← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٣ - أبو اليقظان: بالمقارنة إلى زميليه عمر راسم وعمر بن قدور، كان أبو اليقظان معروفا وله شخصية محددة وآثار متنوعة وخط فكري مستقيم، وقد كدنا لا نترجم له هنا لولا غلبة الصحافة عليه سيما في النصف الأول من عمره. فخلال حوالي اثنتي عشرة سنة كان كو اليقظان يصارع الإدارة من أجل تثبيت حق الصحف العربية في الوجود والبقاء. وعندما يتكلم الناس اليوم عن حقوق الصحفيين وضحايا الصحافة يجب أن يكون أبو اليقظان من أصحاب الحق الأوائل ومن أئمة الضحايا. ولا حاجة إلى التذكير بأن حق الصحافة العربية كان يختلف عن حق الصحافة الفرنسية في الجزائر. وأبو اليقظان متعدد الجوانب، فقد كان من كتاب التراجم ومن الشعراء ومن المناضلين في السياسة ومن الباحثين في الفقه، وفوق ذلك كله فإنه كان من كتاب المقالة الصحفية ومن الذين تركوا أيضا، تأليفا في تاريخ الصحافة التي أنشأها. وسوف لا نهتم هنا إلا بنشأته ونشاطه الصحفي. ولد أبو اليقظان (إبراهيم بن عيسى) سنة ١٨٨٨ في القرارة إحدى بلدات ميزاب وإحدى دوائر ولاية غرداية حاليا. وقد اشتهرت القرارة بعلمائها ومساهمتها الثقافية. ومن أبرز رجالها الشيخ إبراهيم بيوض الذي أسس معهد الحياة سنة ١٩٢٥ والذي انتهى إلى ختم تفسير القرآن الكريم. وإذا كانت حياة الشيخ بيوض لا تعنينا هنا فإن حياة أبي اليقظان بدأت في القرارة حيث جفاف الصحراء وروعة الواحات وحيث يسود المذهب الإباضي، وحياة التقشف التي تكاد تصل إلى الزهد والابتعاد عن البذخ والأبهة مع الجد في العمل والقسوة على النفس. وفي القرارة درس أبو اليقظان على الطريقة التقليدية فحفظ القرآن الكريم ومبادئ الدين واللغة العربية، وربما تعلم مبادئ التجارة شأن

стр. 2242

أهل ميزاب، وعندما حلت سنة ١٩١٢ توجه إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة. ولعله عاصر بعض الوقت هناك نده الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي سبقه إلى الزيتونة ببضع سنوات، كما درس أبو اليقظان في المدرسة الخلدونية التي تردد عليها ابن باديس أيضا، وفي سنة ١٩١٤ ترأس أبو اليقظان أول بعثة ميزابية زيتونية إلى تونس، وهو تقليد سار عليه الميزابيون عدة عقود بعد ذلك، إذ تتوجه مجموعة من الطلبة إلى تونس طلبا للعلم، وتكون البعثة عادة بإشراف أقدم الطلبة وأكثرهم تجربة ونزاهة وشعورا بالمسؤولية وحرصا على مصلحة الطلبة والبلاد، وربما تأثرت البعثة بالحرب العالمية، ولكنها استأنفت نشاطها العلمي بعد ١٩٢٠. وفي هذه السنة (١٩٢٠) كان أبو اليقظان قد تثقف دينيا وصحفيا وسياسيا، وأصبح له رأي في شؤون الحياة. وكانت تونس تتحرك في عدة اتجاهات، ومنها الاتجاه الوطني بزعامة عبد العزيز الثعالبي، وقد سبق للثعالبي أن زار الجزائر آخر القرن الماضي، وشارك أوائل هذا القرن في حركة الشباب التونسي إلى جانب علي باشا حانبه، وكان يشتغل عندئذ بالصحافة. وأما بعد الحرب فقد نشط الثعالبي - بعد نفي الزعيم الأول من زعماء الشباب التونسي - من أجل القضية التونسية، فأسس الحزب الدستوري وسافر إلى مؤتمر فرساي لتقديم القضية التونسية، ونشر مع زملائه كتاب تونس الشهيدة. وكان الحزب الدستوري يضم عددا من الجزائريين أيضا. ومنهم بعض الميزابيين، وكان أبو اليقظان من هؤلاء، وكان الحزب (مدرسة) تعلم فيها أبو اليقظان النشاط السياسي والتوجه الوطني والنضال الصحفي. وقد رجع أبو اليقظان إلى الجزائر سنة ١٩٢٥ فوجدها تمور بالنشاط الجديد والأفكار الغريبة التي تولدت عن فشل حركة الأمير

стр. 2243

خالد، وإعلان ما سمي بالإصلاحات الإدارية والسياسية، وظهور حركة ابن باديس، والصراع بين الشيوعيين والإدارة، ومحاولات الاندماجيين ملء الفراغ الذي نشأ من نفي الأمير خالد، ومن هذا النشاط ظهور صحف جديدة في الساحة. ومنها (المنتقد) لابن باديس و (صدى الصحراء) للعقبي وزملانه، و (التقدم) للاندماجيين، و (الصديق) لابن قدور والزريبي وبكير، ولم تكد تحل سنة ١٩٢٦ حتى أنشأ أبو اليقظان (وادي ميزاب) التي كانت باكورة جرائده والتي كانت تطبع في تونس وتوزع في الجزائر. ولم تكن الصحافة هي باكورة أبي اليقظان في الإنتاج، فقد سبق له أن نشر بتونس سنة ١٩٢٣ كتابا بعنوان (إرشاد الحائرين) ويبدو أن هذا الكتاب يتضمن موضوعات اجتماعية ودينية. ونحن لم نجد من تعرض له بالتعريف أو النقد. ولعله هو أول كتاب ألفه، كما سبق لأبي اليقظان أن راسل الأمير خالد عندما كان الأمير في قمة شعبيته سنة ١٩٢٢. ثم توالت أنشطة أبي اليقظان في الجزائر، فبالإضافة إلى الكتابة في صحفه العديدة، أسس المطبعة العربية سنة ١٩٣١، وهي المطبعة التي كانت تطبع الكتب ذات الاتجاه الوطني والإصلاحي، ولا ندري إلى الآن صلتها بالمطبعة التي أسسها محمد بكير صاحب جريدة الصديق، وشارك أبو اليقظان في تأسيس جمعية العلماء سنة ١٩٣١ ثم انتخب عضوا في مجلسها الإداري سنة ١٩٣٤، وبذلك ارتبط نشاطه بالاتجاه الوطني الإصلاحي الداعي إلى النهضة ونحرير الجزائر بالإسلام والعربية. وفي هذا الإطار كان يتراسل مع زعماء الإصلاح والوطنية بالمشرق أمثال الأمير شكيب ارسلان وسليمان الباروني. وفتح صحفه

стр. 2244

للاراء المتنوعة التي تعالج هذه الموضوعات، وتبني مبدأ تحرير المغرب العربي، فكان ينشر أخبار الكفاح الوطني في الأقطار المغاربية ونشاط زعمائها. وخص سليمان الباروني بترجمة وافية وموثقة في جزئين ط. ١٩٦٥. وأصدر ديوان شعر (١٩٣١)، وكان شعره صورة لنشاطه وتوجهه الفكري، فهو شعر إخواني وإصلاحي ووصفي واجتماعي. أما دوره الصحفي وعدد صحفه وصراعه مع الإدارة فقد تناوله أكثر من واحد وهو الظاهرة الفريدة التي تميز بها أبو اليقظان، سيما الفترة الممتدة من ١٩٢٦ إلى ١٩٣٨. فقد كان يصدر صحيفته تحت عنوان جديد كلما منعته الإدارة من إصدار الجريدة. فكانت الأحداث تكيفه ولكنها لا تكسره، على حد تعبير أحد المعاصرين. ويبدو أن سنة ١٩٣٨ كانت حداد فاصلا في هذه المعركة. وقد كانت فعلا حدا فاصلا بالنسبة لغيره أيضا، فقد فشل المؤتمر الإسلامي الجزائري (انعقد ١٩٣٦) في تحقيق أهدافه، وكان على الأحزاب والجمعيات أن تعلن عن مواقفها من الإدارة الفرنسية، معها أو ضدها، بالنسبة للتحالف الدولي. وقد امتنع ابن باديس باسم جمعية العلماء من إرسال برقية تأييد لفرنسا مما أدى إلى استقالة بعض الأعضاء من المجلس الإداري للجمعية، ومنهم الطيب العقبي والأمين العمودي، فهل كان أبو اليقظان من بينهم؟ كما أن سنة ١٩٣٩ قد جعلت الصحف النزيهة والوطنية تتوقف عن الصدور خشية أن يفرض عليها نشر ما لا ترغب فيه، فهل فضل أبو اليقظان السكوت، وأغلق جرائده أسوة بإبن باديس؟. ومهما كان الأمر فإن أي اليقظان قد توقف عن نشر الصحف وتفرغ للتأليف، ولا ندري متى انتقل نهائيا إلى القرارة، فهل كان ذلك عند الحرب العالمية الثانية، أو بعد ثورة ١٩٥٤؟ لقد ألف أبو اليقظان

стр. 2245

خلال فترة الهدوء والعزلة هذه عدة مؤلفات، بعضها ما يزال مخطوطا، ومنها (سلم الاستقامة) الذي قيل إنه يقع في سبعة أجزاء، وهو في الفقه. وتاريخ صحفه، وتاريخ الأباضية في سوف والجريد، وقد قيل إن كتبه بلغت نحو ستين مؤلفا. ورغم هذا الإنتاج الغزير والمتنوع، فإن أبرز ما ميز حياة أبي اليقظان هو العمل الصحفي الذي أخلص له كل الإخلاص، وبرع فيه كل البراعة، ومن أجل ذلك أدرجناه في هذه الفقرة (١). التقاويم وقد فضلنا أن ندخل التقاويم في باب النشرات الحولية. والواقع أنه لم يصدر في الجزائر بالعربية إلا عدد قليل منها أولها هدية الأخوان في موافقة التاريخين وتوقيعات الزمان وفوائد متفرقة لها شأن، تأليف محمد الصالح العنتري، وقد طبعه سنة ١٨٤٧ طباعة حجرية، ويعتبر أول تقويم عربي في الجزائر حسب علمنا. وكان العنتري يعمل خوجة في المكتب العربي بقسنطينة فطلب منه الضابط الفرنسي المسؤول على ذلك المكتب، واسمه بواسوني، أن يضع تقويما يتضمن التاريخ الهجري والميلادي وأخبار العلم والدين والسياسة والأدب والحوادث الجارية ونحو ذلك، وكان هدف بواسوني إشاعة التأثير الفرنسي بين الجزائريين بذكر الغرائب لهم وكذلك بعض الفوائد الطريفة والعلمية كمدخل لتقريبهم من الفرنسيين، ومن ذلك جلب الأمثلة على التعاون المصري - الفرنسي الذي نتجت عنه فوائد للطرفين، فلماذا لا يقتدي الجزائريون بالمصريين في ذلك. كما جاء في

