آلاتها وفنوها. وأما سفنجة فقد قال عنه إنه (المعلم) العارف بهذا الفن وأنه تعلم منه وحده ألف نغم (ميلودي) وكلمات. كما أخذ عنه السيد رواني مجموعة من الآراء حول الموسيقى العربية. وسنرجع إلى الحديث عن هذه الدراسات.
وفي سنة ١٩١٣ قام المستشرق المجري بدراسة موسيقى نواحي بسكرة (بما فيها القنطرة وسيدي عقبة وطولقة). واسمه بيلا بارتوك. وقد نشرها أولا بالمجرية سنة ١٩١٧ ثم بالألمانية سنة ١٩٢٠، واستخرج حوالي ٦٥ نغما (ميلودي). ثم قام ليو - لويس باربيس بترجمة النص الألماني إلى الفرنسية، ونشره في (حوليات معهد الدراسات الشرقية سنة ١٩٦١) بالجزائر. وكان السيد بارتوك يعرف لغات عديدة منها ما ذكرناه (وقد درس في فرنسا سنة ١٩٠٥) ومنها أيضا الأسبانية والإنكليزية. وكان مهتما بالفولكلور لدى مختلف الشعوب. وكان عمره عندما زار الجزائر وقام بمهمته المذكورة ٣٢ سنة. وفي سنة ١٩٣٢ قدم بارتوك ثلاث صفحات هامة للمؤتمر الموسيقي العربي الذي انعقد بالقاهرة. وسنعود إلى دراسته أيضا.
وفي سنة ١٩٣١ قدم الشيخ أحمد توفيق المدني وصفا مختصرا لوضع الموسيقى وآلاتها وأناسها وجمعياتها وأنواعها. وفي نفس السنة قام السيد لوسيان داروي DARROUY بنشر بحث عن (الموسيقى الإسلامية في شمال افريقية)، وكان للموسيقى الجزائرية فيه نصيب. وكان قد نشر الدراسة في مجلة الجمعية الجغرافية للجزائر، واهتم بالخصوص بموسيقى العاصمة وتلمسان. وسنرجع إلى مقاله.
ومن أبرز ما قام به الكتاب العرب والمسلمون في الحديث عن الموسيقى التي نحن بصددها، الجهد الكبير الذي بذله محمود قطاط التونسي في وصف مختلف آلاتها وفنونها ومناطقها وتطورها. وتعتبر دراسته شاملة ومفيدة. وتبدو على صاحبها روح الإحاطة والخبرة بالموضوع والاهتمام به، وقد رأينا منها الجزء الذي نشره في مجلة (الحياة الثقافية) التونسية سنة ١٩٨٤.
ومن المبكرين فى دراسة الموسيقى الجزائرية شعيب بن على، قاضى
стр. 2382
تلمسان، الذي ألف كتابا في الموضوع، وكذلك أبو علي بن محمد الغوثي، وكلاهما من تلمسان، وكان وقت تأليفهما متقاربا. كما نشر محمد القاضي كتابا حول الشعر الملحون، وأخيرا نشر جلول يلس والحفناوي أمقران كتابهما في التراث الغنائي. وفي مجلة (آمال) عدد خاص عن الشعر الشعبي، وقام عبد الحميد حاجيات بتحقيق (الجواهر الحسان) الذي جمعه محمد بن مرابط. ولا شك أن لمحمد سفنجة وسفير البودالي وغيرهما أعمالا حول الموسيقى أيضا. وسنعرض لما كتبه جزائريون آخرون أمثال محمد زروقي وطالبي في الموضوع. وقد يكون عمر راسم الذي حضر مؤتمر القاهرة المذكور (١٩٣٢) قدم عملا عندئذ سواء أثناء المؤتمر أو بعده (١).
...
إن الربط بين الموسيقى والشعر والغناء والرقص ضروري. والذي يؤرخ لهذه الأنشطة الإنسانية يلاحظ أنها مثل روح الشعب الذي ينتجها، تقدما وتخلفا، قوة وضعفا. وقد تدهور الشعر الغنائي منذ الاحتلال وكادت تختفي الموشحات. ولبس الناس لباس الحزن، كما عبر محمد بن الشاهد، وهو شاعر مجيد، وانفضت مجالس الطرب واللهو، واشتغل الناس بالحروب ثم الهجرة، وتفرقت العائلات وتشتت الأحباب، ثم تقوقع الباقي على أنفسهم وهم أقرب إلى القنوط منهم إلى الأمل والرجاء. ولذلك فإن ظاهرة الشعر الملحون - الأزجال - قد كثرت خلال هذا العهد على حساب الموشحات والشعر الغنائي الرقيق باللغة الفصحى، وذلك راجع بدون شك إلى إهمال الثقافة العربية وانقطاع الجزائري عن ماضيه وتراثه الشعبي. وماذا بقي بعد ذلك؟ بقي شعر الغزل بالعامية والشعر الديني، والتوسلات الصوفية، والفروسية، وظلت المرأة تترنم بالغناء لابنها أو ابنتها بأشعار تبدعها بعاطفتها الجياشة. كما استمر شعر الحزن والموت أو الرثاء. ولكن الشعر العامي (الملحون) خلال هذه الفترة ضعف أيضا لضعف الثروة اللغوية عند الشاعر أو
стр. 2383
الشاعرة، وضعف الثقافة الأدبية التي تهذب العاطفة وتساعد على توليد الأفكار وتقدم بدائل جديدة من لغة التراث. كما أن اللغة الفرنسية قد دخلت في الشعر الشعبي أيضا، فصرنا إذا قرأنا زجلا نجد فيه ألفاظا فرنسية تكثر أو تقل حسب الزمن الذي قيلت فيه وقرب صاحبها أو بعده من المراكز الفرنسية وتأثره بأهلها.
كما أن الرقص والغناء قد تأثرا بالعهد الجديد. فالحفلات والمناسبات قليلة، وكادت تنحصر في الاجتماعيات والدينيات. كان الغناء الديني مجالا واسعا لتطوير الأصوات وتطويعها سواء بالشعر القديم الفصيح أو الملحون. فانحصر أو كاد في الغناء الصوفي الذي يستعمل التوسل بالأولياء، واستقبال المشائخ، وشاع نوع من المدائح الدينية الغزلية - إذا صح التعبير - وهي تلك الأشعار التي يتخيل أصحابها الرسول شخصا محبوبا فينعتونه بأنواع من الألفاظ لا يستعملها إلا المحبون والعشاق. وهي أشعار تتناسب مع الأداء الصوتي الرخيم. أما الحفلات الإجتماعية فالرقص فيها للنساء، كما سنعرف. أما الرجال فلهم رقصات تسمى رقصات البارود والفروسية. وكل هذه التعابير (الغناء والرقص والشعر والموسيقى) قد اختلفت من منطقة إلى أخرى. ومن الصعب دراستها على أنها تمثل وحدة تعبيرية متميزة، ولكن لها مع ذلك قدر مشترك، وهو تلك الروح الشعبية العميقة التي أنتجتها عبقرية البيئة والإنسان.
في المدن، ولا سيما في العاصمة، كانت الحفلات تقام في المقاهي وفي خلوات خاصة طالما وصفها السواح والرحالة. وبعد الاحتلال استمرت هذه الأماكن في أداء مهمتها ولكن في شيء من الإنحلال الأخلاقي الذي يرضي الرغبات الجنسية ويجلب الشباب الأوروبي الغريب عن البلاد، وخصوصا العسكريين. وقد جيء بالنساء والولدان وآلات الطرب وأدخلت آلات جديدة للعزف وإحياء الليالي العابثة. والأوروبيون الذين حضروا مثل هذه الحفلات اعتبروها فنا جزائريا غريبا يستحق الوصف على أنه من بقايا ألف ليلة وليلة وحياة الشرق الغارق في التخلف والكسل، واعتبرها آخرون منهم فنا منحطا لا يليق بالأخلاق الكريمة، وهو خال من كل إبداع وسمو، وحكموا من خلال هذا الفن، استحقاق الشعب للاستعمار وفرض حضارة جديدة عليه. ولا
стр. 2384
ننسى أن الهجرة قد أفرغت المدن من عناصرها البشرية الراقية فنا وعلما وثروة.
ولا يسعنا هنا ذكر نماذج كثيرة من أحكام الأوروبيين الأولين على ما وجدوه في الجزائر وما عاشوه من فنون شعبية وهي الموسيقى والغناء والرقص. وسنكتفي ببعض الأمثلة. فحين حل الحاكم العام الجديد، الكونت ديرلون، بالجزائر سنة ١٨٣٤، أقام له الحضر، كما قيل، حفلة موسيقية في دار البلدية، كما أقام له الفرنسيون حفلة مثلها. وقد خصصت قاعتان في الدار، واحدة لكل نوع من أنواع الموسيقى، فالاختلاط كان محرما منذ أول لقاء بين المستعمر والمستعمر. فقد جعلت القاعة السفلى للرقص والموسيقى الفرنسية والقاعة العليا للموسيقى العربية. ووصف الواصفون خلال ذلك الذوق الراقي في التحضير والملابس الفاخرة وألوان الموسيقى، وكيف كانت الجلسة العربية من مظاهر الحياة الشرقية، وقد قلد فيها الفرنسيون العرب حتى في لباسهم وعمائهم وتدخينهم حتى ظنوا أنهم، كما قيل عنهم، في القاهرة أو في اسطانبول. وكانت القهوة تقدم في فناجين صغيرة على صحون صغيرة مفضضة حتى لا تؤذي الأصابع، وزخرفت القاعة وحيطانها بالأسلحة من جميع الأنواع وكانت الأسلحة أيضا محلاة بالفضة والأحجار الكريمة، وعرضت خلال ذلك المطروزات الزاهية. وقد حضر عشر نساء لأداء الرقص على الطريقة الحضرية. ثم بدأت الحفلة والرقص الفرنسي. ودامت الحفلتان إلى الصباح.
أما الموسيقى العربية فلم تعجب الواصف للحفلة. فقد وصفها بأنها مملة بالمقارنة إلى الموسيقى الأوروبية. وآلاتها عندئذ هي الدف (الطبل) والرباب. وقال الواصف الفرنسي إن النقر على الدفوف والغناء العربي غير المفهوم يحرج الآذان، وهذا من حكم الشعور بالتفوق طبعا، ولو كان الواصف من الطرف الآخر لوصف الموسيقى الفرنسية بأنها نشاز في نشاز. ولذلك قيل عن الموسيقى العربية والغناء العربي بأنهما لا يخضعان للإيقاعات الإيطالية والفرنسية التي تنسجم مع المعاني. ثم حكم الواصف في الأخير أن لكل بلد موسيقاه وغناءه (١).
стр. 2385
وأثناء الحفلتين وقع ما لم يكن ليقع لولا قانون التطور الاجتماعي. ففي الوقت الذي كان فيه جزائريون آخرون يقاومون العدو في متيجة وعنابة وبجاية ووهران وسهول تلمسان ومعسكر، كان بعضهم يتبادلون الأنخاب مع الفرنسيين على أنغام الموسيقى، وقد اختلط الرجال بالنساء حسب وصف الواصفين، وصفت الأزهار، ودخن الجميع النرجيلة أو الغليون الطويل على أرائك فاخرة، وهم جالسون الجلسة العربية التقليدية، وكان النادلون من الخدم (العبيد) يناولونهم القهوة الساخنة. وحوالي منتصف الليل قدمت لهم المأكولات الجزائرية والمشروبات الفرنسية، ومن ضمنها لحوم الطير والفواكه الطازجة، ومن ضمنها أيضا ما أحل الله وما حرم (١).
