هامة في هذه المكتبة أطلع عليها البوعبدلي. ولأريحته استغله بعض الناس فبذر مكتبته إذ كانوا يستعيرون منه الكتاب ثم لا يرجعونه إليه. ولم يذكر البوعبدلي هل كان الشيخ البرجي ينسخ الكتب لنفسه أو لغيره أيضا (١).
وفي العاصمة اشتهر علي بن الحاج موسى وعمر راسم وعمر بن سماية بالخط والزخرفة الفنية. ولا ندري إن كان عمر راسم قد نسخ الكتب، فلعله كان خطاطا فقط يجود الكتابة ويتمتع بجمالها أو يفعل ذلك لأغراض فنية علمية كالرسومات واللوحات. وكانت جريدة المبشر قد استجلبته ليعمل فيها خطاطا ورساما. أما عمر بن سماية فقد عثرنا له على لوحات فنية - دينية وزخرفة بالمنمنمات مع خطوط جيدة، ولكننا لا نعلم أنه كان نساخا للكتب. أما ابن الحاج موسى فقد كان مؤلفا وناسخا. وهو ما يعنينا هنا، إذ كان يجمع الكتب، وينسخها بنفسه فكون بذلك مكتبة لنفسه (٢).
وكان الشيخ محمد أرزقي بن محمد السعيد المهداوي أمغار قد اشتهر بالنساخة أيضا. وكان حيا سنة ١٢٩٥. وكانت عائلته من عرش بني عباس بوادي بو مسعود (الصومام) أصلا ثم استطونت الجزائر. وذكر له علي أمقران عدة منسوخات في الكتب المدرسية القديمة مثل شرح خالد الأزهري على مقدمة الأجرومية ومجموعة من كتب الدين والتصوف مثل الاستغاثات والأدعية (٣).
ويذهب علي أمقران إلى أن كل أبناء ابن أبي داود خطاطون ونساخون. وقد تركوا آثارا بذلك، وأن أكثر من نصف مكتبة هذه العائلة مخطوط. وكان جده (محمد السعيد السحنوني المتوفى سنة ١٩١٤) شديد الولع بالنساخة أيضا، ولا سيما نسخ المصحف الشريف والكتب المتداولة عند الطلبة، وكان له خط واضح مقروء بسهولة. وكان الجد المذكور غير مهتم بالتأليف،
стр. 2347
ولذلك كرس اهتمامه للنسخ (١). ومن الشائع قديما أنه قلما يجتمع حب التأليف أو موهبته مع حب النسخ وموهبته، لأن المؤلف يشتغل بالتفكير أكثر من الخط عكس النساخ الذي يهتم بجماليات الخط أكثر من صيد الأفكار. وبعض المؤلفين لا تكاد تقرأ لهم خطا لسرعتهم في الكتابة وانشغال الذهن وحركة القلم والأصابع حتى أنهم كانوا ينسون بعض الكلمات في أقلامهم دون أن يخطوها بأيديهم على الورق، وهم يظنون أنهم كتبوها.
وفي قسنطينة اشتهر محمد الصالح العنتري بحسن الخط. وهو من عائلة كانت، فيما يبدو، تشتغل بالخطاطة والنساخة، إذ وجدنا مجموعا بخط أحمد بن محمد العنتري (ربما هو والد محمد الصالح) ويرجع إلى سنة ١٢٢٣ (١٨٠٨) ويتضمن خلاصات لكتب وأخبارا ومختارات في السياسة والخطابة والرسائل، منها كتاب سلوك المسالك في تدبير الممالك لابن أبي الربيع، ومجموعة من القصائد في المراثي لأدباء تونس (٢). وكان أحمد العنتري كاتبا موظفا عند الحاج أحمد، باي قسنطينة، وقيل إنه تخلص منه في ظروف غامضة متهما إياه بأخذ الرشوة من الفرنسيين. أما إبنه (محمد الصالح) فقد ارتفع مقامه عند رئيس المكتب العربي البارون بواسوني وأصبح من كتاب المكتب العربي لحسن خطه. وقد اطلعنا له على بعض الرسائل وعلى تقييده المسمى مجاعات قسنطينة بخطه، فكان خطه على درجة جيدة من الدقة والفن. ولكننا لا نعلم أنه نسخ الكتب أو اشتغل بالوراقة (٣).
وأثناء تصفحنا لبعض المجاميع في مكتبة أحمد بن السائح في بسكرة بتاريخ ٢١ سبتمبر ١٩٨٣، عثرنا على عدة أعمال تذكر الناسخين، وأغلبهم كانوا من قمار أصلا وكانوا يقيمون أو يترددون على بسكرة. منهم: أحمد بن
стр. 2348
سالم الباي، بتاريخ ١٣٠٧ (١٨٨٩)، وعلي بن مبارك بن سالم الباي، ومحمد بن قدور بن علي بن فرحات الذي له منسوخات ترجع إلى سنة ١٢٩٥ (١٨٧٨)، وعلي بن الحاج صالح بن فرحات بن بلقاسم الذي نسخ للحاج محمد بن عمار بن أحمد بن عبدالله، سنة ١٣٠١. أما أحمد بن عمارة بن سعيد العمري فقد نسخ سنة ١٣٠٦ كتاب وصف طيبة (المدية المنورة)، وكان الشيخ أحمد العمري (من أولاد عمر) إماما في جامع الشريعة بقمار.
وفي مكتبة الشيخ الحاج علي بن القيم بقمار أيضا وجدنا نسخة من الشاطبية المعروفة بحرز الأماني في القراءات من نسخ أحمد بن محمد بن بلقاسم السوفي نسبا التماسيني دارا (سنة ١٢٩٨) كما وجدنا عملا منسوخا آخر في القراءات لمحمد بن أحمد بن عبد الله بن دغمان سنة ١٢٩٧.
وقد عرفت عائلة ابن صارمشق في تلمسان بجودة الخط والنسخ والرسم والهندسة. وكلها فنون متصلة ببعضها. وأثرت هذه العائلة بفنها على المنطقة فوجدنا آثار ابن صارمشق في معسكر وغيرها، وكان أحد أفرادها يقيم بالجزائر سنة ١٨٥٩ (١).
ونعرف من مراسلة جرت بين إيميل ماسكري، عميد مدرسة الآداب وأحد التجار الميزابيين في قصر البخاري سنة ١٨٨١. أنه كان في غرداية نساخ ماهر (لعله هو الذي كان ينسخ الكتب أيضا للشيخ أطفيش)، ومنها ما نسخه لماسكري وأوصله إليه عن طريق التاجر المذكور (٢).
وحين ذكرت ترجمة الشيخ محمود بن الشيخ علي بن الأمين ذكر معها
стр. 2349
أنه كان (نساخا عجيبا) للكتب. وقد عرفنا في مكان آخر أن هذا الشيخ هو الذي استعمل قلمه في (المبشر) وتولى التدريس بالجامع الكبير بالعاصمة وكان إماما في الليسيه (الثانوية)، وأنه توفي في ١٧ فبراير ١٨٩٧.
وذكر أبو القاسم الحفناوي أن والده كان له (خط جميل لا نظير له في الجزائر)، وكان قد تعلمه في نفطة عندما كان تلميذا، للمدني بن عزوز في الزاوية الرحماية - العزوزوية. ونفهم من كتابة الحفناوي أن والده اعتمد في معيشته على الزراعة ونسخ الكتب. وكانت وفاته سنة ١٨٩٣ (١).
وكان الحاج الباهي العنابي من أبرز النساخين والخطاطين أيضا. وكان يوقع منسوخاته بعبارة (خديم الطلبة) أي العلماء والمتعلمين. ويغلب على الظن أن إقامته كانت في قسنطينة وليس في عنابة. ومن منسوخاته (نتيجة الاجتهاد) لأحمد الغزال (وكفاية المحتاج) لأحمد بابا، كلاهما نسخة لمحمد العربي بن عيسى، ناظر الأوقاف بقسنطينة عندئذ، وقاضيها زمن الحاج أحمد باي. جاء في نهاية النسخة أنه كتب لسيده (الجهبذ النقاد العالم العلامة ذي السداد، مأوى الفقراء، مولانا أبي عبد الله محمد العربي ناظر النظراء، ببلد قسنطينة ذات الهواء، فما أسعده من بلد احتوى على عالم الوراء) وقد فرغ من النسخ في ربيع الثاني، سنة ١٢٤٨ هـ. وكانت مكتبة محمد العربي بن عيسى، كما سبق، هي إحدى المكتبات الخاصة التي عاث فيها الجنود الفرنسيون عبثا وفسادا، ثم حمل منها بيربروجر ما استطاع إلى العاصمة (٢)
وعرف الشيخ أبو يعلى الزواوي بنسخ الكتب أيضا وكذلك بجودة الخط. ونعرف أنه نسخ في شبابه للمستشرق لوسياني كتاب (أعز ما يطلب) لابن تومرت، ورأينا خطه في بعض مراسلاته. واطلعنا على بعض الأوراق
стр. 2350
التي تحدث هو فيها عن الخط وأنواعه. وسنتناولها في الحديث عن فن الخط. ومن أعماله البارزة نسخه للمصحف الشريف. وأبو يعلي هو الذي انتقد بعض معاصريه الذين عاشوا بمهنة الخطاطة والنساخة للكتب بالحروف العربية حتى استغنوا واشتروا المنازل ونحوها، ومع ذلك علموا أولادهم اللغة الفرنسية ولم يدخلوهم الكتاتيب القرآنية ولا الزوايا. وهو يقول عنهم إنهم عاشوا بالعربية وحادوا عنها بأولادهم. وكان يشير بذلك إلى بعض الأيمة والحزابين الذين خدموا العربية ونسخوا القرآن الكريم وغيره وعملوا في المطابع، ثم فضلوا الفرنسية عليها لأولادهم (١).
وهناك من اشتهر بنسخ المصحف الشريف فقط، مثل البشير بوكوشة والد الشيخ حمزة بوكوشة. فقد ذكر أن له خمسة وستين نسخة من المصحف. وهو من أهل وادي سوف، وتوفي سنة ١٩٣٣ (٢).
المتاحف
المتاحف العمومية جديدة في الجزائر، وهي من إنشاءات الفرنسيين. ولم يعرفها الجزائريون إلا في أشكال أخرى خاصة. فقد كانوا يحتفظون بالتحف الثمينة في منازلهم، وقد يخصصون لها جناحا أو جانبا من المنزل. وكانت الأشياء المتحفية تعلق في المنازل للزينة والتباهي. فكم من حوش كان يضم أسلحة فاخرة ومرصعة بالفضة وغيرها. وكانت أسنان الفيل وجلود الحيوانات، والرياش والقطع المعدنية ونحوها، تعتبر من أدوات التجميل في بيوت الأغنياء. وكذلك جهاز الفرس من سرج وعلاقة وخميسة ولجام مما يعتني به النبلاء ويدفعون من أجله الأثمان العالية. وكذلك ما يتمنطق به الفارس وما يلبسه في الحروب كالحزام والسلاح والحذاء والدرع والخوذة، إن هذه التحف كانت تحفظ وتتوارث في كل بيت، وهي جزء هام من التركة عند الوفاة، وكذلك الكتب المخطوطة، كما ذكرنا.
