← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

(الدومين). وكانت المكتبات الملحقة بهذه المنشآت الدينية من ضحايا هذه المصادرة، فاختفت الكتب، رغم أنها كانت أحباسا، وتبادلتها الأيدي دون حساب أو عقاب. أين هي مكتبة الجامع الكبير بالعاصمة التي تحدث عنها الرحالة والباحثون المسلمون؟ وأين مكتبات مساجد تلمسان وقسنطينة ومعسكر والبليدة والمدية وبجاية وعنابة ومازونة الخ؟ وأين الكتب التي حبسها صالح باي على مدرسته في قسنطينة، ومحمد الكبير على مدرسته في معسكر؟ لقد ضاعت وتبعثرت، ولم تعد تذكر في حوليات التاريخ. فعندما أراد ابن أبي شنب أوائل هذا القرن أن يصف ما بقي في الجامع الكبير بالعاصمة لم يذكر منها سوى بضع عشرات (١). وماذا نقول عن أثر الحروب على المكتبات؟ كل مقاومة أو ثورة تؤدي إلى دفن العشرات من المخطوطات الثمينة. وهذه الحروب قد قضت على المكتبات الشخصية والعمومية معا. معظم الزعماء الذين شاركوا في المقاومة كانوا من عائلات متعلمة تعتز بماضيها وتراثها. ولكن الابتعاد عن مركز العائلة أو القبيلة، والنفي والاحتشاد بالنسبة لمن أجبروا على الخضوع، قد أدى إلى تلف المكتبات. وعندما أصبح الأمير عبد القادر لاجئا وفقد عواصمه استعمل المدينة الخيمة (الزمالة) وحمل هو وعلماؤه وقواده مكتباتهم معهم. ومنها مكتبة زاوية القيطنة الشهيرة. وكان من بين الذين معه شيوخ علم لا تفارقهم الكتب أمثال محمد الخروبي، ومحمد بن علال، ومحمد البركاني، وابن فريحة، ومصطفى بن التهامي. ولكن حين استولى الفرنسيون على الزمالة في جهة طاقين انتقلت إليهم أيضا تلك المكتبات، ولا ندري إلى الآن مصيرها (٢).

стр. 2277

وقل مثل ذلك في المدن التي استولى عليها الفرنسيون. وقد جرت العادة أن الجزائريين يخرجون من المدينة إذا أحسوا بهجوم العدو، وكانوا يحملون معهم كل غال ونفيس، ومن ذلك كتبهم. ولكنها لم تكن دائما عملية ناجحة. فقد يفاجئهم العدو فلا يحملون إلا ما خف، فيستولي العدو على ما وجده ومنه الكتب، كما حدث في معسكر سنة ١٨٣٥، وفي تلمسان سنة ١٨٣٦. ويقول بيربروجر إن الفرنسيين وجدوا عقود أملاك عائلة الأمير، وحين أطلع بيربروجر الأمير على ذلك في مقابلة معه سنة ١٨٣٧ لم يكد الأمير يصدق القصة (١). وأثناء البحث عن الزمالة كان الفرنسيون يستدلون عليها بأوراق الكتب والوثائق التي كانت تذروها الرياح وترمي بها في الأشجار. وكان بيربروجر وغيره صرحاء جدا حين أكدوا، وهم يحسبون أن التاريخ قد طوى تماما ولن يكشف عن أسراره، أن الضباط كانوا يشعلون غلايينهم بأوراق الوثائق في قصبة الجزائر سنة ١٨٣٠، وأن الجنود كانوا يحسبون كل كتابة عربية قرآنا، فكانوا يحرقون الأوراق وما هي إلا وثائق ثمينة. ومع ذلك يتحدث الفرنسيون طويلا عن حرق العرب المسلمين لمكتبة الاسكندرية وينسون أنفسهم. أما احتلال مدينة قسنطينة واحتلال معسكر وتلمسان وغيرها فكان له نصيب آخر من نهب الكتب. وقد روى بيربروجر شيئا من التفصيل عن ذلك سنعود إليه بعد قليل. والحرب التي جرت في الأرياف أدت أيضا إلى إتلاف المكتبات ولا سيما في الزوايا. وكانت هذه الزوايا تتوفر على مكتبات للطلبة وأهل العلم. وهي الأمكنة التي بقيت للطلبة بعد احتلال المدن واختفاء التعليم ومصادرة المساجد والزوايا بها. فإذا بالحرب تمتد إلى هذه المدارس الخلفية (الزوايا)، وتمتد معها يد النهب والسلب لما تملكه من مخطوطات. وكان

стр. 2278

ذلك هو مصير المكتبات في زوايا منطقة الشلف والبابور وزواوة والأوراس والحضنة والونشريس. ثم أدت ثورات أولاد سيدي الشيخ، وشريف ورقلة واحتلال ميزاب، وثورة بوشوشة، وبو عمامة، إلى بعثرة الكتب. وحكى لنا من عاش انتفاضة ٨ مايو ١٩٤٥، كيف مزقت الكتب ورميت للرياح. وأصبح معروفا عند الجميع أن الجزائريين كانوا أيام ثورة التحرير الكبرى، يحفرون لكتبهم الباقية ووثائقهم العائلية في الأرض ويدفنونها، خوفا منها، لأن الفرنسيين إذا وجدوها عندهم سيتهمونهم بالعمل المعادي ويعتبرونها وثائق سياسية، ثم خوفا عليها، لأن العدو إذا وجدها سيحرقها أمام أعينهم، كما حدث عدة مرات. وكان أولئك الجزائريون يظنون أن الحرب لن تطول أو أن الأرض سترحم الكتب، ولكن الثورة قد طالت والأرض لم ترحمها إذ عندما فتحت المطامير التي وضعت فيها وجدت الكتب وقد تلفت من الرطوبة وأصبحت عجينا عند البعض أو ممحاة لا أثر للكتابة عليها. وكثير من الجزائريين نسوا أين دفنوا كتبهم كما أن بعض الذين دفنوها استشهدوا أو ماتوا موتة طبيعية دون أن يعرف الأحياء ما فعل الأموات. إن المهاجرين الجزائريين قد حملوا معهم أيضا. بعض كتبهم الثمينة بعد الاحتلال. فأولئك الذين خرجوا من دي رهم مراغمين أو اختاروا الهجرة على العيش تحت وطأة الأجنبي، كان معهم رصيدهم من المخطوطات القليلة أو الكثيرة. وقد حرمت منها العائلات الباقية والمدارس والتلاميذ. ابتداء من ابن العنابي الذي نفاه المارشال كلوزيل سنة ١٨٣٠، إلى حمدان خوجة الذي هرب بجلده من إرهاب دورفيقو إلى فرنسا نفسها ثم منها إلى اسطانبول سنة ١٨٣٦، إلى مصطفى الكبابطي الذي نفاه المارشال بوجو سنة ١٨٤٣ إلى جزيرة سانت مرغريت غير أن السلطات الفرنسية في مرسيليا سمحت له بالمنفى في مصر، ثم إلى القضاة والعلماء والضباط الذين توجهوا إلى المغرب الأقصى وتونس، ثم الحجاز. كل هؤلاء حملوا معهم ذكرياتهم وأدواتهم من الكتب (١).

стр. 2279

وقد هاجرت الكتب أيضا إلى فرنسا نفسها في أوقات مختلفة في حقائب الضباط والمترجمين والمستشرقين والعلماء واللصوص أيضا. ولذلك فإن من يبحث في تاريخ الجزائر في العهد الفرنسي سيجد مصادره مبعثرة في مكتبات العالم، ولا سيما مكتبات المشرق والمغرب والمكتبات الفرنسية العمومية والخصوصية. وإذا كانت المكتبات العمومية معروفة أو يمكن معرفة ما فيها لوجود الفهارس، فإن المكتبات الخاصة لا يمكن معرفتها لأن أصحابها كثيرون وأن تراثهم قد انتقل منهم إلى أحفادهم وأصهارهم أو بيع في المزاد العلني، أو لأنه لا يوجد فهرس للمكتبات الخاصة إلا نادرا (١). والواقع أن عملية اتلاف الوثائق بدأت من لحظة الاحتلال. فقد أباح قائد الحملة بورمون، مدينة الجزائر شهرا كاملا لجنوده يعيثون فيها فسادا وسرقة. وقد لاحظت السيدة روجرز بعد حوالي ثلاثين سنة من الاحتلال: أن الجنود كانوا أحرارا في نهب وتدمير وثائق الدولة الجزائرية، وكانوا منها يشعلون غلايينهم. وكان قائدهم (بورمون) مهموما بموت ابنه. ولم يتوقف التخريب عند المدينة بل شمل المنطقة الواقعة بين سيدي فرج (حيث بدأت عملية الإنزال العسكري) والعاصمة. فقطعت الأشجار، وديست الحدائق، وحطمت قنوات المياه. فكان سلوك الجيش، حسب قولها، هو أنه جاء للعدوان والنهب ثم يتراجع (٢). وأمام ذلك كيف تكون معاملة الجنود للمخطوطات والوثائق؟. وليس هذا رأيا معزولا في وصف ما جرى لحظة الاحتلال فقط. فإلى عقد السبعينات كانت الوثائق العربية محل نهب وإهمال. فقد ذكر (دور Dur) وهو قسيس بروتستنتي في الجزائر، أن مجموعة من الوثائق العربية

стр. 2280

هربت من مكاتب الحكومة العامة بين ١٨٧٠ - ١٨٧١ وبيعت كأوراق قديمة في ساحة الحكومة (الشهداء حاليا). وحين رآها القسيس (دور) اشتراها ثم أعطاها إلى فيرو الذي كان مترجما رئيسيا في الجيش. ولا شك أن ما عثر عليه (دور) ليس وحده، وإن ما تبقى عند فيرو ليس هو كل الوثائق. ولكي تعرف أهمية هذه الوثائق التي وقع العبث جا شكر أن أوغست كور قد نشر قائمتها المفصلة فكانت ثروة ثمينة تتعلق بالمراسلات بين الأعيان الجزائريين والفرنسيين. ومنها مراسلات إبراهيم باي المعروف بوشناق وعلاقته بالدوائر والزمالة وخدمتهم جميعا للعدو بين ١٨٣٥ - ١٨٣٦ (١). وقد عانى الأرشيف الجزائري الذي يرجع إلى العهد العثماني من الإهمال والتلف في العهد الفرنسي ما عانى أيضا. فقد تولاه ألبير ديفوكس الذي لم يكن يعرف التركية، فاستخدم بعض المترجمين الجزائريين واستفاد منه بعض الفائدة فيما يتعلق بالحياة الإدارية والعسكرية والأسطول والارقاء والمداخيل. ثم اشتغل بالأوقاف والحياة الدينية وبعض الآثار كالقلاع. وظلت الوثائق مهملة وعرضة للتلف. وإلى وقت الثورة لم يهتم الفرنسيون بتلك الوثائق مثل ما اهتموا برصيدهم القنصلي والتجاري في الجزائر خلال العهد العثماني. ومع ذلك ظل كتابهم يكيلون الشتم وعبارات التحقير والاستهزاء بكل ما ترك العثمانيون (الترك)، متجاهلين أن تلك الثروة من الوثائق ما هي إلا ثروة جزائرية قبل كل شيء. ومن مئات السجلات والآلاف من الوثائق لم يبق سوى بضع صناديق حملت عشية الاستقلال إلى فرنسا ثم أعيد بعضها، وقيل كلها، إلى الجزائر سنة ١٩٧٥. وقد بقيت غير مصنفة طيلة العهد الفرنسي، وهي ما تزال كذلك إلى الآن، عدا بعض الجوانب منها، قام بها جان ديني J. Deny ثم بعض المحاولات التي قام بها جزائريون خلال السبعينات. ولم يحمل الفرنسيون معهم عند رحيلهم، وثائق الجزائر العثمانية فقط

