← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

مثل: غضنفر، ومصلح، والقفاري (الصحراوي)، ومشجع، ومفكر، ومتسائل، وابن عدي، والغريب ق. س. الخ ... ومن الشعارات الرئيسية للجريدة عبارة (حب الوطن من الإيمان) (١). ودامت (صدى الصحراء) حوالي سنة، ثم تفرق شمل أصحابها لأسباب مختلفة رغم أهميتها، وقد كانت فتحا جديدا للصحافة في بسكرة، مع ذلك. وحاولت جريدة (الإصلاح) أن تخلفها ولكنها لم تستطع أن تواجه العراقيل الصعبة. هذه الجريدة أنشأها الشيخ الطيب العقبي. وهو شخصية جربت الصحافة في جريدة (القبلة) الحجازية التي أنشأها الشريف حسين، ثم في صدى الصحراء وغيرهما. وكان العقبي قد رجع إلى الجزائر سنة ١٩٢٠ وأخذ يبث العلم والفكر الإصلاحي في نواحي بسكرة، ولكن المال والوسائل الفنية كانت تعوزه. ظهرت (الإصلاح) في بسكرة في سبتمبر ١٩٢٧. وكانت أسبوعية، ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد ثم توقفت. حاول العقبي طبعها بتونس فوجد عراقيل في الطبع والنقل، ويذهب الشيخ المدني إلى أن (الإدارة منعت طبعها بتونس). ثم سعى العقبي إلى إنشاء مطبعة لها في بسكرة ونجح في ذلك. ثم استولت مصالح أخرى على المطبعة أو (أيدي الإهمال والفساد) حسب تعبير الشيخ المدني، وهو تعبير غامض، نفهم منه فقط أن العقبي قد عجز عن طبع جريدته (٢). كما نعرف من جهة أخرى أن العقبي حاول طبع الجريدة في المطبعة الإسلامية بقسنطينة فلم يحظ بالنجاح أيضا، واتهم العقبي القائمين على هذه المطبعة بعرقلته، ومنهم الشيخ أحمد بو شمال، ولمح إلى الشيخ ابن باديس أيضا. وهكذا توقفت الإصلاح. وزاد انتقال الشيخ العقبي سنة ١٩٢٩ إلى العاصمة وانشغاله بدروس نادي الترقي والوعظ والإرشاد في الجامع الكبير من ابتعاده عن الصحافة. وبعد عدة أحداث عرفتها حياة العقبي خلال الثلاثينات سواء مع الإدارة

стр. 2207

أو مع جمعية العلماء، أعاد إصدار جريدة (الإصلاح) سنة ١٩٤٠ (١). كان ذلك في الوقت الذي توقفت فيه الصحف المستقلة والحرة عن الصدور لأسباب ذكرناها. ورغم أنها كانت مفيدة في محتواها وتناولت موضوعات ذات صلة بالقضية الوطنية كحقوق الجزائريين وفصل الدين الإسلامي عن الإدارة الفرنسية، والإصلاحات السياسية، فإن (الإصلاح) كانت محل شبهة لأنها لا تنشر إلا ما ترضى عنه الرقابة الفرنسية (٢). ولكن الإدارة الفرنسية نفسها قد مرت بتعديلات وتطورات سيما بعد هزيمة فرنسا أمام الألمان، ونزول الحلفاء في الجزائر، وصدور البيان الجزائري، وتكوين أحباب البيان، وانتفاضة ٨ مايو، الخ. وقد استمرت الإصلاح في الصدور إلى حوالي ١٩٤٨. وكان العقبي من أبرز كتابها. ومن الممكن أن نذكر مجموعة من الصحف كانت توالي حركة الإصلاح والاتجاه الوطني ولكنها ليست تابعة لجمعية العلماء ولا لمدرسة ابن باديس. ومن ذلك جريدة (البرق) التي أنشأها عبد المجيد الرحموني بقسنطينة في مارس ١٩٢٧. وهي جريدة تتخذ شعارها (خدمة الوطن والمصلحة العامة). وكانت تتبنى الانتقاد السياسي، وتتناول الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك لم تتحملها الإدارة الفرنسية وأوقفتها بعد عدد واحد فقط بقرار إداري. وكم للصحف العربية من ضحايا في هذا الميدان. وظهرت في ديسمبر سنة ١٩٣١ جريدة (المرصاد) الأسبوعية، لمحمد عبابسة الأخضري، وكان صاحب الامتياز هو محمد الشريف جوكلاري، وهو فرنسي اعتنق الإسلام، ولكن اسم المحرر الحقيقي لها بقي خفيا (٣)، وكانت الجريدة موالية لجمعية العلماء، كما كانت تؤيد حركة النواب

стр. 2208

المسلمين، وكانت تعلن عن نفسها أنها جريدة دينية، مسلية، أخلاقية، فهل كان للإدارة الفرنسية يد في تمويلها؟ ومهما كان الأمر فقد دامت ثلاث سنوات ثم عطلت عن الصدور سنة ١٩٣٤، لكي تخلفها (الثبات) التي تولاها أيضا محمد عبابسة الأخضري. وكانت أيضا أسبوعية وتصدر بالعاصمة ودامت حوالي سنة، وجعلت نفسها جريدة (سياسية اجتماعية أخلاقية). وتخلى عن تحريرها صاحب القلم الخفي، حسب تعبير علي مرحوم (١). وتعتبر الصحف الآتية: الليالي وأبو العجائب والوفاق والجزائر والمغرب العربي والدفاع والحارس من الجرائد المساندة للاتجاه الوطني الإصلاحي. أبو العجائب أنشأها محمد العابد الجلالي صاحب كتاب (تقويم الأخلاق). وهو صاحب فكر سياسي واضح وصاحب قلم مزدوج اللغة، وكان من أساتذة المدرسة الفرنسية - العربية الرسمية في قسنطينة التي درس بها مالك بن نبي. وجريدته التي أنشأها سنة ١٩٣٥ كانت أسبوعية فكاهية انتقادية وأدبية. وصدرت في وقت انتقالي حرج، وكانت تطبع في مطبعة الشهاب (المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة). ودامت نحو سنة، ولا ندري سبب توقفها. وكانت (الليالي) تساند الإصلاح بقوة ولكنها تميل أيضا إلى أسلوب الأدب والفكاهة وتنتقد الاتجاهات المعارضة للإصلاح. وكان رئيس تحريرها ومنشئها هو الشيخ علي بن سعد القماري، خريج جامع الزيتونة وأحد المعلمين في مدارس الحركة الإصلاحية. صدرت سنة ١٩٣٦، وهي سنة المؤتمر الإسلامي الجزائري والأحداث المنجرة عنه، مثل اغتيال الشيخ كحول واعتقال العقبي. وقد اعتقل الشيخ علي بن سعد القماري نفسه بعد سنة، ورمي به في سجن الكدية بقسنطينة. وكان ضحية أخرى للاضطهاد

стр. 2209

والتعسف، ولم تدم جريدة الليالي سوى بضعة أشهر. وقبل ذلك ظهرت جريدة (الحارس) التي كان يديرها عبد الرحمن الغريب. وكانت نصف شهرية، وتقول إنها جريدة انتقادية أخلاقية وفكاهية. وكلمة الفكاهة التي ترددت في بعض الصحف كانت وسيلة لتبسيط الأسلوب ولمخاطبة الجمهور العريض وتمرير بعض الأفكار حتى لا تتفطن إليها الإدارة الفرنسية. ظهرت الحارس في غشت ١٩٣٣، حسب الشيخ مرحوم - ولم يصدر منها سوى أربعة أعداد، لأن العدد الخامس صودر من الإدارة الاستعمارية. ومن أوائل هذا النوع من الصحف جريدة (الجزائر) التي أنشأها محمد السعيد الزاهري سنة ١٩٢٥. وكانت قد اتخذت شعارها (الجزائر للجزائريين)، ويبدو أنها ساندت عندئذ الاتجاه الذي دعا إليه الأمير خالد والذي خلا ميدانه بنفيه من الجزائر. ولكن الجريدة سرعان ما أوقفتها الإدارة الاستعمارية، ولم يصدر منها سوى عدد أو اثنين. أما جريدة الزاهري الأخرى وهي (الوفاق) فقد كانت أحسن حظا. ظهرت في وهران سنة ١٩٣٨. وكانت جريدة أسبوعية، ذات طابع سياسي وانتقادي. ورغم أن الزاهري كان محسوبا إلى ذلك الحين على الاتجاه الإصلاحي، فإنه أخذ ينتقد بعض رجال جمعية العلماء، مثل الإبراهيمي والميلي في جريدة (الوفاق). وكانت جمعية العلماء عندئذ تعيش محنة الخصومة مع الدكتور ابن جلول، واعتقال العقبي، وخروجه من المجلس الإداري للجمعية وظهور الحساسيات بينه وبين الشيخ ابن باديس. ويبدو أن (الوفاق) مالت إلى اتجاه جمعية النواب برئاسة ابن جلول أو كانت تنافق. وكان لهذه الجمعية أيضا جريدة بالفرنسية تسمى (لانتانت) وإذا ترجم هذا العنوان إلى العربية كان (الوفاق) (١) أو التفاهم، وكانت تصدر أسبوعيا، بقسنطينة بين ١٩٣٥ - ١٩٣٩.

стр. 2210

أما (المغرب العربي) فهو اسم الجريدة التي أسسها الشيخ حمزة بوكوشة بوهران سنة ١٩٣٧. وكان امتيازها بيد محمود بلة. وكانت جريدة أسبوعية وتعمل في نطاق الوطنية والإصلاح. ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد. فهل توقفت لأسباب مادية أو إدارية؟ والشيخ بوكوشة أديب وشاعر، وكان من الحاضرين لتأسيس جمعية العلماء ومن خريجي جامع الزيتونة، ومن الذين كتبوا في الصحافة قبل وبعد جريدته المذكورة. ويعتبر من الرواد الذين ابتدعوا هذا التعبير (المغرب العربي) والمقصود به المنطقة التي يسميها الفرنسيون حينئذ شمال أفريقية. وكان الشيخ بوكوشة من الأوفياء للشيخ ابن باديس وحركته. وكانت جريدته صورة لفكره، ولكن لم يصدر منها سوى أربعة أعداد فقط (١). ومن صحف الإتجاه الإصلاحي أيضا، جريدة لاديفانس بالفرنسية (الدفاع). وهي جريدة أسسها محمد الأمين العمودي سنة ١٩٣٥، لتنافح عن الحركة الإصلاحية وتعرف بها الأوساط المثقفة بالفرنسية. وقد استمرت إلى سنة ١٩٣٩. وكان العمودي من المؤسسين لجمعية العلماء سنة ١٩٣١ وأول كاتب عام لها، وساهم في أعمالها، ومن ذلك مشاركته في المؤتمر الإسلامي الجزائري وشباب المؤتمر، ونشره لرد ابن باديس على السيد فرحات عباس حين نفى وجود الأمة الجزائرية، ودعوة الشيخ ابن باديس لعقد المؤتمر الإسلامي المذكور. ولكن العمودي لم يظل على ولائه المطلق لابن باديس إذ وجدناه يختار جانب الشيخ العقبي لصالح البرقية الشهيرة، ومنذ ١٩٣٨ وجدنا العمودي يختفي من ساحة النشاط الإصلاحي والسياسي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن الإدارة الفرنسية لم تكن لترضى عن نشاطه فنفته سنة ١٩٣٣ إلى آفلو متذرعة بأنه سافر إلى تونس دون رخصة. وكان العمودي