стр. 2351
أما الفرنسيون فقد أنشأوا المتحف العمومي على غرار المكتبة العمومية وبموازاتها. وبدأوا ذلك في العاصمة منذ ١٨٣٥ ثم تو سعوا فيه كلما احتلوا الأجزاء الأخرى من الوطن. وهكذا أنشأوا المتاحف في شرشال وقسنطينة وسكيكدة وتبسة وتلمسان ووهران. ثم عممت المتاحف فأصبح في كل مدينة وبلدية متحف. وبذلك أصبحت عندنا المتاحف البلدية والوطنية، والمتاحف المتخصصة في الآثار القديمة والمتخصصة في الآثار الأهلية، ومتاحف الفنون، ونحو ذلك.
وكانت عناية الفرنسيين منذ اللحظة الأولى للاحتلال متجهة نحو الآثار الرومانية من جهة والآثار الكنسية من جهة أخرى. ولذلك اهتموا بجمع كل ما هو روماني وكنسي. وانصبت حفرياتهم على هذا الجانب، وكانوا يعرفون اللاتينية مما ساعدهم على دراسة ما يعثرون عليه وتصنيفه وتحديد تواريخه. وقد بقيت من الآثار الرومانية الظاهرة والخفية أشياء كثيرة لم تؤثر فيها سوى عوامل الزمن، أما الجزائريون فقد حافظوا عليها ولم يرتكبوا ضدها ما ارتكبه الفرنسيون نحو الآثار الإسلامية، رغم أن الجزائريين لم يكونوا يعرفون اللغة اللاتينية ولا ينتمون إلى الجنس الروماني ولا إلى الكنيسة.
أنشأ الفرنسيون أول متحف متلازما ومتزامنا مع المكتبة سنة ١٨٣٥ في عهد المارشال كلوزيل. وكان صاحب المشروع هو أدريان بيربروجر الذي كان محافظا للمتحف والمكتبة معا. وظل المتحف ملازما للمكتبة طيلة عقود. ولم ينفصلا إلا سنة ١٨٩٧. فكان ينتقل معها إلى مكان أوسع من السابق كلما ضاق المكان الأول بهما. وكان المتحف يحتل دائما أحد الطوابق في نفس البناية. وقد قلنا إن افتتاح المكتبة والمتحف لم يحدث فعلا إلا سنة ١٨٣٥ أو ١٨٤٠، حسب بعض الروايات. وفي سنة ١٨٤١ كان المتحف يضم حوالي ٤٠٠ قطعة أو مادة تنتمي إلى مختلف الفئات من التاريخ الطبيعي. وكانت المواد تختار من بين المحنطات والحيتان والطيور التي تنتجها الجزائر. كما يضم المتحف مختلف النماذج من النباتات والمعادن التي تستخرج من البلاد، ومجموعة أخرى من الحشرات والأصداف.
стр. 2352
ومن جهة أخرى أصبح المتحف يحتوي على مجموعة من المسكوكات التي ترجع إلى الميداليات الرومانية وإلى ملوك فرنسا وكذلك المسكوكات القديمة الأخرى من كل نوع، وهي التي عثر عليها بعد إجراء الحفريات إلى ذلك الحين (١).
وبعد سنوات (١٨٤٥) ضاق المكان بالتحف والمعروضات المتحفية، ففصلت عنه الأشياء التي ترجع إلى إنتاج الجزائريين (الأهالي) كالتحف الفنية والغريبة ووضعت في قاعات خاصة في ساحة الجنينة بينما ظل المتحف في ثكنة الإنكشارية هو والمكتبة. وقد أصبح المتحف منقسما إلى عدة فروع:
١ - فرع التاريخ الطبيعي: وكان يضم بالإضافة إلى عدد من الحشرات والتحضيرات الزراعية (بلغت ٤٥ عينة) ١٧ عينة محنطة، و ٢٨٥ من الطيور، و ١٤٦ من الحيتان.
٢ - فرع المعادن: وضعت المعادن في خزائن خاصة، وقد بلغت سنة ١٨٤٥ أكثر من ١، ٢٠٠ نموذجا من المعادن المجلوبة من مختلف أنحاء الجزائر.
٣ - فرع الآثار: وكان عدد المحتويات ما يزال قليلا فيه، فهناك نماذج من أسنان الفيل وتجسيد الحيتان الخ.
٤ - فرع الكتابات والنقوش: والكتابات هنا لاتينية، وكانت بعدد كبير، ولكن ليست بذات أهمية، حسب المصدر الذي أخذنا منه. وكان هذا الفرع يضم أيضا ٢٥ قطعة من المنحوتات المرمرية والتماثيل التي جلبت من رسقونيا وقطعة من تمثال ضخم جيء بها من قالمة، وتمثال وجد في الأبيار، الخ. كما يضم هذا الفرع كتابات عربية قالوا إنها ذات أهمية بالغة بالنسبة لتاريخ البلاد، وكانت بعدد كبير. وفي هذا الفرع أجزاء من شواهد قديمة (شواهد القبور) ولكن بدون تواريخ. وفيها شواهد مكسرة أو غير مقرؤة. وفي نفس السنة (١٨٤٥) عثر على شاهد قبر حسن آغا قائد الدفاع عن
стр. 2353
الجزائر ضد شارلكان سنة ١٥٤١. وقد أضيف إلى المجموعة.
٥ - فرع الميداليات والنقود: وقيل إن عددها كان كبيرا، ولكن فحصها لم يكشف عن أهمية خاصة لها حتى إلى سنة ١٨٤٥. وترجع إلى عهد الامبراطورية الرومانية. أما مجموعة النقود العربية فما تزال قليلة عندئذ. ولكنها كانت تحتوي على بعض النقود المغربية القديمة. وبعضها من الذهب، أو الفضة أو النحاس، وهي ترجع إلى العهد الفاطمي. كما أن بعض النقود ضربت في مختلف المدن، وتعتبر من الأهلية. ومن هذا الفرع أيضا نقود أجنبية وأفريقية وأوربية، كانت تستعمل في الجزائر، ونقود أخرى كانت تستعملها الشركة الفرنسية للتبادل مع الجزائريين في مدينة القالة قبل الاحتلال، وهذه العملة تسمى (شكوطي؟).
بالإضافة إلى هذه الفروع، ضم المتحف نماذج من السيوف الأندلسية التي ترجع إلى القرن ١٥، وبعض الدروع التي كان بيربروجر قد اغتصبها من مالكيها من قسنطينة سنة ١٨٣٧ مع المخطوطات التي أشرنا إليها. وهناك المصابيح، وكذلك بعض الجرار الخزفية المصنوعة في شرشال أو في تونس.
وظل المتحف في الجزائر يتحسن حاله وتثرى محتوياته إلى أن بلغ النضج والاستقلال عن المكتبة. ففي سنة ١٨٣٨ انتقل إلى دار الحاج عمر التي أشرنا إليها في حديثنا عن المكتبة العمومية. وكان المتحف يقع في الطابق الأرضي من البناية. واحتل في هذا الطابق ثلاث قاعات أو غرف (أما الرابعة فكانت مخصصة لحلقة اللغة العربية). وكل قاعة كانت متخصصة في جانب من الجوانب، مثلا القاعة الثانية للآثار الرومانية، والثالثة لمجموعة الحيوانات. أما المجال الذي يقع بين الطابقين فقد وضعت فيه مواد متحفية مثل الأسلحة والآلات والأثاث العربي (١).
стр. 2354
وقد تخصصت المتاحف بعد ذلك، فأصبح كل متحف تقريبا يضم أشياء معينة أو عصورا معينة.
وفي عهد كامبون نشأ المتحف الوطني في حي مصطفى باشا سنة ١٨٩٧، وانفصل عن المكتبة، وتوسع وزيدت فيه أقسام شملت الآثار الإسلامية والبربرية ومصنوعات من القماش والخشب والجلود والزرابي والأسلحة والمطروزات والأثاث، وكذلك المجوهرات. وقد توسع المتحف أيضا في عهد جونار (سنة ١٩٠٣ وسنة ١٩٠٩)، وكان يقع في حديقة عمومية. وأصبح المشرف عليه هو المؤرخ والأثري ستيفان قزال S. Gsell، فطوره وأضاف إليه، وحصل له على ميزانية خاصة وقارة (بلغت سنة ١٩٠٨ عشرة آلاف فرنك سنويا) (١).
وكان متحف شرشال له أهمية خاصة بالنسبة لهذا العهد. ذلك أن الفرنسيين اعتبروا أنفسهم ورثة الرومان وأن كنيستهم هي وارثة الكنيسة الكاثوليكية (الأفريقية)، فعملوا جهدهم على (اكتشاف) هذه الآثار وربط حاضرهم بماضيهم الذي قطعته، كما قال جان بوجولا، عدة قرون من (التوحش الإسلامي). وكانت شرشال ما تزال تحتوي على آثار رومانية ظاهرة. ولكنها كانت تابعة لدولة الأمير عبد القادر إلى آخر الثلاثينات تقريبا.
ومنذ احتلال المدينة سارع الفرنسيون بوضع أيديهم على مسجدها وجعلوه مأوى لما يعثرون عليه من التحف وما تجود به حفرياتهم الأثرية. ولذلك تضخم هذا المتحف (الجامع) بسرعة، حتى أصبح كما قيل من أكبر المتاحف في الجزائر خلال عشر سنوات. وبعد أن ازدادت الآثار به ضاق الجامع بها، فوضعت في دار أخرى واسعة تنازلت عليها السلطات، وربما كانت الدار راجعة إلى أحد الأغنياء الجزائريين الذين عارضوا الاستعمار فاستولت السلطات الفرنسية عليها. وكان أول محافظ لمتحف شرشال هو
стр. 2355
السيد (توماس) ثم (بيكي)، وقد قاما بجمع وتضيف ما يحتوي عليه المتحف من كتابات وتماثيل وميداليات الخ. وأصبحت هذه الأشياء مصنفة إلى فرعين: الفرع الأول يضم ١٩ قطعة كانت محفوظة بعناية وتعتبر مهمة للغاية من الناحية الفنية والأثرية والتاريخية للجزائر. والفرع الثاني تحفظ فيه الأشياء الأقل أهمية. وتحدثت الوثائق عن أن متحف شرشال سنة ١٨٤٩ أصبح يضم أجنحة متخصصة كالتماثيل، والبرونزيات، والقبور، والرصاص، والنقوش، والزخارف المعمارية، والرخامات، والخزفيات الخ (١).
ذكرنا أن متحف شرشال بدأ في جامع المدينة، وكان ذلك سنة ١٨٤٠، وتحت إشراف الجيش والموظفين الفرنسيين. ويبدو أن الجامع قد سقط أو هدم سنة ٦ ١٨٤ فظل المتحف يتنقل إلى أن استقر سنة ١٨٥٦ حين منحه الحاكم العام المارشال راندون، مكانا مناسبا وعين عليه محافظا. وقد عرف المتحف الإهمال سنة ١٨٦٩، ثم أعادت إليه إدارة الجمهورية الثالثة نشاطه ووفرت إليه الإمكانات، فتضاعفت الأشياء المجلوبة إليه، وقام عدد من الباحثين بالعناية به والكتابة عنه مثل لوتيلري، وشميتي، وويل، وهذا الأخير هو الذي أشرف على المتحف مدة طويلة وكتب أطروحته عنه ووضع له فهرسا (كاتلوقا). ويقول الباحث كانيا إن المتاحف كثيرة في الجزائر ولكن متحف شرشال يفوقها جميعا في النوعية والتحف الفنية. ولا غرابة في ذلك لأن الفرنسيين اعتبروا شرشال (القيصرية) امتدادا للعهد الروماني. وفي عهد الحاكم العام كامبون (١٨٩٢ - ١٨٩٧) أعطيت أهمية خاصة للمتاحف وعينت ميزانية للصيانة والتوسيع وجلب المزيد من التحف والتماثيل، كما أعيد تصنيف الأشياء القديمة في المتحف. وفي سنة ١٩٠٠ كان المحافظ له هو (غيور). ونذكر أن السيد قوكلر قام أيضا بوضع فهرس (كاتلوق) لمتحف شرشال. كما قام ستيفان قزال بوضع (الدليل الأثري لضواحي الجزائر) (٢).
