من هذه الصحف نذكر المصباح (لانتيرن) التي نشر فيها روبيني أخباره عن شخصية كاقايوس، في روايات ذات لغة شعبية ساخرة، مثل الكرفاش، والكوشون، والكوكو الجزائري. وكان بعضها يحمل اسم (الزواف) و (التامتام). وكان بعضها مضادا لليهود، وآخر مضادا للدين. وكان أغلب هذا النوع من الصحف قد ظهر من أجل المهاترات وإثارة الشغب السياسي أكثر منه للإعلام والأخبار. ومن العناوين الأخرى تدرك ذلك، فقد ظهرت صحف باسم (الثرثار) و (الشيطان) و (غليون الخشب) و (لوتوركو).
ومن جهة أخرى استمرت بعض الصحف طويلا في مدن مختلفة مثل البليدة، فقد عرفت هذه المدينة صحيفة باسم (التل) وكذلك صحيفة (البروقري) التي ظهرت في أم السنام أو الأصنام، ودامت ٤٥ سنة. وظهرت سنة ١٩١١ جريدتان في سور الغزلان، وثلاثة في الشلف.
ومنذ ١٨٨٥ ظهرت في مدينة الجزائر صحيفة يومية استمرت طويلا هي (لا ديباش ألجيريان) واستطاعت أن تبقى إلى جانب صحيفة أخرى يومية أيضا هي (ليكو دالجي) التي ظهرت سنة ١٩١٢، والتي كان يشرف عليها دورو، نائب الجزائر في مجلس الشيوخ، وهو رجل اشتراكي راديكالي حسب التعبيرات السياسية الفرنسية. ثم تولى هذه الجريدة الآن دي سيرني فجعلها صحيفة مستقلة. وأصبحت في عهده ذات رواج واسع. وفي ١٩٣٩ ظهرت (الجزائر الجمهورية) اليسارية. وكان الأديب ألبير كامو قد تولى رئاسة تحريرها بعض الوقت قبل أن تكشف عن وجهها الماركسي. وكانت صحيفة ناجحة ومقروءة. ومن جهة أخرى أنشأت لا ديباش المذكورة صحيفة أخرى تابعة لها هي (آخر الأخبار - ديرنيى نوفيل). وكانت في قسنطينة صحيفة باسم (لاديباش) أيضا، وكانت السياسة والمال يقفان وراء عدد من هذه الصحف. كما كانت الايديولوجيات تلعب دورها في دعم بعض الصحف؛ وأثناء الحرب العالمية الثانية عرفت بعض هذه الصحف حملات تطهير نتيجة
стр. 2172
التغيير في المواقف والولاء. وهكذا أوقفت عدة صحف، مثل لاديباش الجزائرية وآخر الأخبار ويقظة عنابة (روفاي دي بون) و (التام) - الجزائر وتونس والمغرب - الأسبوعية. واحتلت الجزائر الجمهورية والحرية (ليبرتي) وكلتاهما شيوعي، مقرات الجرائد الموقوفة. كما ظهرت في الجزائر صحيفة (لاديباش كوتيديان) برئاسة تحرير جان برون، و (جورنال دالجي) برئاسة تحرير إدمون بروا (١) وهناك صحف أخرى لم نذكرها.
ورغم المال الذي كان يوفره أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية، فإن الصحف الفرنسية في الجزائر كانت تعيش على الإعلانات والأخبار المحلية الصغيرة. وكذلك كانت تنقل أخبار فرنسا وما يجري في مسارحها وملاهيها وفضائحها من أجل جلب القراء. وقد قلنا إن موضوعات الثقافة الشعبية المشتركة بين الكولون وأدب السخرية من الأهالي واتخاذ أبطال خياليين على حساب المواطن الجزائري، كل ذلك جعل الصحف تبقى. وقد قال بعضهم إنها لكي تعيش كانت بعض الصحف تفتعل أي شيء وتقف ضده، لأن الضدية والتحدي والمهاترات كانت هي سبيل النجاح الصحفي في نظرها.
صحيفة (المبشر) الرسمية
الصحيفة التي نريد أن نتناولها على حدة هي (المبشر)، وهي صحيفة رسمية صدرت سنة ١٨٤٧ باللغتين العربية والفرنسية، وكانت على العموم موجهة إلى الجزائريين. وكان أحد طلابنا قد تناول هذه الصحيفة بالتفصيل فيما يعلق بنشاتها ومحتواها ودورها والقضايا الجزائرية التي عالجتها ومواقفها (٢). ونحن لن نذهب إلى كل ذلك هنا، وإنما سنذكر ما يهمنا في
стр. 2173
هذا الفصل، وهو التأريخ لنشأة الصحافة وتأثير ذلك على الرأي العام الجزائري.
ظهرت المبشر فى آخر عهد مملكة جويلية، وبالضبط فى ١٥ سبتمبر ١٨٤٧ وقد نسبت إلى الملك لويس فيليب الذي تسميه المبشر (سلطان فرنسا). وكان ابنه الدوق دومال، هو الحاكم العام للجزائر عندئذ بعد رحيل المارشال بوجو عنها. ولكن المبشر لم تعش سوى خمسة أشهر في عهد المملكة المذكورة إذ سقطت المملكة في آخر فبراير ١٨٤٨ على أيدي الجمهوريين، وهرب الملك ورئيس وزرائه، غيزو، إلى بريطانيا. أما المبشر فقد استمرت في الصدور رغم التغيير في النظام، بل استمرت عبر كل النظم والحكام العامين الذين عرفتهم الجزائر إلى ١٩٢٧، الذكرى المئوية لضرب الحصار الفرنسي على الجزائر، وعشية الاحتفال المئوي بالاحتلال. إنها مشروع فرنسي تمثل في جريدة رسمية دامت ثمانين سنة. وكانت المبشر صورة للتناقضات التي عرفتها الإدارة الفرنسية نحو الجزائريين. وما رأيك في جريدة تولاها البارون ديسلان أول مرة، ومرت بإشراف آرنو ثلاثين سنة، ثم لا بوتيير، ثم جان ميرانت مرتين (١)!.
وقد شاع بين الكتاب أن الذي أنشأها هو الملك لويس فيليب لترشد الجزائريين (إلى سبيل العلم والحضارة والزراعة والتجارة والصناعة أسوة بسائر الدول الإسلامية، سيما السلطنة العثمانية والخديوية المصرية) (٢). وهذا كلام طيب لو كان الأمر كذلك، ولكنه كلام مأخوذ فقط من الجريدة نفسها باعتبارها وسيلة للدعاية والتخدير. أين العلم والحضارة ... خلال الثمانين سنة التي عاشتها المبشر في رعاية حكام من أمثال بيليسييه وماكماهون ودي قيدون وشانزي وتيرمان ... وفي ظل أشخاص من أمثال
стр. 2174
الدكتور وارنييه والكاردينال لا فيجري والأستاذ غوتييه! إن الفرق شاسع بين رسالة الصحافة في الدولة العثمانية والخديوية المصرية وبين رسالة المبشر في الجزائر. ولنستمع إلى البارون ديسلان وهو يصوغ (مقصود المبشر) على لسان سلطان فرنسا - لويس فيليب:
(إعلموا يا مسلمين ... إن المعظم سلطان فرانصة ... اتفق له برأيه وقوع هذا مختصر لفائدتكم وخيركم وتواتر النعمة عليكم ... إنكم بمسكن قلبه كعزيز الرعية عنده. واعلموا أن سلاطين أجناس النصارى مهما أرادوا يعرفون الرعية بالأمور الواقعة، يبعثون لهم رسائل خبرية (جرائد) كما هو معروف عند جميع الدول، كسلطان اسطنبول وصاحب مصر ...) وتذهب المقدمة التي صدرت في العدد الأول إلى أن ملك فرنسا له علاقات وطيدة مع ملوك وسلاطين الإسلام. ولكنه صاحب سطوة وقوة عندهم، ووعدت المبشر بأنها ستنقل إلى الجزائريين أخبار العالم الإسلامي: (سعادة سلطان فرانصة، له معرفة ومحبة بالغة مع سلاطين الإسلام، وهم صاحب اصطنبول، وصاحب العجم (بلاد فارس)، وصاحب الهند، وصاحب مصر، وصاحب الغرب (فاس)، وصاحب تونس ... وبينه وبينهم محبة لأنهم يدركون مكانته وإحسانه وعظيم سطوته وقوته. وستخبركم المبشر بما يجري في هذه البلدان).
وبعد أن تحدثت عن الحجاج وما يجدونه من قناصل فرنسا من رعاية، لعظمة فرنسا بين الدول الأخرى وهم تحت حماية هذه (الدولة العظيمة) أضافت المبشر أنها ستعرف الجزائريين أيضا بعلمائهم القدماء، وبعلماء فرنسا الجدد، وستنوه بالكتب التي ألفها هؤلاء وأولئك: (لنا معرفة بالمؤلفين والعلماء من سالف الزمان، وأكثرهم من عندكم، وعلماؤكم الأوائل ألفوا في علم التاريخ والسيرة والأدب والشعر والفلك والفقه والديانة وسائر العلوم. والجريدة ستذكركم بهذه الكتب التي بعضها مفقود الآن عندكم). وأهم من ذلك كله، وهو المقصود بالذات في ظاهر الأمر، أن المبشر ستعرف الجزائريين بواجباتهم نحو فرنسا، وهي السمع والطاعة والابتعاد عن (سائر
стр. 2175
الوشايات الشيطانية) التي تسميها الجريدة (الشيطنة- دمرها الله! -) والشيطنة عند المبشر والإدارة الفرنسية عندئذ هي الثورات والفتن المضادة للفرنسيين. ولذلك أوصتهم بعدم الاستماع إلى المشاغبين الذين (يسعون في هلاكهم وجر البلاء إليكم بتخليطهم وكذبهم). ولا ننسى أن المبشر قد صدرت أثناء المرحلة الأخيرة من المقاومة الوطنية بقيادة الأمير عبد القادر. والأوصاف والنعوت المذكورة موجهة بالطبع إلى المقاومة والمقاومين.
أما الجوانب الإخبارية فالمبشر لخصتها فيما يلي: إعلام الجزائريين بكل ما هو موجه إليهم من الدولة الفرنسية لكي يعرفوا كيف يسيرون مع الولاة الفرنسيين ويعرف الولاة كيف يتصرفون مع الرعية. وتعريف الجزائريين بالزراعة والإنتاج الحيواني والمعادن والصناعات اليدوية، لأن جميع الصنائع والعلوم لا يدركها الإنسان إلا بمعرفة أنواعها. وكل ما تنتجه الجزائر يباع في الأسواق الفرنسية وما تنتجه فرنسا يباع في الجزائر (بأبخس الأثمان). والهدف من كل ذلك هو أن (نصل الألفة ويجري بدل البيع والشراء (المبادلات) بيننا). وأخيرا فإن المبشر ادعت أنها ستشتمل على فوائد جمة من جميع أنحاء العالم لفائدة الجزائريين (١).