стр. 2246

هذا الكتاب الصغير أمثلة عن تحرر بعض العلماء مثل الشيخ حسن العطار الذي كان شيخا للأزهر، ومع ذلك كان يخالط الفرنسيين متحررا في آرائه. وقد اشتمل (هدية الإخوان) أيضا على أشعار في مدح الفرنسيين نظمها محمد الشاذلي وغيره. ومهما كان غرض بواسوني فإن هذا الكتيب الأول من نوعه قد لصق باسم العنتري (١). أما ثاني التقاويم فهو الذي أصدره الشيخ محمود كحول سنة ١٩١١ وقد استمر ثلاث سنوات، وكان مفيدا للغاية ومتنوعا. وكان اسم المستعرب لويس بودي يرافق اسم الشيخ كحول. ونظرا للإتقان العلمي والفني ونظام الطبع ووفرة الصور الخ ... فإننا نعتقد أن إدارة الشؤون الأهلية هي التي كانت وراء هذا التقويم، فهي التي كانت تموله وتمده بالمعلومات والوسائل، ولكن تجربة الشيخ كحول في التعليم وفي المبشر وفي كوكب أفريقية، واطلاعه الواسع على الأدب العربي والتاريخ والدين والفلسفة جعلته يعطي (للتقويم الجزائري) - كما كان يسمى - مكانة مرموقة بين التقاويم. وقد جاء في ديباجة العدد الأول (١٩١١) هذه الشكوى والأمل المعقود على التقويم: (ويعلم الله أننا تحملنا عبء هذا المشروع وعناءه في باكورة أعوامه، ونفوسنا تحدثنا بأنه سيلقي من عموم القراء والمشغوفين بالتهافت على رياض الأدب وحدائقه إقبالا عظيما يشد عضده .... ويؤازره على التدرج في مدارج الحياة ... ويكون ذلك برهانا ساطعا على دبيب الحياة في عروق إخواننا ونموها ... وفي ذلك حجة بالغة على تقديرهم هذا العمل الذي يكون به للجزائرية ذكر عاطر بين إخوته من الأقطار العربية: وما الحياة بأنفاس نرددها ... إن الحياة حياة الفكر والعمل) (٢)

стр. 2247

وقد اطلعنا على الأعداد الثلاثة من التقويم فكانت تمثل ثروة كبيرة من المعلومات والنصوص القديمة والتراجم والصور والإحصاءات والأخبار والأشعار. أما اختيار الصور وبعض الموضوعات فهو اختيار فرنسي بطبيعة الحال، وكذلك التوجيه العام. ونذكر بأن التقويم قد صدر في عهد إدارة شارل جونار وانتهى بانتهائها (١٩١٣). والتقويم الثالث هو (تقويم المنصور) الذي أصدره أحمد توفيق المدني في تونس،، ثم واصل إصداره في الجزائر بعد نفيه إليها سنة ١٩٢٥. وقد صدر من التقويم في تونس أربعة أجزاء، وصدر منه في الجزائر حوالي ثلاثة أجزاء بدأها بالسنة الخامسة منه (سنة ١٩٢٩) وكان تقويم المنصور موسوعة للعلوم والجغرافية والآداب والتاريخ والسياسة والحوادث والتراجم (١). وقد استكتب له الشيخ المدني عناصر بارزة وأقلاما معروفة عندئذ، فأمدته بمادة غزوة في شتى المعلومات. كما أن إطلاعه الواسع واهتمامه بالتاريخ والسياسة والحوادث الجارية ومعرفته باللغة الفرنسية، ونشاطه الجم، كل ذلك جعله يوفر ثروة طائلة من المعلومات لموسوعته التي كانت تخضع لتبويب حكيم. ومن موضوعات التقويم الصادر بالجزائر: الوجود الفنيقي في أمريكا مع لوحة عليها كتابات منسوبة إلى بحارة فينيقيين. ومن الذين ساهموا فيه عندئذ: محمد العاصمي، ومصطفى بن شعبان والشيخ المدني نفسه. وكان أحمد توفيق المدني شعلة من الحيوية حركت عددا من المشاريع الثقافية والصحفية في الجزائر خلال العشرينات، ومنها إنشاء نادي الترقي سنة ١٩٢٧.

стр. 2248

أما التقويم الرابع فهو (تقويم الأخلاق) الذي أصدره محمد بن العابد الجلالي في فاتح ١٩٢٧ (١٣٤٥ هـ)، وقد طبعه في المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة، ويقع في ١٧٩ صفحة. وقد جعل شعاره مقولة الخليفة أبي بكر الصديق: (أدن من الموت توهب لك الحياة). حاثا الشباب على الإقدام والنشاط وعدم الخوف من المستعمرين. وكان دافعة في إصدار التقويم هو المساهمة في النهضة المباركة - كما قال - لعله يفي (بحق من حقوق الوطن) عليه. والمعروف أن الشيخ محمد بن العابد كان من رواد الفكر الوطني ودعاة النهوض والحرية. ولذلك كانت مقدمة التقويم ونصوصه كلها تعبر عن هذه الروح الثائرة. كان مخطط الجلالي أن يصدر التقويم سنويا، ويضمنه (أنواعا من الفوائد وفنونا من الأدب) وأولها الأخلاق التي اعتبرها عماد النهضات عند الشعوب. ولذلك أطلق على مشروعه اسم (تقويم الأخلاق)، وعرف التقويم بأنه كتاب سنوي يكون مرآة للوطن، بما فيه من خير وشر، حسب تعبيره، وقال إن من خصائص التقويم أن يضم مباحث في مختلف العلوم والآداب والنظم الإدارية وتاريخ البلاد (وروحها الوطني والأدبي) وفائدته معرفة الإنسان لبلاده ليغار عليها، ويدافع عنها، وإن غرض التقويم هو تنوير البصائر والعقول (لكي ندرك وجودنا في هذه البلاد). واعتبر الجزائري ما يزال شاخصا مندهشا كأن (الطبيعة قد قذفت به قبل الأوان). وقد تعمدنا أخذ بعض الأفكار من تقويم الأخلاق لتدرك أن الشيخ الجلالي كان متحمسا لإنشاء التقويم لا لغرض تجاري أو إشهاري وإنما بدافع وطني، وإسهاما منه في (خدمة العلم وتأييدا لنهضتنا المقدسة) كما قال. وقد بوبه إلى اثني عشر بابار وكلها على قسمين يحملان نفس العنوان وهو (مبحث الأخلاق والآداب الإسلامية). وقبل الوصول إلى هذا التقسيم جاء بعناوين مثل: القضاء الإسلامي في الجزائر، وعلم الميقات، وجغرافية الجزائر، وفي القسم الأول من مبحث الأخلاق والآداب الإسلامية أورد

стр. 2249

الأبواب التالية: التراجم (ابن رحال وعمر راسم وابن العربي)، والأدب الجزائري، وجواب الباب العالي عن تقسيم تركيا. وفي القسم الثاني ذكر: حركة العلم، والتعريف بعقبة بن نافع، والمؤلفات، والمؤسسات الجزائرية، وقد لاحظنا أن بعض الموضوعات هي مجرد عناوين كان يريد الحديث عنها فأوعزته المادة، فيما يبدو، كما أن الصفحات في الفهرس لا تتناسب مع الموضوعات. وقد وعد بتوسيع التقويم في السنة الموالية في موضوعات مثل نظام القضاء والمجالس النيابية. وقد بدا لنا أن تقويم الأخلاق مشروع طموح أراد به صاحبه أن يشق طريقا وحده فعسر عليه لأسباب علمية ومادية. وقد قال إن فكرة التقويم بدت له فجأة، ولم تختمر في ذهنه طويلا. وإلا أراد أن يقدم به خدمة لبلاده ولو خالف، كما قال، ما توقعه الشرقيون (عرب المشرق)، وما نصحه به زملاؤه الناصحون. ذلك أن الجلالي كان يرى أن الجزائر لها خصوصية وأن الأقطار العربية الأخرى متفوقة عليها (في جميع شؤون الحياة) وأقر بأنه (لم يحذ حذو التقاويم العربية في تنظيم تقويمنا) (١) لأن من رأيه أن يكون تقويم كل بلاد صورة صادقة لحياتها. ورغم هذا الطموح والوعد بإصدار التقويم خلال السنة الموالية واستدراك النقص، ونحو ذلك، فإننا لا نعلم أن الشيخ الجلالي قد أصدر عددا آخر من تقويمه. وقد عاش طويلا بعد ذلك. ولعل الأسباب المادية وعراقيل الطبع قد وقفت ضده ويكيفيه أنه وضع الأساس لفكرة مختلفة عن دور التقاويم، وهي خدمة الوطن وأهله وتربية الأخلاق وغرس الروح الوطنية فيهم. ولم يصدر بعد ذلك فيما نعلم، تقويم آخر سوى مشاهدات محمد الساسي بلحاج محمد السوفي (٢). وهو عمل قد يدخله البعض ضمن

стр. 2250

الرحلات أو المذكرات. وقد سماه مشاهداتي في الجزائر (العاصمة)، وصدر سنة ١٩٤٩، وهو عمل صغير الحجم لا يتجاوز العشرين صفحة، وكان قد كتبه ليكون مقالة في إحدى الجرائد التونسية. ذكر المؤلف أن والده من سوف وأمه من الشاوية، وقال إن من عادته تسجيل ما يشاهده حاضرا أو مسافرا. تحدث عن انطباعاته ومشاهداته في الاقتصاد والأخلاق والسياسة والمجتمع، ولكن بدون تعمق. ويبدو أم يقف مع الحركة الإصلاحية والسياسة الوطنية ضد الشعوذة والاستعمار. وقد اعتبر تاريخ ١٨٣٠ نقطة تحول في (ذهاب عزنا وشرفنا وقوميتنا) واعتبر الداي حسين متهورا وأشاد بالجزائر القديمة. وذكر من الرجال الذين لقيهم في القطار وتحادث معهم في التاريخ والأدب: أبو القاسم البيضاوي، ومن الصحف جريدة (المغرب العربي) التي وصفها بالمصالية - نسبة إلى الحاج أحمد مصالي زعيم حزب الشعب - كما ذكر جريدة (الوطن) التي تصدر عن حزب البيان، (ومجلة إفريقية الشمالية) التي أصدرها إسماعيل العربي - بينما لم يذكر جريدة (البصائر). وأشار إلى جمعية العلماء والجمعية الخيرية وجمعية أهل الزقم (سوف)، بينما لم يذكر نادي الترقي. وقال إن في الجزائر ثلاث مطابع ومكتبة عمومية، وأضاف أن الإذاعة أصبحت في كل مكان. ومن ضمن المشاهدات موضوعات في الفلك وقواعد الصحة والرياضة، وعلم النبات، والتجارة والخياطة والصناعة، بالإضافة إلى حديث عن المكتبات والآثار والتربية. ونشر نفس المؤلف (مشاهداتي في قسنطينة) أيضا حوالي سنة ١٩٥٥، وضمنه موضوعات شبيهة بالأولى ولكن خاصة بمدينة قسنطينة. وهو في ٣٧ صفحة، ومن موضوعاته المدارس والأدب والأخلاق إضافة إلى الاقتصاد والجمعيات ووصف المدينة وقائمة بأسماء بايات قسنطينة خلال العهد العثماني (١).

