← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الإعارة. وبالإضافة إلى ذلك هناك خزانة خاصة بالوثائق والمراسلات الصادرة عن الزاوية والواردة إليها. كما أن في المكتبة مجموعة من المجلات والصحف القديمة. ومن بين ما تضمنته المكتبة كناش ضخم يحتوي على ما يلي من التقاييد والموضوعات: ١ - نظم في مشتركات (؟) السوسي للشيخ السعيد بن عبد الرحمن بن أبي داود، جد الأسرة. ٢ - وتعليق على ذلك النظم بقلم حفيد الناظم، أحمد بن أبي القاسم بن السعيد (منه نسختان ناقصتان). ٣ - وقطع شعرية لمحمد بن عبد الرحمن الديسي في مدح أسرة ابن أبي داود. ٤ - ونظم مثلثات قطرب من صفحتين. ٥ - وإجازة في الطريقة (الرحمانية؟) لعلي بن عيسى شيخ زاوية الكاف بتونس إلى محمد بن عبد الله الخالديوي في ثمانية أوراق. ٦ - وأرجوزة في علامات الرعد لابن رحال الأندلسي تقع في أحد عشر بيتا. ٧ - وأرجوزة لمجهول في كيفية الآذان، تقع في أربعة عشر بيتا. ٨ - وسند الشيخ الحسين الورتلاني في العلم، يقع في صفحتين. ٩ - وإجازة في الطريقة (الرحمانية؟) للشيخ محمد بن عمارة بن وعلي الشريف الزلاجي إلى الشيخ محمد الطيب بن المرسي. ١٠ - ورسالة بخط الشيخ عاشور الخنقي ناقصة الأول، وهي جواب له على من سأله عن شرف البوازيد (١).

стр. 2312

١١ - وقصيدة للشيخ محمد بن راشد المايني سماها (نصرة السني ردا على ذي الوهم البدعي) انتصر فيها للشيخ محمد بن مزيان الحداد. ١٢ - وقصيدة (زبرة الحداد في الرد على صائم الأعياد) لأحمد بن المجاهد المعسكري في ٥٣ بيتا. ١٣ - بحث (ظهور التفاضل) لمحمد بن الموفق الجلالي المعسكري حول تقديم الذكر على السمع في القرآن الكريم، في عشر أوراق. ١٤ - ومنظومة السيف المسلول على منكري سدل الرسول ﷺ للشيخ محمد الخرشي النابتي، في أربع صفحات مرقونة. ١٥ - (والقصيدة الكفيلة بثمن الفوائد الجليلة) لابن هشام المصري في النحو، وناظمها هوعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الثامري، في ثلاث صفحات. ٦ ١ - ومقتطفات من نوازل الزجلاوي لمحمد بن الفقيه بن محمد الزجلاوي، من بلاد توات حول نظام الفجارة (الفوقارة) وتوزيع المياه. ١٧ - والجيش الكمين ... لابن أبي جمعة المغراوي في ثلاث نسخ، واحدة منها أصلية. ١٨ - بعض القطع الشعرية في مختلف الأغراض والعصور (١). وفي المكتبة مجاميع أخرى تضم على هذا النحو تقاييد وأراجيز وإجازات وفوائد أخرى كثيرة. ومن ذلك مجموعات في الأنساب ونحوها، نذكر منها ما يلي: ١ - المنظومة الدندانية للحاج ابن السنوسي الديسي، وقع في حوالي ٢٠٠ بيتا. ٢ - كتاب الاعتبار وتواريخ الأخيار ... لعلي ين محمد بن فرحون. ٣ - تقييد في نسب بهلول بن عاصم الذي قدم من المغرب واستوطن زواوة.

стр. 2313

٤ - تقييد في نسب أحمد بن يوسف الملياني. ٥ - تقييد في نسب إسماعيل بن محمد والحاج القباشي (الزواوي). ٦ - تقييد في ذكر بعض رجال وادي الصومام (وادي ومسعود) ومنطقة زواوة، سيما سيدي يحيى صاحب زاوية بني وغليس. ٧ - تقييد في ذكر سيدي يحيى بن عبد الله الشريف الملقب بأخروم. ٨ - تقييد في نسب جماعة من مزاية قرب بجاية وأخرى من أزفون. ٩ - تقييد في نسب علي بن وارث الديشم (١). كما توجد بالمكتبة مخطوطات أخرى ذات أهمية، سواء في تواريخ الجزائر وأهلها، أو في التراث العربي الإسلامي. ومنها كتاب (الأسلوب الغريب في التعلق بالحبيب) لمحمد بن علي الفراوسني (٢). ويغلب على الظن أنه في التصوف. وفي مراسلة أخرى مع الشيخ علي امقران السحنوفي بتاريخ ١٤ أكتوبر ١٩٨١ ذكر لي مؤلفات أخرى كثيرة كانت توجد في مكتبة ابن أبي داود (وهم أخواله) بآقبو، ومنها معلومات جديدة عن كتاب معالم الاستبصار الذي كان ألفه ابن علي الشريف، وكتاب التفكر والاعتبار لأحمد بن تابت البجائي المتوفى سنة ١١٥٢، وبعض مخطوطات الحسين الورتلاني، مثل شوارق الأنوار في تحرير معاني الإذكار الذي شرح فيه وظيفة سيدي يحيى العيدلي، وكتاب شرح به الشيخ الورتلاني عملا في التوحيد، الخ ... ولكن مصير هذه المكتبة كان مخيفا. فقد عرفت النهب والتلف أثناء ثورة التحرير الكبرى، وضاع أغلبها بعد ١٩٥٧، وخربت الزاوية وحجراتها بعد معركة جرت هناك ضد العدو سنة ١٩٥٨ (٣).

стр. 2314

٢ - مكتبة آل سحنون: ولآل سحنون مكتبة هامة أيضا، وهي تابعة لزاويتهم التي تتفرع إلى أصل في أربعاء بني راثن، وفرع في تاغراست في بني وغليس. وقد بعث لي الشيخ علي امقران السحنوني بقائمة محتويات المكتبة بما في ذلك مجاميعها، وبلغت المجاميع حوالي ٣٥ مجموعا، وكل مجموع يحتوي على مؤلفات وتقاييد موضوعا وحجما بلغت حوالي ١١٠ تأليفا. والمخطوطات بلغت ٨٧ مخطوطا، فالمجموع حوالي ١٩٧. ومعظم هذه المخطوطات في الفقه والتصوف والتوحيد، وضمنها أيضا كتب الأدب والفلك والتاريخ واللغة والنحو. ومنها شرح ابن هدية المسمى العلق النفيس، على قصيدة ورسالة ابن خميس. وكذلك كتاب معالم الاستبصار في الفلك من تأليف ابن علي الشريف. وتكاد القائمة لا تحتوي على مؤلفات في التاريخ ولا الدواوين الشعرية. وقد طغت القائمة التي بعث بها إلي الشيخ السحنوني ثماني صفحات كبيرة، مع تفاصيل دقيقة عن تاريخ النسخ، غير أنه لم يذكر فيها بداية ونهاية المخطوط. ولكنه كان يلاحظ ما إذا كان المؤلف مجهولا، وما إذا كان العمل مبتورا (١). وفي مراسلة أخرى معه ترجع إلى سنة ١٩٧٩ أفادنا أن مكتبة زاويتهم تضم أكثر من عشرة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع. وفيها الكتب التي تصل إلى العشرين جزءا. وكان أكثر من نصف المكتبة في الزاوية الأصلية بأربعاء بني راثن، وبعضها كان في الزاوية الفرعية في تاغراست. وقد ضاع الكثير من الكتب خلال حرب التحرير. ولا ندري هل الضياع شمل كتب الزاويتين أو إحداهما فقط، لأن والده أخبر أن ما ضاع له حوالي أربعة عشر قنطارا في

стр. 2315

مختلف الفنون. وهل ذلك الضياع شمل المخطوط الذي يكون عادة أكثر قيمة ومن ثمة تكون الزاوية أكثر حرصا على إنقاذه وتهريبه، أو شمل المطبوع والمخطوط معا. وتظهر القوائم أن بعض الكتب قد اشتريت من الجزائر وتونس ومصر، سيما من المكتبة الثعالبية (رودوسي) بالجزائر، ومكتبات العسلي والثميني والأمين بتونس. وكان لزاوية آل سحنون اشتراك في أغلب الصحف والمجلات أيضا في البلدان المذكورة. فكانت تصلها مجلات الرابطة العربية، والرسالة، والثقافة، والفتح، والهداية، والأزهر، بالإضافة إلى الجرائد. أما المخطوطات فكانت الزاوية تقتنيها بالشراء في المزاد العلني الذي كان يجري في تونس بالخصوص حيث العائلات العلمية تبيع أحيانا كتبها لأسباب مختلفة. كما كانت هدايا المخطوطات تصل إلى الزاوية من بعض الأسر العلمية مثل عائلة سيدي علي أو عبدالله في بني مليكش، وكذلك عن طريق الاستنساخ (١). وكان للطلبة حق الإطلاع على الكتب والإستفادة من إعارتها داخليا وخارجيا. ٣ - مكتبة سيدي خليفة: زاوية الشيخ الحسين بسيدي خليفة ولاية الميلية اليوم، من الزوايا التي اهتمت بالعلم واقتناء الكتب أيضا خلال القرن الماضي. وكانت تضم مخطوطات هامة ومطبوعات. وفيها الكتب ذات المنفعة العامة والمدرسية التي تعتبر مراجع للطلبة والمدرسين لتحضير دروسهم، وفيها المخطوطات الثمينة التي لا يطلع عليها إلا النوادر أو شيخ الزاوية وكبار الزوار. وكانت تضم كتب النحو والفقه بجميع الطبقات والمستويات، ودواوين الشعراء، وتراجم الرجال والتصوف، ومذهب الإمام مالك بالخصوص، والمنطق واللغة والرحلات والأنساب والأخلاق. ومن ذلك فصيح ثعلب، ورحلة العياشي، ونصرة الشرفاء للسباعي، وشذور الذهب لابن هشام، وشرح لامية ابن الوردي، وموطأ الإمام مالك، وديوان محمد بن عبد الرحمن الديسي. وقد زرنا هذه المكتبة منذ سنوات فوجدنا بقاياها في حجرتين على رفوف جيدة ولكن آثار الرطوبة والمطر بادية عليها، بل كانت تهدد بعضها بالتلف. وكان بعض الكتب ما يزال مخطوطا، ولكننا نعرف أنه مطبوع

