أوقاف المعالم المذكورة؟ لقد لاحظ أوميرا أن المصارف كانت قبل المصادرة دون المداخيل، أي أن الوكلاء قد عاشوا في شيء من النعمة من فائض المصاريف بين ١٨٣٠ - ١٨٤٨.
ولكن بعض الوكلاء كانوا قد افتقروا أيضا خلال نفس المدة. فبعد أن كان بعضهم في نعمة نسبية، اضطربت أحوالهم مرات عديدة، وكان على الكثير منهم البحث عن وسائل أخرى للعيش. وكان كثير منهم أيضا قد وجد نفسه بدون عمل ولا مورد للعيش بعد هدم البناية الدينية التابعة له، أو بعد دخولها في الطريق العام أو استعمالها للمصالح العسكرية وغيرها. ذلك أن المحسنين لا يقدمون لهم الحسنات والصدقات عندما يصبح الجامع كنيسة أو ثكنة أو مخزنا أو طريقا أو ساحة عمومية. وإذا كان عليهم أن يحصلوا أجور الدكاكين والمنازل ويعيشون منها، فقد وجدوها الآن قد خضعت للتعطيل والتحويل والبيع والهدم أيضا، وقد يؤدي هدم المسجد إلى هدم الدكاكين من
стр. 2123
حوله، وهي جميعا مورد الرزق للوكيل. وقد ضرب السيد أوميرا المثل بجامع السيدة الذي لم يسقط وحده بل سقطت معه الزاوية التابعة له والمنازل المجاورة. ولاحظ هذا الكاتب أن كثيرا من الوكلاء قد اختفوا بعد قرار ١٨٤٨ (١).
إن الاستيلاء على أوقاف المساجد ونحوها، بعد مصادرة الأوقاف العمومية الأخرى، مثل مكة والمدينة، لا يعني فقط ضربة قاضية للمعالم الإسلامية والتعليم والمساعدات الاجتماعية، ولكنه كان أيضا ضربة مؤلمة للمجتمع كله، إذ كان ذلك يعني حرمانه من موارد كان يعيش عليها آلاف المسلمين في الجزائر وخارجها. وسنرى قرار سنة ١٨٥٧ ينطلق في تبريراته من هذا الوضع الذي أصبح عليه المجتمع الإسلامي في الجزائر بعد أن فقد أملاكه وصنائعه ومنازله وأوقافه لصالح الدولة الفرنسية من جهة، والمستوطنين الأجانب من جهة أخرى.
نماذج من أموال الوقف والإحصاءات
لكن قبل ذلك سنتحدث عن ثلاث نقاط، الأولى نماذج من مداخيل ومصاريف الأوقاف، والثانية التنظيم الإداري الفرنسي للمساعدات الخيرية قبل ١٨٥٧، ثم ذكر بعض الإحصاءات.
لقد تعرضنا فيما مضى إلى مداخيل بعض الأوقاف العامة، مثل مكة والمدينة وبيت المال وسبل الخيرات، ونشير هنا إلى أن مصاريف الأوقاف قد أصبحت قليلة جدا في العهد الفرنسي لأن البنايات قد تهدمت أو حولت إلى مصالح أخرى، كما لاحظنا. وكذلك الأمر بالنسبة للأوقاف الخاصة قبل
стр. 2124
١٨٤٣ و ١٨٤٨. فقد أدخلت أوقاف زاوية الثعالبي ثم أوقاف الجامع الكبير في صندوق مصلحة أملاك الدولة الفرنسية وأملاك الوكلاء مقيدين (موظفين) ومراقبين، ولا حق لهم في صرف أي مبلغ إلا بموافقة إدارة المالية الفرنسية. وعندما شمل قرار المصادرة الفعلية أوقاف جمع المساجد والزوايا والقباب دخلت كل مداخيل الوقف تحت الإدارة الفرنسية. ولم يعد يرجع منها للتعليم والوكلاء والمساعدات الاجتماعية إلا النزر اليسير.
لقد عوملت جميع المعالم نفس المعاملة، فاستحوذ الفرنسيون على أوقاف سيدي بومدين شعيب في تلمسان، وهي الأوقاف التي قيل عنها إنها كانت تبلغ ربع أملاك تلمسان وما حولها، وقيل إن مداخيل هذه الأوقاف كانت عظيمة (١). وفي تلمسان أيضا استحوذ الفرنسيون على عدد كبير من المساجد والقباب والزوايا، ومن ثمة على أموال دخلها وأراضيها ومنازلها. وكان في مدينة تلمسان وحدها ثلاثة عشر مسجدا بين كبير وصغير مثل الجامع الكبير وجامع سيدي الحلوى الخ. وقد ذكرنا أنه كان لجامع سيدي بوجمعة وقف يسمى بستان طاحونة الريح، وهو الوقف الذي وزعته الإدارة الفرنسية على الكولون بعد الاستيلاء على أوقافه كلها (٢). وبالطبع فإن الاستيلاء في تلمسان شمل أيضا الأوقاف العامة كالعيون الجارية والطرقات.