стр. 2356
وبناء على وصف فيكتور ويل للكاتلوق الذي قام به قوكلر GAUCKLER لمتحف شرشال فإنه يحتوي على قسمين رئيسيين: الأول هو النص والثاني هو مجموعة (ألبوم) من اللوحات. أما ويل V. WAILLE فقد اهتم بالنص فقط. وكان قوكلر ما يزال شابا عندما وضع الفهرس، ومع ذلك امتدح ويل عمله وقال إنه مكتوب برشاقة وفيه آراء جادة. وكان قوكلر قد أصدر أيضا فهرسا لمتحف قسنطينة. وكان عندئذ يعمل في مصلحة الآثار التابعة للحكومة التونسية (١).
وسرعان ما تكون متحف آخر في سكيكدة التي سماها الفرنسيون فيليبفيل على اسم ملكهم عندئذ (لويس فيليب). وقد ظلوا يستعملون الاسم حتى بعد الإطاحة بهذا الملك سنة ١٨٤٨. فمنذ ١٨٤٥ بدأت المحاولة في إنشاء متحف بهذه المدينة الجديدة. وبدأوا يجمعون له القطع الأثرية التي عثروا عليها أو اغتصبوها. وقيل إن بعض هذه القطع لها أهمية بالغة. ولكنهم استمروا في الحفريات في المدينة وما حولها بحثا عن الآثار الرومانية بالدرجة الأولى. وكان الرومان يسمون مكان سكيكدة (روسيكادة) (٢). ومع تطور الزمن أصبح لسكيكدة متحفها الغني ومسرحها الروماني الذي كان محافظه سنة ١٩٠٦ هو الأديب المعروف بعنصريته (لويس بيرتراند) والذي طالما تغني بالجزائر اللاتينية - الرومانية، التي (اشتراها) الفرنسيون بالقوة، وهو أيضا صاحب مدرسة الأدب الفرنسي في الجزائر (٣).
стр. 2357
وكذلك أقام الفرنسيون متحفاه معتبرا في قسنطينة. وكان أيضا في شكل مكتبة ومتحف. واهتموا منذ ١٨٣٧ بالآثار في هذه المدينة العريقة. فقد أرسل وزير المعارف عندئذ، السيد بيربروجر إلى قسنطينة في مهمة علمية، كما يسمونها. فوضع له هذا تقريرا مختصرا ووعد بتقرير مفصل، وجاء في المختصر ضرورة الاهتمام بالمعالم الأثرية الأدبية العربية التي ستؤدي الحروب إلى وضعها بين يدي الوزير، وضرورة إثراء متحف الجزائر بكل ما له صلة بالعلوم الطبيعية وبقايا الفنون العتيقة، كما أبدى إليه ملاحظات عن آثار إقليم قسنطينة التي كان بيربروجر سجلها قبل احتلال المدينة (سجلها في سبتمبر ١٨٣٧) وأضاف إليها ما سجله عن آثار المدينة بعد احتلالها.
تأسس متحف قسنطينة على إثر الاحتلال (١٨٣٧). وتولاه عدد من الفرنسيين، منهم أرقيل، وبرودوم، وهنقلي الذي كان مسؤولا عنه سنة ١٩٠٣. وفي مجلة (روكاي) مقالات حول المتحف ومحتوياته وتطوراته، سيما سنة ١٨٧٦ - ١٨٧٧، وكذلك ١٨٧٩ - ١٨٨٠. وآخر ما نشر هنقلي قائمة طويلة ومفصلة عن محتويات المتحف. والغريب أنه قال إن بعض المحتويات قد فقدت من المتحف واعتبرها قد سرقت، مثل بعض الفخاريات والقناديل الرومانية، وعددها خمسة عشر قطعة، والميداليات القديمة وعددها ٣٩ قطعة، و ١٦ قطعة فضية قيمتها التجارية تقدر بـ ٤٠٠ فرنك.
أما الكاتلوق الذي وضعه هنقلي للمتحف فيتألف من عدة أقسام أو فروع:
١ - فرع المسكوكات: وفيه الميداليات القنصلية، وميداليات الامبراطورية وامبراطورية الشرق. وكلها تتعلق بعهود رومانية. وكذلك نقود افريقية (المغرب العربي) القديمة، والنقود الاغريقية، والميداليات الحديثة. ولكن لا شيء حول المسكوكات الفينيقية ولا القرطاجنية ولا العربية - الإسلامية.
стр. 2358
٢ - فرع الأشياء القديمة والغريبة: مثل الزجاجيات والقناديل الرومانية والفينيقية، والمنحوتات والفخاريات والفسيفساء، والأشياء المعدنية والأشياء العاجية والخشبية، وبقايا العظام، وكذلك الفخاريات والفسيفساء العربية. وهناك محتويات مختلفة ترجع إلى عهود حديثة.
٣ - فرع الفنون الجميلة: ومن ذلك مختلف الصور، والرسومات، والمنحوتات والمدموغبات Estampes. ومن ين ذلك صور تمثل احتلال قسنطينة من قبل الفرنسيين ومناظر الصيد، وصور الحياة العربية في عمومها في أقليم قسنطينة.
والحق أن الكاتلوق الذي وضعه هنقلي يعتبر من الأعمال الهامة. وقد شمل العهود والدول وجاء خصوصا جهد نوميديا، وعهد قرطاج، وعهد موريطانيا. كما لاحظ أن بالمتحف مجموعة من النقود العربية التي ما تزال غير مصنفة. وهناك حوالي ١٦ من سلسلة نقود فولاذية منصهرة بأشكال مختلفة، وهي من نقود الداي حسين باشا، آخر الدايات. وهي نقود فولاذية ذات ست عشرة زاوية. ومنذ ١٩٠٣ انتقل المتحف إلى مقر بلدية قسنطينة (١).
وفي تبسة كذلك متحف هام تغلبت عليه الآثار الرومانية. وفي الكاتلوق الذي وضعه عنه سابتييه نجد محتويات هامة فصلها المحافظ في حوالي سبعين صفحة. فقد قسمه إلى اختصاصات منها الفخاريات، والفسيفساء، والتماثيل المرمرية أو الحجرية، أو القرمودية، ونماذج من الحمإ (الطين) المشوي ذي الأشكال، والمسلات، والأثريات، والكتابات، والزجاجيات، وأشياء برونزية، ومعادن مختلفة، وقطع من الفخار والحجارة (٢).
стр. 2359
وكما فعلوا في شرشال، أسس الفرنسيون متحف تلمسان في جامع سيدي بلحسن أيضا. (انظر عنه فصل المعالم).
المسرح
المسرح ليس جديدا كل الجدة على الجزائريين. كان عندهم نوع من المسرح يسمى الكركوز ولكن الفرنسيين ألغوه سنة ١٨٤١ بدل أن يطوروه ويهذبوه إن كان صحيحا ما ادعوه عنه من الخشونة والوقاحة. وسنحاول هنا عرض نشأة المسرح الفرنسي في الجزائر وتطوره، ثم نعرض إلى ميلاد المسرح الجزائري أو ظهوره من جديد.
قيل عن الفرنسيين إن المسرح يسير معهم حيثما ذهبوا، فهم يحبون المسرح بمختلف أنواعه، ويعتبرونه لازمة من لازمات حياتهم الاجتماعية. والتمثيل عندهم لا يقتصر على المدنيين بل كان العسكريون يمثلون أيضا، ولا يقتصر الأمر على الرجال وقد مثل بعضهم دور النساء. في كل مدينة احتلها الفرنسيون نصبوا خشبات المسرح ومثلوا عليها بأسلوبهم وبطريقتهم حتى يبكي الباكي ويفرح المحزون ويتحرك الساكن. وكان الجنود أنفسهم يمثلون ويمرحون، ويؤدون دور النساء في المسرحية بدون خجل ولا وجل.
كانت الحركة الرومانتيكية على أشدها في فرنسا (وأوروبا) سنة ١٨٣٠، ثم حلت الواقعية وغيرها من المدارس الأدبية والفنية. وكان المسرح الفرنسي في الجزائر يساير هذه المدارس ويتأثر بها، ولكن الموضوع كان هو الجزائر في أغلب الأحيان. الجزائر بقصصها وتاريخها، برجالها ونسائها، بطعمها المحلي وألوانها، ولذلك كانت المسرحيات الأولى تحمل أسماء معروفة أو مخترعة من الواقع الاجتماعي، مثل العربي، والبدوي، والبربري والميزابي، واليهودي، وسالم التومي، وبابا عروج، وخالد، والكاهنة، ثم القبيلة والواحة، وتوات، والصحراء. ثم أسماء نسائية تاريخية مثل زفيرة وسوفونيزبة، وعائشة، واليهودية، بالإضافة إلى أسماء محمد وقدور وابن
стр. 2360
عيسى. وكذلك موضوعات من ألف ليلة وليلة (١). إن الكتاب الفرنسيين عندئذ كانوا يستوحون من التاريخ المحلي ومن الحوادث ما يؤثرون به على مشاهدي مسرحياتهم، كما كانوا مولعين بكل ما هو غريب ومثير وبعيد عن البيئة الفرنسية التي اعتادت على أنماط معينة من الشخصيات والحوادث. وكانت المسرحيات تعرض في فرنسا وفي الجزائر.
وقد أوحت الجزائر بما لا يقل عن ٤٣ مسرحية بين ١٨٣٠ - ١٩٢٥. وهو عدد قليل وكان حوالي ثلثي هذه المسرحيات محل قبل ١٨٨٠. ولكنها جميعا. كانت، حسب بعض النقاد، مسرحيات ضعيفة وضحلة. وكانت من مختلف الأنواع، فيها نوع الدراما والميلودرامة، والكوميديا، والفودفيل Vaudville . ومن بينها مسرحية (عبد القادر في باريس) التي عرضت في باريس أيضا سنة ١٨٤٢ عندما كان الأمير ما يزال في صولجانه. وقد قدم المسرحية ميرسان وفونتين، وقيل عنها من باب السخرية إنها مسرحية (أكثر رشاقة من أسد وأكثر لطفا من جمل). ومثلت على مسرح المنوعات بباريس.
ومن جهته قدم موقيرو سنة ١٨٣٠ مسرحية (أسير الداي) في باريس أيضا. وكانت للدعاية السياسية والدينية. ولذلك جعل الجمهور يبكي من المصير الذي كان ينتظر الأسرى النصارى على يد جلادي الداي في الجزائر (٢). وتنتهي المسرحية بقتل الأسير وابنته أمام الجمهور. وفي الجزائر مثلت سنة ١٨٤٩ مسرحية عروج بربروس على خشبة المسرح الكبير، وكان صاحب المسرحية هو جوبيان الذي استوحى القصة من واقعة تاريخية وحولها لتتناسب مع الدعاية السياسية والدينية التي تناسب ذوق الجمهور عندئذ
стр. 2361
وتتماشى مع العاطفة الرومانتيكية السائدة. فقد جعل الكاتب زفيرة، وهي امرأة سالم التومي، تكره عروج وتحب الفارس المالطي المسيحي، كما جعلها تطعن عروج بخنجر لأنه قتل زوجها التومي، ثم تتناول السم قبل أن يصل عشيقها المالطي متأخرا، ولما وصل بعد فوات الأوان طعن نفسه بالخنجر وهو يصرخ: (عليك لعنة الله يا عروج!) (١). وهكذا كان في المسرحية أربعة قتلى ليشبع المشاهدون المتعطشون للدم والعنف من الانتقام ثم يغرقوا في الدموع.