стр. 2316

ومحقق. ووجدنا فيها بعض آثار للشيخ حمدان الونيسي. ولكن لا أثر فيها للمجاميع والكنانيش والتواريخ المحلية. ويبدو أن الأيدي قد عبثت بالمكتبة، وإن بعض نوادرها ضاع أو هربه أصحاب الزاوية عن عيون المستعمرين أثناء حرب التحرير، سيما وأن الزاوية لم ترجع إلى التعليم بعد توقفه. وقد تضررت من الإهمال الأملاك والمباني أيضا، فتضررت المكتبة تبعا لذلك (١). وفي دراسة قام بها حديثا عبد الكريم العوفي جاء أن زاوية سيدي خليفة التي أسسها الشيخ الحسين بن القشي في القرن الماضي، كانت تضم حوالي ٦٠٠٠ مخطوط. وروى عن بقية شيوخها، وهو يونس بن عبد اللطيف المولود سنة ١٩٢٢، أن علماء المغرب كانوا يستعيرون منها المخطوطات ثم لا يرجعونها، وأن أصحاب الزاوية قد اضطروا إلى حرق بعضها (؟) مما أتت عليه الأرضة والفئران والرطوبة لجهلهم بوجود وسائل الصيانة. وذكر العوفي أنه لم يبق في الزاوية اليوم سوى حوالي خمسمائة مخطوط، وتنبأ بأن مآلها الحرق أيضا لأن الرطوبة قد أفسد تها. وكانت فيها نفائس ترجع إلى القرون الأولى من الهجرة وبخطوط مؤلفيها. ولكن العوفي لم يذكر من نماذجها سوى ثلاثة عشر مخطوطا في النحو والسيرة والأدب والتصوف (٢). والظاهر أن هذه المكتبة لم تتعرض للتلف على أيدي الجيش الاستعماري خلال حرب التحرير. ٤ - مكتبة زاوية طولقة: وفي السبعينات زرنا زاوية طولقة أو زاوية علي بن عمر وهو مؤسسها وبه تعرف بين الناس. وقد جمعت مكتبتها كمية كبيرة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. واشتهر الشيخ علي بن عمر وأباؤه وأحفاده أنهم شيوخ علم وتصوف وزهد، وأنهم جعلوا الزاوية معهدا علميا للتدريس ونشر الثقافة العربية والعلوم الإسلامية وحفظ القرآن الكريم. وأبرز

стр. 2317

ما عرفوا به أيضا حبهم للكتب، فجمعوها من مختلف المظان واشتروها بأثمان عالية، وجاءهم بعضها بالهدية وبعضها بالنسخ. وقد لاحظنا أن بعض مكتبة الشيخ الفكون القسنطيني قد انتقل إلى مكتبة زاوية طولقة، وربما كان ذلك بالشراء بعد أن بيعت المكتبة في المزاد. ومخطوطات مكتبة زاوية طولقة متنوعة تشمل التصوف والتوحيد والتفسير والعلوم الدينية عموما، كما تشمل الأدب والتراجم والتاريخ المحلي وغيره. ولا نعلم إن كان للزاوية خزانة للوثائق والمراسلات الخاصة. ويغلب على الظن أنها كانت تملك ذلك. فقد عاش أصحابها ظروفا سياسية صعبة، وتراسلوا مع شيوخ الزوايا ومع السلطات الفرنسية ومع العلماء في تونس والمشرق والصحراء. فلا نظن إلا أنهم يملكون ثروة من المراسلات المنظمة. وعند زيارتنا لها كانت المكتبة تعاني من آثار الفيضان الذي حدث سنة ١٩٦٩، ولكنها سلمت منه، وإنما كانت موضوعة في أكوام وغير مفهرسة. وتركنا شيخ الزواية عندئذ، عبد القادر العثماني، يعمل على تنظيمها وفهرستها. ولكننا لم نتابع الموضوع بعد ذلك. فكم تملك المكتبة من المؤلفات مخطوطة ومطبوعة؟ وما أهم أجابها؟ وكم فيها من المجاميع؟ وما إحصاؤها العام؟ أما الإطلاع والاستفادة فقد علمنا أن شيوخها لا يعترضون على ذلك، بل يقدمون الخدمات العلمية وحسن الضيافة أيضا. ٥ - مكتبة زاوية الهامل: وفي نفس الوقت حاولنا التعرف على مكتبة زاوية الهامل. وبذلنا الوسع فرديا واستعنا بغيرنا لكي نطلع على فهرسها أو ننظر في بعض محتوياتها. ولكننا لم نفلح. وقد ذهبنا إليها عدة مرات، وتحملنا من أجل ذلك المشاق، فكنا نرجع من رحلتنا إليها بكلمة اعتذار طيبة. أما الكتب فبقي بيننا وبينها حجاب (١). هذا بالرغم أن غيرنا قد اطلع عليها وأخذ منها إعارة أو سرقة، مثل الشيخ عبد الحي الكتاني، والشيخ رينيه

стр. 2318

باصيه. وقد كتب عنها الأخير وصفاء هو الوحيد الذي اعتمدنا عليه هنا (١). وكان باصيه عندئذ مديرا لمدرسة الآداب العليا (كلية الآداب لاحقا) وكان لا يرد له طلب لنفوذه لدى الإدارة الاستعمارية، وقد طلب باصيه من شيخ الزاوية عندئذ، محمد بن بلقاسم، قائمة المخطوطات التي بالزاوية، عن طريق الجنرال ميقريه. واكتفى باصيه بالقائمة التي قدمها إليه الجنرال. ويبدو أن المخطوطات انتقلت إلى المكتبة عن طريق الحج. أما الكتب المطبوعة فكان منها المطبوع في بولاق بمصر، وذلك دليل على ورود الكتب من المشرق بطرق مختلفة غير الطرق التجارية المعروفة للفرنسيين. والمعروف أن أعيان المغرب العربي كانوا يتميزون بإنشاء المكتبات علامة على الأبهة والجاه (٢). ومهما كان الأمر فإن الشيخ محمد بن بلقاسم، مؤسس الزاوية والمكتبة كان من علماء القرن الماضي. ولم تكن شهرته في التدريس والفصاحة تقل عن شهرته في التصوف والبركة. وعمل معه مدرسان كبيران وشاعران شهيران هما محمد بن عبد الرحمن الديسي وعاشور الخنقي. واجتمعت له (الشيخ) ولهما كتب كثيرة وتأليف، سيما الديسي. وأصبحت مكتبة زاوية الهامل محجة للزوار الراغبين في الإطلاع وأخذ العلم والبركة الصوفية. ولا ندري من أين جمع الشيخ محمد بن بلقاسم مكتبته، ولكن من المؤكد أن رجلا في مثل سمعته كانت تأتيه المخطوطات من تلاميذه ومريديه وعلماء الوقت

стр. 2319

وأعيانه، بالإضافة إلى الشراء من الجزائر ومن تونس ومصر، كما لاحظنا، وكذلك الاستفادة من الاستنساخ. ويبدو أن مكتبة الزاوية كانت ضم، بالإضافة إلى الكتب، مجموعة من الوثائق والمراسلات العائلية والسياسية والعلمية، ومجموعة من التحف أيضا كالصور والسيوف والرقاعات وأشجار النسب. ولا ندري ما إذا كانت المكتبة قد استمرت تقتني الكتب على عهد خلفائه أمثال مصطفى القاسمي، الذي طال عهده وشاع أمره خلال الثلاثينات، كخصم للحركة الإصلاحية. والغالب أن شيوخ الزاوية قد استمروا في ذلك، لأن التعليم قد استمر فيها. فهل كان الطلبة يستفيدون من الإعارة والمطالعة من المكتبة؟ وما الحجم العام للمكتبة؟ وما نوع وقيمة المخطوطات؟ وهل للمكتبة فهرس منظم غير الذي ذكره باصيه؟ كل ذلك لا نعرفه الآن. ٦ - مكتبة أولاد سيدي الشيخ: كان أولاد سيدي الشيخ أهل زاوية وأهل سلطان. وقد تعرضت زاويهم للهدم من قبل الفرنسيين انتقاما منهم لثورتهم المتكررة ضد التوسع الاستعماري. ونتوقع أن مكتبة الزاوية كانت من ضحايا التخريب والحرب. وليس لدينا وصف شامل لمكتبة الزاوية وإنما وجدنا في بعض المراجع الفرنسية ما يشير إلى أن بعض المخطوطات قد قاومت العدوان، وعوامل الطبيعة. ومن ذلك ما جاء في رحلة الحاج البشير التي أملاها على الضابط الفرنسي ف. فيليب سنة ١٨٦٧ من أن الخليفة حمزة، أحد أعيان أولاد سيدي الشيخ، قد أمره أن يرافق قافلة من الإبل إلى توات، وفيها حمولة ثلاثة جمال من الكتب. وهذا بالطبع حديث غامض إذ لا يدل على نوع الكتب وقيمتها وهل هي مخطوطة أو مطبوعة. ولا نعرف أين وضعت الكتب في توات. ولعل ذلك كان أثناء تهريبها عن أعين الفرنسيين أو خوفا. من التلف أثناء الثورات، وربما كانت هي أفضل الكتب قيمة وثمنا (١). ٧ - مكتبة زاوية القنادسة: وهي تقع الآن في ولاية بشار، ويفهم من بعض شيوخها أنها كانت تحتوي على عدد كبير من المخطوطات بلغت

стр. 2320

حوالي ثلاثة آلاف مخطوط سنة ١٩٥٠. ولكن أغلبها ضاع خلال الثورة الكبرى أو أحرق (١). ٨ - مكتبات أدرار وتوات: ليس لدينا ما يدل على أن هذه المكتبات تنتمي لزوايا معينة، ولكن ماعرفناه من تاريخ المنطقة وشيوخها يجعلنا نضم هذه المكتبات إلى الزوايا، لأن الغالب أن الزوايا هي التي كانت ترعى المكتبات لاتصالها بالدين والعلم. وقد عرفت توات منذ القديم بأنها سوق رائجة للكتب وأن بعض عائلاتها الدينية قد كونت مكتبات معتبرة. وكانت صلة أهل توات بجامع القرويين وعلماء المغرب وعلماء افريقية وتلمسان قد جعلتهم في مكانة يغبطون عليها، بالإضافة إلى أن علماء توات كانوا يؤلفون الكتب ويستنسخونها من بعضهم أو من علماء آخرين. وفي العهد الأخير ذكر الباحثون أن هناك حوالي اثنتي عشرة مكتبة، منها مكتبة كوسام، ومكتبة بني ثامر، ومكتبة (زاوية) رقان؟، ومكتبة زاوية سيدي حيدة، ومكتبة زاوية اقبلي، ومكتبة أولاد عيسى، ومكتبة اقسطن التي قيل إنها تضم مخطوطات في العقاقير، ومكتبة تنجرين التي قيل إن فيها مخطوطات في الطب والفلك، وغيرها من المكتبات (٢). ٩ - مكتبة الزاوية العبدلية: ورغم أن مكتبة الزاوية البوعبدلية في بطيوة لا نعرفها إلا في عهد الشيخ المهدي البوعبدلي الذي توفي منذ سنتين، فإننا سنتحدث هنا عما نعرفه عنها لأنها ترجع، حسب ظننا إلى عهد والده من جهة، ولأن الشيخ المهدي جمع نوادرها منذ عقد الثلاثينات. وتراسلنا مع الشيخ المهدي في عدة مناسبات، ولنا منه مجموعة من الرسائل بخط يده بعضها في عدة صفحات وبعضها بخطه عندما عجز أو كاد عن الكتابة وأصبحت السطور والحروف عنده مائلة ومضطربة. كما تمكنت من زيارة