стр. 2281

ولكن حملوا معهم كل الوثائق (الإرشيف) الذي جمعوه خلال حكمهم في الجزائر. وهو على ما قيل أطنان من الوثائق، والكثير منها مصنف، ولكن بقي أيضا الكثير غير مصنف ولا مفهرس. وهكذا حرموا الجزائريين إلى الآن من تراثهم الوطني، فالجزائري الذي يريد أن يبحث في حادثة أو شخصية أو ظاهرة اقتصادية أو مدينة من المدن ... عليه أن يحج إلى فرنسا وأن يقطع البحر لعله يحصل على معلومات عن أمر يتعلق ببلاده وجرى في بلاده، وربما قيل له ماذا تريد منه، وقد لا يبيحون له الاطلاع عليه أصلا رغم مرور الأجل الشرعي عليه. ... وفي حديثنا عن المكتبات والمخطوطات سنقسم الموضوع إلى مكتبات فرنسية عمومية، مثل المكتبة التي صارت اليوم وطنية، ومكتبة الجامعة، والمكتبات البلدية وغيرها. أما المكتبات الفرنسية الخاصة فلا نتحدث عنها أكثر مما أشرنا إليه. ومن جهة أخرى سنتحدث عن المكتبات الجزائرية العامة منها والخاصة، ونقصد بالعامة هنا ما بقي أو ما أنشئ من مكتبات الزوايا. أما المكتبات الخاصة عند الجيل الجديد الذي نشأ تحت الاحتلال فسترى أنها كانت موجودة رغم أنها لم تلغ مبلغ المكتبات الخاصة في العهد العثماني. ولنبدأ بأول مكتبة عمومية أسسها الفرنسيون وهي مكتبة الجزائر التي كانت تسمى لفترة طويلة المكتبة - المتحف. من حق الفرنسيين أن ينشئوا مكتبة عمومية لهم في الجزائر بعد الاحتلال، ولكن ليس من حقهم أن ينهبوا ويسلبوا الجزائريين من مخطوطاتهم ليكونوا بها هذه المكتبة. لقد اعتبر الفرنسيون الكتب المحبسة على المدارس والمساجد وكذلك المكتبات الخاصة لدى العائلات الجزائرية غنيمة حرب يأخذونها عن طريق الغلبة والنهب والاختلاس. وكان الضباط والجنود والعلماء والمرافقون لهم كلهم سواء في هذه الفعلة. حرموا المدارس والعلماء من مصادر حياتهم العلمية والفكرية، وحرموا الورثة

стр. 2282

الشرعيين من حقوقهم فيما ترك الآباء والأجداد، كان الجنود ينهبون المخطوطات فيعبثون بها أو يبيعونها بأبخس الأثمان، والضباط يأخذونها لأنفسهم أو يسلمونها لعلمائهم في شكل (هدايا)، وكان هؤلاء يجمعونها حيث يسيطر الفرنسيون على أنها غنائم حرب، ثم أخذوا ينقلونها إلى المكتبة الفرنسية في باريس بدعوى تبادلها مع كتب مطبوعة!. روى بيربروجر (١) الذي رافق حملة كلوزيل على معسكر وتلمسان سنة ١٨٣٥ كيف استولى على المخطوطات والوثائق وكيف نقلها إلى الجزائر على ظهور الحيوانات. وقد روى بيربروجر ذلك بشيء من الأسف. والغريب أنه ادعى بالنسبة لمدينة معسكر أن العرب قد مزقوا المخطوطات قبل مغادرتهم المدينة ونشروا أوراقها. وكيف يحدث ذلك منهم وهي ثروتهم الثمينة؟ وقال إنه وأمثاله لم يستطيعوا سوى جمع أربعين مخطوطا كاملة وحملوها إلى العاصمة لتكون نواة المكتبة العمومية. ونوه بيربروجر بالضباط: لامورسيير وكوفيه وابراهيشا على فهمهم لدور المكتبة العمومية، وتوفير المخطوطات العربية لها. غير أنه لام الآخرين الذين وقعت المخطوطات الهامة بأيديهم ولكنهم فضلوا أن يبقوها في ملكهم الشخصي، ومن ثمة حكموا عليها بعدم النفع تقريبا. وهذا اعتراف صريح منه أن هناك فرنسيين اغتصبوا المخطوطات وأبقوها عندهم فحرموا منها مالكيها كما حرموا منها المكتبة العمومية. ومن بين المخطوطات التي (عثروا) عليها في معسكر (سنة ١٨٣٥): (كريستوماتيا عربية) بخط جميل، ومعجم عربي، ومؤلفات في الفقه الإسلامي تتضمن أحكام البيع والشراء، وشرح عن الأحاديث النبوية (فتح الباري؟)، وغير ذلك من الكتب الدينية. بالإضافة إلى شروح في النحو العربي وتقاييد في التاريخ الطبيعي، وسيرة الرسول ﷺ ، ومصحفين. وذكر بيربروجر في شيء من التبجح أنهم عثروا في الفتحات التي تدخل منها

стр. 2283

الشمس والضوء للغرف، على زمامات (سجلات) المحاسبة للأمير عبد القادر، وعلى عدد كبير من الوثائق والعقود الخاصة بأملاك الأمير. واعترف بيربروجر أن ظروف الحرب جعلتهم ينقذون جزءا من هذه الثروة من الكتب. فكيف ضاعت؟. لقد حمل جزءا من المخطوطات على ظهر بعير وجزءا، على ظهر حصان. وفي الطريق من معسكر إلى مستغانم سقط البعير من عل إلى هوة سحيقة. وكان على ظهره أربعون مخطوطا، فضاعت كلها معه. أما تلك التي حملت على ظهر الحصان فقد نجت ورجعت مع بيربروجر إلى العاصمة (١). وفي تقريره إلى المتصرف المدني عن مهمته في قسنطينة سنة ١٨٣٧ روى بيربروجر كيف حصل هو وأمثاله على المخطوطات من ديار ومدارس ومساجد وحتى أضرحة هذه المدينة المباحة. وبعد أن تحدث عن المعالم العربية الإسلامية في المدينة والآثار الموجودة في الشرق الجزائري عموما.، قال إن العقيد لامورسيير قد سلمه مخطوطين في الدين وجدهما في ضريح أحد المرابطين. وأكد أن آخرين من أعضاء الجيش قدموا له مخطوطات، وأنه اشترى من جنود فرقة الزواف مخطوطات ثمينة كانوا قد نهبوها من المدينة، منها (تاريخ قسنطينة) منذ أقدم العصور الذي لم يذكر مؤلفه، و (تاريخ الجامع الكبير) (٢) في نفس المدينة، وأن (ليوتي) المتصرف العسكري عندئذ قد قدم إليه ثلاثة وستين مخطوطا وأعانه على نقلها إلى الجزائر. ومأساة مكتبة القاضي العربي بن عيسى، أخ علي بن عيسى، قائد الحاج أحمد والمدافع عن قسنطينة، كانت مضرب المثل في هذه الظروف. وكانت مكتبة العربي بن عيسى المذكور غنية، وقد جمعها عبر عقود من

стр. 2284

الزمن باعتبار صاحبها من الشخصيات العلمية في المدية وربما توارثها عن أجداده. وكان الأخوان ابن عيسى (العربي وعلي) من ضحايا الاحتلال. وقد قال قايد فرقة الزواف لبيربروجر المرافق المدني للحملة والذي كان يقوم بدور المتجسس على الأوضاع الداخلية وهدم نفسه على أنه من العلماء وليس من المحاربين، قال له: إن إحدى الدور (دار العربي بن عيسى) كانت تحتوي على كمية من المخطوطات الجميلة. فذهب بيربروجر إليها بينما كانت الراية الخضراء مرفوعة على صومعة الجامع الكبير علامة على الاستسلام، فتأكد أنها دار الأخوين ابن عيسى، ولاحظ أن الكتب المخطوطة كانت مرمية وسط الدار في فوضى، وحتى لا يلصق التهمة مباشرة بالجنود الفرنسيين قال بيربروجر إن المدافعين الجزائريين عن الدار حطموا الصناديق التي كانت بها الكتب لعلهم يجدون فيها أشياء أثمن منها، ولكنه اعترف أن الجنود الفرنسيين قد أكملوا تحطيم الصناديق لنفس الغرض. وكان عليه أن يبحث عن الكتب ويجمعها وهي وسط مواد مضرة بها كالزيت والدقيق والزرابي ... وبعد أن جمع ما استطاع وما شاء من المخطوطات وضعها في غرفة صغيرة في نفس الدار وعين عليها جنديا لحراستها. واعترف أن ما جمعه أو اغتصبه من دار ابن عيسى قد بلغ حوالي مائة مخطوط، قال إنه ذو قيمة كبيرة إما لموضوعه وإما لجماله الخارجي كالتذهيب والتجليد وإما لحسن خطه. وذكر من ذلك كتاب دلائل الخيرات ونسخة من المصحف الشريف كانتا على غاية من الجمال. وكانت بعض المخطوطات في الفقه، وبعضها دفاتر أو أزمة (سجلات) يعود بعضها إلى عهد صالح باي (الذي قال عنه خطأ إنه عاش إلى نهاية القرن العاشر). ومن المخطوطات عدد في الأدب والدين، ومجموعة من الرسائل الصادرة عن الحاج أحمد باي، وعلي بن عيسى، وغيرهم من الأعيان والمسؤولين. ومجموعة أخرى من الرسائل ترجع إلى قائد الدار أو حاكم المدينة، وشخصيات أخرى هامة في قسنطينة. وفي دار أخرى تقع بالقصبة (لم يذكر صاحبها) قال إنه عثر على سجلات تتعلق بأملاك الدولة (البايليك). فأشار بها على المكلف بالإدارة