стр. 2211

بالإضافة إلى نشاطه الإصلاحي والسياسي، أديبا وشاعرا، ومن خريجي مدرسة قسنطينة الرسمية. أما من حيث المهنة فقد كان عدلا بالمحاكم الإسلامية، وهي من الوظائف القليلة التي بقيت للقضاة المسلمين الجزائريين بعد احتكار القضاء الفرنسي لمختلف القضايا في المحاكم. وكانت جريدة (الدفاع) هي لسان حال الوطنية ذات الطابع الإصلاحي (١). وبدرجات متفاوتة كانت البلاغ والإخلاص ولسان الدين (الثانية) تقف في الصف المعارض للإصلاح وجمعية العلماء. صدرت (البلاغ الجزائري) جريدة أسبوعية من مدينة مستغانم ثم انتقلت إلى العاصمة. كانت تحت إشراف الطريقة العليوية (طريقة الشيخ أحمد بن عليوة الدرقاوية الشاذلية). ولأول مرة في الجزائر، على حد علما، تنشئ طريقة صوفية جريدة للدفاع عن قضايا التصوف. ولكن البلاغ لم تكن فقط جريدة طريقة، بل كانت أيضا جريدة إخبارية عامة تناولت مختلف القضايا الجزائرية، وقد وقفت ضد التنصير ودافعت عن اللغة العربية، واهتمت بالحياة العامة، بما فيها السياسة. ويقول الشيخ المدني إن (لها برنامج ديني إسلامي وطني)، ولكنها دافعت أيضا. عن التصوف والطرقية (٢). صدرت البلاغ سنة ١٩٢٦ مع عيد الميلاد المسيحي (٢٤ ديسمبر). وكان يشرف عليها محمد محيي الدين حدوني الذي لا نعرف عنه الآن أكثر من هذا. وتعتبرها الحركة الإصلاحية خصمة لها لمدافعتها عن الطرقية، سيما بعد حادث التعرض لحياة ابن باديس سنة ١٩٢٧. وكانت المهاترات قوية من الجانبين. وقد توفي الشيخ ابن عليوة سنة ١٩٣٤ (٣)، ولا ندري متى توقفت

стр. 2212

البلاغ (وقد طال عهدها نسبيا) ولكن المعلوم هو أنها عوضت بجريدة أخرى هي (لسان الدين) وهي غير تلك التي أسسها مصطفى حافظ من قبل (١٩٢٣). وعند انفصال العلماء الطرقيين عن جمعية العلماء، أنشأوا جريدة باسم (الإخلاص) استمرت فترة أيضا. هذه الجريدة أسستها جمعية علماء السنة المنشقين عن جمعية العلماء. وكانت تعارض الإصلاح وتتهم أصحابه بالتدخل في السياسة ومسايرة الحداثة. وكانت جمعية علماء السنة مدعومة من الإدارة الفرنسية. وقع ذلك سنة ١٩٣٢، وكان رئيس تحرير الجريدة هو الشيخ المولود الحافظي، أحد علماء الفلك البارزين ومن خريجي الأزهر. ولكن الطموح الشخصي وربما الميول الاجتماعية والضغوط جعلته يتبنى الاتجاه المعارض للإصلاح. وكانت (الإخلاص) أسبوعية، وتصدر بالعاصمة، وقد ظهر أول عدد منها في ١٤ ديسمبر ١٩٣٢، ولا ندري كم طال عمرها (١). وقد أدت المهاترات بين الجمعيتين، جمعية العلماء وجمعية علماء السنة، إلى إنشاء صحف متنابزة أدت إلى كشف نوايا الجميع وصقل الأقلام أكثر مما أفادت الرأي العام أو خدمت القضية الوطنية. أنشأت جمعية علماء السنة جريدة (المعيار) نصف شهرية سنة ١٩٣٣، واستمرت حوالي نصف عام وكانت تستعمل العبارات الساقطة ضد جمعية العلماء ورجالها، مما حدا بهذه إلى إنشاء جريدة مضادة وهي (الجحيم)، في مارس من نفس السنة. وكانت أسبوعية وكانت تصدر من قسنطينة وتوزع بالعاصمة. ولم يصدر منها سوى حوالي سبعة أعداد. وقد استعملت هي أيضا عبارات خشنة رغم أنها أعلنت

стр. 2213

عن نفسها أنها جريدة (حرة مستقلة تدافع عن الشرف والفضيلة). ولكن شعارها كان (العصا لمن عصى). وهذا النوع من الصحافة كان أقرب إلى الهجاء منه إلى الأخبار والإفادة العامة. ومن الجرائد المضادة للإصلاح أيضا ما أنشأه عبد القادر القاسمي سنة ١٩٣٨ باسم (الرشاد). وهي جريدة أسبوعية كان يشرف على تحريرها الشيخ محمد العاصمي. وكان هذا الشيخ يملك قلما سيالا وفكرا نيرا ولكنه انحرف بهما إلى خدمة أغراض غير وطنية. ولا ندري دوافعه إلى ذلك. فقد كان من العناصر المثقفة المستنيرة، وشارك بمقالاته في تقويم المنصور وفي تقويم الأخلاق. وكان مثل الشيخ محمد السعيد الزاهري، صاحب موهبة علمية، ولكن كليهما انزلق في متاهات صنفته في المعادين للوطنية والإصلاح. وقد استمرت (الرشاد) تدافع عن الطرق الصوفية وتعمل كلسان حال لإتحاد الزوايا الذي ولد في تلك السنة ١٩٣٨ على يد أنصار فرنسا من أمثال الشيخين مصطفى القاسمي (زاوية الهامل) من الجزائر، وعبد الحي الكتاني من المغرب الأقصى. ويبدو أن (الرشاد) قد استمرت بعض الوقت. ولعل تمويلها كان من الإدارة الفرنسية لأنها هي التي أشرفت على إنشاء اتحاد الزوايا المذكور. وهناك صحيفة ثالثة باسم (الحق) ظهرت في بسكرة في إبريل ١٩٢٦ على يد علي بن موسى العقبي. ونحن لا نعرف عنها أكثر من هذا الآن. وقد تكون من الصحف الإصلاحية على غرار صدى الصحراء والإصلاح. وقد تحدث بعض الكتاب عن صحف أخرى غير معروفة كثيرا، ومنها (صوت الشعب) وبناء على مالك بن نبي فإن منشئها هو علي بن أحمد، وهو رجل من تبسة، درس في مدرسة قسنطينة الرسمية سنة ١٩٢٥. وكان من رفقاء ابن نبي بعد ذلك. ويخبرنا هذا أن علي بن أحمد أنشأ الجريدة في العاصمة سنة ١٩٣٤ وتعاون عليها مع باعة البقول وصيادي السمك الذين كانوا يمولون الجريدة بينما هو يحررها، ويقول ابن نبى إن الجريدة قد عبرت

стр. 2214

عن مرحلة جديدة من الصحافة الوطنية، ولكننا لا نعرف بأية لغة كانت تصدر. ومن جهة أخرى نعلم أنه لم يصدر منها سوى عددين أو ثلاثة، وهو أمر راجع إلى مزاج صاحبها، حسب تعبير ابن نبي. وقد انتقل علي بن أحمد إلى فرنسا واشترك في المناقشات العامة والفلسفية التي كانت تدور بين طلبة المغرب العربي، وتزوج من فرنسية كانت تدير مكتبة صغيرة، وكان ساخطا متبرما بالحياة وكانت بينه وبين ابن نبي بعض القرابة (١). غير أن دبوز يذكر (صوت الشعب) بإشراف آخر، وهو محمد الشريف جوكلاري الذي قلنا إنه فرنسي اعتنق الإسلام. وقال إنها كانت تصدر بالفرنسية (٢). ولا ندري كم عاشت ولا موعد صدورها. فهل هي نفسها صوت الشعب المنسوبة إلى علي بن أحمد؟ إن مالك بن نبي قد تحدث عن جوكلاري ونوه به ولكنه لم ينسب إليه هذه الجريدة. ويذكر ابن نبي أيضا جريدة أخرى صدرت في أم البواقي بعنوان (صدى الحراكتة) وكان عمرها قصيرا أيضا إذ لم يظهر منها سوى عددين. وكان المشرف عليها هو حساني رمضان. وقد علق ابن نبي على عادته حين يذكر النخبة الإندماجية بقوله: إن رمضان هذا كان رجل بر وإحسان، وقد استعان بمثقف (نخبوي) طائش. وكان ذلك ربما هو سبب فشل مشروع الجريدة. ونفهم من حديث ابن نبي عنها أنها ظهرت حوالي ١٩٣٥ (٣). ... وللشيخ أبي اليقظان مجموعة من الصحف صدرت الواحدة بعد الأخرى بين ١٩٢٦ و ١٩٣٨. وكان هذا الشيخ من زعماء المدرسة الإصلاحية ومن كبار الصحفيين الذين هووا الصحافة ومارسوها، وعانوا في سبيلها أشد المعاناة ماليا وإداريا. وكان من المدافعين الأقوياء عن القضايا

стр. 2215

العربية والإسلامية والوطنية، وكان عضوا، في جمعية العلماء عندما تأسست. وقد تبنى أيضا الدفاع عن الوحدة الوطنية والتصالح المذهبي، وهو من أتباع المذهب الأباضي، وكان ينشر عن الحركات الوطنية والعربية في تونس ومصر وسورية وفلسطين وغيرها، ومعجبا بالأبطال الإسلاميين أمثال سليمان الباروني وشكيب إرسلان. ولذلك فإن صحافته كانت صدى لكل هذه الأحداث. بدأ بجريدة وادي ميزاب التي صدرت في العاصمة في أكتوبر ١٩٢٦. وبعد أربعة أشهر عطلتها الإدارة الفرنسية، والتعطيل معناه في لغة ذلك الوقت أنها كتبت ما لا ترضى عنه الإدارة، وهو عادة ما يخدم القضية الوطنية والقضايا العربية والإسلامية الأخرى. وبعد ذلك أصدر أبو اليقظان جريدة ميزاب سنة ١٩٣٠، ثم عطلت أيضا من قبل الإدارة، وهكذا ظل يصدر الجريدة بعد أن يغير عنوانها فإذا عطلتها الإدارة أصدر جريدة أخرى، فكان في صراع بين الحق والباطل، مع استماتة في المبادئ، وتضحية في سبيل الوطن والصحافة. وإليك أسماء صحف أبي اليقظان على التوالي بعد التي ذكرناها: المغرب ١٩٣٠، صدر منها ٣٨ عددا، والنور ١٩٣١، صدر منها ٧٨ عددا، والبستان ١٩٣٣ صدر منها عشرة أعداد، والنبراسں ١٩٣٣، صدر منها ستة أعداد فقط؛ والأمة ١٩٣٣، صدر منها ١٧٠ عددا؛ والفرقان ١٩٣٨، صدر منها ستة أعداد فقط (١). ثمانية صحف أنشأها أبو اليقظان خلال حوالي اثنتي عشر سنة. وقد أنشأ لها مطبعة في العاصمة، ولا ندري من كافح مثله من أجل رسوخ الصحافة في ذلك العهد، وكدنا نقارنه بعمر بن قدور وعمر