стр. 2321

المكتبة في إحدى المناسبات مع بعض الزملاء، زيارة قصيرة خلال الثمانينات. فالمكتبة البوعبدلية إذن سمعت عنها وتراسلت بشأنها مع صاحبها ثم زرتها شخصيا. أثناء زيارتي رأيت عدة خزائن تمتد على حيطان غرفتين واسعتين في شكل قاعتين متصلتين. والخزائن عالية ومليئة بالكتب المخطوطة والمطبوعة. وتظهر من ضمنها مخطوطات غير موضوعة في أماكنها، ومجاميع، وجرائد، ووثافق، وسجلات. لا نستطيع أن نقدر عدد الكتب ولا أن نعرف موادها ولا عدد الوثائق والرسائل. وكل ما نعرف أن الشيخ المهدي، كان مهتما بالتراجم والتاريخ والمناقب والشعر الفصيح والزجل (الملحون) والتصوف والفقه والأدب والأنساب. وهو من العلماء الأفذاذ في الحفظ والنوادر، ومن الذين تخرجوا من جامع الزيتونة. وكان مترددا بين الوظيف الفرنسي والحركة الإصلاحية، وقد خسره الإصلاح رغم ميوله إليه وفاز به الوظيف عند الفرنسيين. فتولى الفتوى في عدة أماكن منها بجاية وأم السنام (الأصنام) حيث جمع واشترى المخطوطات النادرة. وسأترك الآن الشيخ المهدي يتحدث بنفسه عن مكتبته. ففي رسالة منه إلي بتاريخ ١٤ مايو ١٩٨٨. (حسب طابع البريد) من بطيوة قال (كنت اتفقت مع بعض الأصدقاء على ترتيب ما أملكه من الوثائق الأصلية وتصويرها، وقد ساعدتني التلفزة الجزائرية بالتقاط صور بعض هذه الوثائق النادرة الراجعة إلى تاريخ بلادنا الثقافي والعقائدي والسياسي، وخطوط بعض مشاهير علمائنا وزعمائنا. وسأطلعكم على بعضها إن شاء الله ...). وفي مراسلة أخرى أقدم من السابقة ترجع إلى ٢٣ مارس سنة ١٩٨٠، قال: أما تآليف أحمد بن يحيى الونشريسي (وكنت قد سألته عن بعضها) فعندي مجموعة خطية كنت اشتريتها من أسرة مغربية، ولا زلت لم أتصفح ما فيها، إذ كان بلغني أنه يوجد بها (كتاب) الوفيات (سألته عنه) ولم أجدها. وكل ما عثرت عليه من تآليفه (الونشريسي) الهامة إجازته - كما سماها - وفي

стр. 2322

الحقيقة تقريضه (كذا) للدرة المكنونة في نوازل مازونة، ترجم فيها (أي الإجازة) للشيخ المازوني، وعرف بالظروف التي انتقل فيها إلى تلمسان حيث أن المازوني لم يعرفه مترجموه إلا بكون توفي بتلمسان ودفن بها). وقبل ذلك بأيام (يوم ٢ مارس ١٩٨٠) أخبرني الشيخ المهدي برسالة أخرى تحدث فيها عن زيارته لمدينة أدرار وحضوره مؤتمرا في برلين ثم عن مكتبته وكثرة ما فيها من كتب ووثائق وما عليه حالها من تشويش وبعترة. قال معتذرا عن التأخر في الكتابة (كنت غائبا بأدرار، حيث دعيت للمساهمة في الأسبوع الثقافي هناك. ومنطقة توات ثرية بالآثار والوثائق النادرة، رغم تعرضها للنهب والإهمال ... وفي هذا الصدد أذهب إلى برلين لحضور مؤتمر المستشرقين، ومحاضرتي (ستكون) (معهد شلاطة ...) (١) حتى أنني أقضي بعض المرات، الشهور لأعثر على كتاب أو وثيقة بخزانتي المبعثرة). وفي مراسلة أخرى جرت في ٧ يناير، ١٩٨١ كتب إلي الشيخ المهدي عن مكتبته قائلا ... (كما أنني كنت جمعت كثيرا) من المخطوطات، فيها الغث والسمين، وكنت آمل أن أرتبها وأحققها قبل نشرها، إلا أن الظروف لم تساعد، خصوصا وأن في كثير من هذه الوثائق ما يلزم الباحثين إعادة النظر في تاريخ الجزائر، خصوصا العهد العثماني، وأنني لا زلت عازما - إن أفسح الله في الأجل - أن أتفرغ لجمع هذه الوثائق على ضوء ما نشر لكم في جريدة الشعب أخيرا) (٢). وخلافاه لبعض علماء الزوايا الآخرين كان الشيخ المهدي البوعبدلي

стр. 2323

يقدر التأليف ويعمل على النشر والتحقيق ويساعد من يرغب في ذلك. وكان يمدني مراسلة ببعض مخطوطات مكتبته النادرة فآخذ منها وأصور عنها ثم أعيدها سالمة إليه، بالبريد المسجل من الطرفين. ومن ذلك كناش المفتي حميدة العمالي، وكتاب في الأدوية كنا نعتقد أنه لابن حمادوش، وبعض الأعمال المتضمنة سيرة ابن رأس العين، الخ ... ١٠ - مكتبات زوايا أخرى: ولا شك أن مكتبات أخرى توجد في مختلف الزوايا التي لم نذكرها. ومن ذلك مكتبة زاوية سريانة (الشيخ المولود بوزيد) فقد رأيناها في إحدى المناسبات واجتمعنا بصاحبها رفقة الأخ العربي دحو. وكانت فيها مجموعة من المخطوطات والوثائق التي لا نعرف قيمتها ولا عددها. وقد أشرنا إليها في بعض كتاباتنا عن المنطقة. وكذلك مكتبة زاوية وادي العثمانية، وزاوية خنقة سيدي ناجي، وزوايا عديدة أخرى في الجنوب، مثل زاوية كنته. وكانت وظلت الزوايا الرحمانية على اهتمامها بالتعليم والكتب سواء في الريف الشمالي أو في الواحات الصحراوية. ومن ذلك زاوية سيدي سالم بوادي سوف. وقد اطلعنا في هذه الزاوية على بعض كتبها في إحدى زياراتنا لها على عهد الشيخ مصطفى السالمي. وكان زعيم الرحمانيين بين ١٨٥٧ - ١٨٧٠ هو الشيخ محمد أمزيان الحداد صاحب زاوية صدوق. وبعد ثورة ١٨٧١ اعتقله الفرنسيون وهدموا الزاوية واستولوا على المكتبة التي يبدو أنها كانت غنية. وقد جاء في بعض الكتابات أن الشيخ سليمان بن داود قد اطلع على بقايا مكتبة الحداد في فرنسا حيث وضعت في بعض مكتباتها العمومية، ونسب إلى الشيخ ابن داود قوله إن مكتبة الشيخ الحداد كانت تضم حوالي ألف مخطوط (١).

стр. 2324

المكتبات الخاصة المكتبات الخاصة أو الفردية كثيرة في الجزائر رغم ما أصاب البلاد من حروب وهجرة ومصادرات. وقد كان أصحابها قد حصلوا عليها بالوراثة أو بالشراء أو بطرق أخرى مختلفة. ومن الملاحظ أن بعض المكتبات الخاصة قد أصبحت ريفية بدل المدن، لأن الدراسات العربية قد تضررت في العهد الفرنسي، ولذلك نجد العديد من المكتبات الخاصة خارج المدن الكبيرة. كما نلاحظ أن البعض ممن كانوا أبناء العائلات العلمية الكبيرة في المدن قد انقطعوا تماما عن تراثهم العائلي واللغوي. فأصبح مايا بعض أبناء عائلة بو طالب والفكون وابن الموهوب لا يعرفون العربية ولا يرتبطون بتراث أجدادهم، بعد أن تعلموا في المدارس الفرنسية وتفرنسوا. كما أن بعضهم قد انتقل من مقر العائلة القديم إلى فرنسا أو إلى مدن أخرى. ومن جهة أخرى نلاحظ أن بعض العائلات التي كانت دينية قد تحولت إلى عائلات حاكمة. وبذلك فقدت في أغلب الأحيان صلتها بالمكتبات والعلم واللغة العربية. ويصدق هذا بالخصوص على بعض المرابطين الذين تولوا مسؤوليات سياسية وإدارية للفرنسيين منذ آخر القرن الماضي. وهذا الصنف من الجزائريين، وكذلك العائلات التي تفرنست، هم الذين أهملوا مكتباتهم القديمة وباعوها ولم يعرفوا قيمتها. وترجع المكتبات الخاصة في العادة إلى أعيان البلاد، مهما كان موقعهم، لأنهم هم القادرون على شرائها وصيانتها، وهم أيضا الذين يتباهون بها. مكتبات وادي ميزاب: من المكتبات الريفية - الصحراوية نذكر عددا، من مكتبات ميزاب. وقبل ذلك نشير إلى أن الصحراء عموما، تحتوي على ثروة كبيرة من المخطوطات وكتب التراث غير مجموعة ولا مفهرسة ولا حتى معلومة بدقة. والصدف فقط هي التي تكشف عنها من وقت لآخر. وقد وعد إبراهيم فخار منذ ١٩٨٧ أن يدرس مكتبات المنيعة ومتليلي، والأغواط وعين ماضي، وتيهرت وفرندة والبيض، وعين الصفراء وبشار وبني ونيف والقنادسة وكرزاز وتمنطيط وورقلة. ولكنه لم ينشر معلومات حسب علمنا، إلا على

стр. 2325

مدن ميزاب التالية: بني يسقن، والعطف، والقرارة. وخرج من ذلك بـ ٣٦ مكتبة، منها ١٨ في بني يسقن، وعشر في العطف، وثمانية في القرارة. ولا ندري إن كان قد واصل مشروعه. وقد قسم المكتبات في المدن الثلاث المذكورة إلى خاصة وعائلية، وذكر منها مكتبة العزابة، ومنها ما تحول إلى مكتبة عامة في عهد الاستقلال، مثل مكتبة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش. ومن خصائص هذه المكتبات عموما أن أصحابها يغارون عليها ويخشون عليها من الزوار، وأن أغلبها بدون فهارس وإنما يسجل أصحابها أسماء الكتب والمؤلفين في سجلات يحفظونها بدون ترتيب ولا تبويب، فقط لمعرفة محتوياتها وعددها. وهذه الخاصيات في الواقع يمكن أن تنطبق على معظم المكتبات الخاصة. كما أن هناك ظاهرة مشتركة أخرى وهي أن البعض من أصحاب المكتبات الخاصة كانوا يقتنون الكتب للمطالعة والاستفادة، والبعض كانوا يقتنونها من أجل البركة والثروة - وهي ثروة ورأس مال عند الحاجة - والبعض كانوا يجلبونها للتباهي والفخفخة. بالنسبة لمكتبة اطفيش: تعتبر من أكبر المكتبات في المنطقة، وهي في بني يسقن. ونحن نعلم أن الشيخ كان يجمع الكتب العلم والتعليم وللمصادر التي يرجع إليها في تأليفه الكتب. وكان له تلاميذ وأتباع في الجزائر وغيرها يبعثون إليه بالكتب وينسخونها له، وكان له نساخ شهير في غرداية يغدق عليه لينسخ له. وقيل إن الشيخ قد زوج بعض نسائه من أجل مكتبات آبائهن. وإذا نظرنا إلى قائمة مؤلفات الشيخ علمنا أن مصادره كثيرة، رغم أنه كان يقطن وسط الصحراء في وقت ليس فيه تصوير ولا أشرطة ولا آلات مساعدة. وبعد وفاته سنة ١٩١٤ بقيت المكتبة عند ورثته. ويبدو أنها لم تعان من التلف والضياع الكثير بعده. ويقول إبراهيم فخار إنها تحولت منذ ١٩٦٦ إلى مكتبة عامة مفتوحة للباحثين والقراءة في أوقات محددة في الأسبوع. ولا ندري إن كان لها مال لتنميتها بعد وفاة الشيخ أو ظلت في حجمها الأول فقط. وقد أصبح لها فهرس عام وبطاقات، ولها خزانة خاصة بالرسائل والوثائق. وتتبع في نظامها النظام الدولي فلها بطاقات للمؤلفين وأخرى للكتب وثالثة