هذا عن المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فقد وصف الواصفون حفلات المقاهي والخلوات الليلية بما يتناسب أيضا. فقد عد بولسكي أكثر من ستين مقهى في العاصمة كانت تقوم بهذا الدور، وكلها كانت تقع في الجزء الأعلى من المدينة (القصبة). وكانت الحفلات ليلية، والطريقة هي جلوس الفرقة الموسيقية قرب مطبخ المقهى حيث يتناول العازفون القهوة المنشطة، كما كانت تقدم القهوة والغلايين للزبائن. وقد وصف لنا الواصف نوعين من الموسيقى صاخبة وهادئة. وتحدث عن فنان مجهول ظل ستين سنة وهو رفيق قيثارته بينما تحطمت آماله بالاحتلال فأضاف الحزن إلى نغمة القيثارة وكتم آلامه لأن الفرنسيين لا يسمحون له أن يصرح أو يلمح بالتعبير عن ذكريات أجداده وأمجاده (٢).
يقول بولسكي، إن الآلات الموسيقية تكاد تنحصر في الربابة ذات الثلاثة أوتار، إضافة إلى آلات النفخ الأخرى مثل الجواق والقيثار والطار
стр. 2386
الذي هو نوع غريب، في نظره، من الطبول التي تضرب عادة في الشوارع. أما آلات الصنج النحاسية، التي تصم الآذان في الاحتفالات بالأعياد وليالي رمضان فهي ممنوعة في المقاهي. إن الناس في المقهى يريدون الهدوء، وينتظرون الموسيقى التي تساعدهم على الأحلام اللذيذة والخيالات البعيدة، وتعينهم على السكينة والتأمل المناسب لطبائعهم. ولا يريدون الصخب والضجيج المرافق للحرب والفروسية لأنهما حسب قوله، يذكرانهم بماضيهم. ومن المقاهي كلها مدح بولسكي المقهى القريب من جامع كتشاوة (الكنيسة الكاثوليكية) لشهرتها ونكهة قهوتها ورقي مجتمعها وعزف جوقها الموسيقى الذي أعطاه، كما قال، علامة (جيدة جدا).
وكان رئيس الفرقة في هذه المقهى شيخا من أهل الحضر، وكان يعزف على الرباب بطريقة أصيلة ملفتة للنظر، وكان يحرك رأسه تبعا للمعاني والآلام التي يحملها، وكان يعبر بملامح الوجه عما يعتمل في دمه من حريق ووجد، كل ذلك كان مرفوقا بإشارات حزينة ورتيبة تعتبر في عين المتفرج وأذنه تسلية مثيرة. كان هذا الشيخ هو أحد الموسيقيين للداي حسين باشا. وقد ظل طيلة ستين سنة من حياته يغني ويعزف في مثل هذه الحفلات. وليت بولسكي أعطانا اسم هذا الفنان المجهول الذي غاب في التاريخ دون أن نعرف اسمه، حاملا معه هموم وطن عزيز استباحه العدو وشعب كريم أذله. كان هذا الشيخ الفنان محل تقدير العائلات التي غنى لها في الأفراح والأتراح. فطالما أفرحهم بمعزوفاته وصوته أثناء أحزانهم وأوجاعهم، فعند الميلاد والزواج كانت ألحانه ترقص الراقصين وتوجه خطواتهم، وعند الجنائز كانت أوتاره تئن بالنغمات الرتيبة التي تتناسب مع مشاعر الأسى كما تتناسب مع مشاعر الفرح. فمن هو يا ترى هذا الفنان؟.
وهناك مقاهي أخرى أو مقاصف في الحقيقة، للرقص والغناء واللهو والعبث، وقد ذكر لنا منها بولسكي ثلاثة: مقهى شارع الديوان. وكان يملكه أحد أثرياء الحضر، وهو من عائلة إبراهيم شاوش الذي كان، كما قالوا، جلاد الداي حسين باشا والذي كان رجل سلطة وقوة. وكان الحضر يحترمون صاحب هذا
стр. 2387
المقهى الذي لا نعرف من اسمه سوى أنه شاوش. وفي هذا المقهى كانت الفتيات يرقصن أيضا على أنغام الموسيقى، كما كن يغنين مع مطربين آخرين. ولا ندري هل كان ذلك الاختلاط قديما أو جديدا حدث مع الاحتلال. ومهما كان الأمر فإن هذه الحياة الليلية كانت لها قوانينها الخاصة حتى في العهد العثماني.
وهناك مقهى آخر كان يملكه أحد اليونانيين، وكان صاحبه يستجلب الزبائن إليه بشتى أنواع الإغراءات، حتى المنحطة منها. ويقول بولسكي إن أسوأ الأهالي كانوا يخالطون أسوأ الأوروبيين. وقد سبقه إلى ذلك ابن خلدون حين قال إن المغلوب مولع بتقليد الغالب. ولعله لا يعرف مثلنا الذي يقول إن الطيور على أشكالها تقع. ولا يهم بعد ذلك دين ولا وطن. فالغرائز واحدة والحيوانات تظل هي هي ولو نقلت من قارة إلى أخرى. ويفيدنا بولسكي أن أحد الرسامين الفرنسيين رسم صورة لهذا المجتمع المتسفل أو الخليط السافل، كما سماه، فجاء بصورة فظيعة عن الحياة في الجزائر عندئذ. وإنما هي البداية فقط، فنحن ما نزال في أول العهد الاستعماري. ومع ذلك يعتب الفرنسيون على الجزائريين الذين لم يرسلوا أولادهم إلى مدارسهم التي تحمل أنوار الحضارة!.
ويبدو أن المقاهي الأخرى كانت (متخصصة). فكل مقهى كان مختصا بتقديم حفلة أو موسيقى متميزة لزبائنه. فهناك تنافس على جلب الزبائن والتنفيس عن أحزانهم ودغدغة عواطفهم، وجمع المال من حرامه وحلاله. كما كانت للزنوج موسيقاهم التي يزفون فيها آلاتها يوم العيد. وكانوا يجوبون الشوارع ويضربون الدفوف بطريقة تصدع الآذان، حسب سواح ذلك الوقت، وهم لا يتصرفون إلا إذا قدم إليهم المارة قطعة أو أكثر من النقود (١). والمعروف أن حفلات المقاهي كانت تنشط خلال شهر رمضان حين يطول السهر، ويباح الخروج حتى للنساء أحيانا ويكثر اللعب والأكل واللهو ليلا. وكان بعضهم يسمي ذلك النشاط مهرجانات رمضان.
стр. 2388
وهناك محترفون وهواة لهذا النوع من الفن. فإذا غاب المحترفون ظهر الهواة ليملأوا الفراغ. كانت لهم آلات عديدة للعزف. منها الرباب ذو الوترين. وكان العازف يمسك بها على طولها، ويعزف آخر على آلة مثل الماندولين، والآخر يضرب على الدف (البندير)، وآخر يضرب بقطعتين من المعدن على بعضها ضربا صاخبا، وهو يزينها باسم (كاستانييت). وإلى جانب هؤلاء العازفين والضاربين هناك آخرون يأتون بالأصوات والحركات مما يؤلف جوقة (أوركسترا) متناغمة. ولكن الناقدين الأروبيين التي يحسونها خدشا في الآذان. فهم ينظرون إلى ذلك العزف كله على أنه جملة واحدة تتكرر، وهم يسمونه نوعا من (التريمولو) الذي يتبعه نوع آخر من الانتقال أو (الفورت أو بيانو Forte au Piano) ويعتبرون هذه الموسيقى كسولة ومنومة. وهي من حيث التأثير تجعل السامع يصر أسنانه، حسب تعبير أحدهم (١).
وبعض الحفلات الموسيقية كانت نسائية محض، وتستغرق أحيانا طول الليل. وتذكر إحدى السائحات الأوروبيات أنها حضرت سنة ١٩١١ بالعاصمة حفلة أقامتها الحاجة خميسة على أثر رجوعها من الحج. وكانت الحاجة تسكن القصبة. وكانت الدار العربية ذات عرصات مرمرية، وحضرت الفرقة الموسيقية النسائية وحضر حوالي ثلاثين امرأة، وهن مثقلات بالجواهر والزهور، ورقصن وتناولن العشاء والحلويات والشاي. واستمرت الحفلة إلى مطلع الفجر (٢). ولم تذكر هذه السائحة الإنكليزية التي حضرت مع صاحبتها الفرنسية، اسم الفرقة ولا صاحبتها. ولعل هذا النوع من الحفلات هو الذي ورثته مريم فكاي وفضيلة وغيرهما.
هذا عن الموسيقى عند الذين لم يتذوقوها أول الأمر من الأوروبيين، أما الرقص فقد قلنا إنه كان خاصا بالنساء عادة، فكن يمارسنه في حفلات المزوار. والنسوة اللائي يمارسن الرقص لسن من الحرائر ولا من بنات
стр. 2389
الأصول والعائلات المحترمة. وقد كثر البغايا مع الاختلال وتطورت الخلاعة والمجون وأصبحت علنية متحدية بعد أن كانت محتشمة ومختفية. وقد وصفت السيدة بيلي العاصمة خلال الستيان من القرن الماضي، فقالت إنها كانت تعج بالمقاهي الموسيقية والمغنية والراقصة. فقد راجت سوق هذا الفن الخليع، وظهرت العاهرات من كل لون والخليط من كل جنس، وانتشر رقص هز البطن لإغراء الشباب والسواح الذين يرون في ذلك نمط حياة العرب والشرق. وكثرت أماكن البغاء. ووقف عندها العسكريون والمدنيون، وانتصب بعض هذه الأماكن قرب إحدى الزوايا فاضطر زوارها إلى هجرها (١). وقالت السيدة بيلي إن الرجال الفرنسيين لهم نوعان من الحياة، حياة في فرنسا بطقوس معينة وحياة في الجزائر طليقة وعابثة، ولعلها نسيت أن تقول عن الجزائريين أيضا نفس الشيء. وقد اشتهر شارع قطع الرجل الواقع بالقصبة بالنشاط المشبوه حيث اليهوديات وبعض الزنوج والشواذ من كل صنف (٢).
وكان بعض الفرنسيين أو من يسميهم أشيل روبير بالمشبوهين، قد صدروا رقص هز البطن إلى الخارج أيضا تشويها لصورة الجزائر وصورة الإنسان العربي. وألصقوا ببعض النساء النائليات هذا النوع من الرقص. وكان الغرض من تصدير الرقص المتاجرة به وجلب الزبائن، كما حدث في معرض باريس الدولي سنة ١٨٨٩. وقد قال عنه روبير إنه بعيد كل البعد عن الفن الأخلاقي والجمالي، واعتبره رقصا منفرا لبعده عن الأخلاق والجمال (٣). ولكن المدن الجزائرية لم تصب كلها بهذا العفن، فقد بقيت في أغلبها محافظة على أصالتها طيلة العهد الاستعماري رغم المغريات والمؤثرات الكثيرة التي كانت تدفع إلى التغيير والانسلاخ عن الأصول الفنية والأخلاقية. وسنتحدث عن أنواع
стр. 2390
الموسيقى التي ظلت تقام في تلمسان والعاصمة وقسنطينة وعنابة والبليدة، وموسيقى الحفلات العامة، والدينية، والعروبي في العاصمة والحوزي في تلمسان والمالوف في قسنطينة، ومشاركة النساء بالأغاني، وأنغام الحب والحرب.