ونفس الطريقة طبقت على الأوقاف في قسنطينة، وهي العاصمة الإقليمية الأكثر هواء عندئذ. فقد كان لها أيضا أوقاف عامة وخاصة قبل احتلالها سنة ١٨٣٧، وكانت أملاك (أوقاف) مكة والمدينة فيها على نوعين، نوع تحت إدارة الناظر ونوع تحت إدارة الوكيل. وكان الناظر هو الذي يجمع دخل هذه الأوقاف ويرسله إلى البقاع المقدسة عبر تونس. أما الجزء الذي تحت إدارة الوكيل فكان يرسل كل ستة أشهر إلى الوكيل العام لأوقاف مكة
стр. 2125
والمدينة في الجزائر، وهو الجزء الذي فضل من المداخيل بعد طرح مصروف إدارة الوكيل وما أنفق على الفقراء. ومنذ الاحتلال استولت إدارة أملاك الدولة أيضا على أوقاف الحرمين بنوعيها، ووضعتها في البداية تحت إدارة قائد الدار (بصفته وكيلا) لإدارتها باسمها وصب أموالها في الخزينة العامة للدولة الفرنسية. وكان لقسنطينة أوقاف عامة أخرى مثل العيون والسبالات والطرقات وكان مصيرها هو المصادرة أيضا.
أما الأوقاف الخاصة في قسنطينة فقد كانت بيد الناظر. ونعني بذلك أوقاف المساجد والزوايا والقباب. وقد أصبح الناظر مجبرا على إدارتها لصالح إدارة أملاك الدولة، كما هو الحال في الجزائر، على أن يصب مداخيلها في الخزينة العامة التي كانت في قسنطينة تحت مسؤولية قائد الدار كما ذكرنا (١). وفي البداية كان لكل بناية وكيل خاص، ثم حدث لها ما حدث في بنايات الجزائر، إذ أدى الحرمان والإهمال إلى اختفاء الوكلاء وتداعي ثم هدم المساجد والزوايا والقباب. ثم جاء قرار ١٨٤٨ الذي صادر جميع أوقاف البنايات المذكورة، والتي أصبحت تدار مباشرة من قبل الإدارة الفرنسية.
وقد برر الفرنسيون استيلاءهم على الأوقاف في قسنطينة بنفس التبريرات التي جاؤوا بها بالنسبة للجزائر. فقالوا إن الوكلاء والنظار قد أساؤوا الإدارة وأفسدوا المال، واختفت على أيديهم مصادر ومداخيل الأوقاف. ولذلك قرر، كما قالوا، المجلس الإداري لمدينة قسنطينة وضع جميع الأوقاف في يد مصلحة أملاك الدولة، وهي التي في نظرهم ستتكفل بالصيانة للمساجد والأملاك العامة. وبدأوا في ذلك بالأوقاف الحضرية (أملاك المدينة). ولكن هذا الإجراء شمل فيما بعد الأملاك (الأوقاف) الريفية أيضا، بعد إجراءات تحديدية دقيقة ومعرفة المسؤولين وإمكاناتهم. وابتدأ العمل في قسنطينة بحصر الأوقاف، فكانت منها (أحباس دار سيدي الشيخ)
стр. 2126
وهم يعنون بها الشيخ الفكون أو عائلة شيخ الإسلام السابقة التي جردت من هذا اللقب منذ ١٨٣٨. ثم (أحباس الجامع الكبير)، وكانت من قبل تحت إدارة (شيخ البلاد) وهي الأحباس التي نشأت بناء على وثائق أصلية وقعها البايات ووافق عليها حكام الجزائر. وتشمل هذه الأوقاف أراضي عديدة كانت تقع خارج مدينة قسنطينة (١). وكان في مدينة قسنطينة حوالي مائة مسجد عند الاحتلال. ولكل منها وكيل وموظفون يعيشون منها، وباختفاء مداخيل الوقف حرم هؤلاء من وسيلة العيش وحرمت البنايات من الصيانة، فأصاب الجميع ما أصابهم من الإهمال، كما ذكرنا.
إن أصغر بناية كان لها في الغالب ما يكفيها وما كفي المشرفين عليها. أما المساجد والزوايا الكبيرة، والأوقاف العامة فكان فانها في معظم الأحيان غزيرا حتى أنها كانت تنشئ بنايات فرعية لها من ذلك الفائض، كما حدث لمدرسة الجامع الكبير بالعاصمة. وإذا كنا قد ذكرنا إحصاء يتعلق بمداخيل الأوقاف العامة لسنة ١٨٣٨ - ١٨٣٩، فلنذكر هنا أن بناية صغيرة مثل زاوية الولي دادة وحدها كان دخلها سنة ١٨٣١ يساوي ٤٠٣، ٥ فرنكات، وهي منجرة لها من مزرعة قرب وادي الحراش، وكان لها أيضا مخزنان في العاصمة، وقطعة أرض أخرى، وإيجار ثلاثة منازل صغيرة، إيجار الطابق التحتي ومحطة قوافل (٢)، وذلك دون الإشارة إلى (زيارات) المحسنين للزاوية ولا إلى تأجير الإنتاج من إملاكها.