في أول الأمر كانت المبشر تصدر مرتين في الشهر، وكانت بحجم صغير، وكل صفحة فيها بأربعة أعمدة، واعتبرها فيليب دي طرازي ثالث جريدة عربية في العالم، رغم أنها تصدر - كما قلنا باللغتين - وكانت تحرر أولا بالفرنسية ثم تترجم مادتها إلى العربية. وبقيت تصدر مرتين في الشهر إلى سنة ١٨٦١. ومنذئذ بدأت تظهر كل عشرة أيام. ثم منذ ١٨٦٦ أخذت تظهر كل خميس (٢). وكانت المبشر قد توقفت بعض الوقت (سبتمبر ١٨٥٨
стр. 2176
إلى يونيو ١٨٥٩) بد إنشاء وزارة الجزائر والمستعمرات، لأن إدارة الشؤون الأهلية التي كانت تتولاها قد ألغيت. ولكنها عادت إلى الظهور قبل عودة الحكومة العامة سنة ١٨٦٠، وربما كان ذلك لملء الفراغ الذي تركته بالنسبة للأهالي وانقطاع الصلة الدعائية بين الإدارة الفرنسية والموظفين الجزائريين عندها، وهم الذين كان عليهم أن يشتركوا في المبشر إجباريا. لقد كانت الجريدة تباع وتقرأ في الأسواق بإشراف أعوان المكاتب العربية. وترمي المبشر إلى التأثير على الجزائريين وإبعادهم عن الثورات وحثهم على الولاء لفرنسا، وتخويفهم من عواقب العصيان، وتمجيد فرنسا وعلومها وقوتها. ولذلك كانت المبشر تتفادى الخوض في المسائل الخلافية بين الفرنسيين كأنواع الاستعمار والخلاف بين المدنيين والعسكريين، وبين الحكام ورجال الكنيسة وسياسة التنصير. ولكن باعتبارها جريدة الإدارة العسكرية فإن المستوطنين كانوا لا يطيقونها. وكانت جريدة (الأخبار) التي أصبحت لسان حال السياسة الرسمية - الاستيطانية في الجزائر، قد رحبت بالمبشر عند صدورها، في عددها الصادر يوم ١٩ سبتمبر ١٨٤٧ ونوهت بها وذكرت برنامجها وتمنت لها النجاح.
كانت المبشر تطبع في المطبعة الحكومية خلال ١٨٤٧ - ١٨٦٤، وهي مطبعة كانت تابعة للحكومة العامة منذ عهد جانتي دي بوسيه. فقد جاء دي بوسيه بمطبعة فرنسية - عربية لطبع المنشورات الرسمية. وتولاها شخص بنفس اللقب وهو رولاند دي بوسيه، صاحب القاموس العربي - الفرنسي والفرنسي - العربي، الذي أصدره سنة ١٨٤٧. ومع بداية ١٨٦٤ طبعت المبشر في مطبعة جول برك. ولكننا وجدناها بعد ثلاث سنوات تطبع في مطبعة بويير بالجزائر، ثم وجدناها سنة ١٨٩٤ تطبع في مطبعة فونتانة. والظاهر أنها قد استقرت مدة طويلة مع مطبعة فونتانة لأن إدارة الشؤون الأهلية قد وقعت عقدا على ذلك مع هذه المطبعة.
وعنوان (المبشر) كان داخل دائرة شمسية مشعة. ومن أسفلها نسر وحوله هذه العبارة: (لشروق الشمس يجلى الظلام، ومطالعة الأخبار تنفي
стр. 2177
الأوهام). وتحت رجلي النسر عبارة: (الصحيفة السلطانية في الجزائر) مع هلال مفتوح إلى أعلى، يتوسطه رقم الجريدة. ولعل هذا الشعار قد استمر طيلة عهد الامبراطورية، ويظهر أن الشعار فيه تبسيط يتناسب مع نوع القراء، ثم أن اسم الجريدة نفسه يوحي بذلك، فالشمس والنسر والهلال والمبشر والسجع في العبارة المذكورة وكونها صحيفة سلطانية - كل ذلك يتناسب مع عقلية القراء الجزائريين عندئذ.
وبعد أن كان الاشتراك محصورا في فئة الموظفين الرسميين: وهم القضاة والقياد والأيمة، الخ ... أصبح أيضا مفتوحا لكل راغب. ولعل الجريدة، شعرت أن الجزائريين قد تفطنوا إلى دعايتها التسكينية، فلم يكونوا يطالعونها حتى بعد أن تأتي إليهم جبرا. وقد أشيع عندئذ أن الجزائريين لا يقدسون الحروف المطبعية كما يقدسون الخطوط اليدوية. ولم يكن سحبها في المرحلة الأولى يتجاوز الألف نسخة، وهو ربما عدد الموظفين الرسميين تقريبا، وكانت ترسل حوالي ثلاثمائة نسخة من كل عدد إلى كل إقليم من الأقاليم الثلاثة، وفي الخمسينات ارتفع العدد المسحوب إلى حوالي ١٥٠٠ نسخة. وكان المارشال بيليسييه قد جعلها سنة ١٨٦١ جريدة تجارية يشتريها كل راغب في قراءتها (١).
اهتمت المبشر، بالإضافة إلى ما ذكرنا، بأخبار الدول الإسلامية، مثل بلاد فارس والهند والدولة العثمانية ومصر. وكانت تنشر الأخبار عن حروب كوريا والصين، وروسيا القيصرية، والتجارة مع أفريقيا، وأخبار الاختراعات العلمية مثل تربية النحل، وعلم الفلك، والتجارة، والتلغراف، والسينما، والتصوير. ولذلك فإنها كانت من هذه الزاوية مرآة ينظر منها القراء إلى أحوال العصر. وكانت بالتالي مفيدة للجزائريين الذين لم يكونوا يقرأون الفرنسية أو ليسوا على صلة بالمستوطنين الفرنسيين، مثل الموظفين الرسميين في الأرياف والمناطق المعزولة. ولكن أسلوب الجريدة كان
стр. 2178
منفرا، رغم أنها تدعي أنها مبشر.
يقول دي طرازي إنها مرت في تحريرها بثلاث مراحل: من ١٨٤٧ إلى ١٨٨٤، ومن هذا التاريخ إلى ١٩٠٥، ثم من هذا التاريخ إلى زمن تحرير كتابه هو، وإذا شئت فقل إلى زمن توقفها سنة ١٩٢٧. ولكن دي طرازي لم يوضح بأي شيء تميزت كل مرحلة في نظره. فهل هذه المراحل كانت حسب المادة وتوجيهها أو حسب المحررين وأسلوبهم في الجريدة؟ إننا نعرف أن توجهات الجريدة لم تتغير في الأساس، وإنما الذي تغير من مرحلة إلى أخرى هو أسلوب التحرير ومادة الجريدة. فبعد أن كان يشرف عليها مستشرق مثل ديسلان ويصوغ عباراتها بأسلوب الجرائد الشرقية المتأثرة بالعبارات العثمانية، أصبحت في مراحل أخرى وقد تخلصت نوعا ما من ذلك الأسلوب المصطنع وتطورت مع الصحافة العربية في مصر وسورية وتونس. ولذلك قال دي طرازي إنها كانت ركيكة العبارة في البداية ثم تحسنت حتى صارت صحيحة الإنشاء.
وخلافا لما ذهب إليه دي طرازي فإن أول من تولى الإشراف على المبشر هو ديسلان وليس آرنو. ونحن نعرف أن هناك قرابة بين المارشال بوجو والمستشرق ديسلان (زوجة ديسلان هي ابنة أخت بوجو)، وهذا هو ما جعل ديسلان يتعين في الجزائر، باعتباره المترجم الأول فيها، مع كفاءته وخبرته التي لم ينكرها حتى خصومه. وقد ذكرنا في ترجمتنا لأحمد البدوي أن بوجو قد وضعه تحت تصرف ديسلان لمعرفة البدوي بأسلوب التحرير الجيد، إذ كان كاتبا عند الأمير وخليفته أحمد الطيب بن سالم مدة طويلة (١). وكان البدوي قد ظل يعمل في جريدة المبشر إلى سنة ١٨٨٦ (٢). وقد لاحظ الباحث إبراهيم الونيسي أن اسم ديسلان لم يظهر، مع ذلك، على صفحات
стр. 2179
المبشر إلا مرة واحدة، وهو في عدد ٣٠ أكتوبر ١٨٤٧ حين كتب افتتاحية لمقالة عنوانها (الأملية الثانية في خزانة الكتب السلطانية بباريس) (١). وكان ديسلان قد انتقل إلى باريس سنة ١٨٦٣ ليتولى تدريس اللهجة العامية الجزائرية في مدرسة اللغات الشرقية. وحينئذ فإن إشراف آرنو على المبشر قد يكون بدأ على إثر ذلك.
ومهما كان الأمر، فإنه بالرغم من وجود الإشراف الفرنسي على الجريدة: إدارة وسياسة وتوجيها وماليا، فإن مادتها الخبرية كانت مشتركة بين الجزائريين والفرنسيين، أما الأسلوب في المرحلة الثانية والثالثة فيمكننا أن نقول إنه كان جزائريا محضا فيما يتعلق بالقسم العربي. كانت المادة الخبرية في القسم الفرنسي تترجم في أغلبها إلى القسم العربي بأسلوب جزائري، متأثرا أيضا بضعف اللغة العربية وعزلتها عن الغذاء والتطور الذي عرفته الصحافة في المشرق وفي تونس. ولكن الجزائريين كانوا يوفرون مادة خبرية أخرى، سواء بتوجيه الفرنسيين أو بدون توجيههم، مثل الرجوع إلى كتب الأدب والأخبار وتاريخ العلم والحوادث والنصوص والطرائف القديمة والحديثة. وبالإضافة إلى اسم أحمد البدوي نجد اسم أبي القاسم الحفناوي (الحفناوي بن الشيخ) الذي لازم آرنو أكثر من أربعين سنة. وكان الحفناوي عالما بالمعنى التقليدي للكلمة، وله أسلوب جيد بمستوى ذلك الوقت. وقد نشر في المبشر مقالات بعضها كان مترجما والبعض الآخر من إنشائه (٢).
ورغم كل عيوب المبشر كجريدة سياسية رسمية للدعاية الفرنسية، فإنها كانت (مدرسة صحفية) لجيلين أو ثلاثة من الجزائريين. تعلموا منها فن الصحافة وجمع المادة الخبرية وتحريرها وتوجيهها وصياغتها واختيارها. كما عرفوا مراحل فن الطبع والنشر، وأنواع الترجمة. ومن جهة أخرى فإن المبشر
стр. 2180
كانت هي النافذة الوحيدة ولفترة طويلة، للترجمة من الفرنسية إلى العربية، ومعظم ذلك كان على يد فئة قليلة من المتعلمين الجزائريين مزدوجي اللغة. ومنهم، بالإضافة إلى البدوي والحفناوي، وعلي بن عمر، وعلي بن سماية، ومحمود وليد الشيخ علي، وقدور باحوم، وعلي ولد الفكاي، ومحمد بن مصطفى خوجة، ومصطفى بن أحمد الشرشالي، ومحمد بوزار، ومحمود كحول، ومحمد بن بلقاسم (١). وهناك كتاب آخرون ساهموا بتحريراتهم في المبشر ولكنهم لم يتوظفوا فيها كصحفيين محترفين. ومنهم سليمان بن صيام ومحمد السعيد بن علي الشريف، اللذان نشرا فيها رحلتهما إلى فرنسا، وحسن بن بريهمات الذي نشر في المبشر، أو نشرت له عددا من الخطب والمقالات التأبينية، ومقالات أخرى بمناسبة زيارة نابليون الثالث للجزائر. كما نشر فيها أحمد بن الفقون بعض الأعمال الأدبية المترجمة عن الفرنسية، وتأليفه المسمى (التاريخ المتدارك في أخبار جان دارك) كما نشر فيها مصطفى بن السادات ومحمد الزقاي بعض المقالات.