إن الأوربيين الذين كتبوا عن الموسيقى العربية أو لاحظوها واستمعوا إليها لم تعجبهم واستغربوا من انعدام الشعور بالهرمونيا عند العرب المسلمين في الجزائر. وهذه السيدة بروس التي عاشت في الجزائر خلال الأربعينات من القرن الماضي، أي بعد ربع قرن فقط من الاحتلال، لاحظت أن الآلات الموسيقية الأوروبية كانت متوفرة لدى الجزائريين. وكانوا يستعملون آلة الرباب ذات الوترين. وقالت إن الموسيقيين العرب يعزفون أيضا على الماندولين الإيطالية، ولكن بدون ذوق ولا منهج، كما كانوا ينفخون آلة الجواق (القصبة) ذات الثقب الثمانية. أما عن الهرمونيا فقد قالت إنه ليس لدى المسلمين شعور بجمالها الذي لا يفهمه، حسب رأيها، إلا القليل منهم. وقد أوردت شاهدا على ذلك، ولكنه قد لا يكون حجة لها. فقد قالت إنها سألت أحد المستمعين الحضر، وكان حاضرا لحفلة أوروبية باسم (ويليام تيل) أحيتها فرقة عسكرية - سألته عن رأيه في الحفلة والموسيقى، فاجابها أنه لا يفهم لماذا كل هذه الآلات التي تفسد بعضها البعض. وقد اندهشت من جوابه الذي دل في نظرها، على عدم تذوقه للهرومونيا وتناغم الأصوات الموسيقية وتداخلها وأدائها جميعا أداء مؤثرا واحدا متكاملا، وهو الانفعال بالجمال والتسامي في المشاعر. وقالت إنها كادت ترد عليه بمثل رده وتقول له: (إن موسيقاه العربية البغيضة أكثر ملاءمة لأذنيه) (١) وهكذا كان يختلف الذوق ويتصارع الفعل الحضاري بين الطرفين.
...
ولعل الرجل الذي حكم على الموسيقى العربية بعد دراسة هو دنيال سالفادور، فهذا الفنان كان رأيه في الموسيقى العربية مثل رأي الأوروبيين
стр. 2391
الآخرين قبل أن يدرسها ويندمج مع عازفيها ويتذوقها وتعود أذنه عليها. وقد روى علاقته بها في عبارات دالة. فقال إنه سكن العاصمة منذ ١٨٥٣، وكان في أوقات فراغه يعزف الموسيقى العربية، ولكنه لم يفهمها في البداية، فأخذ يخالط أهلها وعاش معهم وعزف على آلا تهم، وبحث عندهم عن النغمة والنبرة والآلات والإيقاعات. وظهر له أنها موسيقى تحتوي على نوطة وقواعد متينة، ولكنها كانت تبدو له ولأمثاله نوعا من الضجيج والصخب. ثم كرس حياته لها فدرسها عن كثب ودرس الأشعار الغنائية وأنواع الرقص المرافقة لها. ولاحظ أن الأوروبيين لا يتذوقون هذه الموسيقى ولا يحسون بجمالها، لأنهم لم يتعو دوا على سماعها.
ثم أخذ سلفادور يسجل ملاحظاته على الموسيقى العربية عموما. والجزائرية خصوصا، بعد أن تجول في البلاد، وزار تونس والإسكندرية والأندلس، وجمع الأغاني الشعبية حتى بلغ ما جمعه ٤٠٠ أغنية. ومن رأيه أن العرب قد استعاروا الموسيقى من الإغريق بواسطة آلتي القصبة والجواق (الناي). وقال إن الموسيقى العربية المعاصرة هي نفسها الموسيقى التي كانت شائعة منذ القرن الثالث عشر الميلادي (عصر الحروب الصليبية) وزعم أن الأوروبين أنفسهم لا يعرفون شيئا تقريبا عن الموسيقى السابقة لذلك العهد. وحكم سالفادور أن الموسيقى العربية موسيقى سماعية محفوظة في الذاكرة فقط وهي غير مسجلة. وأن العرب لم يحتفظوا بنظريات موسيقية سالفة. والذاكرة وحدها لا تكفي في هذا المجال بل لا بد من التدوين، لأن كثيرا من الإيقاعات السابقة قد ضاعت ونسيها الناس. وروى سالفادور بعض آراء الدكتور بيرون في المرأة العربية والموسيقى (١). ومن رأي سالفادور أن الأوروبيين الذين كتبوا عن الموسيقى العربية كانوا غالبا يجهلونها. وأنهم
стр. 2392
اعتمدوا في ذلك على مصادر قليلة. فوقعوا في الخطأ.
وبناء على رأي سالفادور فإن الموسيقى العربية متميزة، وهي تقوم على قواعد وأصول معينة تماما مثل ما هو الحال بالنسبة للموسيقى الأوروبية. وتحتوي على أربعة عشر طبعا أو إيقاعا. والإيقاعات أو الطبوع تقوم في نظره على النغمة ونصف النغمة مثل الموسيقى الأوروبية، لكن العرب ليس لهم أولا تتميز عندهم نغمة الثلث وكذلك ربع النغمة. والإيقاعات الأساسية عندهم هي: العراقي والمزموم والذيل والجيركة. وهناك أربعة ثانوية وهي: اللسين (؟) والسيكة والماية ورصد الذيل. ولاحظ أن العرب لا يكادون يعرفون منها سوى اثني عشر إيقاعا، ولذلك لم يتوصل هو إلى معرفة الإيقاعين الباقيين. وقد قام بدراسة الأربعة الأساسية بالتفصيل. فقال إن نغمة المزموم ترقص عليها نساء قسنطينة، وهي نغمة بطيئة، وتعبر عن أغاني الحب. ونغمة الذيل تمثل رقصة الحرب والفخر. كما درس سالفادور النغمات الثانوية. أما النغمات (الإيقاعات) الأخرى فهي: رمل الماية، والصباح، والزيدان، والغصين (١)؟.
والحفلة العربية في نظره تقوم على (النوبة) و (البشراف). والنوبة هي القطعة الموسيقية الكاملة في الحفلة. وقد أطال في وصفها، ولاحظ أنها تبدأ بطيئة ثم تأخذ في تصاعد الألحان إلى أن تنتهي. أما البشراف فهو نوع من التمهيد للنوبة لكي يتغير الإيقاع (٢).
من دراسة سالفادور للموسيقى العربية نفهم أن للعرب حبا جارفا للموسيقى، فهم كما قال يتزاحمون على سماعها ولو كان العازف لها من اليهود. ومن هذه الملاحظة انطلق سالفادور إلى القول بأن أشهر المغنين في الحفلات هو اليهودي يوسف عيني المعروف باسم بالخراية. ونحن نفهم من
стр. 2393
ذلك أن المجال كان فارغا من الفنانين العرب لأسباب منها ربما انقراض الجيل الباقي من العهد العثماني، واهتزاز قيم المجتمع الحضري بعد جيل (كتب هو سنة ١٨٦٢) من الاحتلال والاستعمار. ولو كان هناك تواصل لما خلا الجو ليوسف عيني ليكون أشهر المغنين في الحفلات الحضرية. والغريب أن الفرنسيين قد التجأوا إلى هذا اليهودي ليغني أمام نابليون الثالث وزوجته عندما زارا الجزائر سنة ١٨٦٠ و (ليمثل) أهل الحضر وأغانيهم الشعبية وليكون (رئيسا للموسيقيين الأهالي) حسب تعبير سالفادور (١).
أما عن الآلات الموسيقية فقد ذكر سالفادور أنها واحدة عند العرب والإغريق، وعند يهود الأندلس وعند الإسبان. ومنها القصبة، والجواق (أربع ثقب) ومزمار داود، والطار والدف، ثم الغيطة، والطبل والدربوكة والكمنجة، والرباب والقيثارة (الكويترة). ولاحظ أن الفرقة العربية كانت تعزف جماعيا ومن ثمة فلها أداء منسجم أو هرموني (٢).
ويبدو أن سالفادور قد استمر في دراسة الموسيقى العربية. فقد قيل إنه قام سنة ١٨٧٩ بفصل الأجزاء المتأثرة بالموسيقى الإغريقية وأبقي على ما هو متصل بالنوبة الشائعة في المدن مثل العاصمة وقسنطينة وتلمسان (٣).
وذكر السيد سالفادور أسماء آلات لم نجدها إلا عند السيد نجيب ماضي، مثل الصبا، والحسيني. وهناك بعض الأسماء لم نهتد إلى أصلها وربما يرجع ذلك إلى سوء النطق والتهجية. ويستعمل ماضي العلامات للنوطات. وجاء بأسماء أخرى متناثرة فيما يبدو بالعثمانية والفارسية، مثل الديوان، والسيكاه (السيكة) والجيهاركاه (الجيركة). ومن الآلات الوترية
стр. 2394
ذكر ما يلي: العود وله سبعة أوتار مزدوجة، والقيثارة ولها خمسة أوتار، والكمنجة الأوروبية ولها أربعة أوتار، والكمنجة العربية ولها وتران فقط، والطنبور وله ثمانية أوتار واعتبره من أسهل الآلات وأكملها. ثم القانون وهو ذو أبراج، ولكل برج فيه ثلاثة أوتار مركبة فيكون مجموع ما فيه من أوتار أربعة وعشرين وترا. أما الآلات النافخة فذكر منها نجيب الماضي: الناي والمزمار والأرغن والكرفت والسرناي والجناح، وكلها ذات ثقب إلا الأخير (١).
موسيقى البادية
وقد وصفت موسيقى البادية وأغانيها ورقصاتها في عدة مناسبات. فللبادية أيضا أعراسها وفروسيتها وحروبها وأحزانها ولها أشعارها وخيالاتها، ولها نساؤها ورقصاتهن المتميزة حسب المناطق. ونقصد بالبادية هنا ما عدا المدن، فالجبال والسهول والصحارى كلها بادية في هذا المعنى. وقد نسبت الحركات والرقصات والموسيقى إلى مناطقها أحيانا حتى شاع لفظ العبداوي (أولاد عبدي بالأوراس)، والنائلي، والسعداوي (بو سعادة)، والقبائلي، والقصراوي (قصر البخاري)، الخ. وفي البادية كانت المرأة أكثر تحررا في الظهور ولكن باحتشام. فهي التي تقوم بدور المنشط للحفلات بالزغاريد والرقص، ويكفي حضورهن ليأتي الرجال بالعجائب في الفروسية أثناء السباق، ودقة إطلاق البارود وسرعته، وتكون الحفلات في البادية أيضا فرصة للتعارف والتلميح بالخطبة بين الشبان والشابات، وإنشاد أشعار الغزل والفروسية، والجري في السباق مع خفة ومهارة.