стр. 2251

الإذاعة والسينما نشأت الإذاعة في الجزائر سنة ١٩٢٨ (١). وكانت تغطي الأقاليم الثلاثة الرئيسية: العاصمة ووهران وقسنطينة. وكانت قوة الإرسال ضعيفة لا تتجاوز ال ٥٠٠ كلم. وبمناسبة الاحتفال المئوي بالاحتلال عزم الفرنسيون على توسيع شبكة الإرسال وتدعيم قوتها حتى تصل إلى ١٢، ٠٠٠ وات، وتصل من ألفين إلى ثلاثة آلاف كلم وكانت تسمى (إذاعة محطة الجزائر). وخطط الفرنسيون أن يجعلوا من الإذاعة وسيلة جديدة لنشر التأثير بين الجزائريين باللغة الفرنسية والعامية العربة. ونادى باحثوهم بضرورة نشر الأفكار الفرنسية بلغة الأهالي. وقد وضعوا لذلك برنامجا يشمل حصصا باللغة الفرنسية والعربية تكون في شكل محاضرات ولقاءات عن الزراعة والتجارة والأسعار في الأسواق والبورصة، وغير ذلك من الموضوعات التي تهم الجزائريين والفرنسيين معا (٢). ورأى بعض الجزائريين، مثل السيد حشلاف، أن الفرنسيين اتخذوا (قرارا سياسيا) بمحاربة التأثير العربي (المصري/المشرقي) بدعوى تشجيع الإنتاج الجزائري من الأغاني والموسيقى. وينسب السيد حشلاف فضلا كبيرا إلى إذاعة الجزائر في تجديد الأغنية، وقال إن الإذاعة كانت تستهلك أعدادا كبيرة من الأشرطة، وأنه بفضل ذلك القرار السياسي احتفظت الجزائر بموسيقاها (العصرية الحقيقية) رغم التأثيرات التي خضعت لها. والغريب أن حشلاف لم يقل نفس الكلام عن التأثيرات الفرنسية والغربية على الموسيقى والأغنية الجزائرية، وكأن التأثير (الخارجي الأجنبي) الذي يخشى منه على

стр. 2252

الموسيقى الجزائرية هو فقط التأثير المصري (العربي) (١). أنشأت إذاعة الجزائر خمس جوقات للعناية بأنواع الفنون الغنائية: (١): الكلاسيكية تحت إشراف محمد فخارجي، وكان يساعده أخوه عبدالرزاق فخارجي. (٢): الصحراوية بقيادة أحمد خليفي. (٣): العصرية بقيادة مصطفى اسكندراني، تم ظهر فيها عبد الرحمن عزيز. (٤): القبائلية بإشراف الشيخ نور الدين. (٥): الشعبية بإشراف محمد العنقاء. وكل جوقة كان لها عدد من الفنانين. ونلاحظ أن الإذاعة الفرنسية لم تنشئ أية جوقة للموسيقى الجزائرية أو الوطنية أو العربية، فالتقسيم العرقي والجهوي واضح حتى في هذه الفنون. ومن الأسف أن نفس التقسيم ظل موروثا حتى بعد سنوات من الاستقلال. ومع ذلك لم تتطور إذاعة الجزائر إلا بعد الحرب العالمية الثانية. فقد توسعت وتقوت. وأنشأت فرعا للقبائلية أيضا. وأصبح لها مجلة تسمى (هنا الجزائر) بالفرنسية والعربية. وكان يشرف على القسم العربي الشاعر الطاهر بوشوشي. وكانت الإذاعة تحتكر الانتاج الأدبي وتدفع أجورا مغرية للمساهمين معها، وأفسحت المجال لبعض الكتاب لكي يخاطبوا الجمهور. وأصبحت الإذاعة تنافس الصحافة اليومية، سيما بالعربية، لأن الأمية كانت تجبر معظم الجزائريين على سماع الأخبار والأحاديث منها بدل قراءتها في الصحف (٢). كما أن الإذاعة فتحت عهدا جديدا للتمثيل. ففي كل أسبوع كانت تقدم مسرحيتين، إحداهما بوليسية، وكلتاهما بالعربية الدارجة. وكانت تقدم الأغاني الفولكلورية (٣). وذلك ساهمت، مع المسرح، في الدعاية

стр. 2253

الاستعمارية من جهة والتعريف بالفنون الشعبية من جهة أخرى، ذلك أن الفرنسيين لم يكونوا يمانعون في الإبقاء على التراث المحلي بشرط أن لا يتطور إلى وسيلة وطنية وأن لا يخضع لتأثيرات غير فرنسية. وفي سنة ١٩٥٢ انضم عبد الكريم دالي المولود في تلمسان سنة ١٩١٤، إلى جوق الإذاعة الذي كان يشرف عليه محمد فخارجي. وكان دالي ماهرا في الموسيقى الغرناطية والحوزي. وكان معاصرا للعربي بن صاري في تلمسان ومن المعجبين به، غير أن المشاركة في مؤتمر القاهرة سنة ١٩٣٢ سببت القطيعة بينهما حين اختار ابن صاري ابنه للمشاركة فيه وأهمل دالي (١). ... ظهرت السينما في آخر القرن الماضي، ووصل نشاط المخرجين الفرنسيين إلى الجزائر. وأخذوا يصورون فيها الأفلام القصيرة والوثائقية ونحوها. وقد اهتموا بالمناظر الطبيعية المثيرة وألعاب الفروسية وحفلات الزواج التقليدية في المدن والأرياف، سيما في بو سعادة وبسكرة. وكانت بعض المناظر تربط بين حياة الجزائريين وحياة الشرق مثل فيلم (علي بابا). كما أن إخراج الأفلام لم يقتصر على الجزائر بل شمل المغرب العربي. ومن يرجع إلى كتاب (الحريم الكولونيالي) لعلولة يدرك اهتمامات المصورين الفرنسيين في بداية هذا القرن (٢). وبين نهاية الحرب العالمية الأولى وسنة الاستقلال (١٩٦٢) أنتج الفرنسيون أكثر من ٢٠٠ فيلم عن الجزائر والمغرب العربي عموما، بما في ذلك الأفلام القصيرة. وهي تمثل ثروة فنية وشعبية عن السكان والأرض وتاريخ الاحتلال وأسلوب المعاملة والتفرقة العنصرية والعبث بالإنسان (الأهلي) وإظهار التفوق الحضاري الفرنسي. وكل هذه

стр. 2254

الأفلام كانت من إنتاج فرنسي - غربي وليس فيها إنتاج جزائري تقريبا. ولاحظ أحد الكتاب أن هناك خطة مرسومة لمنع الأهالي من دخول هذا الميدان حتى لا يشوهوا الصورة التي أراد الفرنسيون تقديمها عن أنفسهم كسمتعمرين. وقد قيل إن أول فيلم كبير صور في الجزائر هو الذي أخرجه جاك فيدير FEYDER سنة ١٩٢١. وكان هذا المخرج قد جاء إلى الجزائر ومعه خمسة وعشرون فنانا، وجلب حوالي ستين من التوارق ومعهم المهاري، بالإضافة إلى عدد آخر جنده فيما بعد. واستغرق تصوير الفيلم (اطلنطيد) ثمانية أشهر، وصرف عليه مليوني فرنك بنقود ذلك الوقت. وأقام فيدير شهرين في تقرت والأوراس وجيجل لتصوير المناظر. وقيل إن الفيلم قد نجح نجاحا منقطع النظير حتى أن عرضه في باريس استمر سنة كاملة. ثم أخذ الفيلم يجول العالم، وقد عرض في أمريكا بعنوان (الأزواج الغائبون) (١). والظاهر أن الهدف من الانتاج السينمائي الفرنسي في الجزائر كان هو التركيز على الإثارة والغرابة لجلب المال والمتاجرة. وكان احتكار الإنتاج قد قطع الطريق عن الجزائريين الذين لهم ميول معادية للاستعمار. وقد درس عبد الغني مغربي تاريخ السنما الفرنسية في الجزائر وخرج بنتائج مهمة. فلاحظ أولا أن الجماهير لم تكن قد تأثرت بالسينما، لأن معظم الدور المخصصة لها كانت في المدن الساحلية حيث الجالية الفرنسية. ولاحظ ثانيا أنه منذ ١٨٩٥ أرسل لوميير مصوريه إلى الجزائر لالتقاط المناظر وتصوير أفلام قصيرة بلغت العشرة، ومنها أفلام: المؤذن، والحمار، والسوق العربية، وساحة الحكومة، وشارع باب عزون. وبعد سنة واحدة افتتح لوميير انتاجه وعروضه في الجزائر. وقد اهتم بعض الجزائريين بهذا الفن ولكن عددهم كان قليله. ومنهم الطاهر حناش الذي عمل في التصوير

стр. 2255

السينمائي وشارك في تمثيل بعض الأفلام. وعمل مصورا إلى جانب كبار المصورين السينمائيين الفرنسيين. واستطاع الطاهر حناش أن يخرج بنفسه فيلمين وثائقيين بعنوان (قسنطينة) و (غواصو الصحراء). كما لاحظ عبد الغني مغربي أن السينما الفرنسية كانت استعمارية في مواضيعها، وكانت مناظرها سياحية بالدرجة الأولى. وكان وجود الإنسان الجزائري فيها جزءا فقط من الديكور الاستعماري وجلب السخرية من الأهالي. وتدل أفلام المخرج وجورج ميليس على أنه كان يشوه وجه الجزائري بأفلامه، وتدل عناوينها على ذلك. ومنها (المسلم المضحك) و (علي يأكل الخبز بالزيت) و (علي بولحية)، الخ. وقد لخص عبد الغني مغربي المواضيع التي دارت حولها السينما الاستعمارية فكانت هي: ١ - السخرية من المستعمر (بالفتح) مثل الأفلام التي ذكرناها. ٢ - الاختلاط الجنسي، ومنها فيلما أرواح مسورة، وأوجه مبرقعة. ٣ - الغراميات المثيرة، ومنها الماسة الخضراء، وصراع بين رجلين، والرمال. ٤ - رسم المستعمر (بالكسر)، ومنها البلد، والأمير جان، والمغامر، وفي أفق الجنوب. ٥ - المرأة المستعمرة، ومنها في ظل الحريم، والشهوة، والمرأة والعندليب. ٦ - الصليب في خدمة المستعمر، ومنها نداء الصمت، والطريق المجهول. ٧ - السيف في خدمة المستعمر، ومنها الرقيب والمنبوذون، ووسام الشرف، وواحد من اللفيف. ٨ - المنحرفون الأوروبيون، ومنها الرمال المتحركة، وريح السموم. وكان من نتائج هذه السينما التأثير على بعض الفئات الاجتماعية، وربما شعر بعض المشردين سياسيا أن الصورة التي رسمها لهم المستعمرون