стр. 2216

راسم، ولكن خصوبة فكر أبي اليقظان وقدرته على التطور مع الأحداث جعلتنا نعدل عن هذه المقارنة. الصحف السياسية والإندماجية أما الصحف السياسية فتتميز بخاصيتين وهما التنوع واللغة الفرنسية. ونعني بالتنوع الانتماء إلى عدة مشارب وتيارات، فهناك الصحف التي صدرت عن الاندماجيين، أو عن هيئة النواب، أو عن المجموعة الشيوعية، أو حزب النجم/ حزب الشعب. وأما اللغة فإن معظم الصحف التي سنذكرها كانت إما بالفرنسية وحدها وإما مزدوجة، ولكن مع تغلب اللغة الفرنسية عليها. كانت جريدة (التقدم) التي بدأها ابن التهامي تستقطب المثقفين المتسيسين من الاندماجيين المعروفين بالنخبة. وقد ظهر على صفحاتها خلال العشرينات فرحات عباس حيث نشر المقالات التي جمعها فيما بعد في كتاب باسم (الشاب المسلم). وعند ميلاد هيئة النواب اتخذت لنفسها أيضا صحيفة هي لانتانت (الوفاق). وكان مديرها السياسي هو الدكتور ابن جلول ومحررها هو فرحات عباس، وكتب فيها عدد من الاندماجيين. وكانت تضيف إلى نفسها أنها جريدة (التفاهم الفرنسي - الإسلامي). وفي هذه الأثناء أعاد الصادق دندان جريدة (الإقدام) بالفرنسية (١). وكانت جريدة أسبوعية للدفاع عن مصالح المسلمين الشمال أفريقيين. ومديرها هو دندان وابن جلول أيضا. واستمرت إلى السنة الثالثة حين وفاة دندان. وفيها رد على ما كتبه حسني لحمق في رسائله. وهذه الجرائد كلها بالفرنسية، ولكن في سنة

стр. 2217

١٩٣٨ صدرت بقسنطينة جريدة بالعربية باسم (الميدان) لتؤيد سياسة الدكتور ابن جلول الاندماجية، وكانت جريدة أسبوعية واستمرت حوالي سنتين. وكان يرأس تحريرها محمد الحسن الوارزقي. ولكن شارل أندري جوليان ذكر أن (الميدان) كانت تصدر سنة ١٩٣٧، وأشار إلى عددها العاشر من يوليو. وقال إنها كانت تصدر في تبسة باسم اتحادية النواب (١). وكان للاندماجيين صحف من نوع آخر، صحف يقودها عادة متجنسون. وكانوا يتبون فيها عادة التقارب مع الفرنسيين والعيش معهم تحت الراية الفرنسية. ومن ذلك (صوت المستضعفين)، وهي لسان حال المعلمين من أصل أهلي، وكانت تصدر بين ١٩٢٠ - ١٩٣٩، ويحررها قدماء الخريجين من المدارس الفرنسية، سيما مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال) في بوزريعة (٢). ويذهب أحد المصادر إلى أن الذي أسس هذه الجريدة هو فرحات عباس سنة ١٩٢٥ وأنها كانت تطالب بالاندماج الكامل في فرنسا (٣). غير أن مالك بن نبي يذكر أن مؤسس (صوت المستضعفين) هو السيد طاهرات وقد وصفه بالعلماني (٤). وهناك من ذكر أنها صدرت سنة ١٩٢٢، وأن الذي أشرف على تحريرها هما الفاسي والزناتي على التوالي. أما الزناتي فقد أنشأ صحيفة باسم (صوت الأهالي) في قسنطينة سنة ١٩٢٩. وجعل لها عنوانا فرعيا يعبر عن الاتجاه الاندماجي وهو (جريدة الاتحاد الفرنسي/ الإسلامي). وكانت صوت الأهالي جريدة أسبوعية، تدافع عن المنتخبين وتدعو إلى التسامح والتعايش مع الفرنسيين، وتقف ضد التيار العربي الإسلامي، وضد الحركة الإصلاحية. وكان الزناتي نفسه من المتجنسين. وقد ألف كتابا سنة ١٩٣٨ نشرته له مجلة (افريقية الفرنسية) في

стр. 2218

حلقات في ملحقها الخاص بقضايا المستعمرات، وعنوانه (المشكل الجزائري كما يراه أحد الأهالي) (١). إن الاتجاه الاندماجي الذي يقوده المطورنون (المتجنسون) كانت له في أغلب الأحيان صحافة مكتوبة بالفرنسية. وبالنسبة للتيار الشيوعي، كانت له صحف فرنسية ومتفرنسة، كما أنشأ بعض النشرات بالعربية لتوصيل أفكاره إلى جمهور المتعلمين الجزائريين. ومن الصحف الفرنسية التي ساندت التيار الشيوعي (الصراع الطبقي) التي كان يشرف عليها فيكتور سبيلمان الفرنسي (٢). وهو نفسه الذي أصدر (همزة الوصل) - ترى دينبون - بالعاصمة أيضا، وكان لها تأثير قوي بين النخبة الاندماجية. وقد ساهمت في دعم حركة الأمير خالد. ثم أصدر فرع الحزب الشيوعي الفرنسي في الجزائر جريدة باسم الباريا BARIA وأخرى بالعربية تسمى (الراية الحمراء) خلال العشرينات. وفي الثلاثينات صدرت جريدة (الجزائر الجمهورية) التي سبقت الإشارة إليها، وكانت تدعم اليسار ولا تعلن عن شيوعيتها إلى الحرب العالمية الثانية. ولكن يجب القول إن الجزائريين لم ينشئوا جرائد بأنفسهم أو لأنفسهم في هذا المجال، وإنما كانت هذه الجرائد فرنسية اللغة والتمويل والاتجاه. ومنذ ميلاده (١٩٢٦) كان نجم شمال أفريقية في الغربة (فرنسا). وبعد إعلانه رسميا عن تبنيه فكرة استقلال الجزائر منعته السلطات الفرنسية من النشاط وأعلنت حله (سنة ١٩٢٩). ولذلك كانت صحفه سرية في أغلب الأحيان. أعاد أولا إصدار جريدة (الاقدام) التي كان يصدرها الأمير خالد. وأصدرها بعنوانين على التوالي (الاقدام البارسي) ثم (الاقدام الشمال أفريقي)، وكلاهما لم يعش طويلا. وكان الاقدام في كلا الحالتين بالفرنسية. ولكنه تبنى مبادئ الأمير خالد في التحرر الوطني واسترجاع الهوية والمساواة

стр. 2219

مع الفرنسيين. وكانت صحافة الحزب الشيوعي الفرنسي هي التي تتبنى الدفاع عن اهتمامات العمال الجزائريين في المهجر. أما القضية الوطنية فلا يؤمن بها الحزب الشيوعي عندئذ إلا في الإطار العالمي. كما أن النجم لم يكن يتوفر على صحفيين عندئذ لأن معظم من انخرط فيه كانوا من العمال وليسوا من المثقفين. أول جريدة أسسها النجم هي جريدة (الأمة) التي صدرت بالفرنسية في أكتوبر ١٩٣٠ بفرنسا. وكان أحمد مصالي (مصالي الحاج) هو المدير السياسي لها. وقد أصبحت هي اللواء الذي يجتمع حوله أنصار الحزب الذي حلته السلطات الفرنسية. وجاء ميلادها سنة احتفال الفرنسيين باحتلالهم المئوي للجزائر. وقد ظلت صحافة الحزب فقيرة من حيث التحرير والإعلام للاضطهاد البوليسي ولعدم وجود إطارات مؤمنة بمبادئ الحزب ومتعلمة. ولذلك لا نعرف من كان يحرر المقالات في الأمة خلال الثلاثينات. وقد استمر صدورها، رغم التعثر، إلى ١٩٣٩. وفي هذه السنة أعلنت المصالح الفرنسية أن جريدة (الأمة) قد منعت من الصدور واحتجزت أوراقها وأغلق مكتبها لأنها نشرت مقالا مست فيه بوحدة التراب الوطني (الفرنسي) - أي تحدثت عن انفصال الجزائر عن فرنسا (١) -. وواجهت صحافة حزب الشعب اضطهادا لم تعرفه الصحف الأخرى، رغم أنها كانت تصدر في الغالب بالفرنسية، وذلك لمواقفها الوطنية الصريحة. وقد حاول حزب الشعب إنشاء صحيفة بالعربية لأول مرة سنة ١٩٣٧. وعهد بها إلى اثنين من أنصاره المعربين، وهما الشاعر مفدي زكريا ومحمد قنانش. وكان اسم مفدي زكريا ما يزال غير معروف كثيرا في أوساط الشعراء، ولكنه كان يكفي لجلب القراء والأنظار. وكان الحزب في حاجة إلى الأفكار وليس للأسماء. ذلك أن معظم الذين كانوا يساهمون في جرائده ونشراته، كانوا يخفون أسماءهم خوفا من الاضطهاد البوليسي، والجريدة العربية الوحيدة التي أنشأها حزب الشعب عندئذ هي (الشعب). وقد صدرت في الجزائر في

стр. 2220

ثلاثة أو أربعة أعداد فقط، ثم زج بأصحابها في السجن، وأصحابها المذكورون في العدد الثاني هم مصالي الحاج - المدير السياسي، ومفدي زكريا - رئيس التحرير، ومحمد مسطول - أمين المال، وفانفاني - صاحب الامتياز (وهو إيطالي). أما اسم محمد قنانش فغير موجود. وقد صدر العدد الثاني في ١٥ أكتوبر ١٩٣٧. وكانت تصدر يوم الجمعة كل أسبوعين. ولكن تجربة جريدة (الشعب) كانت قصيرة، رغم أنها جريدة وطنية تحمل أفكار الحزب الاستقلالية والوحدوية وروح مفدي زكريا المتألقة. وحاول حزب الشعب تجربة الصحافة مرة أخرى على أرض الجزائر سنة ١٩٣٩، فكان اضطهاد الصحافة في الجزائر أكثر منه في فرنسا، لأن القوانين، رغم وحدة البلاد الفرنسية في الظاهر، غير واحدة، بالنسبة للجزائريين ولغتهم ودينهم، وكل شيء يتعلق بهذه الأمور فهو استثنائي في القانون الفرنسي. أنشأ الحزب إذن صحيفة جديدة باسم (البرلمان الجزائري)، ٣ جوان ١٩٣٩ (١). وهي جريدة للدفاع عن حقوق الشعب وتحريره، وجاء فيها بالعربية (جريدة وطنية نصف شهرية تدافع عن حقوق الجزائر العربية). وكانت تصدر بالعاصمة، والمراسلات إليها توجه إلى أحمد بوده، أحد أعضاء الحزب الذي كان من مزدوجي اللغة. ولكن ثقافته كانت بسيطة ولا يملك أكثر من الإخلاص والتفاني في حب الوطن (٢). وكان اسم الجريدة يعبر عن فكرة جديدة للحزب، وهي إنشاء برلمان في الجزائر ينتخب عن طريق الاقتراع العام - دون تمييز بين الجزائريين والفرنسيين -. وهي فكرة نقيضة تولدت بالخصوص بعد مطالب المؤتمر الإسلامي الجزائري سنة

