← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وجامع علي بتشين الذي حول إلى كنيسة، وجامع سوق الغزل (في قسنطينة) الذي حول أيضا إلى كاتيدرالية. وبعض هذه المساجد قد هدموه كما فعلوا بأغلب مساجد العاصمة مثل جامع السيدة الذي كان آية في الفن المعماري (١)، وكذلك مساجد عنابة وقسنطينة والمدية وغيرها (٢). وكانت مدينة الجزائر قبل العثمانيين تحتوي على عدة مساجد كالجامع الكبير الذي ما يزال إلى اليوم يحمل نفس الاسم، وجامع سيدي رمضان وجامع القشاش. ويسمى جامع سيدي رمضان أحيانا جامع القصبة أيضا. وقد سمي على ولي صالح مدفون فيه، وهو كبقية المساجد، التي كان الورتلاني يصفها، يفتقر في بنائه إلى الذوق الفني والأوقاف. فهو كالجامع الكبير وجامع القشاش كان مسقفا بالآجر، وقد ظل على وضعه في العهد العثماني. أما جامع القشاش، الذي كان يسمى أيضا بالجامع القديم، فكان يعتبر من أجمل جوامع مدينة الجزائر حسبما جاء في تاريخ هايدو (٣). وكانت تتبعه زاوية بنفس الاسم اشتهرت خلال العهد العثماني بالعلم كمدرسة عليا، وهي المدرسة التي تحدث عنها أبو راس الناصر وأشاد بها، كما سنرى. ويبدو أن كلمة (القشاش) اسم لأحد الأولياء أيضا. وكانت المساجد المبنية قبل العهد العثماني للمذهب المالكي. كما أن أغلبها المبني خلال هذا العهد كان للمذهب المالكي أيضا. والظاهر أن أول جامع بني في العهد العثماني للمذهب الحنفي هو جامع سفير (أو صفر) الذي

стр. 247

سبق الحديث عليه. وقد نقشت على الباب الرئيسي لهذا الجامع العبارات التالية (وبعد، فهذا مسجد عظيم، ومقام كريم، أسس على التقوى بنيانه، وارتسمت على السعادة والتوفيق أرجاؤه وأركانه، أمر ببنائه الفقير إلى مولاه مملوك مولانا السلطان الكبير، المعظم الشهير، المجاهد في سبيل رب العالمين، مولانا خير الدين، أيده الله ونصره، وهو عبد الله سبحانه صفر، غفر الله ذنبه). وقد جدد حسين باشا، آخر الباشوات، هذا الجامع الذي يعتبر من أجمل مساجد مدينة الجزائر. فهو على عرصات منخفضة عظيمة ومستديرة، أربع منها رخامية وأربع من الحجر، وعليه قبة ضخمة. ومحرابه من الزليج الأبيض والأزرق، وكذلك أطر النوافذ. وله صومعة غير عالية (١). ثم أسس العثمانيون وأحفادهم الكراغلة، المساجد للمذهب الحنفي كمساجد الباشوات الذين ذكرناهم (٢) والجامع الجديد، بل كان في كل عاصمة إقليم جامع للأحناف، وجميعها كانت موضوعة تحت مؤسسة سبل الخيرات. وإذا كانت مساجد العثمانيين في الغالب جيدة وأنيقة وكثيرة الأوقاف فإن مساجد الأهالي كانت في الجملة متواضعة، كما لاحظ الورتلاني، وكما تشهد لذلك أيضا المساجد المؤسسة قبل العثمانيين. فهي في الغالب مبنية بالجبس أو الجص أو الحجر، وقائمة على عرصات ضخمة وصوامع منخفضة. وليس فيها من الفرش سوى الحصير أو الزرابي البسيطة مع قليل من الإضاءة ومن العناية. أما المساجد العثمانية فقد امتازت بدقة البناء واستعمال الزليج والرخام في العرصات والمحراب، والتأنق في المنبر وقناديل الزيت والثريات والزرابي الغنية والزخرفة والنقوش بالحروف العربية والتركية على الجدران والعناية بالعيون والإضاءة والنظافة ونحو ذلك، كما شاع فيها استعمال الفسيفاء وزخرفة النوافذ والأبواب. وقد لاحظ بعض الباحثين أن مساجد وهران، مثلا كانت أجمل من الكنائس التي به (٣)، رغم

стр. 248

أن مدة بقاء وهران تحت العثمانيين كانت قصيرة. كما امتازت المساجد العثمانية بالسعة وعلو الصوامع ودقتها وجمال شكلها. ومن أجمل مساجد العاصمة جامع السيدة الذي سبقت الإشارة إليه والجامع الجديد وجامع كجاوة وجامع علي بتشين. ومن أجمل مساجد قسنطينة جامع سوق الغزل والجامع الكبير أو الأخضر. وقد أشاد الأدباء بجامع محمد الكبير بمعسكر لجماله واتساعه. وقد امتازت جوامع تلمسان، التي يعود معظمها إلى العهد الزياني وما قبله، بالفن الأندلسي والذوق العربي. ومعظم الجوامع كانت تحتوي على المحراب والمنبر والصومعة وقناديل الإضاءة والماء للوضوء (أو الميضات). وتختلف الفرش من جامع إلى آخر فهي في بعضها غنية حتى كانت الفرش تطرز بالحرير المذهب واستعمال الزرابي نادرة القيمة، وفي بعضها كانت مجرد حصير وسجاد متواضع. وكانت تعلق في بعضها الثريات الرفيعة ذات الألوان الزاهية بينما بعضها كان لا يوجد فيه أكثر من حسك قصديرية أو زجاجات عادية (١). ويختلف وضع المساجد (غير جوامع الخطبة) قليلا. فهي في الغالب أقل جمالا وسعة وتأنقا من الجوامع. وفي معظم الجوامع توجد المكتبات الموقوفة على القراء والطلبة والأساتذة (٢). وتختلف الكتب الموقوفة كثرة وتنوعا. ففي بعض الأحيان لا يوجد في المكتبة سوى المصاحف والكتب

стр. 249

الدينية والصوفية مثل صحيح البخاري وتنبيه الأنام ودلائل الخيرات وكتب الأدعية والأذكار. ولكن بعضها كان يحتوي على كتب في العلوم المختلفة من أدب وطب وفقه وتاريخ ورياضيات. ومن أهم ما كان يلحق بالجوامع أيضا الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال، والزوايا لمبيت الطلبة والغرباء. ومن التوابع الضرورية للجوامع الميضات والعيون للطهارة والاستحمام. وتختلف الجوامع أيضا في حجم موظفيها. فبعضها كان كثير الموظفين حتى أن عددهم كان يتجاوز الستين موظفا كالجامع الكبير بالعاصمة، وبعضها كان يقوم عليه عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحد. وعلى كل حال فإن أغلب الجوامع كان له من الموظفين الوكيل والخطيب والإمام (وأحيانا يجمع الخطيب الإمامة أيضا) والمدرس والمؤذن والحزاب وبعض القراء. ٥ - وكان لكل واحد من هؤلاء، مرتب خاص به، حسب قدره ومكانته وعلمه، من الوقف. ففي أواخر القرن العاشر (١٦ م) وزع خضر باشا وقف الجامع الذي بناه باسمه على النحو التالي (مع ملاحظة أن هذه المرتبات شهرية): ٥٠ دينارا ... للخطيب ٢ ديناران ... لقارئ الصلاة المحمدية (كل خميس واثتين) ٢ ديناران ... لقارئ التعريف (يوم الجمعة) ٢ ديناران ... لثلاثة مؤذنين حنفيين (يوم الجمعة تصبح ستة دنانير) ١ دينار واحد ... لكل حزاب - وهم تسعة (لقراءة الحزب بعد صلاة العصر) ٣٠ دينارا ... للمدرس المالكي ٣٠ دينارا ... لقارئ صحيح البخاري ٣٠ دينارا لقارئ ابن أبي جمرة (مختصر صحيح البخاري) ٣٠ دينارا ... لقارئ الرسالة للقيرواني ٥ دنانير ... لوكيل الوقف (١)

стр. 250

أما جامع سوق الغزل في قسنطينة فقد كان موظفوه، في عهد صالح باي، موزعين على النحو التالي مع مخصصات لكل منهم: ١٠٠ ريال ... للخطيب ٥٠ ريالا ... للإمام ٣٠ ريالا ... لرئيس المؤذنين ١٢٥ ريالا ... لخمسة مؤذنين (٢٥ ريالا لكل منهم) ٢٠ ريالا ... لخمسة حزابين (٤ ريالات لكل واحد) ٤ ريالات ... لحامل عكاز (أو عصا) الخطيب ٢٨ ريالا ... للمنظفين ٤٠ ريالا ... لناظر الوقف (أو الوكيل) ٤٨ ريالا ... لمدرس المدرسة (التابعة للجامع) ١٤٤ ريالا ... لاثني عشر طالبا يحضرون دروس المدرسة (١) وفي نفس الوقت أوقف الباي محمد بن عثمان (وهو والد محمد الكبير) على جامع العين البيضاء الذي بناه بمعسكر وقفية تضمنت ما يلي: ٤ سلطانية ذهبا ... للطلبة الذين يحضرون درس صحيح البخاري في كل سنة ٤٠ ريالا ... للإمام ٤٠ ريالا ... للخطب ٨٠ ريالا ... للمؤذنين الأربعة يتقاسمونها ٤٤ ريالا ... للحزابين يتقاسمونها ٤٠ ريالا ... لمدرس صحيح البخاري ٦٠ ريالا ... لكل مدرس (وهم ثلاثة) في الفقه وغيره ٤٠ ريالا ... لمسلك الطلبة (مؤدب الكتاب)

