← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

من الأملاك المضمومة إلى أملاك الدولة بقرارات أو مراسيم سابقة عن هذا القانون). (تأكيد أوميرا) (١). وقد استنتج أوميرا أن العبارات الأخيرة البارزة، تعني الأملاك القديمة للأوقاف. ورأى أن هذه الأوقاف التي ضمت سنة ١٨٣٩ إلى ما سمي (بالدومين الكولونيالي) قد رجعت بمقتضى قانون ١٨٥١ إلى الدولة التي أصبحت تمنح حق إعطاء ما تراه مفيدا من هذه الأوقاف (الأملاك) إلى إدارة أملاك الدولة الولائية أو إلى إدارة أملاك الدولة البلدية، أو إلى مؤسسات دينية أو خيرية. ولكن الإدارة الجزائرية لم تنتظر هذا القانون حتى تمنح للبلديات الأملاك العقارية من الأوقاف والتي يرجع أغلبها، كما قال أوميرا، إلى المساجد والزوايا والقباب .. لقد تنازلت الدولة للبلديات عن أملاك الوقف الإسلامية دون تعويض أهلها، رغم قانون ٣/ ١٢/ ١٨٥٣ الذي نظم التنازلات التي وقعت قبل صدوره. ومن النماذج على التنازلات من الدولة للبلدية، ان بلدية مدينة الجزائر قد حصلت على خمس عشرة بناية حضرية من بينها فندق المدينة الذي بنته الدولة على أرض كانت مسجدا وزاوية (٢). كما تنازلت الدولة لهذه البلدية على حديقة مرنقو التي كانت جبانة إسلامية، والمساحة الشاسعة التي أنشئت عليها الجبانة الأوروبية سنة ١٨٣٦، والجبانة الإسرائيلية سنة ١٨٤٤ (٣). فهذه وتلك أقيمتا على أراض كانت تابعة للأوقاف الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك تنازلت الدولة للبلدية عن تسعة منازل حصرية (موريسكية)، انتزعت من بين أوقاف مكة والمدينة. ومع كل هذه التنازلات فإن البلديات لم تقدم أي نصيب من المداخيل في إطار التخفيف على فقراء المسلمين، بل كانت تنظر للأمر على أن المساعدات من شأن الدولة وليس من شأن البلدية.

стр. 2137

إن العلاقة بين الدولة وإدارة أملاكها (الدومين) لم تتغير بتغير القوانين. فبين ١٨٣٠ - ١٨٥١ كانت إدارة أملاك الدولة هي التي تسير الأوقاف لحساب الدولة. وفي كلا الحالين كانت إدارة (الدومين) تحتفظ عندها بحساب خاص لأوقاف بيت المال والأندلس ومكة والمدينة. ولكن هذا الحساب لم يبق إلا اسما فقط. ومن جهة أخرى استمرت الإدارة المذكورة (الدومين) ترسل تقرم اسنويا إلى وزير الحربية، توضح فيه وضع أملاك الأوقاف التي تديرها، والمداخيل والمصاريف التي قام بها المسيرون خلال السنة المنتهية. وعند التأمل يلاحظ على هذه التقارير التناقص السنوي في المداخيل لأن أملاك الوقف منها ما بيع أو هدم أو استخدم في مصالح أخرى، ومن ثمة انعدم ريعها. وإلى سنة ١٨٤٤ كان هناك أقسام وموظفون يسهرون على هذه الأملاك، ولكن منذ ١٨٥٤ لم يبق إلا مكتب واحد. ففي ١٨٤٤ كانت المصلحة المسماة مصلحة أملاك الوقف الإسلامية تتكون من مكتب للرقابة يشرف عليه فرنسيان برئاسة سوزيد Souzede ونيابة دولسي Doulset . وكان المكتب يضم أيضا أربعة أقسام، حسب مؤسسات الوقف المعروفة، وهي: ١ - مكة والمدينة، ٢ - سبل الخيرات، ٣ - الأندلس، ٤ - بيت المال. وكان المكتب يضم أيضا ثمانية من الجزائريين، لكنهم لم يكونوا وكلاء مستقلين كما كان الحال في الماضي، وإنما كانوا فقط موظفين مأجورين (١). وكان دور المكتب هو (تصفية) أملاك الوقف الإسلامية. وهو الدور الذي انتهى سنة ١٨٥٤ حين لم يبق سوى قسم واحد من الأقسام الأربعة المذكورة، وهو قسم بيت المال الذي كلف بتصفية تركات المسلمين فقط. وهكذا أسدل الستار، بعد ربع قرن من الاحتلال، على أملاك الوقف العامة بطرق متعددة، وانحصرت في تصفية التركات كما انحصرت بالنسبة للأوقاف الأخرى في بعض الإغاثات الخيرية التي تجود بها الإدارة على الفقراء

стр. 2138

والمساكين. ثم جاء (المكتب الخيري الإسلامي) ، لينظم هذه المساعدات أو الإغاثات. المكتب الخيري الإسلامي لقد قيل إن قانون إنشاء المكتب الخيري جاء لتدارك بعض التعويض الذي حرم منه المسلمون منذ الاحتلال نتيجة استيلاء الدولة على أملاك الوقف ومصادرتها دون أن تدفع أي تعويض عنها. وقد أصبح التعويض الآن (منذ ١٨٥٧) عبارة عن إغاثات للفقراء، وكأن أملاك الوقف إنما أنشئت فقط لهذا الغرض. إن الإدارة الفرنسية قد حولت أملاك الوقف إلى ثكنات عسكرية وإلى طرقات ومنازل وساحات وكنائس وهدمت الباقي. وكل ذلك قد وقع بدون تعويض للمستحقين من ورثة وغيرهم. ويزعم الفرنسيون أنه منذ ١٨٤٨ أي بعد مصادرة أملاك الوقف التابعة للمساجد والزوايا والقباب، أصبحت الإدارة الفرنسية هي المسؤولة على الصرف على التعليم والديانة والصدقات التي تنص عليها الوقفيات. هذا من حيث المبدإ، ولكن الواقع كان غير ذلك. فقد أهملت الإدارة التعليم العمومي للمسلمين، وتفرقت مصاريفه على مصالح أخرى (١). وأدمجت الإدارة أيضا الموظفين من رجال الدين (الأمة وغيرهم) في ميزانية الدولة أو الولاية، فكانوا يتقاضون أجورا فقط، فأين نصيبهم السابق من الوقف؟ وأين نفقات صيانة المساجد ونحوها المنصوص عليها في الوقفيات؟ أما الصدقات فقد دخلت أيضا في الوعود الضائعة، حتى قال أوميرا إن الإدارة لم تكن دائما وفية لالتزاماتها في هذا الباب (٢). وتشهد الكتابات أن المداخيل من الوقف أخذت تتقلص بالتدرج نتيجة التخلص من المعالم بالبيع والهدم، والتنازل للمهاجرين الأوروبيين والبلديات، إلى أن انحصرت كل المداخيل في مبلغ ضئيل أصبح يستعمل

стр. 2139

للصدقات على الفقراء والمساكين (١). انطلق تقرير المارشال فيان vaillant وزير الحربية من نقطة رئيسية، وهي افتقار الجزائريين نتيجة احتلال ديارهم وأملاكهم الدينية وخراب صنائعهم وتجارتهم. ولتدارك ذلك اقترح إنشاء مكتب خيري يوزع الصدقات على المحرومين من ميزانية هي في الواقع دين الدولة الفرنسية، كما قال، وليس تفضلا منها أو منة عليهم. ولا يقتصر هذا الافتقار على سكان العاصمة بل يشمل جميع المسلمين في الجزائر بدون منازع. وحصر المارشال في تقريره أسباب البؤس الذي شمل العدد الكبير من سكان الجزائر في: ١ - بيع السكان لعقاراتهم أوائل الاحتلال عن طريق المضاربات، بأثمان بخسة، رغم أنها كانت تمثل ثروتهم التي يعيشون منها. ٢ - منافسة الصناعات الأوروبية لصنائع السكان المحلية، إذ بالتدرج قضت الأولى على الثانية، لإتقانها وسرعتها وضآلة كلفتها. ٣ - استيلاء الدولة الفرنسية منذ ١٨٣٠، على عقارات الأوقاف، وهي العقارات التي أنشأها المحسنون المسلمون وأعطوها بطريق الوقف، إلى مؤسسات ووكلاء للعناية بالدين والفقراء والتعليم. وبعد ذلك سرد المارشال الأسباب التي أدت بالإدارة الفرنسية إلى مصادرة الأوقاف، فوجدها فيما ذكرناه آنفا وهو: أن طريقة تسيير الوقف تجعل من السهل تهريب ريعه وعوائده بعيدا عن أعين السلطة وأعين الرقباء عموما، ومن جهة أخرى (كان التعصب على أشده) فكان من المخاطرة، في نظر الوزير، أن تترك فرنسا مبالغ مالية ضخمة في أيدي أعدائها مما يمكنهم

стр. 2140

من استعمالها في الحرب ضدها. وقد اعترف المارشال ولكن متأخرا، أن الإدارة باستيلائها على الأوقاف، مهما كانت الأسباب، إنما تحملت هي المسؤولية التي كانت تقوم بها المؤسسات المصادرة، من حفظ المداخيل وصرفها في أوجهها الشرعية. وبناء على ذلك كانت الدولة تقدم للميزانية المحلية أو البلدية، مبلغا من المال ليوزع سنويا كإعانات على قدماء العاملين، وكصدقات وإغاثات لفقراء مدينة الجزائر. إن هذا في الواقع اعتراف من المارشال بأن كل ما بقي من مداخيل الوقف - كل أنواعه - هو المبلغ الذي تجود به الدولة على الفقراء، في شكل إغاثة، رغم أن الوزير كان صريحا عندما قال إن (ما ندفعه هو دين علينا وليس تضحية منا). وهذا هو المبلغ الذي يعينه المارشال ١١٣، ٥١٠ فرنك. هذا فقط ما بقي، وهذا فقط ما كانت تقدمه الدولة الفرنسية (كتعويض) للمسلمين عما فقدوه باستيلائها على أملاكهم العقارية والدينية. ومع ذلك فلنتذكر هذا الرقم جيدا، رقم ١١٣، ٥١٠ ف. سنويا. فإنه لن يبقى كذلك، بل سينخفض أيضا، رغم ضآلته الأصلية (١). إن من نتيجة الاحتلال أنه بعد ربع قرن أصبح معظم سكان الجزائر فقراء بطريقة منظمة ومضمونة العواقب. ففي ١٨٥٧ كانت ١,٩٨٥ عائلة مسجلة في قائمة المستحقين للصدقات في مدينة الجزائر وحدها، ولكن الذين كانوا يأخذون الصدقة فعلا لا يتجاوزون ٦٩٥ عائلة، وبمعدل فرنكين شهريا. وإلى جانب ضآلة المبلغ في حد ذاته فقد كان يمنح نقدا مما جعله يذهب في يومه وربما قبل منحه، إذ قد يكون دينا على صاحبه، فأين إذن مداخيل العقارات والأراضي والبنايات الدينية التي كانت موردا لآلاف الناس، وعشرات الوكلاء، بالإضافة إلى تنشيط العلم وإحياء الدين وصيانة مؤسساته؟ لقد اقترح المارشال على نابليون طريقة أخرى أجدى في نظره وأكثر عدلا