стр. 2326

للموضوعات، الخ. وكان الشيخ اطفيش ولوعا بكتب الأدب والتاريخ والدين. ولذلك أصبحت مكتبته غنية بهذه الموضوعات، ولا سيما كتب المذهب الإباضي وسير أيمته وتراجم رجاله (١). وفي الدراسة التي كتبها المستشرق يوسف شاخت عن مكتبة الشيخ أطفيش تفاصيل هامة عن محتواها وأقسامها. فهي عنده مكتبة تضم معظم مؤلفات الشيخ أطفيش، مخطوطة ومطبوعة، بالإضافة إلى عدد من الكتب النادرة في مختلف المذاهب، ومنها المذهب الإباضي، والأدب العربي، وجملة ما فيها حوالي ١، ٥٥٠ كتابا. وقد تحدث شاخت عن محافظ المكتبة عندئذ (١٩٥٦) وهو محمد بن يوسف أطفيش، حفيد أحد إخوة القطب. وكذلك تحدث شاخت عن مكتبة الغناي الملحقة بالأولى. وللغناي قرابة مع الشيخ أطفيش، وقدر شاخت محتويات مكتبة الغناي بـ ٢٧٥ مجلدا. وبناء عليه فإن المحافظ المذكور قد وضع فهرسا مفيدا للمكتبتين يصلح في نظره أن يكون نموذجاد لمكتبات الأوقاف الأخرى. وقد سلمه المحافظ نسخة من فهرس المكتبة حول الكتب الإباضية. ثم جردها شاخت من كتب الفلسفة والأدب والدين والشعر، كما حذف منها ما أورده بروكلمان في كتابه، ثم بوبها على تسعة أبواب هي: التفسير والقراءات، والحديث والسيرة، وأصول الفقه، وكتب الفقه (وهو القسم الكبير)، والمسائل الفرعية في الفقه، والعقيدة والفلسفة، والردود، والدعاية، والأخلاق، ثم التاريخ (٢).

стр. 2327

وبالإضافة إلى مكتبتي القطب ويحيى الغناي الموقوفتين، توجد في بني يسقن مكتبات أخرى ذكرها شاخت، وهي مكتبة الشيخ صالح بن عمر اليسجاني، ومكتبة الشيخ عبد العزيز الثميني، ومكتبة الشيخ سعيد بن يوسف، ومجموعة الشيخ إبراهيم بن بكير. أما في المدن الميزابية الأخرى فقد أشار شاخت إلى مكتبات مليكة مثل مكتبة الشيخ يحيى بن صالح قاضي البلدة، ومكتبة المعز أحمد بن يوسف، ومكتبة الشيخ الحاج أحمد بن صالح. وفي العطف توجد مكتبة الشيخ عمر بن حمو، ومجموعة الشيخ داود بن يوسف. وفي القرارة توجد مكتبة الشيخ بلحاج، أما في بريان فقد أشار إلى مكتبة الشيخ الطرابلسي التي أكد أنها كانت موقوفة، ومجموعة عبد الرحمن الباكيللي (١). وبالنسبة لمكتبة الشيخ الثميني فقد ذكر فخار اثنتين، مكتبة عبد العزيز الثميني ومكتبة محمد الثميني. وكان الأخير قد نفت السلطات الفرنسية سنة ١٩٣٥ إلى تونس فاستقر بها وأسس بها مكتبة الاستقامة قرب جامع الزيتونة، وكانت هذه المكتبة مثالا في الثراء والدقة والخدمات. وقد عرفناها أيام الطلب بتونس. وعن طريق مكتبة الاستقامة كانت تصل الكتب إلى الجزائر أيضا وإلى وادي ميزاب بالذات. ومحمد الثميني هو حفيد عبد العزيز الثميني صاحب المؤلفات الرائدة في الحركة الفكرية الإباضية أوائل القرن التاسع عشر. وظل محمد الثميني على وفائه للإصلاح والعلم والوطنية وهو في تونس. وبعد وفاته حول أبناؤه مكتبة والدهم إلى بني يسقن حيث أصل العائلة. ولا نعرف ما إذا كانت مفتوحة أو غير مفتوحة للزوار والباحثين والقراء، وما إذا كانت منظمة ومفهرسة أو مهملة. ويغلب على الظن أنها مرعية سيما ونحن نعلم أن أبناء الشيخ من المتعلمين البارزين في هذا الجيل، وقد عاصرنا البعض منهم. ومن أغنى المكتبات أيضا مكتبة الشيخ إبراهيم أطفيش المعروف بأبي إسحاق، وهو من عائلة الشيخ القطب. وكانت السلطات الفرنسية قد نفت

стр. 2328

الشيخ إبراهيم إلى تونس فأقام بها مدة وربط علاقات مع زعمائها وعلمائها، ثم هاجر إلى المشرق وتوظف في مصر وشارك في الحركة الوطنية والإسلامية عموما خلال الثلاثينات والأربعينات. الخ. كما أصدر مجلة (المنهاج) بالتعاون مع الشيخ سليمان الباروني باشا وغيره. وكان متوظفا في دار الكتب المصرية. وفيها عرفناه منتصف الخمسينات ونحن طلبة هناك وقدم لنا خدمات في البحث مشكورة. كما تعرفنا على بعض أبنائه في مصر. ويقول إبراهيم فخار إن إبراهيم أطفيش قد ساهم أيضا في المفاوضات التي جرت لحل قضية الخلاف بين السعودية وعمان حول واحة البوريمي. وكان له اهتمام بالفقه والتراث الإباضي. وقد توفي بالقاهرة. أما المكتبة فقد بقيت في يد أولاده في حي المطرية بالقاهرة حيث كان يسكن. وقال فخار إن البعض حاول نقلها إلى الجزائر، ولكن الورثة أبوا ذلك. وقد اطلع عليها فخار واعتبرها من أعظم المكتبات الجزائرية بالخارج، وأخبر أن فيها أمهات الكتب، ونحن لا نشك في ذلك لأن رجلا في مكانة الشيخ إبراهيم أطفيش لا يمكن إلا أن تكون له مكتبة ضخمة ومتنوعة جامعة بين التراث والمؤلفات الحديثة، وبين المخطوطات والمطبوعات، وبين الكتب والمجلات والجرائد. ولكن ما يلفت النظر هو احتواء المكتبة أيضا على ملفات حول الحركة الوطنية? كما يقول فخار - في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب أيضا. وقد عاصر أطفيش وعرف وشارك مع زعماء هذه البلدان من أمثال الباروني، وابن باديس، والخطابي، والثعالبي، وعلال الفاسي، وأبي اليقظان. ومن جملة ما هو بالمكتبة مؤلفات الشيخ إبراهيم نفسه، وبعضها ما يزال في شكل مسودات (١).

стр. 2329

وفي العطف مجموعة من المكتبات أيضا، منها مكتبات الشيوخ: يوسف العطفاوي، وسليمان بن داود، والحاج سعيد العطفاوي، ومحمد كعباش، ومحمد القرادي. وتعتبر الأولى من أقدم المكتبات في ميزاب، حسب قول إبراهيم فخار. وهي تحتوي على مخطوطات نادرة .. ولكنها غير مرتبة. ولا نعرف ما إذا كانت خاصة بالورثة أو كانت تحت يد العزاية للاستفادة منها. كما لم يفصل فخار الحديث عن مكتبة الشيخ القرادي. وإنما قال إنها مكتبة هامة نظرا لعلاقات صاحبها، ويقصد بذلك ربما، أن الشيخ القرادي كان معروفا على المستوى الوطني والإسلامي وأنه لعب دورا في الحركة الوطنية وله معارف في البلاد العربية، ولا سيما تونس. وعن مكتبة الشيخ كعباش ذكر فخار أنها من النوع الخاص، وإن صاحبها كان يحسن اختيار الكتب، وأنه كان قد درس في الزيتونة وصاحب علماءها، ولكن هذه المعلومات لا تساعدنا على معرفة قيمة المكتبة وأنواع كتبها. ولكن إبراهيم فخار قدم معلومات هامة عن المكتبتين الباقيتين في العطف. فقال عن مكتبة الشيخ سليمان بن داود إنها خاصة، وإن صاحبها كان من زعماء النهضة الإصلاحية وإنه من شيوخ العزابة. واحتوت مكتبته على مخطوطات هامة، ووثائق ورسائل، وملفات عن الحركة الوطنية خلال الثلاثينات، بالإضافة إلى ملفات عن وادي ميزاب وحياة العزابة، وملف آخر عن حياة ابن داود خلال حرب التحرير وتجارته ومراسلاته عندما كان بالعاصمة. وهذا الملف بخط يده. أما مكتبة الحاج سعيد العطفاوي فقد كان صاحبها مولعا بالترحل والتنقل ولا سيما بين ميزاب وتونس ومصر وعمان وليبيا والحجاز. وكان ينفق ماله في الكتب ويأتي بها معه عقب كل رحلة. وللحاج سعيد مصاهرات في ليبيا وجربة. وتنوعت كتبه وتعددت مشاربها، ومنها المذهب الاباضي ورجاله (١).