стр. 251

١٥ ريالا ... لوكيل خزانة الكتب الملحقة بالجامع ١٠ ريالات ... للراوي ١٥ ريالا ... لمصلح المطاهر (منظف الميضات) ٤٠ ريالا ... لوكيل الوقف نصف ريال ... حق لكل بيت عامر شهريا لزيت الطالب الساكن فيه (١) ومن خلال هذه الإحصاءات يمكن ملاحظة الرواتب وتطور الحياة الاقتصادية ولا سيما التضخم المالي. فقد نص وقف جامع الحاج حسين ميزمورطو أواخر القرن الحادي عشر (١٧ م) على إعطاء الخطيب ستين دينارا والمدرس خمسة وثلاثين والوكيل خمسة وثلاثين أيضا، وهكذا. ٦ - وكان الجامع الكبير بالعاصمة مقرا للمفتي المالكي وللمجلس الشرعي الأسبوعي (يوم الخميس) , وكان هذا المجلس يضم المفتي المالكي والمفتي الحنفي والقاضيين المالكي والحنفي وكبار العلماء والقضاة، كما كان يحضر الباشا أو نائبه عند الضرورة (٢). وكان المجلس يفصل في القضايا الفقهية الشائكة ولا سيما تلك التي يختلف فيها القضاة عند التطبيق والتنفيذ، أو تلك التي يحتاج فيها الباشا إلى فتوى العلماء. وكان المجلس أيضا مركزا للمناظرات بين العلماء في المسائل الخلافية العامة. وسنعرف أنه كان أيضا مجالا للتنازع والتنافس والتظاهر وكسب ود السلطة عند بعض العلماء. ومن أشهر العائلات التي تولت الفتوى المالكية في الجامع الكبير عائلة قدورة ومن أبرز الأسماء أيضا ابن جعدون وابن الشاهد وابن الأمين وابن بكرو. وكان للجامع الكبير موظفون كثيرون وأوقاف ضخمة يسيل لها لعاب

стр. 252

العلماء المتنافسين. ومن أهم موظفيه - بالإضافة إلى المفتي والوكيل - إمامان للصلوات الخمس، ومساعدان للمفتي وتسعة عشر أستاذا (مدرسا)، وثمانية عشر مؤذنا، وثمانية حزابين لقراءة القرآن الكريم، وثلاثة وكلاء أوقاف واحد منهم نائب للمفتي، الذي هو الوكيل الرئيسي، والثاني وكيل أوقاف المؤذنين والثالث وكيل أوقاف الحزابين، وثمانية منظفين، وثلاثة موظفين للسهر على الإضاءة. أما خطبة الجمعة والعيدين فكان يتولاها المفتي نفسه. فهو إذن مفتي وخطيب ووكيل في نفس الوقت. وسنرى أن بعض المفتين كان ينيب عنه غيره في الخطابة أيضا. وهناك غير هؤلاء من الموظفين الذين لا يكاد يأتي عليهم الحصر (١). أما الجامع الجديد بالعاصمة فقد كان مقرا للمفتي الحنفي (٢) الذي كان في مقام شيخ الإسلام في إسطنبول. وكانت للمفتي الحنفي اليد الطولى إذا ما حصل خلاف بينه وبين المفتي المالكي، كما كانت له دالة على الباشوات، ولا سيما في العهد الأول عندما كان القاضي الحنفي يأتي من إسطنبول لمدة ثلاث سنوات كالباشا. ومن أشهر العائلات التي تولت الفتوى الحنفية عائلة ابن العنابي. وقد عرفنا أن الجامع الجديد قد بني في القرن الحادي عشر بأمر الوجق وأن أوقافه كانت تحت مؤسسة سبل الخيرات. وكان قد بني على أنقاض الزاوية (أو المدرسة) العنانية التي تشهد بعض الوثائق على أنها تعود إلى القرن العاشر (١٦ م) ويقع الجامع في مواجهة البحر حتى أن كل قادم للمدينة من الميناء يراه فيؤخذ بشكله الجذاب وقبته العالية وبياضه الناصع. وكان الرياس (أو البحارة) يحيونه عتد الغدو للجهاد بالطلقات النارية تيمتا بالنصر. وكان له أيضا عدد ضخم من الموظفين الذين يتوزعون على مختلف الاختصاصات. ولكنه فقد بعض روعته وهيبته عندما غطاه الفرنسيون من جهة البحر بمدهم الطريق الموازي للميناء. أما داخله فما يزال يثير الدهشة والتأمل

стр. 253

ويظهر منه التأثير العثماني في العمارة. وقد نقشت على جدرانه آيات قرآنية وعبارات دينية بالعربية والتركية، وبعض الأبيات من قصيدة البردة للبوصيري (١). ومن أشهر المساجد في غير العاصمة جامع الباي محمد الكبير في معسكر، ويبدو أنه كان يخطط له ليكون قاعدة كبيرة لنشر التعليم في المنطقة ينافس به القرويين في فاس، ولكن تطور الزمن لم يحقق له ذلك. فقد نقلت العاصمة إلى وهران بعد فتحها الثاني ووقعت ثورة الطريقة الدرقاوية، ثم حل الفرنسيون بمعسكر بعد أقل من أربعين سنة من بناء الجامع. ومهما كان الأمر فإن الباي قد أكمل بناءه وأضاف إليه مدرسة وأوقف عليه أوقافا كثيرة، بما في ذلك خزانة كتب وحمام (وحدائق ودورا وحوانيت) وبنى له فرنا. فكانت تكفي (غلات أحباسه جميع وظائفه ولوازمه وتفضل منها فضلة تدخر له) وقد أصبح هذا الجامع من المباني الهامة أو من (العجائب) كما يقول ابن سحنون، حتى أن الناس كانوا يقصدونه (اللتنزه والتعجب) وكان من موظفيه، حسبما جاء في وقفيته، الخطيب والإمام وأربعة مؤذنين ومسمع (أو مساعد المدرس) وأربعة مدرسين، وعدد من الطلبة، وقراء الحزب (أو الحزابين)، وقراء حديث اللغو يوم الجمعة، وقراء تنبيه الأنام. وقد خصص لجميع هؤلاء رواتب تليق بهم (٢). وهذا الجامع (العجيب) هو الذي لم يعد يثير الإعجاب سنة ١٢٥١ (١٨٣٥) حين زاره طاطارو الفرنسي وسجل أن في مدينة معسكر جامعا واحدا له منارة قريبة من قصر الباي (٣) ولعل وصف سان هيبوليت أصدق من وصف طاطارو حين قال إنه كان لمعسكر مبان جميلة وقصر واسع جدا

стр. 254

ومنازل أنيقة، ولكنها الآن جميعا مهدمة وفي حالة يرثى لها (١). أما في قسنطينة فمن أشهر المساجد الجامع الكبير وجامع سوق الغزل وجامع سيدي الكتاني وجامع القصبة وجامع سيدي علي بن خلوف. وقد احتوى بعضها على زخارف ونقوش جميلة، كما كان بعضها مبنيا بالرخام والزليج النادر المستورد من تونس أو من إيطاليا (٢). ومن البايات الذين ساهموا في بناء المساجد هناك الباي حسين بوكمية، الذي بنى جامع سوق الغزل سنة ١١٤٣ (٣). وهو جامع للمذهب الحنفي، جميل الشكل والهندسة، وقد صرفت عليه أموال غزيرة. أما الجامع الكبير فقد بناه الباي حسن بوحنك سنة ١١٥٦. وقد كان أيضا للصلاة والتسبيح والتعليم كما جاء في اللوحة الجميلة المنقوشة عند بابه. وكانت منارته تبلغ خمسة وعشرين مترا. وكانت له أوقاف هامة (٤). ومن آثار صالح باي جامع سيدي الكتاني الذي شيده سنة ١١٨٩ (٥). وقد أشرنا إلى الجامع الذي بناه في عنابة في آخر أيامه.

стр. 255

ويتضح مما سبق أن عدد المساجد في الجزائر لم يكن قليلا. وقد اشترك في تأسيسها الأهالي والعثمانيون على السواء. وكان هؤلاء يهتمون ببناء المساجد بدوافع دينية محضة في أغلب الأحيان كما جعلوها لخدمة المذهب الحنفي، بل إن وظيفة المدرس عندهم كانت لا تخرج عن ذلك أيضا. فمعظم الأوقاف تنص بشأن التعليم على كون المدرس متخصصا في التفسير أو الحديث أو غيرهما من العلوم الشرعية. فكانت الأوقاف تعرف في أغراض دينية كالقيام بشؤون الجامع والخطبة والإمامة والأذان، أو بأمور تعبدية صرفة كقراءة تنبيه الأنام والمحمدية ودلائل الخيرات والتعريف ونحوها. ثم ان الأوقاف لم تسلم من الاختلاس وسوء التصرف سواء من السلطة نفسها أو من الوكلاء. ومع ذلك فإن وجود الأوقاف والمساجد على النحو الذي تحدثنا عنه كان يعطي للجزائر العثمانية طابعا إسلاميا موحدا تلتقي فيه اهتمامات الحكام والمحكومين، بل كان مظهرا من مظاهر الجهاد والإحساس المشترك الذي عالجناه في غير هذا. ولعل هذا الطابع الموحد يتجلى بصورة أكثر وضوحا في العناية ب الزوايا والرباطات والقباب ونحوها من مظاهر خدمة الدين وأهله. الزوايا والرباطات ١ - من أبرز ميزات العهد العثماني في الجزائر انتشار الطرق الصوفية وكثرة المباني (الزوايا ونحوها) المخصصة لها. ففي المدن والأرياف، في الجبال الشاهقة والصحارى القاحلة عاش معظم المتصوفة يبثون عقائدهم ويلقنون أتباعهم الأذكار والأوراد مبتعدين عن صخب الحياة الدنيا مؤثرين العزلة والعبادة، وكثيرا ما كانوا يعلمون المريدين والعامة مبادئ الدين أيضا. فإذا اشتهر أحدهم بين الناس أسس له مركزا يستقبل فيه الزوار والغرباء

стр. 256

والأتباع ويعلم فيه الطلبة. ويتبرع الناس لهذا المركز فيكبر ويثرى ويتضاعف قصاده ومريدوه، ويصبح اسم المتصوف (المرابط) علما على المكان، ويصبح المكان يدعى بين الناس زاوية سيدي فلان أو رباط سيدي فلان. فإذا مات (سيدي فلان) يدفن في الزوايا أو في الرباط، ويصير الضريح علامة على الزاوية، وهذه علامة على الضريح. ويرث الأبناء والأحقاد مكانة وعمل (سيدي فلان) وتزداد قداسة الزاوية أو الرباط بين أهل الناحية وتنتشر سمعتها ونفوذها إلى نواح أخرى بعيدة، وهكذا. وكانت كل مدينة كبيرة أو صغيرة، محروسة بولي من الأولياء، فهو الذي يحميها من العين ومن الغارات ومن نكبات الطبيعة ومن طمع الطامعين. فهناك صلحاء تلمسان ومدينة الجزائر ومدينة قسنطينة وبجاية والمدية الخ. وقد ذكر ابن مريم كثيرا من صلحاء وأولياء تلمسان، وأضاف محمد بن سليمان قائمة أخرى منهم في كتابه (كعبة الطائفين) الذي لم يكتف بأولياء وصلحاء تلمسان بل شمل صلحاء مدن أخرى. وكتب محمد الموفق المعروف بابن حواء عن صلحاء الشلف في أرجوزته (سبيكة العقيان) وكتب محمد الجوزي عن أولياء أغريس في شرحه على (العقد النفيس)، كما نظم البوني ألفيته (الدرة المصونة في صلحاء بونة)، وغطى الفكون في (منشور الهداية) عددا منهم في الشرق الجزائري، وخصوصا قسنطينة وعنابة، وامتلأت رحلة الورتلاني بعدد كبير من هؤلاء المتصوفة مع ذكر زواياهم ومقاماتهم وكراماتهم والأساطير المنسوجة حولهم. ٢ - فهذه مدينة الجزائر عاصمة الدولة، كانت تعج بالزوايا والأضرحة والقباب المقامة على الأولياء والصالحين. فبالإضافة إلى زاوية وضريح عبد الرحمن الثعالبي وزاوية الولي داده، وزاوية عبد القادر الجيلاني التي ذكرناها، هناك قائمة طويلة أخرى نذكر منها زاوية سيدي محمد الشريف وزاوية سيدي أحمد بن عبد الله الجزائري صاحب (المنظومة الجزائرية)، وسيدي الجودي، وسيدي جمعة، وسيدي الكتاني، وسيدي السعدي،