ومنذ ١٨٥٩ وصف أحد الكتاب الأجانب مقاهي بسكرة بأنها مقاصف للموسيقى والرقص النسائي. وقال إن المغنين كانوا في حضور دائم. ثم وصف النساء بأنهن كن مثقلات بالجواهر والملابس المزركشة، وكن يعتبرن
стр. 2395
ذلك أقصى أنواع الزينة، كما كان الوشم يعلو خدودهن (١).
والمرأة العربية ترقص وحدها، وقد تترافق مع زميلة لها أو أكثر. ويظل وجهها مغطى بحرير شفاف يظهر ملامح الوجه للمتأمل. ورقص المرأة لا يكون إلا في الحفلات التي تقام للمناسبة كالزواج والختانة وغيرهما حيث لا يحضر الرجال. وهي مناسبات قليلة ولا تدوم إلا لحظات. وهناك أمداح خاصة تقيمها النساء للنساء في غياب الرجال، وتدوم عدة ساعات وترقص النسوة فيها طويت على أنغام الدف والطبل وبعض الآلات الأخرى. أما أثناء الحفلات العمومية المكشوفة والتي يمكن أن يحضرها الرجال عن بعد، فإن النساء يرقصن فيها، ولكن بعد أن تتقدم فتيات صغيرات إلى الميدان مغطاة الوجوه ومحتشمات، ويبدأن الرقص بالمناديل الحريرية في حركات بطيئة، وعندما تنشط الموسيقى وتسرع الحركات تبدأ النسوة في الدخول إلى الحلبة والرقص، ثم تتشجع أخريات فيتقدمن أيضا للرقص، وشيئا فشيئا تزدحم الحلبة وتصخب الموسيقى وتسرع حركة الرقص على أصوات الغيطة والقصبة وزغاريد المشجعات وطلقات البارود المتقطعة. وكلما انسحبت بعض النسوة من الحلبة تقدمت أخريات إليها وهكذا، إلى أن ينتهي الحفل. وأحيانا، يتقدم أحد الرجال ويطلق البارود عند رأس راقصة تعبيرا عن الحب والإعجاب، كما تدل الطلقة النارية الدقيقة على المهارة في التسديد والفروسية.
وقد لاحظ أحد الكتاب، وهو أشيل روبير، الذي لم يعجبه الرقص العربي، أن الفن الكوريغرافيكي غير متطور عند العرب. وحكم بأن رقصاتهم لا تشبه في شيء رقصات الأوروبيين. فليس عند العربي نوع الفالس ولا البولكا. لأن المرأة لا ترقص مع الرجل، ولا وجود لحفلة رقص أو (بال) على الطريقة الأوروبية. ولا ترقص المرأة أمام العموم. والرجال لا يأتون الحفلات إلا كمتفرجين عن بعد، وليس في هذه الحفلات كراسي، وإنما الجميع يجلسون مباشرة على الأرض أو فوق أفرشة وبسط. والرقص في نظر
стр. 2396
روبير متشابه ولا يختلف إلا في نمط الحركات. وقال إن هذا الرقص لم يثر انتباهه رغم أنه حضره عدة مرات، لأن حركاته غير منسقة وغير منسجمة. ثم إن الموسيقى صاخبة وغير متلائمة مع الفن الكوريغرافي. وقد وصف رقصة السعداوي حيث امرأتان ترقصان بخفة ورشاقة ملوحة كل منهما بمنديلين من الحرير، وتتقدمان بخطى وحركات خفيفة إلى الأمام ثم تتراجعان إلى الخيمة وسط زغاريد النساء الأخريات. وقال إن بعض النسوة يمارسن أيضا. رقصة السيف. ولاحظ أن الراقصات يؤتى بهن من عالم غريب في مثل هذه المناسبات العامة. وأثناء حفلات الزفاف لا تشترك العروسة في الرقص (١).
وليس كل الأوروبيين لهم نفس هذا الرأي حول الموسيقى والرقص الجزائري. فقد رأى السيد بودلي أن الموسيقى تبدو حادة على الأذن غير المتعودة، ثم تصبح جميلة ومقبولة ومجحببة. والآلات لا تكاد تخرج في البادية عن الغيطة والدف والرباب والقصبة ... وتتميز موسيقى الجنوب بالقصبة الطويلة والغناء المرافق بأشعار الحب والفروسية. وتصبح الموسيقى في هذه الحالة تصويرية للحكاية. وكما أن هذه الأشعار لا تكاد تخرج عن الغراميات والدين، فكذلك الغناء فإنه إما غرامي وإما مدائح وتوسلات دينية. وهناك رقص في غرداية حيث فرقة من الرجال تقف في صفين وتبدأ في حركات محددة، ثم تتقارب الصفوف ثم تنفصل لكي يرقص كل صف وحده، وهكذا. وقد عرفنا أن الرجال قلما يرقصون، ولكن هذا الكاتب يخبرنا أن بعضهم كان يرقص في المقاهي بالمدن فرادى أو رجلين معا، وأحيانا حتى مع المرأة. وأكد الكاتب أن هناك فرقا موسيقية متنقلة من الرجال والنساء خلال العشرينات من هذا القرن. ولعله يشير إلى التطور الذي حدث بإنشاء المسرح الذي تحدثنا عنه، مثل فرقة الزاهية لعلالو والمطربية ليافيل. كما أن هناك الرقص الزنجي الذي له فرق أيضا، من النساء والرجال، ولا شك أن ذلك موجود في الجنوب بالخصوص. وحركات اليدين عند الراقصات النائليات تمثل عند الكاتب أجنحة النسر، كما أن
стр. 2397
حركات الرجلين عندهن فيها رشاقة ملحوظة. والرقص النسوي غير خاص بالنائليات طبعا (١).
آراء في الموسيقى التراثية
أ - رأي محمد سفنجة ورواني: في ١٩٠٥ قام السيد رواني بدراسة للموسيقى العربية في الجزائر واستعان في ذلك بالسيد محمد بن علي سفنجة رئيس الموسيقيين الجزائريين عندئذ (باش قياثري). وكانت الدراسة لاحقة لنشر إدمون يافيل تسجيلاته عن الموسيقى الجزائرية سنة ١٩٠١، كما ذكرنا. وقد شجع الحاكم العام شارل جونار، الاهتمام بهذه الموسيقى وارتبط ذلك التشجيع بعدة جوانب من الحياة الثقافية الأخرى. وقد لاحظ رواني أن هذا الاهتمام قد أدى إلى إنقاذ هذا الفن الموسيقي الذي يحتقره الفرنسيون ويقارنون بينه وبين الموسيقى الفرنسية ثم يخلصون إلى تخلفه وانحطاطه ويهملونه، وقد أصيب بعدة نكبات خصوصا منذ عهد الجمهورية الثالثة إذ شمل الإهمال والاحتقار كل حياة الجزائريين بما فيها الموسيقى الأهلية. ويذهب رواني إلى أن الموسيقى العربية ما تزال قائمة منذ عهد الخلفاء الراشدين. وزعم أن سجلات الموسيقيين كثيرة وجاء بشهادة (المعلم) سفنجة على وجود ألف نغم مما يعرفه هو وحده.
ونحن لم نتصل مباشرة بسجلات المعلم سفنجة ولذلك سنأخذ آراءه مما رواه هو لرواني. يقول سفنجة إن هناك أولاد النوبات المتألفة من مقدمة وافتتاح وإنشاد بطيء جدار ثم إنشاد أسرع منه، يأتي متتابعا بطريقة محددة، ومنتظمة. وكل الموسيقى تكتب على وتيرة واحدة. وتفسير ذلك أن الموسيقى تتألف من أجزاء متميزة ومحددة بدقة. فهناك المستكبر الصنعة وهو نوع من التمهيد يعدل العازف خلاله آلاته ويجربها. ثم هناك التوشية أو
стр. 2398
الافتتاح الموسي، ثم المصدرات أو الكرسي، ثم يأتي البطاحي مسبوقا أيضا بالكرسي في حركة سريعة، ثم الدرج، ثم انصرافات، وهي سريعة، ثم يأتي المخلص وهو أسرع من السابق، وهكذا فإن كل نوبة تتألف من ٢٠ إلى ٢٥ نغمة منه.
والنوبات هي المفضلة دائما عند الموسيقيين. ويطلق عليها الموسيقيون المحترفون اسم (الموسيقى الغرناطية أو الأندلسية)، وتسمى أيضا الموسيقى القرطبية والإشبيلية، وهي تمثل الذكريات القديمة والمجيدة للعرب والمسلمين وروح حضارة ازدهرت وشعت على أوروبا وغيرها. إنها عند البعض هي الموسيقى الكلاسيكية، وهي موسيقى الصنعة Sana'a . والعرب، كما يقول رواني، يعتبرونها هي فن الأوبرا عند الأوروبيين. وتختلف النغمات في النوبات، حسب الوقت والمزاج، وبذلك يتشكل الصوت أو النغم. وكل حفلة موسيقية عربية تختلف نوباتها عادة بحسب الوقت. مثلا إذا وقعت الحفلة بعد الظهر فإن نوباتها تكون كما يلي:
من الساعة الواحدة إلى الثانية: نوبة سيكا
من الرابعة إلى السادسة: نوبة رمل
من السادسة إلى الثامنة: نوبة رمل مايه
من الثامنة إلى منتصف الليل: نوبة مجنبة وغريب تحسين
من الواحدة إلى الثانية صباحا: نوبة رصد ومسمون (مسموع؟)
من الثانية إلى الثالثة: نوبة عربي
من الثالثة إلى منتصف النهار: نوبة ماية، ذيل، رصد ذيل
ومن جهة أخرى، فإن هذه النوبات تتماشى مع الشعر الذي يغني أيضا من حيث المعاني، فمثلا نوبة مايه تتغنى بالشعر الغنائي الذي يمجد الطبيعة، وهكذا (١).
стр. 2399
كما تحدث المعلم سفنجة لرواني عن النقلبات، تلك الأغاني الأقل كلاسيكية والتي يقدرها الناس كثيرا. وهي مسبوقة بمقدمات يظهر فيها المغني والمطرب العازف على الآلة قدرته وتحكمه في النغم. وقد حدثه أيضا عن الموسيقى المسماة (العربي) أي موسيقى المدن الكبيرة، وعن موسيقى الحوزي وهي موسيقى المدن الأقل أهمية. ثم حدثه عن القصائد وعن القدريات ثم عن الزنداني. والقدريات والزنداني يتضمنان أغاني شعبية مخصصة للنساء وليس هناك مطرب حسب رواني، يرغب في أداء هذين النوعين (القدريات والزنداني)، ولكنهما مع ذلك معروفان لكل الناس في الجزائر، ولهما قيمة كبيرة في التوثيق والتقاليد الشعبية. وكنموذج لهذه الأغاني العربية الشعبية فإن المسمعات كن ينشدن (يا مولات العين الكحلا)، وهي زنداني تونسي يقصد به كل امرأة لها عينان سوداوان جميلتان.
وإضافة إلى ذلك هناك الأغاني الدينية. وهي عادة تقوم على تمجيد القرآن الكريم وسيرة الرسول ﷺ . وكذلك الختمات والأدعية والتوسلات، والإسراء والمعراج ونحو ذلك. فكل هذا كان يغني بالنوبة الغرناطية في الاحتفالات الدينية (١).