المسرح الذي أنشأه الفرنسيون كان يحمل اسم (المسرح البلدي) عادة. وقد أنشأوا ذلك في كل مدينة تقريبا. فكان للعاصمة مسرحها البلدي منذ ١٨٥٣. وقد اشتهرت حفلاته قبل ١٨٧٠، وكان عادة مكتظا بالحضور، ومثلت عليه سارة بيرنار سنة ١٨٨٩ وغيرها من مشاهير الممثلين والممثلات، ويتحدث البعض عن وجود المسرح الكبير (او الامبريالي) سنة ١٨٦٠، وكانت تعرض فيه قطع الأوبرا وحفلات الباليه أربع مرات في الأسبوع. وكان يقع في الساحة الكبيرة قرب باب عزون (الجنينة اليوم؟) (٢). وهكذا كانت التمثيليات والأوبرا وكذلك الباليه تعرض في العاصمة للجمهور الفرنسي الذي يجد التسلية والمتعة وأيضا التعبئة المعنوية. ويبدو أن الجزائريين كانوا يذهبون إلى المسرح أيضا ولكن بعدد ضئيل، سيما في العقود الأولى. وكان بعض الفرنسيين يدعون أعيانا من الجزائريين للتأثير عليهم أو لمعرفة رد فعلهم أزاء بعض المناظر.
ويحدثنا القس بلاكسلي أنه حضر حوالي سنة ١٨٥٨ حفلة تمثيلية في المسرح. وقد جيء بشاب عربي في العشرينات من عمره لتذويقه الحضارة الفرنسية، وكان معه دليل فرنسي. ودارت المسرحية حول سيدة فرنسية تزوجت محبوبها بطريقة فردية دون الرجوع إلى أهلها، وأنجبت ولدا، ثم
стр. 2362
تخاصمت مع هذا الزوج، فتزوجت رجلا إنكليزيا، وجرى بينها وبين زوجها الأول حوار طويل. وقد فهم الشاب العربي أن الحوار سينتهي بقتلها، ولكنها لم تقتل. فخرج العربي غاضبا مما حدث، وكان متعجبا من هذه العلاقات الزوجية المنحلة. ولاحظ بلاكسلي أن هذا الموضوع (الزواج والطلاق وحرية الجنس) هو الموضوع الفرنسي المفضل. وقد انتقد مستوى التمثيل المسرحي وقال إنه سيء لغاية وإن اختيار أنواع المسرحيات كان أسوأ منه. وقد وجد هو نوعا من التسلية في الغناء بمسرح الأوبرا حيث كان العرض طيبا، والثمن زهيدا. وكان الغناء بأصوات نسائية. وكان المسرح من ملاهي الطبقة العليا، كما قال، ولكنه لم يذكر لنا اسم المسرح (١).
ومنذ العشرينات من هذا القرن تطور المسرح، ولم يعد مقصورا على المسارح البلدية وإنما تنوع ونشأت حفلات (القالا GALA) المحببة للعسكريين والشباب، ومثلت كريسنتي (من اليهود) في وهران والعاصمة. كما وظفت مسارح الرومان القديمة، وظهرت فرقة تسمى فرقة (جولة المدن الذهبية) وقدمت المسرحيات الكلاسيكية، ثم توقفت مع الحرب العالمية الثانية.
ويقول مؤرخو الفرنسيين إن المسرح الجزائري (الفرنسي) الحقيقي بدأ بعد ١٩٤٩ وهم يقيسون ذلك بنجاح الفرق الفرنسية الجزائرية في باريس وغيرها من المدن الفرنسية. كما ظهرت مسارح محلية متنوعة في الأحياء الشعبية بالعاصمة على الخصوص. من ذلك مسارح مايو Mayoux ومقهى ومسرح الجوهرة، والمسرح الإيطالي في شارع القناصل، والمسرح الإسباني في باب الواد، ثم المقهى المغنية (من نوع الغناء والتمثيل) التي كونها هيلور في حي مصطفى باشا (٢).
стр. 2363
لقد كانت المسرحيات مرتبطة بالزمن الذي مثلت فيه، أما الأحداث التي عالجتها فكانت أحداثا آنية للدعاية والتسلية. ولذلك فليس من الضروري البحث فيها عن صدق العاطفة وصدق التعبير، لأن تأثيرها مؤقت، ولو فصلت عن زمانها لما بقي فيها أثر، ولا سيما ذلك النوع المعروف بالفودفيل. وقد ضرب شارل تيار أمثلة عديدة على ذلك، منها ذلك الضابط الفرنسي (فريدريك) الذي أحب ابنة مستوطن (كولون) وأراد طلب يدها من أبيها، ولكنه لم يعرف كيف يبوح لها بحبه، إلى أن جاء أحدهم صدفة وروى للأب بطولة فريدريك وكيف أنقذ مزرعة مستوطن من هجوم البدو العرب عليها وكيف قتل عشرين وأسر مجموعة أخرى منهم. ولما جاء الضابط بنفسه إلى الأب بادره هذا بإعطائه ابنته (أرنستين) دون أن يطلبها منه (١).
وهناك مسرحيات كوميدية وأخرى درامية عديدة سنضرب أمثلة عليها بعد قليل. ولكن نلاحظ فقط أن الموضوعات والعناوين هي التي كانت جزائرية، أما الصدق والوفاء للنص والحدث التاريخي فالمسرحيات بعيدة عنه. ومن الكوميديات نجد (هدايا الداي) لسيون، وزهرة تلمسان لقونيه، وهذه المسرحية تعتبر من نوع مسرحيات الصالونات. وهناك مسرحية منديس دكوستا التي جرت في مكتب بولينياك، وقد اعتبرت مسرحية سياسية كوميدية (٢).
وبالإضافة إلى درامة عروج وزفيرة التي أشرنا إليها، تأتي مسرحية الكاهنة. فقد ظهرت على أنها ملكة يهودية جمعت قبائل البربر والجيش الإفريقي واللاتيني ضد العرب المسلمين. ولكن الكاهنة أحبت خالد العربي، واتهم كسيلة خالدا، ودافعت هي عن خالد، ثم جرى حوار آخر بين خالد وكسيلة والكاهنة انتهى بنبؤة من الكاهنة، كما توعد كسيلة خالدا. وعندما حان الموعد الحاسم أنقذ خالد الكاهنة، ولكن هذه ابتلعت سما.
стр. 2364
ومن المسرحيات الدرامية أيضا مسرحية (الجزائر) لديكور، وهي تقع في فصلين وستة مشاهد (لوحات) وخاتمة. وهذه المسرحيات هي التي افتتح بها المسرح الإمبريالي في ٢٩ سبتمبر ١٨٥٣. وكثير هي المسرحيات والقصص المستوحاة من الاحتلال والتي مثلت على المسارح في الجزائر وغيرها (١). وقبل أن نعرض نماذج من أنواع المسرحيات نقول إن النقاد اعتبروها من النوع الذي غلبت عليه الكمية على الكيفية، فقد كان الغرض منها هو كثرة الإنتاج وليس رفع المستوى والوصول إلى أهداف نبيلة. ومن تلك المسرحيات:
نوع الفودفيل
١ - قصة حرب مدينة الجزائر، تأليف كوينار، سنة ١٨٣١.
٢ - عبد القادر في باريس، تأليف دوميرسان وفونتين، سنة ١٨٤٠.
٣ - أسير عبد القادر، تأليف جوهو، سنة ١٨٤٠.
٤ - ليقريزيت Les Grisettes في أفريقية، تأليف كارموش، سنة ١٨٤٢.
٥ - زواج سيزاري أو الزوج الذي لا بد منه، تأليف ألبير ريون، سنة ١٨٦٧، الخ.
نوع الكوميديا
١ - داي الجزائر عند السيد بولينياك (٢)، تأليف منديس داكوستا، سنة ١٨٣٠.
٢ - القايد، تأليف سوناج، سنة ١٨٤٩ (من نوع الأوبرا).
٣ - الإفريقي، تأليف أدمون، سنة ١٨٦٠ (الأفريقي = الجزائري).
٤ - الحب الإفريقي، تأليف ليقوييه، سنة ١٨٧٧ (أوبرا كوميدية).
٥ - زهرة تلمسان، تأليف لوقونييه، سنة ١٨٧٧.
٦ - عين بني مناد، تأليف ديهير فيلي، سنة ١٨٧٨، الخ.
стр. 2365
من نوع الميلودرامة
١ - الفرنسيون في الجزائر، تأليف دومانيان، سنة ١٨٠٤ (كذا).
٢ - أسرى الجزائر، تأليف بيرنو، سنة ١٨١٧ (كذا).
٣ - عروج بربروس، تأليف جوبيان، سنة ١٨٤٩.
٤ - الموريسكية، تأليف هيقلمان، سنة ١٨٥٨.
٥ - عمر، تأليف بوبلوس، سنة ١٨٧٧، الخ.
من نوع الدرامة
١ - الكاهنة، تأليف شوازني، بدون تاريخ.
٢ - اليهودية القسنطينية، تأليف توتييه، وبارفيه، سنة ١٨٤٦.
٣ - الجزائر: درامة تاريخية، تأليف ديكور، سنة ١٨٥٣ (١)، الخ.
إن الذي يرجع إلى الأدب الفرنسي المنتج في الجزائر سيلاحظ مدى أثرها فيه، بطبيعتها وسكانها وحوادثها وزخمها، ولا سيما منذ فاتح القرن. وقد ظهرت كتابات نقدية تصنف هذا الأدب وتجعله مدرسة في حد ذاتها بين الأدب الفرنسي والأدب الإفريقي. وقد ألحقوا بهذه المدرسة ما أنتجه الجزائريون باللغة الفرنسية لأنه فعلا إنتاج هجين من زيجة أخرى غير أصلية.
المسرح الجزائري
يكاد كل الذين كتبوا عن المسرح الجزائري يتفقون على أن تاريخ ميلاده هو مرحلة العشرينات من هذا القرن. فرغم مكوث الفرنسيين حوالي قرن في الجزائر فإن الجزائريين لم يقلدوهم في هذا الميدان منذ أول عهدهم. ولعلهم قدروا أن المسرح كان نوعا من الفن الخليع سيما وقد عرفنا أن
стр. 2366
موضوعاته الفرنسية كانت عبارة عن قصص ماجنة من الزواج والطلاق والغراميات المصطنعة، أو موضوعات تتخذ الجزائريين مضغة للسخرية والاستهزاء وتشويه تاريخهم وحياتهم.