стр. 2221

١٩٣٦، التي دعت إلى تمثيل الجزائر في البرلمان الفرنسي. الصحف منذ ١٩٤٠ لا نريد الآن أن نتحدث مطولا عن المرحلة الثالثة من تاريخ الصحافة، وهي التي تبدأ بسنة ١٩٤٠. لقد توقفت كل الصحف الجزائرية (عادت الإصلاح إلى الظهور خلال الحرب، كما ذكرنا، وربما جريدة الأمة لباسعيد عدون، وجرائد: يالله ١٩٣٩، والدليل ١٩٤٠ - ١٩٤١، والنصر ١٩٤٣) (١). ونقصد (بالجزائرية) تلك التي أنشأها جزائريون لخدمة مصالح المسلمين الجزائريين، ولو كانت تلك المصالح في نظرهم في الاندماج والتقارب مع الفرنسيين. أما الصحافة الفرنسية التي أنشأها فرنسيون ولو كانت للدفاع عن بعض مصالح الجزائريين فلا تهمنا الآن. ويدخل في ذلك جرائد الحزب الشيوعي التي أسسها خلال الحرب العالمية الثانية (٢). وبناء على ذلك نختصر هنا ذكر اسماء الصحف إلى ١٩٥٤ لربط موضوعنا. أصدر حزب أحباب البيان والحرية جريدة (المساواة) بالفرنسية سنة ١٩٤٤، وتوقفت بسبب انتفاضة ثامن مايو ١٩٤٥. ثم أنشأ فرحات عباس سنة ١٩٤٨ جريدة (الجمهورية الجزائرية) التي كانت تعبر عن فكره السياسي الجديد، أي الابتعاد عن المناداة بالاندماج. وبعد ذلك بسنة أنشأ جريدة أسبوعية بالعربية باسم (الوطن) وأسندها إلى السيد عبد الرحمن رحماني. ودامت حوالي سنة، وكلتاهما تعبر عن سياسة حزب البيان الذي كان يتزعمه. وبالإضافة إلى جرائده الفرنسية الصادرة خلال الحرب، أنشأ الحزب

стр. 2222

الشيوعي حوالي ١٩٤٦ جريدة (الجزائر الجديدة) بالعربية، وكانت نصف شهرية، وقد استمرت فترة. وبين ١٩٥٣ - ١٩٥٤ أصدر حزب الشعب/ حركة الانتصار عدة جرائد، منها ما هو تابع للجنة المركزية وما هو تابع للجنة مصالي. نذكر منها بالفرنسية جريدة (العمل الجزائري) و (الأمة الجزائرية) و (الجزائر الحرة). وعشية الثورة صدرت عن اللجنة الثورية للوحدة والعمل جريدة أو نشرة باسم (الوطني) بالفرنسية - الباتريوت -، ثم نشرة أخرى باسم (صوت المناضل) (١). أما بالعربية فقد أصدر الحزب جريدة (صوت الجزائر)، وكانت أسبوعية سياسية، ويشرف عليها مصطفى فروخي (١٩٥٣)، ثم (صوت الشعب) التي كانت كذلك أسبوعية سياسية ١٩٥٤. وكانت للحزب صحف بالعربية حرة ومعتدلة تفاديا للاضطهاد البوليسي، مثل جريدة (المغرب العربي) التي أصدرها محمد السعيد الزاهري حوالي سنة ١٩٤٨ (٢)، وقد اختفت ثم عادت قبيل اغتيال الزاهري سنة ١٩٥٦. وكذلك جريدة (المنار) التي رأسها محمود بوزوزو سنة ١٩٥١، وكانت أسبوعية، وكان كتابها من مختلف الاتجاهات، لكن أبرزهم هم أنصار حزب الشعب. لم يصدر عن جمعية العلماء سوى صحيفتين بين ١٩٤٧ - ١٩٥٦. البصائر سنة ١٩٤٧ برئاسة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وكان اسمه الرسمي فيها هو طالب بشير. وعلى إثر الثورة وانقطاع الشيخ في المشرق رأسها أحمد توفيق المدني. ثم جريدة (الشاب المسلم) بالفرنسية، وكانت موجهة لأنصار الإصلاح المتعلمين بالفرنسية وكذلك للرأي العام الفرنسي.

стр. 2223

وهناك جريدة ثالثة موالية للجمعية صدرت سنة ١٩٤٩ باسم (الشعلة)، وقد رأسها أحمد رضا حوحو، وتولى امتيازها الصادق حماني، ودامت نحو عامين. وكانت تهاجم الطرقية والاستعمار وأنصار الإدارة الفرنسية. كما هاجمت البدع والجمود في السياسة الداخلية. من كتابها أيضا الشيوخ أحمد حماني، وأحمد بو شمال، وموسى الأحمدي وعبد الرحمن شيبان، وكانت تنشر الشعر الفصيح والملحون. ونشطت صحافة الاتجاه الطرقي الصوفي والديني أيضا. فقد استمرت (الرشاد) سابقة الذكر، وظهرت (الذكرى) في تلمسان معبرة عن اتجاه الزاوية العليوية ومناوئة للبصائر، وكان يحررها علي البوديلمي. أما مديرها فكان يدعى أفندي عبد العزيز (؟) ثم (المرشد) التي كانت تصدر في مستغانم (١) ولعلها من جرائد الطريقة العلوية أيضا. وهناك صحف دينية أخرى معظمها كان قصير الأمد مثل جرائد شباب الموحدين الواقعة تحت تأثير أبي بكر جابر، ومنها جريدة (الداعي) ١٩٥٠، و (اللواء) ١٩٥٢، أو جرائد دينية أدبية، مثل (القبس) التي ظهرت بعد تعطيل اللواء، وكان مديرها أبو القاسم ديقير، ورئيس تحريرها الشاعر محمد الهادي السنوسي ١٩٥٢ (٢). وكذلك الجرائد الآتية: عصا موسى، والدعوة، والمعيار (وهو اسم جديد). وذكرت بعض المصادر أن حمزة بو بكر (من أولاد سيدي الشيخ) أصدر جريدة (مجلة؟) ثقافية بعنوان (السلام) ودامت من سبتمبر ١٩٤٦ إلى ١٩٤٨ حين غيرت عنوانها إلى (سلام إفريقيا). وتوقفت في مايو ١٩٥٠، ولم يذكر المصدر لغة الجريدة ولا اتجاهها (٣).

стр. 2224

المجلات العربية أما المجلات التي ظهرت باللغة العربية فقد كانت قليلة. ولا نريد أن نطيل الحديث عن اختصاصها ما دامت قليلة. ولعل السبب في قلة المجلات عدم توفر المادة والإطار معا. كما أن القادرين على العمل الصحفي كانوا حريصين على إنشاء الجرائد لأنها في نظرهم أسرع إلى توصيل أفكارهم. حتى (الشهاب) التي تعتبر أول مجلة بالعربية (١) قد بدأت حياتها كجريدة سنة ١٩٢٥. وقد استطاع الشيخ ابن باديس أن يديرها باتقان وحكمة حتى صدر منها حوالي اثني عشر مجلدا قبل أن تتوقف سنة ١٩٣٩. وجمعت الشهاب في مادتها بين الدين والأدب والقصص التاريخي والديني وأخبار المغرب العربي والعالم الإسلامي، وكانت مبوبة ومتنوعة المادة وكانت مجلة حية غير متزمتة، وتدعو إلى النهضة الوطنية والإصلاح الاجتماعي. وكانت كفاءة الشيخ ابن باديس في تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف واختيار القصص وسهولة الأسلوب قد أسهمت جميعها في أن تكون الشهاب مدرسة للأدب الرفيع والأخلاق الفاضلة والوطنية الصادقة والدين الصحيح. وقد عاصرتها مجلة صغيرة كان يصدرها طلاب الجزائر في المدارس الحكومية الشرعية الثلاث وفي الجامعة، وهي مجلة (التلميذ) وكانت في شكل مجلة مزدوجة اللغة، وتحتوي على موضوعات تصف حياة الطلبة وآمالهم، ولكنها كانت تقتطف من مجلات المشرق العربي، وأخبار الحياة العربة والإسلامية، وتهتم بحياة الأدب والشعر والطرائف والتراث. ولا ندري الآن كم دامت.

стр. 2225

وحوالي ١٩١٩ أصدر طلبة المغرب العربي بالجزائر (كانت جمعيتهم تدعى ودادية طلبة شمال أفريقية المسلمين بالجزائر) حولية ظلت تصدر كل سنة باسم (أنوير/ الحولية Annuaire). وفي ١٩٢٨ صدر العدد العاشر من هذه الحولية وهو العدد الذي علق عليه ف. بروديل في المجلة الإفريقية ونبه زملاءه الأساتذة الفرنسيين إلى ضرورة الإطلاع على ما يكتبه طلبتهم المسلمون في الحولية، لأنه وجد فيها تفكيرا غير منسجم مع ما يأخذه التلاميذ منهم وما تتوقعه فرنسا من أبناء البلاد عشية مرور قرن على احتلال الجزائر (١). ويمكن أن نتحدث أيضا- عن نشرات جمعية طلبة شمال افريقية المسلمين التي كان مقرها فرنسا، فقد كانت هذه الجمعية تنتقل كل عام، ابتداء من ١٩٣١، إلى إحدى مدن المغرب العربي، وتعقد فيها اجتماعها السنوي، ثم تصدر (نشرة) في شكل مجلة تضم وقائع الاجتماع وبعض الآراء والاقتراحات والقصائد الخ. وقد صدر من هذه النشرة عدة أعداد، ولكنها لم تكن خاصة بالجزائر ولا بأي قطر بعينه، وهي الآن مرجع هام للحركة الفكرية في ذلك العهد. ومن ذلك ما أصدره طلاب الجزائر في تونس سنة ١٩٣٧ باسم (الثمرة الأولى). وهي نشرة تمثل حصيلة نشاط الطلبة، وكلماتهم التي يلقونها بالمناسبة ومقالات المتعاطفين معهم ومع الجزائ?. لقد صدرت (الثمرة الأولى) عن جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين التي كان رئيسها عندئذ الشاذلي المكي. وجمعت، بالإضافة إلى مقالات الطلبة أنفسهم، مقالات من ابن باديس، وأبي يعلى الزواوي والأخضر السائحي ورحومة علي، وكذلك محمد المختار بن محمود ومحمد الصادق بسيس من تونس (٢). وفي سنة