стр. 2141

وأضمن اقتصاديا. وذلك بإنشاء مكتب يسمى (المكتب الخيري الإسلامي) تكون مهمته السهر على توزيع الصدقات على فقراء المسلمين، على أن تكون ميزانيته من المبلغ المذكور وهو ١١٣، ٥١٠ ف. الذي كانت الوزارة تسلمه سنويا إلى الميزانية المحلية بالجزائر، فلا يكاد يرى النور ولا يستفيد منه إلا عدد ضئيل. وقد حصر المارشال اختصاصات المكتب فيما يلي: توزيع الإغاثات، وتلقى التبرعات والهبات، وتنظيم استغلالها، وإعانة الوالي (البريفي) على تنفيذ الإجراءات الخاصة بالمساعدات الخيرية للأهالي: وكان الهدف من كل ذلك هو مكافحة التعاسة والبؤس (١) الذي تولد عن حرمان المسلمين من عقاراتهم وبناياتهم الدينية وأملاك الوقف، وكساد صنائعهم، الخ. أما أوجه الصرف فقد اقترح لها المارشال مجالات محددة رأى أنها هي التي تضمن الفائدة المثمرة للمنتفعين وليس الفائدة الآنية مثل الحصول على فرنكين في الشهر يذهبان أدراج الرياح بسرعة. وهذه هي أوجه الصرف في نظره: ١ - إنشاء قاعة - ملجأ للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية والسابعة. ٢ - تخصيص عدد من المنح لتعلم الصنائع الفرنسية. ٣ - إحداث ورشة إنتاجية للفتيات المسلمات اللاتي لهن خبرة في أعمال الإبرة. ٤ - إحداث مورد (فورنو) اقتصادي يوزع المواد بثمن منخفض على ذوي الحاجة. ٥ - إنشاء محطة تمريض للأهالي يتلقون فيها العلاج المؤقت. إن هذا المشروع (الإنساني) في لهجته يجب ألا ينسينا أصل القضية، وهي

стр. 2142

الاستيلاء على أرزاق المسلمين ومواردهم، ودمجها في ميزانية الدولة الفرنسية، وحرمان المستحقين لها منها، وتعويضها بهذا المبلغ الزهيد ليكون مساعدة وصدقة. ومهما كان الأمر فقد وافق نابليون الثالث على تقرير وزيره، وصدر رأيه في شكل مرسوم نص على إنشاء المكتب الخيري وتحديد أعضائه وميزانيته وطرق صرفها. ونلاحظ أن المكتب خاص بمدينة الجزائر، ولكنه قد عمم في غيرها بعد ذلك. وكان يتألف، كما جاء في البند الأول من المرسوم، من: ١ - رئيس فرنسي في وظيفة مستشار الوالي (الريفي). ٢ - رئيس مكتب عربي ولائي (وهو أيضا فرنسي). ٣ - أربعة أعضاء فرنسيين يتكلمون العربية. ٤ - أربعة أعضاء مسلمين (جزائريين) يعرفون الفرنسية. ٥ - عدد غير محدود من الأعضاء الخيريين ومن النساء المحسنات. وهؤلاء جميعا لهم حق حضور الجلسات ولهم صوت استشاري، عندما يستدعيهم المكتب. ٦ - أمين مال يعينه الوالي في وقت لاحق. وقد نص في المادة الثانية على أن الأعضاء المسلمين والأعضاء المستشارين والنساء المحسنات يعينهم الوالي (١) (البريفي). أما المادة الثالثة من المرسوم فقد نصت على أن المكتب يعتبر مؤسسة للمنفعة العامة، ويتمتع بالشخصية المدنية، ويسمح للمكتب بقبول الهبات والتركات التي يتقدم بها الأوروبيون طبقا للقوانين الجارية، أو المسلمون طبقا للشريعة الإسلامية (٢). وقد عرفنا أن ميزاية المكتب السنوية هي ١١٣,٥١٠ ف. وأن المكتب

стр. 2143

الخيري الذي حل محل مكتب مكة والمدينة، قد أصبح يوزع الميزانية على النحو التالي: ١ - الملجأ ٩، ١٠٠ فرنك. ٢ - الورشة ٤، ٢٠٠ فرنك. ٣ - محطة التمريض ٩,٠٢٠. ٤ - المورد الاقتصادي ٨,٢٠٠ فرنك. ٥ - منح التعليم ٥، ٤٠٠ فرنك. ٦ - العاملون السابقون والطلبة (١) ١٧,٦٧٦ فرنك. ٧ - ملجأ الولي دادة ٦٠٠ فرنك. فجملة ذلك هو: ٥٤، ١٩٦ فرنك، ثم يضاف إليه مبلغ ٥٩,٣١٤ فرنك خصصت للفقراء، وبذلك نصل إلى المبلغ الأصلي وهو ١١٣، ٥١٠ ف. والفقراء المشار إليهم هم الذين كانوا في الماضي في عهدة مكتب مكة والمدينة أو كانوا في عهدة غيره من مؤسسات الأوقاف. وقد لاحظ الوزير (المارشال) وكذلك السيد أوميرا أن المبلغ المذكور كان أقل بكثير مما كانت تأتي به أوقاف مكة والمدينة في السابق (٢). ولكن المهم كما قال، أوميرا، هو تحديد المبلغ سنويا (ميزانية). والغريب أنه ليس هناك شيء ثابت بالنسبة للمسلمين في هذه الإجراءات الاجتماعية. فهذا المكتب وهذه الميزانية الضئيلة لم يدم حالهما أكثر من سنة، ثم حدث التغيير الذي استمر إلى أوائل القرن. ونستطيع القول إنه هو التغيير الذي أبى على الأصل ولكنه تحايل

стр. 2144

على ما بقي من مداخيل المسلمين وكاد ينفيها تماما، ولعل ذلك راجع إلى أن الفرنسيين كانوا يتصرفون وحدهم في الميدان، ولم يكن للمسلمين معهم صوت ولا رأي، حتى في الشؤون الخاصة بهم جدا كالأوقاف. فبعد بضعة أشهر من صدور مرسوم ١٨٥٧ حدث تعديل جذري في هيكله الإدارة الفرنسية في الجزائر، وهو ما يعرف بإنشاء وزارة الجزائر والمستعمرات وإلغاء منصب الحاكم العام، وقد تبع ذلك تعديلات وتغييرات في الأجهزة التابعة، كإدارة الولايات والقيادات العسكرية والمسؤوليات المدنية. ومن ذلك إنشاء مجلس عام على رأس كل ولاية من الولايات الثلاث، وإحلال الميزانية الولائية محل الميزانية المحلية والبلدية السابقتين. أما بالنسبة للمكتب الخيري فلم يتغير لا في اسمه ولا ميزانيته ولا تبعيته للولاية. ولكن الجديد هو أن مرسوم ١٠ ديسمبر ١٨٥٨ فرض على الولايات تخصيص مصاريف للمساعدات العامة وخدمات الأهالي (المسلمين) المدنية، على أن تقدم مصلحة أملاك الدولة لصالح الولايات مداخيل الوقف القديم من بيع وشراء وإيجار، باعتبار الولايات هي المتوكلة على الأوقاف، ولا تعتبر المداخيل في هذه الحالة مساعدة للولايات. وبناء على ذلك فإن الولاية أصبحت هي التي تنوب عن الدولة في تخصيص المبلغ المستحق (الميزانية) ومنحه للمكتب الخيري لصرفه في الأوجه المحددة بمرسوم سنة ١٨٥٧. لكن مرسوم ١٨٥٨ أدى إلى تناقص ميزانية المكتب بدل زيادتها. وقد تواصل النقص سنة بعد سنة إلى سنة ١٨٦٩ حين لم تتجاوز الميزانية ٢٣,٠٠٠ ف. (من ١١٣، ٥١٠ ف.) وكان من المفروض أن مصاريف المكتب الخيري لا تنقص إن لم تزد. وقد استمر ذلك الوضع المضطرب إلى ١٨٧٢ (١). وهكذا وقع التلاعب الإداري بأموال

стр. 2145

مداخيلها من أوقاف المسلمين، وهي أموال مستحقة لفقرائهم، ولكنها صرفت لصالح الفرنسيين وفي المشاريع الفرنسية العامة، كما حدث منذ الاحتلال. ويرجع أصل التلاعب الإداري إلى سنة ١٨٦٨ حين تدخل الحاكم العام المارشال ماكماهون وغير من اختصاصات المكتب الخيري ومن تبعيته. فإذا كان مرسوم ١٨٥٨ قد جعل المكتب الخيري مؤسسة عامة تابعة للدولة الفرنسية، فإن مرسوم ١٨٥٨ قد جعله مؤسسة ولائية (تابعة للوالي). أما قرار ماكماهون سنة ١٨٦٨ فقد جعل المكتب الخيري تحت سلطة رئيس البلدية. ورغم الشك في شرعية ذلك القرار، كما لاحظ أوميرا (١)، فإنه بقي هو المعتمد بعد ذلك. وها هي الصلاحيات الجديدة والقديمة التي أصبح للمكتب تأديتها، بعد تدخل قرار ماكماهون: ١ - دار العجزة والمرضى الميؤوس منهم، من الجنسين. ٢ - منح لتعلم الصنائع الفرنسية موجهة لصالح الأطفال الذكور من فقراء المسلمين. ٣ - ورشات (للبنات المسلمات؟). ٤ - الملجأ المخصص للأطفال بين الثانية والسابعة. ٥ - الإغاثات الموجهة للأهالي. ٦ - ملحقة الأيتام والمتروكات المسلمات. وإذا كانت مصاريف الأبواب المنصوص عليها في مرسوم ١٨٥٧ معروفة ومقدرة، كما سبق، وهي من مداخيل الوقف الإسلامي، فما المداخيل التي يصرف منها على الاختصاصات الجديدة؟ لقد نص قرار ماكماهون على أن تمويل المكتب يأتي من: الإغاثات والحسنات والهبات والتركات والتبرعات، والاشتراكات، والطلبات، والعرضات في المساجد والزوايا، ومن مداخيل الأفراح والملاهي والحفلات التي يقوم بها الأهالي،