ولا شك أن بعض الجزائريين قد عرفوا المسرح الفرنسي ودخلوه وقرأوا بعض المسرحيات سواء في المدارس الفرنسية أو في المكتبات. وقد عرفنا أن الفرنسيين كانوا يأخذون بعض الجزائريين معهم إلى المسرح ليلاحظوا ردود أفعالهم أو ليؤثروا عليهم أو كمدعوين رسميين. ونعرف أيضا أن محمد الشاذلي قد زار مسرح المنوعات بترتيبات فرنسية عندما زار باريس حوالي ١٨٤٩. وكذلك فعل الأمير عبدالقادر بعد إطلاق سراحه سنة ١٨٥٢. ونعتقد أن أعيان الجزائريين الذين كان الفرنسيون يأخذونهم في زيارات رسمية إلى باريس كانوا أيضا يزورون ويحضرون حفلات المسرح الفرنسي، وكذلك الطلبة. وفي ترجمة الداي حسين باشا قيل إنه حضر المسرح الفرنسي أيضا سنة ١٨٣٣ عندما زار باريس (١). وهكذا، فالمسرح ليس غريبا إذن عن الجزائريين كما قلنا، ولكن إنشاءه باللغة العربية أو العامية لم يبدأ إلا بعد الحرب العالمية الأولى حسب مختلف المصادر.
ومن الغريب أننا نقرأ في بعض المصادر أن بعض الجمعيات الأدبية والفرق المسرحية التونسية قد زارت الجزائر قبل الحرب العالمية الأولى، وأنها مثلت وغنت. ومنها (جوق الأدب التونسى)، وقد مثلت روايات (عطيل) و (العباسة) و (صلاح الدين الأيوبي). وأن الجزائريين قد حضروا مثل هذه التمثيليات، وكانت بالعربية الفصحى، وقد أحرزت نجاحا لفت انتباه الفرنسيين (٢). كما نقرأ عن زيارة الجوق المصري للرقص والتمثيل
стр. 2367
والغناء للجزائر وإقامته بعض الحفلات بها، ويقال إنه نجح في ذلك نجاحا خاصا (١). ومع ذلك لا نجد من تحدث عن محاولات جزائرية في هذا الصدد قبل ١٩١٤. ونحن نعتقد أن المحاولات قد وقعت، ولكن التاريخ لها أو الجهل بها هو الذي جعلنا نقلد رأي القائلين إن المسرح لم يبدأ إلا بعد ١٩١٩. ماذا كانت تفعل الجمعيات والنوادي التي ظهرت خلال العشرية الأولى من هذا القرن إذا لم تقدم بعض المسرحيات؟ حقيقة أنها كانت تقدم دروسا ومحاضرات وتوجيهات من كل نوع. ولكن المسرح قد يكون أحد مبتكراتها أيضا. ولنرجع إلى جرائد الأخبار والمغرب وكوكب افريقية فإننا قد نعثر على شيء من ذلك.
المسرح التقليدي الذي عرفه الجزائريون هو مسرح الكركوز، كما سبق. وقد يسميه البعض المسرح الصيني أو خيال الظل. وكانت له أساليبه في تقديم الموضوعات إلى الجمهور. ويبدو أنه تخشن ليتأقلم مع الجو الجديد بعد الاحتلال. فقد هاجرت العائلات الغنية وجلا الفنانون عن العاصمة، وكذلك جلا عنها حماة الأخلاق والآداب العامة. وبذلك يكون قد نزل مستواه الأدبي والأخلاقي، وأصبح وسيلة للتكسب من السواح والجنود الفرنسيين. وقد وصف بأنه مسرح ساخر ومثير للخجل حتى أن الوقحاء أنفسهم لا يشاهدونه دون أن تحمر وجوههم، حسب تعبير أحد الكتاب (٢). وكان نشاط هذا المسرح أكثر ما يكون في شهر رمضان حين تمتد السهرات وتسمح القواعد الاجتماعية بطول المكث خارج البيوت. وبدل أن يصلحه الفرنسيون (إذا صح ما ادعوه) حكموا بإلغائه تماما حوالي سنة ١٨٤١. وسلطوا العقاب الصارم على من يمارسه. ولعلهم رأوا فيه وسيلة للدعاية السياسية ضدهم أو كان منافسا خطيرا لمسرحهم. ولا سيما أن بعض الكتاب قالوا إن شخصية الكركوز (قرقوش) كانت تمثل شخصية البطل الشعبي عند الحضر، وكان يتميز بارتفاع قامته، فهو من العمالقة، وكذلك كان يتميز
стр. 2368
بالنكت العملية والبهلوانيات. وهو ممثل بارع، وفي نفس الوقت بارع في الضرب وتوجيه اللكمات لغيره خلال المسرحية. وكانت الحبكة في مسرحية الكركوز تقدم بالعربية وبالفرنسية. وقد أوصى أحد الكتاب بحذف المناظر المثيرة من المسرحيات التي تفسد في نظره أخلاق الجيل الجديد المواظب على حضورها (١).
ومهما كان الأمر فإن الشعب لم يبق بدون حفلات وأفراح جماعية. فبالإضافة إلى حفلات المقاهي ومهرجانات رمضان كانت أيضا حفلات المزوار، وهي حفلات تؤدي فيها بعض النساء الرقص والغناء. وما نظنه إلا رقصا خليعا لإرضاء السواح والجنود، ومع ذلك أبقاه الفرنسيون رغم أنهم ألغوا وظيفة (المزوار) الذي كان في عهد الدايات مسؤولا على البغايا. وكذلك كانت حفلات الأعياد، ونعني عيد الأضحى بالذات. وتروي بعض الكتب أن زنوج العاصمة كانوا يجتمعون بين عشرة إلى خمسين شخصا ويؤدون رقصا جماعيا وهم في فرح وغبطة خلال معظم اليوم، ويتجولون في الشوارع على أنغام الموسيقى ويقفون أمام بيوت رؤسائهم، ثم يجتمعون في باب الواد، وبيد كل منهم قرقابو (قطعتان حديديتان) وطبل، ثم تضرب الموسيقى ويقع التلاعب بالعصى (٢). ومن المؤكد أن المدن الأخرى لها تقاليدها المسرحية المشابهة أيضا، ولها نظام حفلاتها ومواسمها وممثلوها.
وقد روى لنا إسماعيل بوضربة سنة ١٨٥٨ أنه شاهد بورقلة حفلة مثيرة بمناسبة يوم عاشوراء، وهي حفلة جرى فيها التنكر إذ لبس الممثلون فيها جلود الأسود والثيران والجمال، وحتى جريد النخل. ثم حملوا المشاعل وساروا إلى وسط المدينة وهم يرقصون ويغنون، وعندما وصلوا إلى الساحة أشعلوا النار ورقصوا حولها على أنغام الطبل المدمدمة. وهذه الحفلة اشترك
стр. 2369
فيها العامة والأعيان. وقد سماها بوضربة نوعا من المهرجان السنوي. واعتبرها من بقايا الوثنية لأنها في نظره غير معروفة عند العرب الأصلاء. ومن تمثيليات الحفلة أن شيخا متقدما في السن كان أدى فريضة الحج، وله زوجة شابة تصغره كثيرا، ثم يدور الحوار والمداورات، وتنتهي التمثيلية بانتزاع البطل البهلوان الزوجة الشابة من يد زوجها العجوز.
وهذا النوع من الحفلات التنكرية التي يبدو أنها غليظة وتخفي الغضب الاجتماعي، بقيت إلى ١٨٧٤، فقد أقيمت حينئذ حفلة تمثيلية للوفد الفرنسي الرسمي بورقلة، أشرف عليها قايد ورقلة عندئذ (ابن إدريس)، ولكنها كانت أقل خشونة وأحسن نهاية من سابقتها إذ مثلت فيها مطاردة الأسد ووصول القافلة السلامة وعمليات نشاط رجال المخزن (١). ولا شك أن هذا النوع من الحفلات كان شائعا في القطر كله ولكن بدرجات متفاوتة في التنوع والرقي.
وعندما تحدثنا عن إبراهام دانينوس، قلنا إنه نشر (نزهة المشتاق وغصة العشاق) سنة ١٨٤٨. ولا ندري إن كانت قد مثلت أم لا. وفيها أدوار نسوية أيضا. وتدور أحداثها في العراق، وتمثل قصة حب خيالية يبدو أنها مستوحاة من ألف ليلة وليلة. ومن شخصياتها نعمة ونعمان. وكان دانينوسں متأثرا بالبيئة الجزائرية التي ولد فيها، ولعله كان من أصل يوناني، وقد انضم إلى الفرنسيين بعد الاحتلال وأصبح من المترجمين المقربين إليهم. ولكن عمله يظل محاولة جديرة بالدراسة وإمعان النظر في تاريخ المسرح والمسرحيات (٢).
وتكاد (نزهة المشتاق) تزامن مع (حكاية العشاق في الحب والاشتياق) لمصطفى بن إبراهيم باشا، الذي ألفها سنة ١٨٤٩، ولكنها لم تنشر، وظلت محفوظة وبنسخة واحدة، حسب علمنا، إلى أن نشرناها سنة ١٩٧٧. وكانت
стр. 2370
إمكانية النشر متوفرة لدانينوس لأنه كان على صلة بالترجمة والمطابع الفرنسية، بينما مصطفى المعروف بالأمير مصطفى، لم يتح له ذلك، فظلت حكايته مخطوطة، رغم أنها تحتوي على عناصر تمثيلية هامة، وشخصياتها معظمها خيالية أيضا، أما بيئتها فجزائرية وفيها الألوان المحلية من أطعمة وملابس وأثاث وعبارات، وكذلك الجو السياسي لأن صاحبها حرم من والده ومن أملاكه على يد الفرنسيين. والغالب أنها لم تمثل أيضا (١).
ومنذ آخر القرن الماضي ظهر من يمثل حياة الطلبة ومغامراتهم على المسرح بطريقة قد تكون تقليدا لأسلوب المسرح الفرنسي. فقد كتب القاضي محمد بن علي بن الطاهر الجباري شعرا ساخرا تحدث فيه عن مغامرات طالبين عربيين في القرية الزنجية بوهران. وذكر السيد ديلفان أن الجباري قام بتمثيل ذلك على المسرح بنفسه، دون أن يصف لنا الكيفية ولا المكان الذي جرى فيه الحدث الفني. ونعرف أن الشعر كان بالدارجة القريبة من الفصحى. وكان القاضي الجباري من جهة سعيدة ومن قبيلة الجبارة، ولكنه كتب شعره باسم مستعار وهو (محمد قبيح الفعل) (٢). وحول نفس الموضوع كتب الجباري باسمه الحقيقي مقامات عديدة جعلها في شكل مجالس، وبطلها هو الطالب سي الحبيب بن عيسى الذي قضى ثلاثين سنة من عمره في التعلم ومع ذلك بقي جاهز.
لاحظ أحمد توفيق المدني، وهو يكتب حوالي ١٩٣٠ إهمال الجزائريين للتمثيل، وقال إن الجزائر قد تأتي بعد الجزيرة العربية في هذا المجال. وفي نظره أن المسرح العربي لم ينشأ فيها إلى ذلك الحين. وأن لها
стр. 2371
لم يشعروا بالحاجة إليه. ولكنه قال أيضا ان بعض الأجواق أو الفرق قد تألفت بالعاصمة ولكنها سرعان ما اختفت بعد تمثيل مسرحية أو اثنتين. وقد أقر أن جوق مدينة الجزائر كان يمثل بعض المسرحيات خلال شهور رمضان من كل سنة، وهي روايات بالعامية ومستخرجة من ألف ليلة وليلة أو مقتبسة من مسرحيات فرنسية. وفي نظره أن هذا النوع من التمثيليات لقى رواجا حسنا. ولكنه لم يعطنا نماذج له. ومن رأيه أيضا أن الشعب مستعد لدعم المسرح العربي (يقصد بالفصحى) وأن الوقت قد حان لجمع الشمل وإنشاء المسرح العربي الذي ستكون له رسالة خاصة، وهي الارتقاء بالأخلاق والآداب والذوق الاجتماعي وتعليم العربية. ولم يذكر المدني سوى مدينة الجزائر عندما دعا إلى الارتفاع بالعامية إلى مستوى الفصحى لقلة من يفهم هذه بين العمال والمتعلمين بالفرنسية فقط. فقد دعا المدني إلى إيجاد عربية وسيطة في البداية بين العامية والفصحى. وأرجع انعدام المسرح في مدن تفهم العربية مثل قسنطينة وتلمسان وبسكرة إلى أسباب مادية في أغلب الظن (١).