لم تكتف المبشر بنشر المادة الخبرية عن الجهات الرسمية الفرنسية، وأخبار العالم الإسلامي، والمبتكرات العلمية والحضارية، بل كانت تسلسل نشر المؤلفات ذات الطابع المفيد أو تلك التي يتوافق موضوعها مع مشرب الجريدة. ويمكننا أن نتحدث هنا عن (منشورات المبشر) فقد توفر لقرائها ما يعجزون عن قراءته اقتناء بنقودهم. ففي سنة ١٨٦٨ سلسلت المبشر كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) لخير الدين باشا التونسي الذي طبع قبل ذلك بسنة واحدة، ولعل إعجاب خير الدين باشا بالحضارة الأوربية
стр. 2181
والنظم الغربية، ومنها الفرنسية هو الذي جعل المبشر تقبل على نشره في حلقات متواصلة ابتداء من أول أكتوبر ١٨٦٨. وقبل ذلك نشرت كتابا في الجغرافية للشيخ رفاعة الطهطاوي، ابتداء من ١٥ يناير ١٨٥٧، وقد استمرت حلقاته مدة طويلة. وهو كتاب كان يتحدث بالخصوص عن جغرافية فرنسا التي عاش فيها الطهطاوي إماما للبعثة العلمية المصرية. ومن منشوراتها أيضا كتاب (تاريخ دولة العرب في إفريقية) الذي ترجمه أحمد بن الفقون، ابتداء من ٢٦ نوفمبر ١٨٦٨. وهناك (مروج الذهب) للمسعودي، وسقوط غرناطة، وحكاية غونزالف القرطبي، وقصصا من كليلة ودمنة ومن ألف ليلة وليلة (١). وكذلك نشرت بعض الأشعار لأحمد بو طالب قريب الأمير عبد القادر، في مدح نابليون الثالث (٢). وبين يناير ١٨٨٠ وأبريل ١٨٨١ نشرت المبشر كتاب (عجائب الأسفار ولطائف الأخبار) لأبي راس الناصر المعسكري، ولا ندري إن كانت قد استكملت نشره.
ومن جهة أخرى كانت المبشر تعلن عن الكتب المترجمة والموضوعة والقواميس المطبوعة مما جعلها وسيلة للإطلاع على ما تخرجه المطابع سواء في الجزائر أو في غيرها. ومنذ ١٨٤٨ أعلنت المبشر أن وزير الحربية أمر بترجمة مختصر الشيخ خليل وشروحه حتى يفهم القضاة الفرنسيون الفقه المالكي وأصول الشريعة الإسلامية السائدة في الجزائر. وقد قام الدكتور بيرون بهذه الترجمة، كما ذكرنا في غير هذا المكان ولم تنتظر المبشر صدور الترجمة بل أنها نشرت تعريفا بالشيخ خليل وكتابه في آخر سنة ١٨٦١. وأعلنت الجريدة أيضا أن الوزير نفسه أمر بترجمة تاريخ ابن خلدون، سيما ما يتصل منه بالجزائر. وهو العمل الذي قام به ديسلان نفسه، وصدر في عدة أجزاء على نفقة الحكومة الفرنسية. وقد أهدت منه (أي الحكومة) نسخا إلى أعيان الجزائر (٣).
стр. 2182
وبين سنة ١٨٨٩ و ١٨٩٦ نجد إعلانات متكررة في المبشر عن كتب صدرت حول الشريعة الإسلامية، والمعاجم، والقصص، ونحو ذلك. مع ذكر أثمان المؤلفات وأحيانا توضيح الغرض منها وأهميتها. من ذلك (الشرع الإسلامي) الذي قالت عنه إنه تقرير قدم إلى رئيس الجمهورية الفرنسية، وهو يتعلق بتنظيم القضاء الإسلامي فيما يظهر. ثم (فهرس خليل) كما رتبه على الحروف المستشرق ادمون فانيان، حسب نسخة باريس وأضافت المبشر أنه كتاب يحتاج إليه الحكام ووكلاء الشرع (القضاة) والمترجمون وكل مشتغل بالشريعة الإسلامية. و (اللسان يكمل الإنسان) من تأليف الضابط لويس رين والمترجم العسكري أحمد بن بريهمات، لتسهيل تعلم اللغة الفرنسية. وقصة علي الزئبق المصري التي استخرجها المترجم آرنو من ألف ليلة وليلة ونقلها إلى الفرنسية (لكي يتمتع بها المطالع). ثم الإعلان عن صدور كتاب صغرى السنوسي في التوحيد الذي ترجمه لوسياني مع شرح السنوسي نفسه، وشرح الباجوري على الصغرى.
ومع ذلك فإن المبشر لم تكن جريدة تنشر لكل من تقدم إليها. فالجزائري الذي كان يرغب في كتابة مقالة حرة لا يجد سبيلا لنشرها لا في المبشر ولا في غيرها. وكان على الجزائريين أن ينتظروا طويلا لكي يتاح لهم التعبير عن طريق الصحافة العربية (١). غير أن هناك فلتة - إذا صح التعبير - تمثلت في جريدة فرنسية أيضا، ولكنها بالعربية أو مزدوجة، ولم تكن جريدة رسمية وإنما كانت عامة أو مستقلة. ونعني بها جريدة (المنتخب).
стр. 2183
جريدة المنتخب
ولكن من الناحية التاريخية نذكر جريدة مجهولة الاسم حتى الآن ظهرت سنة ١٨٧٧ في قسنطينة. وهي ناطقة بالعربية كملحق لجريدة (البروقري دي ليست) التي كانت تصدر في قسنطينة. ويذكر من اطلع على محتواها أنها كانت بالعربية وأنها هاجمت الشيخ عبد القادر المجاوي على آرائه التي أظهرها في رسالته (إرشاد المتعلمين)، كما هاجمت الثقافة العربية واللغة العربية ودعت إلى إدماج الجزائريين في الثقافة الفرنسية. ونحن لا نتوقع إلا ذلك من جريدة متفرعة عن (البروقري) من جهة وصادرة زمن الجمهورية الثالثة وعلى إثر ثورة ١٨٧١ من جهة أخرى.
ولكن الشيء الملفت للنظر فيها هو أن بعض الجزائريين قد ظهر على صفحاتها أيضا، ومن هؤلاء من كتب ضد المجاوي أيضا لأنه (أي المجاوي) جعل الجزائريين أقل تقدما من عرب المشرق. وهذا ما لا تتحمله السلطات الفرنسية التي تريد أن تظهر بين الجزائريين على أنها حاملة لواء التقدم والحضارة بينهم والآخذة بيدهم إلى هذا الطريق. فهذا الكاتب وأمثاله إذن إنما هم متفرنسون أو مغفلون. ومع ذلك فإنهم لم يسايروا الجريدة في مهاجمة الثقافة العربية واللغة العربية (١).
وهذه الجريدة المجهولة غير معروفة المدة أيضا، ويبدو لنا أنها كانت (نشرة) صدرت مؤقتا عن (البروقري) لتؤدي مهمة عاجلة، وهي الإساءة للثقافة العربية ولدعوة المجاوي إلى الإصلاح والتعلم التي ظهرت في رسالته (إرشاد المتعلمين). ونعتقد أنه لم يصدر منها سوى بضعة أعداد ومع ذلك
стр. 2184
فإليها يرجع الفضل في لفت الأنظار إلى آراء المجاوي وإلى الموقف من قضية الحضارة.
ونفهم من (سيرقال) أن مشروع الجريدة العربية المستقلة إعلاميا قد نجح، ولكن على يد شخص آخر قال عنه إنه كان ضابطا في فرقة الزواف وملحقا بالحكومة العامة، فقد أنشأ هذا الضابط المجهول جريدة (من وحي الحكومة؟) حوالي ١٨٨٠ وسماها (أستر الشرق L'Astre d'orient) وكان هدفها، كما قيل، هو فتح منبر لجميع عرب البحر الأبيض حاملا إليهم أخبار فرنسا ثم الأخبار العامة من طنجة إلى أصبهان. وعلينا أن نتذكر أن فاتح سنة ١٨٨٠ عرف اهتمام إيطاليا بتونس وشرق الجزائر واهتمام بريطانيا بمصر، وأن فرنسا كانت منافسة لكلتيهما، ثم أن احتلال تونس حدث سنة ١٨٨١ واحتلال مصر سنة ١٨٨٢، وإن ثورة المهدي في السودان وثورة عرابي باشا قد وقعتا أثناء ذلك. فاهتمام السلطات الفرنسية بمنطقة البحر الأبيض وبالحياة العربية كان من أجل تجميل وتأطير الصورة الفرنسية في الجزائر والشرق.
وبناء على سيرقال فإن (أستر الشرق) كانت أسبوعية تصدر كل خميس، وأنها كانت تلجأ إلى التمويه لتستر عربيتها حتى أنها كانت تطوى بطريقة تظهر فيها كأنها صحيفة فرنسية. وعلينا أن نفهم من ذلك أن اللغة العربية كانت محاربة حتى في حروفها. ومهما كان الأمر فقد اعتبرها سيرقال (محاولة مخلصة) لتوضيح رسالة فرنسا للعرب. ويبدو أنها صحيفة قد استغرقت فترة لا بأس بها إذ أنها أفلست سنة ١٨٨٣ (١). ولا ندري ما العلاقة بين هذه الصحيفة والصحيفة التي لم نعرف اسمها ثم صحيفة (المنتخب) التي سنتحدث عنها. ولعل القدر المشترك بين هذه المحاولات جميعا هو أنها
стр. 2185
صدرت في الجهة الشرقية من البلاد وأنها محاولات لنشر الفكر الاستعماري بطريقة غير رسمية، وأما الطريقة الرسمية فهي التي حذقتها وتفننت فيها (المبشر) كما عرفنا.
أما جريدة (المنتخب) فأمرها مختلف. فهي جريدة معروفة الاسم والتاريخ والمدة، وكان لها مدير ورسالة، وكان مديرها فرنسيا هو بول ايتيان. وقد ظهرت في قسنطينة بتاريخ ٢٨ إبريل ١٨٨٢، وانتهت بعدد ٤٠ يوم ١٢ يناير ١٨٨٣ (١). وكانت رسالتها الظاهرة هي الدفاع عن مصالح الأهالي، وخصوصا الفلاحين، ولكنها كانت تدعو إلى الاندماج في البوتقة الفرنسية. ولذلك أولت اهتماما خاصا بتدوين الفقه الإسلامي لكي يسمح بنيل الحقوق والواجبات السياسية، بما في ذلك المساواة في الضرائب والخدمة العسكرية، والتجاوز عن الشروط - العقبة التي وضعها قانون التجنس سنة ١٨٦٥، وهي ضرورة التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية قبل الدخول تحت طائلة القانون الفرنسي. ولذلك وصفت جريدة (المنتخب) الشريعة الإسلامية بأنها شهادة عدم المساواة المدنية للجزائريين، وعليهم أن يتخلصوا من ذلك لا عن طريق التجنس الصريح ولكن عن طريق تدوين الشريعة (والفقه) بما يسمح لهم باكتساب الحقوق المدنية الفرنسية. واعتنت المنتخب أيضا بالقضايا الاقتصادية والجبائية للجزائريين، وبسياسة روسيا والنمسا الثقافية نحو الأقليات، معتبرة ذلك نموذجا صالحا للجزائر أيضا.