стр. 2146

ومن الاجتماعات العامة، ومداخيل المقاهي ذات الموسيقى الأهلية، والاستعراضات الهادفة إلى جلب الجمهور. ومن إعانة الحكومة المستخرجة من الصندوق العام للأقاليم. وقد لاحظ أوميرا أن جميع هذه العناوين لا تشمل المداخيل التي نص عليها مرسوم ١٨٥٧، وهي مداخيل الوقف المستحقة دينا وليس منة أو تضحية كما قال المارشال فايان. وهكذا فإن قرار ماكماهون، قد زاد من مصاريف المكتب الخيري في الوقت الذي سحب منه المداخيل الأصلية والشرعية المخصصة له. وبالإضافة إلى ذلك حاول ماكماهون أن يغير أيضا من ملامح المكتب. لقد ذكرنا أن ماكماهون أسند المكتب إلى رئيس بلدية الجزائر بدل الوالي، خلافا لمرسوم ١٨٥٧ (الدولة)، ومرسوم ١٨٥٨ (الولاية). وقد لاحظ أوميرا أن قرار مكاماهون يعتبر تخليا من الدولة عن صلاحياتها نحو المسلمين، لأنها هي التي صادرت أملاكهم في الأصل وتعهدت بمرسوم ١٨٥٧، بتعويضهم ولو بالجزء اليسير الباقي من أوقافهم. ثم إنه كان في مدينة الجزائر عدة بلديات، فلماذا تخصيص بلدية هذه المدينة بالذات؟ ثم إن قرار ماكماهون غير شرعي لأنه أدمج المكتب في بلدية الجزائر، وجعله يقدم ميزانيته إلى مجلس البلدية للموافقة المسبقة عليها بينما المجلس لا حق له على المكتب، لأن ذلك يتناقض مع المرسوم المؤسس وهو مرسوم ١٨٥٧ (١)، ومع ذلك بقي قرار ماكماهون، على تناقضه وعدم شرعيته في نظر أوميرا، هو الساري المفعول كما ذكرنا، رغم حدوث تغيير بسيط فيه سنة ١٨٧٤ لا يمس الجوهر. بالعكس، فإن التعديلات اللاحقة كانت كلها لغير صالح المكتب الخيري الإسلامي، ففي سنة ١٨٧٢، عند فورة الاستعمار والحكم المدني في الجزائر والنقمة على ثوار سنة ١٨٧١، صدرت لائحة من مجلس الولاية العام تطالب الدولة بإلغاء الدين الذي عليها للمسلمين بدل مطالبتها بدفع مستحقاتها منذ ١٨٥٨، (حين تنازلت للولاية عين دينها

стр. 2147

للمسلمين) (١). وبهذه اللائحة واجه المكتب الخيري أزمة مالية حادة. رغم وجود مورد جديد، وهو ما سمي (بوقف الشيخ القينعي). لقد تأسس هذا الوقف سنة ١٨٦٨ (في أعقاب المجاعة الكبرى)، من تركة المرحوم القينعي. وهو وقف بلغ بين ٤٠ و ٥٠ ألف فرنك. وكانت لجنة المكتب الخيري تعتقد أن الدولة الفرنسية المدينة ب ١١٣، ٥١٠ ف. للمسلمين، إضافة إلى وقف القينعي ستجعل الميزانية ترتفع وتتحسن ليواجه المكتب الأعداد الكبرى من فقراء المسلمين المسجلين والذين كانوا ينتظرون التسجيل. ولكن ذلك كان وهما فقط من لجنة المكتب (٢). فمن الناحية الرسمية لم ينضم وقف القينعي إلى إدارة المكتب الخيري إلى سنة ١٨٧٥. وبدل أن تنمو به ميزانية المكتب أنقصت الإدارة مقداره من المبلغ الذي تعطيه للمكتب، متناسية أن أصل المداخيل إنما هو وقف المسلمين، وليس إعانة لهم أو تفضلا منها عليهم. وربما من أجل ذلك افتخر الجنرال شانزي (الحاكم العام) سنة ١٨٧٦ بأن ميزانية المكتب الخيري في ولاية العاصمة قد بلغت ٣٩٠.٩٠٤,٦٨ + ٩٠.٣٧٢، ٤٠ وأن عدد المستفيدين منها بلغم ٥,٦٦٣، فكان الفاضل منها ٣٠٠، ٣٣٢,٢٨ (٣). ولكن هذه الأرقام لا تقال على الحقيقة فإما أن تكون الميزانية قد جمعت إليها وقف القيعي أيضا وإما أن يكون عدد المستفيدين ضئيلا جدا بالنسبة لعدد المستحقين للإعانة.

стр. 2148

والغريب أن طريقة الدخل والصرف كانت متشابهة أيضا سنة ١٨٧٩ أثناء حكم ألبير قريفي. ففي هذه السنة كان دخل المكتب الخيري ٣٦٧.٣٥٥,٧٦. بينما لم يصرف على المستفيدين سوى ١١٢، ٥٤٧، ٥٣ ف. فكان الفاضل هنا أيضا ٢٥٤.٨٠٨,٢٣ (١). وإذا صح هذا فإن البلدية (الفرنسية) التي آل إليها التحكم في ميزانية المكتب الخيري ومراقبتها هي المستفيدة في النهاية، وربما كانت تستعمل الدخل الفائض في مشاريع استعمارية، وهو الأمر الذي أسال لعاب الكولون فطالبوا بتوحيد ميزانية المكتب الخيري الإسلامي مع ميزانية المكتب الخيري الفرنسي (٢). فقد جرى نقاش حاد سنة ١٨٨٨ حول ضم المكتب الخيري الإسلامي إلى المكتب الخيري الفرنسي، بدعوى أن للأول مداخيل محددة بينما الثاني ليس له ذلك، وأن في دمجهما فائدة للجميع، كما قال المدعون، وأثناء هذا النقاش كتب عضو المكتب، السيد محمد بن صيام، تقريرا ذكر فيه بأصل الإعانة والدين الذي على الدولة الفرنسية نحو المسلمين. ومما جاء في تقرير ابن صيام، بعد عرض تاريخي لقضية الوقف بين ١٨٣٠ و ١٨٥٧، أن غلاء المعيشة وانتشار الفقر ونقص الميزانية جعل المكتب لا يستطيع الصرف على المسجلين عنده من الفقراء فما بالك بالجدد. وبدل الزيادة، نقصت الميزانية عن المبلغ المحدد وهو ١١٣، ٥١٠ ف. فقد انخفض إلى ١٠٧، ٥٠٠ فرنك ثم إلى ١٠٥,٠٠٠ ف. ثم إلى ٧٥,٠٠٠ ف. ثم ٦٥,٠٠٠ ف. وأخيرا انخفض إلى ٦٠,٠٠٠ ف. وبهذا المبلغ، ورغم وجود وقف القينعي، فإن المكتب لا يستطيع أن يصرف على ال ١,٤٠٠ فقير مسجل وعلى أكثر من ٢,٠٠٠ سيسجلهم، وعلى صيانة

стр. 2149

المؤسسات التابعة له. ولذلك طالب ابن صيام بالزيادة في الميزانية حتى ترجع إلى الأصل على الأقل، وهو ١١٣، ٥١٠ ف. وقد طالب محمد بن صيام في تقريره بوضع المكتب الخيري تحت وصاية الولاية، كما هو أصل مرسوم ١٨٥٨. وشرح الدوافع التي جعلته يطالب بذلك، فقال إن البلدية هي في خدمة جميع المواطنين دون فرق في المواطنة ولا في الدين، وهي لا تقدم أية مساعدة للمكتب الخيري الإسلامي، فلماذا تكون هي الوصية عليه؟ ثم إن المكتب كان يتغذى من مداخيل إسلامية وهبات من المسلمين وإعانة (دين) من الحكومة كجزء من التعويض على الوقف الذي استولت عليه، ومن وقف القينعي الذي هو موجه للمسلمين، فما دخل البلدية (وهي فرنسية) في كل هذا؟ وكشف ابن صيام عن نية البلدية التي كان يسيطر عليها الكولون، فقال إن هدفها هو دمج المكتبين الإسلامي والأوروبي، لأن المكتب الأخير ليس له مصادر تمونه، وبذلك يستفيد من مال المسلمين. وما دامت البلدية لا تقدم أية مساعدة للمكتب الإسلامي فليس من حقها أن تتدخل في شؤونه، وطالب بأن يكون وضع المكتب الإسلامي كوضع المكتب الإسرائيلي المستقل بشؤونه. ثم انتهى ابن صيام بنقاط ثلاث، وهي: ١ - المطالبة بوضع المكتب الخيري تحت رعاية الولاية كما كان الحال عند الإنشاء سنة ١٨٥٧ (بل سنة ١٨٥٨). ٢ - إلغاء ملجأ الأيتام الذي استحدثه قرار ماكماهون والذي كان غير موجود في الاختصاصات الأصلية للمكتب، وتخصيص حصته لتعليم الصنائع الفرنسية للمسلمين. ٣ - رجوع الدولة إلى المبلغ المنصوص عليه وهو ١١٣، ٥١٠ سنويا، كما جاء أيضا في المرسوم المؤسس سنة ١٨٥٧. لكن صوت ابن صيام ذهب مع الريح. فقد ظل المكتب تحت وصاية المجلس البلدي لمدينة الجزائر. وظل ملجأ الأيتام تابعا له، وبيت الدولة

стр. 2150

تقدم للمكتب المبلغ الذي كان يتضاءل، في شكل (إعانة) وليس في شكل تعويض عن أملاك الوقف المغتصبة كما هو الأصل. وظلت الدولة أيضا تطرح من ذلك المبلغ مقدار وقف القينعي. وقد لاحظ أوميرا بحق أن الإدارة الفرنسية كانت زيد نسيان مرسوم ١٨٥٧ رغم أنه لم يلغ رسميا، (١). ونذكر أن المبلغ المستحق سنويا للمكتب (هو ١١٣، ٥١٠ فرنك) كان سيصل بين ١٨٧٢ و ١٨٩٦ إلى ٢، ٨٣٧، ٧٥٠ فرنك، لكنه لم يتجاوز ١، ٣٧٧، ٣٠٠. والفارق وهو ١، ٤٦٠، ٤٥٠، قد استفادت منه الدولة أيضا خلال ربع قرن، كما فعلت منذ ١٨٣٠ حين سخرت أموال المسلمين لخدمة مشاريعها الاستعمارية. وإليك الآن الإحصاء بالتفصيل حسب السنوات والمبالغ بالفرنك (٢): السنة ... المبلغ ١٨٧٢ - .. ٧٥,٨٠٠ ١٨٧٣ - .. ٧٥,٨٠٠ ١٨٧٤ - .. ٦٥,٨٠٠ ١٨٧٥ - .. ٦٥,٨٠٠ ١٨٧٦ - .. ٦٥,٨٠٠ ١٨٧٧ - .. ٦٥,٨٠٠ ١٨٧٨ - .. ٥٧,٠٠٠ ١٨٧٩ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨٠ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨١ - .. ٤٠,٥٠٠ ١٨٨٢ - .. ٤٠,٠٠٠ ١٨٨٣ - .. ٤٠,٠٠٠ ١٨٨٤ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨٥ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨٦ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨٧ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٨٨ - .. ٤٠,٠٠٠ ١٨٨٩ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٩٠ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٩١ - .. ٥٠,٠٠٠

стр. 2151

١٨٩٢ - .. ٥٠,٠٠٠ ١٨٩٣ - .. ٦٠,٠٠٠ ١٨٩٤ - .. ٦٥,٠٠٠ ١٨٩٥ - .. ٦٠,٠٠٠ المجموع هو ١,٣٧٧,٣٠٠ ... وبين ١٩٠٣ - ١٩٢٨ انتشرت المكاتب الخيرية (أو الجمعيات) عبر تواريخ مختلفة في كثير من المدن. ففي ولاية العاصمة شملت هذه المكاتب البليدة وشرشال وبو سعادة والأغواط والمدية ومليانة والشلف (الأصنام). وفي ولاية قسنطينة عرفت المدن الآتية أيضا مكاتب خيرية: بسكرة، وجيجل، وعنابة، وبجاية، وميلة، بالإضافة إلى قسنطينة نفسها. أما في ولاية وهران فالمكاتب أنشئت في معسكر وتلمسان وغيليزان وسيدي بلعباس، إضافة إلى مدينة وهران (١). ويقول ميرانت إن المكاتب كانت تتغذى غالبا من المستعمرة، وهو يعني أنها من البلديات، وليست من الدولة مباشرة، وهو قول غير صحيح على إطلاقه. فقد عرفنا أن الميزانية الحقيقية كانت قد رصدت سنة ١٨٥٧ وأنها معتبرة دينا على الدولة الفرنسية، وأن هذه قد تنازلت عنها إلى البلديات. والميزانية في أساسها كانت من مداخيل أوقاف المسلمين التي اغتصبت. والأرقام التي ذكرها ميرانت تدل على انخفاض كبير في الميزانية المخصصة للمكاتب الخيرية الإسلامية بين ١٩٠١ - ١٩٢٩. ونود أن نذكر بهذا الصدد أنه ابتداء من سنة ١٩٠٠ أصبح للجزائر ميزانية مستقلة (للكولون) يسهر عليها المجلس المالي الذي أنشئ سنة ١٨٩٨ والذي يسيطر عليه الفرنسيون تماما. وإليك الجدول الذي ذكره ميرانت، وأرقامه تشمل جميع المصاريف الخيرية وليس مصاريف مكتب الجزائر فقط. وكان ميرانت يريد