كما أن أوقاف مسجد سيدي الجامي (الجامع)، كانت تتمثل في سبع
стр. 2127
عشرة حانوتا، وخمسة منازل، وغرفة، ورحى، وأرض ريفية (ضيعة) (١). لكننا إذا رجعنا إلى أوقاف الجامع الكبير أو جامع خضر باشا أو جامع سيدي بومدين (تلمسان) أو زاوية الثعالبي أو زاوية الأندلس، فإن الأمر سيكون مختلفا تماما من حيث ضخامة المداخيل. إن جميع المداخيل، قد آلت إلى إدارة أملاك الدولة. ولم يعد المسلمون يحصلون منها إلا على القليل في شكل مساعدات (خيرية) أو في شكل رواتب لرجال الدين الذي يشرفون على ما بقي من المساجد والزوايا.
ولدينا إحصاء هام ذكره كل من ديون وكوبولاني سنة ١٨٩٧ عن مداخيل الوقف. ولكن هذا الإحصاء لا يشمل سوى مداخيل عقارات الوقف المصادرة في. إقليم الجزائر فقط بين ١٨٣٠ - ١٨٩١. فهي تبلغ بناء على هذا المصدر، قريبا من خمسة ملايين فرنك بعملة ذلك الوقت: ٤، ٧٦١، ٥٤٧ ف. و ٤٤ سنتيم.
ومن العقارات في المناطق الصحراوية ما استولت عليه الدولة في الأغواط، وهو عقار واحد، حسب هذا المصدر، وتبلغ قيمته ١١، ٢٠٠ فرنك. ولا شك أن هناك عقارات أخرى مشابهة.
وكانت الأوقاف المصادرة منذ ١٨٣٠، أرضا وعقارا، تتصرف فيها الدولة بالإبقاء عليها تحت يدها أو بإعطائها إلى المهاجرين الأوروبيين. وقد ذكرنا أن ذلك كان يقع بدون تعويض لأصحاب الحقوق الأصليين، كما لاحظ السيد أوميرا، رغم الإقرار بالمبدإ في بعض القرارات. وقد بلغت قيمة أملاك الأوقاف التي استولت عليها الدولة ولم توزعها على الأوروبيين إلى سنة ١٨٩١ ما يلي حسب كل أقليم (٢).
стр. 2128
١ - في إقليم الغرب (وهران): ١، ٥٧٤,٢٢٥ فرنك.
٢ - في إقليم الشرق (قسنطينة): ٥٥٤,٠٧٨ فرنك.
٣ - في إقليم الوسط (الجزائر) ٥٠٩,٧٠٢ فرنك.
وكان الفرنسيون يعرفون أن الجزائريين لن يسكتوا عن اغتصاب أوقافهم، وأنهم في الحقيقة لم يكونوا هادئين ولا متسامحين في حقوقهم. فقد لاحظ لويس رين سنة ١٨٨٤ أن عملية الاستيلاء على الأوقاف كانت دائما محل انتقاد شديد من قبل المسلمين وأنه قد صدرت بشأنها منهم شكاوى كثيرة. وكانت هذه المسألة حساسة لدرجة أنه عند احتلال ميزاب (١٨٨٢) أعلن الحاكم العام، لويس تيرمان، أن أوقاف ومداخيل المساجد الإباضية ستخضع للتشريعات الفرنسية الخاصة بهذا النوع من الأملاك (١). وقد اعترف ديبون وكوبولاني أن (الأهالي) قد طعنوا طعنة شديدة في تراث أجدادهم ومقدساتهم بعد اغتصاب الأوقاف. وشمل سخطهم أهل المدن وأهل الريف على السواء. وفي رأيهما أن العطايا والهدايا التي كانت توقف على المساجد ونحوها من المشاريع الاجتماعية والعلمية والدينية قد انقلبت إلى المرابطين الذين أصبح المسلمون يعتقدون أنهم هم المنقذون بعد فشل ثورات الأشراف والأجواد.
وكان لميزاب مساجدها وأوقافها الغزيرة وكان التحكم فيها في يد العزابة وكبار الشيوخ. وكان ريعها يتوزع على الفقراء في نظام محكم وذلك في مواسم معينة مثل رمضان والحج أو في الحياة اليومية بالنسبة للعجزة والأيتام وغيرهم. وكان التمر يوزع ثلاث مرات في اليوم، وللكتاتيب (المدارس) نصيبها من مداخيل الوقف، وكذلك التلاميذ المحتاجين. ولكل مسجد وكيل يعينه العزابة. وكان الوقف يشمل النخيل والمنازل. وهو من تبرعات المحسنين في كل مدينة. ويقام حفل سنوي توزع فيه الصدقات على الفقراء تحت إشراف العزابة، وقد يتكرر ذلك خلال العام الواحد. وعلى
стр. 2129
غرار المدن الأخرى فقد كان الضيوف والغرباء يجدون ملجأهم وطعامهم من مداخيل الأوقاف (١). وقد ادعى لويس ماسينيون أن الإدارة الفرنسية قد (احترمت) الأوقاف في الجنوب عموما سيما في ميزاب، والغريب أنه ادعى كذلك أن منطقة الهقار ليس فيها مساجد (ومن ثمة ليس هناك أوقاف)، وذهب أيضار إلى أن العادات هناك (في الهقار) غير إسلامية (٢). وقد عرفنا أن في الهقار أهل علم وفضل، وأهل مساجد وزوايا، وإن الإسلام منغرس هناك، وأن للطرق الصوفية مثل التجانية والقادرية والسنوسية دورها القوي في المنطقة (٣).