стр. 2226

١٩٤٨ صدرت (الثمرة الثانية) في تونس أيضا فكانت كسابقتها مليئة بالخواطر والموضوعات الأدبية والاجتماعية التي تعكس حياة الطالب الجزائري المسؤول والمتطلع إلى بناء وطنه. ولا ندري كم صدر من مجلة (الفضيلة) التي ظهرت حوالي ١٩٣٥ وكان قد أنشأها السيد موسى خداوي في تلمسان؟. كما لم يظهر من مجلة (العبقرية) الشهرية سوى ثلاثة أو أربعة أعداد. وكان قد أصدرها في تلمسان عبد الوهاب بن منصور سنة ١٩٤٨. وهي مجلة جامعة ولكن يغلب عليها الأدب والتاريخ والثقافة العامة. ومثلها كانت مجلة (أفريقية الشمالية) الشهرية التي أنشأها في العاصمة إسماعيل العربي في نفس السنة (١٩٤٨). وكانت على صغر حجمها قد اهتمت بالتربية والتاريخ والترجمة عن اللغة الفرنسية وغيرها. ولو طال عمرها واستقر صاحبها لكانت طالعة جيدة في عالم المجلات العربية في الجزائر. غير أنها لم تعمر إلا حوالي ثلاثة أعداد. والمجلة الأخرى التي طال عمرها نسبيا هي (صوت المسجد) التي كان يشرف على تحريرها الشيخ محمد العاصمي، وكان العاصمي في نفس الوقت هو رئيس (الجمعية الودادية لرجال الديانة الإسلامية في القطر الجزائري). فقد ظهرت أيضا سنة ١٩٤٨ بالعاصمة واستمرت إلى فاتح ١٩٥١. وكانت مجلة شهرية أدبية ودينية واجتماعية، وكانت رسالتها جمع كلمة رجال الدين الإسلامي حول الإدارة الفرنسية، ولذلك كانت تصطدم بحركة جمعية العلماء. وقد تولى الشيخ العاصمي نفسه الفتوى والإمامة من قبل الإدارة المذكورة (١). وجاء في شعارها الرسمي أنها (لسان حال رجال الديانة

стр. 2227

الإسلامية في القطر الجزائري)، والمقصود بهم من أسميناهم برجال السلك الديني والقضائي، وربما يضاف إليهم رجال الزوايا، وقالت أيضا- إنها مجلة ا (شهرية دينية علمية أدبية اجتماعية تاريخية أخلاقية)، وتتحلى صفحتها الأولى بالآيات القرآنية والأحاديث الدالة على العبادات في المسجد. واطلعنا أيضا على نسخة من مجلة باسم (الحياة)، يبدو أنها كانت تصدر عن الكشافة الإسلامية. والعدد الذي اطلعنا عليه فيه تقرير عن نشاط الكشافة الإسلامية إلى الحاكم العام، تاريخه ١٩٥٠، وفيه أيضا نشيد لمحمد العيد آل خليفة ونشيد آخر لمحمد الصالح رمضان (١). ... ثلاثة من أعيان الصحافة العربية الإسلامية في الجزائر، وهم عمر بن قدور وعمر راسم وأبو اليقظان. وهناك آخرون طبعا وعلى رأسهم ابن باديس، ولكن المذكورين ناضلوا في الميدان الصحفي بوسائلهم إلى أن حفروا اسمهم على تمثال الخلود. ومثل كل مجموعة من الأفراد فهم ليسوا سواء في القيمة، مع ذلك. وقد سبقنا عدد من الباحثين في ترجمة الثلاثة المذكورين، ولذلك سيكون نصيبنا هو إبراز بعض الخصائص والمواقف لكل منهم فقط، مع إضافة ما تمكنا من الإطلاع عليه دون غيرنا أو استنتاج جاء نتيجة ظروف درسناها بالمقارنة والاستنباط (٢). ١ - عمر بن قدور: ولد بالعاصمة حوالي ١٨٨٦ أثناء مرحلة جدباء من حياة الجزائر، وهي تمثل حكم لويس تيرمان المحابي للمستوطنين والظالم للجزائريين. ولا ندري ما عمل أسرة ابن قدور وما وضعها الاقتصادي

стр. 2228

والعلمي، بل وما أصلها. لأن اسم (عمر بن قدور) لا يدل على أصل الأسرة. وبدأ عمر يتردد على المدرسة القرآنية (الكتاب) مثل معظم أبناء الجزائر منذ سن الخامسة أو السادسة. وكانت العاصمة عندئذ مدينة أوروبية، أما العرب فيعيشون في القصبة وما حولها، حي قديم وحي جديد، وأناس قدماء وأناس جدد، هكذا الصورة التي أنشأها الاستعمار في أذهان وأنظار الجزائريين. ولكي يتخلص العربي المسلم من عالمه القديم كان عليه أن يذهب إلى العالم الأوروبي الجديد وأن ينسلخ من محيطه وعائلته لكي يرقى إلى مستوى المستعمر، وإلا فهو باق على جموده وقدمه. وكان الحديث يدور عندئذ عن تغيير في السياسة الفرنسية بعد زيارة لجنة التحقيق الرسمية سنة ١٨٩٢، تغيير في سياسة التعليم نحو الجزائريين، وتغيير في النظرة إلى المستعمرة (الجزائر) وطريقة حكمها. ويبدو أن ابن قدور قد دخل المدرسة الشرعية الفرنسية بعد الكتاب في أول هذا القرن. وقد حصل عندئذ تعديل في برامج هذه المدرسة حوالي ١٨٩٥، أي عندما كان عمره حوالي تسع سنوات. فقد أصبح التعليم فيها مزدوج اللغة ومتجها نحو تكوين فئة ملمة بالتراث العربي الإسلامي، وبالثقافة الفرنسية معا، إذ من هذه المدرسة كان يتخرج القضاة والأيمة والمعلمون والصحفيون بالعربية، ولا ندري كم بقي ابن قدور في المدرسة التي أصبحت تدعى الثعالبية فيما بعد، ولكن يبدو من الأكيد أنه قرأ فيها على الشيخ عبدالقادر المجاوي بعد نقله من قسنطينة، وعلى الشيخ عبد الحليم بن سماية الذي سيكتب عن مواقفه ضد فرض الخدمة العسكرية على الجزائريين. ولا ندري متى درس عمر في جامع الزيتونة بتونس ولا متى توجه إلى مصر للدراسة والمشاركة في صحافتها. غير أننا نعلم أنه كتب في جريدة (اللواء) المصرية، وهي جريدة الحزب الوطني، منذ كان عمره حوالي عشرين سنة. كما أخذ يتعامل مبكرا مع جريدة (الحاضرة) التونسية و (الحضارة) العثمانية التي تصدر في أسطانبول. ويذهب بعض الباحثين إلى أنه قد رجع إلى الجزائر سنة ١٩٠٨، تاريخ الانقلاب العثمانى فكم غاب

стр. 2229

عنها؟ ربما ثلاث أو أربع سنوات. ومهما كان الأمر فقد وجد الجزائر تتغير وتدخل عهد النهضة الصحفية والثقافية الذي وصفناه في غير هذا المكان، على يد الحاكم العام شارل جونار. وتشهد آثاره التي ظهرت منذ ١٩٠٩ (عمره حوالي ٢٣ سنة) (١) أن نضجه كان مبكرا وأن موهبته كانت استثنائية، وأنه كان من القلائل الذين رجعوا إلى الجزائر برؤية واضحة عن حالة العالم العربي والإسلامي. وكانت ميوله قومية إسلامية كما يدل موشحه الذي نشره في جريدة (الحاضرة) سنة ١٩٠٩ والذي عارض به موشح ابن سهل، وتساءل فيه (هل أباد اليأس جيش الأمل؟) وفي نظره أن اليأس لم يقع، لأن الحضارة الإسلامية ما تزال بخير إذا استيقظ أهلها وعلماؤها وعرفوا مكانتهم في التاريخ. ولم يكد يحل بالجزائر حتى وقعت أحداث خطيرة فيها وفي المغرب العربي والعالم الإسلامي. كان التوتر الذي أحدثه الحديث عن فرض التجنيد الإجباري، وكان ابن قدور مؤمنا بالجامعة الإسلامية والروح الوطنية فلم يرضه ذلك وكتب ضده لأن هذا التشريع لو حصل لكان على المسلم الجزائري أن يحارب المسلمين المضادين لفرنسا. كما قامت فرنسا بإبعاد واضطهاد زعماء تونس منذ ١٩٠٨، وشردت عددا منهم. وقد انتصر لهم ابن قدور، رغم معارضته لبعض أفكارهم المستغربة (مثل علي باش حانبة). وكانت فرنسا تحضر لاحتلال المغرب الأقصى الذي وقع فعلا سنة ١٩١٢ وقد وقف ابن قدور ضد ذلك، كما وقف ضد الغزو الإيطالي لليبيا سنة ١٩١١. ومن الأحداث التي هزت أركان العالم الإسلامي عندئذ الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني. ولذلك أخذ ابن قدور يبحث في البدائل ويصف الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي. فانتصر أولا للوطنية باعتبارها وسيلة لجمع شمل أي شعب لمواجهة الأخطار الخارجية، لأن الوطنية في نظره هي القوة الفعالة

стр. 2230

في ترقية الأمم) وبها الأمم تبقى خالدة (لن تبيد أبدا) (١). كما دعا إلى الوحدة الإسلامية لأنها طريق الخلاص والقوة. وكذلك دعا إلى النهوض والإصلاح. أما الوسائل إلى ذلك فهي التعارف والتعاون وإنشاء الجمعيات والأحزاب. ولم يدع ابن قدور صراحة إلى الأحزاب عندئذ لأنها فكرة ما تزال غير واردة، ولكنه من الأوائل الذين دعوا إلى الجمعيات والتضامن. ففي سنة ١٩١٤ دعا إلى تأسيس (جماعة التعارف الإسلامي) بين مفكري المسلمين في الجزائر وتونس والمغرب الأقصى. ولعله كان أول المبادرين إلى هذه الدعوة بين الأقطار الثلاثة. وكان ريد ربط هذه الجماعة أو الجمعية بمثيلاتها في المشرق الإسلامي. وقد نشر هذه الدعوة في جريدته (الفاروق) ٢٢ يوليو، ١٩١٤، وظل يكررها فيها حتى بعد أن توقفت الجريدة ثم أعادها سنة ١٩٢٠ (٢). برز عمر بن قدور في الميدان الصحفي في تونس ومصر وأسطانبول، أما في الجزائر فقد بدأ نشاطه بتولي القسم العربي من جريدة (الأخبار) الاستعمارية، إذ لم يكن في استطاعته عندئذ (١٩٠٣) إنشاء جريدة باسمه، ماديا على الأقل. ثم ما لبث أن تمرس وعرف الجو من حوله فأسس سنة ١٩١٣ جريدة (الفاروق) ويبدو أنه كان داعية للتجمعات لأن العمل الفردي محكوم عليه بالفشل، ولذلك دعا أيضا إلى تكوين (جامعة الصحافة الإسلامية) منذ ١٩١١. وقد عاشت الفاروق إلى ١٩١٥ حين اضطرت إلى التوقف تحت قوانين الحرب. والمعروف أن الدولة العثمانية دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا، وكان ابن قدور مع الدولة العثمانية وضد التجنيد الإجباري للجزائريين، ولذلك قادته السلطات الفرنسية راجلا من العاصمة إلى الأغواط ثم إلى عين ماضي حيث بقي منفيا إلى نهاية الحرب. وبعد