стр. 2152

أن يلمع عهده (لأنه كان وقتها على رأس الشؤون الأهلية) وجهود فرنسا الاستعمارية، ولا تهمه الدقة: ١٩٠١ - .. ١٤٠، ٠٠٠ فرنك ١٩١٠ - .. ٣١٠، ٠٠٠ فرنك ١٩٢١ - .. ٦٠٠، ٠٠٠ فرنك ١٩٢٩ - .. ١، ٥٠٠، ٠٠٠ فرنك وخلال هذه السنوات الثلاثين تقريبا بلغت قيمة المساعدات المقدمة للمستفيدين الجزائريين: ١٩، ١١٢,٣٠٠ ف (١). وهناك إحصاءات أوردها علي مراد عن المساعدات الخيرية تختلف عما جاء في إحصاء ميرانت. فمراد ذكر أنه خلال السنوات ١٩١٢ - ١٩٣٠ توزعت المساعدات كالتالي، حسب السنوات وعدد المستفيدين (٢): السنة ... مبلغ المساعدات ... عدد المستفيدين ١٩١٢ - .. ٢٥٥، ٩٧٥ ... ١٦، ٩٥٢ ١٩١٤ - .. ٦٦، ٢٤٣ ... ٣، ٤٥٤ ١٩١٨ - .. ٣٤٢، ٢٢٧ ... ١٤، ٣٤٦ ١٩٢٠ - .. ٤٩١، ٢٢٨ ... ١٤، ١٩٨ ١٩٢٢ - .. ٥٩٤، ٢١٩ ... ١٧، ١٥٤ ١٩٢٤ - .. ٧٩٣، ٧٩٦ ... ٢١، ٧٥٥ ١٩٢٦ - .. ٩٩٠، ٤١٦ ... ٢٧، ٥٧٥ ١٩٢٨ - .. ١، ٢٤٦، ٠١٧ ... ٢٦، ٧٣٠ ١٩٣٠ - .. ١، ٦٦٦، ٧٦٦ ... ٢١، ٢٦٦

стр. 2153

وليس لدينا الآن مصادر أخرى تتحدث عن تطور العلاقات بين المكتب الخيري الإسلامي والسلطات الفرنسية بعد ١٩٠٠، والذي نعلمه هو أن (الجمعية الخيرية) قد حلت محل المكتب الخيري، وأن بعض الأعيان المسلمين قد تداولوا عليه وعليها مثل الشيخ الطيب العقبي، وأن الجمعية الخيرية كانت تعقد اجتماعات سنوية بالعاصمة، تكون فرصة ليس فقط لتوزيع الصدقات ونحوها، ولكن أيضا فرصة للتضامن الاجتماعي بين الجزائريين. وكانت التبرعات تجمع أثناء الحفل السنوي، وفيه كان يتبارى الخطباء والشعراء في الدعوة إلى الإحسان والبذل. وكان التلاميذ، في عهد المدارس الحرة، يتبارون أيضا على الأناشيد والحث على طلب العلم عن طريق تمثيل الروايات الأدبية والتاريخية. وهكذا نرى نوعا من الرجوع إلى الأصل نتيجة استثمار الوقف لصالح المجتمع والعلم والصالح العام، ولكن (الإعانة) الحكومية ظلت متقشفة، وظلت حقوق المسلمين في التعويض عن أوقافهم مهضومة، وهي لم تنم تحت الإدارة الفرنسية بل نقصت وذابت أو كادت في غير ما أنشئت لأجله. وكان الشيخ أحمد توفيق المدني الذي عاصر نشاط الجمعية الخيرية منذ العشرينات قد كتب عن الوقف والحكومة الفرنسية، وعن وقف الشيخ القينعي. فقال سنة ١٩٣١، إن رئيس بلدية الجزائر، ما يزال هو رئيس الجمعية الخيرية، وهو ما نص عليه قرار ماكماهون منذ ١٨٦٨، وأن أعضاء الجمعية كانوا عشرة، خمسة من المسلمين وخمسة من الفرنسيين، وأن مداخيلها أو ميزانيتها كانت تتمثل في (إعانة) الدولة السنوية، وفي التبرعات والصدقات. وكان رأس مال الجمعية يبلغ ١٦٠ ألف فرنك، وهو فيما فهمنا من كلام الشيخ المدني لا يشمل مداخيل وقف القينعي. فإذا كان الأمر كذلك، فإن هناك زيادة ملحوظة بفضل الهبات والتبرعات والصدقات، وليس من المبلغ السنوي المقرر منذ ١٨٥٧، وهو ١١٣,٥١٠ فرنك. ويضيف المدني أن الجمعية الخيرية قررت أن تأخذ إتاوة على مداخيل المسرح والملاهي - كما نص على ذلك قرار ماكماهون - ولكن التنفيذ لم

стр. 2154

يقع، ومع هذا المبلغ (١٦٠ ألف فرنك)، فإن المدني يقول إن الإعانات للفقراء لا تتجاوز خمسة فرنكات للشهر للعائلة الواحدة. ويبدو أن الجمعية قد استمرت في اختصاصاتها التي رسمت لها (أي المكتب السابق) منذ ١٨٦٨. فهي كما قال الشيخ المدني تشرف على: ١ - ملجأ للعجزة والمقعدين يضم ٤٢ شخصا. ٢ - ملجأ زاوية الولي دادة. ٣ - ومنح التلاميذ منحا ليواصلوا بها التعلم في الصنائع الفرنسية. ولكنه لم يذكر النواحي الأخرى التي كانت الجمعية (والمكتب قبلها) تصرف فيها الميزانية. وقد شكا من أن إعانة الحكومة قليلة والتبرعات والصدقات تكاد تكون مفقودة. ومعنى ذلك أن الجمعية كانت بعد قرن من الاحتلال في فقر مدقع. ولكن الشيخ المدني تدارك ذلك وقال إنه لولا وقف المرحوم القينعي الموجه للفقراء والذي كانت تديره الجمعية لكان (دور الجمعية لا قيمة له) ومن الملفت للنظر أن المدني يذكر أن ريع وقف القينعي يصل نحو مائتي ألف فرنك (٢٠٠,٠٠٠) سنويا (١). وفي سلسلة من المقالات روى الشيخ حمزة بوكوشة عن جمال سفينجة، رئيس دار الصدقة الإسلامية (هكذا تحول الاسم)، نفس المساجلات بين السلطات وأعضاء الجمعية حول دمج الدارين الإسلامية والفرنسية. والأعضاء عندئذ هم: أحمد بن صيام، وعمر الموهوب، وحمدان بن رضوان، وزروق الحلوي، ورينيه فضيل (٢). لقد رأينا أن مآل الأوقاف الإسلامية مآل مؤلم ومضر بالصالح العام

стр. 2155

للمجتمع الجزائري. فبعد أن كانت موردا للتعليم وتنشيط الحياة الدينية والتكافل الاجتماعي وصيانة المساجد، وتكريم العلماء ونحو ذلك، انتهت إلى ثكنات وطرقات وساحات وكنائس ومزارع للكولون، ومنازل للخواص الأجانب والغرباء، وانهدم بعضها منذ اللحظات الأولى قبل التفكير حتى في بقاء فرنسا بالجزائر أو الجلاء عنها. لقد انهدمت معه المساجد والزوايا وعشرات المدارس القرآنية والثانوية، واختفت دروس المساجد التي كانت تضيء أرجاء العاصمة وغيرها من المدن، وهاجر العلماء والقضاة، وافتقر النظار والوكلاء، وصادرت السلطات الفرنسية الأوقاف العامة والخاصة، ووضعت أموالها في يد مصلحة أملاك الدولة التي يفترض أنها أصبحت تنوب عن الوكلاء السابقين في إدارة الأوقاف وإعطاء مداخيلها لمستحقيها، ولكن هذه السلطات ابتلعت المداخيل وذوبتها في ميزانية الدولة بأشكال مختلفة. وعندما لم يبق قائما، من الأوقاف إلا النزر اليسير أسست الإدارة الفرنسية مكتبا سمي بالمكتب الخيري الإسلامي ليشرف على ميزانية سنوية من ١١٣، ٥١٠ ف. نص عليها القانون على أنها تعويض للمسلمين على ما فقدوه منذ ١٨٣٠. ولكن هذا المبلغ السنوي ظل محل تلاعب السلطات الفرنسية حتى وجد بعض الباحثين أن حواليه كان يرجع إلى ميزانية الدولة الفرنسية خلال ربع قرن ١٨٧٢ - ١٨٩٦. فما بالك بين ١٨٣٠ - ١٨٧١، ثم منذ ١٨٩٦! جمعيات الإغاثة الاحتياطية وفي نطاق المساعدات أيضا نشير إلى الجمعيات المعروفة بالاحتياطية. وهي جمعيات نشأت نتيجة الجوائح التي حلت بالفلاحين وأصابتهم في مخازنهم وأرزاقهم. ولا شك أن هذا النظام غير جديد على الجزائريين، فقد كان التعاون يسود بينهم قبل الاحتلال، وكانوا ينجدون بعضهم البعض بالقروض واليد العاملة والهبات. ومن عادة المجتمع التكافل العائلي والقبلي وإيثار الجار عندما تقع الأزمات أو الحروب أو الحوادث. وقد لاحظ