стр. 257

وسيدي الفاسي، وسيدي أبي التقي، وسيدي يعقوب، وسيدي أيوب، وسيدي بوعنان، وسيدي بوعتيقة الخ. وهناك أيضا (الرجال السبعة) (١). وفي النواحي المجاورة لمدينة الجزائر كانت زاوية القليعة وزاوية المربوسي بالأربعاء وزاويتا النملي وخير الدين ببني موسى، وزاوية عيد بين بوفاريك والدويرة، وزاوية البركاني قرب شرشال الخ. وفي مدينة قسنطينة ونواحيها قائمة طويلة أخرى بلغت، حسب بعض الإحصاءات، ست عشرة زاوية (٢). فهناك زوايا وخلوات سيدي الكتاني، وسيدي المناطقي (٣)، وسيدي عبد المؤمن (٤)، وسيدي مسيد، وسيدي مخلوف، وسيدي ميمون، وسيدي عفان، وسيدي راشد، وسيدي

стр. 258

التلمساني (١). كما كانت للعائلات الكبيرة بالمدية زواياها الخاصة مثل زاوية أولاد الفكون وزاوية ابن نعمون وزاوية أولاد جلول. وكانت هناك زوايا خاصة بالأتراك والكراغلة مثل زاوية رضوان خوجة الذي كان قائد الدار والذي بنى الزاوية لنفسه ودفن فيها بعد وفاته سنة ١٢٢٠. وفي نواحي قسنطينة اشتهرت زاوية خنقة سيدي ناجي وزاوية بني بو مسعود وزاوية بني مقران، وزاوية محمد بن يحيى المتوفي حوالي سنة ١٠٩١ الواقعة عند أولاد عبد النور (٢)، وزاوية مولاي الشقفة بين جيجل والقل. وقد اشتهرت أيضا تلمسان ونواحيها بزواياها وأضرحتها ومشاهدها نذكر منها هنا زاوية سيدي الذيب، وزاوية سيدي بومدين، وزاوية محمد السنوسي، وزاوية أحمد الغماري، وضريح سيدي الحلوى الأندلسي، وزاوية عين الحوت، ومما يذكر أن الباي حسين قد أوقف سنة ١١٧٣ وقفا على زاوية مولاي الطيب الوزاني حين اشترى لها دارا بستين مثقالا ذهبا. وفي سنة ١١٧٤ بنى الباي إبراهيم الملياني، بأمر باشا الجزائر، ضريحا للولي محمد بن علي حفيد الولي عبد الله بن منصور، كما أن الباي مصطفى المانزالي قد جدد، سنة ١٢١٨، ضريح هذا الولي (أي عبد الله بن منصور) (٣). وتعتبر زواوة وبجاية من أغنى مناطق الجزائر بالزوايا. فقد تصل فيها إلى خمسين زاوية. وليس غرضنا هنا ذكر قائمة بها ولكن الإشارة إلى أهمها في ميدان التعليم ونشر الوعي الديني بين السكان. وقد كانت زاوية تيزي راشد (وتسمى أيضا زاوية ابن أعراب) ذائعة الصيت يقصدها التلاميذ من النواحي المجاورة والبعيدة. وممن تخرجوا منها محمد الفريرا المشهور بالذباح الذي تولى ولاية التيطري. وكانت زاوية الشيخ محمد التواتي ببجاية

стр. 259

أيضا قد أخرجت أجيالا من المتعلمين وكانت لها أوقاف كبيرة. وقد ظلت على عهدها بالتعليم إلى سنة ١٢٢٨ حين أمر حسين باشا بغلقها بعد حادث وقع به (١). وكانت تضم أكثر من مائتي طالب. واشتهرت بنشر التعليم أيضا زاوية الأزهري بآيت إسماعيل، وزاوية ابن علي الشريف بآقبو، وكذلك سيدي منصور بآيت جناد. ومعظم أصحاب هذه الزوايا كانوا ساخطين على الأتراك. فقد لمح ابن علي الشريف في كتابه (معالم الاستبصار) إلى ذلك. وكان سيدي منصور أيضا من خصومهم، كما كان معاصراه أحمد بن إدريس وأحمد بن مالك (٢). والذي يقرأ رحلة الورتلاني (وهو أيضا ساخط على الترك) يدرك تلك الثورة المكظومة ضدهم هناك. ولا بد من ذكر زوايا عبد الرحمن اليلولي، وأبي القاسم بو جليل، وابن أبي داود، ومحمد السعدي الواقعة نواحي دلس، بالإضافة إلى الزاوية الزروقية، وزاوية أحمد بن يوسف وغيره (٣). وكانت للزاوية في الريف أرض موقوفة يحرثها المسلمون ويعتنون بها ويستعمل إنتاج هذه الأرض في صيانة الزاوية وتغطية أجور المدرسين ومعيشة التلاميذ. كما أن الزاوية الريفية عادة ما يقدم إليها مسلمو الناحية جزءا معينا من إنتاجهم الفلاحي سنويا. فالزاوية بالنسبة إلى سكان الناحية كانت على غاية كبيرة من الأهمية (٤). وتثبت الإحصاءات أن عدد الزوايا والأضرحة ونحوها كان يفوق عدد المساجد والمدارس. فقد كان بتلمسان ونواحيها أكثر من ثلاثين زاوية في

стр. 260

آخر العهد العثماني (١). والذي يدرس كتاب (البستان) ,لابن مريم قد يعثر على أكثر من هذا العدد رغم أنه كتبه في بداية القرن الحادي عشر (١٧ م). وفي عهد صالح باي كان في قسنطينة ثلاث عشرة زاوية (٢). وهو عدد لا يشمل بالطبع الزوايا المحيطة بها. وقد كان في عنابة وبجاية وزواوة أعداد مشابهة (٣). وذكر الورتلاني الذي كان مغرما بذكر الصلحاء والأولياء بعض هذه الزوايا والمشاهد وأصحابها. أما بالنسبة لمدينة الجزائر فإن المصادر تذكر أنه كان فيها سنة ١٢٤٦ اثتان وثلاثون قبة أو ضريحا، واثنا عشرة زاوية (٤). بينما ذكر مصدر آخر أنه كان بها تسع عشرة زاوية أو رباطا (٥). ٣ - وقد لعبت الزاوية في الريف دورا أكثر إيجابية من الزاوية في المدينة. ففي بداية العهد المدروس كانت الزوايا عبارة عن رباطات أو نقط أمامية ضد الأعداء. فكان المرابطون يقودون أتباعهم في الحروب الجهادية وينصرون المجاهدين ويطعمونهم في زواياهم ويتحالفون مع الأمراء المكافحين من أجل الدين وحماية البلاد، وعلى هذا النحو تحالف بعضهم مع العثمانيين وقدموا لهم المساعدات الأساسية فجندوا من ورائهم الشعب وجمعوا لهم المؤن والمعدات ورفعوا الروح المعنوية للمحاربين، ولكن الدوافع الجهادية كانت تضعف بالتدرج بعد القضاء على الخطر الخارجي الداهم. فعاد المرابطون إلى قواعدهم وكانوا على صلة بالشعب أكثر من صلتهم بالسلطة العثمانية. وكان على هذه السلطة أن تؤيد المرابطين بالعطايا السخية والإعفاء من الضرائب حتى لا تضعف الرابطة بينهما، ولكن بعض

стр. 261

الزوايا قد أصبحت مراكز لتدريب الأتباع على الثورة ضد السلطة، ولا سيما في أواخر العهد المدروس. فقد ثار يحيى الأوراسي والزبوشي، وثار الدرقاويان ابن الشريف وابن الأحرش، وتململت الزاوية القادرية والرحمانية، كما تمردت الزاوية التجانية في عين ماضي ونواحيها. ويظهر الدور الإيجابي للزوايا الريفية في التعليم على الخصوص. فقد كانت بالإضافة إلى وظيفتها الدينية، معاهد لتعليم الشبان وتنوير العامة (وهذه نقطة سنعالجها في الحديث عن التعليم). وكانت الزاوية الريفية تشمل أيضا مسجدا وقبة الشيخ المرابط ومبيتا للطلبة الداخليين ومساكن للغرباء والفقراء. وقد اشتهرت بعض الزوايا والخلوات الريفية حتى أصبحت محجة للزوار والطلبة. ومن ذلك زاوية خنقة سيدي ناجي (١)، وخلوة عبد الرحمن الأخضري (٢)، وضريح سيدي خالد (٣) وزاوية محمد بن علي المجاجي (أبهلول) (٤) وزاوية القيطنة (٥)، وزاوية ابن علي الشريف (٦). ويبدو أن عدد الزوايا في غرب الجزائر كان أكثر من شرقها. ولعل ذلك يعود إلى استمرار الجهاد في الغرب دون الشرق وإلى كثرة الزوايا والمرابطين في المغرب الأقصى. ثم إن حجاج ورحالة المغرب كانوا يعبرون الجزائر ويغذون فكرة المرابطية فيها وينشرون مبادئ زواياهم وشيوخهم، كما كانوا يعودون بمثل ذلك من المشرق في طريقهم إلى المغرب.