стр. 2256

هي صورتهم الحقيقية، وربما كان منها أيضا محاولة البعض أن يعيشوا كالفرنسيين في كل شيء (الاندماج) حتى تزول عنهم الصورة المشوهة. وقد لاحظ مغربي أن هذه الفئة كانت قليلة أو شاذة (١). المطابع قلنا إن المطبعة في الجزائر نشأت مع الاحتلال الفرنسي ولم تكن معروفة قبله. وأول مطبعة هي المسماة (الأفريقية) والتي حملت أثناء الحملة على إحدى السفن، وهي التي طبعت عليها الجريدة العسكرية (الاسطافيت) بمرسي سيدي فرج، في شهر يونيو ١٨٣٠. وقد تحولت تلك المطبعة إلى مطبعة رسمية تابعة لجهاز الإدارة الجديدة، تطبع فيها المراسيم والمنشورات ونحوها. وفي ١٨٣٢ جاء المتصرف المدني، جنتي دي بوسيه، بمطبعة عربية - فرنسية. وقد طبعت فيها جريدة (المونيتور) الجزائري، والمعاجم الأولى - فرنسية - عربية. والظاهر أن جريدة (المبشر) التي صدرت سنة ١٨٤٧ كانت تطبع أيضا في المطبعة الرسمية قبل أن تطبع في عدة مطابع أخرى خاصة، ومنها مطبعة فونتانة. ويقول دي بوسيه إن الفرنسيين ركبوا الحروف الأبجدية المغاربية لاستعمالها في الجزائر، وإن الحكومة اقترحت استعمالها في المطبعة الملكية التي كان يشرف عليها أوبيتي OPPETI، منضد مطبعة الحكومة. وأنشئت لجنة برئاسة دي ساسي تضم المستشرقين البارزين في بلاط فرنسا لتصنع برنامجا لمعاجم النحو العربي/ الفرنسي والفرنسي/ العربي. أما المطابع الفرنسية الخاصة فقد كانت كثيرة. وكانت معدة لطبع كل شيء، بما في ذلك الجرائد والكتب والمنشورات والبطاقات والسجلات

стр. 2257

التجارية والإعلانات. ومع إنشاء المطابع توسعت حركة النشر (١). وقد أصبح في كل مدينة رئيسية مطبعة فرنسية تجارية. ومن أقدمها مطبعة براشيه وباستيد التي نشرت سنة ١٨٣٣ كتابا في النحو العربي وكتبا دراسية أخرى. ثم تحول اسمها إلى مطبعة باستيد وجوردان، بعد أن تولاها أدولف جوردان، ذلك الطابع والناشر والكتبي الذي اشتهر اسمه فترة طويلة. وكان مقرها في ساحة الحكومة (الشهداء حاليا)، ثم تحولت إلى مطبعة كاربونيل، وانتقلت إلى ناحية باب الواد - قرب مستشفى مايو القديم. وفي البليدة تأسست مطبعة بروسبير روادو، ولكنها انتقلت سنة ١٨٥٣ إلى سيدي بلعباس. وحل محلها في البليدة الطابع موجان. وفي ١٨٩١ بدأ روادو الطباعة بدل التصفيف Litho، وكان ينشر عدة صحف كتلك التي تطبع في ولاية وهران، مثل صحيفة (جنوب وهران). وقد ظهرت في وهران أيضا مطبعة هاينز منذ ١٨٧٥ وأصبحت من أشهر المطابع. وفي الجزائر ظهرت مطابع أخرى سنة ١٨٥٣، مثل بودري بورجي. وفي ١٨٦٦ مطبعة بودري. وبين ١٨٧١ و ١٨٨٠ ظهرت مطبعة لوميرسييه التي تخصصت في طع الكتب العسكرية. وتكاثرت بعد ذلك المطابع - عهد الجمهورية الثالثة - فكانت مطبعة فونتانة، وأمبير، وغيشين، الخ ... كما ظهرت مطابع تطبع بالعربية مثل القبطان، وسارلين. وهناك مكتبات أصبحت تتولى النشر أيضا، مثل مكتبة باكونيه الذي أنشأ فروعا. من المكتبات التابعة له، وقام بنشر كتب ذات صور دقيقة. كما نشرت مكتبة شارلو كتبا أيضا لأدباء فرنسيين نشأوا في الجزائر أمثال ألبير كامو وروبلس. ومن المكتبات الناشرة (الطابعة) في وهران، روادو المذكورة، وكذلك لوفوك، وفي قسنطينة أرنولية، وفي البليدة موجان. وحسب إحصاء جرى سنة ١٩٥٧، فإن عدد المطابع الفرنسية في الجزائر بلغ ٢٨٠ مطبعة كانت تشغل ٤٥٠٠ عامل (٢).

стр. 2258

وإذا عدنا إلى الكتب الصادرة في مختلف المدن الإقليمية فسنلاحظ أن بعضها كان مطبوعا في مطابع محلية صغيرة مثل المطبعة الحجرية التي طبع فيها العنتري هدية الإخوان والفريدة المؤنسة في قسنطينة. وهناك أخرى في عنابة ووهران والعاصمة. كما أن الكثير من الكتب العربية والجرائد التي صدرت عن الحكومة العامة أو بوحي منها كانت تطبع في مطابع فرنسية خاصة بدعم من الحكومة العامة، مثل مطبعة فونتانة ومطبعة جوردان ومطبعة كاربونيل التي نجد اسمها على الكتب التي حققها ابن أبي شنب، وتعريف الخلف للحفناوي، وبستان الأزهار للقلعي، وترجمات لوسياني، وفوربيقي وغيرهم. وكان ظهور المطابع العربية متأخرا ولا يعود إلا إلى أواخر القرن الماضي. ونعني بها تلك المطابع التي أنشأها جزائريون لطبع صحفهم ومنشوراتهم. وكان ذلك يتطلب مالا وعلما وصيانة، وهو ما لم يكن متوفرا للجزائريين قبل الحرب العالمية الأولى. وقد أعجب الجزائريون بالمطابع ورأوا فيها إحدى العجائب، ولا ندري إن كان بعض العمال منهم قد اشتغلوا في إحداها قبل ١٩٠٠. وكان صحفيو المبشر من الجزائريين يمارسون التصحيح. ويتابعون إخراج الحروف، ولكنهم لم يحاولوا تأسيس مطبعة إلا بعد الحرب الأولى. لقد سجل عن الأمير عبد القادر أنه زار المطبعة الرسمية بعد إطلاق سراحه سنة ١٨٥٢. وسحبت أمامه الرسالة التي كتبها إلى نابليون. ورأى حركة الآلات وتصفيف الحروف وسمع أصوات الدواليب فسجل إعجابه الكبير بالمطبعة في عبارات وجهها إلى مديرها (سان جورج) قال فيها (وبعد فإننا زرناكم فرأينا من صنعتكم شيئا ما بقي لنا أن نتعجبوا (كذا) من شيء بعده) (١).

стр. 2259

ولكن الكتاب العربي المطبوع كان يتسرب إلى الجزائر من سورية ومصر. فقد كان الفرنسيون يتعاملون مع بعض تجار الكتب من المشرق. ووراء ذلك عوامل دينية وسياسية وتجارية. فالقناصل الفرنسيون كانوا نشطين في المشرق يتعاملون مع أرباب المطابع لتحسين سمعة فرنسا من جهة ولربط علاقات تجارية معهم من جهة أخرى. وكان المستشرقون الفرنسيون في الجزائر وغيرها في حاجة إلى معرفة ما صدر في المشرق. وكانت بعض الدور الناشرة ذات تأثير فرنسي ولا سيما في بيروت. ولذلك قرأنا في أخبار ذلك الوقت أن الحاج إبراهيم سراج كانت له مكتبة في المشرق وأن السلطات الفرنسية قد سمحت له بالمتاجرة معها في الجزائر. ولا ندري ما مقابل ذلك (١). كما جاء في المراسلات التي ترجع إلى ١٣٠٧ هـ أن أحد المهاجرين الجزائريين، وكان من سيدي عقبة واسمه أحمد السنوسي، كان يبيع الكتب في الجزائر، ويبدو أنه كان يتردد عليها. ولعل بيع الكتب كان غطاء فقط لعمل آخر. وكان أحمد السنوسي هذا يتنقل بين مصر والمدينة المنورة حيث كانت له دار هنا وهناك للتجارة، وإن أحد أخوته، وهو علي السنوسي، كانت له تجارة في مصر أيضا وكان يتعامل مع أحد أبناء سوف واسمه عمارة بن مسعود السوفي (٢). وفي هذا النطاق تأتي أنشطة الإخوة رودوسي الذين كانوا أيضا يتعاملون في الكتب بالمشرق، ومنه إلى الجزائر، ثم من تجارة الكتب إلى إنشاء مطبعة. فأول مطبعة عربية في الجزائر إذن هي مطبعة رودوسي قدور التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم المطبعة الثعالبية. كانت بدايتها في آخر القرن