стр. 2330

وفي القرارة عدد من المكتبات الخاصة، منها مكتبة الشيخ إبراهيم بيوض (وهي أكبرها) ثم مكتبات الشيوخ: الناصر المرموري، وأبو اليقظان، وصالح باجو، وغيرهم. ومكانة الشيخ بيوض العلمية معروفة وهي غير داخلة ضمن هذا الكتاب، ولكن مكتبته الخاصة التي جمعها عبر عقود عديدة تذكرنا بمكتبة الشيخ المهدي البوعبدلي. وقد قال فخار عن مكتبة الشيخ بيوض إنها كانت تحتوي على حوالي عشر خزائن مصنفة حسب الموضوعات، وعلى العديد من الرسائل والوثائق والملفات، ومحاضر الجلسات. وهذه كانت تقع في صناديق خاصة وحقائب ذات قيمة ثمينة. والأكيد أن دور الشيخ بيوض في الخمسينات والستينات سيجعل من وثائقه ذات أهمية كبيرة للدارسين. ولا ندري الآن ما وضع هذه المكتبة بالنسبة للقراء والباحثين. أما مكتبة الشيخ الناصر المرموري فلها قسم خاص بالمخطوطات النادرة التي جمعها من رحلاته في جربة وجبل نفوسة ومصر وعمان. ومن ضمنها، كما يقول فخار، مخطوطة ابن سلام التي حققها المستشرق الألماني، شنارتز. وقد عرف الشيخ حمدي إبراهيم بن عيسى المعروف لأبي اليقظان بأنه صاحب الصحف الكثيرة التي كان يصدرها رغم اضطهاد الإدارة الفرنسية لها وله. ولكنه كان أيضا صاحب تآليف جمة، وكان جماعة للمخطوطات والرسائل والدوريات والصحف، وباحثا في التاريخ والتراجم. ويذهب إبراهيم فخار إلى أن وثائق الشيخ أبي اليقظان قد أعدمت أثناء عملية مداهمة لمقر المطبعة العربية، وهي مطبعة أبي اليقظان، أثناء ثورة التحرير (١). وقد أصيب الشيخ أثناء ذلك بالشلل وبقي كذلك إلى وفاته. ولكن الذي وصف الشيخ أبا اليقظان واستفاد من مكتبته ووثائقه هو محمد ناصر، وهو صهره. وفي مكتبة أبي اليقظان مجموعات الجرائد، والدوريات، وفيها رسائل

стр. 2331

كثيرة، وتآليف غير تامة في موضوعات شتى (١). مكتبة عائلة الفكون: وأقدم المكتبات العائلية الخاصة هي مكتبة الشيخ الفكون، شيخ الإسلام بقسنطينة. فقد كانت تحتوي على آلاف المخطوطات، بعضها كان لا يقدر بثمن من حيث القيمة الجمالية أو من حيث الموضوع. كما كانت تضم كتابات على الرق الجيد، والقطاع الكبير، وبعض التحف. وقد وصفها البارون ديسلان، أوائل الأربعينات من القرن الماضي حين أوفده وزير المعارف الفرنسي في مهمة إلى قسنطينة لتقديم تقرير عن المكتبات، ومنها مكتبة الفكون ومكتبة باشں تارزي. ولكن عائلة الفكون قد عرفت حظوظا جديدة في العهد الفرنسي وانقلب بها الدهر، فكانت رغم ماضيها، من أوائل المتعاونين مع العدو الذي انتصر في قسنطينة سنة ١٨٣٧، والذي سرعان ما كشر عن أنيابه لها وأسقطها من حسابه، بعد أن (قضى منها اللبانة)، كما يقول القدماء. فأزال الفرنسيون لقب مشيخة الإسلام عنها، وأخذوا مواردها وأوقافها ومصادرها المالية، وإعفاءاتها من الضرائب ونحوها، وعزلوا حمودة الفكون وطاردوه واتهموه بشتى الاتهامات ونفوه. ومن نكبات الدهر بهذه العائلة أن أحد أبنائها وهو أحمد الفكون، سبق غيره بالتجنس بالجنسية الفرنسية ١٨٦٦، (انظر ترجمته). وكانت المكتبة من ضحايا هذه التقلبات كلها، وهي ثروة وطنية قبل أن تكون عائلية. فقد نهبت واعتدي عليها، وبيعت في المزاد بميزان البطاطا، كما نقول اليوم. يقول أحد الباحثين الأجانب إنه بينما كان حمودة الفكون يحتج أمام المحكمة في قسنطينة بأن ناحية كدية عاتي كانت ملكا للعائلة لأن فيها جبانة ومقابر أفراد العائلة، وأن أجداده وآباءه كانوا هم القيمين الروحيين على المدينة - قام المقرضون الأروبيون (الفرنسيون) بحجز مجموعة المكتبة التي كانت تقدر بأربعة آلاف مخطوطة ثمينة، ثم باعوها في المزاد بأثمان بخسة (٢).

стр. 2332

وفي ١٨٩٢ كتب المستشرق فانيان كلمة مؤثرة عن ضياع ما بقي من مكتبة شيخ الإسلام الفكون. وروى كيف تفرقت وضاعت نهائيا. وهو بالطبع لا يهمه أن تضيع لأنها انتقلت في أغلبها إلى أيدي المستشرقين والمترجمين الفرنسيين، ولكنه كعالم أحس بالصدمة عندما سمع بالإهانة التي لحقت بالمخطوطات. قال فنيان إن أحد الدائنين قد باع المكتبة منذ أسابيع وهي في أسوأ الأحوال، ودون أن يعلن حتى عن بيعها بالمزاد ليقع التنافس بين المشترين، وإنما باعها ذلك الدائن (بطريقة وزن الورق القديم) ... وهكذا فإن كيسا مليئا بالكتب الثمينة قد بيع بثلاثين فرنكا، وأما الباقي فقد بيع لأول قادم (١). وذكر فانيان أن البارون ديسلان قد قدر محتويات مكتبة الفكون بأربعة آلاف مخطوط في تقريره الرسمي. ولما رآها فانيان نفسه سنة ١٨٨٦، ثم سنة ١٨٨٩ قدر ما بقي منها حوالي ألفين فقط، من بينها عدد كبير من المجلدات الفاخرة والقديمة. ولكننا نعلم أن نصفها قد ضاع قبل ذلك الحين. وقد وجد أثناء زيارته ٤٢٥ مجلدا منها محتجزا. (لعل بعض الدائنين حجزوا ذلك)، واطلع أيضا على هذا العدد وتفحصه (سنة ١٨٨٦)، وكان فيه عدد من المجلدات الهامة والنادرة جدا. وحاول فانيان عندئذ أن (ينقذها)، كما قال، أو ينقذ بعضها ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا، اللهم إلا قطعة من كتاب (المقتبس) الذي قام المستشرق كوديرا CODERA بنسخ نسخة منه بإشارة منه (فانيان) (٢). ولا ندري إن كان حقيقة أو خيالا أن يقول الشيخ محمود كحول سنة ١٩١٣ عن محمد بن الحسن الفكون إن أسرته كانت ولوعة بجمع المخطوطات

стр. 2333

وإن خزانتهم في العهد الأخير (؟) كانت تشتمل على عدة آلآف من الأسفار الثمينة والنادرة في فنون شتى، وفيها ما يعد من الآثار المخطوطة في القرون الأولى، وأنها جمعت غالب الكتب التي كانت على ملك الشيخ مرتضى الزبيدي شارح القاموس ومحمد بيرم الخامس ... إلى أن قال كحول: ولصاحب الترجمة (أي محمد بن الحسن الفكون) شغف عظيم بجمع الكتب أيضا (١). ولعله كان على الشيخ كحول أن يقول ما قاله فانيان عن مكتبة الفكون، بل كان هو أولى من فانيان فى التحسر على ما آلت إليه المكتبة الى كان معاصرا لنهايتها، لو كان له قلب. لا نستطيع أن ندعي بأن كل المكتبات القديمة، العائلية أو الخاصة قد وقع لها ما وقع لمكتبة الفكون. فنحن لا ندري ما حدث لمكتبة باشر تارزي في قسنطينة، ولا لمكتبة ابن العنابي في الجزائر، ولا مكتبة محمد بن سعد في تلمسان، وغيرهم كثير. وسوف لا نبحث في ذلك طويلا، وإنما نكتفي بالقول بأن هذا النوع من المكتبات لم يخف، وأن هناك عائلات أخرى ظهرت على الساحة وكانت تملك المخطوطات بدرجة متفاوتة، كما أنها لم تستفد منها استفادة من كانوا قبلها لضعف الدراسات العربية وغلبة الفرنسية في التعامل والتعبير، وقلة المجالات لاستعمال المخطوطات العربية أيضا، ومنها ما كان يعتبر تراثا مخطوطا. وقد كثر التباهي بالكتب في هذا العهد أكثر من الاستفادة منها في التدريس والتأليف، وكان بعضهم يزين بها دار الضياف وقاعة الجلوس، سيما المطبوعة والمجلدة بأناقة. أما المخطوطات والوثائق والتحف فقد كانت تحجب عن الأنظار وتبعد عن الزوار حتى لا تطمع نفوسهم فيها أو تمتد أيديهم إليها. مكتبة الأمير عبد القادر: رغم انشغال الأمير بالحرب وعدم الاستقرار في عاصمة، فإنه كان يعرف قيمة الكتب التي احتوت عليها زاوية القيطنة والتي تعلم منها قبل الاحتلال. وكان والده محيي الدين أولا ثم أخوه محمد

стр. 2334

السعيد ثانيا هو القيم على شؤون الزاوية بما فيها المكتبة. ثم كانت الحرب التي انتهت بواقعة الزمالة التي أدت إلى ضياع المكتبة وتفرقها في أيدي الفرنسيين، ومنهم دومال، ولامورسيير، ودوماس، ويذكر ابنه محمد باشا أن الكتب كانت قليلة في البلاد وكانت ضرورية للعلم والتعلم، فاجتهد الأمير في جمعها من كل جهة وكان يجازي كل من يحضر إليه مخطوطا أثناء جعله مدينة معسكر هي العاصمة. وأصدر الأوامر في ضرورة حفظ الكتب الموجودة بأيدي الطلبة، وخطط لإقامة مكتبة في تاكدامت عندما جعلها هي العاصمة البديلة، وأخذ يجمع لها الكتب اللازمة. غير أن كل ذلك تفرق في واقعة الزمالة كما ذكرنا (١). وفي سجن امبواز ثم في بروسة ودمشق جمع الأمير مكتبة جديدة، وكانت هي مصدر غذائه الروحي بعد أن فقد مجده العسكري والسياسي. وكانت مكتبته في قصر دمر حيث أقام طويلا إلى وفاته، ممثلا في الثروة والتنوع. ولا شك أنها قد جمعت الكتب المخطوطة إلى المطبوعة، وكذلك وثائق العائلة والرسائل ونحوها. وكان ابنه محمد قد استفاد من هذه المكتبة في كتابة سيرة والده وتاريخ الجزائر. ويبدو أن مكتبة الأمير ضاعت أيضا بين أيدي الورثة من جهة وأثناء غارة الأتراك على القوميين العرب سنة ١٩١٦ من جهة أخرى. فقد قيل إنهم بعثروا هذه المكتبة أثناء البحث عن ابنه عمر الذي اتهموه بالتآمر ضدهم ثم شنقوه (٢). مكتبة الشيخ طاهر الجزائري: أصبح الشيخ طاهر بن صالح السمعوني الجزائري أحد أعيان الفكر والأدب والقومية في بلاد الشام في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن. ومكانه هو فصل المشارق والمغارب، وإنما نذكر هنا أن مكتبته النفيسة قد تبعثرت أيضا نتيجة الحرب العالمية الأولى وانضمامه هو إلى حزب اللامركزية المعادي لسياسة جمعية الاتحاد والترقي التركية. وقد هاجر إلى مصر خوفا من جور جمال باشا والي دمشق الذي