стр. 2156

الفرنسيون أنفسهم مدى ذلك التكافل. ويقول هانوتو عن أهل زواوة أن الغني والفقير عندهم سواء في اللباس وغيره، ولا ينظرون باحتقار إلى الفقير، والعيب عندهم هو ألا يعمل المرء إذا كان قادرا على العمل. وهم يقدمون المساعدات إلى بعضهم، حتى إنه لا يوجد بينهم فقير بدون أكل. وفي مدينة دلس أعطى السكان المثل أثناء جائحة ١٨٦٧ - ١٨٦٨. فبين أكتوبر ١٨٦٧ ومايو ١٨٦٨ ظل حوالي اثني عشر ألف نسمة يأكلون على حساب السكان، وكان الجوع والبؤس قد جاءا بهم من مختلف أنحاء الجزائر وحتى من المغرب الأقصى، وكان أمناء الجماعات هم الذين قد نظموا المساعدات، فتم الأمر بدون حوادث وبكل نظام. كما أن دائرة قلعة الامبراطور (عين الحمام؟) التي كانت تضم ٧٦ ألف ساكن، قد استقبلت ستة آلاف جائع في نفس المناسبة. واشترك في إطعامهم الخواص أيضا، مع العناية والرحمة. ولم تشك العائلات من التكاليف، كما أنها لم تطلب التعويضات من السلطات الفرنسية (١). وكانت الحروب الطويلة ضد الاحتلال قد أدت إلى إفقار أهل الريف وتحطيم موارد رزقهم وإفساد مخازن حبوبهم (المطامير) ونفي زعمائهم، إضافة إلى الجوائح والأمراض. وكانت سياسة بوجو التي قامت على تجويع الناس وطردهم من أراضيهم وتحشيدهم في أماكن محددة يسيطر عليها الجيش الفرنسي، قد ضاعفت من آلام السكان، ولا سيما أهل الريف. وإذا كان سكان المدن قد وجدوا بعض العزاء في ميزانية المكتب الخيري الإسلامي الذي تحدثنا عنه، فإن سكان الريف ظلوا يعانون. وقد كشفت جوائح ٧ ١٨٦ وما تلاها من موتى وضحايا على فظاعة النكبة التي حلت بالسكان. لذلك أخذ بعض الحكام العامين، مثل ماكماهون، بعض المبادرات. ولكن لويس تيرمان هو الذي أمر (١٨٨٤) بإنشاء جمعيات احتياطية في كل بلدية مختلطة (معظم سكانها من الجزائريين) على أن تكون

стр. 2157

مهمتها جمع كميات محددة من حصاد القمح والشعير، ووضعه في مخازن احتياطية لمواجهة السنوات العجاف. ولكن هذه المبادرات كانت في الواقع لفائدة الإدارة التي كانت تريد أن تضمن الاستقرار في البلديات التي فيها بعض الفرنسيين، ذلك أن المناطق التي لا يسكنها إلا الجزائريون لم تنشأ فيها عندئذ هذه الجمعيات، وترك أهلها للإهمال. وأثناء عهد جول كامبون (٣ ١٨٩) أصبح إنشاء الجمعيات مقننا. فهذا الحاكم الذي كان حريصا على مصلحة فرنسا الاستعمارية وفي نفس الوقت كان متنورا وحريصا أيضا على الاعتراف ببعض المهدنات للجزائريين ولو كانت ظاهرية مثل الألقاب والأوسمة - هو الذي وضع قواعد الجمعيات الاحتياطية في الأرياف. وبناء على ذلك أصبح في إمكان الفرد أن ينخرط بحرية سواء كان من الفلاحين أو الخماسة أو العمال الزراعيين، بشرط أن يتعهد بدفع حصة من حصاده في الحبوب سنويا. ولا نظن أن كلمة (حرية) التي جاء بها ميرانت تعني مدلولها الحقيقي (١). فقد كان أعوان الإدارة الفرنسية يراقبون الفلاحين ويجبرونهم على الاشتراك، بل ويحصون عدد مواشيهم وأشجارهم وكمية حصادهم. ومهما كان الأمر، فإن الحصة التي كان المشترك يدفعها قد تكون عينا وقد تكون نقودا. وكان مجموع الحصص يمثل رأس مال الجمعية. وتعتبر الجمعيات الاحتياطية جمعيات خيرية من ناحية وجمعيات قرض من ناحية أخرى. فالمحتاجون يلجأون إليها باعتبارهم فقراء أو مصابين أو مرضى. وفي هذه الحالة تقوم الجمعية مقام الأوقاف، أو بالأحرى مقام المكتب الخيري في المدن. وكان يمكن في القديم أن تعوض الأوقاف حاجة الفقير والمعتر، وكذلك كانت الزوايا الريفية تؤدي هذه الوظيفة الاجتماعية.

стр. 2158

ولكن مع نهاية القرن تبخرت الأوقاف وأموال الزوايا - عدا بعضها - فحاول الفرنسيون تعويضها بالجمعيات الاحتياطية اللائكية. ومن جهة أخرى كانت هذه الجمعيات نظريا تقدم القروض والمساعدات العينية إلى الفلاحين والخماسة لتطوير زراعتهم وتنميتها بشراء الآلات وتحسين الإنتاج. وكل المردود كان يذهب إلى الإدارة، بالطبع. ولذلك قلنا إن المشترك يستفيد منها نظريا فقط. وكان قانون هذه الجمعيات قد نص على أن يكون رأس المال راجعا إلى الجمعية وليس إلى الأعضاء. وليس لأحد الحق في طلب تقسيمه. والوظائف في الجمعية كلها كانت مجانية ما عدا وظيفة الخزناجي أو أمين المال، وكذلك الكاتب. وينمو رأس مال الجمعية أيضا من الفائدة التي على المقترض أو المستفيد أن يدفعها وهي ٥%. وهنا يدخل التعامل المخالف للشريعة الإسلامية إذ أنه تعامل بالربا. ولعل المشتركين كانوا يجهلون القواعد الشرعية أو كانوا مضطرين إلى الاقتراض، ولذلك قلنا إن الاشتراك نفسه ودفع الحصص قد يكون مفروضا - من السلطات الفرنسي. ومن فوائد هذه الجمعيات إنشاء المباني التي تحمي الإنتاج الزراعي الاحتياطي من الحشرات والرطوبة. وقد ذكر ميرانت (المتفائل جدا بأعمال فرنسا في الجزائر) أن النتائج فاقت كل التوقعات، ربما لأن الإدارة هي التي جنت المردودية في النهاية، وذلك على النحو التالي: في سنة ١٨٨٦ كان عدد الجمعيات الاحتياطية أربعا وأربعين فقط، وكان رأس مالها ١,٦٩٨,٣٢٢ ف. أما في سنة ١٩٢٦ فقد بلغ العدد ٢١٩ جمعية، رأس مالها ارتفع إلى ٧٦، ٤٠٠,٣٠٩ ف (١). وقد نبه الشيخ أحمد توفيق المدني على نواحي أخرى حول الجمعيات الاحتياطية. من ذلك أنها كانت تتبع البلدية أو الدائرة، وأن الوالي هو المسؤول عنها، وهو الذي يعين رئيسها. ويمكن للجمعية أن تطلب تضامن

стр. 2159

جمعية أخرى بشرط ألا يتجاوز المال المقترض عشر رأس المال في الجمعية المقرضة. كما أنه يمكن تأمين المزروعات ضد الحرائق والآفات. والمجلس الإداري للجمعية هو الذي كان يحدد مقدار الحصة السنوية للمشترك، من القمح أو الشعير. ويذكر الشيخ المدني أيضا أن الدولة والولاية والبلدية كانت تقدم أيضا إعانات لصندوق الجمعية الاحتياطية. وأما عدد الجمعيات سنة ١٩٣١ فقد كان حوالي ٢٠٠ جمعية، وهذا أقل مما ذكره ميرانت الذي كتب في نفس الفترة. كما أن المدني قد ذكر أن أعضاء الجمعيات بلغوا نصف مليون وأن رأس مالها بلغ حوالي ثمانين مليون فرنك، وهو رقم يزيد عما ذكره ميرانت أيضا، (١). وكل هذه الإجراءات لا تغني بالنسبة للجزائريين، عن دور الأوقاف التي أسسها المجتمع الإسلامي من أجل التكافل والتراحم دون اللجوء إلى الربا أو إلى طلب المساعدة من دولة أجنبية. إن مسلمي الجزائر قد أخذوا يهتمون بقضية الوقف منذ ظهور الوعي الوطني في هذا القرن. فبعد نسيان يكاد يكون كاملا لدى عامة الناس لهذا الموضوع، إلا عند المسؤولين على المكتب ثم الجمعية الخيرية وأشباههم، رجعت الذاكرة لهم، ودخلت المطالبة بالحقوق في هذا المجال أدبيات الحركة الوطنية. ومن الذين اهتموا بالوقف على الخصوص حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي طالما قدمت بشأنه المطالب والمذكرات. وكان هذا الموضوع قد دخل الاهتمامات العامة أيضا منذ ظهرت قضية فصل الدين عن الدولة، والمطالبة بإعادة ما للمسلمين إليهم من شؤون دينية وأوقاف وقضاء وغير ذلك، كما فعلت فرنسا مع الأديان الأخرى. أما الوقف كبنايات، وعمران، ومؤسسات دينية اجتماعية وتعليمية قد انتهى، فالجريمة ضده قد حصلت وروح القتيل قد أزهقت، وهيهات أن تعود الحياة لمن فقدها! لقد رجعت الحياة إلى جامع كتشاوة وجامع علي بتشين،

стр. 2160

ولكن من يعيد الحياة إلى جامع السيدة وجامع خضر باشا وجامع الحاج حسين وزاوية القشاش، والعشرات الأخرى؟ ومن يعيد مؤسسة مكة والمدينة وسبل الخيرات وبيت المال وزاوية الأندلس والأشراف؟ ... إن العالم المتحضر يتحدث عن مؤسسات روكفلر وفورد وبومبيدو للبحث والدراسة والخدمات الاجتماعية وما إليها، ويمكن أن نضيف مؤسسة الصليب الأحمر ومنظمة العفو العام. وقد كان للجزائر مثيلاتها كما تظهر في مؤسسات مكة والمدينة وزاوية القشاش وزاوية الجامع الكبير والأندلس ... حيث كان البحث والعلم والمكتبات ووسائل الاستقبال والإقامة والعلم الإنساني. فأين كل ذلك اليوم؟ إن الناس لا يعرفون من سوءات الاستعمار إلا الاستيلاء على الأراضي، ومطاردة السياسيين واستعباد الشعوب، ولكنهم لا يعرفون أن من جرائم الاستعمار في الجزائر غلق المدارس وحرق الكتب والوثائق، ونفي العلماء وحرمان الطلبة من الدراسة في مساجدهم وزواياهم، وحرمان الفقراء من حقوقهم في الطعام والمبيت في البنايات التي شيدها المحسنون لهم. من أجل ذلك عالجنا موضوع الأوقاف في التاريخ الثقافي لأن العلم والثقافة في المفهوم الإسلامي لا ينفصلان عن المؤسسات الوقفية بكل أنواعها. وفي ١٩٤٧ نص القانون على فصل شؤون الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية. وعلى تسليم إدارة الأوقاف إلى المسلمين الجزائريين، كما طالبت بذلك جمعية العلماء وغيرها، وخول القانون (المجلسن الجزائري)، وهو الهيئة النيابية المحلية، لوضع الإجراءات العملية التي ينتقل على أساسها الوقف الباقي إلى أيدي المسلمين. ولكن الثورة وقعت سنة ١٩٥٤ والمجلس لم يتخذ أي إجراء (١). وهكذا كان على الجزائريين أن يغيروا أحوالهم عن طريق الثورة وأن يستعيدوا حقوقهم بالقوة كما أخذت منهم بالقوة.