стр. 2260

الماضي (حوالي ٦ ١٨٩). وكان رودوسي مراد وقدور من سكان جزيرة رودس، ويتاجران في الكتب مع لبنان ومصر وغيرهما. وربطا علاقات مع السلطات الفرنسية في تجارة الكتب من المشرق. وسمح لهما في عهد جول كامبون بالاستقرار في الجزائر والمتاجرة في الكتب، سيما الاستيراد. وبعد استقرارهما أنشأ مطبعة وفتحا مكتبة، وتخصصت المطبعة بالتدرج في الكتب الدينية وكذلك المصحف الشريف. وفتحت فرنسا لهما الطريق إلى افريقية أيضا، فراجت كتب المطبعة الثعالبية في غرب افريقية والمستعمرات الفرنسية الأخرى، كما اشتهرت في تونس والمغرب الأقصى. واختص رودوسي بحروف خاصة يطبع بها المصحف الشريف وغيره، مثل تفسير القرآن للثعالبي، وكشف الرموز لابن حمادوش، والكنز المكنون في الشعر الملحون، وبعض التراجم والأعمال الفقهية. والغالب أن الخطاط لهذه الأعمال هو الشيخ السفطي. وقد ارتبط رودوسي بالمصاهرات العائلية في الجزائر مع العائلات ذات الأصل العثماني، ومنها عائلة ابن أبي شنب، وتوسع نشاطه العلمي. وكان مقره في وسط الحي العربي بالقصبة، في شارع مصطفى ن إسماعيل المتفرع عن شارع لالير سابقاو (أحمد بوزرينة حاليا). وفي غياب المكتبات العربية كانت مكتبة رودوسي محطة للأدباء والعلماء أوائل هذا القرن (١). وبعد الحرب العالمية الأولى أنشأ بعض الجزائريين المطابع في العاصمة وقسنطينة ومستغانم ووهران وبسكرة. ولم يكن إنشاؤها بقصد التجارة ونشر الكتب، ولكن لطبع الصحف التي عزموا على إصدارها حتى لا يبقوا عالة على المطابع الفرنسية. ومع ذلك عانت المطابع الجزائرية من الافتقار إلى اليد الخبيرة، ومن الحاجة إلى المال. وقد عرفنا أن بعض الصحف ما كانت لتنجح لولا الدعم الشخصي أو العائلي مثل مطبعة ابن باديس، ومطبعة أبي اليقظان. وقد قلد الجزائريون الفرنسيين أيضا في طبع

стр. 2261

الصحف والكتب في مطابعهم فكانت المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة لا تطبع الشهاب والبصائر فقط ولكن تطبع أيضا الكتب مثل كتاب تاريخ الجزائر للشيخ مبارك الميلي، ورسالة الشرك له، وتقويم الأخلاق لمحمد بن العابد الجلالي، وكذلك الكتب الدينية مثل المنظومة الرحمانية وغيرها. كما طبعت المطبعة العربية في العاصمة صحف الشيخ أبي اليقظان وبعض مؤلفاته، ومؤلفات الشيخ أحمد توفيق المدني مثل كتاب الجزائر، وصقلية، وقرطاجنة الخ. ورغم أهمية مطبعة النجاح في قسنطينة فإننا لا نعلم أنها ساهمت في طبع الكتب، ولعلها فعلت. وكانت مطبعة البلاغ في مستغانم تطبع الجريدة كما تطبع مؤلفات الشيخ أحمد بن عليوة. وهكذا كانت المطبعة وسيلة لطبع الصحف من جهة وتشجيع حركة نشر الكتب من جهة أخرى. ومع ذلك لم تبلغ المطابع الجزائرية عندئذ درجة عالية من التقدم الفني والفني. وقد أتيح لنا رؤية بقايا المطبعة الإسلامية في قسنطينة منذ سنوات، فتعجبنا من وجودها في حجرة ضيقة لا تتسع إلا لثلاثة أو أربعة من العمال، وكانت الآلات بسيطة مع ذلك بالنسبة للمطابع الضخمة التي رأيناها في العاصمة. ونظرا لهاتيك العوامل كلها كان الجزائريون يلتجئون لطبع كتبهم غير المدعومة من الحكومة العامة، في تونس أو مصر، مع ما يكلف ذلك من مشقة مالية وتجارية وفنية. وهذه هي المطابع التي أمكننا التعرف على أسمائها وأصحابها وأماكنها (بالإضافة إلى ما أشرنا إليه): ١ - المطبعة الجزائرية الإسلامية: في قسنطينة، أنشأها الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعهد بها إلى الشيخ أحمد بوشمال، أحد أنصاره وأتباعه المخلصين وأحد أعيان قسنطينة الذين ظلوا على ولائهم لجمعية العلماء والفكر الإصلاحي بعد وفاة ابن باديس. طبعت المطبعة الإسلامية صحف ابن باديس وهي المنتقد والشهاب، كما طبعت البصائر في وقت لاحق. وكذلك طبعت جريدة صدى الصحراء التي كانت تصدر في

стр. 2262

بسكرة وتوالي حركة ابن باديس. وحاول العقبي أن يطع فيها جريدته (الإصلاح) فلم يفلح. وتعاملت المطبعة الإسلامية مع زبائنها على أساس تجاري أيضا فطبعت الكتب والبطاقات والدعوات ونحوها. ٢ - مطبعة النجاح: تأسست أيضا في قسنطينة سنة ١٩١٩، وصاحباها هما عبدالحفيظ بن الهاشمي ومامي إسماعيل، وهما أيضا صاحبا جريدة النجاح. ويقول الشيخ المدني عن المطبعة بأنها من أحسن المطابع وأنها. وكانت النجاح تطبع أسبوعيه ثم صارت يومية مما يبرهن على استعداد المطبعة لمثل هذا العمل المكثف. ولا ندري إن كانت قد طبعت كتبا أيضا، أما الأعمال التجارية الأخرى فنعتقد أنها كانت تقوم بها (١). ٣ - المطبعة العربية: بالعاصمة، يبدو أنها من إنشاء أبو اليقظان (٢). ولعلها مشروع اشترك فيه التجار الميزابيون وغيرهم. وهم أصحاب مبادرات مفيدة من هذا النوع. وكانت المطبعة العربية هي التي تطبع الصحف التي أنشأها الشيخ أبو اليقظان منذ ١٩٢٦ (انظر حديثنا عن الصحف)، كما طبعت مجموعة من الكتب. وكانت المطبعة تقع في القصبة (شارع روفيقو سابقا - ذبيح الشريف الآن) وقد بقيت إلى عهد الاستقلال، ثم نقلت إلى وادي ميزاب (غرداية). ٤ - مطبعة البلاغ: كانت جريدة (البلاغ الجزائري) تطبع في مستغانم ثم نقلت إلى العاصمة. وكانت المطبعة والجريدة باسم الطريقة العليوية. وكان المشروع في البداية وطنيا ومستنيرا. كما أن هذه المطبعة تعتبر الأولى من نوعها في هذا المجال، إذ كانت الطرق الصوفية قبل ذلك غير مهتمة بالطبع

стр. 2263

والنشر كوسيلة إعلامية. ولا ندري من كان صاحب الفكرة في هذا المشروع (١). ٥ - المطبعة العلمية: أسسها الشيخ الطيب العقبي في بسكرة لطباعة جريدته (الإصلاح) بعد أن عجز عن طبعها في تونس وفي قسنطينة، وسماها (العلمية)، وكانت ضعيفة التجهيز مع ذلك، وقد طبع فيها العدد الثاني فقط من الجريدة. ثم تعثر المشروع، وقيل إنه اشتراها بقروض اقترضها من المحسنين والأنصار أمثال عائلة الشيخ خير الدين ومحمد العيد والأمين العمودي. وقد ظهر العدد الثاني في ٥ سبتمبر ١٩٢٩، أي عشية انتقال العقبي إلى العاصمة نهائيا. ويذهب الشيخ المدني إلى أن (أيدي الإهمال والفساد) قد استولت على المطبعة. ٦ - مطبعة المغرب العربي: أعلن الشيخ حمزة بوكوشة سنة ١٩٣٧ عن إنشاء مطبعة عربية بوهران تسمى مطبعة المغرب العربي. وجعل ذلك (بشرى لمحبي اللغة العربية) وجاء في الإعلان أنها تطبع كل أنواع الكتابة باللغتين. ولا ندري ما إذا كانت المطبعة مشروعا تجاريا عاما، أو كانت فقط مطبعة لطبع جريدة المغرب العربي التي كان يرأس تحريرها حمزة بوكوشة بالتعاون مع محمود بلة. كما لا ندري مصير هذه المطبعة (٢). ولعل جريدة (الوفاق) التي أنشأها محمد السعيد الزاهري في وهران كانت تطبع في هذه المطبعة أيضا. كما اشترت جمعية العلماء (مطبعة البصائر) سنة ١٩٥٤. وبذلك استغنت عن طباعة جريدتها في المطابع الفرنسية، وتعتبر هذه المطبعة من المشاريع الهامة التي أنجزتها الجمعية. ولكن الحديث عنها ليس هذا

стр. 2264

موقعه (١). ولا شك أن مشاريع طباعية أخرى قد ظهرت في الجزائر بعد الحرب المذكورة. وكذلك المكتبات التي تولت شؤون النشر، مثل مكتبة النهضة، ودار الكتب. الجمعيات والنوادي الثقافية الجمعيات والنوادي ظاهرة اجتماعية تدل على النضج والاستجابة لمتطلبات الحياة المدنية الحديثة. والجزائر التي كانت تعيش تحت تعسف قانون الأهالي البغيض (الاندجينا) لا يمكنها أن تتمع بهذا النشاط دون أن يتعرض القائمون عليه للاضطهاد والسجن. ومن جهة أخرى فقد كان الجزائريون محرومين من صفة وحقوق (المواطن) فقد كان القانون الفرنسي يعتبرهم (رعايا) ولا يمكنهم أن ينشدوا الحرية ولا الحقوق المدنية ولا السياسية، ولا حتى الجمعيات والنوادي الثقافية والفنية دون ملاحقة القانون التعسفي. وقد كنا تناولنا دور الجمعيات والنوادي في مناسبات أخرى، باعتبارها ظاهرة اجتماعية تدل على اليقظة والنهضة (٢). ويهمنا الآن جانب واحد من نشاطها وهو النشاط الثقافي والفني. ويبدو أن أول ما بدأ هذا النشاط كان بمبادرات فرنسية من فرنسيين متعاطفين مع القضايا الجزائرية أو بدفع من الإدارة الأهلية نفسها لأغراض تتماشى مع سياسة العناية بالجزائر الأهلية التي جاء بها شارل جونار بالخصوص، وسانده في ذلك دومينيك لوسياني. ذلك أن معظم الجمعيات والنوادي التي ظهرت لأول مرة كانت خلال العشرية

стр. 2265

الأولى من هذا القرن. أما قبل ذلك فلم يكن يوجد سوى نوعين من الجمعيات المدعومة من الحكومة العامة أيضا، وهي الجمعيات الخيرية التي تتولى الاشراف على توزيع المساعدات الخيرية والصدقات على الفقراء في المدن، والثانية جمعيات الاحتياط التي تتألف عادة من المزارعين لحماية الفلاحين في السنوات العجاف (١). أعطت السلطة الفرنسية إذن الضوء الأخضر لتكوين الجمعيات التعليمية والاجتماعية منذ أول هذا القرن. فظهرت في العاصمة عدة تنظيمات أبرزها الجمعية الرشيدية والجمعية التوفيقية. وقد رأسها في الظاهر بعض الجزائريين المتجنسين بالجنسبة الفرنسية والمتخرجين من المدارس الفرنسية، أمثال د. بلقاسم بن التهامي، ومحمد صوالح، ود. الطيب مرسلي، ومختار الحاج سعيد، والشريف بن حبيلس. فظهور الجمعيات إذن كان في أوساط المثقفين بالفرنسية المعروفين بالاندماجيين. وقد اندفع معهم عدد آخر من المثقفين بالعربية ومن رجال الدين فساندوهم بإلقاء محاضرات في موضوعات محددة، ومنهم: المفتي ابن الموهوب في قسنطينة والمجاوي في العاصمة والقاضي شعيب في تلمسان. والموضوعات التي عالجتها هذه الجمعيات لم تدخل ميدان المسرح والتمثيل ولا الحياة الفنية. وإنما دخلت ميدان التعليم والتوعية وتنشيط