стр. 2231

الحرب رجع إلى العاصمة سنة ١٩١٩، وحاول إعادة الفاروق في شكل مجلة، ولعله غلب على أمره ماديا، فأوقفها وانضم إلى هيئة تحرير جريدة (الصديق) التي كان يحررها محمد بن بكير والمولود الزريبي. تعاون عمر بن قدور مع الصحف التونسية قبل إنشاء الفاروق، كما تعاون معه الصحفيون والكتاب التونسيون بعد إنشائها. كتب كما قلنا في جريدة التقدم التونسية، وجريدة الحاضرة التي كان يديرها علي بوشوشة وكانت تهتم بشؤون الجزائر. أما الذين تعاونوا معه من تونس فعددهم كثير، نذكر منهم معتمده هناك السيد الطيب بن عيسى، وأحمد توفيق المدني، وحسين الجزيري، وصالح السويسي، وإبراهيم بن شعبان، وصالح النجار. ويلمح علال الفاسي إلى أن اعتقال المدني والجزيري في تونس وعمر بن قدور في الجزائر كان متزامنا تقريبا، وأن ذلك يرجع في نظره إلى ما وجدته السلطات الفرنسية من مراسلات بينهم عند تفتيش منازلهم. وعد علال الفاسي عمر بن قدور من (المصلحين السلفيين في الجزائر) (١). ولكن بعضهم يذهب إلى أن ابن قدور قد غيرته ظروف الاعتقال منذ ١٩١٥، فهل ذلك صحيح؟. يقول صالح خرفي إن ابن قدور قد نفي إلى عين ماضي، وتساءل، بغموض، ما إذا كان معتقله في مقر الطريقة التجانية قد تكفل بترويضه حيث (تروض النفوس الأبية) التي استعصت على الاستعمار (٢). ويذهب آخرون إلى أن ابن قدور قد تحول إلى التصوف، ودخل في الطريقة التجانية وألف تأليفا حول هذا الموضوع سماه (الإبداء والإعادة في مسلك طريق السعادة) (٣) دافع فيه عن الطريقة المذكورة التي دخلها على يد المقدم محمد بن التواتي

стр. 2232

الأغواطي. وقد مر بنا أن معظم شيوخ الجزائر كانوا ينخرطون في الطرق الصوفية لحماية أنفسهم، لأن من لا شيخ له لا حماية له من سوط الإرهاب الاستعماري. ولم يكن انضمام بعضهم لها عن عقيدة راسخة فيها وإنما عن تقية. والله هو علام الغيوب!. توفي عمر بن قدور مبكرا- عن ٤٤ أو ٤٦ سنة فقط (١). وكان ذلك في وقت وجدت الجزائر فيه نفسها على يد الأمير خالد وابن باديس وأنصارهما. وكان يمكن لابن قدور أن يلعب دوره ضمن المدرسة الإصلاحية التي دعا إليها من قبل، وأن يؤلف الجماعة التي كان يحلم بها - جماعة التعاون الإسلامي على مستوى مفكري المغرب العربي - ولكن شيئا ما أصاب الرجل. هل هو خيبة الأمال؟ هل خضع لترويض خاص، على حد تعبير صالح خرفي؟ أو هل هناك عوامل أخرى جعلته يخمد بعد نشاط ويعود إلى الحرم الذي عاد إليه محمد العيد أيضا بعد عقدين؟ إن وراء مصير كل واحد قدرا يسيره. ويبدو أن مصير عمر بن قدور في الإصلاح والاهتمام بالنهضة ورفض الصهيونية والاستعمار قد توقف سنة ١٩١٥ ليبدأ مصير آخر، وهو ليس بدعا في ذلك. ولنعتبر بمصير الأمير خالد نفسه والطيب العقبي ومصالي الحاج ... والعبرة بما كان يتلجلج في الصدور وليس بما تبوح به الألسنة والأقلام. ونريد أن نضيف هامشا لحياة عمر بن قدور لم نر أحدا قد أشار إليه، وهو أنه، حسب أحمد الأكحل، المعاصر له وزميله في الدراسة ربما كان قد تولى مدرسة (الشبيبة الإسلامية) بالعاصمة، التي تأسست في أول العشرينات، كما عرفنا. وهي مدرسة كونها المحسنون ورضيت عنها الإدارة الفرنسية واعترفت بها وكانت مهمتها هي تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي للأطفال الجزائريين. والغريب أن الذي تولاها بعده هو الشاعر محمد العيد المنتمي أيضا للطريقة التجانية. فهل كانت هذه المدرسة توليفة فرنسية -

стр. 2233

تجانية طالما دعا إليها لويس رين وأضرابه من خبراء التصوف والدين في الجزائر لكبح جماح التعلق بالمشرق والحركات الإسلامية هناك، ولكبح جماح التعلق بالتيار الإصلاحي والسلفية في وقت ابن قدور ومحمد العيد؟ إن هذا مجرد تساؤل وليس لنا منه إلا الاستنتاج من التشابكات التاريخية والسياسية والدينية للوجود الاستعماري في الجزائر. ومهما كان الأمر فإن أحمد الأكحل يذهب إلى أن عمر بن قدور قد استقال من مدرسة الشبيبة الإسلامية (وأسس مدرسة قرآنية ذات نظام عصري)، وأن مدير المدرسة هو السيد مصطفى حافظ (١). والغريب أن أحمد توفيق المدني الذي كتب (كتاب الجزائر) في هذه السنوات (١٩٢٩ - ١٩٣٠) لم يتحدث عن حياة عمر بن قدور بعد الحرب سوى بعبارة موجزة عن إعادته الفاروق الجديدة وعمله في جريدة الصديق وإبعاده إلى الأغواط خلال الحرب (٢). يكفي عمر بن قدور أنه عرف بالقضية الجزائرية في الصحافة العربية والإسلامية، وأنه وقف ضد الاضطهاد الاستعماري أثناء فورانه، وكتب عن قضايا المغرب العربي والعالم الإسلامي برؤية نهضة شاملة، ودعا إلى الوحدة الإسلامية، والفكرة القومية، والتضامن الوطني في وقت مبكر كان فيه جيله ما يزال جاهلا بها أو داعيا إلى الاندماج مع المحتل. ثم أسس ابن قدور جريدة كانت رائدة في بابها. وقد استحق على أفكاره الوطنية ومواقفه المتحدية الاعتقال والإبعاد وإيقاف جريدته. وظلت روحه الصحفية مشتعلة حتى بعد رجوعه من المنفى، ولعله عاش حالة نفسية مثبطة أقوى مما كان يحتمل أو وجد عراقيل لم يستطع تجاوزها. ٢ - عمر راسم: حياة عمر راسم انفرد بها (تقويم الأخلاق) لمحمد العابد الجلالي، الذي ظهر سنة ٧ ١٩٢. ويبدو أن الجلالي كان يعرف عمر راسم شخصيا، ولذلك كتب عنه عن كثب ومعرفة دقيقة، سيما عن صحافته،

стр. 2234

وتنقلاته، وسجنه وآرائه. ولكن هناك ثغرتان في ترجمة الجلالي لعمر راسم، الأولى أنها ترجمة مبكرة لحياته تقع في منتصف عمره تقريبا، ولذلك فهي لا تغطي الجزء الثاني من هذا العمر. والثغرة الثانية أن هناك جوانب خفية لا يمكن للمعاصر أن يطلع عليها في حياة كل إنسان تقريبا، وذلك هو ما تتكفل به الوثائق والتجارب الأخرى والتي لا تظهر عادة إلا بعد وفاة الشخص وانقضاء فترة من الزمن. والواقع أن الذين ترجموا لعمر راسم بعد ذلك، مثل محمد ناصر ومحمد علي دبوز وأحمد توفيق المدني، لم يضيفوا جديدا عما قدمه عنه زميله الجلالي منذ ١٩٢٧. فما يزال النصف الثاني من حياته غير معروف إلا ما أضافه عنه الشيخ المدني في المذكرات (حياة كفاح)، وهي إضافة تلحق راسم بعمر بن قدور والأمير خالد وغيرهما من الرجال الذين كانت بدايتهم ونهايتهم مختلفتين. كذلك ما زال الجانب الوثائقي لحياته غير معروف. ولا شملت أن لدى مصالح الأمن الفرنسي معلومات غزوة عنه سما وقد عاش فترة حربين عالميتين، وكان شخصا مرموقا خلال ذلك. وهناك تشابه أيضا في حياة عمر راسم وحياة عمر بن قدور. كلاهما من العاصمة وإن كان ميلاد راسم أكبر بسنتين على ميلاد زميله (ولد عمر راسم سنة ١٨٨٣ أو ١٨٨٤) (١)، وهو أصيل بجاية حسب النسبة الملصقة باسمه، وحسيب صنهاجة لأنه كان يوقع اسمه أبو منصور الصنهاجي أحيانا، (٢) ويختلف عن عمر بن قدور في أننا نعرف أيضا نسبة عائلته ونعرف أنه هو عمر راسم بن علي بن سعيد بن محمد. ومنذ وقت مبكر أدخله والده الكتاب

стр. 2235

لحفظ القرآن الكريم، فحفظه وهو ابن سبع سنوات على ما قيل، ويبدو أن والده كان مسموع الكلمة إذ استطاع أن يجد لابنه وظيفة (حزاب)، وهو ابن اثني عشر سنة، وهي وظيفة لم يبق منها الكثير في نهاية القرن الماضي بعد أن انحصرت الوظائف الدينية في عدد من العائلات وهدمت أغلب المساجد أو عطلت. كان راسم إذن حزابا في جامع سفير، وفي هذا الجامع تلقى أيضا، درسا في النحو على الشيخ محمد بن مصطفى خوجة الذي امتدحه عمر راسم واعتبره شاعر العصر والخبير بأحوال المشرق (١). وقد دخل عمر راسم مدرسة الجزائر الشرعية الفرنسية (الثعالبية فيما بعد)، ولكنه لم يقض فيها سوى سنة واحدة. نم أخرج منها في ظروف غامضة. ذلك كل ما تلقاه عمر راسم من ثقافة رسمية: القرآن الكريم، ودرس في النحو، وسنة في مدرسة وتعلم مبادئ العلوم العربية والإسلامية وبعض اللغة الفرنسية. ولكنه كان طموحا موهوبا فعزم على تثقيف نفسه، سيما وقد ذاق حلاوة العلوم والآداب والتاريخ والأخبار، وعاصر بداية الصحافة وانتشار مدرسة التجديد الإسلامي وحركة الجامعة الإسلامية. وكان قد تجاوز العشرين عندما زار الشيخ محمد عبده الجزائر سنة ١٩٠٣. كما عاش الأحداث التي جرت بين اليهود والفرنسيين أواخر القرن عندما كان ماكس ريجس شيخا لبلدية العاصمة. ولعل ذلك هو ما لفت نظره إلى وضع اليهود في الجزائر الذين جنسهم الوزير اليهودي كريميو سنة ١٨٧٠. وقد كتب عمر راسم مبكرا عن الخطر الصهيوني في العالم العربي، وكان مطلعا على ما تنشره الصحف الفرنسية حول الموضوع. وكان من الطبيعي أن يعارض عمر راسم فرض التجنيد الإجباري على الجزائريين، وأن يقف في ذلك، مثل زميله عمر بن قدور، ضد الفئة الإندماجية التي قبلت بالتجنيد بشرط كسب الحقوق السياسية غير ناظرين إلى مسألة الدين والرابطة الإسلامية والعلاقة مع الخلافة. وكان اهتمامه بالحياة السياسية والثقافية هو الذي دفعه إلى أن يجرب