أما الآلات الموسيقية المستعملة إلى فاتح هذا القرن فيذكر منها المعلم سفنجة لرواني مجموعة بأسمائها. ومن بين هذه الآلات ساذج قديمة جدا ترجع، كما قال، إلى العصور الإسلامية الزاهرة، وقد حافظ عليها معلمون موسيقيون بارزون. وهذه هي أسهاؤها وبعض صفاتها:
١ - الكويترة (القيثارة)؟ وهي بنت اللوث Luth القديم، فهي من الآثار الباقية.
٢ - العود الفارابي، أيضا من الآلات القديمة، ومنها الأثر الإغريقي.
٣ - الرباب الجزائري الذي يختلف عن الرباب الفارسي، وهذا هو
стр. 2400
الجد للرباب الجزائري، وله وتران بدائيان. وجسم الرباب من خشب الأرز.
٤ - الكمنجة، وهي آلة عصرية حلت محل الكمنجة العربية - الفارسية في الجزائر، منذ حوالي قرنين (حوالي ثلاثة قرون الآن). وهي تشبه الرباب. Violin
٥ - القانون، وهو آلة من الآثار العبرية والآشورية. وهناك أيضا آلة القانون المصري.
٦ - الطار، أو الطبل أو الدف، وهي آلات متشابهة ولكنها مختلفة في إيقاعاتها.
٧ - الدربوكة، ولها علاقة بالرقص، وهي ترجع إلى عهود مصر القديمة.
٨ - الجواق أو الناي Flute، وآلة القنبري أو القيتارة الصغيرة، ثم الغيطة المستوردة إلى الجزائر من بلاد الترك (١).
ويأتي بعد ذلك الحديث عن الغناء والمغنين والمغنيات. وقد كان المعلم سفنجة باشں قياثري في الجوقة (الفرقة) النسائية، وهو الذي استخرج أغنية كانت شهيرة عنوانها (القد الذي صباني)، من ديوان قديم، وهي من نوع السيكة. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الراية القديمة بين الأغنية العربية والأندلسية، ولذلك فإن ما بقي منها محفوظا كون مرجعا للمؤلفين يرجعون فيه إلى ماضي الموسيقى العربية المجيد، وهم لا يتأثرون بأي نوع من أنواع الموسيقى بل يستعيرون من تراثهم المذكور، وهكذا كان يفعل الأهالي، كما يقول رواني الذي لاحظ أن السيكة قد طرأ عليها تغيير منذ حوالي ثلاثين سنة (أي منذ حوالي ١٨٧٥)، وذلك بإدخال النغمة الطويلة عليها. ولعله روى ذلك عن سفنجة أيضا. كما ذكر أن ميزان القصيدة في تلمسان هو: ٣ أوقات، يتلوها ٣ أوقات، ثم وقتان.
стр. 2401
وأورد رواني قائمة من أسماء المغنين عندئذ، وكان أغلبهم من المسلمين، ولكن كان من بينهم أسماء أجنبية يبدو أن أصحابها من يهود الجزائر (١). ويقول رواني إن هؤلاء المغنين كانوا يعتبرون آخر الممثلين للموسيقى العربية في الجزائر، وإنهم ورثة هذا الفن عن معلميهم الذين عاصروا الاحتلال الفرنسي. ولم يذكر لنا رواني ذلك الفنان المجهول الذي قضى ستين سنة من عمره يئن على آلة القيثارة ويطرب جمهوره الحزين في أحدى المقاهي بالقصبة. ولعله هو المسمى الحاج إبراهيم. وقد كان للحاج إبراهيم ابن يدعى الوليد، وكان أيضا من المغنين. ثم أورد أسماء أخرى مثل ابن سلام، ومنامش، وابن القبطان. وكان ابن القبطان من عائلة معروفة تعلم القرآن الكريم للأطفال (٢). وكثيرا ما كانت الصلة وطيدة بين تجويد القرآن والغناء. واعتبر رواني محمد بن علي سفنجة أشهر المغنين الكلاسيكيين (الأندلسيين) في الجزائر عند كتابة مقاله، ثم ذكر موزينو وتواس الضارب على آلتي الرباب والكمنجة. وكان تواس مغنيا أيضا وسجل صوته على آلة الفونوغراف. ثم لاهو سرور، وهو مغني ولاعب على الكويترة أيضا. أما العازف على القانون فكان قدور بن وليد الطيب الذي يعد من الأفذاذ في هذا الفن في وقته، ثم محمد بن علي الشريف الضارب على الطار. ومنهم أيضا، علي ماضي (مهدي؟).
وهناك فريق من المغنيات أيضا، ويعرفن بالمسمعات، وكانت العائلات تبحث عنهن لإحياء الحفلات خلال المناسبات الاجتماعية كالزواج والختان وعودة الحجيج. ومنهن: يمينة بنت الحاج أحمد مهدي. وقد اعتبرها رواني أولى المغنيات والضاربات على الآلة. ثم فاطمة بنت محمد التي كانت تعزف أصعب الأنغام على الدربوكة. وهناك أختان مغنيتان، وهما زهور وتماني بنتا حامد، وكلتاهما كانت تضرب على الطار.
стр. 2402
ولكن رواني أنذر بأن هؤلاء المشاهير في الطرب والموسيقى ليس لهم تلاميذ يأخذون عنهم، وأن مصير الموسيقى العربية بعدهم يتهدده الإندماج في موسيقى الغير والإنقراض تحت شعار التقدم. وإذا كان لهم هم سند أخذوا عنه قواعد الموسيقى والغناء فليس لهؤلاء سند يستمر في غيرهم. ودق ناقوس الخطر قاتلا إن الموسيقى الأندلسية (الغرناطية) ستختفي مع هؤلاء، وستنسى بعدهم الغراميات الكلاسيكية الجميلة. وقال إن هناك بعض النساء وبعض الهواة ولكنهم ليسوا من الدرجة التي تحافظ على هذا التراث الرائع. فهذه نكبة، على حد تعبيره، وقد تفطن لها الحاكم شارل جونار (١). ولكنه لم يذكر لنا ماذا فعل لتفادي وقوع النكبة، ولعل إنشاء جمعية (المطربية) وظهور رشيد القسنطيني وعلالو بعد الحرب العالمية الأولى يأتي في هذا السياق. إن رواني قد نظر إلى الموسيقى العربية عندئذ نظرة تراثية. وقد نبه جمهوره إلى ذلك. فقال إنها موسيقى غير متطورة أو تعبر عن فن متطور في حد ذاته ويتماشى مع العصر، فهي فقط عمل أثري مهم (وإنتاج شعب يعيش في البداوة)، فهي في نظره ظاهرة تاريخية ويجب أن ينظر إليها هكذا (٢).
ب - رأي بارتوك: وها هو المستشرق المجري بارتوك يدرس أنواعا أخرى من النغمات الموسيقية. ويركز على إنتاج الآلات الصحراوية، أو إذا شئت الموسيقى البدوية. فقد حل بالجزائر سنة ١٩١٣ وذهب إلى منطقة بسكرة فدرس فيها نماذج من الموسيقى الأوراسية والميزابية والورقلية والزنجية وغيرها. وقسم أنواع النغم إلى ثلاثة، وهي الغناء أو الأشعار الغنائية الغزلية، والقصيدة المختصة عادة بمدح المرابطين والتوسل بهم، وإذا شئت الأغاني الدينية. أما الثالث فهو الغناء المرافق للرقص بالآلات. وهذه الآلات فيها ما عرفناه في المدن، وفيها ما ليس في المدن. فهناك الآلات التي تنفخ مثل الجواق والقصبة والغيطة، ثم الآلات الوترية Cordes، مثل
стр. 2403
القنبري، وهناك آلات النقر مثل الدربوكة والدف (البندير) والطبل.
وصف بارتوك أيضا أنواع الغناء والموسيقى، فوجد فروقا بين الغناء الجريدي (تونس) ويسميه غناء النظام الذي يسميه العامة (اللظام)، والغناء الغزلي وغناء (الدرز)، وهو أيضا من أغاني الحب المكشوف (١). ولاحظ وجود المدائح التي قيلت في رجال التصوف ومنهم شيخ الزاوية التجانية في تماسين وشيخ زاوية طولقة، وكذلك الرقص الصوفي عند الحضرة والزردات وغيرها، ومنها المدائح التي قيلت في الشيخ مصطفى بن عزوز البرجي (نفطة). كما تحدث بارتوك عن أنواع الرقص والغناء عند شاوية الأوراس، وموسيقى الأعراس، ورقص هز البطن، ونوبة سيدي عبد القادر (القادرية) في بسكرة، وكذلك الرقص الشائع في ورقلة وفي تقرت، والرقص عند الزنوج، وعند بني ميزاب، ورقصات الفروسية، ومنه أيضا الرقص القبائلي في بعض النواحي، وأخيرا تحدث عن النوبة التركية (٢). وقد وصل عدد النغمات عند بارتوك إلى ٦٥ نغمة.
ج - رأي داروي: وهناك دراسة للموسيقى العربية في الجزائر قام بها السيد لوسيان جان داروي سنة ١٩٣١، وهي جزء من دراسة شاملة عن الموسيقى الإسلامية في شمال أفريقية عندئذ. وتعتبر هذه الدراسة في الواقع تكملة ومواصلة لما قام به رواني في بداية القرن. وقد لخص السيد داروي ما وصلت إليه الموسيقى الجزائرية على يد الجيل الجديد الذي حذر السيد رواني
стр. 2404
من أنه جيل غير متعلم على أساتذة وليس له سند قديم، بل كاد يقول إن الموسيقى الجزائرية ستضيع على يد هذا الجيل الجديد. ومع ذلك فإن ما ذكره أحمد توفيق المدني (أيضا سنة ١٩٣١) (١) وما ذكره السيد داروي يدل على أن جيلا جديدا ظهر بعد ربع قرن وحافظ على الموسيقى العربية وواصل مسيرتها وأدخل عليها بعض التجديد. كما واصلت مراكز الموسيقى في العاصمة وتلمسان وقسنطينة رسالتها في عدة فرق وجمعيات موسيقية وفنية، واستمر أهل البادية والأرياف في استعمال آلاتهم وأصواتهم في المناسبات العديدة. ويلخص السيد داروي رأيه في أن انتشار التعليم قد ساعد على الاهتمام بالفن والموسيقى والشعر، وهو رأي فيه كثير من الصواب. كما أنه أبدى نفس التخوف الذي أبداه زميله رواني، وهو تعرض الموسيقى إلى التبسيط والتأثر بالموسيقى الأوروبية وعزفها من قبل أناس غير مؤهلين، بل إنه قال إن التقنيات الموسيقية قد أخذت في التراجع منذ نصف قرن.
بدأ السيد داروي دراسته بالتأكيد على أن للجزائر موسيقاها الخاصة، وأن عربها ما يزالون يحتفظون بها ويشجعون عليها باستمرار. وكان معهد الموسيقى (كونسرفتوار) يحتفظ بقسم خاص للموسيقى العربية يشرف عليه السيد ادمون يافيل. وبعد وفاته تولاه السيد محيي الدين باش تارزي. وكان يافيل محبا للموسيقى العربية، وقد عمل على نشرها والمحافظة عليها وأنشأ من أجلها فرقة (المطربية)، كما ذكرنا.