стр. 2266

الشباب وحمايته من الانحراف وحثه على العمل. نظمت المحاضرات باللغتين، وعالجت قضايا الفكر المعاصر من تراث وطب واختراعات وأدب وتاريخ. وشارك رواد الاتجاه الاندماجي (النخبة) بقسط وافر في هذا النشاط (١). وقد قيل عن الجمعية التوفيقية بأنها (ودية خيرية وتعليم أدبي وعلمي). وكان نادي صالح باي في قسنطينة من صنف هاتين الجمعيتين. أما من الناحية الفنية فلا نعرف إلا وجود (جوقة) أو فرقة كان يقودها الفنان محمد بن علي سفنجة قبل الحرب العالمية الأولى، وقد تحدث عنها وعنه السيد رواني سنة ١٩٠٤. أما الجمعية (المطربية) التي كونها اليهودي ادمون يافيل، فلا نعرف متى تكونت بالضبط، ولعلها لم تظهر إلا بعد ١٩١٩. خلال العشرينات ظهرت عدة جمعيات ونواد أيضا في العاصمة وغيرها. وتوسع ذلك مع نشاط الحركة الإصلاحية وظهور الأحزاب السياسية وجمعية النواب. وقد رافق ذلك نوع من التسامح من الإدارة الفرنسية لإنشاء مثل هذه الخلايا الاجتماعية، ما دامت تحت رقابتها الشديدة. كما أن مبادرات الجزائريين لم تعد تتوقف على مبادرات الفرنسيين في ذلك. ومن أبرز الجمعيات غير الفنية والنوادي بالعاصمة، جمعية الشبيبة الإسلامية ونادي الترقي. وجمعية التربية والتعليم في قسنطينة ونادي السعادة في تلمسان وفي قسنطينة أيضا (تأسس سنة ١٩٢٦)، ونادي الاتحاد الأدبي الإسلامي في مستغانم. وقد شهدت مدينة قسنطينة وحدها ميلاد حوالي ٢٦ جمعية مدنية قبل الحرب العالمية الثانية. وقل مثل ذلك في غيرها من أنحاء القطر. وكان نادي الترقي قد نظم بين ١٩٢٧ - ١٩٢٩ حوالي ثلاثين محاضرة بالعربية وعشرة بالفرنسية. وبلغ أعضاؤه ٢٧٠ عضوا. وما يلفت النظر هو أن نادي الترقي كان يشجع الحياة الفنية الموجهة لأداء رسالة اجتماعية وذلك عند

стр. 2267

احتفالاته السنوية. فقد مثل وغنى الممثل الفكاهي رشيد قسنطيني في حفلة أقامها النادي سنة ١٩٢٩، كما أن جمعية الشبيبة الإسلامية كانت تحيي احتفالا سنويا يقوم به التلاميذ وغيرهم بتمثيل بعض الروايات وإنشاد الشعر والاستماع إلى القطع الموسيقية (١). وكذلك كانت تفعل مدرسة التربية والتعليم في قسنطينة ومدارس جمعية العلماء فيما بعد، إذ أصبح التمثيل والإنشاد والموسيقى الشعبية جزءا من وسائل جلب الجمهور وتوجيهه نحو الإصلاح والنهضة. أما الجمعيات ذات الطابع الفني المحض فلم تظهر على يد الجزائريين إلا خلال عقد العشرين وما بعده. فقد تحدث أحمد توفيق المدني سنة ١٩٢٩ عن وجود جمعية في تلمسان باسم (جوق) الحاج العربي بن صاري. وذكر عدة جمعيات أخرى يبدو أنها ظهرت في العاصمة وهي (الجزائرية) و (الأندلسية) و (الطليعة) التي قال عنها - أي الطليعة - إنها تتبنى الموسيقى العصرية. ومن ذلك جمعية (المطربية) التي لم يذكر تاريخا لظهورها، غير أننا نعرف أن محيي الدين باش تارزي قد تولاها بعد وفاة يافيل، كما مر (٢). أما سعد الدين بن أبي شنب فقد ذكر جمعية (المهذبة) التي رأسها علي الشريف الطاهر، سنة ١٩٢١، وهي جمعية للأدب والتمثيل العربي. وقد مثلت ثلاث مسرحيات بين ١٩٢١ - ١٩٢٤. وقال أيضا إن هناك جمعية أخرى لم تتشكل شرعا وقامت بتحميل رواية (في سبيل الوطن) في ديسمبر ١٩٢٢، ونجحت نجاحا باهرا ولكن السلطات الفرنسية منعتها من تمثيلها مرة أخرى. ولم يكشف ابن أبي شنب عن اسم ولا مسؤولي هذه الجمعية التمثيلية المجهولة. وبالإضافة إلى ذلك لم تعلن جمعية أخرى عن نفسها أو

стр. 2268

لم تتحدث عنها وسائل الإعلام عندئذ وهي الجمعية التي مثلت رواية (المصلح) سنة ١٩٢٣ في العاصمة أيضا، وكانت الرواية من تأليف أحمد فارس (١). ولعلها هي الجمعية المجهولة التي مثلت رواية (في سبيل الوطن). وأخيرا نذكر جمعية (الزاهية) أو فرقتها وهي التي كونها علي سلالي (علالو) حوالي ١٩٢٩ ودامت إلى سنة ١٩٣٢. وتثبت بعض الإحصاءات أن قسنطينة وحدها قد عرفت ميلاد عدد من الجمعيات الفنية التي تهتم بالتمثيل والموسيقى والمسرح، حتى بلغت أربع عشرة جمعية بين ١٩٣٠ - ١٩٣٥. ثم ظهرت جمعيات أخرى بعد هذا التاريخ، كما اختفت جمعيات كانت قائمة. ومن ذلك جمعية أحباب الفن التي تأسست في مايو، ١٩٣٣ لإحياء التراث العربي من الآداب والموسيقى والفنون. وكانت برئاسة محمد رحموني وعضوية إبراهيم العموشي وأحمد بوشمال. وكانت على صلة بحركة الإصلاح التي يقودها ابن باديس في المدينة. ولذلك كان نشاطها مرتبطا بنشاط مدرسة التربية والتعليم أيضا، فكانت تحيي السهرات الفنية لجمع التبرعات والمال لأبناء المدرسة، وهي إحدى وسائل ابن باديس في توسيع مشاريعه. ثم تأسست جمعية الشباب الفني في إبريل، ١٩٣٧، بعد انقسام حدث في جمعية أحباب الفن. فقد تولى الجمعية الجديدة (الشباب الفني) أحمد بوشمال وإبراهيم العموشي. وكان كاتبها العام هو الشيخ عبد الحفيظ الجنان، أحد تلاميذ ابن باديس. وكانت الشباب الفني قد أخلصت في أهدافها للحركة الإصلاحية. وقد وظفت الفن والتمثيل والموسيقى لخدمة النهضة العربية الإسلامية في الجزائر. وضمت أيضا، الأسماء التالية: الشريف حاج سعيد، وعبد السلام بلوصيف، وخليل بلقشي. وكانت جمعية الشباب

стр. 2269

الفني المدعومة من ابن باديس تمثل أيضا في مدن إقليم قسنطينة وتجد نجاحا كبيرا، ومن أبرز حفلاتها تلك التي كانت بكلية الشعب بقسنطينة في مايو ١٩٣٧. وتلتها سهرة أخرى في ديسمبر من نفس السنة. وقد حضرها مئات الجزائريين (ألف شخص حسب بعض الاحصاءات) وفيها أيضا النساء، كما حضرها بعض الأوروبيين. وكانت الحفلة مسيسة إذ كان من بين الحاضرين أعضاء من حزب الشعب والعلماء والنواب والشيوعيين. وكان للفرقة لباس رسمي موحد، وكانت تقدم التمثيليات والقطع الموسيقية. وفي المناسبة الأولى ألقى ابن باديس نشيده (اشهدي يا سماء) وهو نشيد وطني يبشر بالجزائر الحرة (١). وهناك جمعيات أخرى اهتمت أيضا بالفن والتمثيل في قسنطينة، وهي مرافقة لحركة النهضة، كما ذكرنا. ومنها جمعية الهلال التي ظهرت سنة ١٩٣٢ (١٢ جوان). أسسها بعض هواة الفن الذين رغبوا في المحافظة عليه، وقد دفعتهم إلى ذلك الغيرة على التراث والخوف من اندثاره. وفي أوائل ١٩٣٤ تكونت في نفس المدينة جمعية المنوبية، على يد شباب المدينة الهواة للموسيقى والفنون الأخرى. ولعلهم كانوا متأثرين بالحركة الفنية في تونس أيضا. ثم تكونت جمعية الهلال التمثيلي، وهي غير الأولى، سنة ١٩٣٨ (١٨ مايو). وكان هدفها تجديد الفن وإحياء اللغة العربية الفصحى عن طريق المسرح. وقد ذكرنا سابقا أن هذه الجمعية قد مثلت سنة ١٩٣٩ مسرحية عن آفات الخمر والأمية. وتعاونت مع زميلتها الشباب الفني في استقبال أعضاء نادي الشباب بقالمة (٢). إلى جانب هذه الجمعيات الفنية هناك جمعيات غير فنية في ظاهرها

стр. 2270

ولكنها كانت تعبر بالأناشيد ونحوها على دورها في إحياء الشعر العربي الفصيح والتمثيل، ومعظم هذه الجمعيات كانت كشفية أو خيرية. والأمثلة على ذلك توجد في كشافة الرجاء وكشافة الصباح التي توحدت تحت اسم واحد وهو الرجاء. وقد أشار ابن باديس إلى كليهما في قصيدته الشهيرة (شعب الجزائر مسلم). وكان إعداد شبابهما إعدادا عسكريا، مما جعل جريدة (المغرب العربي) تقول عن الفرقتين (ارتفع الستار عنهما في لباسهما الرسمي، وفي شكل حركات الجندية بإعدادهما ونظاماتهما الخصوصية ... فهتفت لهما الأيدي بالتصفيق الحاد، والقلوب بقولها: اللهم حقق الرجاء. وانسحبوا (أي الكشافة) من القاعة، كما ظهروا، بحركات عسكرية تثبت في الأفئدة وترسخ في العقول حتى يتحقق الرجاء، إن شاء الله) (١). وفي ١٩٤٠ (٢٠ يناير) قدمت جمعية الشباب الفني مسرحية (الدكتاتور) أو المستبد، على مسرح قسنطينة. ولا نعرف الآن من ألف هذه المسرحية. ويبدو أن موضوعها كان يتناول استبداد الإدارة الفرنسية في الجزائر بالتلميح، كما يتناول في الظاهر الاستبداد النازي في ألمانيا والعالم. ومن ثمة فالمسرحية كانت من وحي الاستعمار والحرب. وكان ابن باديس قد أوقف مجلة الشهاب، كما أوقفت جمعية العلماء جريدتها البصائر، فلا سبيل لمعرفة المزيد عن هذه المسرحية منهما (٢). أما جمعية المزهر البوني للتمثيل فقد تأسست سنة ١٩٣٢. واسمها يدل على أنها وليدة مدينة عنابة، كما ذكرنا آنفا. وكان غرضها هو محاربة الآفات الاجتماعية والنهوض بالمجتمع عن طريق الموسيقى والتمثيل بتشجيع استعمال العربية الفصحى والرقي بها (٣).