стр. 2161

الفصل الثاني المنشآت والمراكز الثقافية (١)

стр. 2162

نعني بالمنشآت والمراكز الثقافية كل ما له علاقة بالإنتاج الثقافي، وذلك يشمل الصحافة والمطابع والمكتبات والمتاحف والمسارح والجمعيات والنوادي. ومعظم هذه المنشآت ترجع إلى فترة الاحتلال الفرنسي. وكان تأسيسها في البداية على يد فرنسيين وللفرنسيين، ثم قلدها الجزائريون وبرعوا فيها. ولذلك فإننا في تناولنا لها سنتحدث عن الأصل الفرنسي للمنشآت ثم ننتقل إلى الحديث عنها وقد تجزأرت أو أصبح للجزائريين فيها دور بارز أيضا. ولكن تركيزنا سيكون على المنشآت الجزائرية لأن الفرنسية منها لا تهمنا إلا باعتبارها أصولا أو مبتكرات، ولأن المنشآت الجزائرية لم تعن بالدراسة من جانب الفرنسيين. ولنبدأ بالصحافة. الصحافة نشأة الصحافة في الجزائر كانت فرنسية بلا نزاع، فلم تعرف الجزائر هذه الظاهرة الإعلامية والثقافية رغم مرور حوالي قرنين على ظهورها في أوربا. ولم تتحدث كتب الرحالة والأخبار عن وصول الصحف الأجنبية إلى الجزائر قبل الاحتلال، رغم أن بعض الجزائريين سبق لهم أن زاروا أوربا قبل ١٨٣٠ وشاهدوا، وربما قرأوا، الصحف في فرنسا وبريطانيا وغيرهما. ونعتقد أن القنصليات الأجنبية في الجزائر كانت تصلها صحف بلدانها على الأقل. فقنصل أمريكا وفرنسا وبريطانيا وهولندا كانوا بدون شك يتلقون بريدهم من الصحف الوطنية وغيرها. وقد كان عدد من الجزائريين يعملون في هذه القنصليات، ولكننا لم نقرأ أن بعضهم تحدث عن رأيه في هذه الصحف أو حاول تقليدها. وهل كان الداي وحاشيته ومترجموه يطلعون على ما تنشره الصحف حول الجزائر وحكومتها؟ إن ذلك ممكن، ولكننا لم نطلع أيضا على مصدر يؤكد

стр. 2163

ذلك. وكم توترت العلاقات بين الجزائر وأمريكا وبينها وبين بريطانيا ثم بينها وبين فرنسا. وكم ثارت من ضجة حول الحروب النابوليونية وحملة فرنسا على مصر وموقف الجزائر من كل ذلك. فهل كان الجزائريون، رسميون وغير رسميين، غير معنيين بما تنشره الصحف الأوروبية والأمريكية حولهم؟ إن كانوا كذلك، فإنهم يومئذ لفي غاية الجهالة والحماقة! ولنتصور أن بلاط الداي حسين كان غير مطلع على ما كانت تنشره الصحف الفرنسية حول الجزائر بين ١٨٢٧ - ١٨٣٠، ولا سيما في السنة الأخيرة، ونحن نعلم أن الداي كان يضع في كل نقطة حساسة مخبرا أو أكثر، في ليفورنيا، وجبل طارق، وطنجة، وأزمير، الخ ... من رأينا أن أعيان الجزائريين لم يكونوا يجهلون دور الصحافة في أوروبا وأمريكا. وكانت الصحافة الرسمية قد أنشئت أيضا في مصر واسطانبول قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر. ولكنهم لم يقدروا أهميتها ولم ينشئوها في بلادهم. ونحن لم نقرأ عن خلاف وقع حول أهميتها حتى نحكم من ذلك على أن هناك رأيا عاما ضد إنشائها. وربما لم يطرح الموضوع أبدا للنقاش. إن رجلا مثل المفتي ابن العنابي قد دعا إلى تقليد الأوروبيين في جميع مبتدعاتهم ما عدا الأمور الشرعية. ولكنه لم يذكر الصحافة بالاسم، وهي لم تكن من الأمور الشرعية، فهل نفهم من هذا أنه كان يجيز إنشاءها؟ لقد كان مطلعا على ما نشأ في مصر من صحافة وما نشأ أيضا في اسطانبول. ولكنه لم يذكر في كتابه (السعي المحمود) الصحافة من بين المبتدعات رغم أنه تحدث عن أهمية الدعاية والإعلام في الحروب. وهذا أحمد بوضربة المتزوج من فرنسية وممثل الداي في مرسيليا، قد عرف الصحافة الفرنسية ولعله استفاد منها، ولكنه لم يدع إلى إنشاء صحيفة للأهالي إلا بعد الاحتلال بثلاث سنوات. ويخبرنا مصدر فرنسي أن أعيان إقليم قسنطينة قد طالبوا بإنشاء جريدة عربية منذ ١٨٤٥ (١).

стр. 2164

وإذا كانت الأسباب الدينية غير واردة في غياب الصحافة في الجزائر، فهل يعود عدم إنشائها إلى أسباب اجتماعية وسياسية؟ إن أحد الغربيين، وهو بنانتي، يرجع عدم إنشاء المطبعة في الجزائر ونشر الكتب والمطبوعات - ومنها الصحافة- إلى كون الوراقين لا يرغبون فيها لأنها ستسبب كساد بضاعتهم، وهي النساخة. ويذهب إلى أن الحكومة كانت تجاري هذه الرغبة محافظة على التوازن الاجتماعي، ولكن موضوع الصحافة كوسيلة إعلامية ظل غير مطروح عندئذ، سواء في المستوى الرسمي أو الشعبي. ومهما كان الأمر فإن نشأة الصحافة كانت مبادرة فرنسية. وأول محاولة على الأرض الجزائرية كانت يوم ٢٦ يونيو، ١٨٣٠ عندما سحبت أعداد من صحيفة تدعى (الاسطافيت) بالمعسكر الذي أقامه الجيش الفرنسي في سيدي فرج. وقد تم سحبها في المطبعة العسكرية المحمولة على إحدى السفن، وكانت تسمى المطبعة الإفريقية. وقد صدر من (الاسطافيت) عدة أعداد كانت ترسل إلى فرنسا وتطبع من جديد وتوزع هناك حاملة أخبار نجاح الحملة وسقوط حكومة الداي ودخول الجيش الفرنسي إلى القصبة، ونحو ذلك. ثم انقلب الفرنسيون على نظام شارل العاشر وأحلوا محله نظام الاسترجاع الذي تولاه لويس فيليب، ملك مملكة جويلية. وتوقفت (الاسطافيت)، وحل العلم المثلث محل علم أسرة البوربون، وغادر بورمون قائد الحملة، الجزائر طريدا إلى إسبانيا على باخرة نمساوية لأن السفن الفرنسية رفضت حمله، ولم يودعه حتى الضباط الذين قادهم إلى (النصر) ضد الجزائريين. وجاء مكانه المارشال كلوزيل فاشتغل بالحملات الداخلية والاستعمار في متيجة والمدية والبليدة، وسكت الحديث عن الصحافة. ولم تطبع المطبعة الإفريقية سوى بيانات كلوزيل وأوامره وقراراته بمصادرة أملاك الجزائريين وأوقاف مكة والمدينة. وبقي الأمر كذلك في عهد خلفه الجنرال بيرتزين أيضا. ولكن الوضع تغير في عهد الدوق دوروفيقو، وهو القائد الرابع لما كان يسمى (الممتلكات الفرنسية في أفريقية)، أي الجزائر.

стр. 2165

وإذا كان عهد دوروفيقو قد عرف، على قصره، بأنه عهد الفظائع البوليسية ضد الجزائريين، ومذبحة قبيلة العوفية عند وادي الحراش، فإنه عرف أيضا بفضيلة لعلها الوحيدة وهي إنشاء جريدة المرشد الجزائري - المونيتور ألجيريان - في يناير ١٨٣٢. وكانت (المونيتور) هي الجريدة الرسمية للجزائر، رغم أن الحكومة الفرنسية لم تعلن عن موقفها الرسمي: هل هي (الجزائر) أمانة في يدها إلى أن تسلمها للخليفة العثماني أو المجموعة الأوروبية؟ أو هي مستعمرة كالمستعمرات؟ أو هي من الممتلكات الفرنسية، أي غنيمة مثل كل الغنائم الحربية؟ وباعتبارها صحيفة رسمية، كانت المونيتور تطبع في المطبعة الأفريقية - الحكومية - وتحتوي على الإعلانات والقرارات، وبعض الأخبار الخاصة بحركة النقل بين الجزائر وفرنسا، وتوارد المستوطنين (الكولون) الفرنسيين على الجزائر. نشأت المونيتور في عهد المتصرف المدني البارون بيشون. وكان لهذا البارون رؤية خاصة بمستقبل الجزائر تختلف عن رؤية القائد دو روفيقو، فغادر البارون الجزائر وحل محله في الشؤون المدنية جنتي دي بوسيه، وقد بقي هذا إلى ١٨٣٤. ولكنه خلال السنتين اللتين بقيهما ترك بصماته في عدة نواح، ومنها الصحافة. شجع دي بوسيه صحيفة المونيتور، وأنشأ لها قسما باللغة العربية المكتوبة بأسلوب ركيك لا يكاد يقرأ. ومع ذلك فالمونيتور من هذه الناحية تعتبر أول صحيفة نشرت قسما بالعربية في الجزائر قبل ظهور المبشر سنة ١٨٤٧. غير أنه لا يمكن اعتبار المونيتور أول صحيفة بالعربية في الجزائر. ولا ندري من كان يشرف على المونيتور مباشرة قبل مجيء أدريان بيربروجر سنة ١٨٣٥. والذي يهمنا أن ما كان ينشر فيه بالعربية - وهو قليل - كان من إنشاء جوني فرعون المترجم العسكري ذي الأصول السورية - المصرية، وكان جوني هذا هو الذي عهد إليه بتدريس اللغة العربية للفرنسيين في الجزائر قبل لويس برينيه (١). ومهما كان الأمر، فإنه من الأكيد أن الجزائريين قرأوا أخبارا

стр. 2166

بالعربية في أول صحيفة فرنسية تطبع في الجزائر سنة ١٨٣٢، كما أنها كانت أول صحيفة بالفرنسية يمكنهم اقتناؤها وقراءتها، لأن (الأسطافيت) كانت محدودة، ولم توزع إلا بين العسكريين الفرنسيين. وعن طريق المونيتور كان الجزائريون يقرأون، أو يترجم لهم، ما ينشر عن وضع إدارة المالية الفرنسية (الدومين) يدها على أملاكهم وأوقافهم وعن هدم مساجدهم وبيع عظام موتاهم ونحو ذلك. كانت المونيتور تظهر مرة في كل خمسة أيام في بداية أمرها. واستغرق ظهورها فترة طويلة إذ بقيت من ١٨٣٢ إلى ١٨٥٨، أي إلى إنشاء وزارة الجزائر والمستعمرات وإلغاء الحكومة العامة من الجزائر. وفي سنة ١٨٦٢ رجعت الجريدة باسم مختلف قليلا وهو (مونيتور الجزائر)، واستمرت في الصدور طيلة عهد الامبراطورية الثانية. وتوقفت عن الصدور سنة ١٨٧١ في بداية عهد الجمهورية الثالثة وسيطرة أنصار الحكم المدني في الجزائر. وبالإضافة إلى القرارات الرسمية والتعليمات الإدارية كانت المونيتور وخليفتها تنشر أيضا- المقالات الإخبارية. ومما نشرته هو الإعلان عن ضرورة تعلم اللغة العربية للفرنسيين (٩ يناير ١٨٣٨)، وتنظيم مسابقات الترجمة، ودروس اللغة العربية في كل من الجزائر وقسنطينة ووهران، وظهور بعض المطبوعات كالمعاجم الخاصة بالعامية والفرنسية الخ، ودعوة الجزائريين لإرسال أبنائهم للمدرسة الفرنسية، وعزل المفتي الكبابطي سنة ١٨٤٣. ومن الصحف ذات الصلة بالفرنسيين والجزائريين جريدة (الأخبار)، ورغم اسمها العربي، فإنها كانت تصدر بالفرنسية. وقد ظهرت سنة ١٨٣٩، في عهد المارشال فاليه. وقيل عنها بأنها بدأت صحيفة إعلانية صغيرة، ثم تحولت إلى (جهاز سياسي ضخم في اتجاه حكومي منذ ١٨٤٣) (١). وقد عاشت الأخبار قرنا من الزمن إذ توقفت عن الصدور سنة ١٩٣٨. وخاضت مع الإدارة الفرنسية والشعب الجزائري كل التقلبات التي عرفتها البلاد منذ