стр. 2285

المالية المدعو بيرنار، فقام بيرنار بجمع السجلات (الزمامات)، ولم يتحدث بيربروجر بعد ذلك على أنه حمل هذه معه إلى الجزائر لأنه لا يعتبرها من المخطوطات وإنما من وثائق الدولة، بل تركها في يد بيرنار ممثل الدومين. ولكن المتجسس بيربروجر عثر، كما قال، على ثلاثة وثلاثين سجلا آخر (لم ينتبه إليها) بيرنار، لأنها كانت مخبأة في كيس من الشعير. وهذه السجلات هي التي جاء بها بيربروجر إلى الجزائر وقدمها إلى المتصرف المدني ليقدمها بدوره إلى من يهمه الأمر، وهو بالطبع إدارة أملاك الدولة (الدومين). ومن ثمة نتبين أن الدار التي لم يذكر بيربروجر صاحبها كانت لأحد المسؤولين الإداريين الكبار في حكومة الحاج أحمد. ويعترف بيربروجر أن الجيش كان ينهب ما يعثر عليه وكان الجنود يجمعون الأشياء الثمينة التي يريدون. أما الكتب فلم تكن في نظرهم ذات أهمية مالية، ولذلك كانوا يجمعونها ويا. تون بها إليه أو إلى قيادتهم دون انتظار المقابل المالي، لأنهم كانوا (يتحصلون على أشياء أخرى)، ولكن بعد أن نفدت الغنائم أصبح (لكل جندي قرآنه)، وأصبح الجنود يبيعون له المخطوطات للحصول منه على الدراهم. (وكل كتاب بالعربية أصبح قرآنا بالنسبة للبائع والمشتري)، وأخذ الجنود يتنافسون على جمع المخطوطات وبيعها إليه، كما قال. وأخبر أن المخطوط الواحد قد وصل إلى خمسين فرنكا لمجرد أن فيه حروفا مذهبة أو بعض الرسومات. واعتبر بيربروجر أنه من حسن حظه أن الهواة في جمع المخطوطات وبيعها لم يهتموا بالكتب الفاخرة التي كان أغلبها دينيا، وهي غير ذات أهمية كبيرة عنده، وغالبا ما كانت الكتب المتواضعة هي ذات الموضوع الهام الذي يبحث عنه. وكانت هذه المخطوطات المتواضعة في مظهرها والثمينة في محتواها تباع بأبخس الأثمان. وبذلك ازدادت قيمة المجموعة التي انتهبها بيربروجر من قسنطينة سواء بالأخذ المباشر أو بالشراء من الجنود المتنافسين على اغتصابها. والغريب أن بيربروجر قد اعترف بأن معظم الكتب التي حملها من

стр. 2286

قسنطينة كانت من المؤسسات العامة، وكانت كتبا، موقوفة على الطلبة والعلماء والدارسين في تلك المؤسسات. فهو يقول إن أغلب الكتب التي اشتراها من الجنود قد جاءت من المدارس والزوايا والمساجد. وكان أغلبها مختوما بختم صالح باي في أوائلها على أساس أنها وقف، ومن ذلك وقف الجامع الكبير. ومع ذلك اعتبر بيربروجر نفسه حامل لواء الرسالة الحضارية للجزائريين بينما كان هو وجيشه يجردونهم من مصادر حضارتهم ويرمون بها في غياهب الجهل والأمية باغتصاب مكتباتهم. وقد بلغ ما جمعه بيربروجر بالطريق المذكورة، حوالي ألف مخطوط - يقول إنه حوالي ٨٠٠ مخطوط - لكننا نعرف أن كل مجموع يضم عددا من المخطوطات الموضوعة مع بعضها داخل سفر واحد. وكان نقل هذه المخطوطات إلى الجزائر مشكلة بالنسبة إليه. فقد وضعها في صناديق وأعدها لتنقل عن طريق عنابة. فخاطب بذلك الجنرال زيقو، رئيس اللجنة العلمية، فوجده مريضا ولم يهتم بالمخطوطات، ثم خاطب رئيس الحملة (المارشال فاليه؟) فأجابه أنه لا يمكن نقل الكتب لأن حياة البشر أولى من حياة العلم. ويخبرنا بيربروجر أنه جمع من قسنطينة وحدها ثلاثة عشر صندوقا لم يصل منها إلى الجزائر سوى ثمانية فقط، وكانت تضم ٥٠٠ مخطوط. وهكذا ضاع الباقي، ولكنه لم يقل كيف ضاع (١). وعلق أحد الفرنسيين على عملية نهب المخطوطات من قسنطينة بقوله: إن احتلال هذه المدينة (١٨٣٧) قد أدى إلى لجوء أهلها المتحضرين إلى أهل البداوة في الصحراء. وبذلك قاد الاحتلال إلى تحويل أناس متحضرين إلى همج (باربار). فقد حرم الفرنسيون بغيرتهم العلمية (؟) سكان المدينة (قسنطينة) من آخر ما عندهم من مصادر ثقافية، وهي كتبهم التي كانت ثروة حقيقية للسكان جميعا. إن كتابا واحدا يعتبر ملكا مشاعا لكل العائلة

стр. 2287

الحضرية. وهكذا فإن ال ٨٠٠ كتاب (ضاع أكثرها) التي حملت من قسنطينة إلى العاصمة قد أدت إلى الإضرار بحركة التعليم للسكان وحرمان عدد من الآباء في العائلات من المتعة الشريفة وهي إقراء أولادهم كل مساء حسب عادتهم، حين يتحلقون حولهم (١). وهذا الحرمان قد استمر في عدة أشكال بعد ذلك في مختلف المدن. وقد استولى شيربونو على مخطوطات ووثائق استلفها من أعيان قسنطينة أثناء إقامته بها، والغالب أنه لم يردها إلى أصحابها. وقد يستعمل شيربونو مكانته ونفوذه كأستاذ حلقة الدراسات العربية ليطمع أولئك الأعيان والعلماء والقياد بتقديم خدمات لهم إذا جاؤوه بالوثائق والمخطوطات التي يطلبها. ومن ذلك كتاب (الدرة الثمينة) لأحمد المبارك العطار الذي طلبه شيربونو من محمد البابوري بواسطة الشيخ محمد بن أحمد العباسي (إمام زاوية سيدي التلمساني) سنة ١٢٧٠ هـ، وبواسطة القايد أيضا. والكتاب المذكور ضاع خبره منذئذ وإنما أشار إليه شيربونو نفسه في كتابه (تعليم القاري في الخط العربي) (٢). وفي مكان آخر ذكر شيربونو نفسه أنه استعار نستختين من مخطوط (تكملة الديباج) تأليف أحمد بابا، إحداهما من الشيخ حمودة بن الفكون والثانية من الشيخ مصطفى بن جلول. وقد استفاد شيربونو منهما في ترجمة مقالته عن (الأدب العربي في السودان)، كما التجأ إلى المترجمين الجزائريين أمثال الطاهر بن النقاد في الذي قدم إليه نسخة وشرحا للكتابة الموجودة في الجامع الكبير بتقرت والتي تثبت تاريخ تجديده (٣). حقيقة أن شيربونو وأمثاله

стр. 2288

من المستشرقين قد ألفوا وكتبوا عن المخطوطات واستفادوا منها، ولكنها عادة لا ترجع إلى أصحابها، ويكون مصيرها هو حرمان أهلها وذريتهم منها. وكانت محافظة المكتبة العمومية (انظر لاحقا) تتلقى (الهدايا) من الكتب المخطوطة التي استولى عليها الضباط أثناء الحملات ضد الجزائريين. وذلك قليل من كثير، لأن معظم المخطوطات في الواقع كانت تبقى عند مغتصبيها أو كانت ترسل إلى مكتبات محلية في فرنسا أو إلى بعض المستشرقين المهتمين. ومما أخبرت المكتبة العمومية أنها تلقته في شكل هدية من المحامي شاطرون ما يلي: الجزء الرابع والأخير من كتاب في الفقه المالكي وموضوعه الإجارة. والجزء الثالث والأخير من كتاب عنوانه (إعراب القرآن) لأبي حيان يرجع نسخه إلى سنة ١٠٢٦ هـ (١٦١٧). ثم الجزء الثالث والأخير من كتاب الشفا للقاضي عياض وهو في شمائل الرسولو (١). وادعى عدد آخر أنهم (عثروا) على مخطوطات فاستفادوا منها أو نشروها، ومن ثمة حرموا أصحابها منها. ونجد ذلك الإدعاء عند مستشرقين وباحثين أمثال ماسكري وموتلانسكي اللذين اهتما بالمخطوطات الإباضية. فمنذ ١٨٨٠ ادعى ماسكري أنه حصل على نسخة - بعد هب وجهد كما قال - من تاريخ أبي زكريا في المذهب الأباضي. ونفس الشيء قاله موتيلانسكي عن كتاب في تاريخ زواغة. وفي سنة ١٨٧٩ قال ت. فرومان Froment إنه (عثر) في المدية سنة ١٨٣٩ على نسخة من (اللآلئ الفريدة) وهو الجزء الثاني من شرح الشاطبية في القراءات السبع. فما كان منه (فرومان) إلا أن قدمه إلى الجمعية الآسيوية بباريس (٢). وكان فانيان صريحا عندما ذكر أن فهرس (كاتلوق) مخطوطات مكتبة بوردو بفرنسا كان يضم حوالي عشرين مخطوطا عربيا، معظمها قدمها لها

стр. 2289

الجنرال دوماس الذي حارب في الجزائر وألف عن المرأة والخيول ثم أصبح مرافقا للأمير عبد القادر في سجنه بامبواز. ومنها كتاب (عجائب الأسفار) لأبي راس الناصر الذي شرح فيه قصيدته (نفيسة الجمان في فتح وهران) على يد الباي محمد الكبير. وكذلك المخطوطة الوحيدة من كتاب في تاريخ قسنطينة ألفه أحمد الانبيري (١). المكتبة العمومية (الوطنية) أسس الفرنسيون نواة المكتبة العمومية في الجزائر سنة ١٨٣٥. وينسبون الفضل في ذلك إلى المارشال كلوزيل في عهده الثاني وإلى كاتبه الخاص بيربروجر. وقد أصبح هذا هو المحافظ للمكتبة منذ إنشائها وإلى وفاته سنة ١٨٦٩. ولكن بعضهم يقول إن مشروع إنشاء مكتبة عامة يرجع إلى المتصرف المدني جنتي دي بوسيه، أي منذ سنة ١٨٣٢، فهو الذي فكر في ذلك لكي تستقبل المكتبة الجديدة المخطوطات العربية بالدرجة الأولى (٢). ولكن مشروع دي بوسيه لم ينفذ منه إلا المطبعة وجريدة المونيتور، أما المكتبة فقد ظلت فكرة فقط. ولم تفتح في الواقع أبوابها للقراء إلا سنة ١٨٣٨ بل إن بعضهم قال سنة ١٨٤٠. تقول سجلات ذلك الوقت إن الهدف من إنشاء مكتبة عمومية هو استقبال الوثائق والمخطوطات والكتب المطبوعة عن تاريخ الجزائر وتاريخ العلوم ومساعدة السكان (الفرنسيين طبعا) على التعلم والتثقف. وكانت الكتب المطبوعة تصل إلى المكتبة عن طريق الهدايا من وزارة الحرب (التي تتبعها المكتبة عندئذ) ومن وزارات أخرى متل الداخلية والتعليم، وكذلك من

стр. 2290

الملك نفسه ومن أفراد أسرته، ومن الأصدقاء، وجهات أخرى مختلفة. أما بالنسبة للمخطوطات العربية فقد جاءت حسب مصدرنا من (الحصاد العلمي والأدبي المخبي في المراكز المحتلة حديثا، ولا سيما قسنطينة). ويضيف هذا المصدر أنه بفضل الاحتلال إذن قامت المكتبة (والمتحف) في الجزائر، وأصبحت تملك عددا من مخزون الوثائق والمخطوطات والمطبوعات وتحفا وأشياء قديمة وحديثة تتعلق بالتاريخ السياسي والطبيعي للجزائر (١). في أول إحصاء للمكتبة سنة ١٨٤١ ثبت أنها كانت تملك حوالي ١، ٨٠٠ من الكتب المطبوعة معظمها بالفرنسية واللاتينية. وهي من حيث الموضوع في الأدب القديم والحديث. والتاريخ والآثار والفلسفة، والتاريخ الطبيعي والفيزياء والرياضيات والجغرافية. وفيها مجموعة خاصة بمنطقة المغرب العربي (شمال افريقية). وقد أصبح المستوطنون الجدد يجدون فيها ما يشبع نهمهم في المطالعة والمعرفة. وأما قسم المخطوطات فيها فيحتوي على ٦٤٧ مخطوطا. منها حوالي ٤٠٠ كان قد جمعها بيربروجر أثناء الحملات على قسنطينة ومعسكر وتلمسان (٢). ومن ذلك الرقم (٦٤٧) توجد حوالي ٢٠٠٠ رسالة أو تقييد في مختلف فروع المعرفة الانسانية عند العرب. وهذه المخطوطات مصنفة كالتالي: ١ - القرآن والسنة: حوالي ٤٥٠ كتابا. نماذج من القرآن الكريم، وحياة الرسول ﷺ والعقائد، والسنة النبوية، وتفاسير القرآن وشروح الحديث، مثل صحيح البخاري، والجامع للسيوطي، وتفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود، وتفسير الخازن، وتفسير الزمخشري، وحاشية شهاب