стр. 2335

اضهد القوميين العرب وشنق منهم مجموعة على رأسها عمر بن الأمير عبد القادر وسليم السمعوني ابن أخ الشيخ طاهر نفسه. وذكر صديقه محب الدين الخطيب أن الشيخ طاهر اضطر إلى بيع مكتبته النفيسة في القاهرة إلى المكتبات العمومية ولو بنصف ثمنها لكي تبقى في بلاد إسلامية ولا تنتقل إلى بلاد أجنبية، فباع منها إلى مكتبة دار الكتب ثم المكتبة التيمورية ثم الزكية الخ. وذلك أن بيعها للأفراد (ومنهم الأجانب أو عملاؤهم) سينقلها إلى الخارج. وجاء في مرجع آخر أن جزءا من مكتبته سلمه إلى صديقه الخطيب الذي تركه بدوره لابنه قصي (ابن الخطيب) (١). ... وسنكتفي الآن بذكر بعض المكتبات الخاصة التي شاهدناها أو تعاملنا مع أصحابها أو اطلعنا على وصف لها. أما ما يردده البعض أحيانا من أن لفلان مكتبة ومخطوطات فلا يخلو من مبالغة. ولو سلكنا طريق السماع فقط لكان كل عالم وكل زاوية وكل مثقف له مكتبة جديرة بالحديث عنها هنا. ولكن لا يشك أحد في قيمة مكتبة ابن أبي شنب مثلا. كما أن اهتمامنا منصب على المكتبات التي تحتوي على مخطوطات عربية تراثية ووثائق ومراسلات وليس مجرد مكتبات تحتوي على بعض الكتب المطبوعة أو المدرسية. وعلى هذا يمكننا ذكر مجموعة من المكتبات الخاصة، ولا سيما تلك التي عانت من الضياع والتلف: ١ - مكتبة محمد بن الحاج حمو: وهو من مليانة، وكان في دولة الأمير متوليا تمويل الجيش. وعند انهيار هذه الدولة فز محمد بن الحاج بنفسه وأهله واعتصم بشعاب جبال بني مناصر. وظل متخفيا هناك، وكان

стр. 2336

الفرنسيون يهاجمون الفارين سنة ١٨٤٢، فضاعت مكتبته وأوراقه ودفاتره (١). ٢ - مكتبة محمد الطاهر المحفوظي المعسكري: وقد تولى القضاء في غريس ووهران وتلمسان، وكان من علماء الوقت خلال الاحتلال، ثم أصبحت أسرته تعرف بأسرة (الخطيب) بعد تغيير الحالة المدنية. ويقول عنه الشيخ المهدي البوعبدلي: لقد جمع خزانة كتب معظمها نقله بيده (٢) (أي نسخة). وقد ترجمنا له باختصار في مكان آخر. ٣ - مكتبة أبي حامد المشرفي: وكان قد هاجر إلى المغرب الأقصى، وزار الجزائر بعد انتهاء المقاومة، وأدى فريضة الحج، وعاش وتوفي بالمغرب. وسنترجم له في فصل التاريخ والرحلات. ويقول عنه الشيخ البوعبدلي إنه عندما هاجر باسرته إلى المغرب حمل معه خزانة كتب أنقذها من الضياع (٣)، وقد اطلعنا على بعض مخطوطاته في خزائن المغرب. ٤ - مكتبة خليفة بن حسن القماري: وهو من علماء قمار قبل الاحتلال ويعرف بنظمه لمختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي. ومكتبته آلت إلى ابنه، ثم إلى ورثة آخرين من العائلة، وظلت تنتقل في الأيدي إلى أن استقرت عند المرحوم الصادق قطايم، أحد أحفاده. وقد توفي هذا أوائل الثمانينات في عهدنا. وقبل وفاته أطلعنا على بقايا المكتبة الموضوعة في صناديق وحقائب. وهي مخطوطات أغلبها في التراث الفقهي والنحوي وما إليه، كما تشتمل على بعض المنظومات والتقاييد التي تركها الشيخ خليفة وبعض مراسلاته مع علماء الوقت. وبقية المكتبة اليوم عند أبناء السيد قطايم (٤).

стр. 2337

٥ - كثيرا ما ذكر لي الشيخ البوعبدلي في مراسلاته معي مكتبة المفتي حميدة العمالي. وقد كان العمالي من رجال الدين الذين توارثوا العلم والكتب في العاصمة، وكان من علماء القرن الماضي الذين لهم بعض التحارير والتقاييد. وجاء في إحدى رسائل البوعبدلي عبارة غامضة يفهم منها أن مكتبة الشيخ العمالي - خزانته، كما يقول - قد آلت إلى مفتي وهران في آخر القرن الماضي، وهو علي بن عبد الرحمن الذي كان تلميذا للعمالي. يقول البوعبدلي إن الخزانة قد ختم بها المطاف بوهران سنة ١٣٢٤ (١). وكان البوعبدلي يملك بعض الآثار من مكتبة الشيخ العمالي، كما سبقت الإشارة. وكذلك كان يملك كناشا هاما- فيه رسائل ومساجلات لمحمد بن رأس العين وسعيد بن الشباح وغيرهما. (فكناشں ابن رأس العين ورسائله التي كان يحررها - بعضها لباشوات الجزائر - في مختلف المواضيع، رائعة تجعل صاحبها في مصاف كتاب ذلك العهد (العهد العثماني) بالمشرق والمغرب) (٢). ٦ - مكتبة شعيب بن علي: وهو قاضي تلمسان الذي بقي حوالي أربعين سنة في منصبه، وكون مكتبة فخمة وراسل وألف (٣). وكان والد الشيخ البوعبدلي من تلاميذ القاضي شعيب. وكان يستعير من شيخه مخطوطات يشترط عليه إرجاعها في مدة محددة. وكان القاضي شعيب يستشهد ببيتي ابن القنفذ حول إعارة الكتب حتى يحث المستعير على العناية بها وإعادتها أو يتخلص من الإعارة تماما، وهما قوله: بالله يا مستعير الكتب دعني ... فإن إعارة الكتب عار فمحبوبي من الدنيا كتابي ... وهل أبصرت محبوبا يعار

стр. 2338

وكان القاضي شعيب يقول لوالد الشيخ البوعبدلي: (ولما كنت أعز علي منها - الكتب - فإلي أرسلته إليكم) (١). وقد ورث أبو بكر عبد السلام بن شعيب مكتبة والده، ولا ندري الآن مصيرها. ٧ - مكتبة مصطفى الأغواطي: وهو مصطفى بن موسى خريج المدرسة الثعالبية الشرعية. وكان قد أقام سنوات طويلة، كما يقول الوعبدلي، في موريطانيا، ودرس هناك في إحدى الثانويات، وكان من تلاميذه أول رئيس لموريطانيا، وهو مختار ولد دادة. وقد جمع مصطفى الأغواطي (خزانة مخطوطات كلها درر). ودعا الشيخ المهدي لزيارتها في منزله. وكان قد رجع (الأغواطي) إلى الجزائر بعد الاستقلال (٢). ٨ - مكتبة أحمد الأكحل: وكان قد تخرج أيضا من المدرسة الثعالبية الشرعية، وهو من أسرة عريقة، وكان يقرض الشعر ويتعاطى الأدب. وله بعض المؤلفات سنعرض إليها. وقد نشر في بعض الصحف خلال الثلاثينات كما نشر في مجلة (هنا الجزائر) في الخمسينات. وبعد الاستقلال توظف في وزارة الشؤون الدينية. ويقول الشيخ البوعبدلي عنه: (لا شك أنه كان يملك بعض نوادر المخطوطات إذ والده كان أمين الدلالين). وكان يملك نسخة من تاريخ ابن المفتي (القرن ١٨ م) وفيها أن أحمد بن عمار من الواردين على العاصمة من مستغانم بينما تذهب نسخة أخرى إلى أنه ورد إليها من تلمسان (٣). ٩ - مكتبة المولود الحافظي: وكانت داره في بني حافظ. وكان من العلماء البارزين خلال هذا القرن. وله ثقافة واسعة، سيما في الفلك. وتولى

стр. 2339

رئاسة جمعية علماء السنة. وعاش إلى سنة ١٩٤٨ وكان عندئذ مديرا للمعهد الكتاني. أصبحت داره خلال حرب التحرير مركزاه عسكريا فرنسيا. ويقول الشيخ علي أمقران السحنوني: (وكانت كتبه وآثاره مدفونة في فناء الدار، ثم اكتشف هذا الكنز) أحد الضباط الفرنسيين (فأخذه كله) وضاع. ثم يقول: ولعل بعضه موجود الآن في سطيف وبوقاعة (١). ١٠ - مكتبة ابن شعلان: كانت أسرة ابن شعلان، حسب الشيخ علي أمقران، من الأسر العلمية في بجاية. وقيل إنها تتوفر على (مكتبة عظيمة)، ومن ذخائرها كما قيل، (النبذة المحتاجة في أخبار صنهاجة)، ويغلب على الظن أن المكتبة ما تزال موجودة إلى الآن (٢). ولكن هذه المعلومات سماعية، وكثيرا ما يبالغ الرواة. ١١ - مكتبة بودريوة: ونعني به الحاج بهلول الهاشمي بودريوة الشرقاوي البجائي. وقد أخبرني الشيخ علي أمقران أن أخاه محمد الصالح قد قام بوضع قوائم بمحتويات المكتبة المذكورة، وانتهى منها في ٣٠ نوفمبر، ١٩٧٧، فبلغت المجاميع وحدها ثلاثة عشر مجموعا، وفي كل مجموع عدد من الكتب والأوراق والرسائل من مختلف الفنون كالنحو والقراءات، والدين والتوحيد، الخ. ومن بينها شوارق الأنوار للحسين الورتلاني في التصوف والمناقب، ومجموع في الأخبار والأنساب والتواريخ من ١٤٨ صفحة (٣). ١٢ - مكتبة ابن سماية: وهو الشيخ عبدالحليم الذي اشتهر أوائل هذا القرن بالعاصمة، وكان هو ووالده من المدرسين والأعيان. وصفه المترجمون له بأنه كان جماعا للكتب القديمة والحديثة والمخطوطة والمطبوعة. وكان يشتريها أو يستنسخها على الطريقة القديمة، وذكر الشيخ

стр. 2340

دبوز أنه كان لابن سماية (خزانة تحتوي آلاف الكتب النفيسة) ولكن أكثرها قد ضاع حين جاء بعض علماء المغرب (لعله يقصد الكتاني) واستعاروها منه وهربوها إلى باريس (١)!. ١٣ - مكتبة خمار: وهو أحد شيوخ العلم في بسكرة أوائل هذا القرن. وفي وصف المعاصرين له ذكروا أنه كان ولوعا بجمع الكتب الخاصة به، وكانت مكتبته متنوعة وهامة وأنه كان محبا للكتب. وكان تلاميذه يستفيدون منها (٢). ١٤ - مكتبات أخرى: لا نشك في أن هناك علماء وغير علماء لهم مكتبات خاصة صغيرة أو كبيرة، ذات قيمة ضئيلة أو عظيمة. ولكن لا سبيل إلى استقصائها كلها. وحسب معلوماتنا السماعية أو الظنية، فإن ممن كانوا يملكون مكتبات معتبرة وفيها بعض المخطوطات هم الشيوخ، عبد الكريم التواتي بتمنطيط، والبشير الرابحي الذي تولى الفتوى في عدة بلدان، وابن الحاج موسى بالعاصمة، وعبد المجيد بن حبة في المغير، ومحمد التواتي في بسكرة، والأمير في باتنة، وأحمد بن حسن الشرقي والحاج العربي بن شنوف نواحي وهران، ومحمد الهاشمي بن بكار في معسكر، والطاهر العبيدي وأخوه أحمد العبيدي في تقرت والوادي، وأحمد خراز، ومصطفى السالمي بالوادي، وأحمد بن أبي الضياف، بتاغزوت، وأحمد بن عبد الباقي، والطاهر التليلي بقمار، وابن الموهوب ونعيم النعيمي في قسنطينة، ومحمد البشير الإبراهيمي الذي جمع مكتبة هامة أثناء إقامته في القاهرة. ثم مكتبات بعض المهاجرين إلى المشرق والمغرب من أسرة الأمير عبد القادر وأسرة المشرفي. ...