وهذه الموسيقى في نظر داروي، أنواع منها الديني والاجتماعي. فهي موجودة في صوت الأذان وفي المدائح النبوية والقصائد الصوفية. ولكن الحياة الدينية في نظر السيد داروي، خالية من البذخ والصخب. ولا تنشد الأناشيد الدينية سوى لتمجيد الدين وفي الأماكن الطاهرة. ويقول السيد داروي إن محيي الدين باش تارزي قد استعمل صوت الأذان بدون العبارات المعتادة حتى يحافظ على حرمة الطقوس الدينية. أما الموسيقى الاجتماعية
стр. 2405
فهي موجودة في حفلات الزواج ومواكب الأعراس في الشوارع حيث الغيطة الصاخبة ودقات الطبول، ورغم تجدد عادات الزواج فإن المواكب الاحتفالية والموسيقى بقيت محافظة على التقاليد القديمة.
وتتمتع العاصمة بمجموعة موسيقية غنية ومسجلة بالنوطة. وأشهر أنواعها هي النوبة الغرناطية. وهي، كما سبقت الإشارة (١)، نغمات موسيقية متواصلة سواء كانت صوتية (فوكال) أو آلية، أو كانت صوتية وآلية معا. وتكون متماشية ومنسجمة مع نغمة واحدة ولكن بإيقاعات ورموز مختلفة. فهي من هذه الناحية، حسب رأي داروي، تشبه الموسيقى الفرنسية المسماة (السويت) الكلاسيكية.
وهناك القصيدة التي هي شكوى ذات طابع ديني تقريبا. وهي شعر فصيح أو ملحون (زجل). والقصيدة مستمدة من البعد والفضاء الذي يستعمله المداح أو القوال، وهو شخص مغامر كان يتجول من مكان إلى آخر عبر البلاد. فالقصيدة إذن من إنشاداته (٢).
وبالإضافة إلى القصيدة ذات الطابع الديني، نجد الزنداني. وهو إيقاع مستمد من حادثة صغيرة أو من لقطة سريعة تعبيرا عن الأنماط الاجتماعية في الحياة الشعبية. فهو في نظر الكاتب، يمثل موسيقى ماسحي الأحذية والخدم والحمالين ونحوهم.
وللإحتفالات مناسبات عامة وخاصة تكون فيها الموسيقى جولات. ففرسان القبيلة تسبقهم دائما الفرق الموسيقية بالغيظة والبندير مع إنشاد القصائد، تعبيرا عن الفرح والفخر. كما أن الضيفة الكبيرة التي تقام للشخصيات القيادية ترافقها أيضا الموسيقى أو المداح الذي ينشد القصائد،
стр. 2406
ولا تغيب الغيطة عن مثل هذا الحدث أيضا حيث تنشد القصائد أو الزنداني.
واستعمال الآلات يختلف من مناسبة إلى أخرى. ففي الاحتفالات العامة لا تناسب إلا الآلات الهوائية أو النافخة كالغيطة والجواق (الناي) وآلات النقر بكل أنواعها مثل الطبل والدف والطار والقلال والبندير الخ. أما الآلات الوترية فتناسب المنازل والمقاهي والجلسات الخاصة حيث يجلس الناس المهذبون، وهي تتناسب مع المجموعات الصوتية أو موسيقى الجوق. وكانت الآلات الوترية شائعة فيما يسمى بموسيقى الحضر التي كانت تعزف بالخصوص في المقهى - الجوقة. ولكن الناس المحترمين لم يكونوا يجلسون في هذه المقاهي لأن المغنيات فيها كن عادة من البغايا، وقد تحدث فيها الفضائح والضجيج والعراك. وبعد عقود من الاحتلال قيل إن السلطات الفرنسية منعت المقهى/ الجوقة الذي تحدث عنه بولسكي وغيره، ولكن بقي المقهى في ذاته حيث استمر الغناء. ويقول السيد داروي إن موسيقى المقاهي الحضرية كانت في عمومها جميلة جدا، والجمهور يستمع إليها في شوق وصمت، وكان يتمتع بها في عمق وتأمل.
أما الموسيقى العائلية فقال عنها إنها في حاجة إلى تجديد كبير. ويقصد بالموسيقى العائلية تلك المتصلة بالولادة وبالختان، والزواج، وأخذ البرنوس، وحناء العروس، قبل أخذها إلى بيت زوجها. ولم يقل داروي لماذا تحتاج هذه الموسيقى بالذات إلى التجديد، وهي كما قلنا محافظة على التقاليد. ألا يخرجها هذا التجديد عن أصالتها؟.
أما عن الآلات الأخرى غير الهوائية والوترية المذكورة، فقد ذكر السيد داروي آلة الكويترة التي كان العازف عليها يستعمل ريشة النسر. وهي نوع من القيثارة ذات الأوتار الثمانية. وقد عرفنا أنها كانت شائعة في تلمسان. وهناك آلات أخرى كان يستعملها العازفون أيضا، وهي الكمنجة والرباب ذو الوترين.
وإذا خرجنا من العاصمة فإننا نجد تلمسان التي تعد مركزا هاما للموسيقى العربية المسماة بالأندلسية. ولكن السيد داروي يذهب إلى أن
стр. 2407
الشائع فيها هو موسيقى (الصنعة) التي يذهب آخرون إلى أنها من أنماط موسيقى العاصمة (١). ومهما كان الأمر فإن الأغاني المسماة بالصنعة ذات اتصال وثيق بموسيقى غرناطة وقرطبة، وهي ذات تأثير كبير. إن تلمسان التي كانت عاصمة ثقافية عربية منذ قرون قد حافظت على الفن الأندلسي ولها استعداد خاص لتذوقه وإنتاجه. وقد ازدهر فيها الشعر والغناء أيضا. وكانت مؤهلة ربما أكثر من غيرها لتمثيل هذا اللون من الموسيقى العربية.
وفي المناطق الجبلية مثل زواوة لون آخر من الموسيقى يتناسب مع عزلتها وجفاء الحياة فيها وبساطتها، شأن سكان الجبال والمناطق المعزولة في كل مكان. والموسيقى في هذه المناطق كانت غير مصقولة وأهلها يجهلون الآلة الوترية التي لا يستعملها إلا أهل المدن. ويستعمل الزواويون الغيطة والبندير والجواق الخشن. وذكر السيد داروي أن النساء هناك قد احتفظن بالموسيقى والأنغام وهن يعملن في الحقول. وكذلك الراعي وهو مستند على جذع شجرة وأمامه شويهاته، وهو يمسك بالجواق ليعبر به عن حبه وخيالاته وأحزانه. كل ذلك كان من صنع يده فهو الذي أحضر القصب وبرى الجواق وصقله ليكون صالحا للتنغيم.
ولم يتوسع داروي في بقية المدن والمناطق ليصف ما بينها من اتفاق واختلاف في الموسيقى (٢). كما ألف الفنان ريمون ليريس مجموعة خاصة بالموسيقى العربية التقليدية وأغانيها في قسنطينة، ودرس التأثيرات التي طرأت عليها، واهتم بدراسة موسيقى الأوراس ميدانيا، ونجد الاهتمام بالموسيقى العربية أيضا عند فرنسيين آخرين أمثال ديرمنغام وسان سانس. SAENS (٣)
стр. 2408
د - رأي قطاط: أما الذي تناول الموسيقى بتوسع وعمق فهو السيد محمود قطاط. ورغم أن دراسته تعتبر متأخرة عن الفترة التي نعالجها فإن وصف تطور الموسيقى واستعمالاتها وألوانها لم يتغير كثيرا. وكان السيد قطاط قد درس الموسيقى الجزائرية في عدة مناسبات وأجرى حولها بحوثا ميدانية والتقى بشخصياتها الباقية سنة ١٩٧٣، ثم سنة ١٩٧٨، وقد نشر بحثا عنها سنة ١٩٨٤، وهو الذي رجعنا إليه في المعلومات التالية (١). ونحن نعتبره من البحوث الجامعة والعميقة التي ربما لم يسبق بها. وقد استفاد قطاط من تجارب من سبقه، ومن الأحاديث التي أجراها مع الرعيل الباقي من الموسيقيين الذين تغلب عليهم الذاكرة والممارسة أكثر من التسجيل والكتابة.
ومنذ البداية عرف السيد قطاط الموسيقى الجزائرية بأنها من أسرة الموسيقى الواحدة في المغرب العربي، وأن هذه الموسيقى معتمدة على المقامات أو الطبوع ذات التوصيل الشفوي والتي تتبع النظام السباعي أو الخماسي أو المزج بينها. ونخرج من دراسته بأن هناك عدة أنواع من الموسيقى وليس نوعا واحدا، وهي الكلاسيكية (الأندلسية)، والشعبية والبربرية. وقد فصل في بعض الأنواع وأوجز في بعضها، وجاء بنماذج من النوبات الأندلسية ومراكز الموسيقى الشعبية، ولكنه اختصر الحديث عن الموسيقى البربرية والبدوية.
١ - بالنسبة للموسيقى الأندلسية التي يسميها الكلاسيكية، فهي موسيقى حضرية تمثل ما توصل إليه المجتمع المدني - العمراني، حسب لغة ابن خلدون، من رقي في الذوق الفني الموسيقى. وبذلك فهي غير مختصة بالجزائر أو تونس أو المغرب أو ليبيا، بل هي تراث حضاري مشترك يتميز
стр. 2409
برصيد النوبات. وقد عزف قطاط النوبة بأنها حصة أو تأليف موسيقى متكامل يأتي من مجموعة من القوالب الصوتية والآلية التي تعتمد في اللحن على وحدة الطبع أو المقام. فنوبة الماية مثلا تعني النوبة الملحنة في طبع الماية. ولكي تتم النوبة فإنها ترتبط بإيقاعات وحركات تتعاقب حسب قواعد محكمة (١).
وهذا الرصيد الموسيقي تختلف تسميته من بلد إلى آخر، بل ومن مدينة إلى أخرى. ويرى السيد قطاط أن تسميته بالأندلسي تسمية خاطئة. لأن أهل قسنطينة وتونس وليبيا يسمونه المألوف، وفي الجزائر العاصمة وما جاورها يسمونه الصنعة، وفي منطقة تلمسان يسمونه الغرناطي. أما في المغرب الأقصى فيسمونه الآلة أو الطرب. وأصل كل ذلك هو الموسيقى الحضرية القديمة - الكلاسيكية -. وقد انتشرت عبارة (الأندلسي) في العهد الاستعماري فقط، وربما بدأت مع تسجيلات إدمون يافيل سنة ١٩٠١ (٢). ثم شاعت العبارة (الأندلسية) في الجزائر وفي المغرب العربي عموما. وقد لخص السيد قطاط الجولة التاريخية للفن الموسيقي العربي منذ تأسيس تلمسان سنة ٥٩ هـ وازدهارها على يد أبي حمو الثاني وصلتها بالغرب الأقصى وتطور الحياة الحضارية في تيهرت والقلعة وبجاية وقسنطينة والصلة الفنية بتونس. ثم تمركز الإنتاج الفني والفنانين في الجزائر العاصمة منذ القرن ١٦. وقد أصبح تراث العاصمة من الموسيقى إذن مزيجا من تجارب المدن الأخرى. ولكن مع ذلك احتفظت تلمسان بأصالتها كما احتفظت قسنطينة بطابعها الذي أضيف إليه التأثير البدوي في المالوف (النوبات) (٣).