стр. 262

وظاهرة التعليم في الزوايا، ليست خاصة بالريف. ففي المدن أيضا كانت بعض الزوايا تقوم بدور إيجابي في نشر التعليم بجميع مستوياته. فالزاوية القشاشية قد تحولت تدريجيا إلى مدرسة عليا أو معهد، وهذه الزاوية تتبع جامع القشاش الذي سبقت الإشارة إليه. وكذلك زاوية شيخ البلاد في مدينة الجزائر، وهي التي سيأتي الحديث عنها. ومن الزوايا التي لعبت دورا رئيسيا في نشر التعليم في غير العاصمة زاوية الفكون في قسنطينة، وزاوية مازونة ذات الشهرة الواسعة، وزاوية عين الحوت بتلمسان، وزاوية محمد التواتي ببجاية، وغيرها. غير أن معظم زوايا المدن كانت معطلة عن التعليم لوجود الكتاتيب من جهة والمساجد والمدارس المتخصصة من جهة أخرى. وبذلك كثرت في المدن الأضرحة والقباب والزوايا التي تؤدي دورا اجتماعيا كإيواء الفقراء والعجزة والغرباء وحماية الهاربين إليها من المجرمين والسياسيين المغضوب عليهم، واستقبال التلاميذ الدارسين في المساجد المجاورة. وبالإضافة إلى الزوايا المنسوبة إلى الأفراد هناك الزوايا المنسوبة إلى الجماعة. ومن ذلك زاوية الأشراف وزاوية الأندلسيين اللتين أشرنا إليهم (١). فقد كانت الأولى خاصة بعزاب الأشراف الذين كانت لهم أيضا نقابة خاصة. وكان يشرف عليها مجلس من أعيانهم. وفي كل مولد نبوي كان الوكلاء يعدون وجبة طعام في الزاوية يحضرها أعضاؤهم فقط. وكان الشرفاء يعيشون كجماعة مترابطة متضامنة ولكنهم لم يكونوا بالضرورة من الأغنياء. أما زاوية الأندلسيين فقد كانت لاستقبال فقراء وعجزة مهاجري الأندلس أو الذين كانوا من أصل أندلسي، كما كانت تستقبل طلبتهم عند الضرورة. وقد ظلت المؤسستان موجودتين إلى الاحتلال الفرنسي. ٤ - وكان بناء الزاوية يختلف عادة عن بناء المسجد والمدرسة. فالزوايا غالبا ما جمعت بين هندسة المسجد والمنزل. وهي في الجملة قصيرة

стр. 263

الحيطان منخفضة القباب والعرصات قليلة النوافذ. وإذا كان للزاوية مسجد فهو في الغالب بدون مئذنة. فالزاوية من الناحية الهندسية غير جميلة، بالإضافة إلى أنها كثيرة الرطوبة والعتمة. وشكل الزاوية يوحي بالعزلة والتقشف والهدوء أكثر مما يوحي بالاختلاط والثراء والحركة. غير أن بعض الزوايا المعدة أصلا لسكنى الطلبة ونحوهم كانت واسعة وصحية. وقد كان للزاوية أوقافها أيضا مثل المسجد. وفي عصر ساد فيه الجهل والخرافة كان الناس يميلون بأوقافهم وأفعالهم الخيرية إلى الزاوية أكثر من ميلهم إلى المسجد والمدرسة. فقد كانت بعض الزوايا غنية مثل زاوية المجاجي التي سبقت الإشارة إليها، وزاوية القيطنة. فكلتاهما كانت تطعم الأعداد الكبيرة من الزائرين وتؤويهم وتعلمهم. وكان الواقفون والمتصدقون على الزوايا من عامة الناس يعتقدون أن جزاءهم يأتي بسرعة وأن ذنوبهم تغتفر في الحال إذ يكفي أن يرضى عنهم الشيخ ويمنحهم بركاته. ومن الزوايا كثيرة الوقف زاوية الولي داده، وزاوية أحمد بن عبد الله الجزائري وزاوية سعيد قدورة التابعة للجامع الكبير، وكذلك الزاوية الطيبية بتلمسان. وكانت بعض الزوايا متخصصة في استقبال نوع معين من الضيوف بنصوص أوقافها. فزاوية مولاي حسن بالعاصمة كانت عبارة عن دار سكنى للعزاب. وكانت زاوية سيدي أبي عتيقة تستقبل الفقراء والمرضى والعجزة. وكانت زاوية سعيد قدورة مخصصة لاستقبال فقراء العلماء. وأما زاوية شيخ البلاد فلا يسكنها إلا الطلبة العثمانيون. كما أن زاوية القاضي المالكي التي أسسها مصطفى بن مصطفى (آغا الصبايحية) مخصصة لسكنى المالكية، وهكذا. ومن جهة أخرى كانت بعض الزوايا مقصودة أكثر من غيرها لغرض فيها. فقد كانت النسوة تكثر في زاوية سيدي عبد القادر، كما كانت العامة يكثرون في زاوية علي الزواوي لاعتقادهم بأن ماءها يبرئ من العقم ويحفظ الأولاد ويذهب الحمى. وهذه الاعتقادات في الواقع ليست خاصة بزوايا العواصم، بل كانت منتشرة أيضا في زوايا الريف، ولا سيما عند قبور الأولياء

стр. 264

والصلحاء. ومن أهم ما كان يميز بعض الزوايا والأضرحة كونها ملجأ يلجأ إليه الهاربون من العقاب والقتل مهما كانت جرائمهم. فقد كان الولاة والعامة يعتقدون في حصانة حمى الزاوية والضريح. ويكفي أن يهرب الجاني إلى هذا الحمى فلا يلحق به أحد، ولا يمسه سلطان. وقد وقعت حوادث الفرار إلى زاوية الولي داده وزاوية القليعة والثعالبي وغيرها، سواء من الولاة أنفسهم أو عامة الناس، ولا شك أن ذلك كان يدخل في عقيدة الناس في صلاح الأولياء وقدرتهم على تسليط غضبهم على من يهين حماهم. وقد قيل إن صالح باي قد بنى قبة في المكان الذي قتل فيه المرابط محمد الغراب بعد أن تحولت جثة هذا إلى غراب مخيف تطير منه الباي. وكان الثوار في نواحي قسنطينة لا يمسون من يلجأ إلى زاوية/ معمرة الواقعة في أراضي أولاد عبد النور، وكان محيي الدين مقدم الطريقة القادرية (زاوية القيطنة) يصف زاويته بأنها كمقام إبراهيم الخليل من دخلها كان آمنا. ويختلف موظفو الزاوية عن موظفي الجامع في كثير من الوجوه. ذلك أن المسؤول الرئيسي على الزاوية في العادة هو مؤسسها أو المرابط نفسه أو ورثته. فهي مقام الولي ومصلاه، ومجمع أوراده وأذكاره، وفيها يدرس ويستقبل المريدين، وفيها (وخاصة في الأرياف) يصلح بين الناس وينورهم في شؤون دينهم ويفتيهم ويحكم بينهم. وفي غياب المؤسس أو المرابط يتولى إدارة الزاوية عادة أبناؤه وأحفاده على نفس النمط. وهكذا كانت زاوية أو خلوة عبد الرحمن الأخضري وزاوية المجاجي وزاوية ابن علي مبارك بالقليعة. ولكن الزاوية لا تحتاج فقط إلى المرابط ومن يقوم مقامه من أبنائه وأحفاده أو عائلته بل تحتاج أيضا، كالجامع، إلى منظفين ومؤذنين ومساعدين وغيرهم. فالزاوية النشيطة عبارة عن خلية حية يتحرك فيها كل شيء كالساعة في انتظام ودقة ومسؤولية (١). وكانت بعض زوايا المدن تحت

стр. 265

إشراف (قيمين) أو مديريين يعينهم وكلاء الأوقاف العامة أو الخاصة كسبل الخيرات وبيت المال ومكة والمدينة، وكان هؤلاء القيمون عادة من نسل المرابط أو من الأشراف أو من أهل الصلاح والخير. ٥ - وكانت الرباطات تشبه الزوايا من بعض الوجوه. فهي مثلها في خدمة الدين والمجتمع. ولكن الرباطات كانت تمتاز بأنها قرية من مواقع الأعداء وأن تأسيسها يهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة الجهاد والدفاع عن حدود الإسلام مع أداء مهمة العلم أيضا (١). وكانت الرباطات في العهد الأول منتشرة على السواحل التي نزل فيها الأعداء أو كانوا يهددونها. فكان الطلبة جنودا وعلماء في نفس الوقت. وكان المجاهدون يجتمعون بها وينطلقون منها ويأوون إليها للزاد والسكن. وبعد إبعاد الأعداء عن معظم السواحل انحصرت الرباطات في الغرب الجزائري حيث ظل الإسبان في وهران وفي المرسى الكبير وحيث الخطر كان داهما بشكل أوضح. وقد لعبت الرباطات دورا كبيرا في فتح وهران الأول سنة ١١١٩ والثاني سنة ١٢٠٥. واشتهر من علماء الرباطات في الفتخ الأول مصطفى الرماصي وأبو الحسن (أو حسون) العبدلي (٢). كما اشتهر من علماء الرباطات أيام الفتح الثاني محمد بوجلال والطاهر بن حوا ومحمد بن علي الشارف المازوني وولداه، وكذلك محمد المصطفى بن زرفة. وقد أقاموا تحت رئاسة بوجلال عند جبل المائدة قرب وهران (للتضييق على الكفار) وكانوا هناك يدرسون ويحاربون أيضا (٣).