стр. 2341

ولعله لا يكفي أن نقول إن مصير المكتبات الخاصة والعامة كان التلف والحرق والإهمال خلال العهد الفرنسي. يقول ليبيشو، مدير التعليم في الجزائر خلال الستينات من القرن الماضي، إن المخطوطات كانت متوفرة في مختلف المدارس (والزوايا) التي كانت بدورها منتشرة في المدن والأرياف. وكانت المخطوطات هي قاعدة الدراسة وفهم الدين. غير أن هذه المخطوطات قد أتلفت في أغلبها نتيجة الحملات العسكرية وتفريق الطلبة والعلماء (١). وكان على ليبيشو أن يضيف أيضا، أن المخطوطات قد انتزعت من أصحابها عن طريق الإفقار والتحايل ومصادرة المؤسسات العلمية والدينية، والهجرة، والاغتصاب. فالحروب لم تكن إلا إحدى العوامل في تلف المخطوطات واختفاء كثير من المكتبات. وأثناء الثورات وحالات الطوارئ التي كانت تعلن خلال الحربين العالميتين، كان شك الفرنسيين يحوم أيضا حول كل كتاب بالعربية سواء كان مخطوطة أو مطبوعا. وإذا لم يفهموه، وقلما يفهمونه، كانوا يمزقونه أو يحرفونه، مع إيذاء صاحبه واتهامه بإخفاء المناشير السرية والوثائق المحرضة. وقد حدث ذلك خلال ثورات ١٨٧١، ١٩٤٥، ١٩٥٤. ويقول الشيخ المهدي البوعبدلي إن الحكومة الفرنسية في الجزائر قد مزقت خزائن الكتب وأتلفتها أثناء الحرب العالمية الأولى لأنها كانت متشددة، حسب تعبيره (٢). النساخة والنساخون الحاج علي بن القيم: كان هذا الشيخ نساخا وجماعا للكتب أيضا رغم ترحاله الكثير. وقبل أن نتحدث عنه ناسخا نقول إنه جمع مكتبته من النسخ

стр. 2342

ومن الهدايا، ولا نظن أنه كان يشتري الكتب نظرا لفقره. والحاج علي بن القيم من مواليد قمار في أول القرن الثالث عشر الهجري. وتوفي حوالي ١٩٠٨. وهو الحاج علي بن محمد بن مبارك المعروف بالقيم (بكسر القاف ومدها). وما تزال به بقايا مكتبة يبدو أنها كانت هامة، وهي عند ورثته في قمار. وقد ضاع جلها وتآكل الباقي المحفوظ في صناديق وحقائب. وقد تفضل بعض الورثة فتركوني اطلع وأعمل في المكتبة إلى أن قضيت منها حاجتي سنة ١٩٨٣. وكان الشيخ علي حاذقا في فن النسخ الذي كان يكتسب منه، فينسخ الكتب ويبيعها، وكان بعض الأعيان يطلبون منه نسخ كتاب معين فيفعل ويأخذ على ذلك أجره، وهكذا. وأثناء تنقلاته كان بعض الأعيان يهدونه الكتب المطبوعة ذات الأجزاء أحيانا. ولعلهم كانوا يهدونه مخطوطات أيضا. وكان بعضهم يحبس عليه الكتب تحبيسا. وقد وجدنا نماذج من ذلك. ففي سنة ١٣٢٤ (١٩٠٧) حبس عليه الحاج الأخضر بن محمد بن الطيب، باشاغا الأرباع، كتاب (المدونة) المطبوع، في أربعة أجزاء. كما حبس عليه السيد النوي بن القندوز كتاب شرح عبد الباقي الزرقاني على مختصر الشيخ خليل. وحبس عليه السيد مسعود بن الحاج النوي جميع أجزاء حاشية الدسوقي على الدردير، في أربعة أجزاء مطبوعة أيضا، وتاريخ التحبيس هو ١٣ شوال ١٣٢٦. ومن آثار المكتبة شرح بهرام على مختصر خليل، وهو شرح يعود إلى سنة ٧٩٧ هـ وأما نسخه فيعود إلى حوالي قرن بعد ذلك (٨٩٠)، ونسخة من الدرة النحوية لابن يعلي الفاسي، وهي من نسخ محمد المهزيل (المزيلي؟) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الدائج بن علي الغريسي عام ١١٤٠ (١). وشرح الجرومية للراعي الأندلسي منسوخ بالجزائر عام ١١٤٠.

стр. 2343

وفي المكتبة أيضا بعض المراسلات، منها رسالة مرسلة إليه من بسكرة فيها بعض أسماء علماء الوقت مثل الشيخ أحمد بن دغمان (سنة ١٢٩٥ هـ). ومن أعمال الشيخ علي نفسه وجدنا في المكتبة رجزا في التوسل في أبيات، وعدة خطب في موضوع الأعياد بقلم ابنه محمد البرقي. ولا ندري هل هي من وضع الأب أو الابن. ويغلب على الظن أنها للابن، لأن محمد البرقي قد تولى الإمامة بأحد المساجد بقمار قبل هجرته إلى الحجاز. كما توجد في المكتبة مجموعة من الخطب لا ندري أصحابها. ولعلها كانت في ملك ابنه (محمد البرقي). ووجدنا تعليقا يبدو أنه للحاج علي نفسه، وهو تعليق على منظومة في الطب لأحمد بن صالح (المتوفى سنة ١١٠٣) مضيفا إلى النسخة التي نسخها بيده تعريفات لأسماء الأعشاب في حوالي أربع صفحات (١). أما الكتب التي نسخها الحاج علي وكانت لها آثار في بقايا المكتبة، فهي كتاب في الفقه نسخه سنة ١٢٩١ في قمار. ونسخة من منظومة الطب المذكورة التي يبدو أنه نسخها لمن طلبها منه، ونسخة من كتاب (الترح في منظومة ابن فرح)، سنة ١٣٢٢، وكتاب الهيئة لعبد الرحمن الفاسي ١٣٠٢. ولكن الكتب التي نسخها الشيخ تذهب عادة إلى أصحابها، ولا يبقى له منها إلا بعض التواريخ والآثار الدالة عليها فقط. ولا نستطيع أن نبني بسهولة حياة هذا الشيخ الجوالة الذي مهر في علم النسخ إلى أخريات أيامه رغم وجود المطابع، ولكنا نقول إن مهارته قد تكون راجعة إلى جمال خطه واتقانه. أما حياته فما تزال مجهولة عندنا. والظاهر أنه تعلم في قمار وتونس (نفطة؟)، وقد أدى فريضة الحج كما يدل اللقب الديني المضاف إلى اسمه، ولكننا نعرف عن بعض الأماكن التي أقام فيها أو

стр. 2344

تردد عليها وبعض تواريخ ذلك. وكان أمثاله من علماء المنطقة يذهبون إلى المدن الشمالية والتل للهروب من شظف العيش والحرارة الصيفية، وفي الغالب كانوا يرجعون إلى مسقط رأسهم مع بداية موسم الخريف. ويبدو أن الشيخ علي كان يفعل ذلك. وزادت مهنته من حبه للتجوال بين المكتبات والزوايا وأهل العلم، ولو طلب من أحد أن يكتب عن الجزائر العلمية في مدار هذا القرن لكان هذا الشيخ من الفرسان لمعرفته بأمور كثيرة تتعلق بالتعليم والدين والمكتبات. ولكنه كان منشغلا بأشياء أخرى عن التآليف. وحسبما وجدناه مسجلا في أوراقه المحفوظة، وعلى بعض نسخ المكتبة فإن الشيخ قد زار البلدان والمناطق الآفة في أوقات مختلفة: العاصمة ١٣٠٢، ولعله زارها أكثر من مرة ولكن ذلك هو ما وجدناه مسجلا. ونفس الشيء يقال عن بعض الأماكن التي سنذكرها، وهي سوق أهراس التي كان بها في ذي القعدة سنة ١٢٩٩، حسب نسخة بخطه جاء فيها: (حين غربتي عن أهلي، وذلك لامتحان الزمان واحتياجي إلى الله). وهذا تعبير قد يكون فيه تلميح إلى غربة اضطرارية لأسباب سياسية أو اقتصادية، لأن ذلك معنى الابتلاء الذي أشار إليه وحاجته إلى معونة الله. وكثيرا ما وجدناه يقصد الأوراس ولا سيما بلدة زوينة ومنعة، وكذلك بسكرة، إضافة إلى نفطة بتونس. وكان ربما من أتباع الطريقة القادرية، لأنه ذكر عدة مرات زاويتين ترجعان إلى هذه الطريقة وهما زاوية ابن عباس بالأوراسں (منعة)، وهي قادرية بالتأكيد، وزاوية سيدي الحسين، بنفطة، ولعلها هي زاوية الشيخ الحسين بن إبراهيم، وهي أيضا قادرية، وكان الحسين أخا للشيخ الهاشمي صاحب زاوية عميش. وقد يكون الحاج علي من المنتمين لعدة زوايا أو طرق صوفية، لأن مهنته تقتضيه ذلك، وكذلك التغطية السياسية كانت ضرورية بالانتماء إلى عدة طرق في نفس الوقت (١). ...

стр. 2345

أطلنا عن قصد في الحديث عن الحاج علي بن القيم لأنه من أبرز النساخ المعروفين في عهد الاحتلال. ونقول المعروفين لأن هناك من لا نعرفهم، وربما يتفوقون عليه. ولكن النساخة عانت في هذا العهد نتيجة ظهور الطباعة وتقدمها. ولم يسبق اللجوء إلى النسخ إلا عند انعدام المطبوع، أو الاحتفاظ بنسخة خطية تكريما للخط الجميل عند المحافظين على هذا الفن، سيما في المصاحف التي يتفنن النساخ في إخراجها وتذهيبها وزخرفتها. وقد كان بعض الناس يكرهون، وربما يحرمون، المصاحف المطبوعة بحرف المطبعة ويفضلون عليها خطوط اليد. ونلاحظ أن النساخة بقيت شائعة في الأرياف عموما حيث الزوايا والحياة الدينية والعلمية التي لم تتأثر بالغزو الثقافي الأجنبي. وكان بالعاصمة سوق شهير للوراقين قضى عليه الفرنسيون منذ الأيام الأولى للاحتلال. كما قضوا على مختلف الصنائع المحلية، ثم عادوا يتأسفون عليها بعد أن صوح نبتها وانقرض جيلها. وحين تذكروا ذلك في آخر القرن الماضي أخذوا يلاحظون الفرق الموجود في صناعات المغرب وتونس، وحاولوا الاستعانة بها لإنشاء وتطوير الصناعات التقليدية في الجزائر على أساس أنها قريبة الصلة بها وبالأندلس (١). وفي زواوة وبجاية اشتهر محمد الطاهر بن محمد السعيد بن إسماعيل الزواوي الوغليسي بفن النساخة. وكان قد عاش حتى أدرك الاستقلال (١٨٧٣ - ١٩٦٩). ومن خطه عدة نسخ من كتاب علي بن فرحون في الأنساب. وكتاب ابن أبي جمرة في الحديث، وشوارق الأنوار للورتلاني، وغيرها (٢). ويذكر الشيخ المهدي البوعبدلي أن الشيخ البشير محمودي البرجي (خطاط شهير). وأنه ورث خزانة كتب أسلافه، وكان كلما اطلع على وثيقة