٢ - الموسيقى الشعبية: وقد قسمها السيد قطاط إلى ثلاثة أقسام، حسب المنتجين لها ودرجة التطور في المدن والأرياف والبوادي. وقد اختار أن يجعل الموسيقى البربرية قسما ثانيا، وهي في نظرنا داخلة في القسمين
стр. 2410
الموسيقى الشعبية الحضرية: وهذه تولدت من تمازج الموسيقى العربية القديمة والموسيقى الشعبية وهي بربرية وبدوية عربية. وقد تركزت الموسيقى الحضرية في المدن الرئيسية: العاصمة وقسظينة وتلمسان. فأما في العاصمة فمنها نوع العربي/ العروبي. وهو غالبا أداء يقوم به الرجال، ويتألف من بيت شعر له غصنان أو ثلاثة أغصان وينتهي بإنشاد منفرد وإيقاع حر. ثم نوع القادرية، وهي صنعة غناء تؤديه النساء المسمعات أو المحترفات للغناء (المسامع). ثم قادرية زنداني، وهو نوع من الغناء الأكثر إغراقا في الشعبية، وتتألف أغانيه من كلمات بسيطة ومؤثرة. وهناك نوع رابع من الغناء وهو الشعبي المولد حديثا وهو مزج من الآلات القديمة والحديثة المستعملة في أمريكا اللاتينية. وكلماته حرة وساذجة ولحنه سهل. وهذا النوع من الشعبي متأثر بتداخل التأثير الأجنبي مع القوالب المحلية. وقد حدث ذلك رغم تحذير رواني سنة ١٩٠٥ وداروي سنة ١٩٣١ من أن الموسيقى العربية سيعتريها المسخ والتغير إذا لم يتداركها أهلها.
وفي قسنطينة بقي الزنداني، وهو نوع من المألوف المتأثر بالحياة الشعبية، كما قلنا، وتأثيرات أخرى مختلفة يعرفها أصحاب هذا الفن. وألحان الزنداني مرقصة، وكانت تستعمل في الحفلات النسائية. وهناك نوع آخر من الموسيقى الشعبية يسمى المهزوز، وهو يستعمل مع الزنداني أيضا في كامل منطقة قسنطينة، كما يستعمل فيها العروبي أيضا. والمهزوز يعتبر شديد الإيقاع لأنه عاطفي، وأساسه هو الموسيقى العربية القديمة (الكلاسيكية) ولكنه تأثر بالأنواع الشعبية.
أما في تلمسان فهناك الغناء المعروف بالحوزي، وهو مثل العربي/ العروبي الشائع في العاصمة. ويعتبر فرعا عن الأندلسية/ الكلاسيكية أيضا مع التبسيط في اللغة. وكان يستعمل القصيدة الغنائية الملحونة ذات القافية
стр. 2411
الواحدة، وموضوعاته غرامية وغيرها. وقد ذكرنا أن (القصيدة) كانت من إنشاء المداحين المتجولين في الماضي ولها، كما يقول قطاط، أغصان تفصل بينها لوازم تنشدها المجموعة الصوتية. وهناك (الأغنية) التي تتناول موضوعات هجائية أو فكاهية باللهجة العامية. بالإضافة إلى (البواقل) التي كانت ترتجلها الفتيات في الماضي، وهي أكثر حيوية من غناء الحوزي.
٣ - الموسيقى البربرية: وقد درس منها السيد قطاط موسيقى وغناء زواوة (القبائل). ولاحظ عليها، كما لاحظ داروي، سمة الحزن والكآبة، ومع ذلك فلها مناسبات تكون فيها موسيقى مفرحة، كالأغاني الجماعية. وفي زواوة كل أنواع الأغاني المعبرة عن الحياة الاجتماعية والدينية، والفرح والحزن، والعمل، وكانت مرفوقة بالرقص الفردي أو الجماعي، والنسوي أو الرجالي. مثلا (اصبغرر) كان نوعا من الغناء يؤدى في الأعراس، و (امتداح) كان من الغناء الملحمي ينشده الشاعر بالبندير ويقدمه في شكل مواعظ، ثم (آشويق) الذي يشبه الآي آي البدوي والاستخبار العربي القديم (الكلاسيكي) والفلامنكو الإسباني. فهو غناء العزلة والتأمل والحزن. ومن ذلك (أحيحة) ويمثل أغاني العمل والنشاط في الحقول وطحن الحبوب، وتنشده النساء بالنقر على بعض الآلات مع الزغاريد والتصفيق، وهو من الموسيقى المرحة، وعد السيد قطاط أيضا نوعين آخرين هما (زاورار) وهو إنشاد يؤدى في الهواء الطلق عند جني الزيتون، و (آرني) الخاص بالألحان الراقصة وينشده شعراء قصائد الفرح والحزن.
ولم يذكر السيد قطاط ما إذا كان هذا الغناء الزواوي يتميز عن أغاني البربر في المناطق الأخرى، أو هو مشترك بينها. ونكاد نفهم أنه يقصد أنه خاص بزواوة لأنه ذكر بمد ذلك استطرادا لا تفصيلا، غناء الأوراس وميزاب ووهران وبعض المناطق الصحراوية، وضرب على ذلك مثلا بغناء (الإهليل) و (تقربت)، و (أقال). ذلك أن عبارة (الموسيقى البربرية) أوسع من الموسيقى الزواوية.
стр. 2412
٤ - الموسيقى البدوية: ولم يفصل السيد قطاط القول في هذا النوع من الموسيقى رغم أهميته، ولم يذكر منه سوى نوع الآي آي، والقوال؛ كما أنه لم يتوسع في الحديث عن نوعين آخرين من الموسيقى، وهما: ٥ - الموسيقى الدينية، ٦ - الموسيقى العصرية.
ويبدو أن السيد قطاط اكتفى بدراسة الموسيقى الأندلسية/ الكلاسيكية وهي التي سماها الدارسون الفرنسيون الموسيقى العربية أو الموسيقى الإسلامية. ولا ندري لماذا رفض السيد قطاط تسمية هذه الموسيقى بالأندلسية وفضل عليها تعبير الموسيقى الكلاسيكية، بينما هذه كلمة أجنبية ولها مدلولها الخاص عند أهلها. والأجانب أنفسهم استعملوا الموسيقى العربية/ الإسلامية، وهو استعمال حضاري صحيح، وكذلك الأندلسية، رغم حدودها الجغرافية الضيقة، ولعل استعمال عبارة الموسيقى العربية أو التراثية سيحل الإشكال.
وسنتناول الآن دراسة قطاط لأنواع النوبة، وهي اثنتا عشرة كنا ذكرناها في موضع آخر (١)، وهي، حسب السيد قطاط: - الذيل، والمجنبة، والرمل، ورمل الماية، والغريب، والزيدان، والسيكة، والرصد، والمزموم، ورصد الذيل، والماية. ويضاف إليها المقطوعات المنفردة المسماة: الاستخبارات، والبشارف، والتوشية، والمصدرات. وكذلك يضاف إليها الانصرافات في أنواع الموال وغريبة الحسين، والجيركة، والعراق.
وفي قسنطينة رصيد من النوبات في عدد من البراول في إيقاعات الحسين والزيدان والسيكة، ويضاف إلى هذا الرصيد عدد من النقلابات (وهو أيضا نوع من النوبات) ضمن الطبوع الآتية: الموال والعراق والزيدان والسيكة والجيركة والمزموم ورمل الماية. وقد اعتبرها قطاط من النوبات الحديثة.
وللنوبة فى الجزائر أجزاء عديدة، منها:
стр. 2413
١ - الدائرة ويعرفها السيد قطاط بأنها افتتاحية صوتية حرة الإيقاع تؤديها مجموعة لتدريب الصوت على الأداء الجيد بترديد ياللن ... لن ... كان.
٢ - استخبار الصنعة في العاصمة أو المسالية في تلمسان، وكلاهما يعني افتتاحا آليا بإيقاع حر أيضا. وخلاله يتمكن العازف من التحكم في آلته والنفوذ إلى مشاعر المستمع لأخذه معه بالنوبة.
٣ - التوشية وهي فاصل موسيقي آلي يتألف من مقاطع مستخرجة من أجزاء النوبة، يضبطها إيقاع البشراف أو القصيد وتبدأ بسرعة متوسطة ثم تسير بتسارع، وتنتهي ببطء شديد.
٤ - المصدرات وهي مقدمة آلية قصيرة ذات إيقاع خفيف (وتسمى الكرسي)، يقوم بها صاحب صوت قوي بكل وقار وهيبة.
٥ - البطاحيات، وهي المجموعة الغنائية الثانية في حركة أقل وقارا، وتأتي بعد الكرسي أو المقدمة.
٦ - الأدراج، وهي المجموعة الغنائية الثالثة، وتؤدي أيضا بعد الكرسي، وحركتها أسرع قليلا مما سبقها.
٧ - توشية الإنصراف وهي فاصل موسيقى آلي يأتي في وسط النوبة.
٨ - الإنصرافات وهي المجموعة الغنائية الرابعة أو هي الأولى بالنسبة للقسم الثاني من النوبة، وتأتي بعد الكرسي، كما تقدم، وحركتها خفيفة وسريعة، وتضبط على إيقاع التوشية.
٩ - المخلص، وهو آخر قطعة في مجموعة الإنصرافات وهو يؤدى دون الكرسي، وإيقاعه ثلاثي، وتكون حركته شديدة السرعة ثم تتباطأ بالتدرج.
١٠ - توشية الكمال وهي قطعة آلية تختم بها النوبة. ويقول السيد قطاط إن هذه التوشية لم تبق إلا في تلمسان، وتسمى هناك بنوبة الحسين. وأجزاء نوبة النقلابات (ج. نقلاب) تتألف، حسب السيد قطاط، من:
стр. 2414
الشنبر أو البشراف وهو استفتاح آلي، والاستخبار أو المستخبر وهو استفتاح صوتي. والكرسي أو الميزان وهو مقدمة آلية قصيرة. ثم النقلابات وهي أغنية واحدة أو مجموعة من الأغاني.
ومن خصائص النوبة في الجزائر استعمال الشعر الفصيح الموشح والشعر الملحون أو الزجل. ولكل شعر مطالع وأغصان ولوازم، الخ. كما تتميز النوبة بالغناء المنفرد، وتغيير سرعة الحركة الإيقاعية إذ تتسارع بالتدرج، والاستهلال بمقدمة آلية أو كرسي قبل كل مجموعة غنائية. وكانت الجوقة (الفرقة) قديما، تتألف من سبعة أشخاص يتوزعون الآلات من اليمين إلى اليسار، على أن شيخ الجوقة هو الذي يقوم بالإنشاد ويعزف على الرباب.