стр. 266

فالرباطات إذن كانت قلاعا من جهة وزوايا ومدارس متنقلة من جهة أخرى. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك زاوية الشيخ محمد بن علي المجاجي التي اشتهرت بكونها زاوية ومدرسة ورباطا (١). ولعل ما أنشأه المرابطون في العهد العثماني الأخير من مؤسسات لنشر التعاليم المضادة للنظام العثماني (مثل زوايا ومعاهد الطرق الدرقاوية والتجانية والقادرية والرحمانية) لا تخرج أيضا عن كونها رباطات بالمعنى الذي أشرنا إليه. المدارس والمعاهد العليا رغم أن الرحالة الفرنسي فانتور ديبارادي قد تحدث في القرن الثاني عشر (١٨ م) عن وجود ثلاث جامعات لتعليم المذهب المالكي في مدينة الجزائر وحدها (٢)، فإن الواقع هو أنه لم يكن في الجزائر كلها جامعة واحدة بالمعنى المتعارف عليه. فقد خلت الجزائر العثمانية من مؤسسة للتعليم العالي، توحد نظم التعليم وتحافظ على مستواه وتعكس نشاط واتجاه العلماء، وتحفظ قدرا معينا من أساليب اللغة والذوق الأدبي العام. ولم يكن للجزائر (جامعة) إسلامية كالأزهر والقرويين والزيتونة، غير أن دروس جوامعها الكبيرة كانت تضاهي، بل قد تفوق أحيانا، دروس الجامع الأموي بدمشق والحرمين الشريفين لتنوع الدراسات فيها وتردد الأساتذة عليها من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. فدروس سعيد قدورة وعلي الأنصاري (٣) وأحمد بن عمار بالعاصمة، ودروس سعيد المقري في تلمسان، ودروس أبي راس في معسكر ودروس عمر الوزان وعبد الكريم الفكون وأحمد العباسي وعبد القادر الراشدي في قسنطينة، وأحمد البوني في عنابة - كانت مضرب

стр. 267

الأمثال في العمق والإحاطة والرقي، غير أن شهرة هؤلاء العلماء كانت نتيجة جهودهم الشخصية وليس نتيجة انتمائهم لنظام شامل تخضع له المؤسسات التابعين لها. ونحن لا ندري قصد الرحالة الفرنسي المذكور بالضبط، ولعله كان يقصد بالجامعات بعض (المدارس العليا) مثل المدرسة القشاشية ومدرسة شيخ البلاد والجامع الكبير. ١ - ومهما كان الأمر فقد كثرت في الجزائر المدارس الابتدائية حتى كان لا يخلو منها حي من الأحياء في المدن ولا قرية من القرى في الريف، بل إنها كانت منتشرة حتى بين أهل البادية والجبال النائية. وهذا ما جعل جميع الذين زاروا الجزائر خلال العهد العثماني ينبهرون من كثرة المدارس بها وانتشار التعليم وندرة الأمية بين السكان. وقد عد بعضهم العشرات من هذه المدارس بالإضافة إلى المساجد والزوايا والرباطات التي تحدثنا عنها. وكانت الأوقاف والصدقات تلعب دورا هاما في انتشار المدارس ونشر التعليم. كانت تلمسان عاصمة الدولة الزيانية قبل مجيء العثمانيين، قد اشتهرت بوفرة المدارس والعلماء رغم تدهورها السياسي، كما عرفنا. فبالإضافة إلى المدارس الابتدائية كان بها على الأقل خمس مدارس ثانوية وعالية. وهذه المدارس هي التي أشاد بها الرحالة المصري عبد الباسط بن خليل والكاتب المغربي الحسن الوزان (ليون الإفريقي). فقد أشاد الوزان على الخصوص بعناية أهل تلمسان بتشييد المدارس والإنفاق عليها، رغم أنه قد حكم أن فئة العلماء كانت من أفقر فئات المجتمع الأربع (١). والمعروف أن زيارة الوزان تلمسان كانت عشية استقرار العثمانيين بالجزائر. ورغم قول بعضهم بأن تلك المدارس قد انقرضت من تلمسان (٢) فإن الفرنسيين قد وجدوا فيها بعد

стр. 268

احتلالها خمسين مدرسة ابتدائية ومدرستين للتعليم الثانوي والعالي، وهما مدرسة الجامع الكبير ومدرسة أولاد الإمام (١). والمعروف أن الباي محمد الكبير هو الذي أعاد لمدرستي تلمسان أوقافهما وجددهما، كما سنرى. ولم تكن قسنطينة أقل عناية بالمدارس. فقد كانت مدارسها الابتدائية كثيرة على العهد الحفصي وظلت كذلك في العهد العثماني. ورغم أن تطور إنشاء المدارس لا تؤكده لنا الإحصاءات فإن الذي يدرس كتابا مثل (منشور الهداية)، المؤلف في القرن الحادي عشر، يدرك أن حالة المدارس لم تكن سيئة وأن المواطنين وبعض البايات كانوا يؤسسون المدارس الابتدائية والثانوية. وقد عرفنا أن الورتلاني قد انتقد تدهور أحوال المدارس بتدهور الأوقاف، مضيفا بأن ولاة قسنطينة لم يشتغلوا ببناء المدارس ولا بكثرة الأوقاف مما سبب، في نظره، اندراس العلم (٢). غير أن صالح باي الذي بدأ يحكم في آخر حياة الورتلاني، قد نهض بالمدارس وأوقافها ونحوها من وسائل النهوض بالتعليم. وقد ثبت من السجل الذي أمر به صالح باي أنه كان في قسنطينة على عهده مدرستان ثانويتان وهما سيدي بوقصيعة وسيدي ابن خلوف (٣). ولكن هذا السجل لم يشر إلى عدد المدارس الابتدائية عندئذ. غير أنه من الملاحظ أن التنظيم المذكور قد جرى في بداية عهد الباي، أي قبل أن ينهض هو بالمدارس والتعليم (٤). وعلى كل حال فقد كان عدد المدارس الابتدائية في قسنطينة عند دخول الفرنسيين حوالي تسعين مدرسة. وهو العدد الذي جعل بعض الباحثين يحكمون بأنه يدل على أن كل طفل ذكر

стр. 269

بين السادسة والعاشرة كان له مكان في المدرسة. أما التعليم الثانوي والعالي فقد وجد الفرنسيون له في قسنطينة سبع مدارس (١). أما في العاصمة فالأقوال متضاربة حول عدد المدارس الابتدائية والثانوية - العالية. ويبدو أن هذا التضارب يعود أساسا إلى أن بعضهم كان يدخل الزوايا والمساجد في عداد المدارس والبعض لا يفعل ذلك. وقد رأينا منذ قليل حكم ديبارادي في الموضوع. وكان الرحالة المسلمون الذين زاروا الجزائر مهتمين غالبا بالمؤسسات التي يؤمونها هم كالجوامع والزوايا والمدارس العالية وقلما كانوا يتحدثون عن المدارس الابتدائية. وذلك ما فعله التمغروطي وابن زاكور والجامعي وغيرهم. وقد لاحظ أبو راس، الذي زار مدينة الجزائر سنة ١٢١٤ وجود المدرسة القشاشية وأشاد بها على أساس أنها مركز للتعليم الثانوي والعالي. وتحدث ابن حمادوش، وهو من أبناء مدينة الجزائر، عن مدرسة الجامع الكبير التي نزل بها أحمد الورززي سنة ١١٥٩. وذكر السيد بانانتي أوائل القرن الثالث عشر (١٩ م) أنه كان في مدينة الجزائر في وقته ثلاث مدارس عامة (٢). وعند دخول الفرنسيين كان بها حوالي مائة مدرسة بين ابتدائية وغيرها (٣). وكانت أقل وحدة للتعليم الابتدائي هي الكتاب (جمع كتاتيب) أو المكتب كما يسمى أحيانا. وكان يطلق عليه، ولا سيما في العاصمة، اسم (مسيد) وهو بدون شك محرف من تصغير كلمة مسجد. ذلك أن الكتاب، المخصص عادة لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة

стр. 270

للأطفال. كان في الغالب عبارة عن حجرة أو دكان في الأصل أو جناح في مسجد معد للغرض المذكور، بل إن بعض الواقفين كان يكتفي بفتح غرفة في منزله على الشارع ويجعلها كتابا للأطفال. وكذلك كان في زوايا المرابطين أجنحة خاصة لتعليم الأطفال وحفظ القرآن. وكانت الكتاتيب منتشرة في جميع الأحياء، وكثير منها كان يحمل اسم الحي الواقع فيه. فهناك مثلا مكتب سوق القندقجية، ومسيد القيصرية، ومكتب الشماعين، وبعضها كان يحمل اسم الزاوية أو الشارع مثل مسيد كوشة الوقيد، ومسيد كوشة بولعبة، وكتاب زاوية الجامع الكبير، ومسيد ابن السلطان، ومسيد جامع السيدة. وأحيانا كان المكتب يحمل اسم الواقف أو المؤدب المشهور، مثل مكتب علي باشا، ومسيد الحاج مصطفى بولكباش ومكتب العمالي. وإذا كان المكتب يقع في البادية فهو يسمى (الشريعة) إذ تنصب لذلك خيمة خاصة بتحفيط القرآن وإقامة الصلوات ونحو ذلك (١). ويظهر من هذا أن الواقفين على بناء وفتح الكتاتيب كانوا من جميع طبقات المجتمع. فالباشوات والبايات والموظفون السامون كانوا يشتركون مع الأهالي في هذه المهمة العلمية والخيرية. فقد وجدت وقفية لواقف مجهول خصصها لصالح (الذي يعلم الأطفال في المدرسة التابعة لمنزله). وبالقرب من جامع خضر باشا أنشأ الحاج مصطفى بولكباش مكتبا خصصه لتعليم القرآن، وهو المكتب الذي وسعه الباشا إبراهيم خوجة فيما بعد. وقد ألحق بجامع الباشا الحاج حسين ميزمورطو مكتب لتعليم الفقه الحنفي. وألحق الباشا محمد بن بكير بجامع عبدي باشا مدرسة وأوقف عليها. وكان الباشا محمد بن محمود هو الذي أنشأ مسيدا لتعليم القرآن للأطفال المسلمين. ومن جهة أخرى قام بيت المالجي، وهو ساري مصطفى، بإنشاء مسيد تابع لجامع السيدة. ووجد مكتوبا على مكتب علي باشا هذه العبارة (الحمد لله، أمر ببناء هذا المكتب الأمير المفخم، السيد علي باشا، نصره

стр. 271

الله) (١). وبالإضافة إلى ذلك وجدت كتاتيب تابعة لبعض الزوايا مثل المكتب الملحق بزاوية سيدي محمد الشريف، ومسيد الركرك المنسوب للمرابط سيدي عيسى بن العباس، والمكتب التابع لزاوية أيوب. ولكن أوقاف الكتاتيب وإنشاءاتها ليست كلها مسجلة عند القضاة. فأغلب الأهالي وخصوصا أغنياء الحضر، كانوا يفضلون عدم الإعلان عن صدقاتهم. ولذلك لا نكاد نجد في وثائق الوفف إلا أسماء كبار المسؤولين في الدولة، وهم الذين كانوا في الغالب يسجلون أعمالهم الخيرية، ومهما يكن الأمر فإن الأوقاف المعلنة وغير المعلنة هي التي كانت تغذي المدرسة الابتدائية وهي التي جعلت أعدادها كبيرة في القطر كله. وكانت مؤسسة التعليم الابتدائي تخضع أيضا في أهدافها لرغبة الواقفين. ذلك أن بعضها كان عاما لتعليم القرآن وتربية الأطفال المسلمين، وبعضها كان خاصا بخدمة مذهب أو جماعة معينة. فقد لاحظنا أن المكتب الملحق بجامع الباشا الحاج حسين ميزمورطو قد خصص للمذهب الحنفي. وكانت المدرسة التابعة لجامع البطحاء مخصصة لتعليم الشبان العثمانيين، وكذلك الحال بالنسبة للمدرسة الملحقة بجامع باب الجزيرة، فقد كانت هي أيضا مخصصة لتعليم الشبان العثمانيين وتتبع سبل الخيرات الحنفية. غير أن معظم مؤسسات التعليم الابتدائي كانت من النوع العام. ذلك أن هدفها الأول، كما قلنا، هو تحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة وأوليات العلوم لأطفال المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والرابع عشرة سنة (٢). والمكتب عموما كان غير صحي. فالمكان، سواء كان دكانا سابقا أو جزءا من منزل أو قطعة من مسجد كان ضيقا ومعتما وقليل التهوية. وغالبا ما كان الأطفال يحشرون فيه حشرا بدون مراعاة للقواعد الصحية. وحتى