وفي افتتاحية عددها الأول جاء أنها جريدة أنشأتها (جماعة من مسلمي قسنطينة ومن أعيانها) وأنها لخدمة فرنسا وخدمة الفلاحين. وذهبت إلى أن العرب هم الذين أنشأوها وأنهم موالون لفرنسا ومؤمنون بعظمتها، وقالت إنهم معتدلون في آرائهم ويعتقدون في التقارب بينهم وبين الفرنسيين والتفاهم
стр. 2186
معهم. وادعت الجريدة أن لا ضرر من إنشائها بعد أن ذهب الجيش إلى تونس لاحتلالها (١٨٨١). وأعادت إلى الأذهان اضطرابات الفلاحين، ولذلك جاءت هي لتوضيح المشاكل الكبيرة التي تشغل بال الصحافة الفرنسية، ولكي ترتاد الطريق لفرنسا. وزعمت أن العرب الذين انضموا إلى الجريدة سينورون فرنسا حول العاصين ويقومون بتبصير إخوانهم بإحسان فرنسا وتمدينها لهم، وإن رسالة التمدين الفرنسية ستعيد الجزائريين إلى سابق عهدهم في الحضارة، ثم دعت إلى القيام بإصلاحات فرنسية نحوهم. ومع ذلك لم تهتم الجريدة بإلغاء المحاكم الإسلامية ولا بمشكلة القضاء الإسلامي، وكانت هذه من القضايا الساخنة عندئذ (١).
أطلقت المنتخب على نفسها اسم (جورنال)، واعتبرت نفسها لواء خفاقا للمدنية لأن العصر لم يعد عصر الرايات وإنما هو عصر الجرائد. وكانت تصدر أسبوعيا باللغتين، كل يوم أحد. ومن كتابها الجزائريين حميدة بن باديس، وعبد القادر المجاوي، وزين العابدين بو طالب. وهناك كتيب يذكر عددا من الوجوه البارزة المشاركة في تحرير الجريدة. وقد نوه زين العابدين بو طالب (وهو قريب الأمير عبد القادر) بظهور الجريدة في أبيات نشرت في العدد الخامس منها واعتبرها جريدة نافعة للأهالي ومبشرة بالأماني والوصول إلى الحق كما دعا إلى اقتنائها (٢).
لقد كان رد فعل الحكومة ودوائر المستوطنين على المنتخب عنيفا. فقد هاجمها الحاكم العام، لويس تيرمان نفسه في تقريره. وحكمت عليها جريدة (الأخبار) المنحازة إلى الكولون بأنها جزء من (حركة تمردية) وقالت إن وفودا عين المنتخب قد ذهبت إلى البلدان
стр. 2187
المجاورة (١). كل هذا والمنتخب لم تزد على أن تبنت السياسة الفرنسية نفسها تقريبا، ويبدو أن الذي أثار حفيظة الدوائر الاستعمارية ضدها هو الخوف من دورها في توعية الجزائريين بحقوقهم وكون بعضهم شارك في تحريرها واستبشر بظهورها كوسيلة للتعبير عن المظالم والتعسفات (٢).
المجلات الفرنسية
بالنسبة للمجلات الفرنسية، ظهرت كذلك في الجزائر نماذج عديدة منها، هناك المجلات العلمية والتاريخية المتخصصة، وهناك المجلات الأدبية والمصورة والفنية. وظهرت بعض المجلات في العاصمة وأخرى في قسنطينة أو وهران. وكانت تصدر عن جامعة الجزائر مجلات أيضا مثل (ليبيكا). وقد تناولنا في فصل آخر المجلات التي كانت تصدرها الجمعيات التاريخية والأثرية مثل (روكاي) في قسنطينة و (المجلة الإفريقية) في العاصمة، والنشرة في وهران. فلا نكرر ذلك هنا (٣). وقد ذكر البعض أنه كان بالجزائر حوالي ١٠ مجلات في شتى التخصصات، ومنها في غير ما ذكرنا الفلاحة والقانون، والسياحة مثل مجلة (الجزائر هيفيرنال) السياحية التي ظهرت سنة ١٩٠٥. وفي سنة ١٩٣٣ ظهرت مجلة (شمال إفريقية المصورة) ثم مجلة (ألجيريا) المصورة أيضا بطريقة فخمة. وكان لويس بيرتراند يصدر مجلة (إفريقية اللاتينية)، وهو من الأدباء الذين قيل عنهم إنهم يمثلون مدرسة الجزائر الأدبية المزيجة من الجزأرة والفرنسة والرومنة والكثلكة، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت مجلات أخرى في الأدب الفرنسي مثل (فونتين) لماكس فوشيه، و (لارش) لجان عمروش.
стр. 2188
كما ظهرت (سيمون) و (الشمس) - صولاي (١).
وفي عام ١٨٩٦ ظهرت نشرة بالعربية في باريس على يد (جمعية افريقية الفرنسية) أطلق عليها اسم (النصيحة للأجيال)، وكانت ترسل إلى أعيان كل بلدة في الجزائر. وبناء على الأسماء التي كانت ترسل إليها فإنها كانت مهتمة بالجيل المخضرم وليس المتفرنس. لقد كانت توزع مجانا على العدول والقياد والقضاة والمرابطين والتجار والمترجمين ورجال الدين. والظاهر أنها كانت توزع في تونس أيضا وفي بعض مناطق إفريقية الإسلامية، لأنها كانت تهدف، مثل الجمعية التي أنشأها، إلى الدعاية الاستعمارية الفرنسية ونشر التأثير الحضاري الفرنسي عن طريق اللغة العربية (٢).
وأول مجلة باللغة العربية في الجزائر ظهرت سنة ١٩٠٦ على يد امرأة فرنسية تسمى جوان ديريو J. Desrayaux، التي عرفت باسم جمانة رياض. وهو اسم اقتبسته من المشرق العربي الذي ذهبت إليه مع والدها. أما عنوان مجلتها فهو (الإحياء)، وهو عنوان جذاب يتناسب مع روح العصر المعبر عنها بالنهضة. وتعتبر (الإحياء) مجلة أدبية جامعة، والأدب هنا يطلق بمفهومه العام، لأنها في الواقع قد اهتمت أيضا بالحياة الاجتماعية والمرأة واللغة العربية والتعليم. وقد ظهرت الأحياء في وقت كانت فيه الجزائر ما تزال محرومة من الصحف والمجلات الأهلية. ولا يكاد الجزائريون يتغذون إلا من (المبشر) الرسمية جدا، أو من بعض الجرائد والمجلات السورية والمصرية والتونسية التي لا تكاد تصل إلى الجزائر.
ولنتفق على استعمال الاسم العربي لمؤسسة مجلة (الاحياء)، وهو جمانة رياض، لقد كانت جمانة فتاة غريبة غربة معاصرتها المغامرة إيزابيل
стр. 2189
إيبرهارت، ولكن في اتجاه آخر، اهتمت هذه بالجوسسة والشهوات وحياة الصحراء والبداوة ثم بالإسلام والتصوف والسياسة. أما جمانة رياض فقد اهتمت بالأدب واللغة العربية والحركة النسوية في العالم العربي، وكذلك حركة الجامعة الإسلامية. وبينما ترجلت إيبرهارت وعشقت الفروسية وسمت نفسها (أحمد)، تمشرقت (جوان ديريو) وأحبت العرب وسمت نفسها جمانة رياض. كانت جمانة ابنة أستاذ فرنسي في الليسيه بالجزائر. وقبل أن تبلغ العشرين حصلت على دبلوم الدراسات العربية من مدرسة الآداب العليا (كلية الآداب فيما بعد). كما حصلت على (البروفي) الذي تعطيه الحكومة العامة بعنوان بروفي المراسل للجائزة العربية. وبتكليف من الحاكم العام، جونار، ومدير الشؤون الأهلية دومينيك لوسياني، قامت هي ووالدها بمهمة في تونس ومصر سنة ١٩٠٦، وكانت المهمة في ظاهر الأمر لدراسة أوضاع مدارس البنات في الولدين، وقدما تقريرا حول ذلك إلى الحاكم العام.
وفي مصر اهتمت جمانة رياض بحياة المرأة، ونشاط المجلات والصحف العربية التي كانت تشرف عليها كل من لبيبة هاشم في القاهرة وأليسكندرا فيسينو بالإسكندرية. وهناك خطر ببال جمانة إنشاء مجلة مشابهة في الجزائر تكون في خدمة السكان العرب. فأصدرت (الإحياء) في العاصمة انطلاقا من هذه التجربة والرؤية، وذلك في أول محرم سنة ١٣٢٥ (الموافق ١٥ فيفري ١٩٠٦) (١). والإحياء تصدر مرتين في الشهر. وكانت مجلة (جريدة) عمومية وتحتوي على مقالات أدبية وموضوعات في القضايا المعاصرة. وقد جاءت في العدد الأول بمقالات من الصحف العربية، وتناولت خط سكة حديد الحجاز، وأحداث إيران والمغرب الأقصى، وأخبار الجمعية الأثرية الجزائرية، بالإضافة إلى الحديث عن الجريدة النسائية العربية
стр. 2190
(فتاة الشرق). وأما العدد الثاني فقد جاء فيه حديث عن التربية والتعليم، وعن مسلمي روسيا وطرابلس وإيران.
وتبنت مجلة الإحياء رفض الاندماج بين الجزائريين والفرنسيين. ودعت إلى تعليم العرب الجزائريين عن طريق استلهام حضارتهم الخاصة وتعليمهم لغتهم. كما دعت إلى ضرورة إصلاح مناهج التعليم التي أصبحت غير نافعة في نظرها، وإحياء معنويات الجزائريين وأخلاقهم بمساعدة الدين الإسلامي، وذلك بالرجوع إلى أصول هذا الدين وصفائه الأول. ونحن نفهم من ذلك أن صاحبة المجلة متأثرة بمدرسة الشيخ محمد عبده التي كانت لا ترفضها السلطات الفرنسية أيضا. وكان شارل جونار من أكبر المؤيدين لفلسفة تطور الجزائريين داخل حضارتهم بدعم وغطاء من فرنسا. ولا نستبعد أن يكون هو وسياسته وراء إنشاء هذه المجلة. وقد استعانت جمانة رياض ببعض المتعلمين الجزائريين، خريجي المدارس الفرنسية الحكومية، ومنهم الحاج صالح، والعلواني، وكلاهما غير معروف لنا (١). ويذهب البعض إلى أن عبد القادر المجاوي وعبد الحليم بن سماية قد ساهما فيها أيضا .. وقد صدر منها ٣٤ عددا قبل أن تتوقف. أما صاحبتها فقد توفيت سنة ١٩١٤ (٢)، وهي في ريعان الشباب مثل معاصرتها إيبرهارت. ومهما كان الأمر فإن المجلة لم تدم أكثر من سنة. ففي ١٩٠٧ أعلنت مجلة العالم الإسلامي أن الإحياء (الصغيرة والهامة) قد اختفت رغم أن المشتركين فيها بلغوا مائتي مشترك، وهو (رقم محترم) حسب مجلة العالم الإسلامي. غير أن مؤسسيها (هكذا بالجمع) لم يستطيعوا مواجهة متطلبات جريدة ناضجة وقوية (؟) وفضلوا الانسحاب من الميدان مع تعويض المشتركين. ولا ندري ما الجريدة التي عجزت
стр. 2191
الإحياء عن منافستها (١). وربما كان المقصود بها جريدة (كوكب افريقية) التي سنتعرض إليها.