والآلات التي ذكرها السيد قطاط أشرنا إليها في مناسبات أخرى، ولكننا نذكر هنا بعضها أيضا لوجود أسماء أجنبية تقابلها، سيما بعد أن لاحظنا تطور الموسيقى ودخول التأثير الأجنبي عليها. فهذه الآلات هي: العود العربي الشائع في قسنطينة، والكويترة المستعملة في العاصمة وتلمسان، والكمنجة الكبيرة أو (آلتو)، والقانون، والفحل (الجواق) عند البعض، ثم السنيترة (المندلين)، والماندول، والبانجو، والبيانو. ولاحظ السيد قطاط أن بعض الآلات الكهربائية قد دخلت في الاستعمال أيضا. وفي رأيه أن هذا سيحدث ضررا. بالموسيقى العربية (١). فكان خوفه على الموسيقى كخوف رواني وغيره من عواقب التأثير الأجنبي على الموسيقى التقليدية: الأندلسية أو التراثية.
...
يمكننا القول إن الموسيقى العربية الجزائرية قد عانت من الإهمال والاحتقار والتعالي، كغيرها من الفنون وعناصر التراث الأخرى طيلة سبعين
стр. 2415
سنة تقريبا (١). وفي أوائل هذا القرن وقع الإلتفات إلى الجزائر الفولكلورية بتشجيع من شارل جونار الذي حكم الجزائر أكثر من عشر سنوات. وساهم إدمون يافيل بتسجيل هذه الموسيقى وإنشاء فرقة (جوق) لإنشادها والمحافظة عليها. وساعده على ذلك مجموعة من الفنانين الجزائريين المهمشين وعلى رأسهم محمد بن علي سفنجة. وبعد الحرب الأولى انطلقت التجارب والأنشطة على يد جيل جديد كان يساير حركة النهضة السياسية والثقافية. فكان رشيد القسنطيني الذي استعمل الغناء والمونولوج الساخر للطعن في البدع والخرافات والدعوة إلى اليقظة. واستعمل علالو أيضا المسرحية كوسيلة للتعبير والتوعية الشعبية.
وتولى محيي الدين باشں تارزي جمعية (المطربية) التي كان أسسها يافيل، ووظفها باشں تارزي في خدمة الغناء والموسيقى والتمثيل، وهو الذي طال عهده ومهر في فن المسرح، وأصبح كما يقول قوانار، مؤلفا ومغنيا وممثلا وموسيقيا ومنشطا. فكان باش تارزي بحق موهبة فريدة من نوعها. وقد طوع اللغة الدارجة للتعبير المسرحي. وتعاصر فترة مع رشيد القسنطيني الذي كان يقتبس من موليير وغيره، وقد ألف (أي رشيد) حوالي خمس عشرة ملهاة أو كوميديا، ومائة أغنية بالعربية الدارجة. وقد جلب الكثير من الجمهور الإسلامي. وتعتبر كوميديا (ابن عمي الاسطانبولي) من أشهر أعماله. وكان الموسيقار محمد ايقربوشن هو الضارب على البيانو، وقد أصبح من الموسيقيين العالميين (٢).
إننا لا نستطيع أن نفصل فنون المسرح والغناء والموسيقى والرقص عن بعضها دون أن نضر بها أو نتعسف معها. فهي فنون متصلة أشد الاتصال،
стр. 2416
ونشأت عندنا على ذلك الاتصال، وإن جوقة المقهى في المدن هي التي تحولت إلى فرق عصرية وإلى أوركسترا وأوبريت. والجيل الذي ظهر بين الحربين هو الذي فرض المسرح، رغم الصعوبات، وحافظ على الموسيقى والغناء والفولكلور باعتبارها فنونا تتصل بالهوية الوطنية. فالأشعار الدينية والمناسبات الاجتماعية المشتركة، واللغة العربية الدارجة القريبة من الفصحى، والأمثال والحكم، كل ذلك كان وأصبح هو التراث المشترك بين كل الجزائريين. وعندما كانت جمعية العلماء تعمل على إحياء التراث وبعث التاريخ وتعليم اللغة العربية الفصحى وتصفية الإسلام من الشوائب، وفي الوقت الذي كان فيه حزب الشعب يعمل على افتكاك الهوية الوطنية سياسيا من مخلب الاستعمار واستعادة الحرية المغتصبة، في هذا الوقت كان الموسيقيون والممثلون والمغنون يعملون، من جهتهم، على تحقيق نفس الهدف ولكن بوسائلهم الخاصة. وقد عاصرهم عدد من الفنانين الموهوبين سنعرض لهم في فصل الفنون.
стр. 2417
الفصل الرابع
الجزائر في المغارب والمشارق
стр. 2418
يذهب بعض علماء الفرنسيين إلى أن الجزائر كانت شرقية فحاولت فرنسا فصلها عن الشرق وإلحاقها بالغرب، وأن كل تاريخ الجزائر خلال العهد الاستعماري هو صراع بين الجاذبيتين: جاذبية الشرق الأصيلة وجاذبية الغرب الدخيلة. وكانت وسيلة تغريب الجزائر (فرنستها) هي الاندماج بكل نواحيه: الثقافية والإدارية والاجتماعية والذهنية. كتب عن ذلك عدد منهم وهم: إيميل غوتييه وأوغسطين بيرنار وأوغسطين بيرك. ومن هؤلاء من اعترف بفشل الاندماج ومن ظل يحاوله ويدعو إليه، خوفا من (ضياع الجزائر الفرنسية).
وكون الجزائر جزءا من كل هو الحضارة الإسلامية - العربية منذ القرن السابع الميلادي، لا يعني أبدا أنها لا تملك ذاتية خاصة تولدت عبر مراحل تاريخية طويلة، واصطبغت بصبغة ثقافية محلية متأثرة بالأرض والإنسان والعوامل المناخية والحضارات العتيقة. ولقد كون المغرب العربي عدة ممالك متحدة تارة ومنفصلة تارة أخرى، فترك ذلك أيضا بصماته على المنطقة كلها. وكان العهد العثماني أطول العهود التي برزت فيها الجزائر بذاتيتها الجغرافية والسياسية، وهي الذاتية التي حاول الفرنسيون تفتيتها بشتى الوسائل بدعوى أنه كان في الجزائر (شعوب) أو ذاتيات عديدة وأن هذه الشعوب كانت (محتلة) من قبل العثمانيين. ونحن نعتبر أن فشل الفرنسيين في تحقيق الاندماج دليل على قوة الذاتية أو الهوية الجزائرية التي تكونت مع الزمن وعلى قوة الحضارة الإسلامية - العربية التي تجذرت عبر القرون.
ولقد أغلق الفرنسيون حدود الجزائر نحو الشرق منذ الاحتلال. فحولوا التجارة إلى فرنسا ومنعوا الحج إلا بصفة استثنائية وانتقائية، ومنعوا الزوار من الشرق وتبادل العلماء والكتب والدراسة. وراقبوا الطرق الصوفية التي لها
стр. 2419
مراسلات وعلاقات مع الطرق الصوفية في المشرق والمغرب كالقادرية والسنوسية والطيبية، وحاربوا ما أسموه دعاية الجامعة الإسلامية، ووقفوا في وجه المهاجرين إلى المشرق، سيما في فترات معينة متل ١٨٧٥، ١٨٩٥، ١٩١١. وبنوا مدارس إسلامية على طريقتهم لإخراج القضاة والمعلمين حتى لا يضطر الجزائريون إلى الخروج إلى الأزهر والزيتونة أو يضطر الفرنسيون إلى توظيف مسلمين (أجانب) عن مدرستهم. ولكن الحدود التي أقامها الفرنسيون أو أغلقوها لم تمنع، مع ذلك، من هجرة الجزائريين إلى المغرب والمشرق، ولا من تعلمهم في بعض الجامعات الإسلامية والعربية، ولا من تأثرهم بالأفكار التي كانت تروج داعية المسلمين عامة إلى النهضة والتخلص من الاستعمار.
وفي هذا الفصل سنعرض باختصار لحركة الهجرة الجزائرية نحو بلدان المغرب العربي والمشرق العربي والإسلامي. وسنتعرف على أدوار المهاجرين في الحركة الفكرية في البلدان التي نزلوها دون أن نتوسع في الحياة السياسية والاقتصادية لأن هذا خارج عن نطاق الكتاب. وسنتعرض أيضا إلى الزيارات والمراسلات المتبادلة وإلى تأثير الأفكار الشرقية (الإسلامية والعربية) في الجزائر، ودراسة الطلبة الجزائريين بالمشرق في مختلف المراحل، وكذلك نظرة علماء المشرق إلى العلماء الجزائريين.
الهجرة نحو المغارب والمشارق
غداة الاحتلال خرجت أعداد كبيرة من الجزائريين متجهة نحو البلدان المجاورة مثل تونس والمغرب (١). وكانت الهجرة في البداية من مدينة الجزائر ثم تلتها المدن الأخرى. وكانت الهجرة تشمل عادة أعيان البلاد وأغنياءها وعلماءها. وفي المراحل التالية للاستعمار شملت الهجرة القرى الريفية أيضا والمناطق النائية، كما شملت غير الأعيان. وكل هذه الأنماط من الهجرة كانت اضطرارية، فبعضهم هاجروا هروبا من حكم (النصارى)
стр. 2420
الفرنسيين. وبعضهم فعل ذلك طلبا للعيش في كنف الإسلام والحرية الدينية. وجل المهاجرين بعد ١٨٥٠ فعلوا ذلك لأنهم فقدوا أراضيهم التي استولى عليها الكولون بمساندة الإدارة الاستعمارية. كما هاجر آخرون بعد فشل الانتفاضات وتعرضهم للعقوبات الصارمة ووضعهم تحت طائلة (قانون الأهالي) البغيض. فالقول بأن الهجرة نحو المشرق كانت لأسباب (سيكولوجية) فيه ابتعاد عن الحقيقة أو بالأحرى لا يذكر كل الحقيقة (١). لأن الابتعاد بالدين أو الهروب من العيش تحت حكم الفرنسيين لم يكن هو السبب الوحيد في الهجرة، كما يهم من عبارة (سيكولوجية)، بل هناك أسباب اقتصادية وسياسية وراء ذلك. بقى أن نذكر أن بعض أعيان الجزائريين قد أجبرتهم السلطات الفرنسية نفسها على الهجرة مثل المفتي ابن العنابي والمفتي ابن الكبابطي (٢) وقدور بن رويلة. وكان بعضهم قد تعرضوا للنفي فتحولوا إلى المشرق مثل عبد العزيز الحداد ومحمد وعلي السحنوني.
بالإضافة إلى الأسباب الدينية (مصادرة الأوقاف وهدم المساجد والزوايا وتدجين رجال الدين الباقين) والأسباب الاجتماعية والاقتصادية (اغتصاب الأراضي وتدهور الصناعات المحلية، وقانون الأهالي، وتغيير الحالة المدنية والعقوبات بعد الثورات)، هناك عوامل أخرى شجعت على حركة الهجرة نحو المشرق العربي والإسلامي وكذلك نحو تونس والمغرب. من ذلك أن بعض الحضر (أهل المدن) كانوا من أصول مشرقية فلما سقط الحكم العثماني فضلوا الرجوع إلى بلدان أجدادهم طلبا للأمان. ومن ذلك أن الجزائريين الذين سبقوا بالهجرة أخذوا يحثون إخوانهم، سيما من الأعيان، على اللحاق بهم في الشام أو في اسطانول أو في الحجاز، وكانوا يزينون لهم الإقامة هناك ويذكرونهم بمساوئ الحكم الاستعماري. ومن جهة