стр. 272

الكتاتيب الملحقة بالزوايا لم تكن أحسن حالا من الكتاتيب المنتشرة في أحياء وأزقة القصبة. وكانت الحصر هي فراش هذه الكتاتيب الرطبة. وقد توقد النار للتدفئة بدون انتظام، فإذا المكتب أسود من جراء ذلك. وقليل من العناية كان يعطى لمياه الشرب والحمامات. حقا إن المؤرخين يتحدثون عن نظافة المدن الجزائرية خلال العهد العثماني. ولكن النظافة هنا نسبية. فالكتاتيب لم تكن قذرة ولكنها على العموم لم تكن صحية. وعلى كل حال فإن نظافة المكتب وتهوئته وموقعه تتوقف على وفرة أوقافه وعلى ذوق بناته. وهذه ناحية ما تزال غير مدروسة. ومع ذلك فإن وظيفة المدرسة الابتدائية كانت هامة، فهي تثقف وتربي الأطفال على قواعد الإسلام وعلى نمط اجتماعي محدد، وهي تقوم بتحفيظ القرآن الكريم الذي هو أساس الثقافة الإسلامية. وهي تعلم الأطفال مبادئ العلوم والقراءة والكتابة فيحفظون لسانهم من العجمة ويتوحدون في التفاهم والتخاطب حيثما كانوا، وهي أيضا تساهم في إعطاء الطفل رصيدا من المعارف التي تساعده على شق طريقه في المجتمع بعد خروجه منها، عندما يبلغ عادة الرابع عشرة سنة. وإلى جانب ذلك كانت المدرسة الابدائية تعد شعبا متعلما محصنا لا يوجد فيه إلا عدد قليل من الأميين. حقا إن المدرسة لم ترق بالتعليم ولم تساير العصر والحاجة الاجتماعية، كما سنرى، ولكنها كانت على كل حال تؤدي وظيفة أساسية في المجتمع، خصوصا رفع الأمية. ٢ - وقد عرفنا أثناء حديثنا عن الجوامع والزوايا اختلاط وظيفة المدرسة والزاوية والجامع في ميدان التعليم. فقد كانت بعض المساجد والزوايا تؤدي وظيفة المدرسة في نشر التعليم بجميع أنواعه، وخاصة الثانوي. وكانت بعض الزوايا عبارة على مدارس، كما كانت مساكن للطلبة الذين يدرسون. وكانت بعض المدارس ملحقة بالزوايا وأخرى ملحقة بالمساجد. وكثيرا ما ينص الوقف على تأسيس زاوية وجامع ومدرسة في نفس الوقت. لذلك فإنه من الصعب تمييز الوظائف التي تؤديها هذه

стр. 273

المؤسسات مجتمعة في مجتمع يقوم فيه التعليم قبل كل شيء على الدين. وتلعب فيه المساجد والزوايا (وليس المدارس) الدور الرئيسي. لذلك لم تكن للجزائر العثمانية مدرسة مستقلة للتعليم المحض بالمعنى الذي نفهمه اليوم، وحتى بعض المدارس التي وجدت على نحو يقرب من ذلك كانت تعود إلى القرن الثاني عشر (١٨ م)، باستثناء بعض مدارس تلمسان التي تعود إلى العهد الزياني، كما لاحظنا، وكذلك مدرسة مازونة التي تأسست أواخر القرن العاشر. بل إن مدارس تلمسان قد تدهورت خلال العهد العثماني وأصابها ما أصاب المدارس التي تحدث عنها الورتلاني من الاستيلاء على الأوقاف وعدم مراعاة قواعد الشرع فيها. ومن الخمس مدارس التي تحدث عنها الحسن الوزان لم يبق إلا اثنتان استولى الولاة على أوقافهما. وقد أدى ذلك بالطبع إلى إضعاف وظيفة المدرستين اللتين ظلتا تنتظران عهد الباي محمد الكبير لكي يجددهما ويعيد إليهما أوقافهما، كما جاء على لسان كاتبه ابن سحنون. فقد تتبع هذا الباي أوقاف المدرستين التي (استولت عليهما الأيدي ونسي الناس أنها أحباس لهما) (١). وقد عرف أبو راس الناصر المدرسة التي نحن بصددها، مدرسة التعليم الثانوي؛ والعالي، بأنها هي التي: (تبنى لدراسة العلم، أي تعليمه وتعلمه). فمن الواضح من كلامه أنها ليست المدرسة الزاوية أو المدرسة - المسجد بل هي المدرسة المتخصصة للتعليم وحده أي (دراسة العلم) في مستواه الثانوي والعالي. وفي هذا السياق ذكر أبو راس بأنه كان في مدينة الجزائر على عهده (مدارس) كبيرة. وقد مثل لها بالمدرسة القشاشية، كما مثل لها في معسكر بالمدرسة المحمدية. وعندما وصل إلى وهران قال ان المدارس بالمعنى الذي قصده قد (درسها الكفرة (أي الإسبان) وعفوا رسمها) فلم يبق في رأيه

стр. 274

من موضع في وهران لدراسة العلم سوى المساجد (١). والمدرسة المحمدية التي أشار إليها أبو راس هي التي أسسها الباي محمد الكبير فاتح وهران والتي تحمل اسمه. ورغم اهتمام الباي بالجامع الأعظم الذي بناه في معسكر فإنه قد أسس المدرسة إلى جانبه لأن فكرة المدرسة المستقلة عن الجامع لم تكن تدور في خلد هذا الباي. فبناؤها على النحو المذكور إذن كان يتماشى مع تقاليد العهد المدروس، بل مع تقاليد التعليم الإسلامي عموما. ويبدو أن المدرسة كانت في درجة ثانية بالنسبة للجامع. فالأوقاف تنص على نفقة المدرسين في الجامع وليس في المدرسة. ورغم قول مادح الباي ومؤلف سيرته ابن سحنون بأن المدرسة (كاد العلم أن ينفجر من جوانبها) (٢) فإن الزمن لم يرحمهما. فقد انتقلت العاصمة من معسكر إلى وهران، ومع انتقال السلطة انتقل المدرسون والاهتمام بالمدرسة أيضا. وتوفي الباي محمد الكبير أيضا بعد ذلك بقليل. لذلك لم نعرف أن المدرسة المحمدية قد أخرجت جيلا من العلماء أو حتى بعض المشاهير منهم. ويذكر الشيخ البوعبدلي أن الباي قد عين لها مدرسين هم: محمد بوجلال (أو الجلالي) والطاهر بن حوا، ومحمد المصطفى بن زرفة الدحاوي (٣). والمدرسة القشاشية التي أشار إليها أبو راس منسوبة إلى جامع القشاش الذي قلنا إن الباحثين يرجحون أنه يعود إلى العهد السابق للعثمانيين، ولكننا لا ندري ما إذا كانت المدرسة نفسها قد أنشئت مع الجامع أو أن إنشاءها يعود إلى العهد العثماني. فنحن لا نملك عنها، لسوء الحظ، سوى معلومات ضئيلة رغم أهميتها في نشر التعليم، ولا سيما ذلك الذي نصفه بالتعليم

стр. 275

العالي. والظاهر أن المدرسة متصلة بالزاوية (التي تحمل من الاسم) التي يبدو أنها أحدثت بعد الجامع. ذلك أن أوقاف الجامع وأوقاف الزاوية ليست واحدة، كما أن الوكيل ليس واحدا. وأقدم وثيقة تتحدث عن زاوية (مدرسة) القشاش تعود إلى سنة ١١٦٢. وقد جاء في وقفية لهذه الزاوية - المدرسة أن لها أستاذا مكلفا بتدريس الشريعة الإسلامية والتوحيد، بالإضافة إلى عشرة أساتذة لتدريس مختلف العلوم الأخرى. وهكذا استمرت مدرسة القشاش في تغذية التعليم الثانوي والعالي في مدينة الجزائر. ومع ذلك فإن الفرنسيين قد حولوها بمجرد احتلالهم (سنة ١٢٤٧ - ١٨٣١) إلى مخازن للجيش (١). وبالإضافة إلى المدرسة القشاشية كان في العاصمة مدرستان أخريان وصفتا أيضا بأنهما في مستوى عال، وهما مدرسة الأندلسيين ومدرسة شيخ البلاد. ويبدو أن أصل المدرستين زاوية أيضا. فقد جعل الأندلسيون من الزاوية التي أسسوها، كما سبق، (مدرسة عليا) لتعليم علوم القرآن ودراسة مختلف العلوم الأخرى. وكان الوقف يغطي حاجة المدرسة. وهو الوقف الذي قلنا إنه كان تحت إشراف لجنة من أعيانهم. ومن المتوقع أن التعليم في هذه المدرسة كان على مستوى راق لأن الأندلسيين قد عرفوا بإجادة فن التدريس وحسن التربية ومراعاة التطور العقلي للتلاميذ. وتذكر الوثائق أن الفرنسيين قد قضوا على هذه المدرسة أيضا (٢). ولا شك أنها كانت من بين المدارس التي تحدث عنها أبو راس بعد زيارته لمدينة الجزائر. أما مدرسة شيخ البلاد فقد ورد ذكرها أيضا أثناء الحديث عن الزاوية التي تحمل نفس الاسم. والظاهر أن عبارة (شيخ البلاد) هنا تشير إلى اسم الحي الذي تقع فيه المدرسة وليس إلى اسم المؤسس لها. ذلك أن مؤسسها هو الحاج محمد خوجة، أحد كتاب قصر الباشا في أواخر القرن الثاني عشر