стр. 2167

ظهورها. وكانت جريدة الأخبار تتبنى المواقف الرسمية مع بعد سياسي للوضع العام في الجزائر والعالم الإسلامي. وأثناء التنازع الحاد بين العسكريين والمدنيين تبنت الأخبار وجهة نظر العسكريين. وكان يحررها العقيد ريبو والجنرال شابو - لاتور. ومنذ أول القرن العشرين سيطر عليها اسم فيكتور باروكان، صديق المغامرة الشهيرة إيزابيل إيبرهارت. وقد نشر لها في الأخبار مقالاتها عن الإسلام وعن مغامراتها في الصحراء، وجعل الجريدة أسبوعية. كما أنشأت الأخبار في عهد باروكان قسما عربيا سنة ١٩٠٣ استمر إلى ١٩١٤، وعينت عليه الصحفي القدير عمر بن قدور. وسارت بذلك القسم في اتجاه السياسة الفرنسية - الإسلامية التي كان يتبناها شارل جونار، الحاكم العام، ومدرسته، ودومينيك لوسياني، مدير الشؤون الأهلية (الجزائرية) وأعوانه. وفي الوقت الذي اختفت فيه صحف كثيرة ظلت الأخبار مستمرة في الصدور بانتظام، وكانت صحيفة للأخبار والأدب والسياسة والقضايا الاجتماعية والإعلانات. وكان يقرأها الفرنسي والجزائري المتفرنس على حد سواء. وقد وصفها آجرون بأنها جريدة استعمارية عريقة ورجع هو إليها كثيرا (١). وقبل أن نتحدث عن جريدة (المبشر) الفرنسية - العربية، دعنا نذكر باختصار بعض الصحف الفرنسية الأخرى التي لا علاقة لها تقريبا بالعرب الجزائريين. لقد ظهرت صحف فرنسية كثيرة، بعضها يؤيد فكرة الجزائر الفرنسية وبعضها ينتصر للعسكريين، وبعضها يدافع عن المدنيين، وهناك صحف تبنت قضايا الاشتراكيين السانسيمونيين، وأخرى كانت مضادة لليهود والسامية؛ وإذا قسمناها حسب العهود فهناك صحف ظهرت في عهد مملكة جويلية (١٨٣٠ - ١٨٤٨)، وأخرى في عهد الامبراطورية الثانية (١٨٥٢ - ١٨٧٠)، بالإضافة إلى ما ظهر في عهد الجمهورية الثالثة منذ ١٨٧١ وهو كثير. أما من الناحية الجغرافية فقد ظهرت صحف فرنسية في شرق البلاد وأخرى في غربها ثم أخرى في وسطها. وكانت بعض الصحف مقروءة في كل الجزائر وأخرى مقروءة محليا فقط، لأن كل مدينة تقريبا كان فيها صحيفة أو أكثر،

стр. 2168

حتى أن سور الغزلان وحدها قد تعايشت فيها صحيفتان. منذ ١٨٤٥ (عهد المارشال بوجو)، ظهرت الصراعات السياسية حول أنصار الاستعمار والجزائر الفرنسية بزعامة بوجو والكنيسة والكولون، وأنصار الحضارة ونقل فوائدها إلى الشعوب المتخلفة والإرتقاء بها إلى مستوى الشعوب الأوروبية، سيما الشعب الفرنسي وكان يقود هذا الاتجاه السانسيمونيون الذين يشملون عددا من أفراد الجيش، وكذلك بعض الرومانتيكيين (١). والصحيفة التي كانت تعبر عن الاتجاه الأول هي (الجزائر الفرنسية) وهي صحيفة كانت تصدر بدعم من المارشال بوجو. أما الاتجاه الثاني فكانت تعبر عنه صحيفة (الجزائر) التي كانت تصدر في باريس منذ ١٨٤٣ وكان يشرف عليها أنصار سانسيمون. وفي وهران ظهرت صحيفة ذات نفوذ واسع وبقيت مدة طويلة، وهي صدى وهران (ليكو دوران) سنة ١٨٤٣. وكانت تظهر مرتين في الأسبوع، ثم أصبحت يومية، وقد أنشأها أدولف بيرييه الذي كان من المطرودين من فرنسا بصفته جمهوريا معاديا للنظام الملكي القائم عندئذ. وقد أسس بيرييه أيضا مطبعة لهذا الغرض. وفي ناحية وهران ظهرت أيضا صحف مثل (الميساجي دي لويست)، و (جنوب وهران). وفي سنة ١٩٠٠ اندمجت الصحيفتان وأصبحتا (جمهوري جنوب وهران). وحين أحست الحكومة بقوة جريدة (صدى وهران) حاولت سنة ١٨٥٠ مقاومة نفوذها بإنشاء صحيفة موازية، وهي بريد وهران (كورييه دوران) بإيعاز من الوالي (البريفي). وفي المنطقة الشرقية ظهرت عدة صحف فرنسية أيضا كانت تمثل عدة اتجاهات ولكنها كانت تتفق على الاستعمار وخدمة مصالح الكولون على حساب الجزائريين. ففي عنابة ظهرت جريدة (السيبوس) منذ ١٨٤٤. وبعد ذلك بقليل ظهرت في سكيكدة جريدة (الصفصاف). وفي سكيكدة أيضا ظهرت صحيفة أخرى باسم (الزرامة). وبعد استيلاء نابليون على الحكم سنة

стр. 2169

١٨٥٢ أوقفت (الصفصاف). وفي قسنطينة ظهرت صحيفة المستقل (لانديباندان) ثم صحيفة (الافريقي) سنة ١٨٥٩، وفيها ظهرت عدة صحف أخرى، مثل (جورنال قسنطينة) التي تحولت سنة ١٨٥٠ إلى التقدم (البروقري)، و (الديمقراطي البلدي) سنة ١٨٤٩. وقد اختفت صحيفة (البروقري) بعد انقلاب ١٨٥٢. وفي الجزائر ظهرت صحف جديدة في مختلف العهود اللاحقة، بالإضافة إلى المونيتور والأخبار والمبشر والجزائر الفرنسية. فقد ظهرت (لو برولو) البحر الأبيض. وهي صحيفة جمهورية ظهرت في عهد مملكة جويلية. وقد غيرت اسمها بعد ذلك إلى صحيفة (الأطلس) التي كانت تعتبر يسارية بالمفهوم الشائع عندئذ. أي كانت ضد سياسة الحكومة وكانت تناصر الحكم المدني وتقف ضد سياسة المملكة العربية التي تبناها نابليون الثالث. ويقول مؤرخو الفرنسيين إنها كانت صحيفة مقروءة جدا، بل الأكثر مقروئية في وقتها. ولا شك أن ذلك راجع إلى تبنيها مصالح الكولون، وهم أغلبية الأجانب. والغريب أن الذي أنشأ (الأطلس) هو السانسيموني الدكتور وارنييه وزميله ري Rey . ولتأثيرها في السياسة المعارضة حكم المارشال بيليسييه (الحاكم العام) بوقفها لأنها نشرت مقالتين عن الحالة النفسية للضباط، ومثل (ري) أمام المجلس العسكري للمحاكمة. وعاد الدكتور وارنييه فأنشأ مع زميله دوفال صحيفة (الجزائر الجديدة) التي كانت تناصر الحكم المدني وتطعن في العرب والمسلمين وتضاد سياسة نابليون الثالث في الجزائر. أما الصحيفة التي كانت تقف في الطرف الآخر لتدافع عن العسكريين والسياسة الرسمية فهي (الأخبار) التي كانت بتحرير كل من الجنرال شابو - لاتور والعقيد ريبو. وقد أشرنا إليها. وفي الوقت الذي كان فيه لكل فريق صحيفة بل صحف، وكلها كانت تتحدث عن مصير الجزائر ومصالحها، كان الجزائريون أنفسهم مسحوقين لا حركة لهم ولا صوت. لقد كان كل شيء يتم بعيدا عنهم رغم أنهم هم أهل البلاد، وكانت هذه الصحف تنشأ بالضرائب التى يدفعونها والتضحيات التى

стр. 2170

يقدمونها. ولا قرأ القارئ منهم عندئذ إلا جريدة المبشر الرسمية التي كانت تخدرهم بكلمات معسولة مثل (حنانة فرنسا) عليهم، وتكرمها بمنح وسام الشرف إلى بعض الأعيان المخلصين لفرنسا. كان الرأي العام الفرنسي في الجزائر يعيش كخلية النحل على اتصال دائم بقضاياه ينافح عنها، ويتخذ لذلك الجرائد وسيلة للصراع والإعلام، مع بعضه ومع الحكومة، أما الجزائريون فقد كانوا غائبين عن الساحة الإعلامية إلى أواخر القرن الماضي، عندما بدأت العرائض الجزائرية تشير إلى ما يحاك ضد المواطنين في الصحافة الاستعمارية (١). وخلال عهد الامبراطورية وإلى أوائل القرن الحالي ظهرت في الجزائر صحف فرنسية عديدة ذات طابع سياسي ساخر. وهي صحف كانت تتناول القضايا الصغيرة وتفخمها بالكاريكاتور والرسومات، وأصبحت بمرور الزمن تمثل مدرسة في الثقافة الشعبية للكولون ونظرتهم إلى العالم الأهلي من حولهم. وهي ثقافة تميزت بروح التعالي والاحتقار للجزائريين واستعمال العبارات الأكثر فحشا وانحطاطا عند تناول الموضوعات الأهلية. وهذه (الثقافة الشعبة)، من جهة أخرى، هي التي كونت نوعا من التضامن الفئوي بينهم ضد الجزائريين، ولولا ذلك لما استطاع أصحاب الأصول الفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والمالطية أن يجدوا بينهم طريقا إلى التعايش في الجزائر. وقد وجدوا أنفسهم أحيانا يقفون حتى ضد يهود الجزائر الذين اندمجوا فيهم عن طريق التجنس سنة ١٨٧٠. وكانت الصحف الساخرة هي التي لعبت دور التضامن المشار إليه وتكوين الثقافة الشعبية بين الكولون مهما اختلفت أصولهم ولغاتهم ومذاهبهم.