ومن المجلات المزدوجة التي ظهرت بعد الحرب الثانية (هنا الجزائر)، وكانت تصدر منذ ١٩٥٢ عن محطة الإذاعة. أما رئيس تحريرها فقد كان الشاعر الرقيق الطاهر البوشوشي. وكانت تحتوي بالإضافة إلى البرامج الإذاعية، بعض المقالات والقصص والأخبار والصور. وقد شارك فيها عدد من الجزائريين بالكتابة مثل مولود الطياب وأحمد بن ذياب وأحمد الأكحل ونور الدين عبد القادر ومحمد الطاهر فضلاء. وكنا قد اطلعنا على مجموعة منها في الجزائر. وهي مجلة موجهة وتساير التطور الفني والمسرحي والأدبي في أوروبا (فرنسا) وتسوق بعض أخبار التمثيل والموسيقى في الجزائر والشرق. وكانت (هنا الجزائر) تهتم أيضا بأدب المشرق الحديث، وإيراد الطرائف والأخبار وفيها بعض الأسماء النكرة مثل ابن السبيل وابن غالب. وكانت ذات إخراج جيد وأوراقها صقيلة. وقد ضم العدد الخامس والخمسين (مايو - يونيو ١٩٥٧)، هذه العناوين: زعماء الأدب العربي (جرجي زيدان، وأحمد شوقي، ولطفي المنفلوطي، وخليل جبران)، والأدب العربي (مع الجواري في عصورهن)، والأدب الافريقي. وهناك موضوع تحت عنوان (التاريخ)، وهو مترجم، وأجوبة على أسئلة السامعين، والموسيقى لغة فن وعلم، ومن رياض الشعر (مختارات من الشعر تبتدئ من الإمام الشافعي وصفي الدين الحلي وتنتهي بشوقي والعقاد) وقد ضم العدد أيضا قصة، وحديث الكتب والمجلات والبرامج الإذاعية. وفي العدد قسم بالفرنسية أيضا، غير أن القسم العربي أكبر حجما. وفي القسم الفرنسي نجد رسومات محمد ايقربوشن. وحكاية قبائلية، والفن
стр. 2192
البربري (١). (لاحظ أن ما يتعلق بالبربر يكتب بالفرنسية).
ويروي محمد الطاهر فضلاء أن المجلة ظهرت في مايو ١٩٥٢، وتوقفت في يوليو ١٩٦٠، وأن نور الدين عبد القادر قد خلف البوشوشي في تحريرها بعد أن سافر الأخير إلى فرنسا، وأنه صدر منها ٨٩ عددا. وكانت ميزانيتها تخرج من الحكومة العامة سنويا (٢).
نشأة الصحف الجزائرية
هناك صحف أخرى كان ظهورها شبيها بظهور (المنتخب) بالنظر إلى أن مؤسسيها كانوا من الفرنسيين وليسوا من الجزائريين. ولعل ذلك راجع إلى أسباب مادية، أي أن نشر جريدة من أجل الأهالي كان الهدف منه الربح المادي، وقد يكون لأسباب ايديولوجية أو توجيهية كما فعل قوسلان الذي أسس جريدة (النصيحة) - وهي غير (النصيحة للأجيال) التي صدرت بباريس - وقد نعد من ذلك جريدة (المغرب) التي ظهرت سنة ١٩٠٣ بإشراف مطبعة فونتانة. وهي الجريدة التي فتحت صدرها للكتاب الجزائريين. ويبدو لنا أنها كانت من إنشاء حكومة شارل جونار وإدارة الشؤون الأهلية برئاسة لوسياني، لأن الحكومة العامة هي التي كانت تدفع الثمن لمطبعة فونتانة. ومثل ذلك يقال عن صحف أخرى أصدرتها الحكومة العامة أيضا أو ساعدت عليها لأغراض سياسية ومعنوية، مثل فتح القسم العربي من جريدة (الأخبار)، وإصدار جريدتي (فرنسا الإسلامية) و (أخبار الحرب) لمكافحة الدعاية العثمانية والألمانية خلال الحرب العالمية الأولى، وكانتا بإشراف
стр. 2193
جان ميرانت (١). وكانت (كوكب افريقية) من إنشاء الحكومة العامة أيضا ولكن رئاسة تحريرها أعطيت للشيخ محمود كحول (٢).
ذلك أن الجزائريين كانوا غير قادرين على إنشاء الجرائد عندئذ من الناحية المادية. كما أنهم لم يكونوا متعودين على فنيات الصحافة اللهم إلا ذلك العدد القليل الذي تعامل مع جريدة المبشر والذي كان معظمه قد تولى وظائف رسمية أخرى، مثل أبي القاسم الحفناوي، ومحمد بن مصطفى خوجة. كما أن إنشاء صحيفة كان يتطلب الدخول في عالم المعاملات مع الإدارة ومع الصحف الأخرى والحسابات والمراسلات ومعرفة القوانين الجارية. وهذا ما لم يكن متيسرا عندئذ للجزائريين، ولذلك تعثرت المحاولات المستقلة الأولى لمن غامر بها، مثل عمر راسم وعمر بن قدور. ونجحت إلى حد ما بعض الصحف الفرنسية الجزائرية مثل (الإسلام) و (الرشيدي) لمعرفة صاحبيها باللغة الفرنسية والأمور الأخرى التي ذكرناها، وكذلك لتبنيهما سياسة تتفق تقريبا مع مشرب الإدارة نفسها.
ولذلك يمكن القول إن الجزائريين لم يكونوا غافلين عن أهمية الصحافة ولكنهم كانوا عاجزين عن إنشائها. فهذا الأمير عبد القادر لم ينشئ جريدة لعدم استقراره في عاصمة إلا وقتا يسيرا أو لعدم توفر إمكانات الطباعة والخبراء عنده، ولكنه كان يشترك في الصحافة الفرنسية ويطلع من خلالها على مجريات الأمور، وكان الجاسوس ليون روش يترجم له ما جاء فيها عن حروبه وعن مناقشات الفرنسيين حول القضية الجزائرية. ويقول بيربروجر الذي زار معسكر الأمير أثناء هدنة التافنة، إن الأمير كان مشتركا في عدة صحف فرنسية، ومنها صحيفة (الميثاق الدستوري)، لكي يتعرف منها على النظام السياسي الفرنسي ويحصل على معلومات تكون رصيدا لمناوراته
стр. 2194
الدبلوماسية (١). ورغم أنه كانت للحاج أحمد، باي قسنطينة، عاصمة مستقرة طيلة سبع سنوات أو أكثر فإنه لم يحاول إنشاء جريدة أو مطبعة. وهكذا ظلت الصحافة ميدانا محتكرا للفرنسيين، سواء الحكومة العامة أو الدوائر الاستعمارية المدنية.
وعلى ضوء ذلك يمكننا تقسيم مراحل الصحف الجزائرية إلى ثلاث مراحل، بقطع النظر عن اللغة التي كتبت بها: المرحلة الأولى قبل الحرب العالمية الأولى وعلى وجه التقريب من ١٨٩٠ إلى ١٩١٤، والمرحلة الثانية من ١٩١٩ إلى ١٩٣٩، والمرحلة الثالثة من ١٩٤٠ إلى ١٩٥٦. ومن يريد أن يواصل دراسة تاريخ الصحافة في الجزائر عليه أن يضيف مرحلة رابعة وهي من الاستقلال (١٩٦٢) إلى اليوم (٢).
...
لم يظهر من الصحف الجزائرية في آخر القرن الماضي صحف تذكر عدا اثنتين تقريبا. الأولى هي جريدة (الحق) الأسبوعية التي ظهرت في عنابة في ١٠ يوليو سنة ١٨٩٣ على يد سليمان بن بنقي وعمر السمار وخليل قايد العيون. وصدرت (الحق) بالفرنسية ثم مزدوجة. وكان هدفها المعلن هو الدفاع عن مصالح العرب الجزائريين ومصالح الفرنسيين الذين استجابوا (للمشاعر الوطنية) دون غيرهم. وبرنامج الجريدة لا يرفض الحكم الفرنسي لأنه (الحكم) يسمح بالحرية الدينية. ويبدو أن الذين أصدروها قد أحسوا بالغبن السياسي من معاملة الصحافة الفرنسية التي كانت ترفض نشر مقالات الجزائريين حتى في ركن (الرأي الحر). وقد أحس منشئوها أن الصحفيين الجزائريين قليلون وأن الذين يستطيعون التعبير البليغ أقل من ذلك. فكان على الجريدة أن تهاجم من يهاجم العرب وأن تدافع عن مصالح هؤلاء. وكان
стр. 2195
كتابها يتخذون فيما يبدو أسماء مستعارة مثل زيد بن ذياب (وهو اسم هلالي)، وبابا عصمان، وعبدالله. والمتأمل في لغتها وتعابيرها يجدها تعبر عن رد فعل عنيف جعل بعض الكتاب المعاصرين يقولون إنها كانت جريدة (عربية وطنية) لم تستطع الإدارة السكوت عليها (١).
ففي إحدى مقالاتها كتبت عن (العدل) وذكرت أنها جريدة للدفاع عن العرب (الجزائريين) وقد انتهى في نظرها الاعتماد فقط على (الأصدقاء) الفرنسيين وحان وقت الدفاع عن النفس. وتساءلت عن: (أين أراضينا وقطعان مواشينا؟) وادعت أنها إذا لم تدافع عن حقوق الجزائريين ضاع منهم كل شيء. واستعمل صاحب المقال عبارات قوية متهما الفرنسيين بأنهم قد (امتصوا دماءنا ثم اتهمونا بالعصيان والوحشية). ومن أقوال الجريدة أن الذي ارتد (المتجنس) لا يؤتمن لأنه خان، وتساءلت: هل يمكن الثقة فيمن خان وطنه؟ وهكذا هاجمت الجريدة المتجنسين ودافعت عن حقوق الجزائريين في وقت كانت فيه حرية التعبير مقيدة، أي أثناء حكم جول كامبون (٢). وقد استمرت (الحق) حوالي سنة، ولا ندري هل توقفت بنفسها أو أوقفتها الإدارة الفرنسية.
وحوالي ١٨٩٩ ظهرت جريدة (النصيحة) بالعربية. وقد أصدرها السيد قوسلان، لأسباب مادية، حسب تعبير الشيخ أحمد توفيق المدني. ولعل الإدارة كانت وراء إنشائها أيضا، وهي التي كانت أيضا وراء إنشاء جريدة (المغرب) بالعربية سنة ١٩٠٣ كما ذكرنا. وقد دامت (المغرب) حوالي عشر سنوات، أي مدة حكم شارل جونار في الجزائر واستكتبت نخبة من المثقفين
стр. 2196
الجزائريين المعاصرين (١). وفي سنة ١٩٠٤ أصدر العربي فخار في وهران جريدة (المصباح)، وقد رأى منها آجرون أعدادا ترجع إلى ١٩٠٤ - ١٩٠٥. وكان العربي فخار أستاذا في تلمسان، وقد تعاون معه أخوه ابن علي فخار الذي كان أيضا استاذا للشريعة الإسلامية في ليون (فرنسا). وكانت المصباح جريدة أسبوعية مزدوجة اللغة. وكانت تعبر عن اتجاه النخبة الإندماجية، حسب تعبير آجرون، وهي تخدم العرب بفرنسا وتخدم هذه بالعرب. وكان أصحاب هذا الاتجاه عموما يريدون أن يكونوا صلة وصل بين العرب الجزائريين والفرنسيين. ولذلك كانت الجريدة تسعى إلى إيقاظ الجزائريين من سباتهم الطويل. فنادت بالمدارس ونشر الأفكار الفرنسية، وبأن يأخذ الفرنسيون في الاعتبار آراء الجزائريين المتحررين والمتطورين (النخبة الاندماجية) (٢). أما شعار جريدة المصباح فهو (من أجل فرنسا بالعرب، ومن أجل العرب بفرنسا)، وهو شعار سيتردد عند بعض الصحف الأخرى حتى بين الحربين.