стр. 2291

الدين علي البيضاوي، وشرح العقائد النسفية. ٢ - في الفقه المالكي والحنفي، حوالي ٢٠٠ مخطوط، وتتناول كلها آراء الفقهاء في المذهبين. ٣ - اللغة العربية وآدابها: حوالي ٦٠٠ مخطوط أو أكثر، مثل القاموس للفيروز آبادي، والصحاح للجوهري، والألفية، والآجرومية في النحو، مع مؤلفات في البلاغة والمنطق، ومن ذلك أيضا مؤلفات للسيوطي والزمخشري والجرجاني، والأشموني. ٤ - الدواوين الشعرية: حوالي ٣٠٠ مخطوط، وهي في مختلف أغراض الشعر مع شروحها. من بينها ديوان قديم لأحد شعراء خراسان، عنوانه الجوهرة اليتيمة (يتيمة الدهر؟)، ومقامات الحريري، وديوان الحماسة، والمعلقات، ولامية العجم، وكذلك الأناشيد الدينية (المدائح)، ومجموعة من الأشعار الدارجة أو العامية. ٥ - في التاريخ والتراجم، حوالي ٥٠ مخطوطا، منها كتاب الجمان للشاطبي (الشطيبي)، ومختصر التاريخ العام (كذا)، وكفاية المحتاج، والأمثال للميداني. ٦ - متنوعات في الطب، والفلسفة، والفلك، والجغرافية، والفيزياء، والتوحيد، والسحر، والتنجيم، الخ ... لم يذكر عددها (١). وفي تعليق آخر يقول صاحب المقال إن بعض المخطوطات كانت في حالة جيدة، ولكن بعضها قد تضرر بسبب الحرب، مع إمكان معالجتها. واعتبر سقوطها في يد الفرنسيين غنيمة. وألح على أن معظم المخطوطات جاءت من قسنطينة لأن صالح باي كان أوقف الكتب على المدارس والمنشآت الدينية. والغريب أن صاحب المقال يقول إن حصار قسنطينة ثم احتلالها لم يسمح (بإنقاذ) كل الثروة التي تركها صالح باي. فهل اغتصاب

стр. 2292

المخطوطات من أصحابها الشرعيين إنقاذ لها منهم؟ ومن الذي استفاد منها بعد نقلها إلى أيدي الفرنسيين وحرمان الطلبة والدارسين منها؟. ويعترف صاحب المقال بأن بعض المخطوطات التي نقلت إلى الجزائر قد نقلت منها أيضا أو هربت إلى فرنسا تهريبا مما جعلها بعيدة جدار عن تناول الجزائريين. فكانت المخطوطات العربية يقع تبادلها مع المكتبة الملكية عندئذ (الوطنية) في فرنسا في مقابل بعض الكتب الفرنسية المطبوعة التي يحتاجها المستوطنون الجدد. وأعلنوا عندئذ أنه تمت أول عملية تبادل من هذا النوع بين وزارة الحربية والمكتبة الملكية (١). ومن الأسف أن المصدر لم يذكر حجم ولا نوع المخطوطات التي وقع تبادلها أو تهريبها إلى فرنسا عندئذ، وما رأيك في هذه السياسة التي تحرم الجزائريين من ثروتهم الفكرية ومن تراث أجدادهم على يد من جاء يزعم أنه يحمل إليهم مصباح الحضارة؟ يبدو أن الفرنسيين قد اعتبروا الجزائر كلها، أرضا وسكانا وثروات، غنيمة حرب. ظلت المكتبة حوالي ثلاث سنوات لا وجود لها إلا نظريا فقط. كان محافظها كما قلنا هو بيربروجر، وكانت تقع في دار عربية اغتصبها الفرنسيون في زنقة (شارع) الشمس. ويقال إن المكتبة قد فتحت أبوابها للجمهور الفرنسي سنة ١٨٣٨ في باب عزون، في دار عربية أخرى يقول البعض إنها كانت ملكا للحاج عمر صهر الداي حسن، ويقول آخر إنها كانت ملكا للآغا إبراهيم، صهر الداي حسين باشا. والآغا إبراهيم هو قائد الجيش الجزائري أثناء الحملة الفرنسية (٢). ومهما كان الأمر فإن الدار العربية قد استولى عليها

стр. 2293

الفرنسيون باعتبارها من أملاك الدولة التي هزموها. وكانت الدار ملاصقة لثكنة الانكشارية التي ظلت قائمة إلى حوالي سنة ١٨٧٢ والتي جعلها الفرنسيون كوليجا ثم ليسيه (١). وبعد عشر سنوات وقعت عدة تغييرات للمكتبة، من جهة المكان نقلت سنة ١٨٤٨ إلى دار عربية (٢) أخرى أوسع من الأولى، لكثرة الكتب وضيق الدار الأولى بها. والمكان الجديد كار قصرا فخما بني قبل الاحتلال وكلف بناؤه ٥٠٠ ألف فرنك. وكان مقرا للقنصلية الأمريكية قبل ١٨٣٠. وأما من حيث التبعية فإن المكتبة لم تبق تابعة لوزارة الحربية بل أصبحت تابعة لوزارة التعليم العمومي، وذلك على أثر ثورة ١٨٤٨ في فرنسا وقيام النظام الجمهوري الحريص على الاندماج والحكم المدني للفرنسيين في الجزائر. كانت المكتبة تنمو باستمرار بالكتب المخطوطة والمطبوعة. وكانت تفتح للجمهور ثلاث مرات في الأسبوع. وكان المترددون عليها حوالي ثلاثين شخصا في كل فتحة، ربعهم فقط من الجزائريين، والباقي من الفرنسيين. أما الزوار فقد بلغوا ٢٠٠ شخص في اليوم (لأن المتحف معها أيضا). وكان قسم المطالعة للجزائريين مفصولا عن قسم المطالعة للفرنسيين تبعا لسياسة التمييز والتفريق بين الأجناس التي تميز بها الحكم الفرنسي. وإلى نوفمبر ١٨٤٦ بلغت الكتب المطبوعة في المكتبة ١، ٤٧٣ مجلدا. وكانت مصنفة إلى المواد الآتية: الثيولوجيا، والقانون والنظرية الاجتماعية، واللغات، والتاريخ، والجغرافية، والآداب، والطب، والعلوم، والزراعة، وكتب عن الجزائر، والفنون العسكرية. وتحت عنوان (كتب عن الجزائر) نجد ١١٢ كتابا (في أكثر من ١٥ مجلدا، تحتوي على ٨٩ رسالة أو كتيبا).

стр. 2294

كما تضم المكتبة وثائق وأوراقا، تتعلق بتاريخ ولهجات الجزائر والمغرب العربي، بالعربية والتركية. أما المخطوطات العربية فبلغت سنة ١٨٤٦ حوالي ٦٨٧ مخطوطا. ومن ثمة نلاحظ أنها لم تنم كثيرا في هذا الميدان. ونظرا إلى أن كل مخطوط كان يشتمل على عدة عناوين فإنه يمكن القول إن عدد المخطوطات قد بلغ حوالي ١، ١٠٠، وكانت المخطوطات مفهرسة ومعروفة العناوين. وقد تبلع بعد الفحص الدقيق إلى ٢، ٠٠٠ مخطوط، كلها داخلة في الرقم الأول وهو ٦٨٧. وقد صنفوا المخطوطات إلى خمسة أصناف وهي: الثيولوجيا، والفقه، واللغات، والآداب، والعلوم. فكان فيها مما يخصص الدين: ٣٨٥، وأصول الدين ٣٩، والحديث ٦٠، والتوحيد ٤٣. ورسائل مختلفة ١١٣ (عقائد، أشعار، قصص الخ). وحياة الرسول ﷺ ٨٣. أما في الشريعة (الفقه وأصوله) فمنها أصول الفقه ٢٢، والمذهب المالكي ٧٣ إضافة إلى ثلاثة نماذج من موطأ الإمام مالك، ونماذج من مختصر الشيخ خليل. وتفيدنا هذه المصادر أن شروح المذهب كانت تختلف رواجا من إقليم إلى إقليم، ففي وهران كان الشائع هو شرح إبراهيم الشبرخيتي، وفي قسنطينة شرح الخرشي، وفي الجزائر شرح عبد الباقي. ومن مذاهب الأيمة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ٨٧ مخطوطا. وفي اللغة العربية وآدابها ١١٣ في النحو والمعاجم، ومنها ستة معاجم فارسية وتركية. وفي القراءات ١٧، وفي البلاغة ١٧ أيضا، والاستعارة ٩، والإنشاء ٥، وفي الأدب العربي ٥٨، والعلوم، منها الأخلاق ٤٧، والفيزياء والرياضيات ٣٠، والطب ٢١. ومن الأخلاق ثماني ترجمات لكتب أرسطو، ومن الفيزياء والرياضيات اقليدس، والدميري (حياة الحيوان)، وبعض الكتب في الزراعة. ومن مخطوطات الطب كتاب ايبوقراط، وقانون ابن سينا، وتذكرة داود الأنطاكي. أما مخطوطات التاريخ والجغرافية والتراجم فمنها ١٠٠، بما في ذلك الرحلات. وهناك صنف آخر سمي بقسم الخرائط والخطط (١).

стр. 2295

ظلت المكتبة في دار الحاج عمر (أو دار الآغا إبراهيم) بعد انتقالها من مبنى الكوليج (الثكنة القديمة). وكانت تظل على البحر ويضرب الماء أساسها من الجانبين. وكانت الدار المذكورة، كما قال بعضهم، تعتبر في حد ذاتها متحفا بعد أن كاد يختفي الطراز العربي الأندلسي الذي عمل فيه الفأس الفرنسي منذ الاحتلال. وأصبحت المكتبة، وهي في الدار الجديدة تضم أربع قاعات الأولى مخصصة للكتب المتعلقة بالتوحيد والفلسفة والخرائط الخ. والقاعة الثانية مخصصة للأرشيف وكتب التاريخ الطبيعي والفلك والرياضيات والفيزياء والطب الخ. والثالثة كانت تضم جناحين للمطالعة أحدهما للأوروبيين والثاني للجزائريين. ويتبع القاعة الأخيرة خلوة أو مكتب زجاجي ضخم وضعت فيه المخطوطات العربية، كما وضعت في الجناح الخاص بالمطالعين الأوروبيين مجموعة الكتب المتعلقة بالجزائر وتاريخها. وأصبحت المكتبة في نهاية ١٨٤٩ تضم حوالي ٥، ٥٠٠ كتاب مطبوع وخرائط الخ. وكانت كلها مصنفة إلى ثلاثة أصناف: ما يتعلق بالجزائر، وما يتعلق بالعلوم الأخلاقية (التاريخ، الفلسفة، الدين، الخ ...) وما يتعلق بالعلوم الفيزيائية (الرياضيات، الفلك، الخ ...). وبالنسبة للمخطوطات العربية لاحظ أحد الكتاب ملاحظتين هامتين في نظرنا. الأولى هي قوله إن المخطوطات قد أصبحت (أكثر مما تحتاجه البلاد) وأن الأهالي جاعلون منها قضية كبيرة بينما الأوروبيون لا يستفيدون منها لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، ولن يستفيدوا منها إلا إذا عرفوا هذه اللغة. هذه الملاحظة تجعلنا نفهم أن الجزائريين كانوا يترددون على المكتبة لمطالعة بعض المخطوطات، وهم يطلبونها بكثرة حتى لفت ذلك أنظار المصالح الفرنسية التي شعرت بالحاجة إلى منع الجزائريين من الإطلاع عليها، وذلك بتهريبها إلى فرنسا. وقد فهمنا ذلك من عبارة أن المخطوطات قد زادت على حاجة البلاد. وكيف تزيد الكتب عن الحاجة إذا لم تكن هناك نية سيئة إما منع الجزائريين منها رغم أنها ملكهم الشرعي، أو إخفاؤها عنهم بإعطائها إلى المستشرقين في فرنسا، لأن الفرنسيين في الجزائر لن يستفيدوا منها حتى يتعلموا اللغة العربية.