وقد كان لزواوة نظام دقيق للأوقاف والمساعدات الخيرية. ففي كل قرية جامع أو أكثر، له مئذنة بيضاء متميزة تظهر عن بعد. ولكل جامع وكيل مستقل عن أمين الجماعة، والجماعة هي التي تنتخب الوكيل، وهو عادة من بين. اغنياء القرية ووجهائها ومحل الثقة فيها، وهو عادة من رجال الدين (المرابطين). ويسمى بعد انتخابه وكيل الجامع. فالجامع إذن تديره الجماعة مباشرة بواسطة الوكيل. ولكل جامع أوقافه الخاصة، وهي متميزة عن أملاك القرية الأخرى. وكانت مهمة الوكيل هي السهر على أموال (مداخيل الوقف) الجامع وحفظ الحسابات. فهو الذي يتلقى المداخيل ويتولى الصرف فيما تقرره الجماعة. ولا يصرف الوكيل أي شيء إلا بحضور الجماعة أو مجلس العقلاء في الخروبة. وأحيانا لا تملك القرية كل الجامع ولكن تملكه خروبة خاصة به، وفي هذه الحالة لا دخل لبقية القرية فيه. ووظيفة الوكيل شرفية فقط وهو لا يتقاضى أي مرتب على عمله. وأوقاف الجامع تنجر من المحسنين أو من التركات التي خصصها أصحاب القرية للجامع.
أما الصرف من الأوقاف فله في زواوة مجالات عديدة، ومنها شراء
стр. 2130
لوازم الجهاد مثل الذخيرة والأسلحة. ومنها المساعدات للحجاج لأداء فرضهم، وتقديم الصدقات للفقراء والمساكيين، والعناية بالغرباء والمسافرين. وقد ذكرت بعض المصادر أن من بين ما تصرف فيه الأوقاف في زواوة منح الجوائز للشعراء والمغنين الذين يسمون بالفصحاء (الفصاح) (١). ولكن الاستيلاء على زواوة، وإلغاء نظام الجماعة، والسيطرة على الموارد العامة سواء كانت وقفا أو غيره، قد أدت إلى بعثرة الحياة الدينية ومنها حياة المساجد وأوقافها ونظام الوكيل وطرق صرف الأموال على الفقراء والعلم والسلاح.
كما اعترف كوبولاني وديبون بعدة أمور أخرى هامة في هذا المجال. منها أن بعض الفرنسيين استكثروا على الجزائريين مال الأوقاف، فهو في نظرهم أكثر من حاجتهم ومن حاجة ديانتهم (الإسلام)، ورأوا أنه من (العدالة) أن تصرف مداخيل الأحباس في المشاريع الفرنسية الأخرى لتساهم في أعباء الإصلاحات المشتركة! ثانيا اعترف الكاتبان أن دمج مداخيل الأوقاف في الميزانية العامة قد أدى إلى عدم صرفها فيما خلقت له وفي غير الغرض الذي أسست من أجله، ولم يعد يتحصل موظفو الديانة الإسلامية في الجزائر إلا على رواتب زهيدة، لا من المداخيل التي نص عليها المحبس باعتبارهم وكلاء، بل باعتبارهم موظفين تابعين للدولة الفرنسية، وبذلك فقدوا أيضا مكانتهم الاجتماعية بين الناس. ثالثا ذكرا أن اغتصاب الأوقاف كان يشمل في البداية الأملاك الحضرية، ولكنه منذ القرار المشيخي (سنتوس كونسلت ١٨٦٣) وضعت مصلحة أملاك الدولة يدها على كل الأوقاف الريفية أيضا، وهي تلك التي ترجع إلى المرابطين والزوايا المحلية القديمة لدرجة أنه يمكن القول إنه لم يعد في مناطق التل والهضاب العليا أوقاف على الاطلاق بل كلها أصبحت ضمن أملاك الدولة (٢).
стр. 2131
ما الذي بقي للجزائريين من أوقافهم الكثيرة بكل أنواعها؟ لا شيء تقريبا. لقد ذهب كل ذلك إلى ميزانية الدولة الفرنسية، وأصبحت هذه الدولة تستعمل المداخيل في مصالحها الدنيوية من بيع العقارات للكولون، وتسليم الأراضي لهم وللشركات الفرنسية والأجنبية، ثم استغلالها في المشاريع العامة دون تعويض أصحابها. وهناك ناحية فقط بقي يظهر فيها أثر الوقف وهي رواتب رجال الدين (١)، وصيانة ما بقي من المساجد، ثم ما يسمى ب المساعدات الخيرية ، وهذه المساعدات قد سارت في مراحل وعرفت تعرجات كثيرة إلى أن كادت هي أيضا تذوب وتنتهي.
فلندرس الآن تاريخ هذه المساعدات وكيف انتهى أمرها إلى دهاليز الإدارة، وإلى التحايل القانوني من خلال الإجراءات والقنوات التي نشأت بين ١٨٤٠ و ١٩٠٠، وكيف انحصرت طرق الوقف في فرع واحد سماه الفرنسيون (المساعدات) أو الإغاثات.