стр. 2236

الصحافة لأنها وسيلة لنشر الأفكار وتعليم الشعب. بدأ في الكتابة بالجرائد التونسية، مثل (التقدم) و (مرشد الأمة) و (المرشد). واعتبره محمد الصالح الجابري أول الكتاب الجزائريين الذين شاركوا في تحرير الصحف التونسية في أوائل هذا القرن. وترجع مقالته التي بعث بها إلى جريدة التقدم إلى سنة ١٩٠٧، وهي في الواقع ليست مقالة وإنما كانت رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة الفرنسية وإلى الحاكم العام بالجزائر (١). وواصل راسم نشره في جريدة التقدم حيث هاجم سنة ١٩٠٨ منح النياشين إلى الجزائريين من يد السلطات الفرنسية مقابل الخدمات والولاء على حساب الشعب والمصلحة الوطنية، كما هاجم مساوئ الحضارة الغربية، وانتقد الفئة المندمجة لأنهم (ولوا وجوههم شطر المتسلط علينا). واتبعوا سياسة الفرنسيين المتغلبين على الوطن (٢). ولعل عمر راسم قد نشر في (المرشد) وغيره بتونس قبل ١٩٠٧ أيضا. ومنذ ١٩٠٨ أنشأ عمر راسم صحيفة باسمه، وهي (الجزائر)، وقد وصفتها مجلة العالم الإسلامي بأنها جريدة بالعربية علمية أدبية وتربوية. وقالت إن (جماعة) قامت بإنشائها لتثقيف وتهذيب الجزائريين، وإنها جريدة دينية بالدرجة الأولى. ومن جهة أخرى قالت إن (الجزائر) تختار من الأخبار كل ما يهم المسلمين الجزائريين أو الذين يزورون الجزائر منهم. وكان الحديث عنها نوعا من الإعلان. لأن الجريدة طلبت من كل ذوي النوايا الحسنة بالمجلات، الإعلان عنها والتبادل معها والتعريف بها (٣). ورغم ذلك

стр. 2237

فإن (الجزائر) لم تنس إلا ثلاثة أو أربعة أعداد، ويرجع اختفاؤها إلى أسباب مالية حسب الجلالي والمدني. ولماذا ذهب عمر راسم إلى مصر سنة ١٩١٢؟ إن هذا التاريخ ملفت للنظر، ذلك أن قانون فرض التجنيد الإجباري قد صدر فيه، وكانت السلطات قد منعت الهجرة إلى المشرق بالقوة على الجزائريين الساخطين، وكان لوسياني، مدير الشؤون الأهلية، قد ذهب أيضا إلى مصر وسورية وتونس، ربما في تاريخ قبل هذا، كما كان يرسل هنا وهناك من يكتب له التقارير عن أوضاع معينة كالمدارس والمحاكم والمرأة. ومهما كان الأمر، فإن (التأويلات) قد أعقبت مهمة عمر راسم في مصر. ولا أحد يستطيع أن يمنع الخيال من أن يحلق. فالبعض قال إن رحلته كانت لغرض سياسي حكومي، وقال آخرون إنها كانت لطلب العلم والاطلاع (١). ويرى محمد العابد الجلالي أن عمر راسم قد ذهب إلى مصر للتعرف على أحوال المسلمين لأنه بطبعه كان يهتم بذلك. ولكن من أدراه؟ على أننا لا نعرف كم دامت هذه الزيارة لمصر، وهل تواصلت إلى غيرها أيضا. ولا نعرف أن عمر راسم كتب شيئا عن رحلته المشرقية. كما يذهب الجلالي إلى أن عمر راسم قد تعاون مع عمر بن قدور على إصدار (الفاروق) سنة ١٩١٣. ثم قرر أن يصدر جريدة خاصة به سماها (ذو الفقار) أوائل ١٩١٤. ولو سافرت جهودهما لكان أفضل للبلاد. ولم يصدر من (ذو الفقار) سوى أربعة أعداد، وقد أجاب أصدقاءه الذين نصحوه بالتخفيف من حدة لهجته بأنه اتقى الشر بجعل الجريدة تحت اسم عالمين أحدهما فرنسي وهو هنري الروشفور، والثاني مسلم وهو الشيخ محمد عبده. وكان عمر راسم حسن الخط ونساخا، فاستدعته جريدة (المبشر) للعمل فيها والاستفادة من خطه، وربما كان للسلطات خطة في القضاء عليه

стр. 2238

أو تدجينه، كما دجنت عمر بن قدور بعد ذلك. وبدأ راسم العمل في المبشر، ثم لم يتم أن اتهم بالتورط في التعامل مع العدو، وقبض عليه وزج به في السجن يوم ١٣ غشت ١٩١٥، في نفس الفترة التي اعتقل فيها زميله ابن قدور. وكانت الدولة العثمانية عندئذ قد دخلت الحرب ضد فرنسا. ثم حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، نوفمبر ١٩١٥ ولم يفرج عنه إلا سنة ١٩٢١، بعد مراجعة القضية وتدخل بعض الفرنسيين والجزائريين لصالحه. نحن لا نستغرب أن يحدث ذلك لرجل مثل عمر راسم (وعمر بن قدور)، لأن الحرب فرضت على الجميع الصمت أو العمل (المخلص) مع فرنسا، أو السجن. لم نسمع باعتقال رجال الدين والزوايا الساكتين أو المؤيدين، ولا بصوالح وتامزالي وابن التهامي الاندماجيين، ولكننا سمعنا بسجن ونفي العمرين (راسم وابن قدور). وهذا شرف لهما في ذلك الوقت لأنهما فيما يبدو ناصرا القضية الإسلامية على القضية الفرنسية. ومن سوء حظ عمر راسم أن بريده إلى جريدة. (الشعب) المصرية قد سقط في أيدي المخابرات الإنكليزية. وكان البريد عبارة عن رسالة بتوقيعات عديدة من الجزائريين لنشرها، وهي رسالة تدعو المسلمين إلى الاقتداء بالسلطان العثماني، خليفة المسلمين والتوقف عن مساعدة أعداء المسلمين. وبعد تبادل الوثائق بين الحليفتين (بريطانيا وفرنسا) وجهت هذه (فرنسا) التهمة لعمر راسم على أنه محرر تلك الرسالة. وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه (وصايا) علماء الجزائر ورجال الدين والطرق الصوفية تنعي على تركيا دخول الحرب، وتناصر فرنسا ضدها، وتدعو مسلمي الجزائر إلى الوقوف في صف (أم الوطن) الحنينة على الجزائريين وفاعلة الخير معهم - فرنسا (١).

стр. 2239

تراث عمر راسم يتمثل في مجموعة من مقالات نشرها في الصحف التونسية والجزائرية، وفي خطب قيل إنه كان يلقيها بالعربية والفرنسية. وفي مجموعة من التراجم لأعيان علماء الجزائر، ما تزال مخطوطة ولعلها ضاعت. ومن تراثه أيضا بعض اللوحات الفنية القائمة على توظيف الخط العربي الذي كان يجيده. ونحن نعتقد أن رجلا في مثل ثقافته السياسية واطلاعه وطول عمره لا يمكن أن يترك فقط هذا التراث الضئيل الذي يرجع معظمه إلى منتصف عمره. حقيقة أن عهدا من اليأس قد طغى عليه، وأن إهمالا قد أحس به، وقد وصفه أحمد توفيق المدني في المذكرات بعبارات مؤثرة (١). ولكننا لا نصدق أن عمر راسم قد توقف تماما عن العطاء الأدبي والفني والقلمي. فأين تراثه الكامل؟. ذكر له محمد العابد الجلالي بعض المقالات منها: (اليقظة الجزائرية) التي نشرها في جريدة (مرشد الأمة) ورد فيها على من كتب في جريدة (المشير) حول الحركة الفكرية في الجزائر. قال هذا الكاتب إن أحوال الجزائر تتحسن، ولكن راسم في رده ذهب إلى غير ذلك، وقال إنها تسوء بل في (أسوإ حال) رغم أن الجزائريين يفرحون بما يحدث في العالم الإسلامي من تغيير، وقال إن (قرننا هذا هو قرن الظلمات). واعتبر ما حدث من جديد في الجزائر إنما هو الفساد الأخلاقي والاجتماعي حتى أرغمنا على (بيع ما نملك بالثمن البخس إلى المغتصبين). وانتقد في مقالته الخطباء (السياسيين؟) والجرائد التي تكذب بالحديث عن سعادة الجزائريين، وإنما هي تدس السم في العسل. وفي نظره أن الجزائري تحت الاستعمار الفرنسي، هو (آخر الآدميين درجة) فقرا وجهاز. وكانت نظرة راسم إلى المستقبل أيضا نظرة سوداء (٢).

стр. 2240

وجاءت في افتتاحية العدد الثالث من جريدته (ذو الفقار) التي عنونها (بالإسلام والمسلمين) عبارات مفعمة بالثورة على الوضع العام الذي عليه المسلمون الجزائريون وغيرهم. وفي لهجة خطابية ساخنة تساءل كيف يكون المسلم مسلما في بلاد مساجدها خالية من المصلين، بينما شوارعها مملوءة باللصوص والسفلة، بلاد انتشر فيها الربى والسلب والجفاء بين أهلها، وانعدم فيها الإحسان، وكثر فيها تقليد الكافرين (الفرنسيين). ودعا راسم إلى نبذ الكسل والخمول والتوكل على الغير، وإلى التخلق بالفضيلة. وقال إننا إذا لم نعرف الأسباب التي أدت بالأمة العربية إلى القوة والسؤدد، اندثرنا. وفي نظره أن تلك الأسباب لا تخرج عن مكارم الأخلاق وأحاسن الصفات. ثم طلب من الله أن يجري في عروقنا دم السلف (١). أما مخطوط (تراجم علماء الجزائر) فلم نطلع عليه، ولكن اطلع عليه غيرنا (٢)، وعرفنا منه أنه ترجم فيه تراجم مختصرة وغير عميقة لعدد من معاصريه وسلفهم، مثل محمد بن مصطفى خوجة، وحمدان خوجة، ولعله تناول أيضا شيخيه المجاوي وابن سماية. ونظن أنه يقصد (بالجزائر) العاصمة، ومن ثمة لا نتوقع أنه ترجم فيه لآخرين من علماء القطر. ولو اطلعنا عليه لعلمنا إحاطته وطريقته فيه. ولكنه عمل مفيد على كل حال، سيما إذا قورن بتراجم الحفناوي في تعريف الخلف التي تزامنت مع ظهور عمر راسم. وقبل أن يتحقق حلم عمر راسم في استقلال وطنه الذي طالما استنهضه بقلمه وخطابه، انطفأت شمعته بالعاصمة عن ٧٥ سنة، كان ذلك عام ١٣٧٩ (١٩٥٩). وقد كانت البلاد في ثورة عارمة ضد المحتل، وكانت تباشير النصر قد أخذت تلوح في الأفق.