стр. 2296

أما الملاحظة الثانية للباحث فهي كشفه عن فقر علماء الجزائر الباقين تحت الإحتلال والتجائهم إلى بيع مخطوطاتهم لسد حاجاتهم المعاشية، خصوصا في شهر رمضان الذي يتطلب مصاريف إضافية. وقد استفادت المكتبة من هذا الوضع فاشترت خلال شهر رمضان (١٨٤٩) مجموعة هامة من المخطوطات، من بينها كما قيل، كتاب قديم في جغرافية المغرب العربي. وقد أضيفت ٢٠٠ مخطوطة للمكتبة بعد إحصاء ١٨٤٦. وهي في موضوعات مختلفة، ومن بينها مخطوطات لا يمكن العثور عليها في مكتبات أوروبا (١). وفي سنة ١٨٦٢ أقيم حائط أمام المكتبة في نطاق تنظيم المدينة، ولكن الحائط غطى قاعة المطالعة حتى أصبحت كأنها كهف، حسب تعبير السيد قافو. وقع التفكير في نقل المكتبة من جديد إلى مكان مناسب، وكذلك فصل المتحف عنها. وهكذا نقلت المكتبة إلى قصر الداي مصطفى باشا، وهو قصر يرجع إلى آخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر حين كان هذا الداي على سدة الحكم (توفى ١٨٠٥). وقد ورثه منه إبنه إبراهيم باشا الذي سعى مع حمدان خوجة في تخليص الجزائر من الإحتلال الفرنسي بين ١٨٣٢ - ١٨٣٦، ولكن الأمر انتهى بإبراهيم إلى السجن حيث مات في سجن عنابة بينما نجا زميله خوجة بالهروب إلى اسطانبول. ثم ورث مصطفى بن إبراهيم القصر من والده، غير أن الورثة رهنوا القصر لفقرهم، وعندما عجزوا عن الدفع استولى عليه فيالار vialar عن طريق المحاكم، وهكذا خرج من يد الورثة سنة ١٨٥٩. وكاد الحزن يمزق (الأمير) مصطفى الذي عبر عن حزنه في قصته (حكاية العشاق) (٢). وكان قصر الداي مصطفى من أفخم قصور الجزائر، وكان مقرا للحاكم العام الفرنسي والاستقبالات الرسمية مدة طويلة قبل ذلك.

стр. 2297

ومهما كان الأمر فقد بقيت المكتبة تتبع وزارة التعليم العمومي أو المعارف، كما أصبحت تدعى، إلى سنة ١٨٩٨، وفي هذا التاريخ أصبحت ميزانية المكتبة تابعة لميزانية الجزائر بعد أن حصل فرنسيو الجزائر على ما سمي بالاستقلال المالي. وكانت المكتبة سنة ١٨٩٣ تضم حوالي ثلاثين ألف كتاب تعالج موضوعات مختلفة. ولكن معظم كتبها كانت عامة حتى قال أحدهم إنها مكتبة شعبية، فهي لا تحتوي على كتب نادرة أو غريبة. وكان لها فهارس للمطبوعات، كما قام أدمون فانيان بوضع فهرس المخطوطات العربية (وكذلك الفارسية والتركية) التي فيها سنة ١٨٩٣. وأصبحت تملك لأول مرة منذ إنشائها كاتلوقا لمخطوطاتها. وكان الكاتلوق يضم حوالي ألفي مخطوط، أغلبها بالعربية، وقد اطلعنا عليه عدة مرات ورجعنا إلى بعض عناوينه. وعلق قافو على المخطوطات عندئذ فقال إن منها ما هو تحفة فنية ويعتبر من العينات في الزخرفة والتجليد الممتاز والخط المذهب، وقال بعد أن نسب إلى بيربروجر فضيلة جلب المخطوطات من قسنطينة: إن الجزائر (العاصمة) مدينة أمية من أصلها ولم يكن فيها مخطوطات تقريبا. وهذا غير مستغرب من باحث غير نزيه. فقد كانت العاصمة تتوفر، كغيرها، على مكتبات خاصة غنية مثل مكتبات أحمد بن عمار وابن علي وسعيد قدورة وابن العنابي وابن الأمين وابن الشاهد والكبابطي، وغيرهم. ويعرف السيد قافو أن أغنياء علماء الجزائر قد خرجوا منها ساعة دخول الجيش الفرنسي واستباحتها، وقد حملوا معهم ما قدروا عليه. أما مكتبة الجامع الكبير التي كان يضرب بها المثل فقد صودرت مع أملاكه الوقفية الأخرى، كما أوضحنا في فصل آخر. أما أقسام الكاتلوق الذي وضعه فانيان للمخطوطات فيشمل حوالي خمس عشرة وحدة. منها القرآن الكريم والحديث والفقه (٣٩٦ عنوانا، والباقي موزع على الفلسفة والسياسة والأمثال، والحساب، والهندسة، والفلك والعلوم، والجغرافية والتاريخ والطب والشعر والنثر المسجوع والقصص وغيرها (١).

стр. 2298

ولم تنم المكتبة كثيرا بين ١٨٩٤ و ١٩١٢. فالإحصاء الذي قدم في التاريخ الأخير يذكر زيادة ألفي كتاب فقط على الإحصاء الأخير وهو ثلاثون ألفا منها خمسة آلاف خاصة بالمغرب العربي، و ٢٨٩ فقط من المطبوعات العربية. أما المخطوطات العربية (والفارسية والتركية) فقد بقيت هي هي، حوالي ٢٠٧٥ مجلدا. أما المجلات، وهي فرنسية وأوروبية بدون شك، فقد بلغت ١٠٦. ويقول غبريال ايسكير الذي أصبح هو محافظ المكتبة وبقي فيها مدة طويلة، إن ٧٨٦ مجلدا ومخطوطا دخلت المكتبة بين أكتوبر ١٩١٠ ويوليو ١٩١١، بعضها بطريق الشراء وبعضها بطريق الهدية، من الحكومة العامة ومن الوزارات المعنية. ويقول إن المجلات فيها مطلوبة أكثر من الكتب، وأن المكتبة تقدم الكتب للمطالعة في عين المكان، كما تعيرها بطريقة منظمة. ومع ذلك فان ايسكير كان غير راض عن خدمات المكتبة كمؤسسة عمومية، وقال إن المكتبات ذات الخدمات العامة لا توجد إلا في

стр. 2299

بريطانيا وأمريكا والبلاد الاسكندنافية (١). أما المبنى الحديث للمكتبة الوطنية فقد بني سنوات ١٩٥٤ و ١٩٥٨، في أعالي العاصمة (شارع فرانز فانون اليوم) وقرب قصر الحكومة. والمبنى في شكل مستطيل يقدر ب ٢٢ مترا من ناحية الواجهة ويحتوي على عشر طوابق و ٣٢٢ مقعدا للقراء و ٣٦ كلم من الرفوف مستعدة لتحمل أكثر من مليون كتاب. وتضم أيضا قاعة للعرض وأخرى للمحاضرات. وكانت تضم مكتبات خاصة مثل مكتبة غزال مؤرخ بلاد المغرب القديم، وأضيفت لها كتب ومجلات بالعربية مطبوعة في المشرق، وكان فيها عند الاستقلال أكثر من ألف مجلة وجريدة (١، ٣١٠) معظمها فرنسي طبعا. وصدر سنة ١٩٥٦ قانون الإيداع الذي يحتم على كل ناشر في الجزائر أن يودع فيها نسخة من مطبوعاته تسمى الإيداع الشرعي. وفي المكتبة قسم للموسيقى جمعته جمعية الفنون الجميلة ولها غرف (ديسكوتيك) للاستماع، وكذلك لها قسم للإعارة الخارجية ومكتبات فرعية تتغذى منها، حوالي ٣١٠ مكتبات (٢). ورغم تطور المكتبة على النحو الذي ذكرنا من حيث البناء والمحتوى فإنها بقيت جهازا لخدمة المجموعة الفرنسية ورمزا (للاستعمار الثقافي) القائم على التمييز بين الأجناس. وبعد الاستقلال حاول رابح بونار وجلول البدوي وضع فهرس جديد للمخطوطات ولكن المشروع لم ير النور. ثم كانت محاولة عبد الغني أحمد بيوض ومحمود بوعياد (مدير المكتبة سنوات طويلة)، ولكننا لا نعرف ماذا تم فيها (٣). وهكذا بقي فهرس فانيان (٤) الذي مضى عليه قرن هو الوحيد عن المخطوطات في المكتبة. وقد بلغ عدد المخطوطات في القسم العربي والفارسي ٣٠٠٠ مخطوط. وفيه مخطوطات

стр. 2300

نادرة وغنية يرجع بعضها إلى القرون ١٢، ١٣، ١٤، الميلادية. أما قسم الكتب العربية المطبوعة فيضم ٢٧، ٠٠٠ مجلدا. ويعتبر قسم الجزائر وقسم المغرب العربي (شمال أفريقيا) أغنى أقسام المكتبة (١). المكتبة الجامعية وهناك أنواع أخرى من المكتبات العمومية التي نشأت في العهد الفرنسي. أولها مكتبة جامعة الجزائر، وكذلك المكتبات التابعة للكليات والمعاهد التي نشأت منذ الثلاثينات من هذا القرن. يرجع إنشاء المكتبة الجامعية إلى سنة ١٨٨٠ حين تأسست أرسى مدارس عليا في الجزائر لتكون هي كليات الآداب والحقوق والعلوم والطب المقبلة، وكانت مدرسة الطب قد ظهرت منذ الخمسينات فكان لها مكتبتها الخاصة ومنشوراتها وأساتذتها. ولكن سنة ١٨٨٠ شهدت ميلاد المدارس العليا الثلاث إضافة إلى مدرسة الطب لتكون جميعا هي الكليات التي أنبنت عليها جامعة الجزائر ستة ١٩٠٩. فقد كان للمكتبة الجامعية ميزانيتها الخاصة سواء في قانون إنشاء المدارس سنة ١٨٧٩ أو في قانون إنشاء الكليات سنة ١٩٠٩. ومن الطبيعي أن تظهر المكتبة الجامعية صغيرة وأن تنمو بالتدرج. كما كان من الطبيعي أن تنتقل من مكان إلى أخر إلى أن تستقر حيث هي الآن وسط مباني جامعة الجزائر في قلب العاصمة. وكان قد شرع في بناء المكان سنة ١٨٨٤، ثم انتقلت إليه بعد أربع سنوات (١٨٨٨). وقد تولى إدارتها مديرون فرنسيون، أولهم بيرسون Pierson الذي لم يبق فيها أكثر من عام، ولكن المدير الذي طال عهده هو لويس باولي Paoli (١٩٢٥ - ١٨٨٤) (٢) .