стр. 2271

لا شك أن هناك جمعيات ونوادي أخرى قامت بدور التمثيل المسرحي والموسيقى والغناء، كما حدث في تلمسان. وكان بعض هذه الجمعيات قد أسس لدفع حركة التعريب، وبعضها قد أسس لتشجيع التمثيل بالدارجة والوصول إلى الجمهور للرقي به فنيا وذوقيا. وهناك من أسس الجمعيات لأغراض اجتماعية في إطار ما تسمح به القوانين الفرنسية ومماشاة للتيار التجديدي أو العصري، بينما تأسست جمعيات ونواد تابعة لجمعية العلماء لخدمة الاتجاه الإصلاحي على العموم. وقد تنافست في ذلك الأحزاب أيضا بعد أن سمحت لها الإدارة بالنشاط، ولا سيما بعد ١٩٤٦. ونلاحظ أن بعض الجمعيات والنوادي كانت تحمل أسماء اجتماعية وأخرى أسماء فنية. ولكنها جميعا تقريبا، أسماء مستمدة من التراث العربي الإسلامي. ومن هذه الأسماء نجد كلمات: الإسلامي، والديني، والفلاح (بتخفيف اللام)، والسعادة، والرجاء، والاتحاد، والإرشاد والإصلاح والحياة والشباب والأخوة والاستقامة والنهضة والفتح ... أما الجمعيات والنوادي الفنية فتحمل أسماء مثل المزهر، والعندليب، والأوتار، والفن والأدب، والمطربية، الخ (١). ويجب ألا يفهم من تركيزنا على بعض المدن أن المدن الأخرى صغيرة أو كبيرة، لم تشهد ميلاد النوادي والجمعيات، ولم تعرف النشاط الفني والكشفي والموسيقي. إن الظاهرة كانت عامة، وكان هناك تنافس كبير. ولكن الإمكانات لم تكن متوفرة للجميع بدرجة واحدة. وقد تعرضنا في كتابنا (دراسات في الأدب الجزائري) إلى بعض التفاصيل. رأينا أن المنشآت الثقافية في الجزائر كانت متباعدة ولا يمكنها أن تخدم أهدافا واحدة. فالفرنسيون أسسوا المكتبات والمتاحف والجمعيات العلمية والمسارح والسينما والصحافة والإذاعة لأنفسهم. كما أنشأوا

стр. 2272

المقاصف والكونسيرفتوار والفرق الموسيقية لخدمة الجالية الفرنسية في الجزائر. وقد رأينا أن المطابع والتمثيل والصحافة وفرق الموسيقى، كلها قد تأخرت عشرات السنين في الظهور بالنسبة للجزائريين. ولذلك بدأت مقلدة في أغلبها لما كان شائعا منها على يد الفرنسيين. والمقلد قلما يتفوق على المقلد. وهذه المنشآت الثقافية الجزائرية واجهت صعوبات جمة سياسية ولغوية وتعليمية وفنية. فالقوانين كانت لا تسمح بحرية التعبير ولا الحركة ولا التجمع. والشعب قد أضرت به الأمية، وارتمى في أحضان الطرقية والخرافة، والذوق الفني والجمالي كان يعاني من البعد عن التراث وإنتاج الحضارة العربية - الإسلامية، وقد رأينا أن الصحافة العربية نفسها قد بدأها الأجانب، وأن الموسيقى كما سنرى، قد سجلها أحد اليهود، وأن المسرح كان يعتمد في أوله على بعض الممثلين الأجانب أيضا، وأن المطابع كانت كلها أجنبية إلى أوائل هذا القرن. ومع ذلك فإن نهاية الحرب الثانية قد عرفت انطلاقة كبيرة في عدة ميادين ثقافية كانت من قبل محتكرة للأجانب. وإذا كانت المكتبات العامة والمتاحف والإذاعة ظلت من احتكار السلطة الفرنسية، فإن الصحافة والمسرح والمطبعة والموسيقى ونحوها قد تحررت وأخذ المبدعون الجزائريون يؤسسون الصحافة والمطابع والفرق الموسيقية والتمثيلية. وساندت حركة الشعر والغناء وانتشار التعليم هذه المنشآت. كما وظفت الأحزاب السياسية والجمعيات هذه الوسائل للنهضة وتوعية الجمهور.

стр. 2273

الفصل الثالث المنشآت والمراكز الثقافية (٢)

стр. 2274

المكتبات من البديهي القول أن الكتب والوثائق كانت من الضحايا الأولى للاحتلال الفرنسي. وهناك أسباب معروفة وهي الحروب الطويلة والمدمرة التي تلت نجاح الحملة الفرنسية وتصاعد المقاومة، ثم التلف المقصود وغير المقصود الذي يصيب الكتب عند الفوضى والهروب والإخفاء ونحو ذلك، ثم الحرائق والتآكل. ومن جهة أخرى هناك أسباب غير معروفة للجميع وهي سرقة الكتب المخطوطة والوثائق العائلية من قبل الفرنسيين بالاعتداء الصارخ أحيانا وبالتحايل أحيانا أخرى، وكذلك بالاتلاف الذي لا يرجع إلى صاحبه. ومن نكبات الدهر أن الذي تسلط على الجزائر هم ضباط المكاتب العربية - العسكرية الذين تمركزوا في كل مدينة وكل دوار. وكانوا يريدون معرفة كل شيء عن العائلات والأفراد، وعن الأنساب والتواريخ، وعن التراجم والتصوف، واللغة والفولفكلور، وغيرها. فكانوا يأخذون ما وقعت عليه أيديهم وعيونهم، قهرا، وقد يطلبون المخطوطات والوثائق ممن يعرفون أنها عنده من الأعيان كرجال الدين والقضاة والقياد. وكان هؤلاء لا يستطيعون رد طلبهم ظانين أنها ستعود إليهم بعد حين، ولكن هذه الآثار قلما تعود. وقد يتطوع البعض من الجزائريين، خوفا أو تملقا، فيقدم ما عنده إلى الضباط المذكورين، ظانا أنها ستعود إليه أيضا، فلا تعود، وقد يرشدهم حتى عن غيره فيقول إن المخطوط كذا موجود عند فلان أو أن العائلة الفلانية تمتلك المخطوطات المطلوبة، فيذهب الضباط ويأخذون حاجتهم، كما قلنا، وقد لا يعيدون ما أخذوا إلى أصحابه. هذا إلى جانب الكشف عن خبايا العائلات والأنساب وما تملك من ثروات، لأن معظم العقود والوثائق كانت

стр. 2275

تتحدث عن الأملاك والزواج والبيع والشراء والخلافات. وكل ذلك كان يستغله الفرنسيون لصالحهم دون أن ينسبوه حتى إلى من أخذوه منه. فإذا قرأت فيرو وبروسلار وبيليسييه وكاريت وهانوتو ورين وغيرهم فإنك ستجدهم يستعملون الوثائق والمخطوطات الأهلية ولا ينسبونها، وربما كانوا يحرفونها عن وجهتها. بل أن معظمهم كانوا يطعنون في المعلومات التي تضمنتها ويشكون في صحة ما جاء فيها، ويرمون الجزائريين - والعرب والمسلمين جميعا- بالجهل والحماقة والتزييف. وقل مثل ذلك في العديد ممن أصبحوا مترجمين عسكريين، وهم الذين أصبحت كل شؤون الجزائريين بأيديهم لفترة طويلة. وكانوا في الإدارة والجيش والقضاء والطب ... وعندما بدأ المستشرقون أعمالهم جمعوا أيضا ما بقي من الوثائق والمخطوطات وأخذوا يترجمونها، دون أن يذكروا حتى من أين أخذوها إلا القليل منهم. ونشير هنا إلى أعمال أدريان بيربروجر وأوغست شيربونو، ثم زعماء مدرسة الآداب أمثال رينيه باصيه، وفانيان، ثم أمثال ألفريد بيل وموتيلانسكي. لقد كانت الجزائر تتوفر على مخطوطات كثيرة قبل الاحتلال، كما رأينا في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وكانت مكتباتها العامة في المساجد وفي الزوايا، أما مكتباتها الخاصة فكانت منتشرة عبر الوطن حيث العائلات العلمية وحيث الأعيان الذين لهم غيرة على الكتب ونسخها. وقد رأينا أن العائلة الواحدة قد تتوفر على بضعة آلاف من المخطوطات النادرة والتي كانت في حالة جيدة. وكان الكتاب يتنقل بالبيع والاستنساخ والاستلاف والهدايا. أما كتب المساجد والزوايا والمدارس فقد كانت موقوفة على العلماء والطلبة والزائرين. نظرة على مصير المخطوطات والوثائق وبعد الاحتلال مباشرة وضع الفرنسيون أيديهم على المساجد والزوايا في العواصم. وصادروا ما فيها وضموا مداخيل أوقافها إلى الإدارة المالية

стр. 2276

(الدومين). وكانت المكتبات الملحقة بهذه المنشآت الدينية من ضحايا هذه المصادرة، فاختفت الكتب، رغم أنها كانت أحباسا، وتبادلتها الأيدي دون حساب أو عقاب. أين هي مكتبة الجامع الكبير بالعاصمة التي تحدث عنها الرحالة والباحثون المسلمون؟ وأين مكتبات مساجد تلمسان وقسنطينة ومعسكر والبليدة والمدية وبجاية وعنابة ومازونة الخ؟ وأين الكتب التي حبسها صالح باي على مدرسته في قسنطينة، ومحمد الكبير على مدرسته في معسكر؟ لقد ضاعت وتبعثرت، ولم تعد تذكر في حوليات التاريخ. فعندما أراد ابن أبي شنب أوائل هذا القرن أن يصف ما بقي في الجامع الكبير بالعاصمة لم يذكر منها سوى بضع عشرات (١). وماذا نقول عن أثر الحروب على المكتبات؟ كل مقاومة أو ثورة تؤدي إلى دفن العشرات من المخطوطات الثمينة. وهذه الحروب قد قضت على المكتبات الشخصية والعمومية معا. معظم الزعماء الذين شاركوا في المقاومة كانوا من عائلات متعلمة تعتز بماضيها وتراثها. ولكن الابتعاد عن مركز العائلة أو القبيلة، والنفي والاحتشاد بالنسبة لمن أجبروا على الخضوع، قد أدى إلى تلف المكتبات. وعندما أصبح الأمير عبد القادر لاجئا وفقد عواصمه استعمل المدينة الخيمة (الزمالة) وحمل هو وعلماؤه وقواده مكتباتهم معهم. ومنها مكتبة زاوية القيطنة الشهيرة. وكان من بين الذين معه شيوخ علم لا تفارقهم الكتب أمثال محمد الخروبي، ومحمد بن علال، ومحمد البركاني، وابن فريحة، ومصطفى بن التهامي. ولكن حين استولى الفرنسيون على الزمالة في جهة طاقين انتقلت إليهم أيضا تلك المكتبات، ولا ندري إلى الآن مصيرها (٢).