والحق أن مؤرخي المسرح الحديث في الجزائر يرجعونه إلى أوائل العشرينات من هذا القرن. وكلهم يلحون على أنه (ظاهرة جديدة) وكان ذلك بعد زيارة فرقة مصرية سنة ١٩٢١ على رأسها جورج أبيض. وقد مثلت هذه الفرقة مسرحيتين الأولى ثارات العرب والثانية صلاح الدين الأيوبي (سبق تمثيلها في الجزائر سنة ١٩١٣ من قبل فرقة تونسية، انظر سابقا). والمسرحيتان من تأليف جورج حداد.
ويذهب النقاد إلى أن الفرقة المصرية فشلت في الوصول إلى الجمهور، وهم يرجعون سبب ذلك إلى استعمالها اللغة الفصحى التي لم يفهمها جمهور العاصمة عندئذ. وهذه الحجة تذكرنا بما يقال هذه السنوات عن التلفزة الجزائرية عندما تعرض حصصا بالفصحى. وهي حجة استعملها أنصار الفرنكفونية، لأنهم لا ينتقدون التلفزة نفسها إذا عرضت حصصا
стр. 2372
بالفرنسية (الفصحى) التي لا يفهمها الجمهور حقيقة.
ويبدأ تاريخ المسرح الحديث في نظرهم منذ ١٩٢٦ حين وظف علي سلالي (علالو) ورشيد قسنطيني اللهجة العامية لأداء تمثيليات تاريخية ونقدية (١). لقد استعمل الجزائريون أيضا الفصحى وكان لها جمهورها ولم يفشل الممثلون، والفرق هو أن العامية كانت أكثر نجاحا، ولذلك صيغت وعرضت أغلب المسرحيات بالعامية. واستعمال العامية في المسرح لم يكن ظاهرة جزائرية فقط بل كانت العامية مستعملة أيضا في مصر وغيرها، ولذلك دعا الشيخ المدني إلى تهذيب العامية والصعود بها نحو الفصحى لأن العامية نفسها درجات في السمو والانحطاط.
كان رشيد قسنطيني موهوبا في فن الكوميديا، ولد في العاصمة سنة ١٨٨٧ وتوفي بها سنة ١٩٤٤. عاش هذه الفترة المزدحمة بالتطورات وقضى فترة طفولته في عهد كامبون وشبابه في عهد النهضة الأولى فامتلأ بالآمال وخطط أن يكون منتجا مسرحيا ومغنيا ومضحكا للشعب وأيضا مؤثرا عليه. قليل من أعماله لها مدلول سياسي مباشر أو غير مباشر، وإنما هناك مشاعر حية ومشتركة بين الفنان والمواطن، بين اللغة والتفكير والهوية والواقع. وثقافته ثقافة عصامية شأنه شأن معاصره علي سلالي أو علالو. وعندما ظهرت الإذاعة كان رشيد من الممثلين فيها أيضا، ومن الأسف أن عامية رشيد قد أضرت باللهجة الجزائرية المشتركة نظرا لما فيها من الغنة ومن تعويج الفم والهبوط في التعبير أحيانا. وقد تأثر بذلك جيل أو أكثر فظنوا أن الفن والتعبير الساخر إنما هو في تحريك عضلات الفم ومضغ الكلام، رغم دور رشيد القسنطيني الاجتماعي (٢).
стр. 2373
أما علالو فقد نسب إليه معظم النقاد ومؤرخي المسرح كتابة وتمثيل أول مسرحية سنة ١٩٢٦. وكان عمره إذاك حوالي ٢٤ سنة (ولد ١٩٠٢). وقد دخل المدرسة الابتدائية الفرنسية الأهلية، ولكنه اضطر إلى مغادرتها لوفاة والده وعمره ثلاث عشرة سنة فقط. وأجبره اليتم على العمل في إحدى الصيدليات. وكان يقضي أوقات فراغه في الغناء والتمثيل لتدريب صوته وجسمه على أداء هذه المهمة، كما كان مولعا بالموسيقى العربية القديمة. ولم يكد يبلغ العشرين سنة حتى وجدناه مشاركا في الحفلات التي كانت تنشطها جمعية (المطربية)، وهي جمعية أنشأها إدمون يافيل، أحد يهود الجزائر الذين اهتموا بالموسيقى الأندلسية وكتبوها. وكان علالو يشارك في الحفلات التي كانت تقام في باب الواد وغيره، خلال شهر رمضان. ولا شك أن جمهور هذه الحفلات لم يكن كله من العرب بل كان فيه ربما شباب المستوطنين الإسبان في الأصل، وغيرهم. ولذلك نتوقع أن تكون اللغة المستعملة نوعا من التعابير المشتركة (لغة فرنكة). وقد ساعد علالو تحكمه في عضلات وجهه وحواجبه فكان يلعب دور الساخر المثير للضحك. وكان له إحساس خاص بالشعر والتنغيم، ولذلك كان ينظم الشعر العامي على النبرات الموسيقية الشعرية.
وبين ١٩٢٦ و ١٩٣١ ألف علالو حوالي سبع مسرحيات، وتجول في القطر ضمن فرقة مسرحية هاوية، شاركه فيها إبراهيم دحمون، وجلول باشجراح، وعزيز الأكحل، ومحيي الدين باشتارزي. ويبدو أنهم جميعا كانوا يمثلون تيارا تأثر بأحداث النهضة العربية الإسلامية. وكان معتزا بالتراث. ولذلك كانت المسرحيات المستمدة أيضا، من هذا التراث رغم أنها كتبت بالعامية، ومنها ما هو مستمد من التراث الأندلسي مثل حلاق قرطبة، وما هو مستمد من التراث العربي في المشرق مثل عنتر الحشائشي والخليفة والصياد، وأبو الحسن. ومنها ما كان يعالج الواقع الاجتماعي مثل زواج بوعقلين. وأول مسرحيات علالو كانت (جحا) وهي مسرحية تراثية ولكن فيها إسقاطات على الوقائع أيضا.
ورغم هذا الطموح الكبير واستعمال الدارجة للتقرب من المواطن
стр. 2374
العادي فإن علالو قد فشل في مجهوده، وأفلس ماديا، وخشي على نفسه ضياع وظيفته في الترامينو، وزاره المرض الذي اجتمع عليه مع الفاقة. وقد اعترته حالة نفسية سنة ١٩٣٢ جعلته يمزق مسرحياته، ويعدل تماما عن المسرح ومغامراته. فهل يرجع فشله إلى عدم استعداد الشعب لمثل هذا الفن، كما لاحظ الشيخ المدني؟ أو يرجع إلى المسألة اللغوية واستعمال العامية التي تحط من قيمة العمل المسرحي فنيا؟ أو إلى كون الموضوعات غير ذات أهمية اجتماعية وسياسية؟ لا ندري. ورغم أنه عاش بعد ذلك طويلا، فإنه لم يرجع إلى المسرح البتة، كما فهمنا من سيرة حياته.
كان علالو إذن من الأوائل، ولعله الأول، الذي هوى المسرح العربي في الجزائر وقدم له مسرحيات وغنى فيه ووظف الشعر والثقافة التراثية، وأنشأ فرقة تسمى (الزاهية) وتجول بها في أنحاء البلاد، واستعمل الرجال والنساء للأداء الجماعي الجيد، وأخضع اللغة للعامة، ومع ذلك كان حظه الفشل المادي على الأقل، والأزمة النفسية، وكان على غيره أن يبدأ من حيث انتهى وأن يعترف له بفضل السبق (١).
في الوقت الذي كان فيه علالو ما يزال يكتب للمسرح ويؤلف له في العاصمة، ظهرت في قسنطينة وفي عنابة وفي تلمسان بعض الفرق التي كانت تمثل وتحرز نجاحا. فقد ظهرت في قسنطينة فرقة تسمى (ناصر الدن ديني) ومثلت رواية طارق بن زياد، وسنعلق عليها. كما ظهرت بعنابة فرقة (المزهر البوني). ويقول الشيخ المدني عن الفرقتين إنهما مثلتا بعض المسرحيات العربية نالت إعجاب المشاهدين. وكان الأمر كذلك بالنسبة لنادي السعادة في
стр. 2375
تلمسان الذي مثلت فيه مسرحية (فتح الأندلس) (١). وقد أكد جوزيف ديبارمي أيضا نجاح التجربة في قسنطينة مع مسرحية طارق بن زياد، فهو يقول انه بالرغم من أنه لم يحضرها إلا عدد قليل من المشاهدين فإن الجميع صفقوا لها بدافع الاعتزاز الوطني والقومي وكذلك بدافع الغيرة اللغوية. ذلك أن المسرحية كانت باللغة العربية، وقد مثلتها فرقة ناصر الدين ديني، وهي كما قال ديبارمي، تذكر المشاهدين بانتصار العرب على أوروبا (٢).
وقد أفاد ديبارمي بأن المسرح، رغم أنه ذو طابع غير أخلاقي، كما قال، فإن الجزائريين استعملوه للدفاع عن اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى استعمالها، وقد اعتبروه من المستحدثات الأوروبية، ومع ذلك رآه المتنورون وسيلة صالحة وناجحة لنشر الأفكار الوطنية.
ورغم أن ديبارمي لم يذكر صراحة أن مسرحية طارق بن زياد كانت باللغة الفصحى، فإن كلامه يدل على ذلك. ومن جهة أخرى ذكر أن مسرحية أخرى قد عرضت باللغة الدارجة تحت عنوان (حفرة في الأرض)، ووصفها بأنها كوميديا مثلتها جمعية (المطربية) لمدينة الجزائر وأنها مسرحية مأخوذة أو مقلدة لأحد الأفلام الفرنسية. وكان تمثيلها خلال شهر رمضان المعظم سنة ١٩٣١ ميلادية. ولاحظ ديبارمي أنه بدلا من تقديمها كلها بالدارجة فإن الممثلين قد حشوها، كما قال، بألفاظ من اللغة الأم (الفصحى) فأثروها وطوعوها وجعلوها في الدرجة الأدبية. كما لاحظ أنهم أدخلوا فيها كلمات فرنسية. ومن جهة أخرى طمأن ديبارمي قومه الفرنسيين بأنه لا خوف من ذلك على الفرنسية لأنها لغة سيادة (امبريالية) ولغة استعمالية نفعية لا تنازعها اليوم أية لغة أخرى في الجزائر، فهي تتحكم في السياسة والإدارة والتجارة
стр. 2376
والصناعة، بل أن أنصار عدوتها، وهي اللغة العربية الفصحى، لا يستغنون عن اللغة الفرنسية، وقد اعترفوا بذلك بأنفسهم، فقبل الحرب (العالمية الأولى) كانوا لا يريدون لغة الحكومة ولكنهم اليوم أصبحوا يتواصون بها (١).
