ونشأت عندنا على ذلك الاتصال، وإن جوقة المقهى في المدن هي التي تحولت إلى فرق عصرية وإلى أوركسترا وأوبريت. والجيل الذي ظهر بين الحربين هو الذي فرض المسرح، رغم الصعوبات، وحافظ على الموسيقى والغناء والفولكلور باعتبارها فنونا تتصل بالهوية الوطنية. فالأشعار الدينية والمناسبات الاجتماعية المشتركة، واللغة العربية الدارجة القريبة من الفصحى، والأمثال والحكم، كل ذلك كان وأصبح هو التراث المشترك بين كل الجزائريين. وعندما كانت جمعية العلماء تعمل على إحياء التراث وبعث التاريخ وتعليم اللغة العربية الفصحى وتصفية الإسلام من الشوائب، وفي الوقت الذي كان فيه حزب الشعب يعمل على افتكاك الهوية الوطنية سياسيا من مخلب الاستعمار واستعادة الحرية المغتصبة، في هذا الوقت كان الموسيقيون والممثلون والمغنون يعملون، من جهتهم، على تحقيق نفس الهدف ولكن بوسائلهم الخاصة. وقد عاصرهم عدد من الفنانين الموهوبين سنعرض لهم في فصل الفنون.
стр. 2417
الفصل الرابع
الجزائر في المغارب والمشارق
стр. 2418
يذهب بعض علماء الفرنسيين إلى أن الجزائر كانت شرقية فحاولت فرنسا فصلها عن الشرق وإلحاقها بالغرب، وأن كل تاريخ الجزائر خلال العهد الاستعماري هو صراع بين الجاذبيتين: جاذبية الشرق الأصيلة وجاذبية الغرب الدخيلة. وكانت وسيلة تغريب الجزائر (فرنستها) هي الاندماج بكل نواحيه: الثقافية والإدارية والاجتماعية والذهنية. كتب عن ذلك عدد منهم وهم: إيميل غوتييه وأوغسطين بيرنار وأوغسطين بيرك. ومن هؤلاء من اعترف بفشل الاندماج ومن ظل يحاوله ويدعو إليه، خوفا من (ضياع الجزائر الفرنسية).
وكون الجزائر جزءا من كل هو الحضارة الإسلامية - العربية منذ القرن السابع الميلادي، لا يعني أبدا أنها لا تملك ذاتية خاصة تولدت عبر مراحل تاريخية طويلة، واصطبغت بصبغة ثقافية محلية متأثرة بالأرض والإنسان والعوامل المناخية والحضارات العتيقة. ولقد كون المغرب العربي عدة ممالك متحدة تارة ومنفصلة تارة أخرى، فترك ذلك أيضا بصماته على المنطقة كلها. وكان العهد العثماني أطول العهود التي برزت فيها الجزائر بذاتيتها الجغرافية والسياسية، وهي الذاتية التي حاول الفرنسيون تفتيتها بشتى الوسائل بدعوى أنه كان في الجزائر (شعوب) أو ذاتيات عديدة وأن هذه الشعوب كانت (محتلة) من قبل العثمانيين. ونحن نعتبر أن فشل الفرنسيين في تحقيق الاندماج دليل على قوة الذاتية أو الهوية الجزائرية التي تكونت مع الزمن وعلى قوة الحضارة الإسلامية - العربية التي تجذرت عبر القرون.
ولقد أغلق الفرنسيون حدود الجزائر نحو الشرق منذ الاحتلال. فحولوا التجارة إلى فرنسا ومنعوا الحج إلا بصفة استثنائية وانتقائية، ومنعوا الزوار من الشرق وتبادل العلماء والكتب والدراسة. وراقبوا الطرق الصوفية التي لها
стр. 2419
مراسلات وعلاقات مع الطرق الصوفية في المشرق والمغرب كالقادرية والسنوسية والطيبية، وحاربوا ما أسموه دعاية الجامعة الإسلامية، ووقفوا في وجه المهاجرين إلى المشرق، سيما في فترات معينة متل ١٨٧٥، ١٨٩٥، ١٩١١. وبنوا مدارس إسلامية على طريقتهم لإخراج القضاة والمعلمين حتى لا يضطر الجزائريون إلى الخروج إلى الأزهر والزيتونة أو يضطر الفرنسيون إلى توظيف مسلمين (أجانب) عن مدرستهم. ولكن الحدود التي أقامها الفرنسيون أو أغلقوها لم تمنع، مع ذلك، من هجرة الجزائريين إلى المغرب والمشرق، ولا من تعلمهم في بعض الجامعات الإسلامية والعربية، ولا من تأثرهم بالأفكار التي كانت تروج داعية المسلمين عامة إلى النهضة والتخلص من الاستعمار.