وحين انتقلت (الإسلام) من عنابة، إلى العاصمة، أنشأ عبد العزيز طبيبال جريدة أخرى في عنابة بعنوان (اللواء الجزائري) أو الراية. وكان يحررها إبراهيم مرداسي ورجل فرنسي اسمه قوفيون. وكانت (اللواء) أيضا جريدة أسبوعية وباللغة الفرنسية، كما كانت تعبر عن النخبة الاندماجية. وكان إنشاؤها في نوفمبر سنة ١٩١٠. ولا ندري كم عاشت (٣). وفي هذه الأثناء (١٩٠٣) أنشأت الأخبار قسمها العربي وعهدت به إلى الشيخ عمر بن قدور.
ثم أنشأ ابن قدور نفسه جريدة (الفاروق) باسمه أوائل سنة ١٩١٣ واستمرت إلى ١٩١٥. وهي تعتبر من الصحف الوطنية الناجحة، لأن
стр. 2197
صاحبها قد تمرس على فن الصحافة ولأن روحه كانت متقدة، وكان مؤمنا بالقضية العربية الإسلامية بحماس أورثه غضب الإدارة عليه.
وبوحي من الإدارة الفرنسية. أيضا صدرت جريدة (كوكب إفريقية) برئاسة تحرير الشيخ محمود كحول، وأحد الفرنسيين اسمه لويس بودي، وكان كحول أحد الأساتذة المتمكنين في اللغة العربية وأحد تلاميذ الشيخ المجاوي عندما كان في قسنطينة. وكان مدير الجريدة هو بير فونتانة أيضا. وكانت (الكوكب) تصدر في العاصمة، ونعتقد أن إدارة الشؤون الأهلية هي التي كانت تمونها. ولكن إشراف كحول عليها ضمن لها تحريرا جيدا ومستوى رفيعا بالقياس إلى ما عرفته الصحافة العربية الأخرى من انحطاط في الأسلوب والفن الصحفي (١). وباعتبارها موجهة إلى الجزائريين فإن هذه الجريدة كانت تصدر كل يوم جمعة. وكانت تعلن عن نفسها أنها (صحيفة أسبوعية سياسية، أدبية، علمية، فلاحية، تجارية، صناعية). وقد صدرت في ١٧ مايو ١٩٠٧، في أربع صفحات. ووصفها الشيخ المدني بأنها جريدة (راقية ومحررة بأقلام بليغة). وقد استمرت إلى ١٩١٤، ويقول آجرون إنها غيرت اسمها إلى (الكوكب الجزائري). وكانت معتدلة ومهتمة بأمور الحضارة الإنسانية.
ونوهت مجلة العالم الإسلامي بجريدة كوكب إفريقية فور صدورها. وقالت إن مؤسسيها أعلنوا بدون خلفيات ولا تخف أنهم سيعملون على إعلام الجزائيين (الأهالي) وتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية والعمل على تقريب العرقين المتساكنين في شمال افريقية (من أجل الحضارة الإنسانية)، وقالت عنها إنها جريدة تخدم المصلحة العامة للجزائريين وليست جريدة حزب أو شخص. ولكن مجلة العالم الإسلامي لم تقل إن الكوكب جريدة تخدم الإدارة الفرنسية وأهدافها لأنها هي صاحبة التموين والتوجيه لها، ومن ثمة فهناك خلفيات واضحة، وقالت مجلة العالم الإسلامي: إن الجزائريين
стр. 2198
الذين ليس لهم إلى الآن غير (المبشر) الرسمية، سيرحبون بكوكب إفريقية في الوقت الذي يأسفون فيه على اختفاء مجلة (الإحياء) (الصغيرة والهامة) (١).
وفي أكتوبر ١٩٠٩ صدرت جريدة (المسلم) بمدينة دلس، بناء على رأي الشيخ علي مرحوم، أما آجرون فيقول إنها صدرت في قسنطينة، وكانت جريدة أسبوعية ومزدوجة اللغة.
ذكرنا أن جريدة الفاروق من الجرائد المناضلة. ويمكننا أن نضيف إليها جرائد عمر راسم. ومنها جريدة (الجزائر) التي كان يحررها ويصورها بالرسومات الساخرة بنفسه. واعتبرها الشيخ المدني من أول الجرائد الشعبية أو الحرة، إذ ظهرت في العاصمة سنة ١٩٠٨ (٢٧ أكتوبر حسب الشيخ مرحوم). ولكنها لم تعش طويلا - بضعة أعداد، لعجز صاحبها عن تغطية التكاليف. وفي سنة ١٩١٣ أصدر عمر راسم، الذي كان يوقع اسمه: أبو منصور الصنهاجي، جريدة (ذو الفقار). ولكن لم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد بين غشت ١٩١٣ ويونيو ١٩١٤. وكان عمر راسم يقظ الذهن مطلعا على أحوال العالم، وأدرك هو وزميله عمر بن قدور منذئذ ما يحاك لفلسطين والقدس والمخططات الصهيونية في الوطن العربي. وقد نبها إلى ذلك مبكرا، لأن المؤشرات قد ظهرت بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني. وكان عمر راسم هو الذي يحرر ويخطط جريدته ويطبعها على الحجر لأنه لا قبل له، فيما يبدو، بدفع ثمن الطباعة بالحروف المطبعية.
وظهرت صحف أخرى بالفرنسية أو مزدوجة وكانت كلها تدعو إلى التقارب بين (العرقين) كما يقولون، كما كانت في أغلب الأحيان هي لسان النخبة الاندماجية عندئذ. ومن هذه الجرائد (الإسلام) التي ظهرت أولا في عنابة سنة ١٩٠٩، ثم انتقلت إلى العاصمة. فقد كانت جريدة أسبوعية أنشأها شخص قيل إنه كان متجنسا وقليل التعليم، وهو عبد العزيز طبيبال. وكانت
стр. 2199
تصدر بالفرنسية، ويقول آجرون عنها إنها كانت (ديموقراطية) وموجهة للرأي العام الجزائري المسلم. أما عن مؤسسها فيقول إنه كان رجلا في خدمة الإ دارة.
ثم تحولت (الإسلام) إلى العاصمة من قبل مؤسسها الحقيقي، وهو الصادق دندان. وهو رجل كان كاتبا (خوجة) في إحدى البلديات المختلطة. وكانت الجريدة متأثرة بالصحافة الباريسية، وشارك في تحريرها بعض الكتاب الفرنسيين أيضا، واستمرت بدون انقطاع إلى عشية الحرب العالمية الأولى. وكانت هي لسان حال النخبة الاندماجية. والظاهر أنها قد أصدرت منذ ١٩١٣ طبعة عربة أيضا (١). وسنذكر أن (الإسلام) قد اندمجت مع (الرشيدي) لتصبحا جريدة (الإقدام) سنة ١٩١٩ (٢). وقد عاش الصادق دندان إلى سنة ١٩٣٨ حين نعته جريدة (الوفاق) وسمته (عميد الصحافة الإسلامية الجزائرية). والغريب أن مجلة العالم الإسلامي التي اهتمت بكل ما صدر عن الإدارة الفرنسية في الجزائر من جرائد ومجلات مثل الإحياء وكوكب افريقية لم تتعرض فيما نعلم لجريدة الإسلام، بينما نوهت بجريدة الرشيدي بطريقة ملفتة للنظر.
كانت (الرشيدي) جريدة تصدر بالفرنسية في مدينة جيجل بين ١٩١١ - ١٩١٤، وكانت أسبوعية. وصاحب امتيازها شخص فرنسي يدعى ل. أوبوتي. ولكنها ذكرت أن لها مسؤولا على التحرير بالعربية هو السيد نصيح NASSIH، الذي قد يكون اسما مستعارا، ويفهم من هذا أن لها قسما بالعربية. وهو أمر لم يشر إليه الكتاب. وشعار الجريدة هو (بفرنسا من أجل الأهالي). وكانت تظهر كل يوم جمعة بأربع صفحات. وتتضمن أخبارا محلية، وأخرى عن الحياة الاجتماعية في الجزائر، والوسائل التي يجب اتخاذها لوقف العداء بين الجزائريين والفرنسيين ولذلك قالت عنها مجلة العالم الإسلامي ان هدفها هو خدمة التقارب بين العناصر الأوروبية (الفرنسية) والأهلية. وكانت الرشيدي تؤيد حركة النخبة المتفرنسة الراضية
стр. 2200
بالخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي بشرط نيل الحقوق السياسية ومنح تعويضات عادلة للمجندين. وقد أعلن السيد نصيح ذلك في مقالة له بالرشيدي - بالعربية؟ -. ومن جهة أخرى امتدحت الرشيدي أعمال شارل جونار ودافعت عن سياسته نحو الأهالي ووقفت ضد من يهاجمونه على أنه محابي للعرب (أرابو فيلي) (١).
وفي وهران ظهرت جريدة أخرى باسم (الحق) في اكتوبر، سنة ١٩١١، وعاشت مدة قصيرة. ويذكر الشيخ علي مرحوم أن مؤسسها رجل فرنسي أيضا. ويسميه دبوز (تابيه Tapie)، وأنها كانت جريدة أسبوعية وصدر منها ٢٦ عددا (٢). وقيل إنها أول جريدة تفتح باب التبرعات لضحايا حرب طرابلس ١٩١١ - ١٩١٢. ومن المعلوم أن السلطة الفرنسية في الجزائر كانت قد رخصت بذلك إلى الجزائريين، لأسباب سياسية، وكانوا قد بادروا بالتبرع والتطوع في أنحاء القطر دون انتظار الرخصة.
وآخر ما نذكر في صحافة المرحلة الأولى جريدة (البريد الجزائري) لمحمد عز الدين القلال التي ظهرت سنة ١٩١٣ (٢٨ غشت حسب الشيخ مرحوم). ولا نعرف الآن شيئا. عن لغتها ولا عن مكان صدورها، ولا عن أهدافها. ولعلها لا تخرج عن السياسة التي رسمتها جريدة (الإسلام) التي شارك القلال نفسه في إنشائها، وهي تبني وجهة نظر النخبة المتفرنسة والتقارب الجزائري- الفرنسي. وذكر آجرون جريدة أخرى باسم (الهلال) قال انها كانت أسبوعية، ومزدوجة اللغة، وشعارها (نهضة الإسلام مع فرنسا ومن أجلها وبها)، وكانت تقول إنها جريدة (المطالب الأهلية). ولذلك طالبت بإلغاء المحاكم الرادعة التي ظهرت
стр. 2201
سنة ١٩٠٢، وتطوير الأهالي ليشاركوا في الانتخابات (١).
...