ويبدو أن التمثيل باللغة الفصحى، قد حظي بإقبال كبير، ابتداء من الثلاثينات، نتيجة تقدم الحركة الوطنية والاعتزاز باللغة، ولكثرة المدارس العربية التي أنشأتها جمعية العلماء والتشجيع عليها. وقد كانت هذه المدارس نفسها تمثل مسرحيات باللغة الفصحى في المناسبات الدينية والتاريخية والاجتماعية. ومعظم مؤلفيها كانوا من المعلمين، أما الممثلون فهم تلاميذ المدارس. وسنذكر نماذج من هذه المسرحيات ومناسباتها. ويقول سعد الدين بن أبي شنب سنة ١٩٥٤ أنه بالرغم من أن التمثيل باللغة الدارجة هو الغالب، فإن التمثيل باللغة الفصحى قد حظي بمنزلة عالية. وضرب على ذلك مثلا بتمثيل رواية (حنبعل) التي كتبها أحمد توفيق المدني، فقد أحرزت حسب تعبيره على نجاح باهر عندما مثلت بالفصحى، وكذلك رواية (المولد) لعبد الرحمن الجيلالي التي مثلت وأذيغت بالفصحى أيضا (٢).
وبين ١٩٣٧ و ١٩٣٩ مثلت على الأقل خمس عشرة مسرحية بين مدرسية وغيرها، وكانت تعالج في معظمها موضوعات دينية وتاريخية واجتماعية. بعضها معروفة المؤلف وبعضها مجهولة المؤلف. من ذلك مسرحية (بلال) لمحمد العيد، و (الدجالون) لمحمد النجار، و (عباقرة العرب) و (البعثة التعليمية) لمحمد بن العابد الجلالي، و (سحار بالرغم منه) لمحيي الدين باشں تارزي. وهناك جمعيات تمثيلية من الهواة والمحترفين مثل جمعية الشباب الفني لقسنطينة، وجمعية محبي الفن لنفس المدينة، وجمعية كشافة الرجاء بباتنة. وبعض المسرحيات مثلها تلاميذ قيل إنهم تتلمذوا على الممثل المصري الشهير يوسف وهبي، مثل المجموعة التي مثلت مسرحية (عاقبة
стр. 2377
الجهل) وهي من وضع بعض المعلمين، سنة ١٩٣٧. والمسرحيات التي مثلت في قسنطينة مثلت على المسرح البلدي تارة ومسرح كلية الشعب تارة أخرى. وفي الأخيرة مثلت مسرحية (البعثة التعليمية) لمحمد بن العابد الجلالي (١٩٣٧) وعلى إثر ذلك ألقى ابن باديس خطبة ثم أنشد نشيده الحماسي (اشهدي يا سماء).
كما أنشئت عدة فرق تمثيلية أخرى بالإضافة إلى ما ذكرنا. من ذلك جمعية (الوتر الجزائري) وهي جمعية فنية لتمثيل الروايات (على اختلاف أنواعها، عصرية وتاريخية)، كما تعمل على إحياء الموسيقى العربية (١).
وكانت جمعية المزهر البوني قد مثلت سنة ١٩٣٢ مسرحيتين على المسرح البلدي في قسنطينة، وهما (التوبة) و (الكيف). وكلتاهما من تأليف رئيس الجمعية، وهو السيد المحامي الجندي (أو الجنيدي؟). وكلاهما من نوع العمل الاجتماعي، كمحاربة الخمر والميسر والكيف وغيرها من الرذائل التي أشاعها الفرنسيون قصد دفع الشباب إلى التهلكة وتحطيم طموحاته. وكذلك قالت (الشهاب) وهي تقدم ما قام به المزهر البوني، إن الغاية من التمثيل هي (التأثير على الجمهور حتى يبكي للمأساة، ويضحك للفوز والنجاة). وقالت إن المزهر كان ينشط بالموسيقى فقط، ولكنه أضاف إلى ذلك التمثيل لخدمة اللغة العربية وجلب الشباب إليها (٢). وهذا ما استنتجه الخبير الفرنسي جوزيف ديبارمي في مقالته (رد الفعل اللغوي) سنة ١٩٣١.
стр. 2378
ومن جهته قام كشافة نادي الشبان المسلمين بقالمة بزيارة لقسنطينة، واحتفل بهم فيها زملاؤهم (الشباب الفني) و (الهلال التمثيلي). وفي الاحتفال عزفت الموسيقى من الشباب الفني، كما مثل الهلال تمثيلية لا ندري عنوانها ولكننا نعرف أن موضوعها اجتماعي، وهو محاربة الخمر والدعوة إلى التعليم. كما شارك فتيان الكشافة بنشيدهم. وقد أنشد الجميع نشيد مصطفى صادق الرافعي: (للعلا إن العلا واجبات المسلم) (١).
ومن الجرائد الفرنسية التي اهتمت بالكتابة عن المسرح العربي جريدة (الجزائر الجمهورية) ذات الميول الشيوعية. وكان الأديب محمد ديب من كتابها. وقد قيل إنه نشر فيها عدة مقالات عن مسرح الهواة سنة ١٩٥٠، وعن العروض المسرحية باللغة العربية. والجريدة المذكورة هي التي أعلنت سنة ١٩٥١ عن جائزة مالية خصصت لأحسن إنتاج مسرحي باللغة العربية الفصحى أو بالدارجة بشرط أن يكون كتابها جزائريين، والجائزة كانت ستوزع على أحسن عشر مسرحيات. والجهة التي خصصت الجائزة هي جمعية المسرح الجزائري وجمعية الفن والثقافة. وليس لدينا الآن ما يبرهن على أن المسرحيات قد كتبت وأن لجنة التحكيم المؤلفة من أربعة أدباء قد اجتمعت ووزعت الجائزة (٢). ونحن إنما نذكر هذا لكي نؤكد على أن المسرح ظل يتطور وظل دوره في الثقافة يبرز ويعترف به، وأن اللغة لم تعد مشكلة فيه،
стр. 2379
فقد تقبل الجميع فيما يبدو استعمال اللغة العربية سواء كانت فصيحة أو دارجة.
الموسيقى
الموسيقى الجزائرية أصيلة ومتنوعة. وترجع أصالتها إلى كونها مستوحاة من التراث المشترك الذي انتجته العبقرية الشعبية. وتمتد جذور هذا التراث إلى عهود قديمة قدم الإنسان الجزائري على أرضه. وهي أيضا موسيقى متنوعة لاختلاف مناطقها أو بيئاتها من جهة وللتأثيرات الخارجية من جهة أخرى. وكان اتساع الرقعة الجغرافية للجزائر وصعوبة المواصلات وتنوع الخارطة المناخية، قد جعل الموسيقى متنوعة النغمات والأداء والأسماء.
وقد كتب بعض القدماء عن هذه الموسيقى وربطوا بينها وبين الشعر، وبينها وبين الرقص والحركات الجسمانية والتأثيرات النفسية، ولكنهم لم يسجلوها أو يكتبوها حسب قواعد ثابتة وموروثة وإنما اعتمدوا في ذلك على الذاكرة وحدها. ولذلك قام الأجانب بكتابة قواعد هذه الموسيقى. فوجدنا في العهد العثماني عددا منهم يسجلون نماذج من النوطات، مثل الدكتور شو الإنكليزي. وبعد الاحتلال الفرنسي لم يقع الاهتمام بالموسيقى الجزائرية كما وقع الاهتمام مثلا باللهجات والمخطوطات والمعالم الأثرية. ولا نكاد نجد دراسات وصفية عميقة لتطور هذه الموسيقى وعلاقتها بحياة الناس اليومية.
وكانت الموسيقى شائعة في الحياة العسكرية أيضا. فقد كانت لفرق الجيش موسيقاها المميزة في الحل والترحال. ومعظم قادة الثورات ضد الاحتلال اتخذوا الفرق الموسيقية التي تسبق تقدمهم أو تعبر عن انتصارهم. وكان للأمير عبد القادر فرقة خاصة لعزف النوبة، وتسمى موسيقى السلطان (الأمير). وكان الموسيقيون يتقدمون تحت ظلال الأعلام أو الرايات الملونة، وهم يعزفون موسيقاهم التقليدية بآلات خاصة، ولهم رئيس معروف. ويذكر
стр. 2380
ليون روش الذي عاش في معسكر الأمير وسار معه في الحملات أن الفرقة كانت تعزف ألحانا تركية (ربما يعني تقليدية متوارثة) وكذلك الألحان الأندلسية، ولاحظ أن الرايات كانت ترفع أمام وطاق (خيمة) الأمير، كما كانت تتبعه حيثما سار. وهذه الرايات كانت بالألوان الخضراء والصفراء والحمراء، وكانت مطرزة بالذهب والحرير على قماش من الساتان. والمطروز عبارة عن آيات من القرآن الكريم، وفي أعلى الرايات توجد الأهلة والكور الفضية. كما لاحظ روش أن الخيل كانت تتأثر بالموسيقى أيضا فتتوقف عن الاكل وترفع رؤوسها وتظهر الابتهاج بحركات الغدو والرواح والصهيل، وهي تتحرك بسيقانها كأنها تريد أن ترقص (١).
نشير إلى أن عددا من الدارسين قد اهتموا بها وألفوا فيها، وكان ذلك بعد إهمال لها بحجة عدم فهمها وجفائها وابتعادها عن الذوق الفرنسي. ومن الذين سبقوا إلى ذلك دانيال سالفادور الذي قد يكون من أصل إسباني، ولكنه نشر بحثه بالفرنسية سنة ١٨٦٢، بعد أن قضى حوالي عشر سنوات وهو يمارس الموسيقى مع الفرق الجزائرية (٢). ثم يأتي دور إدمون يافيل اليهودي الذي نشر سنة ١٩٠١ سجله عن هذه الموسيقى، وقد كان له فضل كبير في المحافظة عليها، رغم ما ارتكبه من أخطاء (٣).
ومن الدارسين لها أيضا السيد رواني Rouanet سنة ١٩٠٥ إذ نشر بحثا. بعنوان (الموسيقى العربية)، وقد وصفها وآلاتها وتطورها وأنواعها، ولا سيما موسيقى الحضر أو الأندلسية. وقد استعان في بحثه برجلين خبيرين في الموضوع، وهما يافيل المذكور ومحمد سفنجة. ويقول عن يافيل إنه كان يغار على الموسيقى العربية ويدفع عنها من ماله وغذائه، وله حماس شديد لها لإنقاذ
стр. 2381
آلاتها وفنوها. وأما سفنجة فقد قال عنه إنه (المعلم) العارف بهذا الفن وأنه تعلم منه وحده ألف نغم (ميلودي) وكلمات. كما أخذ عنه السيد رواني مجموعة من الآراء حول الموسيقى العربية. وسنرجع إلى الحديث عن هذه الدراسات.
وفي سنة ١٩١٣ قام المستشرق المجري بدراسة موسيقى نواحي بسكرة (بما فيها القنطرة وسيدي عقبة وطولقة). واسمه بيلا بارتوك. وقد نشرها أولا بالمجرية سنة ١٩١٧ ثم بالألمانية سنة ١٩٢٠، واستخرج حوالي ٦٥ نغما (ميلودي). ثم قام ليو - لويس باربيس بترجمة النص الألماني إلى الفرنسية، ونشره في (حوليات معهد الدراسات الشرقية سنة ١٩٦١) بالجزائر. وكان السيد بارتوك يعرف لغات عديدة منها ما ذكرناه (وقد درس في فرنسا سنة ١٩٠٥) ومنها أيضا الأسبانية والإنكليزية. وكان مهتما بالفولكلور لدى مختلف الشعوب. وكان عمره عندما زار الجزائر وقام بمهمته المذكورة ٣٢ سنة. وفي سنة ١٩٣٢ قدم بارتوك ثلاث صفحات هامة للمؤتمر الموسيقي العربي الذي انعقد بالقاهرة. وسنعود إلى دراسته أيضا.