стр. 2346

هامة في هذه المكتبة أطلع عليها البوعبدلي. ولأريحته استغله بعض الناس فبذر مكتبته إذ كانوا يستعيرون منه الكتاب ثم لا يرجعونه إليه. ولم يذكر البوعبدلي هل كان الشيخ البرجي ينسخ الكتب لنفسه أو لغيره أيضا (١). وفي العاصمة اشتهر علي بن الحاج موسى وعمر راسم وعمر بن سماية بالخط والزخرفة الفنية. ولا ندري إن كان عمر راسم قد نسخ الكتب، فلعله كان خطاطا فقط يجود الكتابة ويتمتع بجمالها أو يفعل ذلك لأغراض فنية علمية كالرسومات واللوحات. وكانت جريدة المبشر قد استجلبته ليعمل فيها خطاطا ورساما. أما عمر بن سماية فقد عثرنا له على لوحات فنية - دينية وزخرفة بالمنمنمات مع خطوط جيدة، ولكننا لا نعلم أنه كان نساخا للكتب. أما ابن الحاج موسى فقد كان مؤلفا وناسخا. وهو ما يعنينا هنا، إذ كان يجمع الكتب، وينسخها بنفسه فكون بذلك مكتبة لنفسه (٢). وكان الشيخ محمد أرزقي بن محمد السعيد المهداوي أمغار قد اشتهر بالنساخة أيضا. وكان حيا سنة ١٢٩٥. وكانت عائلته من عرش بني عباس بوادي بو مسعود (الصومام) أصلا ثم استطونت الجزائر. وذكر له علي أمقران عدة منسوخات في الكتب المدرسية القديمة مثل شرح خالد الأزهري على مقدمة الأجرومية ومجموعة من كتب الدين والتصوف مثل الاستغاثات والأدعية (٣). ويذهب علي أمقران إلى أن كل أبناء ابن أبي داود خطاطون ونساخون. وقد تركوا آثارا بذلك، وأن أكثر من نصف مكتبة هذه العائلة مخطوط. وكان جده (محمد السعيد السحنوني المتوفى سنة ١٩١٤) شديد الولع بالنساخة أيضا، ولا سيما نسخ المصحف الشريف والكتب المتداولة عند الطلبة، وكان له خط واضح مقروء بسهولة. وكان الجد المذكور غير مهتم بالتأليف،

стр. 2347

ولذلك كرس اهتمامه للنسخ (١). ومن الشائع قديما أنه قلما يجتمع حب التأليف أو موهبته مع حب النسخ وموهبته، لأن المؤلف يشتغل بالتفكير أكثر من الخط عكس النساخ الذي يهتم بجماليات الخط أكثر من صيد الأفكار. وبعض المؤلفين لا تكاد تقرأ لهم خطا لسرعتهم في الكتابة وانشغال الذهن وحركة القلم والأصابع حتى أنهم كانوا ينسون بعض الكلمات في أقلامهم دون أن يخطوها بأيديهم على الورق، وهم يظنون أنهم كتبوها. وفي قسنطينة اشتهر محمد الصالح العنتري بحسن الخط. وهو من عائلة كانت، فيما يبدو، تشتغل بالخطاطة والنساخة، إذ وجدنا مجموعا بخط أحمد بن محمد العنتري (ربما هو والد محمد الصالح) ويرجع إلى سنة ١٢٢٣ (١٨٠٨) ويتضمن خلاصات لكتب وأخبارا ومختارات في السياسة والخطابة والرسائل، منها كتاب سلوك المسالك في تدبير الممالك لابن أبي الربيع، ومجموعة من القصائد في المراثي لأدباء تونس (٢). وكان أحمد العنتري كاتبا موظفا عند الحاج أحمد، باي قسنطينة، وقيل إنه تخلص منه في ظروف غامضة متهما إياه بأخذ الرشوة من الفرنسيين. أما إبنه (محمد الصالح) فقد ارتفع مقامه عند رئيس المكتب العربي البارون بواسوني وأصبح من كتاب المكتب العربي لحسن خطه. وقد اطلعنا له على بعض الرسائل وعلى تقييده المسمى مجاعات قسنطينة بخطه، فكان خطه على درجة جيدة من الدقة والفن. ولكننا لا نعلم أنه نسخ الكتب أو اشتغل بالوراقة (٣). وأثناء تصفحنا لبعض المجاميع في مكتبة أحمد بن السائح في بسكرة بتاريخ ٢١ سبتمبر ١٩٨٣، عثرنا على عدة أعمال تذكر الناسخين، وأغلبهم كانوا من قمار أصلا وكانوا يقيمون أو يترددون على بسكرة. منهم: أحمد بن

стр. 2348

سالم الباي، بتاريخ ١٣٠٧ (١٨٨٩)، وعلي بن مبارك بن سالم الباي، ومحمد بن قدور بن علي بن فرحات الذي له منسوخات ترجع إلى سنة ١٢٩٥ (١٨٧٨)، وعلي بن الحاج صالح بن فرحات بن بلقاسم الذي نسخ للحاج محمد بن عمار بن أحمد بن عبدالله، سنة ١٣٠١. أما أحمد بن عمارة بن سعيد العمري فقد نسخ سنة ١٣٠٦ كتاب وصف طيبة (المدية المنورة)، وكان الشيخ أحمد العمري (من أولاد عمر) إماما في جامع الشريعة بقمار. وفي مكتبة الشيخ الحاج علي بن القيم بقمار أيضا وجدنا نسخة من الشاطبية المعروفة بحرز الأماني في القراءات من نسخ أحمد بن محمد بن بلقاسم السوفي نسبا التماسيني دارا (سنة ١٢٩٨) كما وجدنا عملا منسوخا آخر في القراءات لمحمد بن أحمد بن عبد الله بن دغمان سنة ١٢٩٧. وقد عرفت عائلة ابن صارمشق في تلمسان بجودة الخط والنسخ والرسم والهندسة. وكلها فنون متصلة ببعضها. وأثرت هذه العائلة بفنها على المنطقة فوجدنا آثار ابن صارمشق في معسكر وغيرها، وكان أحد أفرادها يقيم بالجزائر سنة ١٨٥٩ (١). ونعرف من مراسلة جرت بين إيميل ماسكري، عميد مدرسة الآداب وأحد التجار الميزابيين في قصر البخاري سنة ١٨٨١. أنه كان في غرداية نساخ ماهر (لعله هو الذي كان ينسخ الكتب أيضا للشيخ أطفيش)، ومنها ما نسخه لماسكري وأوصله إليه عن طريق التاجر المذكور (٢). وحين ذكرت ترجمة الشيخ محمود بن الشيخ علي بن الأمين ذكر معها

стр. 2349

أنه كان (نساخا عجيبا) للكتب. وقد عرفنا في مكان آخر أن هذا الشيخ هو الذي استعمل قلمه في (المبشر) وتولى التدريس بالجامع الكبير بالعاصمة وكان إماما في الليسيه (الثانوية)، وأنه توفي في ١٧ فبراير ١٨٩٧. وذكر أبو القاسم الحفناوي أن والده كان له (خط جميل لا نظير له في الجزائر)، وكان قد تعلمه في نفطة عندما كان تلميذا، للمدني بن عزوز في الزاوية الرحماية - العزوزوية. ونفهم من كتابة الحفناوي أن والده اعتمد في معيشته على الزراعة ونسخ الكتب. وكانت وفاته سنة ١٨٩٣ (١). وكان الحاج الباهي العنابي من أبرز النساخين والخطاطين أيضا. وكان يوقع منسوخاته بعبارة (خديم الطلبة) أي العلماء والمتعلمين. ويغلب على الظن أن إقامته كانت في قسنطينة وليس في عنابة. ومن منسوخاته (نتيجة الاجتهاد) لأحمد الغزال (وكفاية المحتاج) لأحمد بابا، كلاهما نسخة لمحمد العربي بن عيسى، ناظر الأوقاف بقسنطينة عندئذ، وقاضيها زمن الحاج أحمد باي. جاء في نهاية النسخة أنه كتب لسيده (الجهبذ النقاد العالم العلامة ذي السداد، مأوى الفقراء، مولانا أبي عبد الله محمد العربي ناظر النظراء، ببلد قسنطينة ذات الهواء، فما أسعده من بلد احتوى على عالم الوراء) وقد فرغ من النسخ في ربيع الثاني، سنة ١٢٤٨ هـ. وكانت مكتبة محمد العربي بن عيسى، كما سبق، هي إحدى المكتبات الخاصة التي عاث فيها الجنود الفرنسيون عبثا وفسادا، ثم حمل منها بيربروجر ما استطاع إلى العاصمة (٢) وعرف الشيخ أبو يعلى الزواوي بنسخ الكتب أيضا وكذلك بجودة الخط. ونعرف أنه نسخ في شبابه للمستشرق لوسياني كتاب (أعز ما يطلب) لابن تومرت، ورأينا خطه في بعض مراسلاته. واطلعنا على بعض الأوراق

стр. 2350

التي تحدث هو فيها عن الخط وأنواعه. وسنتناولها في الحديث عن فن الخط. ومن أعماله البارزة نسخه للمصحف الشريف. وأبو يعلي هو الذي انتقد بعض معاصريه الذين عاشوا بمهنة الخطاطة والنساخة للكتب بالحروف العربية حتى استغنوا واشتروا المنازل ونحوها، ومع ذلك علموا أولادهم اللغة الفرنسية ولم يدخلوهم الكتاتيب القرآنية ولا الزوايا. وهو يقول عنهم إنهم عاشوا بالعربية وحادوا عنها بأولادهم. وكان يشير بذلك إلى بعض الأيمة والحزابين الذين خدموا العربية ونسخوا القرآن الكريم وغيره وعملوا في المطابع، ثم فضلوا الفرنسية عليها لأولادهم (١). وهناك من اشتهر بنسخ المصحف الشريف فقط، مثل البشير بوكوشة والد الشيخ حمزة بوكوشة. فقد ذكر أن له خمسة وستين نسخة من المصحف. وهو من أهل وادي سوف، وتوفي سنة ١٩٣٣ (٢). المتاحف المتاحف العمومية جديدة في الجزائر، وهي من إنشاءات الفرنسيين. ولم يعرفها الجزائريون إلا في أشكال أخرى خاصة. فقد كانوا يحتفظون بالتحف الثمينة في منازلهم، وقد يخصصون لها جناحا أو جانبا من المنزل. وكانت الأشياء المتحفية تعلق في المنازل للزينة والتباهي. فكم من حوش كان يضم أسلحة فاخرة ومرصعة بالفضة وغيرها. وكانت أسنان الفيل وجلود الحيوانات، والرياش والقطع المعدنية ونحوها، تعتبر من أدوات التجميل في بيوت الأغنياء. وكذلك جهاز الفرس من سرج وعلاقة وخميسة ولجام مما يعتني به النبلاء ويدفعون من أجله الأثمان العالية. وكذلك ما يتمنطق به الفارس وما يلبسه في الحروب كالحزام والسلاح والحذاء والدرع والخوذة، إن هذه التحف كانت تحفظ وتتوارث في كل بيت، وهي جزء هام من التركة عند الوفاة، وكذلك الكتب المخطوطة، كما ذكرنا.
следующие страницы →