стр. 2301

وكان عدد الموظفين في المكتبة قليلا فلم يكن فيها سنة ١٩٠٦ سوى اثنين: مكتبي وعامل قاعة، وبين ١٩٠٩ - ١٩٢١ كان فيها مكتبي، وثلاثة عمال قاعة، ثم نما عدد الموظفين فيها نظرا لتوسع الجامعة وإنشاء المعاهد التابعة لها وزيادة عدد طلابها، ابتداء من سنة ١٩٢٥. فكان عدد موظفيها سنة ١٩٥٨، ثمانية وعشرين شخصا. أما المدير الذي خلف باولي سنة ١٩٢٥ فهو لويس جيول Gieules الذي توفي سنة ١٩٢٧ تم تبادلت عليها الأيدي إلى سنة ١٩٣٢ حين تولاها مارسل كولبير M. Koelber الذي ظل فيها إلى الخمسينات. ومما كانت تشكو منه المكتبة هو ضيق المكان على الكتب والمطالعين، فقد بنيت القاعة لاستقبال عدد ضئيل من القراء - حوالي أربعين - ولكنها أصبحت سنة ١٩٢٣ تستقبل ١٢٠. فكانت كل التقارير تشير إلى ضيق القاعة ومخازن الكتب واعدام الجهة التي يكن أن تتوسع فيها المكتبة، أما بالنسبة للأساتذة فلم يكن لهم في المكتبة كلها سوى منضدة (طاولة) واحدة بأربعة كراسي وسط قاعة المطالعة العمومية، ولكن منذ ١٩٣٠ أخذ وضع المكتبة يتحسن من حيث السعة حين تركت بعض الكليات قاعات كانت تحتلها بالمبنى فاستفادت المكتبة منها. كانت المكتبة تضم سنة ١٨٨٨ أربعين ألف مجلد، منها ١٧، ٩٠٠ كتاب عادي ومجلة، و ٢٢، ٤١٠ من الاطروحات الجامعية والكتب الأكاديمية، وفي ظرف قصير نسبيا نمت إلى ١٧٩، ٦٨٠ كتاب، وذلك سنة ١٩١٠ - ١٩٠٩ وهي الفترة التي ولدت فيها الجامعة، ومن ذلك المجموع: ٥٤، ٨٧٧ مجلدا عاديا ومجلة، و ١٢٤، ٨٠٣ من الأطروحات والبحوث الأكاديمية، وخلال عشر سنوات أصبحت المكتبة نجم ٢٣٣، ٣٩٤ مجلدا، وفي سنة ١٩٣٨ - ١٩٣٩، كان فيها ٧ ٣٥٢، ٣٠ مجلدا. أما سنة ١٩٥٨ - ١٩٥٧ فقد كان فيها ٤٨٦، ٣٦١ مجلدا، حوالي نصفها (٢٤٣، ٥٩١) من الأطروحات والبحوث الأكاديمية، وكان مجموع ما تملكه سنة ١٩٥٨ من

стр. 2302

المجلات والدوريات الأجنبية ٦٣٠ مجلة ودورية. وكان لمكتبة الجامعة نظام خاص بالإعارة الداخلية والإعارة الخارجية، وكانت الإعارة في تزايد مستمر. وقد كان قراؤها أيضا يتزايدون على النحو التالي: ١٩٠٩ كان عددهم ١١، ٢٦٥، وفي سنة ١٩٢٩ كانوا ١٨، ٠٨٨، وفي سنة ١٩٥٨ بلغوا ٧٢، ٨٠٣. هذا مع العلم أن طلاب الجامعة في هذه السنة لا يزيدون عن ٥٠٠٠ طالب، وكانت أوقات المكتبة تساير فتح الجامعة ونظام الدراسة فيها، فإلى سنة ١٩٤٣ كانت أوقات فتح المكتبة لا تجاوز ست ساعات يوميا، وهي مقسمة على فترتين صباحا ومساء، ولكن منذ ديسمبر ١٩٤٣ أصبحت المكتبة تفتح من الساعة الثامنة والنصف صباحا إلى السادسة والنصف مساء دون توقف (١). والمعروف أن محتويات المكتبة قد تضررت كثيرا بفعل الحريق الذي تعرضت له سنة ١٩٦٢، حين عمدت (منظمة الجيش السري) الإرهابية إلى إضرام النيران في المكتبة، وفق مخططها الرامي إلى منع الجزائر من الوصول إلى الاستقلال، ولا يعرف بالتدقيق عدد المجلات والدوريات والوثائق التي تلفت تماما أو تلفت جزئيا. (٢). وبالإضافة إلى المكتبة العامة والجامعية أنشأ أصحاب الكنائس مكتبات في تخصصهم لجلب القراء من أصحاب المذاهب الأخرى بمن فيهم

стр. 2303

المسلمون. فكان للكاثوليك الذين يمثلون غالبية الفرنسيين مكتباتهم سواء كانت تابعة للأسقفية المركزية أو تابعة لفروعها ومراكزها، كما كان للبروتستانت مكتباتهم، رغم قلتها. ومن هؤلاء الإنكليز. ونحن لا نريد أن نتتبع هذه المكتبات الكنسية وتطورها، وحسبنا هذه الإشارة إليها. لقد كان المنصرون يتنافسون على تنصير الجزائريين من جهة كما كانوا يتنافسون فيما بينهم على نشر مذاهبهم بين المسيحيين. وكان الإنكليز قد فتحوا مكتبتهم بالعاصمة سنة ١٨٦٤، وفيها كتب بالإنكليزية موجهة إلى السواح. وكانت الكتب تقدم إلى المكتبة من قبل الجمعيات الدينية وغيرها في بريطانيا. وكانت السيدة روجرز قد جاءت إلى الجزائر في مهمة دينية وجاءت معها بصندوق من الكتب وأهدته إلى المكتبة عن طريق القنصل. وعند افتتاح المكتبة كانت تضم حوالي سبعين كتابا فقط، ولا شك أنها نمت بعد ذلك. وكانت تبع (الجمعية الاستعمارية والقارية) وتديرها لجنة يشرف عليها القنصل ونائبه، وقد أطالت السيدة روجرز في وصف هذه المكتبة في الجزائر (١). المكتبات العسكرية والبلدية والمدرسية وأنشأ الفرنسيون كذلك نماذج أخرى من المكتبات لم تكن معروفة في الجزائر، وهي المكتبات العسكرية. ففي كل مكتب عربي وفي المراكز والقطاعات العسكرية مكتبة تضم مؤلفات عن تاريخ الجزائر وطرق معرفة اللغة العربية وبعض المعاجم الفرنسية - العربية، وغيرها، مما يهم الضباط المكلفين بالشؤون الجزائرية معرفته، وكذلك الجنود، داخل معسكراتهم. كما يجدون في وسائل الدراسة الراحة النفسية، ولا سيما في الأماكن النائية. وكان من أهداف إنشاء هذه المكتبات الإبقاء على التأثير الفرنسي في الجيش حتى لا ينقطع عن المنع أو يصح (افريقيا). ومعظم الكتب كانت تتبرع بها

стр. 2304

وزارة المعارف العمومية، وبعضها كان يأتي بطريق الشراء أيضا .. وقد وصل عدد المكتبات العسكرية سنة ١٨٤٦ إلى ٢٦ مكتبة موزعة على الأقاليم الثلاثة (١). ولا شك أن هذه الكتب كانت بالفرنسية وهي تخص الجيش وتكوينه، وهي موجهة إلى الفرنسيين فيه. وقد علمنا أن معظم ضباط المكاتب العربية كانوا يجمعون من الأهالي الكتب العربية المخطوطة ويحتفظون بها غالبا، لأنفسهم. وكذلك نشأت المكتبات البلدية، وهي أيضا مع جديد في الجزائر. وكان المكتب العربي (العسكري) هو نواة البلدية (المدنية) في النظام الفرنسي. وقد نشأت البلديات بالتدرج وتوسع عددها بالتدرج أباه سيما في المدن الساحلية والتلية ثم الهضاب العليا ثم الأطلس الصحراوي. وهناك مناطق جنوبية بقيت تحت النفوذ العسكري إلى عشية الثورة الكبرى ١٩٥٤. ومن ثمة فإن التوسع في المكتبات البلدية لم يكن على درجة واحدة. وأولها طبعا بلديات العواصم مثل قسنطينة والعاصمة وتلمسان ووهران وعنابة ومستغانم، الخ. وكانت للبلديات ميزانية خاصة لشراء الكتب، ولكنها ميزانية ضعيفة، حسب السيد ايسكير. وإليك هذه المقارنة. فبلدية ريكيافيك (إيسلاندا) التي لا تضم سوى خمسة آلاف ساكن كانت تخصص خمسة عشر ألف فرنك للمكتبة، أما بلدية الجزائر التي يقطنها ١٧٢ ألف ساكن (سنة ١٩١٢) فلا تخصص للمكتبة سوى سبعة آلاف فرنك. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن المكتبات البلدية في الجزائر إنما أنشئت لخدمة الجالية الفرنسية. وهذه بيانات عن بعض المكتبات البلدية قدمها السيد ايسكير سنة ١٩١٢. نشأت مكتبة بلدية وهران سنة ١٨٦٠، وسكان وهران عندئذ بلغوا ١٢٣ ألف ساكن، منهم ١٠٤ آلاف فرنسي، وقد بلغ دخلها (البلدية) ٤٧٠، ٢، ٧٢١ فرنك، خصص منها ٤، ١٠٠ فقط للمكتبة التي تملك عشرة آلاف

стр. 2305

مجلد، و ١٢ مجلة ولها أوقات عمل منتظمة (١). وهذه بلدية قسنطينة التي بلغ سكانها ٦٥، ١٧٣ ساكن، منهم ٣٣٠، ٣٣ فرنسي، ولا تقدم إلى المكتبة البلدية سوى ٢، ٨٠٠ فرنك. وقد أنشئت المكتبة سنة ١٨٦٦، وتملك ١٨، ٤٣٥ مجلدا، و ١٩ مجلة. ولها أوقات عمل منتظمة كذلك. وكانت بلدية العاصمة تضم كما سبق ١٧٢ ألف ساكن، منهم ١٣٣ ألف فرنسي. ويبلغ دخلها ٣٠٢، ٧، ٢٢٦ فرنك، منها سبعة آلاف فرنك فقط للمكتبة التي أنشئت سنة ١٨٧٢، وهي تملك ١٧، ٠٠٠ مجلد و ٣٢ مجلة. وتقدم الكتب في عين المكان بالإعارة، ولها أوقات عمل منتظمة. وقد نقلت الكتب الثقيلة بعيدة عنها بحوالي أربعة كلم (؟). ثم إن بلدية عنابة كانت تضم ٤٢، ٠٠٠ ساكن، منهم ٢٩، ٠٠٠ فرنسي، ودخلها يبلغ، ٢، ١٩٧، ٠٠٠ فرنك. وقد أنشئت المكتبة سنة ١٨٨٦، وهي تحتوي على ١٤، ٠٠٠ كتاب و ٦ مجلات. أما بلدية تلمسان فكانت تضم ٤٠، ٠٠٠ ساكن، منهم ١٣، ٥٠٠ فرنسي. ودخل البلدية ٥١٩، ٥٠٠ فرنك. وترجع المكتبة إلى حوالي ١٨٥٢، وكانت تضم ٢، ٧٠٠ (٢) مجلد. ومن ثمة ترى أن ايسكير كان مهتما، بالكتب البلدية ونسبة الميزانية والسكان الفرنسيين مع إهمال الحديث عن المخطوطات العربية. وبالإضافة إلى ذلك هناك المكتبات المدرسية، سيما مكتبات الليسيات وحتى المتوسطات. ولا نريد أن نطيل في هذا النوع هنا، ولكن ننبه إلى أن