المساعدات الخيرية
إن التسمية في حد ذاتها تخرج الوقف عن حقيقته. فالمسلمون لم يكونوا في حاجة إلى (مساعدة) أو نجدة من أيدي الفرنسيين، وإنما في حاجة إلى مداخيل منصوص عليها في الوقفيات التي كانت لدى وكيل كل بناية وكل مؤسسة دينية. ولكن الإدارة الفرنسية أخرجت جزءا ضئيلا من الوقف لتنفقه في المواسم وغيرها على الفقراء والعجزة، وقد أضيفت إليهم أولاد الشوارع والأيتام، وهم لم يكونوا من قبل داخلين في
стр. 2132
الأوقاف. كما أضيفت أصناف أخرى لا يعترف بها الواقفون. ويعترف أوميرا أن ما يسمى بالمساعدات الخارجة من الوقف قد انحصرت في الجزء الخارج من أوقاف مكة والمدينة فقط. أما باقي الأوقاف فلم نعد نسمع عنه شيئا. كما اعترف أن مصلحة أملاك الدولة لم يكن لها ولا لرجالها الذوق ولا الرغبة في أن تكون هي الوكيلة على توزيع المساعدات. فقد كانت هذه المصلحة مهتمة بمصادرة وضم العقارات الدينية وأملاك البايلك (الدولة الجزائرية) ونحوها، و. اعطائها إلى المصالح العامة أو بيعها إلى الخواص الأوروبيين. ولم تكن هذه المصلحة أيضا مهتمة بتوزيع المساعدات العامة على الفقراء والمساكين (١).
وفي ٧ مارس ١٨٤٠، صدر قرار يجعل توزيع المساعدات على فقراء المسلمين من اختصاص إدارة الداخلية، فهي التي أصبحت تشرف على ذلك بدل مصلحة أملاك الدولة. ومعلوم أن مصدر هذه المساعدات هو أوقاف مكة والمدينة، أما الباقي فلا حديث عليه. ويقول السيد أوميرا إن صدور هذا القرار كان بردا وسلاما على قلب إدارة أملاك الدولة رغم أنها هي التي كانت تسيطر على كل مداخيل الوقف بأنواعه.
ولكن تنظيم هذه المساعدات ظل ينتظر قرارا آخر لحصره في الجهة الحقيقية التي تشرف عليها، تحت رعاية إدارة الداخلية. فكان ذلك هو القرار الذي أصدره الحاكم العام بوجو، في ٢٠ أكتوبر ثم ٢٨ نوفمبر ١٨٤٣، على إثر ضم أوقاف الجامع الكبير، كما أسلفنا. وبناء على هذا القرار الأخير تأسس مكتب خاص بإشراف ورعاية مدير الداخلية، مهمته توزع الصدقات المنجرة عن صندوق مكة والمدينة على فقراء الدين الإسلامي (نعم هكذا الصيغة) (٢). وتألف المكتب الذي دعي بالتأسيسي، من سبعة أشخاص، جزائريين وفرنسيين، وحددت لهم رواتبهم، وقد صنفوا كما
стр. 2133
يلي (١):
١ - كاتب - مترجم الإدارة، وهو من الملكفين بالمالية ... ١، ٥٠٠ فرنك سنويا
٢ - كاتب فرنسي ... ١، ٥٠٠ فرنك سنويار
٣ - عضو أول (فرنسي) ... ١، ٥٠٠ فرنك سنويا
٤ - عضو ثاني (فرنسي) ... ١، ٢٠٠ فرنك سنويا
٥ - عدل أول (مسلم) ... ١، ٢٠٠ فرنك سنويا
٦ - عدل ثاني (مسلم) ... ١، ٢٠٠ فرنك سنويا
٧ - شاوش (مسلم) ... ٦٠٠ فرنك سنويا (٢)
ومن حيث الأهمية فإن الأول والثاني والثالث والرابع يعينهم وزير الحرية، أما الباقون فتعينهم الحكومة العامة بالجزائر باقتراح من مدير الداخلية. ومن الواضح أن هذا المكتب المزدوج دينا ولغة وعرقا كان عبارة عن هيئة تعمل تحت إدارة الداخلية والحكومة العامة. ولكنه من الناحية النظرية كان مكلفا أيضا بصرف المعاشات والمساعدات تحت أي عنوان يشاء، إلى فقراء المتعلمين في الجزائر، وإلى أهل مكة والمدينة، وإلى الأندلسيين. وسنرى أنه كان من صلاحياته منح (العطاءات السياسية).
ثم إن حملة التغيير التي جاءت بها الجمهورية الثانية أدت إلى إصدار قرار أول ماي ١٨٤٨، من الحاكم العام، كافينياك، بإنشاء مصلحة جديدة فيما يتعلق بالعلاقات مع الجزائريين، وسميت ب (مصلحة الإدارة المدنية الأهلية). وتعين على رأسها السيد دولابورت، الذي يرد ذكره كثيرا في مراسلات رجال الدين في ذلك الحين. وكان دولابورت هذا خبيرا بالشؤون العربية والإسلامية، وتولى الكتابة والترجمة مدة طويلة في مصلحة أملاك الدولة التي تحدثنا عن علاقتها بالأوقاف، ثم عمل في إدارة الداخلية. وأثناء وجوده في الإدارة الأخيرة كان يشرف منذ ١٨٤٣، على (مكتب مكة
стр. 2134
والمدينة) المكلف بتوزيع الصدقات على فقراء الدين الإسلامي (كذا). وبهذه المسؤولية الجديدة أصبح دولابورت في مستوى مدير الداخلية بالنظر إلى اختصاصاته كمدير للإدارة المدنية الأهلية. ولكن المكان قد تغير، فقد انتقلت مكاتبه إلى بناية كانت تابعة للجامع الكبير، حيث كان (مكتب مكة والمدينة) يعمل منذ ١٨٤٣ (١).