стр. 2171

من هذه الصحف نذكر المصباح (لانتيرن) التي نشر فيها روبيني أخباره عن شخصية كاقايوس، في روايات ذات لغة شعبية ساخرة، مثل الكرفاش، والكوشون، والكوكو الجزائري. وكان بعضها يحمل اسم (الزواف) و (التامتام). وكان بعضها مضادا لليهود، وآخر مضادا للدين. وكان أغلب هذا النوع من الصحف قد ظهر من أجل المهاترات وإثارة الشغب السياسي أكثر منه للإعلام والأخبار. ومن العناوين الأخرى تدرك ذلك، فقد ظهرت صحف باسم (الثرثار) و (الشيطان) و (غليون الخشب) و (لوتوركو). ومن جهة أخرى استمرت بعض الصحف طويلا في مدن مختلفة مثل البليدة، فقد عرفت هذه المدينة صحيفة باسم (التل) وكذلك صحيفة (البروقري) التي ظهرت في أم السنام أو الأصنام، ودامت ٤٥ سنة. وظهرت سنة ١٩١١ جريدتان في سور الغزلان، وثلاثة في الشلف. ومنذ ١٨٨٥ ظهرت في مدينة الجزائر صحيفة يومية استمرت طويلا هي (لا ديباش ألجيريان) واستطاعت أن تبقى إلى جانب صحيفة أخرى يومية أيضا هي (ليكو دالجي) التي ظهرت سنة ١٩١٢، والتي كان يشرف عليها دورو، نائب الجزائر في مجلس الشيوخ، وهو رجل اشتراكي راديكالي حسب التعبيرات السياسية الفرنسية. ثم تولى هذه الجريدة الآن دي سيرني فجعلها صحيفة مستقلة. وأصبحت في عهده ذات رواج واسع. وفي ١٩٣٩ ظهرت (الجزائر الجمهورية) اليسارية. وكان الأديب ألبير كامو قد تولى رئاسة تحريرها بعض الوقت قبل أن تكشف عن وجهها الماركسي. وكانت صحيفة ناجحة ومقروءة. ومن جهة أخرى أنشأت لا ديباش المذكورة صحيفة أخرى تابعة لها هي (آخر الأخبار - ديرنيى نوفيل). وكانت في قسنطينة صحيفة باسم (لاديباش) أيضا، وكانت السياسة والمال يقفان وراء عدد من هذه الصحف. كما كانت الايديولوجيات تلعب دورها في دعم بعض الصحف؛ وأثناء الحرب العالمية الثانية عرفت بعض هذه الصحف حملات تطهير نتيجة

стр. 2172

التغيير في المواقف والولاء. وهكذا أوقفت عدة صحف، مثل لاديباش الجزائرية وآخر الأخبار ويقظة عنابة (روفاي دي بون) و (التام) - الجزائر وتونس والمغرب - الأسبوعية. واحتلت الجزائر الجمهورية والحرية (ليبرتي) وكلتاهما شيوعي، مقرات الجرائد الموقوفة. كما ظهرت في الجزائر صحيفة (لاديباش كوتيديان) برئاسة تحرير جان برون، و (جورنال دالجي) برئاسة تحرير إدمون بروا (١) وهناك صحف أخرى لم نذكرها. ورغم المال الذي كان يوفره أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية، فإن الصحف الفرنسية في الجزائر كانت تعيش على الإعلانات والأخبار المحلية الصغيرة. وكذلك كانت تنقل أخبار فرنسا وما يجري في مسارحها وملاهيها وفضائحها من أجل جلب القراء. وقد قلنا إن موضوعات الثقافة الشعبية المشتركة بين الكولون وأدب السخرية من الأهالي واتخاذ أبطال خياليين على حساب المواطن الجزائري، كل ذلك جعل الصحف تبقى. وقد قال بعضهم إنها لكي تعيش كانت بعض الصحف تفتعل أي شيء وتقف ضده، لأن الضدية والتحدي والمهاترات كانت هي سبيل النجاح الصحفي في نظرها. صحيفة (المبشر) الرسمية الصحيفة التي نريد أن نتناولها على حدة هي (المبشر)، وهي صحيفة رسمية صدرت سنة ١٨٤٧ باللغتين العربية والفرنسية، وكانت على العموم موجهة إلى الجزائريين. وكان أحد طلابنا قد تناول هذه الصحيفة بالتفصيل فيما يعلق بنشاتها ومحتواها ودورها والقضايا الجزائرية التي عالجتها ومواقفها (٢). ونحن لن نذهب إلى كل ذلك هنا، وإنما سنذكر ما يهمنا في

стр. 2173

هذا الفصل، وهو التأريخ لنشأة الصحافة وتأثير ذلك على الرأي العام الجزائري. ظهرت المبشر فى آخر عهد مملكة جويلية، وبالضبط فى ١٥ سبتمبر ١٨٤٧ وقد نسبت إلى الملك لويس فيليب الذي تسميه المبشر (سلطان فرنسا). وكان ابنه الدوق دومال، هو الحاكم العام للجزائر عندئذ بعد رحيل المارشال بوجو عنها. ولكن المبشر لم تعش سوى خمسة أشهر في عهد المملكة المذكورة إذ سقطت المملكة في آخر فبراير ١٨٤٨ على أيدي الجمهوريين، وهرب الملك ورئيس وزرائه، غيزو، إلى بريطانيا. أما المبشر فقد استمرت في الصدور رغم التغيير في النظام، بل استمرت عبر كل النظم والحكام العامين الذين عرفتهم الجزائر إلى ١٩٢٧، الذكرى المئوية لضرب الحصار الفرنسي على الجزائر، وعشية الاحتفال المئوي بالاحتلال. إنها مشروع فرنسي تمثل في جريدة رسمية دامت ثمانين سنة. وكانت المبشر صورة للتناقضات التي عرفتها الإدارة الفرنسية نحو الجزائريين. وما رأيك في جريدة تولاها البارون ديسلان أول مرة، ومرت بإشراف آرنو ثلاثين سنة، ثم لا بوتيير، ثم جان ميرانت مرتين (١)!. وقد شاع بين الكتاب أن الذي أنشأها هو الملك لويس فيليب لترشد الجزائريين (إلى سبيل العلم والحضارة والزراعة والتجارة والصناعة أسوة بسائر الدول الإسلامية، سيما السلطنة العثمانية والخديوية المصرية) (٢). وهذا كلام طيب لو كان الأمر كذلك، ولكنه كلام مأخوذ فقط من الجريدة نفسها باعتبارها وسيلة للدعاية والتخدير. أين العلم والحضارة ... خلال الثمانين سنة التي عاشتها المبشر في رعاية حكام من أمثال بيليسييه وماكماهون ودي قيدون وشانزي وتيرمان ... وفي ظل أشخاص من أمثال

стр. 2174

الدكتور وارنييه والكاردينال لا فيجري والأستاذ غوتييه! إن الفرق شاسع بين رسالة الصحافة في الدولة العثمانية والخديوية المصرية وبين رسالة المبشر في الجزائر. ولنستمع إلى البارون ديسلان وهو يصوغ (مقصود المبشر) على لسان سلطان فرنسا - لويس فيليب: (إعلموا يا مسلمين ... إن المعظم سلطان فرانصة ... اتفق له برأيه وقوع هذا مختصر لفائدتكم وخيركم وتواتر النعمة عليكم ... إنكم بمسكن قلبه كعزيز الرعية عنده. واعلموا أن سلاطين أجناس النصارى مهما أرادوا يعرفون الرعية بالأمور الواقعة، يبعثون لهم رسائل خبرية (جرائد) كما هو معروف عند جميع الدول، كسلطان اسطنبول وصاحب مصر ...) وتذهب المقدمة التي صدرت في العدد الأول إلى أن ملك فرنسا له علاقات وطيدة مع ملوك وسلاطين الإسلام. ولكنه صاحب سطوة وقوة عندهم، ووعدت المبشر بأنها ستنقل إلى الجزائريين أخبار العالم الإسلامي: (سعادة سلطان فرانصة، له معرفة ومحبة بالغة مع سلاطين الإسلام، وهم صاحب اصطنبول، وصاحب العجم (بلاد فارس)، وصاحب الهند، وصاحب مصر، وصاحب الغرب (فاس)، وصاحب تونس ... وبينه وبينهم محبة لأنهم يدركون مكانته وإحسانه وعظيم سطوته وقوته. وستخبركم المبشر بما يجري في هذه البلدان). وبعد أن تحدثت عن الحجاج وما يجدونه من قناصل فرنسا من رعاية، لعظمة فرنسا بين الدول الأخرى وهم تحت حماية هذه (الدولة العظيمة) أضافت المبشر أنها ستعرف الجزائريين أيضا بعلمائهم القدماء، وبعلماء فرنسا الجدد، وستنوه بالكتب التي ألفها هؤلاء وأولئك: (لنا معرفة بالمؤلفين والعلماء من سالف الزمان، وأكثرهم من عندكم، وعلماؤكم الأوائل ألفوا في علم التاريخ والسيرة والأدب والشعر والفلك والفقه والديانة وسائر العلوم. والجريدة ستذكركم بهذه الكتب التي بعضها مفقود الآن عندكم). وأهم من ذلك كله، وهو المقصود بالذات في ظاهر الأمر، أن المبشر ستعرف الجزائريين بواجباتهم نحو فرنسا، وهي السمع والطاعة والابتعاد عن (سائر

стр. 2175

الوشايات الشيطانية) التي تسميها الجريدة (الشيطنة- دمرها الله! -) والشيطنة عند المبشر والإدارة الفرنسية عندئذ هي الثورات والفتن المضادة للفرنسيين. ولذلك أوصتهم بعدم الاستماع إلى المشاغبين الذين (يسعون في هلاكهم وجر البلاء إليكم بتخليطهم وكذبهم). ولا ننسى أن المبشر قد صدرت أثناء المرحلة الأخيرة من المقاومة الوطنية بقيادة الأمير عبد القادر. والأوصاف والنعوت المذكورة موجهة بالطبع إلى المقاومة والمقاومين. أما الجوانب الإخبارية فالمبشر لخصتها فيما يلي: إعلام الجزائريين بكل ما هو موجه إليهم من الدولة الفرنسية لكي يعرفوا كيف يسيرون مع الولاة الفرنسيين ويعرف الولاة كيف يتصرفون مع الرعية. وتعريف الجزائريين بالزراعة والإنتاج الحيواني والمعادن والصناعات اليدوية، لأن جميع الصنائع والعلوم لا يدركها الإنسان إلا بمعرفة أنواعها. وكل ما تنتجه الجزائر يباع في الأسواق الفرنسية وما تنتجه فرنسا يباع في الجزائر (بأبخس الأثمان). والهدف من كل ذلك هو أن (نصل الألفة ويجري بدل البيع والشراء (المبادلات) بيننا). وأخيرا فإن المبشر ادعت أنها ستشتمل على فوائد جمة من جميع أنحاء العالم لفائدة الجزائريين (١). في أول الأمر كانت المبشر تصدر مرتين في الشهر، وكانت بحجم صغير، وكل صفحة فيها بأربعة أعمدة، واعتبرها فيليب دي طرازي ثالث جريدة عربية في العالم، رغم أنها تصدر - كما قلنا باللغتين - وكانت تحرر أولا بالفرنسية ثم تترجم مادتها إلى العربية. وبقيت تصدر مرتين في الشهر إلى سنة ١٨٦١. ومنذئذ بدأت تظهر كل عشرة أيام. ثم منذ ١٨٦٦ أخذت تظهر كل خميس (٢). وكانت المبشر قد توقفت بعض الوقت (سبتمبر ١٨٥٨
следующие страницы →