أما المرحلة الثانية من ظهور وتطور الصحافة الجزائرية فقد بدأت منذ ١٩١٩. لقد اختفت كل الصحف التي ذكرنا بسبب الحرب - عدا الصحف الفرنسية الصادرة عن الإدارة أو التي كان يديرها المستوطنون - ورغم قصر التجربة، فإن الجزائريين قد اكتسبوا مهارة في فن الصحافة. وزادتهم الحرب تمرسا واطلاعا على مجريات الأمور السياسية. ولذلك نشأت بعد الحرب صحف ذات طابع نضالي في أغلبه، على أن هذا لم يمنع من ظهور صحف أخرى ظلت على الخط القديم كالدعوة إلى الاندماج والتقارب بين الجزائريين والفرنسيين. كما أن التيار الطرقي (الصوفي) قد دخل أيضا. ميدان الصحافة. وبظهور الأحزاب والجمعيات تبلورت المواقف وأصبح لكل حزب أو جمعية أو تيار جرائده، وظلت لغة الجرائد عربية أو فرنسية، وقل منها المزدوج. كما أن الإدارة استمرت في نشر جرائدها القديمة كالمبشر إلى ١٩٢٧، أو في دعم جرائد يديرها جزائريون. ويجب أن نذكر أيضا قبل الدخول في التفاصيل، أن مسألة شرعية اللغة العربية في الصحافة ظلت قائمة بين الإدارة وأصحاب هذه الصحف. فالقوانين الفرنسية كانت تعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر ويطبق عليها قانون الصحافة الأجنبية. ولذلك كانت الصحافة المكتوبة بالعربية تعاني اضطهادا خاصا خلال المرحلة الثانية، سيما تلك التي تبنت قضايا وطنية واضحة.
وقد رأينا من الأجدى تصنيف الصحف حسب اتجاهاتها أو بالأحرى اتجاهات من يصدرها سواء كانت حزبية أو غير حزبية، طرقية أو إصلاحية أو مستقلة. ذلك أن هدفنا ليس هو التاريخ لكل صحيفة ولكن معرفة المراحل والاتجاهات التي عرفتها الصحافة في المرحلة الثانية. وأبرز التيارات عندئذ
стр. 2202
هي حركة الأمير خالد، وحركة النواب، والمدرسة الإندماجية، وحركة الإصلاح، والتيار الطرقي، ثم حركة حزب النجم وحزب الشعب، والتيار الشيوعي، ثم تأتي الصحافة المعبرة عن ولائها للإدارة الفرنسية أو الإصلاح أو الطرقية أو الوطنية عموما.
وابتداء من سنة ١٩١٩ ظهرت عدة صحف. منها جريدة (الإقدام) التي كانت تعبر عن حركة الأمير خالد السياسية - الوطنية. وهي جريدة ولدت من توحيد أو دمج جريدتي الإسلام والرشيدي القديمتين. ظهرت الإقدام باللغتين العربية والفرنسية، وكان الأمير خالد هو رئيس تحرير القسم العربي فيها. وكان يكتب فيها المقالات والافتتاحيات. وقد أعلنت عن أنها جريدة أسبوعية علمية سياسية اقتصادية. وظلت تصدر إلى ١٩٢٣ حين حكمت السلطات الفرنسية بنفي الأمير خالد من الجزائر وألغت الانتخابات التي كان فائزا فيها. ويذهب الشيخ المدني إلى أنها أول جريدة عربية حادة اللهجة مع الفرنسيين معبرة عن مطالب المسلمين الجزائريين. ولكن مبدأ (الإقدام) بعد نفي الأمير خالد، تبناه في الجزائر الصادق دندان وبهلول وقايد حمود وابن باديس، كما تبناه في فرنسا نجم شمال أفريقيا، بل إن النجم قد تبنى شعار الإقدام وهو (الدفاع عن مصالح المسلمين في شمال أفريقية).
وفي الاتجاه المقابل أو المعارض للأمير خالد ظهرت جريدة (النصيح) بتحرير بعض خصومه، كما تولى الدكتور بلقاسم بن التهامي تحرير جريدة (التقدم) التي عبرت عن الاتجاه الاندماجي. ثم أصبحت هي لسان حال حركة يمينية كانت تابعة للحزب الفاشيستي الفرنسي. وكان ابن التهامي نفسه قد أصبح عضوا في هذا الحزب. وكانت التقدم مزدوجة اللغة أيضا، وكان فرحات عباس من كتابها في العشرينات.
وفي سنة ١٩٢٠ صدرت جريدة (النجاح) بقسنطينة (١). أصدرها في
стр. 2203
البداية الشيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي ثم انضم إليه الشيخ مامي إسماعيل، خريج جامع الزيتونة. نشأت كجريدة وطنية أسبوعية. ومنذ يناير ١٩٣٠ أصبحت يومية وجمعت التبرعات لذلك. ويقول مؤرخو الصحافة إنها تحولت بعد ١٩٣١ إلى جريدة موالية للإدارة الفرنسية، وأنها غيرت أوقات صدورها فأصبحت تصدر ثلاث مرات في الأسبوع، وأنها استمرت إلى سنة ١٩٥٦. وكان الشيخ ابن باديس من المساهمين في تحريرها في عهدها الأول، بل إن الشيخ مرحوم يقول إنه (ابن باديس) كان من مؤسسيها، ثم تخلى عنها وأسس جرائده الخاصة، كما سنرى. وتعتبر النجاح من أطول الصحف الجزائرية عمرا، ولعلها أول جريدة عربية تصدر يوميا في الجزائر. وكانت تنافح عن اللغة العربية وقضايا الوطن، وكانت ميدانا لفئة عريضة ظلت من قبل محرومة من أدوات التعبير. وبعد أن كانت جريدة النجاح لا تطبع سوى ألف نسخة أصبحت تطبع سبعة آلاف نسخة، وكانت في حجم جريدة (الطان) الفرنسية (١).
ويذهب الشيخ المدني إلى أن عمر بن قدور قد أصدر جريدة (الفاروق) من جديد سنة ١٩٢٤ ولكنها لم تعمر طويلا، أصدرها كمجلة (؟) أسبوعية في العاصمة. ولعل توقفها يرجع إلى أسباب مادية. ولم يذكر الشيخ مرحوم (الفاروق) الجديدة ولكنه ذكر أن ابن قدور قد أصدر جريدة (الصديق) مع محمد بن بكير سنة ١٩٢٠ (١٢ غشت)، وكانت (الصديق) أيضا أسبوعية، ولم تعش طويلا (؟) وكان من كتابها محمد العابد العقبي، والمولود الزريبي.
وابتداء من فاتح سنة ١٩٢٣ ظهرت صحيفة (لسان الدين) في العاصمة وكان مصطفى حافظ هو صاحب هذه المبادرة، كما كان هو صاحب المبادرة في تأسيس مدرسة حرة. وكان (لسان الدين) جريدة أسبوعية دينية سياسية،
стр. 2204
ويقول الشيخ المدني إنها أيضا لم تعش طويلا.
واستقل ابن باديس بصحافته الإصلاحية ابتداء من سنة ١٩٢٥. ففي هذه السنة أنشأ جريدة (المنتقد) التي كانت متحررة وداعية للنهضة والوطنية بأسلوب واضح وحماس. وكانت جريدة أسبوعية، وقد تلقاها الشباب وأصحاب الفكر العربي النير بحماس أيضا. ولكن الإدارة لم ترض عن لهجتها فأوقفتها بعد حوالي ثمانية عشر عددا. ثم أصدر ابن باديس بعدها وفي قسنطينة أيضا جريدة (الشهاب)، ثم حولها إلى مجلة. واستمرت الشهاب في الصدور إلى عشية الحرب العالمية الثانية، حين توقفت من تلقاء نفسها حتى تنجلي الحرب وحتى لا تضطر إلى نشر ما لا ترضى عنه تحت قوانين الحرب. وتعتبر الشهاب مجلة وطنية إصلاحية، أيقظت الرقود ونبهت الغافلين ودعت إلى جمع الشمل والوحدة، كما دافعت عن الإسلام واللغة العربية، والعدالة والحرية، وشاركت برأيها في قضايا المغرب العربي والمشرق، ورغم أن صاحبها ترأس جمعية العلماء فإن ما كان ينشره فيها لا يعبر رسميا عن سياسة جمعية العلماء وإنما عن رأي ابن باديس شخصيا. وسنتحدث عن المطبعة التي تولت طبع الشهاب.
ومنذ ١٩٣٣ أصدرت جمعية العلماء صحفها الخاصة. وهي بالطبع صحف إصلاحية تعبر عن اتجاه الجمعية في التعليم العربي والنهضة الإسلامية ومحاربة البدع والطرقية المرتبطة بالإدارة الفرنسية. والصحف التي سنذكرها كانت أسبوعية. وقد صدر بعضها في الجزائر مثل (الشريعة) و (الصراط) و (السنة) و (البصائر) في عهدها الأول، ثم صدرت البصائر في قسنطينة في عهدها الثاني (قبل الحرب العالمية الثانية). أوقفت الإدارة الفرنسية ثلاث صحف لجمعية العلماء (وهي السنة والشريعة والصراط) قبل أن يتوقف اضطهاد الصحف الإصلاحية بعض الوقت. وهكذا عاشت البصائر بين ١٩٣٥ و ١٩٣٩ دون توقف. ولكنها توقف تلقائيا سنة ١٩٣٩، مثل الشهاب، حتى لا تضطرها ظروف الحرب إلى نشر ما لا يتماشى مع مبادئ الجمعية. وقد تولى تحرير صحف الجمعية رجال لهم خبرة فى الميدان الصحفي كالشيخ الطيب
стр. 2205
العقبي ثم محمد مبارك الميلي الهلالي، وكان الشيخ محمد خير الدين هو صاحب الامتياز.
وهناك صحيفتان إصلاحيتان ظهرتا في العشرينات أيضا. أولهما صحيفة (صدى الصحراء) التي ظهرت أسبوعية في بسكرة (٢٣ نوفمبر، ١٩٢٥)، حسب الشيخ علي مرحوم، أنشأها الشيخ أحمد بن العابد العقبي، وكان من كتابها الطيب العقبي، والشاعر محمد العيد، ومحمد الأمين العمودي، وتبنت قضايا الإصلاح الديني والاجتماعي، متعاصرة مع جريدتي المنتقد والشهاب، وحاملة فكر الشيخ العقبي الذي جاء به من الحجاز والمتأثر بالوهابية والعروبة. وكان أحمد بن العابد قد تمرس على النشر في جريدة (الصديق) قبل ذلك، ومولعا بالأدب والشعر، وكان خريج الزاوية العثمانية (١).
كانت (صدى الصحراء) تطبع في قسنطينة بالمطبعة الإسلامية التي أنشأها ابن باديس. وتقول إنها جريدة ملية (وطنية)، إسلامية، علمية أدبية اجتماعية اصلاحية انتقادية. وقد جعلت شعارها (درء المفسدة قبل جلب المصلحة). وفي العدد السابع منها أضافت تحت العنوان الجملة التالية المنسوبة إلى الزعيم المصري مصطفى كامل: (من تسامح في حقوق بلاده ولو مرة واحدة، بقي أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان). ومن مقالات العدد الأول واحدة بهذا العنوان (لبيك يا وطني!). وبالإضافة إلى من ذكرنا من كتابها، هناك أبو يعلي الزواوي، وأحمد بن الدراجي العقبي، ومحمد الصالح خبشاشں، وأبو اليقظان، ومحمد اللقاني، ومحمد مبارك الميلي، ومحمد عبابسة الأخضري، والمولود الحافظي، وعسول بن علي، والفرقد، ومحمد بن الحاج عيسى، ومحمد العلمي، ومحمد العزوزي حوحو. وظهر فيها عدد من كتاب تونس مثل صالح سويسي القيرواني، ومصطفى بن شعبان، ومحمد الفائز القيرواني. وكانت تحمل أسماء مختصرة أو رمزية
стр. 2206
مثل: غضنفر، ومصلح، والقفاري (الصحراوي)، ومشجع، ومفكر، ومتسائل، وابن عدي، والغريب ق. س. الخ ... ومن الشعارات الرئيسية للجريدة عبارة (حب الوطن من الإيمان) (١). ودامت (صدى الصحراء) حوالي سنة، ثم تفرق شمل أصحابها لأسباب مختلفة رغم أهميتها، وقد كانت فتحا جديدا للصحافة في بسكرة، مع ذلك.