стр. 2306

هذا النوع غير جديد في الجزائر، فقد عرفت المنشآت العلمية والمدرسية، كالمدارس والزوايا والمساجد، مكتبات غنية، وإنما الفرنسيون هم الذين حرموا منها أصحابها باستيلائهم على المنشآت والمكتبات أيضا. والمكتبات المدرسية الجديدة كانت فرنسية وبالفرنسية. ولكن بعض الزوايا بقيت محافظة على تراثها، كما أنشأت الزوايا الجديدة مكتبات هامة مثل زاوية الهامل وبعض زوايا الصحراء وزواوة. كما أن مدارس الحركة الإصلاحية ضمت أيضا مكتبات مدرسية معظمها كانت للمعلمين. ونشير أيضا إلى أن بعض الجمعيات كانت قد أنشأت مكتبات ضخمة (١). من أقدم المدارس الي أنشأها الفرنسيون هي المدارس العربية - الفرنسية التي أطلقنا عليها أحيانا الشرعية وأحيانا الرسمية، والتي كانت تسميها (المبشر) المدارس الفقهية، فقد افتتحت كما عرفنا سنة ١٨٥٠ وكانت موجهة لتخرج القضاة والأيمة وتدريس العربية (٢). ويهمنا هنا أن كل مدرسة (وهي ثلاثة) كانت تحتوي على مكتبة للأساتذة والطلبة. وكذلك بعض المخطوطات التي تهدى إليها أو تقتني أو تنهب أثناء العمليات العسكرية. وهكذا كانت مكتبة الثعالبية في العاصمة والكتانية في قسنطينة ومدرسة تلمسان. وفي أوائل هذا القرن قام المستشرق أوغست كور بوضع فهرس لمخطوطات مدرسة تلمسان، وقد كان أستاذا فيها. وبناء عليه فإن مكتبة المدرسة كانت تضم ١١٠ مخطوطات. وكانت مفهرسة بدون ترتيب ولا نظام، وكان بعضها يرجع إلى الأوقاف، وبعضها أهداه الأهالي، وبعضها أخذ أثناء الحملات العسكرية. ويعترف كور أن تلمسان كانت تتوفر على كثير من المخطوطات النادرة، وأنه لا يمر شهر دون أن يسمع أحد الأساتذة بوجود مخطوط نادر غير معروف. وقد قال أيضا أن فهرسة المخطوطات

стр. 2307

كانت فوضى لأن الأسباب الاقتصادية جعلت المشرفين عليها يسفرونها في مجموعات لا علاقة بينها من حيث الموضوعات. قام كور بوضع فهرس بالفرنسية للمخطوطات العربية ضم أسماء المؤلفين. أما عناوين المخطوطات فقد احتفظ بها عربية. وضرب كور أمثلة على ندرة بعض المخطوطات بكتاب (بغية السالك في أشراف الممالك) لمحمد السهيلي (كتبه الساحلي؟) وقال إنه لا توجد منه نسخة أخرى إلا في المتحف البريطاني. وبالإضافة إلى ذلك هناك كتب عن الطرق الصوفية ومنها كتاب لمحمد بن عبد الرحمن الأزهري (بوقبرين) وكتب أخرى في التاريخ والأدب وغيرهما مثل روضة النسرين، ونظم الدر والعقيان، والاكتفاء. وتوقع الفرنسيون أن نشر الفهرس (الكاتلوق) سيجعل الأهالي يتبرعون بمخطوطاتهم إلى مكتبة المدرسة أو على الأقل بنسخ منها. وكانت حكومة شارل جونار قد أقدمت على مشروع يتضمن فهرسة المخطوطات في مختلف المراكز ومنها المدارس الرسمية الثلاث (١). وحين أعيد تنظيم التعليم العربي - الإسلامي بدروس المساجد والمدارس في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن نشأت أيضا إزاء كل حلقة درس مكتبة من نوع المكتبات المدرسية، حيث يراجع الشيخ درسه ويوسع التلاميذ معلوماتهم. وكان التنافس كبيرا على فتح المكتبات المدرسية بالعربية والفرنسية، وكان المفتشون الفرنسيون يلحون على وجود هذه المكتبات ويعتبرون الشيخ الذي لم وفق في إنشاء نواة لها فاشلا في مهمته التعليمية. وهكذا نشأت في عنابة، وسطيف، ووهران، وقسنطينة، وبجاية، وتلمسان الخ ... مكتبات من النوع الذي نتحدث عنه. وإذا لم يتيسر فتح مكتبة جديدة كان المعلم والتلاميذ يلجأون إلى أقرب مكتبة لهم باتفاق مع المفتي والسلطات المحلية. مثله في سنة ١٩٠٥ لاحظ ألفريد بيل بعد تفتيشه مدرس ندرومة، أن ما ينقص هذه المدينة هو المكتبة التي يجب أن تلحق بالجامع وتكون تحت مسؤولية المدرس. وقال إنه من السهل على بلدية ندرومة أن

стр. 2308

تنشئ مكتبة بالعربية لذلك الغرض سيما مع وجود من يرغب في المطالعة في ذلك الوقت. ولاحظ أنه لا وجود لمكتبة عمومية ولا مدرسية في ندرومة عندئذ. وقد طالب بيل بأن تكون المكتبات العربية مفتوحة للمدرسين والتلاميذ، ولاحظ أن مكتبة تلمسان فقط هي الوحيدة العمومية المفتوحة لهم (١). وفي سنة ١٩٠٦ لاحظ ويليام مارسي الذي فتش مدرسي مليانة أن هناك مكتبة عربية مجاورة لجامع سيدي أحمد بن يوسف، وهي غير موظفة للتلاميذ والمدرس. ولذلك حث المفتي على تسهيل مهمة المدرس في استعمال المكتبة وكذلك التلاميذ (٢). وجاء في تقرير أحد المفتشين سنة ١٩٠٧ أن السيد الأخضر بن أحمد العلمي كان محافظا للمكتبة الإسلامية في بجاية وهو المدرس أيضا بالجامع هناك، بل كان يعطي درسه في المكتبة الملحقة بالجامع. وكانت المكتبة مفتوحة في أوقات محددة صباحا ومساءا. وصاحبها (العلمي) كان من خريجي مدرسة قسنطينة الشرعية الفرنسية ومن مواليد ١٨٦٨ (٣). وقال عنه سان كابر في تقرير كتبه حوالي (١٩٠٨) إن الشيخ العلمي كان محبا للكتب، وإنه طلب كتبا إضافية للمكتبة (٤). ونفس الشيء يقال عن المكتبة الإسلامية في عنابة سنة ١٩٠٨. فالسيد بلايلي وافق له المفتش سان كالبر على أن يجمع بين وظيفة التدريس والإشراف على المكتبة لأن راتبه كمدرس لا يكفيه. ولاحظ المفتش أن حالته المادية قد تحسنت بعد ذلك (٥). وقد طلب السيد محمد الميلي بن معنصر، المدرس في ميلة، الكتب

стр. 2309

المدرسية من الحكومة العامة للجزائر أسوة بزملائه مدرسي بجاية ووادي الزناتي وعنابة الذين طلبوها وحصلوا عليها. كما طلب بلقاسم خمار مدرس بسكرة الكتب المدرسية أيضا. وكذلك أوصى تقرير ديستان بإرسال كتب (كلاسيكية) إلى مدرس بو سعادة (ابن الحاج)، ممثلة في عشر نسخ من كل من الآجرومية أو القطر (في النحو) ولامية الأفعال (في الصرف)، والدرة البيضاء (في الحساب والفرائض)، والمنتخبات (في القراءة) (١). أما الكتب التي يحتاجها المدرس فقال المفتش إنها متوفرة. إن حركة الكتاب كانت نشيطة سواء في المكتبات المدرسية أو البلدية أو العسكرية أو الجامعية أو الوطنية، بل لقد نشأت أيضا مكتبات ولائية، ولو أن الكتب التراثية العربية لم يصبها الأذى الذي ذكرناه بالسرقة والنهب والحروب والاختلاس ونحو ذلك، لكان المجتمع الجزائري قد واصل مسيرته نحو التعلم والتثقف ولخرج من ظلام الأمية الذي فرضه التعسف الاستعماري. مكتبات الزوايا نقصد هنا زوايا الأرياف، لأن زوايا المدن قد عانت من مصادرة أوقافها ومن الهدم ولم يبق لها دور يذكر أثناء الاحتلال (٢). أما زوايا الريف فقد استمرت خلال أكثر من خمسين سنة وهي مراكز لدعوة الجهاد والتعليم العربي الإسلامي وخزائن الكتب والتراث. ولكن الاحتلال لم يرحم هذه

стр. 2310

الزوايا أيضا، فبعضها قد هدم أو أحرق نتيجة الثورات، ونفي رجالها أو هاجروا كما جرى لمعظم زوايا زواوة وأولاد سيدي الشيخ. وكانت الكتب والحياة العلمية هي الضحية لذلك التعسف. ومن الزوايا التي كانت عامرة بالكتب عشية الاحتلال ثم تأثرت بما ذكرناه، زاوية القيطنة، وزاوية شلاطة وزاوية اليلولي. ثم نبتت زوايا جديدة على أنقاض الأولى في عدة أماكن؛ وكان التعليم، وليس التصوف، هو شعارها. واستطاعت أن تجلب الكتب وأن تستعمل النسخ لحفظ التراث. ومن ذلك زاوية ابن أبي داود بتاسلنت (آقبو)، وزاوية الهامل نواحي بوسعادة، وزاوية طولقة نواحي بسكرة، وزاوية قصر البخاري، وزاوية أولاد الأكراد بنواحي تيارت، وزاوية البوعبدلي في أرزيو، وزوايا تمنطيط. فقد كون أصحاب هذه الزوايا مكتباتهم عبر السنين حتى أصبح بعضها مضرب المثل في الثراء العلمي والمحافظة على التراث. وهناك زوايا أخرى عرفت بجمع الكتب أيضا ولكنها غير مفتوحة للدارسين والزائرين إلا القليل مثل زاوية قمار التجانية وزاوية تماسين. ومن جهة أخرى فإن بعض الزوايا القديمة قد انتعشت من جديد وعادت إلى دورها في التعليم وجمع الكتب مثل زاوية شلاطة (ابن علي الشريف). ونود الآن أن نذكر بعض المكتبات في هذه الزوايا وما اشتهرت به من مخطوطات، حسبما توفر لدينا من معلومات. ومن ذلك: أ - مكتبة ابن أبي داود: يقول عنها الشيخ علي امقران السحنوني إنها كانت غنية بالمخطوطات. ولم تكن المكتبة مجموعة في مكان واحد بل كانت في حجرات عديدة، ومنها الحجرة الأزهرية التي كانت تضم خمس خزائن كبيرة من المخطوطات والكتب المطبوعة. وكانت هي الحجرة التي يستقبل فيها الشيخ ضيوفه. ثم حجرة دار الأحباس وتسمى أيضا خزانة الطارمة وفيها خزانتان كبيرتان وخزانتان صغيرتان. وفي المكتبة قسم للكتب المدرسية التي يتداولها الطلبة للقراءة في عين المكان، والاستعارة الخارجية، وكان من حقهم النسخ منها إذا رغبوا. والمطالعة كانت مجانية وكذلك