стр. 276

(١٨ م)، كما سبق. وكان الحاج محمد خوجة يملك كثيرا من العقارات فقرر وقفها على بناء (مدرسة عليا) تحتوي على خمس غرف لسكنى الطلبة ورجال العلم، وعلى مسجد للصلوات الخمس يؤديها الطلبة والعلماء وبقية المسلمين، وعلى مطهرة للطلبة وغيرهم، وعلى بئر للشرب والتطهر. وقد نصت الوقفية على تخصيص مبالغ مالية لأستاذ المدرسة والطلبة المقيمين فيها واشترط في الأستاذ أن يكون ماهرا في العلوم النظرية والعملية (أو المعقولة والمنقولة) والأدب والمنطق. وإذا لم يوجد من تتوفر فيه كل هذه العلوم (وقلما تتوفر طبعا) فأستاذ يحسن بعضها. وما دامت هذه المدرسة قد تأسست في أواخر العهد العثماني فلا نتوقع أنها قد لعبت دورا هاما في نشر التعليم، رغم أن تعليمها كان في مستوى الثانوي والعالي (١). ويكاد الجامع الكبير بالعاصمة ومدرسته العليا يشكلان نواة لجامعة في الجزائر. ففي الجامع كانت الدروس كثيرة يقوم بها أبرز العلماء، وكانت حلقات الدروس فيه تصل إلى الاثني عشرة حلقة. وقد ذكرنا من أشهر مدرسيه سعيد قدورة وعلي الأنصاري وأحمد بن عمار ومحمد قدورة وعلي بن الأمين ومحمد بن الشاهد. كما كان ضيوف العلماء المسلمين يلقون فيه الدروس ويتتلمذون فيه على علماء الجزائر. وكانت للجامع الكبير أوقاف ضخمة تمكن بها المفتي سعيد قدورة من إنشاء مدرسة عليا أيضا تابعة للجامع وكذلك زاوية لسكنى الطلبة وغرباء العلماء. وقد كلف هذا المشروع خمسة عشر ألف دينار جزائري بعملة ذلك الوقت، وكلها قد دفعت من أوقاف الجامع. وكان عدد الأساتذة الذين يلقون الدروس بالجامع والمدرسة تسعة عشر أستاذا، بالإضافة إلى عدد من المسمعين (أو المساعدين) ونحوهم. وهذا بدون الأساتذة الذين يقرأون صحيح البخاري (٢). ورغم

стр. 277

القيمة العلمية للمدرسة والزاوية فإن سلطات الاحتلال الفرنسي قد أعطتهما سنة ١٢٤٩ (١٨٣٣) إلى أحد الأوروبيين فحولهما إلى حمام فرنسي (١). وقد كانت قسنطينة من أكثر المدن عناية بالمؤسسات العلمية وذلك لاستقرارها السياسي نسبيا ولقربها من تونس. ونود أن ننوه هنا بالمدرسة الكتانية التي أنشأها صالح باي والتي خصص لها أوقافا كبيرة شملت الأساتذة والطلبة. فقد كان المدرس بها يأخذ ثلاثين ريالا والطاب الداخلي يأخذ ستة ريالات (وعددهم ثمانية طلاب). وكان لهذه المدرسة، التي تنشر تعليما في مستوى الثانوي والعالي، نظام داخلي دقيق يضبط أوقات التدريس والتغيبات وعدد أحزاب القرآن المتلوة كل يوم، وشروط الإقامة في المدرسة. وقد أشاد بعضهم بهذه المدرسة ونظامها حتى قارنها بمدارس فرنسا العليا المعاصرة له (٢). وقدر لهذه المدرسة أن تلعب دورا في الحياة الثقافية في الجزائر حتى في العهد الفرنسي (٣). وهي ما تزال قائمة إلى اليوم. ومن أشهر المدارس في غير العواصم مدرسة الخنقة ومدرسة مازونة. وتنسب مدرسة الخنقة إلى مؤسمها (سنة ١١٧١) أحمد بن ناصر، لذلك تسمى بالناصرية. وقد اشتهرت بعلوم النحو والفقه والحديث. وكانت مقصد طلبة الزيبان ووادي سوف والأوراس وحتى قسنطينة وعنابة. وقد ترك لنا الورتلاني وصفا لهذه المدرسة والعلوم التي اشتهرت بها ومناقشاته مع علمائه (٤). ومن خريجي مدرسة الخنقة أحمد التليلي وخليفة بن حسن

стр. 278

القماري اللذان سنتعرض لهما. أما مدرسة مازونة فقد كانت على درجة كبيرة من الأهمية في النواحي الغربية من البلاد، وكان لها نظام راسخ وتقاليد متينة استمدتها من صلتها بالتعليم في تلمسان والأندلس والمغرب الأقصى. وهي أيضا من أقدم المدارس التي أسست في العهد العثماني. وقد اشتهرت بالخصوص في الفقه والحديث وعلم الكلام. واستمرت المدرسة تشع بالمعرفة حتى بعد انتقال العاصمة الإقليمية من مازونة إلى معسكر ثم إلى وهران. وكانت مقصد طلاب النواحي الغربية، ولا سيما ندرومة ومستغانم وتنس وتلمسان ووهران. ومن أبرز خريجيها أبو راس الناصر الذي تحدث عن شيوخه فيها في رحلته (فتح الإله) (١). المكتبات إذا حكمنا على النشاط الثقافي لأي بلد من كثرة الكتب والمكتبات التي فيه فإن الجزائر خلال العهد العثماني كانت في طليعة البلدان الكثيرة الكتب والمكتبات. وقد شهد على وفرة المكتبات فيها حتى خصوم العثمانيين، كالفرنسيين، الذين حكموا بأن العثمانيين لم يقدموا أي عمل لتنشيط الحياة الروحية والفكرية في الجزائر. وكانت الكتب في الجزائر تنتج محليا عن طريق التأليف والنسخ أو تجلب من الخارج ولا سيما من الأندلس ومصر وإسطانبول والحجاز. وكان هناك رصيد كبير من المكتبات قبل مجيء العثمانيين. فقد كانت تلمسان، كما سبق، عاصمة علمية مزدهرة بلغت فيها صناعة الكتاب، تأليفا ونسخا وجمعا، درجة عالية. وكذلك كانت بجاية وقسنطينة، بل إن إحدى الزوايا في مدينة وهران خلال القرن التاسع (١٥ م) كانت تضم مجموعة من الكتب العلمية والآلات الجهادية، أي أنها كانت

стр. 279

تضم مكتبة ومتحفا في نفس الوقت. فقد روى ابن صعد في (النجم الثاقب) أن زاوية إبراهيم التازي بوهران كانت تحتوي على (الخزائن المملوءة بالكتب العلمية وآلات الجهاد) (١). ١ - ومع ضغط الإسبان على أهل الأندلس كثرت هجرة الكتب إلى الجزائر مع هجرة أهلها. فقد روى التمغروطي في أواخر القرن العاشر (١٦ م) أن مدينة الجزائر كانت كثيرة الكتب وأنه لا يضاهيها بلد في ذلك من بلدان إفريقية، ولا سيما كتب الأندلس. وهذه هي عبارته (والكتب فيها (مدينة الجزائر) أوجد من غيرها من بلاد إفريقية، وتوجد فيها كتب الأندلس كثيرا) (٢). وتشهد عبارات الباحثين الفرنسيين الذين شاهدوا وجمعوا المخطوطات من مكتبات المدن الجزائرية غداة الاحتلال أنهم كانوا مندهشين من كثرة الكتب التي وجدوها ومن تنوعها ومن جمالها والعناية بها. فقد اعترف بذلك البارون ديسلان الذي كتب تقريرا عن المكتبات بقسنطينة عقب احتلالها مباشرة، وكذلك أدريان بيربروجر الذي رافق الحملة الفرنسية على قسنطينة وتلمسان ومعسكر، وجمع المخطوطات من هذه المدن. وقد ذكر أيضا شارل فيرو الذي كتب عن المؤمسات الدينية في قسنطينة وعن العائلات الكبيرة بها، إن بعض هذه المؤمسات والعائلات كانت تحتفظ بمخازن من المخطوطات في حالة جيدة، وأن في هذه المخطوطات نوادر تعتبر فذة في موضوعها. وضرب على ذلك مثلا بمكتبة شيخ الإسلام بقسنطينة (عائلة الفكون) التي قال عنها إنها كانت غنية لا بالكتب الخاصة بالجزائر فقط، بل

стр. 280

حتى بالكتب المتعلقة بالبلاد الإسلامية المجاورة (١). وكان يريد بذلك أن يبرهن على وجود الكتب بالجزائر وتذوق الفنون والعلوم من قبل أهلها، رغم عدم عناية العثمانيين بالثقافة. وكانت مصادر الكتب متنوعة. فبالإضافة إلى الأندلس التي أشرنا إليها والتي كانت تغذي المكتبات الجزائرية الخاصة والعامة، هناك البلدان الإسلامية الأخرى. فقد روى العياشي في القرن الحادي عشر (١٧ م) أنه شاهد بتكورارن (؟) بأعماق الصحراء مكتبة غنية يملكها الشيخ محمد بن إسماعيل وكانت تبلغ ألفا وخمسمائة كتاب. ويهمنا من قصة هذه المكتبة هنا أن العياشي قال (وهي كتب نفيسة جدا اقتنى ابن إسماعيل أكثرها لما كان بمدينة إسطانبول) (٢). وكان الشيخ محمد بن إسماعيل قد درس بالأزهر وجاور بمكة والمدينة وزار اليمن والسودان والعراق والمغرب الأقصى وتونس وطرابلس وإسطانبول. وسنعود إلى الحديث عن مكتبته بعد قليل. وكانت الكتب تنتقل مع الحجاج والعلماء إلى الأماكن البعيدة. فقد روى العياشي أيضا أنه شاهد وهو في قرية يقال لها (والي؟) بالقرب من ورقلة في روضة أحد الصالحين هناك نسخة من (نوازل البرزلي) بخط الإمام ابن مرزوق وعليها إضافات بخط مشرقي لأتباع الطريقة القادرية (٣). وإذا كان العياشي قد تعجب من وصول هذا الكتاب إلى هذه القرية النائية فإن عجبنا نحن يكون أكثر من عجبه لا من وصول المخطوطات إلى تلك النواحي القاصية ولكن من تسرب الأفكار والمذاهب والطرق الصوفية أيضا إلى هناك. وكانت الكتب تصل إلى الجزائر من مصر والحجاز أيضا. فقد روى المؤرخ الجبرتي أن والده قد ذكر له أنه ورد عليهم في مصر سنة ١١٩٦ بعض الحجاج الجزائريين وسألوه عن كتب يشترونها، ومن بينها (زيج الراصد)