ويتألف مكتب الإدارة المدنية الأهلية من رئيس ونائب، ومن لجنة تسمى (اللجنة الخيرية). أما رئيس المكتب فهو دولابورت، وهو الكاتب/ المترجم. وكان رئيسا للمكتب السابق أيضا. وأضيف إليه شارل بروسلار نائبا له، وهو أيضا من المستعربين (٢). أما (اللجنة الخيرية) فهو الاسم الجديد لمكتب مكة والمدينة او المكتب الأهلي السابق. ولكن الأسماء غير مهمة هنا، وسنرى أن (المكتب الخيري الإسلامي) سيحل محل هذه اللجنة ابتداء من ١٨٥٧ كما أن (الجمعية الخيرية) ستحل محل (المكتب الخيري ...)، وهكذا. ولكن المحتوى واحد، وهو سيطرة الفرنسيين وتبعية الجزائريين لهم، وهضم حقوق هؤلاء عن طريق المكاتب واللجان والجمعيات المدارة من قبل الفرنسيين، وتذويب مداخيل الأوقاف بطرق ملتوية في مشاريع غير داخلة في شروط المحبس.
وهؤلاء هم أعضاء اللجنة الخيرية عند تأسيسها، وجميعهم من الجزائريين:
١ - علي القزادري، ٢ - أحمد الشريف، ٣ - مصطفى بن أحمد قهواجي، ٤ - محمد بن مصطفى الحرار؛ ويظهر من أسمائهم أنهم من رجال الدين والعلم في العاصمة، الذين بقوا خائفين أو موالين للفرنسيين. وهؤلاء
стр. 2135
الأعضاء كانوا موجودين أيضا في مكتب مكة والمدينة السابق. ومن ثمة لم تتغير تركيبة المكتب الجديدة في الواقع، كما لم يتغير الأمر بالنسبة للصلاحيات. فقد بقيت اللجنة نظريا مكلفة بتوزيع. الإغاثات على الفقراء والعجزة والموظفين القدماء من الأهالي. وكان يمكنها منح مساعدات إلى الوكلاء الذين تعطلت بناياتهم، وتعيين رواتب رجال الدين الموظفين، وتخصيص الإعانات لفقراء مكة والمدينة.
ولم يستمر وجود هذا المكتب طويلا. فبعد سنة واحدة أصبح غير مركزي، وتوزع على ثلاثة مكاتب ولائية أو إقليمية. فأصبح في كل عاصمة إقليم مكتب يقوم بدور المكتب القديم في العاصمة. وكان ذلك في ١٩ مارس ١٨٤٩ حين صدر مرسوم يجعل المكتب المذكور ثلاث وحدات، وكل وحدة منها تحت سلطة الوالي. ونذكر هنا بأن تنظيمات الجمهورية الثانية المتحمسة للاستعمار والاندماج والحكم المدني هي التي عينت النظام الولائي وأعطت للمدنيين صلاحيات هامة على حساب العسكريين. ولكن الاسم الجديد لكل وحدة هو (المكتب العربي الولائي)، وكان له رئيس. أما الاختصاصات فقد بقيت هي هي (١).
وقبل أن نصل إلى مرسوم ١٨٥٧ الذي أنشأ (المكتب الخيري الإسلامي) نقول إنه قد صدرت عدة تنظيمات أخرى قبل ذلك شملت الأوقاف أيضا. ومن ذلك قانون ١٦ جوان ١٨٥١ حول تأسيس الملكية في الجزائر، فهذا القانون أكد مبدأ مصادرة الأوقاف الذي عمل به منذ سنة ١٨٣٠. فقد نص البند الرابع من قانون ١٨٥١ على أن أملاك الدولة تتكون من الأملاك والحقوق المنقولة والعقارية التي ترجع إلى البايلك (الدولة الجزائرية العثمانية). وهذا واضح من مبدأ الغزو والاحتلال، (وكل ما عداها
стр. 2136
من الأملاك المضمومة إلى أملاك الدولة بقرارات أو مراسيم سابقة عن هذا القانون). (تأكيد أوميرا) (١). وقد استنتج أوميرا أن العبارات الأخيرة البارزة، تعني الأملاك القديمة للأوقاف. ورأى أن هذه الأوقاف التي ضمت سنة ١٨٣٩ إلى ما سمي (بالدومين الكولونيالي) قد رجعت بمقتضى قانون ١٨٥١ إلى الدولة التي أصبحت تمنح حق إعطاء ما تراه مفيدا من هذه الأوقاف (الأملاك) إلى إدارة أملاك الدولة الولائية أو إلى إدارة أملاك الدولة البلدية، أو إلى مؤسسات دينية أو خيرية.