стр. 2277

وقل مثل ذلك في المدن التي استولى عليها الفرنسيون. وقد جرت العادة أن الجزائريين يخرجون من المدينة إذا أحسوا بهجوم العدو، وكانوا يحملون معهم كل غال ونفيس، ومن ذلك كتبهم. ولكنها لم تكن دائما عملية ناجحة. فقد يفاجئهم العدو فلا يحملون إلا ما خف، فيستولي العدو على ما وجده ومنه الكتب، كما حدث في معسكر سنة ١٨٣٥، وفي تلمسان سنة ١٨٣٦. ويقول بيربروجر إن الفرنسيين وجدوا عقود أملاك عائلة الأمير، وحين أطلع بيربروجر الأمير على ذلك في مقابلة معه سنة ١٨٣٧ لم يكد الأمير يصدق القصة (١). وأثناء البحث عن الزمالة كان الفرنسيون يستدلون عليها بأوراق الكتب والوثائق التي كانت تذروها الرياح وترمي بها في الأشجار. وكان بيربروجر وغيره صرحاء جدا حين أكدوا، وهم يحسبون أن التاريخ قد طوى تماما ولن يكشف عن أسراره، أن الضباط كانوا يشعلون غلايينهم بأوراق الوثائق في قصبة الجزائر سنة ١٨٣٠، وأن الجنود كانوا يحسبون كل كتابة عربية قرآنا، فكانوا يحرقون الأوراق وما هي إلا وثائق ثمينة. ومع ذلك يتحدث الفرنسيون طويلا عن حرق العرب المسلمين لمكتبة الاسكندرية وينسون أنفسهم. أما احتلال مدينة قسنطينة واحتلال معسكر وتلمسان وغيرها فكان له نصيب آخر من نهب الكتب. وقد روى بيربروجر شيئا من التفصيل عن ذلك سنعود إليه بعد قليل. والحرب التي جرت في الأرياف أدت أيضا إلى إتلاف المكتبات ولا سيما في الزوايا. وكانت هذه الزوايا تتوفر على مكتبات للطلبة وأهل العلم. وهي الأمكنة التي بقيت للطلبة بعد احتلال المدن واختفاء التعليم ومصادرة المساجد والزوايا بها. فإذا بالحرب تمتد إلى هذه المدارس الخلفية (الزوايا)، وتمتد معها يد النهب والسلب لما تملكه من مخطوطات. وكان

стр. 2278

ذلك هو مصير المكتبات في زوايا منطقة الشلف والبابور وزواوة والأوراس والحضنة والونشريس. ثم أدت ثورات أولاد سيدي الشيخ، وشريف ورقلة واحتلال ميزاب، وثورة بوشوشة، وبو عمامة، إلى بعثرة الكتب. وحكى لنا من عاش انتفاضة ٨ مايو ١٩٤٥، كيف مزقت الكتب ورميت للرياح. وأصبح معروفا عند الجميع أن الجزائريين كانوا أيام ثورة التحرير الكبرى، يحفرون لكتبهم الباقية ووثائقهم العائلية في الأرض ويدفنونها، خوفا منها، لأن الفرنسيين إذا وجدوها عندهم سيتهمونهم بالعمل المعادي ويعتبرونها وثائق سياسية، ثم خوفا عليها، لأن العدو إذا وجدها سيحرقها أمام أعينهم، كما حدث عدة مرات. وكان أولئك الجزائريون يظنون أن الحرب لن تطول أو أن الأرض سترحم الكتب، ولكن الثورة قد طالت والأرض لم ترحمها إذ عندما فتحت المطامير التي وضعت فيها وجدت الكتب وقد تلفت من الرطوبة وأصبحت عجينا عند البعض أو ممحاة لا أثر للكتابة عليها. وكثير من الجزائريين نسوا أين دفنوا كتبهم كما أن بعض الذين دفنوها استشهدوا أو ماتوا موتة طبيعية دون أن يعرف الأحياء ما فعل الأموات. إن المهاجرين الجزائريين قد حملوا معهم أيضا. بعض كتبهم الثمينة بعد الاحتلال. فأولئك الذين خرجوا من دي رهم مراغمين أو اختاروا الهجرة على العيش تحت وطأة الأجنبي، كان معهم رصيدهم من المخطوطات القليلة أو الكثيرة. وقد حرمت منها العائلات الباقية والمدارس والتلاميذ. ابتداء من ابن العنابي الذي نفاه المارشال كلوزيل سنة ١٨٣٠، إلى حمدان خوجة الذي هرب بجلده من إرهاب دورفيقو إلى فرنسا نفسها ثم منها إلى اسطانبول سنة ١٨٣٦، إلى مصطفى الكبابطي الذي نفاه المارشال بوجو سنة ١٨٤٣ إلى جزيرة سانت مرغريت غير أن السلطات الفرنسية في مرسيليا سمحت له بالمنفى في مصر، ثم إلى القضاة والعلماء والضباط الذين توجهوا إلى المغرب الأقصى وتونس، ثم الحجاز. كل هؤلاء حملوا معهم ذكرياتهم وأدواتهم من الكتب (١).

стр. 2279

وقد هاجرت الكتب أيضا إلى فرنسا نفسها في أوقات مختلفة في حقائب الضباط والمترجمين والمستشرقين والعلماء واللصوص أيضا. ولذلك فإن من يبحث في تاريخ الجزائر في العهد الفرنسي سيجد مصادره مبعثرة في مكتبات العالم، ولا سيما مكتبات المشرق والمغرب والمكتبات الفرنسية العمومية والخصوصية. وإذا كانت المكتبات العمومية معروفة أو يمكن معرفة ما فيها لوجود الفهارس، فإن المكتبات الخاصة لا يمكن معرفتها لأن أصحابها كثيرون وأن تراثهم قد انتقل منهم إلى أحفادهم وأصهارهم أو بيع في المزاد العلني، أو لأنه لا يوجد فهرس للمكتبات الخاصة إلا نادرا (١). والواقع أن عملية اتلاف الوثائق بدأت من لحظة الاحتلال. فقد أباح قائد الحملة بورمون، مدينة الجزائر شهرا كاملا لجنوده يعيثون فيها فسادا وسرقة. وقد لاحظت السيدة روجرز بعد حوالي ثلاثين سنة من الاحتلال: أن الجنود كانوا أحرارا في نهب وتدمير وثائق الدولة الجزائرية، وكانوا منها يشعلون غلايينهم. وكان قائدهم (بورمون) مهموما بموت ابنه. ولم يتوقف التخريب عند المدينة بل شمل المنطقة الواقعة بين سيدي فرج (حيث بدأت عملية الإنزال العسكري) والعاصمة. فقطعت الأشجار، وديست الحدائق، وحطمت قنوات المياه. فكان سلوك الجيش، حسب قولها، هو أنه جاء للعدوان والنهب ثم يتراجع (٢). وأمام ذلك كيف تكون معاملة الجنود للمخطوطات والوثائق؟. وليس هذا رأيا معزولا في وصف ما جرى لحظة الاحتلال فقط. فإلى عقد السبعينات كانت الوثائق العربية محل نهب وإهمال. فقد ذكر (دور Dur) وهو قسيس بروتستنتي في الجزائر، أن مجموعة من الوثائق العربية

стр. 2280

هربت من مكاتب الحكومة العامة بين ١٨٧٠ - ١٨٧١ وبيعت كأوراق قديمة في ساحة الحكومة (الشهداء حاليا). وحين رآها القسيس (دور) اشتراها ثم أعطاها إلى فيرو الذي كان مترجما رئيسيا في الجيش. ولا شك أن ما عثر عليه (دور) ليس وحده، وإن ما تبقى عند فيرو ليس هو كل الوثائق. ولكي تعرف أهمية هذه الوثائق التي وقع العبث جا شكر أن أوغست كور قد نشر قائمتها المفصلة فكانت ثروة ثمينة تتعلق بالمراسلات بين الأعيان الجزائريين والفرنسيين. ومنها مراسلات إبراهيم باي المعروف بوشناق وعلاقته بالدوائر والزمالة وخدمتهم جميعا للعدو بين ١٨٣٥ - ١٨٣٦ (١). وقد عانى الأرشيف الجزائري الذي يرجع إلى العهد العثماني من الإهمال والتلف في العهد الفرنسي ما عانى أيضا. فقد تولاه ألبير ديفوكس الذي لم يكن يعرف التركية، فاستخدم بعض المترجمين الجزائريين واستفاد منه بعض الفائدة فيما يتعلق بالحياة الإدارية والعسكرية والأسطول والارقاء والمداخيل. ثم اشتغل بالأوقاف والحياة الدينية وبعض الآثار كالقلاع. وظلت الوثائق مهملة وعرضة للتلف. وإلى وقت الثورة لم يهتم الفرنسيون بتلك الوثائق مثل ما اهتموا برصيدهم القنصلي والتجاري في الجزائر خلال العهد العثماني. ومع ذلك ظل كتابهم يكيلون الشتم وعبارات التحقير والاستهزاء بكل ما ترك العثمانيون (الترك)، متجاهلين أن تلك الثروة من الوثائق ما هي إلا ثروة جزائرية قبل كل شيء. ومن مئات السجلات والآلاف من الوثائق لم يبق سوى بضع صناديق حملت عشية الاستقلال إلى فرنسا ثم أعيد بعضها، وقيل كلها، إلى الجزائر سنة ١٩٧٥. وقد بقيت غير مصنفة طيلة العهد الفرنسي، وهي ما تزال كذلك إلى الآن، عدا بعض الجوانب منها، قام بها جان ديني J. Deny ثم بعض المحاولات التي قام بها جزائريون خلال السبعينات. ولم يحمل الفرنسيون معهم عند رحيلهم، وثائق الجزائر العثمانية فقط
следующие страницы →