وحاولت جريدة (الإصلاح) أن تخلفها ولكنها لم تستطع أن تواجه العراقيل الصعبة. هذه الجريدة أنشأها الشيخ الطيب العقبي. وهو شخصية جربت الصحافة في جريدة (القبلة) الحجازية التي أنشأها الشريف حسين، ثم في صدى الصحراء وغيرهما. وكان العقبي قد رجع إلى الجزائر سنة ١٩٢٠ وأخذ يبث العلم والفكر الإصلاحي في نواحي بسكرة، ولكن المال والوسائل الفنية كانت تعوزه. ظهرت (الإصلاح) في بسكرة في سبتمبر ١٩٢٧. وكانت أسبوعية، ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد ثم توقفت. حاول العقبي طبعها بتونس فوجد عراقيل في الطبع والنقل، ويذهب الشيخ المدني إلى أن (الإدارة منعت طبعها بتونس). ثم سعى العقبي إلى إنشاء مطبعة لها في بسكرة ونجح في ذلك. ثم استولت مصالح أخرى على المطبعة أو (أيدي الإهمال والفساد) حسب تعبير الشيخ المدني، وهو تعبير غامض، نفهم منه فقط أن العقبي قد عجز عن طبع جريدته (٢). كما نعرف من جهة أخرى أن العقبي حاول طبع الجريدة في المطبعة الإسلامية بقسنطينة فلم يحظ بالنجاح أيضا، واتهم العقبي القائمين على هذه المطبعة بعرقلته، ومنهم الشيخ أحمد بو شمال، ولمح إلى الشيخ ابن باديس أيضا. وهكذا توقفت الإصلاح. وزاد انتقال الشيخ العقبي سنة ١٩٢٩ إلى العاصمة وانشغاله بدروس نادي الترقي والوعظ والإرشاد في الجامع الكبير من ابتعاده عن الصحافة.
وبعد عدة أحداث عرفتها حياة العقبي خلال الثلاثينات سواء مع الإدارة
стр. 2207
أو مع جمعية العلماء، أعاد إصدار جريدة (الإصلاح) سنة ١٩٤٠ (١). كان ذلك في الوقت الذي توقفت فيه الصحف المستقلة والحرة عن الصدور لأسباب ذكرناها. ورغم أنها كانت مفيدة في محتواها وتناولت موضوعات ذات صلة بالقضية الوطنية كحقوق الجزائريين وفصل الدين الإسلامي عن الإدارة الفرنسية، والإصلاحات السياسية، فإن (الإصلاح) كانت محل شبهة لأنها لا تنشر إلا ما ترضى عنه الرقابة الفرنسية (٢). ولكن الإدارة الفرنسية نفسها قد مرت بتعديلات وتطورات سيما بعد هزيمة فرنسا أمام الألمان، ونزول الحلفاء في الجزائر، وصدور البيان الجزائري، وتكوين أحباب البيان، وانتفاضة ٨ مايو، الخ. وقد استمرت الإصلاح في الصدور إلى حوالي ١٩٤٨. وكان العقبي من أبرز كتابها.
ومن الممكن أن نذكر مجموعة من الصحف كانت توالي حركة الإصلاح والاتجاه الوطني ولكنها ليست تابعة لجمعية العلماء ولا لمدرسة ابن باديس. ومن ذلك جريدة (البرق) التي أنشأها عبد المجيد الرحموني بقسنطينة في مارس ١٩٢٧. وهي جريدة تتخذ شعارها (خدمة الوطن والمصلحة العامة). وكانت تتبنى الانتقاد السياسي، وتتناول الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك لم تتحملها الإدارة الفرنسية وأوقفتها بعد عدد واحد فقط بقرار إداري. وكم للصحف العربية من ضحايا في هذا الميدان.
وظهرت في ديسمبر سنة ١٩٣١ جريدة (المرصاد) الأسبوعية، لمحمد عبابسة الأخضري، وكان صاحب الامتياز هو محمد الشريف جوكلاري، وهو فرنسي اعتنق الإسلام، ولكن اسم المحرر الحقيقي لها بقي خفيا (٣)، وكانت الجريدة موالية لجمعية العلماء، كما كانت تؤيد حركة النواب
стр. 2208
المسلمين، وكانت تعلن عن نفسها أنها جريدة دينية، مسلية، أخلاقية، فهل كان للإدارة الفرنسية يد في تمويلها؟ ومهما كان الأمر فقد دامت ثلاث سنوات ثم عطلت عن الصدور سنة ١٩٣٤، لكي تخلفها (الثبات) التي تولاها أيضا محمد عبابسة الأخضري. وكانت أيضا أسبوعية وتصدر بالعاصمة ودامت حوالي سنة، وجعلت نفسها جريدة (سياسية اجتماعية أخلاقية). وتخلى عن تحريرها صاحب القلم الخفي، حسب تعبير علي مرحوم (١).
وتعتبر الصحف الآتية: الليالي وأبو العجائب والوفاق والجزائر والمغرب العربي والدفاع والحارس من الجرائد المساندة للاتجاه الوطني الإصلاحي. أبو العجائب أنشأها محمد العابد الجلالي صاحب كتاب (تقويم الأخلاق). وهو صاحب فكر سياسي واضح وصاحب قلم مزدوج اللغة، وكان من أساتذة المدرسة الفرنسية - العربية الرسمية في قسنطينة التي درس بها مالك بن نبي. وجريدته التي أنشأها سنة ١٩٣٥ كانت أسبوعية فكاهية انتقادية وأدبية. وصدرت في وقت انتقالي حرج، وكانت تطبع في مطبعة الشهاب (المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة). ودامت نحو سنة، ولا ندري سبب توقفها.
وكانت (الليالي) تساند الإصلاح بقوة ولكنها تميل أيضا إلى أسلوب الأدب والفكاهة وتنتقد الاتجاهات المعارضة للإصلاح. وكان رئيس تحريرها ومنشئها هو الشيخ علي بن سعد القماري، خريج جامع الزيتونة وأحد المعلمين في مدارس الحركة الإصلاحية. صدرت سنة ١٩٣٦، وهي سنة المؤتمر الإسلامي الجزائري والأحداث المنجرة عنه، مثل اغتيال الشيخ كحول واعتقال العقبي. وقد اعتقل الشيخ علي بن سعد القماري نفسه بعد سنة، ورمي به في سجن الكدية بقسنطينة. وكان ضحية أخرى للاضطهاد
стр. 2209
والتعسف، ولم تدم جريدة الليالي سوى بضعة أشهر.
وقبل ذلك ظهرت جريدة (الحارس) التي كان يديرها عبد الرحمن الغريب. وكانت نصف شهرية، وتقول إنها جريدة انتقادية أخلاقية وفكاهية. وكلمة الفكاهة التي ترددت في بعض الصحف كانت وسيلة لتبسيط الأسلوب ولمخاطبة الجمهور العريض وتمرير بعض الأفكار حتى لا تتفطن إليها الإدارة الفرنسية. ظهرت الحارس في غشت ١٩٣٣، حسب الشيخ مرحوم - ولم يصدر منها سوى أربعة أعداد، لأن العدد الخامس صودر من الإدارة الاستعمارية.
ومن أوائل هذا النوع من الصحف جريدة (الجزائر) التي أنشأها محمد السعيد الزاهري سنة ١٩٢٥. وكانت قد اتخذت شعارها (الجزائر للجزائريين)، ويبدو أنها ساندت عندئذ الاتجاه الذي دعا إليه الأمير خالد والذي خلا ميدانه بنفيه من الجزائر. ولكن الجريدة سرعان ما أوقفتها الإدارة الاستعمارية، ولم يصدر منها سوى عدد أو اثنين. أما جريدة الزاهري الأخرى وهي (الوفاق) فقد كانت أحسن حظا. ظهرت في وهران سنة ١٩٣٨. وكانت جريدة أسبوعية، ذات طابع سياسي وانتقادي. ورغم أن الزاهري كان محسوبا إلى ذلك الحين على الاتجاه الإصلاحي، فإنه أخذ ينتقد بعض رجال جمعية العلماء، مثل الإبراهيمي والميلي في جريدة (الوفاق). وكانت جمعية العلماء عندئذ تعيش محنة الخصومة مع الدكتور ابن جلول، واعتقال العقبي، وخروجه من المجلس الإداري للجمعية وظهور الحساسيات بينه وبين الشيخ ابن باديس. ويبدو أن (الوفاق) مالت إلى اتجاه جمعية النواب برئاسة ابن جلول أو كانت تنافق. وكان لهذه الجمعية أيضا جريدة بالفرنسية تسمى (لانتانت) وإذا ترجم هذا العنوان إلى العربية كان (الوفاق) (١) أو التفاهم، وكانت تصدر أسبوعيا، بقسنطينة بين ١٩٣٥ - ١٩٣٩.
стр. 2210
أما (المغرب العربي) فهو اسم الجريدة التي أسسها الشيخ حمزة بوكوشة بوهران سنة ١٩٣٧. وكان امتيازها بيد محمود بلة. وكانت جريدة أسبوعية وتعمل في نطاق الوطنية والإصلاح. ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد. فهل توقفت لأسباب مادية أو إدارية؟ والشيخ بوكوشة أديب وشاعر، وكان من الحاضرين لتأسيس جمعية العلماء ومن خريجي جامع الزيتونة، ومن الذين كتبوا في الصحافة قبل وبعد جريدته المذكورة. ويعتبر من الرواد الذين ابتدعوا هذا التعبير (المغرب العربي) والمقصود به المنطقة التي يسميها الفرنسيون حينئذ شمال أفريقية. وكان الشيخ بوكوشة من الأوفياء للشيخ ابن باديس وحركته. وكانت جريدته صورة لفكره، ولكن لم يصدر منها سوى أربعة أعداد فقط (١).
ومن صحف الإتجاه الإصلاحي أيضا، جريدة لاديفانس بالفرنسية (الدفاع). وهي جريدة أسسها محمد الأمين العمودي سنة ١٩٣٥، لتنافح عن الحركة الإصلاحية وتعرف بها الأوساط المثقفة بالفرنسية. وقد استمرت إلى سنة ١٩٣٩. وكان العمودي من المؤسسين لجمعية العلماء سنة ١٩٣١ وأول كاتب عام لها، وساهم في أعمالها، ومن ذلك مشاركته في المؤتمر الإسلامي الجزائري وشباب المؤتمر، ونشره لرد ابن باديس على السيد فرحات عباس حين نفى وجود الأمة الجزائرية، ودعوة الشيخ ابن باديس لعقد المؤتمر الإسلامي المذكور. ولكن العمودي لم يظل على ولائه المطلق لابن باديس إذ وجدناه يختار جانب الشيخ العقبي لصالح البرقية الشهيرة، ومنذ ١٩٣٨ وجدنا العمودي يختفي من ساحة النشاط الإصلاحي والسياسي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن الإدارة الفرنسية لم تكن لترضى عن نشاطه فنفته سنة ١٩٣٣ إلى آفلو متذرعة بأنه سافر إلى تونس دون رخصة. وكان العمودي