стр. 281

للسمرقندي الذي كانت لديه (والد الجبرتي) نسخة منه. وحاول الحاج الجزائري إغراء الشيخ الجبرتي بشراء نسخته منه، ولكن الجبرتي أبى أن يسمح في نسخته العزيزة عليه. وبعد أن أدى الرجل الجزائري فريضة الحج عاد إلى مصر وحضر لدى الشيخ الجبرتي ومعه رزمة كبيرة من الكتب من بينها نسخة من الزيج المذكور، وقال للجبرتي، وهو يطلعه على النسخة التي اشتراها بالحرمين (أيهما أحسن، نسختك التي ضننت بها أو هذه؟ وكنت لم أرها قبل ذلك، فرأيتها شقيقتها وتزيد عنها في الحسن صغر حجمها وكثرة التقييدات بهامشها) وقد أخبر الحاج الجزائري الشيخ الجبرتي بأنه اشترى نسخة الزيج بعشرين ريالا فقط من كتاب المجسطي وكتاب التبصرة وشرح التذكرة ونسخة البارع وزيج ابن الشاطر (وغير ذلك من الكتب التي لا توجد في خزائن الملوك، وكلها بمثل ذلك الثمن البخس، فقضيت أسفا، فأخذ الجميع، مع ما أخذ، وذهب إلى بلاده) (١). ورغم أن والد الجبرتي لم يكشف عن اسم هذا الجزائري فإنه يبدو انه كان من العائلات الغنية لأن نفس المصدر تحدث عن خادم معه، كما يبدو أنه كان من العلماء والرياضيين خاصة، وليس من الفقهاء، لأن معظم الكتب المذكورة كتب علمية، ثم إن دخول هذه الكتب إلى الجزائر في أواخر القرن الثاني عشر موضوع يؤكد عناية الجزائريين بالكتب والاستفادة منها. وقد صدق الجبرتي حين قال إن مثل هذه الكتب لا توجد حتى في (خزائن الملوك) لأنها كتب نادرة حقا. ونحب أن نلاحظ أن هذا الحاج الجزائري لم يكتف بما اشتراه من الحجاز بل اشترى كتبا أخرى أيضا من مصر. وهذا ما تشير إليه عبارة الجبرتي (فأخذ الجميع مع ما أخذ) وسنعرف أن من مشاهير الجزائريين الذين حجوا وكانوا بمصر حوالي ذلك التاريخ هم أحمد بن عمار وعبد الرزاق بن حمادوش الذي اشتهر بالطب والرياضيات.

стр. 282

وكانت تركيا والمغرب أيضا من البلدان التي اقتنى منها الجزائريون المخطوطات. فقد ذكر الكاتب الفرنسي لالوي أن المخطوطات التي جمعها بير بروجر من قسنطينة كانت جميلة كثيرا في الشكل والتجليد، وأنها كانت واردة من مصر وتركيا (١). ومن جهة أخرى ذكر ابن حمادوش في رحلته إلى المغرب أنه قد اشترى ونسخ مجموعة من الكتب هناك مع ذكر أثمانها وأسمائه (٢). وهناك كتب وردت مع العثمانيين أنفسهم إلى الجزائر. فالدراويش الذين كانوا يرافقون الجنود أحيانا وكذلك القضاة الذين كانوا يعينون من إسطانبول في بادئ الأمر، كانوا يصطحبون معهم مكتباتهم الخاصة أو على الأقل بعضها. كما أن طائفة من علماء آل عثمان قد زاروا الجزائر، كما سنرى، وحملوا معهم أوراقهم ووثائقهم من إجازات ورسائل وتآليف. وأهم ما جاء الجزائر عن طريق العثمانيين هي كتب الفقه الحنفي ونسخ كثيرة من صحيح البخاري ومختصراته، كمختصر ابن أبي جمرة وكتب الأدعية والأذكار الصادرة عن الطرق الصوفية المزدهرة عندئذ في إسطانبول والمشرق كالبكداشية والمولوية والقادرية. ونفس الشيء يقال عن كتب المغرب الأقصى التي كان يحملها علماء الجزائر الذين درسوا هناك وعلماء المغرب الذين زاروا الجزائر وأقاموا فيها (٣). ٢ - وتختلف طرق اقتناء الكتب ومنها الاستنساخ والنسخ. ذلك أن الحريصين على جمع الكتب كانوا ينسخون الكتب بأنفسهم أو يستنسخون غيرهم، مثل تلاميذهم إذا كانوا أساتذة أو كتابهم إذا كانوا أمراء ومسؤولين. وكان بعضهم يستنسخ الأصدقاء وحتى المؤلفين أنفسهم. وقد شاعت حركة النسخ والاستنساخ في الجزائر حتى أنه كان لها اختصاصيون مشهورون. ومن شروطها جودة الخط وحسن اختيار الورق واتقان صناعة الوراقة والسرعة

стр. 283

والمهارة في التوثيق والدقة في العمل وصحة النظر. وقد اشتهرت قسنطينة ببعض النساخ والخطاطين حتى قارنهم بعض الكتاب بابن مقلة في حسن الخط. ومن هؤلاء أبو عبد الله بن العطار الذي كان من أسرة شهيرة تولت الوظائف الرسمية في العهد العثماني. وقد عرف العطار بجودة الخط وربما اشتهر به على ابن مقلة. وكان يقصده الخاص والعام في الوثائق والعقود (١). وكذلك اشتهر الشيخ إبراهيم الحركاتي. فقد كان مدرسا بالمهنة، ولكنه اشتهر أيضا بالنساخة وحسن الخط حتى أصبح مشهودا له بذلك (٢). واشتهر محمد الزجاي بالنساخة حتى أصبح له فيها مهارة وطاقة كبيرة. ومن مهارته أنه كان (يكتب ويحدث الجالس بدون كلل ولا زلة قلم) (٣). ولا شك أن الزجاي، الذي سنتحدث عنه في مكان آخر، كان ينسخ الكتب لنفسه. وذكر الورتلاني أن أحمد التليلي كان بديع الخط سريع اليد، وأنه كان ينسخ كراسا من القالب الكبير أثناء السفر. أما يوم الإقامة فكان ينسخ أكثر من ذلك. وأخبر عنه أنه كتب في برقة رحلة الدرعى وكتاب الصباغ عن الملياني (٤)، وجميع ذلك حوالي ستين كراسة. وكان التليلي من علماء الظاهر والباطن. وقد رافق الورتلاني في حجته الأولى سنة ١١٥٣ (٥). وكان النسخ يتم بالخط الأندلسي الذي قال عنه ابن خلدون إنه قد تغلب على الخطوط الأخرى في المغرب العربي، وهو المعروف اليوم بالخط المغربي. وبالإضافة إلى ذلك جاء مع العثمانيين الخط المعروف

стр. 284

(بالعثماني). وقد جاء ذلك مع أهل العلم الذين حلوا بالجزائر، كما جاء مع الخطاطين المختصين أيضا (١). فقد أخبر محمد خليل المرادي أن المسمى حسينا بن عبد الله الجزائري قد أسهم في إدخال الخط العثماني إلى الجزائر. وكان اسمه الحقيقي دولار، وهو رومي الأصل. وكان عبدا عند سيده الدرويش علي الكاتب القسطنطيني. وكان سيده مشهورا بالكتابة وحسن الخط. وبعد أن أخذ حسين الجزائري عن سيده الكتابة وحسن الخط فر هاربا منه إلى (جزائر الغرب (أي الجزائر) وسمى نفسه حسينا) واشتهر بالجزائري. ثم جاء إلى مصر ومات في القاهرة سنة ١١٢٥. ويهمنا من رواية المرادي قوله بعد ذلك أن حسينا الجزائري قد (اشتهرت خطوطه بين الناس وأخذ عنه الخط أناس كثيرون، وفاق أقرانه وشاع صيته .. له مهارة في صناعة التوريق (٢). ورغم أن المرادي لا يذكر أين حل حسين الجزائري فإن المتوقع منه أن يكون قد حل بمدينة الجزائر. ولعله قد أقام في غيرها من المدن، كما أننا لا ندري المدة التي قضاها في الجزائر ولا التلاميذ الذين تخرجوا على يديه فيها. وتشير المصادر إلى أنه كان بالجزائر خلال العهد العثماني بعض المشتغلين بصناعة الكتب عموما من وراقة وتجليد ونسخ وخط ونحو ذلك. فقد جاء في (منشور الهداية) أن الطالب محمد النقاوسي كان سمسارا في الكتب في قسنطينة (٣). وفي تلمسان اشتهر علي بن تجيرست بالاشتغال

стр. 285

بالوراقة، كما كان يسمع الحديث في الجامع الكبير هناك. وروى ابن حمادوش عن نفسه أنه كان يشتغل بالكتب بيعا وتجليدا ونسخا في مدينة الجزائر وأنه كان يملك دكانا لهذا الغرض قبالة الجامع الكبير. وكان في الجزائر سوق يدعى سوق الوراقين، ولعله هو سوق القيصرية الذي ذكر حمدان خوجة في (المرآة) أنه كان مخصصا لبيع الكتب وأن النساخين كانوا فيه بكثرة. ومن أشهر المسؤولين الذين شجعوا على حركة النسخ والاستنساخ الباي محمد الكبير. فقد شجع الطلبة وكتابه الخصوصيين على اختصار الكتب المطولة ونسخ بعض الكتب الأخرى له. وكان يجيز كل واحد منهم بسخاء حسب عمله وجهده. فقد أمر بعضهم بجمع فتاوي العلماء في جوائز الملوك في كرامة (١)، وجمع له بعضهم كلام شارح السلوانية في الباز (٢)، وكلام صاحب التذكرة في أقل من كراسة. وقام مؤلف (الثغر الجماني) باختصار كتاب الأغاني في نحو ثمانين كراسة، وباختصار طب القاموس وزاد عليه من كلام الأطباء، وأمر الباي بعض كتابه أيضا، وهو محمد المصطفى بن زرفة، بتقييد حوادث الجهاد التي كانت تجري بين الجزائريين والأسبان (٣). وكان الشراء من أهم طرق الحصول على الكتب. ولم يكن ذلك مقصورا على الأغنياء والأمراء ونحوهم بل كان يشمل حتى فقراء العلماء الذين كانوا يؤثرون الكتاب على ملء المعدة واللباس الفاخر والفراش الوثير. وقد كان الشيخ ابن إسماعيل قد اقتنى معظم كتبه، كما لاحظ العياشي، من إسطانبول. وكذلك كان الحاج الجزائري الذي تحدث عنه الجبرتي. فقد بذل النقود، سواء في الحجاز أو مصر لشراء الكتب الثمينة. وإذا كان الشيخ ابن
следующие страницы →