ولكن الإدارة الجزائرية لم تنتظر هذا القانون حتى تمنح للبلديات الأملاك العقارية من الأوقاف والتي يرجع أغلبها، كما قال أوميرا، إلى المساجد والزوايا والقباب .. لقد تنازلت الدولة للبلديات عن أملاك الوقف الإسلامية دون تعويض أهلها، رغم قانون ٣/ ١٢/ ١٨٥٣ الذي نظم التنازلات التي وقعت قبل صدوره. ومن النماذج على التنازلات من الدولة للبلدية، ان بلدية مدينة الجزائر قد حصلت على خمس عشرة بناية حضرية من بينها فندق المدينة الذي بنته الدولة على أرض كانت مسجدا وزاوية (٢). كما تنازلت الدولة لهذه البلدية على حديقة مرنقو التي كانت جبانة إسلامية، والمساحة الشاسعة التي أنشئت عليها الجبانة الأوروبية سنة ١٨٣٦، والجبانة الإسرائيلية سنة ١٨٤٤ (٣). فهذه وتلك أقيمتا على أراض كانت تابعة للأوقاف الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك تنازلت الدولة للبلدية عن تسعة منازل حصرية (موريسكية)، انتزعت من بين أوقاف مكة والمدينة. ومع كل هذه التنازلات فإن البلديات لم تقدم أي نصيب من المداخيل في إطار التخفيف على فقراء المسلمين، بل كانت تنظر للأمر على أن المساعدات من شأن الدولة وليس من شأن البلدية.
стр. 2137
إن العلاقة بين الدولة وإدارة أملاكها (الدومين) لم تتغير بتغير القوانين. فبين ١٨٣٠ - ١٨٥١ كانت إدارة أملاك الدولة هي التي تسير الأوقاف لحساب الدولة. وفي كلا الحالين كانت إدارة (الدومين) تحتفظ عندها بحساب خاص لأوقاف بيت المال والأندلس ومكة والمدينة. ولكن هذا الحساب لم يبق إلا اسما فقط. ومن جهة أخرى استمرت الإدارة المذكورة (الدومين) ترسل تقرم اسنويا إلى وزير الحربية، توضح فيه وضع أملاك الأوقاف التي تديرها، والمداخيل والمصاريف التي قام بها المسيرون خلال السنة المنتهية. وعند التأمل يلاحظ على هذه التقارير التناقص السنوي في المداخيل لأن أملاك الوقف منها ما بيع أو هدم أو استخدم في مصالح أخرى، ومن ثمة انعدم ريعها.
وإلى سنة ١٨٤٤ كان هناك أقسام وموظفون يسهرون على هذه الأملاك، ولكن منذ ١٨٥٤ لم يبق إلا مكتب واحد. ففي ١٨٤٤ كانت المصلحة المسماة مصلحة أملاك الوقف الإسلامية تتكون من مكتب للرقابة يشرف عليه فرنسيان برئاسة سوزيد Souzede ونيابة دولسي Doulset . وكان المكتب يضم أيضا أربعة أقسام، حسب مؤسسات الوقف المعروفة، وهي: ١ - مكة والمدينة، ٢ - سبل الخيرات، ٣ - الأندلس، ٤ - بيت المال. وكان المكتب يضم أيضا ثمانية من الجزائريين، لكنهم لم يكونوا وكلاء مستقلين كما كان الحال في الماضي، وإنما كانوا فقط موظفين مأجورين (١). وكان دور المكتب هو (تصفية) أملاك الوقف الإسلامية. وهو الدور الذي انتهى سنة ١٨٥٤ حين لم يبق سوى قسم واحد من الأقسام الأربعة المذكورة، وهو قسم بيت المال الذي كلف بتصفية تركات المسلمين فقط. وهكذا أسدل الستار، بعد ربع قرن من الاحتلال، على أملاك الوقف العامة بطرق متعددة، وانحصرت في تصفية التركات كما انحصرت بالنسبة للأوقاف الأخرى في بعض الإغاثات الخيرية التي تجود بها الإدارة على الفقراء
стр. 2138
والمساكين. ثم جاء (المكتب الخيري الإسلامي) ، لينظم هذه المساعدات أو الإغاثات.
المكتب الخيري الإسلامي
لقد قيل إن قانون إنشاء المكتب الخيري جاء لتدارك بعض التعويض الذي حرم منه المسلمون منذ الاحتلال نتيجة استيلاء الدولة على أملاك الوقف ومصادرتها دون أن تدفع أي تعويض عنها. وقد أصبح التعويض الآن (منذ ١٨٥٧) عبارة عن إغاثات للفقراء، وكأن أملاك الوقف إنما أنشئت فقط لهذا الغرض. إن الإدارة الفرنسية قد حولت أملاك الوقف إلى ثكنات عسكرية وإلى طرقات ومنازل وساحات وكنائس وهدمت الباقي. وكل ذلك قد وقع بدون تعويض للمستحقين من ورثة وغيرهم. ويزعم الفرنسيون أنه منذ ١٨٤٨ أي بعد مصادرة أملاك الوقف التابعة للمساجد والزوايا والقباب، أصبحت الإدارة الفرنسية هي المسؤولة على الصرف على التعليم والديانة والصدقات التي تنص عليها الوقفيات. هذا من حيث المبدإ، ولكن الواقع كان غير ذلك. فقد أهملت الإدارة التعليم العمومي للمسلمين، وتفرقت مصاريفه على مصالح أخرى (١). وأدمجت الإدارة أيضا الموظفين من رجال الدين (الأمة وغيرهم) في ميزانية الدولة أو الولاية، فكانوا يتقاضون أجورا فقط، فأين نصيبهم السابق من الوقف؟ وأين نفقات صيانة المساجد ونحوها المنصوص عليها في الوقفيات؟ أما الصدقات فقد دخلت أيضا في الوعود الضائعة، حتى قال أوميرا إن الإدارة لم تكن دائما وفية لالتزاماتها في هذا الباب (٢). وتشهد الكتابات أن المداخيل من الوقف أخذت تتقلص بالتدرج نتيجة التخلص من المعالم بالبيع والهدم، والتنازل للمهاجرين الأوروبيين والبلديات، إلى أن انحصرت كل المداخيل في مبلغ ضئيل أصبح يستعمل
стр. 2139
للصدقات على الفقراء والمساكين (١).