وفي هذا الفصل سنعرض باختصار لحركة الهجرة الجزائرية نحو بلدان المغرب العربي والمشرق العربي والإسلامي. وسنتعرف على أدوار المهاجرين في الحركة الفكرية في البلدان التي نزلوها دون أن نتوسع في الحياة السياسية والاقتصادية لأن هذا خارج عن نطاق الكتاب. وسنتعرض أيضا إلى الزيارات والمراسلات المتبادلة وإلى تأثير الأفكار الشرقية (الإسلامية والعربية) في الجزائر، ودراسة الطلبة الجزائريين بالمشرق في مختلف المراحل، وكذلك نظرة علماء المشرق إلى العلماء الجزائريين.
الهجرة نحو المغارب والمشارق
غداة الاحتلال خرجت أعداد كبيرة من الجزائريين متجهة نحو البلدان المجاورة مثل تونس والمغرب (١). وكانت الهجرة في البداية من مدينة الجزائر ثم تلتها المدن الأخرى. وكانت الهجرة تشمل عادة أعيان البلاد وأغنياءها وعلماءها. وفي المراحل التالية للاستعمار شملت الهجرة القرى الريفية أيضا والمناطق النائية، كما شملت غير الأعيان. وكل هذه الأنماط من الهجرة كانت اضطرارية، فبعضهم هاجروا هروبا من حكم (النصارى)
стр. 2420
الفرنسيين. وبعضهم فعل ذلك طلبا للعيش في كنف الإسلام والحرية الدينية. وجل المهاجرين بعد ١٨٥٠ فعلوا ذلك لأنهم فقدوا أراضيهم التي استولى عليها الكولون بمساندة الإدارة الاستعمارية. كما هاجر آخرون بعد فشل الانتفاضات وتعرضهم للعقوبات الصارمة ووضعهم تحت طائلة (قانون الأهالي) البغيض. فالقول بأن الهجرة نحو المشرق كانت لأسباب (سيكولوجية) فيه ابتعاد عن الحقيقة أو بالأحرى لا يذكر كل الحقيقة (١). لأن الابتعاد بالدين أو الهروب من العيش تحت حكم الفرنسيين لم يكن هو السبب الوحيد في الهجرة، كما يهم من عبارة (سيكولوجية)، بل هناك أسباب اقتصادية وسياسية وراء ذلك. بقى أن نذكر أن بعض أعيان الجزائريين قد أجبرتهم السلطات الفرنسية نفسها على الهجرة مثل المفتي ابن العنابي والمفتي ابن الكبابطي (٢) وقدور بن رويلة. وكان بعضهم قد تعرضوا للنفي فتحولوا إلى المشرق مثل عبد العزيز الحداد ومحمد وعلي السحنوني.
بالإضافة إلى الأسباب الدينية (مصادرة الأوقاف وهدم المساجد والزوايا وتدجين رجال الدين الباقين) والأسباب الاجتماعية والاقتصادية (اغتصاب الأراضي وتدهور الصناعات المحلية، وقانون الأهالي، وتغيير الحالة المدنية والعقوبات بعد الثورات)، هناك عوامل أخرى شجعت على حركة الهجرة نحو المشرق العربي والإسلامي وكذلك نحو تونس والمغرب. من ذلك أن بعض الحضر (أهل المدن) كانوا من أصول مشرقية فلما سقط الحكم العثماني فضلوا الرجوع إلى بلدان أجدادهم طلبا للأمان. ومن ذلك أن الجزائريين الذين سبقوا بالهجرة أخذوا يحثون إخوانهم، سيما من الأعيان، على اللحاق بهم في الشام أو في اسطانول أو في الحجاز، وكانوا يزينون لهم الإقامة هناك ويذكرونهم بمساوئ الحكم الاستعماري. ومن جهة
стр. 2421
أخرى فإن للشرق سحره وجاذبيته في أذهان الجزائريين. فكل دارس لتاريخ الإسلام والحضارة العربية يتذكر الرنين الذي يحدثه في قلبه اسم مكة والمدينة، واسم بغداد ودمشق، والقاهرة والأزهر، وأسطانبول والقدس. كما كان لدعوة الجامعة الإسلامية التي ظهرت على يد جمال الدين الأفغاني ثم تبانها السلطان عبد الحميد الثاني، تأثيرها الخاص على الجزائريين. وكانت بعض الطرق الصوفية، كالسنوسية، قد جعلت من سياستها دعوة الجزائريين إلى الهجرة إلى أرض الإسلام (١). أما تونس والمغرب وليبيا فقد كانت بوابات الأمان بالنسبة للجزائريين المضطهدين، من عهد الأمير عبد القادر إلى عهد ابن باديس. ولكن احتلال الفرنسيين لتونس فالمغرب ثم سورية قد غير من أوضاع الجزائريين في هذه البلدان أيضا (٢).