стр. 2241

٣ - أبو اليقظان: بالمقارنة إلى زميليه عمر راسم وعمر بن قدور، كان أبو اليقظان معروفا وله شخصية محددة وآثار متنوعة وخط فكري مستقيم، وقد كدنا لا نترجم له هنا لولا غلبة الصحافة عليه سيما في النصف الأول من عمره. فخلال حوالي اثنتي عشرة سنة كان كو اليقظان يصارع الإدارة من أجل تثبيت حق الصحف العربية في الوجود والبقاء. وعندما يتكلم الناس اليوم عن حقوق الصحفيين وضحايا الصحافة يجب أن يكون أبو اليقظان من أصحاب الحق الأوائل ومن أئمة الضحايا. ولا حاجة إلى التذكير بأن حق الصحافة العربية كان يختلف عن حق الصحافة الفرنسية في الجزائر. وأبو اليقظان متعدد الجوانب، فقد كان من كتاب التراجم ومن الشعراء ومن المناضلين في السياسة ومن الباحثين في الفقه، وفوق ذلك كله فإنه كان من كتاب المقالة الصحفية ومن الذين تركوا أيضا، تأليفا في تاريخ الصحافة التي أنشأها. وسوف لا نهتم هنا إلا بنشأته ونشاطه الصحفي. ولد أبو اليقظان (إبراهيم بن عيسى) سنة ١٨٨٨ في القرارة إحدى بلدات ميزاب وإحدى دوائر ولاية غرداية حاليا. وقد اشتهرت القرارة بعلمائها ومساهمتها الثقافية. ومن أبرز رجالها الشيخ إبراهيم بيوض الذي أسس معهد الحياة سنة ١٩٢٥ والذي انتهى إلى ختم تفسير القرآن الكريم. وإذا كانت حياة الشيخ بيوض لا تعنينا هنا فإن حياة أبي اليقظان بدأت في القرارة حيث جفاف الصحراء وروعة الواحات وحيث يسود المذهب الإباضي، وحياة التقشف التي تكاد تصل إلى الزهد والابتعاد عن البذخ والأبهة مع الجد في العمل والقسوة على النفس. وفي القرارة درس أبو اليقظان على الطريقة التقليدية فحفظ القرآن الكريم ومبادئ الدين واللغة العربية، وربما تعلم مبادئ التجارة شأن

стр. 2242

أهل ميزاب، وعندما حلت سنة ١٩١٢ توجه إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة. ولعله عاصر بعض الوقت هناك نده الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي سبقه إلى الزيتونة ببضع سنوات، كما درس أبو اليقظان في المدرسة الخلدونية التي تردد عليها ابن باديس أيضا، وفي سنة ١٩١٤ ترأس أبو اليقظان أول بعثة ميزابية زيتونية إلى تونس، وهو تقليد سار عليه الميزابيون عدة عقود بعد ذلك، إذ تتوجه مجموعة من الطلبة إلى تونس طلبا للعلم، وتكون البعثة عادة بإشراف أقدم الطلبة وأكثرهم تجربة ونزاهة وشعورا بالمسؤولية وحرصا على مصلحة الطلبة والبلاد، وربما تأثرت البعثة بالحرب العالمية، ولكنها استأنفت نشاطها العلمي بعد ١٩٢٠. وفي هذه السنة (١٩٢٠) كان أبو اليقظان قد تثقف دينيا وصحفيا وسياسيا، وأصبح له رأي في شؤون الحياة. وكانت تونس تتحرك في عدة اتجاهات، ومنها الاتجاه الوطني بزعامة عبد العزيز الثعالبي، وقد سبق للثعالبي أن زار الجزائر آخر القرن الماضي، وشارك أوائل هذا القرن في حركة الشباب التونسي إلى جانب علي باشا حانبه، وكان يشتغل عندئذ بالصحافة. وأما بعد الحرب فقد نشط الثعالبي - بعد نفي الزعيم الأول من زعماء الشباب التونسي - من أجل القضية التونسية، فأسس الحزب الدستوري وسافر إلى مؤتمر فرساي لتقديم القضية التونسية، ونشر مع زملائه كتاب تونس الشهيدة. وكان الحزب الدستوري يضم عددا من الجزائريين أيضا. ومنهم بعض الميزابيين، وكان أبو اليقظان من هؤلاء، وكان الحزب (مدرسة) تعلم فيها أبو اليقظان النشاط السياسي والتوجه الوطني والنضال الصحفي. وقد رجع أبو اليقظان إلى الجزائر سنة ١٩٢٥ فوجدها تمور بالنشاط الجديد والأفكار الغريبة التي تولدت عن فشل حركة الأمير

стр. 2243

خالد، وإعلان ما سمي بالإصلاحات الإدارية والسياسية، وظهور حركة ابن باديس، والصراع بين الشيوعيين والإدارة، ومحاولات الاندماجيين ملء الفراغ الذي نشأ من نفي الأمير خالد، ومن هذا النشاط ظهور صحف جديدة في الساحة. ومنها (المنتقد) لابن باديس و (صدى الصحراء) للعقبي وزملانه، و (التقدم) للاندماجيين، و (الصديق) لابن قدور والزريبي وبكير، ولم تكد تحل سنة ١٩٢٦ حتى أنشأ أبو اليقظان (وادي ميزاب) التي كانت باكورة جرائده والتي كانت تطبع في تونس وتوزع في الجزائر. ولم تكن الصحافة هي باكورة أبي اليقظان في الإنتاج، فقد سبق له أن نشر بتونس سنة ١٩٢٣ كتابا بعنوان (إرشاد الحائرين) ويبدو أن هذا الكتاب يتضمن موضوعات اجتماعية ودينية. ونحن لم نجد من تعرض له بالتعريف أو النقد. ولعله هو أول كتاب ألفه، كما سبق لأبي اليقظان أن راسل الأمير خالد عندما كان الأمير في قمة شعبيته سنة ١٩٢٢. ثم توالت أنشطة أبي اليقظان في الجزائر، فبالإضافة إلى الكتابة في صحفه العديدة، أسس المطبعة العربية سنة ١٩٣١، وهي المطبعة التي كانت تطبع الكتب ذات الاتجاه الوطني والإصلاحي، ولا ندري إلى الآن صلتها بالمطبعة التي أسسها محمد بكير صاحب جريدة الصديق، وشارك أبو اليقظان في تأسيس جمعية العلماء سنة ١٩٣١ ثم انتخب عضوا في مجلسها الإداري سنة ١٩٣٤، وبذلك ارتبط نشاطه بالاتجاه الوطني الإصلاحي الداعي إلى النهضة ونحرير الجزائر بالإسلام والعربية. وفي هذا الإطار كان يتراسل مع زعماء الإصلاح والوطنية بالمشرق أمثال الأمير شكيب ارسلان وسليمان الباروني. وفتح صحفه

стр. 2244

للاراء المتنوعة التي تعالج هذه الموضوعات، وتبني مبدأ تحرير المغرب العربي، فكان ينشر أخبار الكفاح الوطني في الأقطار المغاربية ونشاط زعمائها. وخص سليمان الباروني بترجمة وافية وموثقة في جزئين ط. ١٩٦٥. وأصدر ديوان شعر (١٩٣١)، وكان شعره صورة لنشاطه وتوجهه الفكري، فهو شعر إخواني وإصلاحي ووصفي واجتماعي. أما دوره الصحفي وعدد صحفه وصراعه مع الإدارة فقد تناوله أكثر من واحد وهو الظاهرة الفريدة التي تميز بها أبو اليقظان، سيما الفترة الممتدة من ١٩٢٦ إلى ١٩٣٨. فقد كان يصدر صحيفته تحت عنوان جديد كلما منعته الإدارة من إصدار الجريدة. فكانت الأحداث تكيفه ولكنها لا تكسره، على حد تعبير أحد المعاصرين. ويبدو أن سنة ١٩٣٨ كانت حداد فاصلا في هذه المعركة. وقد كانت فعلا حدا فاصلا بالنسبة لغيره أيضا، فقد فشل المؤتمر الإسلامي الجزائري (انعقد ١٩٣٦) في تحقيق أهدافه، وكان على الأحزاب والجمعيات أن تعلن عن مواقفها من الإدارة الفرنسية، معها أو ضدها، بالنسبة للتحالف الدولي. وقد امتنع ابن باديس باسم جمعية العلماء من إرسال برقية تأييد لفرنسا مما أدى إلى استقالة بعض الأعضاء من المجلس الإداري للجمعية، ومنهم الطيب العقبي والأمين العمودي، فهل كان أبو اليقظان من بينهم؟ كما أن سنة ١٩٣٩ قد جعلت الصحف النزيهة والوطنية تتوقف عن الصدور خشية أن يفرض عليها نشر ما لا ترغب فيه، فهل فضل أبو اليقظان السكوت، وأغلق جرائده أسوة بإبن باديس؟. ومهما كان الأمر فإن أي اليقظان قد توقف عن نشر الصحف وتفرغ للتأليف، ولا ندري متى انتقل نهائيا إلى القرارة، فهل كان ذلك عند الحرب العالمية الثانية، أو بعد ثورة ١٩٥٤؟ لقد ألف أبو اليقظان

стр. 2245

خلال فترة الهدوء والعزلة هذه عدة مؤلفات، بعضها ما يزال مخطوطا، ومنها (سلم الاستقامة) الذي قيل إنه يقع في سبعة أجزاء، وهو في الفقه. وتاريخ صحفه، وتاريخ الأباضية في سوف والجريد، وقد قيل إن كتبه بلغت نحو ستين مؤلفا. ورغم هذا الإنتاج الغزير والمتنوع، فإن أبرز ما ميز حياة أبي اليقظان هو العمل الصحفي الذي أخلص له كل الإخلاص، وبرع فيه كل البراعة، ومن أجل ذلك أدرجناه في هذه الفقرة (١). التقاويم وقد فضلنا أن ندخل التقاويم في باب النشرات الحولية. والواقع أنه لم يصدر في الجزائر بالعربية إلا عدد قليل منها أولها هدية الأخوان في موافقة التاريخين وتوقيعات الزمان وفوائد متفرقة لها شأن، تأليف محمد الصالح العنتري، وقد طبعه سنة ١٨٤٧ طباعة حجرية، ويعتبر أول تقويم عربي في الجزائر حسب علمنا. وكان العنتري يعمل خوجة في المكتب العربي بقسنطينة فطلب منه الضابط الفرنسي المسؤول على ذلك المكتب، واسمه بواسوني، أن يضع تقويما يتضمن التاريخ الهجري والميلادي وأخبار العلم والدين والسياسة والأدب والحوادث الجارية ونحو ذلك، وكان هدف بواسوني إشاعة التأثير الفرنسي بين الجزائريين بذكر الغرائب لهم وكذلك بعض الفوائد الطريفة والعلمية كمدخل لتقريبهم من الفرنسيين، ومن ذلك جلب الأمثلة على التعاون المصري - الفرنسي الذي نتجت عنه فوائد للطرفين، فلماذا لا يقتدي الجزائريون بالمصريين في ذلك. كما جاء في
следующие страницы →