انطلق تقرير المارشال فيان vaillant وزير الحربية من نقطة رئيسية، وهي افتقار الجزائريين نتيجة احتلال ديارهم وأملاكهم الدينية وخراب صنائعهم وتجارتهم. ولتدارك ذلك اقترح إنشاء مكتب خيري يوزع الصدقات على المحرومين من ميزانية هي في الواقع دين الدولة الفرنسية، كما قال، وليس تفضلا منها أو منة عليهم. ولا يقتصر هذا الافتقار على سكان العاصمة بل يشمل جميع المسلمين في الجزائر بدون منازع. وحصر المارشال في تقريره أسباب البؤس الذي شمل العدد الكبير من سكان الجزائر في:
١ - بيع السكان لعقاراتهم أوائل الاحتلال عن طريق المضاربات، بأثمان بخسة، رغم أنها كانت تمثل ثروتهم التي يعيشون منها.
٢ - منافسة الصناعات الأوروبية لصنائع السكان المحلية، إذ بالتدرج قضت الأولى على الثانية، لإتقانها وسرعتها وضآلة كلفتها.
٣ - استيلاء الدولة الفرنسية منذ ١٨٣٠، على عقارات الأوقاف، وهي العقارات التي أنشأها المحسنون المسلمون وأعطوها بطريق الوقف، إلى مؤسسات ووكلاء للعناية بالدين والفقراء والتعليم.
وبعد ذلك سرد المارشال الأسباب التي أدت بالإدارة الفرنسية إلى مصادرة الأوقاف، فوجدها فيما ذكرناه آنفا وهو: أن طريقة تسيير الوقف تجعل من السهل تهريب ريعه وعوائده بعيدا عن أعين السلطة وأعين الرقباء عموما، ومن جهة أخرى (كان التعصب على أشده) فكان من المخاطرة، في نظر الوزير، أن تترك فرنسا مبالغ مالية ضخمة في أيدي أعدائها مما يمكنهم
стр. 2140
من استعمالها في الحرب ضدها. وقد اعترف المارشال ولكن متأخرا، أن الإدارة باستيلائها على الأوقاف، مهما كانت الأسباب، إنما تحملت هي المسؤولية التي كانت تقوم بها المؤسسات المصادرة، من حفظ المداخيل وصرفها في أوجهها الشرعية. وبناء على ذلك كانت الدولة تقدم للميزانية المحلية أو البلدية، مبلغا من المال ليوزع سنويا كإعانات على قدماء العاملين، وكصدقات وإغاثات لفقراء مدينة الجزائر. إن هذا في الواقع اعتراف من المارشال بأن كل ما بقي من مداخيل الوقف - كل أنواعه - هو المبلغ الذي تجود به الدولة على الفقراء، في شكل إغاثة، رغم أن الوزير كان صريحا عندما قال إن (ما ندفعه هو دين علينا وليس تضحية منا). وهذا هو المبلغ الذي يعينه المارشال ١١٣، ٥١٠ فرنك. هذا فقط ما بقي، وهذا فقط ما كانت تقدمه الدولة الفرنسية (كتعويض) للمسلمين عما فقدوه باستيلائها على أملاكهم العقارية والدينية. ومع ذلك فلنتذكر هذا الرقم جيدا، رقم ١١٣، ٥١٠ ف. سنويا. فإنه لن يبقى كذلك، بل سينخفض أيضا، رغم ضآلته الأصلية (١).
إن من نتيجة الاحتلال أنه بعد ربع قرن أصبح معظم سكان الجزائر فقراء بطريقة منظمة ومضمونة العواقب. ففي ١٨٥٧ كانت ١,٩٨٥ عائلة مسجلة في قائمة المستحقين للصدقات في مدينة الجزائر وحدها، ولكن الذين كانوا يأخذون الصدقة فعلا لا يتجاوزون ٦٩٥ عائلة، وبمعدل فرنكين شهريا. وإلى جانب ضآلة المبلغ في حد ذاته فقد كان يمنح نقدا مما جعله يذهب في يومه وربما قبل منحه، إذ قد يكون دينا على صاحبه، فأين إذن مداخيل العقارات والأراضي والبنايات الدينية التي كانت موردا لآلاف الناس، وعشرات الوكلاء، بالإضافة إلى تنشيط العلم وإحياء الدين وصيانة مؤسساته؟
لقد اقترح المارشال على نابليون طريقة أخرى أجدى في نظره وأكثر عدلا