وفي سنة ١٩٣١ قدم الشيخ أحمد توفيق المدني وصفا مختصرا لوضع الموسيقى وآلاتها وأناسها وجمعياتها وأنواعها. وفي نفس السنة قام السيد لوسيان داروي DARROUY بنشر بحث عن (الموسيقى الإسلامية في شمال افريقية)، وكان للموسيقى الجزائرية فيه نصيب. وكان قد نشر الدراسة في مجلة الجمعية الجغرافية للجزائر، واهتم بالخصوص بموسيقى العاصمة وتلمسان. وسنرجع إلى مقاله.
ومن أبرز ما قام به الكتاب العرب والمسلمون في الحديث عن الموسيقى التي نحن بصددها، الجهد الكبير الذي بذله محمود قطاط التونسي في وصف مختلف آلاتها وفنونها ومناطقها وتطورها. وتعتبر دراسته شاملة ومفيدة. وتبدو على صاحبها روح الإحاطة والخبرة بالموضوع والاهتمام به، وقد رأينا منها الجزء الذي نشره في مجلة (الحياة الثقافية) التونسية سنة ١٩٨٤.
ومن المبكرين فى دراسة الموسيقى الجزائرية شعيب بن على، قاضى
стр. 2382
تلمسان، الذي ألف كتابا في الموضوع، وكذلك أبو علي بن محمد الغوثي، وكلاهما من تلمسان، وكان وقت تأليفهما متقاربا. كما نشر محمد القاضي كتابا حول الشعر الملحون، وأخيرا نشر جلول يلس والحفناوي أمقران كتابهما في التراث الغنائي. وفي مجلة (آمال) عدد خاص عن الشعر الشعبي، وقام عبد الحميد حاجيات بتحقيق (الجواهر الحسان) الذي جمعه محمد بن مرابط. ولا شك أن لمحمد سفنجة وسفير البودالي وغيرهما أعمالا حول الموسيقى أيضا. وسنعرض لما كتبه جزائريون آخرون أمثال محمد زروقي وطالبي في الموضوع. وقد يكون عمر راسم الذي حضر مؤتمر القاهرة المذكور (١٩٣٢) قدم عملا عندئذ سواء أثناء المؤتمر أو بعده (١).
...
إن الربط بين الموسيقى والشعر والغناء والرقص ضروري. والذي يؤرخ لهذه الأنشطة الإنسانية يلاحظ أنها مثل روح الشعب الذي ينتجها، تقدما وتخلفا، قوة وضعفا. وقد تدهور الشعر الغنائي منذ الاحتلال وكادت تختفي الموشحات. ولبس الناس لباس الحزن، كما عبر محمد بن الشاهد، وهو شاعر مجيد، وانفضت مجالس الطرب واللهو، واشتغل الناس بالحروب ثم الهجرة، وتفرقت العائلات وتشتت الأحباب، ثم تقوقع الباقي على أنفسهم وهم أقرب إلى القنوط منهم إلى الأمل والرجاء. ولذلك فإن ظاهرة الشعر الملحون - الأزجال - قد كثرت خلال هذا العهد على حساب الموشحات والشعر الغنائي الرقيق باللغة الفصحى، وذلك راجع بدون شك إلى إهمال الثقافة العربية وانقطاع الجزائري عن ماضيه وتراثه الشعبي. وماذا بقي بعد ذلك؟ بقي شعر الغزل بالعامية والشعر الديني، والتوسلات الصوفية، والفروسية، وظلت المرأة تترنم بالغناء لابنها أو ابنتها بأشعار تبدعها بعاطفتها الجياشة. كما استمر شعر الحزن والموت أو الرثاء. ولكن الشعر العامي (الملحون) خلال هذه الفترة ضعف أيضا لضعف الثروة اللغوية عند الشاعر أو
стр. 2383
الشاعرة، وضعف الثقافة الأدبية التي تهذب العاطفة وتساعد على توليد الأفكار وتقدم بدائل جديدة من لغة التراث. كما أن اللغة الفرنسية قد دخلت في الشعر الشعبي أيضا، فصرنا إذا قرأنا زجلا نجد فيه ألفاظا فرنسية تكثر أو تقل حسب الزمن الذي قيلت فيه وقرب صاحبها أو بعده من المراكز الفرنسية وتأثره بأهلها.
كما أن الرقص والغناء قد تأثرا بالعهد الجديد. فالحفلات والمناسبات قليلة، وكادت تنحصر في الاجتماعيات والدينيات. كان الغناء الديني مجالا واسعا لتطوير الأصوات وتطويعها سواء بالشعر القديم الفصيح أو الملحون. فانحصر أو كاد في الغناء الصوفي الذي يستعمل التوسل بالأولياء، واستقبال المشائخ، وشاع نوع من المدائح الدينية الغزلية - إذا صح التعبير - وهي تلك الأشعار التي يتخيل أصحابها الرسول شخصا محبوبا فينعتونه بأنواع من الألفاظ لا يستعملها إلا المحبون والعشاق. وهي أشعار تتناسب مع الأداء الصوتي الرخيم. أما الحفلات الإجتماعية فالرقص فيها للنساء، كما سنعرف. أما الرجال فلهم رقصات تسمى رقصات البارود والفروسية. وكل هذه التعابير (الغناء والرقص والشعر والموسيقى) قد اختلفت من منطقة إلى أخرى. ومن الصعب دراستها على أنها تمثل وحدة تعبيرية متميزة، ولكن لها مع ذلك قدر مشترك، وهو تلك الروح الشعبية العميقة التي أنتجتها عبقرية البيئة والإنسان.
في المدن، ولا سيما في العاصمة، كانت الحفلات تقام في المقاهي وفي خلوات خاصة طالما وصفها السواح والرحالة. وبعد الاحتلال استمرت هذه الأماكن في أداء مهمتها ولكن في شيء من الإنحلال الأخلاقي الذي يرضي الرغبات الجنسية ويجلب الشباب الأوروبي الغريب عن البلاد، وخصوصا العسكريين. وقد جيء بالنساء والولدان وآلات الطرب وأدخلت آلات جديدة للعزف وإحياء الليالي العابثة. والأوروبيون الذين حضروا مثل هذه الحفلات اعتبروها فنا جزائريا غريبا يستحق الوصف على أنه من بقايا ألف ليلة وليلة وحياة الشرق الغارق في التخلف والكسل، واعتبرها آخرون منهم فنا منحطا لا يليق بالأخلاق الكريمة، وهو خال من كل إبداع وسمو، وحكموا من خلال هذا الفن، استحقاق الشعب للاستعمار وفرض حضارة جديدة عليه. ولا
стр. 2384
ننسى أن الهجرة قد أفرغت المدن من عناصرها البشرية الراقية فنا وعلما وثروة.
ولا يسعنا هنا ذكر نماذج كثيرة من أحكام الأوروبيين الأولين على ما وجدوه في الجزائر وما عاشوه من فنون شعبية وهي الموسيقى والغناء والرقص. وسنكتفي ببعض الأمثلة. فحين حل الحاكم العام الجديد، الكونت ديرلون، بالجزائر سنة ١٨٣٤، أقام له الحضر، كما قيل، حفلة موسيقية في دار البلدية، كما أقام له الفرنسيون حفلة مثلها. وقد خصصت قاعتان في الدار، واحدة لكل نوع من أنواع الموسيقى، فالاختلاط كان محرما منذ أول لقاء بين المستعمر والمستعمر. فقد جعلت القاعة السفلى للرقص والموسيقى الفرنسية والقاعة العليا للموسيقى العربية. ووصف الواصفون خلال ذلك الذوق الراقي في التحضير والملابس الفاخرة وألوان الموسيقى، وكيف كانت الجلسة العربية من مظاهر الحياة الشرقية، وقد قلد فيها الفرنسيون العرب حتى في لباسهم وعمائهم وتدخينهم حتى ظنوا أنهم، كما قيل عنهم، في القاهرة أو في اسطانبول. وكانت القهوة تقدم في فناجين صغيرة على صحون صغيرة مفضضة حتى لا تؤذي الأصابع، وزخرفت القاعة وحيطانها بالأسلحة من جميع الأنواع وكانت الأسلحة أيضا محلاة بالفضة والأحجار الكريمة، وعرضت خلال ذلك المطروزات الزاهية. وقد حضر عشر نساء لأداء الرقص على الطريقة الحضرية. ثم بدأت الحفلة والرقص الفرنسي. ودامت الحفلتان إلى الصباح.
أما الموسيقى العربية فلم تعجب الواصف للحفلة. فقد وصفها بأنها مملة بالمقارنة إلى الموسيقى الأوروبية. وآلاتها عندئذ هي الدف (الطبل) والرباب. وقال الواصف الفرنسي إن النقر على الدفوف والغناء العربي غير المفهوم يحرج الآذان، وهذا من حكم الشعور بالتفوق طبعا، ولو كان الواصف من الطرف الآخر لوصف الموسيقى الفرنسية بأنها نشاز في نشاز. ولذلك قيل عن الموسيقى العربية والغناء العربي بأنهما لا يخضعان للإيقاعات الإيطالية والفرنسية التي تنسجم مع المعاني. ثم حكم الواصف في الأخير أن لكل بلد موسيقاه وغناءه (١).
стр. 2385
وأثناء الحفلتين وقع ما لم يكن ليقع لولا قانون التطور الاجتماعي. ففي الوقت الذي كان فيه جزائريون آخرون يقاومون العدو في متيجة وعنابة وبجاية ووهران وسهول تلمسان ومعسكر، كان بعضهم يتبادلون الأنخاب مع الفرنسيين على أنغام الموسيقى، وقد اختلط الرجال بالنساء حسب وصف الواصفين، وصفت الأزهار، ودخن الجميع النرجيلة أو الغليون الطويل على أرائك فاخرة، وهم جالسون الجلسة العربية التقليدية، وكان النادلون من الخدم (العبيد) يناولونهم القهوة الساخنة. وحوالي منتصف الليل قدمت لهم المأكولات الجزائرية والمشروبات الفرنسية، ومن ضمنها لحوم الطير والفواكه الطازجة، ومن ضمنها أيضا ما أحل الله وما حرم (١).
هذا عن المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فقد وصف الواصفون حفلات المقاهي والخلوات الليلية بما يتناسب أيضا. فقد عد بولسكي أكثر من ستين مقهى في العاصمة كانت تقوم بهذا الدور، وكلها كانت تقع في الجزء الأعلى من المدينة (القصبة). وكانت الحفلات ليلية، والطريقة هي جلوس الفرقة الموسيقية قرب مطبخ المقهى حيث يتناول العازفون القهوة المنشطة، كما كانت تقدم القهوة والغلايين للزبائن. وقد وصف لنا الواصف نوعين من الموسيقى صاخبة وهادئة. وتحدث عن فنان مجهول ظل ستين سنة وهو رفيق قيثارته بينما تحطمت آماله بالاحتلال فأضاف الحزن إلى نغمة القيثارة وكتم آلامه لأن الفرنسيين لا يسمحون له أن يصرح أو يلمح بالتعبير عن ذكريات أجداده وأمجاده (٢).
يقول بولسكي، إن الآلات الموسيقية تكاد تنحصر في الربابة ذات الثلاثة أوتار، إضافة إلى آلات النفخ الأخرى مثل الجواق والقيثار والطار