стр. 2311

الإعارة. وبالإضافة إلى ذلك هناك خزانة خاصة بالوثائق والمراسلات الصادرة عن الزاوية والواردة إليها. كما أن في المكتبة مجموعة من المجلات والصحف القديمة. ومن بين ما تضمنته المكتبة كناش ضخم يحتوي على ما يلي من التقاييد والموضوعات: ١ - نظم في مشتركات (؟) السوسي للشيخ السعيد بن عبد الرحمن بن أبي داود، جد الأسرة. ٢ - وتعليق على ذلك النظم بقلم حفيد الناظم، أحمد بن أبي القاسم بن السعيد (منه نسختان ناقصتان). ٣ - وقطع شعرية لمحمد بن عبد الرحمن الديسي في مدح أسرة ابن أبي داود. ٤ - ونظم مثلثات قطرب من صفحتين. ٥ - وإجازة في الطريقة (الرحمانية؟) لعلي بن عيسى شيخ زاوية الكاف بتونس إلى محمد بن عبد الله الخالديوي في ثمانية أوراق. ٦ - وأرجوزة في علامات الرعد لابن رحال الأندلسي تقع في أحد عشر بيتا. ٧ - وأرجوزة لمجهول في كيفية الآذان، تقع في أربعة عشر بيتا. ٨ - وسند الشيخ الحسين الورتلاني في العلم، يقع في صفحتين. ٩ - وإجازة في الطريقة (الرحمانية؟) للشيخ محمد بن عمارة بن وعلي الشريف الزلاجي إلى الشيخ محمد الطيب بن المرسي. ١٠ - ورسالة بخط الشيخ عاشور الخنقي ناقصة الأول، وهي جواب له على من سأله عن شرف البوازيد (١).

стр. 2312

١١ - وقصيدة للشيخ محمد بن راشد المايني سماها (نصرة السني ردا على ذي الوهم البدعي) انتصر فيها للشيخ محمد بن مزيان الحداد. ١٢ - وقصيدة (زبرة الحداد في الرد على صائم الأعياد) لأحمد بن المجاهد المعسكري في ٥٣ بيتا. ١٣ - بحث (ظهور التفاضل) لمحمد بن الموفق الجلالي المعسكري حول تقديم الذكر على السمع في القرآن الكريم، في عشر أوراق. ١٤ - ومنظومة السيف المسلول على منكري سدل الرسول ﷺ للشيخ محمد الخرشي النابتي، في أربع صفحات مرقونة. ١٥ - (والقصيدة الكفيلة بثمن الفوائد الجليلة) لابن هشام المصري في النحو، وناظمها هوعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الثامري، في ثلاث صفحات. ٦ ١ - ومقتطفات من نوازل الزجلاوي لمحمد بن الفقيه بن محمد الزجلاوي، من بلاد توات حول نظام الفجارة (الفوقارة) وتوزيع المياه. ١٧ - والجيش الكمين ... لابن أبي جمعة المغراوي في ثلاث نسخ، واحدة منها أصلية. ١٨ - بعض القطع الشعرية في مختلف الأغراض والعصور (١). وفي المكتبة مجاميع أخرى تضم على هذا النحو تقاييد وأراجيز وإجازات وفوائد أخرى كثيرة. ومن ذلك مجموعات في الأنساب ونحوها، نذكر منها ما يلي: ١ - المنظومة الدندانية للحاج ابن السنوسي الديسي، وقع في حوالي ٢٠٠ بيتا. ٢ - كتاب الاعتبار وتواريخ الأخيار ... لعلي ين محمد بن فرحون. ٣ - تقييد في نسب بهلول بن عاصم الذي قدم من المغرب واستوطن زواوة.

стр. 2313

٤ - تقييد في نسب أحمد بن يوسف الملياني. ٥ - تقييد في نسب إسماعيل بن محمد والحاج القباشي (الزواوي). ٦ - تقييد في ذكر بعض رجال وادي الصومام (وادي ومسعود) ومنطقة زواوة، سيما سيدي يحيى صاحب زاوية بني وغليس. ٧ - تقييد في ذكر سيدي يحيى بن عبد الله الشريف الملقب بأخروم. ٨ - تقييد في نسب جماعة من مزاية قرب بجاية وأخرى من أزفون. ٩ - تقييد في نسب علي بن وارث الديشم (١). كما توجد بالمكتبة مخطوطات أخرى ذات أهمية، سواء في تواريخ الجزائر وأهلها، أو في التراث العربي الإسلامي. ومنها كتاب (الأسلوب الغريب في التعلق بالحبيب) لمحمد بن علي الفراوسني (٢). ويغلب على الظن أنه في التصوف. وفي مراسلة أخرى مع الشيخ علي امقران السحنوفي بتاريخ ١٤ أكتوبر ١٩٨١ ذكر لي مؤلفات أخرى كثيرة كانت توجد في مكتبة ابن أبي داود (وهم أخواله) بآقبو، ومنها معلومات جديدة عن كتاب معالم الاستبصار الذي كان ألفه ابن علي الشريف، وكتاب التفكر والاعتبار لأحمد بن تابت البجائي المتوفى سنة ١١٥٢، وبعض مخطوطات الحسين الورتلاني، مثل شوارق الأنوار في تحرير معاني الإذكار الذي شرح فيه وظيفة سيدي يحيى العيدلي، وكتاب شرح به الشيخ الورتلاني عملا في التوحيد، الخ ... ولكن مصير هذه المكتبة كان مخيفا. فقد عرفت النهب والتلف أثناء ثورة التحرير الكبرى، وضاع أغلبها بعد ١٩٥٧، وخربت الزاوية وحجراتها بعد معركة جرت هناك ضد العدو سنة ١٩٥٨ (٣).

стр. 2314

٢ - مكتبة آل سحنون: ولآل سحنون مكتبة هامة أيضا، وهي تابعة لزاويتهم التي تتفرع إلى أصل في أربعاء بني راثن، وفرع في تاغراست في بني وغليس. وقد بعث لي الشيخ علي امقران السحنوني بقائمة محتويات المكتبة بما في ذلك مجاميعها، وبلغت المجاميع حوالي ٣٥ مجموعا، وكل مجموع يحتوي على مؤلفات وتقاييد موضوعا وحجما بلغت حوالي ١١٠ تأليفا. والمخطوطات بلغت ٨٧ مخطوطا، فالمجموع حوالي ١٩٧. ومعظم هذه المخطوطات في الفقه والتصوف والتوحيد، وضمنها أيضا كتب الأدب والفلك والتاريخ واللغة والنحو. ومنها شرح ابن هدية المسمى العلق النفيس، على قصيدة ورسالة ابن خميس. وكذلك كتاب معالم الاستبصار في الفلك من تأليف ابن علي الشريف. وتكاد القائمة لا تحتوي على مؤلفات في التاريخ ولا الدواوين الشعرية. وقد طغت القائمة التي بعث بها إلي الشيخ السحنوني ثماني صفحات كبيرة، مع تفاصيل دقيقة عن تاريخ النسخ، غير أنه لم يذكر فيها بداية ونهاية المخطوط. ولكنه كان يلاحظ ما إذا كان المؤلف مجهولا، وما إذا كان العمل مبتورا (١). وفي مراسلة أخرى معه ترجع إلى سنة ١٩٧٩ أفادنا أن مكتبة زاويتهم تضم أكثر من عشرة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع. وفيها الكتب التي تصل إلى العشرين جزءا. وكان أكثر من نصف المكتبة في الزاوية الأصلية بأربعاء بني راثن، وبعضها كان في الزاوية الفرعية في تاغراست. وقد ضاع الكثير من الكتب خلال حرب التحرير. ولا ندري هل الضياع شمل كتب الزاويتين أو إحداهما فقط، لأن والده أخبر أن ما ضاع له حوالي أربعة عشر قنطارا في

стр. 2315

مختلف الفنون. وهل ذلك الضياع شمل المخطوط الذي يكون عادة أكثر قيمة ومن ثمة تكون الزاوية أكثر حرصا على إنقاذه وتهريبه، أو شمل المطبوع والمخطوط معا. وتظهر القوائم أن بعض الكتب قد اشتريت من الجزائر وتونس ومصر، سيما من المكتبة الثعالبية (رودوسي) بالجزائر، ومكتبات العسلي والثميني والأمين بتونس. وكان لزاوية آل سحنون اشتراك في أغلب الصحف والمجلات أيضا في البلدان المذكورة. فكانت تصلها مجلات الرابطة العربية، والرسالة، والثقافة، والفتح، والهداية، والأزهر، بالإضافة إلى الجرائد. أما المخطوطات فكانت الزاوية تقتنيها بالشراء في المزاد العلني الذي كان يجري في تونس بالخصوص حيث العائلات العلمية تبيع أحيانا كتبها لأسباب مختلفة. كما كانت هدايا المخطوطات تصل إلى الزاوية من بعض الأسر العلمية مثل عائلة سيدي علي أو عبدالله في بني مليكش، وكذلك عن طريق الاستنساخ (١). وكان للطلبة حق الإطلاع على الكتب والإستفادة من إعارتها داخليا وخارجيا. ٣ - مكتبة سيدي خليفة: زاوية الشيخ الحسين بسيدي خليفة ولاية الميلية اليوم، من الزوايا التي اهتمت بالعلم واقتناء الكتب أيضا خلال القرن الماضي. وكانت تضم مخطوطات هامة ومطبوعات. وفيها الكتب ذات المنفعة العامة والمدرسية التي تعتبر مراجع للطلبة والمدرسين لتحضير دروسهم، وفيها المخطوطات الثمينة التي لا يطلع عليها إلا النوادر أو شيخ الزاوية وكبار الزوار. وكانت تضم كتب النحو والفقه بجميع الطبقات والمستويات، ودواوين الشعراء، وتراجم الرجال والتصوف، ومذهب الإمام مالك بالخصوص، والمنطق واللغة والرحلات والأنساب والأخلاق. ومن ذلك فصيح ثعلب، ورحلة العياشي، ونصرة الشرفاء للسباعي، وشذور الذهب لابن هشام، وشرح لامية ابن الوردي، وموطأ الإمام مالك، وديوان محمد بن عبد الرحمن الديسي. وقد زرنا هذه المكتبة منذ سنوات فوجدنا بقاياها في حجرتين على رفوف جيدة ولكن آثار الرطوبة والمطر بادية عليها، بل كانت تهدد بعضها بالتلف. وكان بعض الكتب ما يزال مخطوطا، ولكننا نعرف أنه مطبوع
следующие страницы →