تذكر المصادر الفرنسية تواريخ مختلفة للهجرة نحو المشرق. فهذا أوغسطين بيرك يذكر السنوات التالية كمعالم بارزة في تاريخ الهجرة، وهي: ١٨٣٠، ١٨٣٢، ١٨٥٤، ١٨٦٠، ١٨٧٠، ١٨٧٥، ١٨٨٨، ١٨٩٨، ١٩١٠، ١٩١١. وهناك تواريخ أخرى ألح عليها كل من آجرون وباردان، وهي: ١٨٣٧، ١٨٤٩، ١٨٦٤. ويذكر باردان أن حركة الهجرة تكثفت بين ١٨٤٧ - ١٨٥٤، ثم سنة ١٨٩٦، ونعرف أن سنة ١٩١١ قد شهدت هجرة غير عادية نتيجة فرض التجنيد الإجباري. ومن ذلك نتبين أن الهجرة لم تنقطع بين ١٨٣٠ - ١٩١٤ نحو المشرق، وكذلك تونس والمغرب، ولكن الفرق في الكثافة وفي موقف السلطات الفرنسية من التغاضي عنها أو منعها.
والمناطق التي شهدت حركة الهجرة تختلف أنباء. في المرحلة الأولى
стр. 2422
كانت الهجرة من المدينة، كما ذكرنا، ابتداء من العاصمة، ثم تلاحقت المدن الأخرى: البليدة، المدية، قسنطينة، وهران، بجاية، تلمسان، الخ. وفي سنة ١٨٤٧ هاجر الشيخ المهدي السكلاوي من مدينة دلس إلى المشرق مع عدد من أعيان زواوة، ووجه من هناك نداءه إلى أعيان هذه المنطقة طالبا منهم الهجرة فاستجاب له عدد منهم، وكان الشيخ السكلاوي هو زعيم الطريقة الرحمانية ذات النفوذ الواسع (١). ثم شهدت زواوة حركات هجرة متوالية، سيما ١٨٤٩، ١٨٥٧، ١٨٧١، ثم في نهاية القرن. وقد هاجرت من هناك جماعات مع خليفة الأمير، أحمد الطيب بن سالم، والحاج عمر زعيم زاوية سيدي محمد بن عبد الرحمن بآيت إسماعيل.
وتوالت الهجرة إلى المغرب تتم المشرق من الجهات الغربية أشاء المقاومة، عائلات بأكملها وأعيان العلماء والقضاة هاجروا من معسكر وتلمسان ووهران ومازونة ومستغانم وتنس إلى المغرب الأقصى. وقد استقرت منهم عائلات هناك أمثال المشرفي، وسقط، والأعرج، وابن سعد، والمجاوي، وبوطالب. وسكن بعضهم وجدة وفاس وطنجة. وبعد هزيمة الأمير عبدالقادر تكاثر المهاجرون إلى المغرب ثم المشرق، والتحق العديد منهم بالشام، والقليل فقط اتجهوا نحو اسطانبول والحجاز. وعندما حل الأمير بالمشرق إثر إطلاق سراحه سنة ١٨٥٢، ازدادت حركة الهجرة أيضا من النواحي الغربية. ولم يكن الأمير وحده وإما كان معه رفقاؤه وأصهاره، فكانت المراسلات والاتصالات تشجع على الهجرة من الجزائر.
وشهدت النواحي الشرقية أيضا، تفاوتا في حركة الهجرة. وكان أبرزها هجرة أعيان عنابة وبجاية على إثر الاحتلال ١٨٣٢، ثم من قسنطينة بعد ١٨٣٧. واتجهت الهجرة نحو تونس، ومنها إلى المشرق. ولكن بعض المهاجرين قد استقروا في تونس. أما الهجرة الكبيرة من نواحي سطيف وقسنطينة فكانت عقب ثورة ١٨٧١. وقصد بعض أهل الجنوب ليبيا وجنوب
стр. 2423
تونس في اتجاه المشرق. وكانت أكبر هجرة شهدتها النواحي الشرقية (سطيف، أم البواقي، العين البيضاء، قسنطينة، الخ) هي التي وقعت في آخر القرن الماضي. ثم سنة ١٩١٠. أما نواحي بسكرة وسوف فشهدت موجة من الهجرة سنة ١٨٩٥ نحو المشرق، (ومنها عائلة الشيخ العقبي) ثم خلال الثلاثينات من هذا القرن.
كان بعض المهاجرين يحملون جواز سفر من السلطات الفرنسية على أساس الذهاب إلى الحج في أغلب الأحيان. ولكن عدم منح الجواز لا يمنع المهاجرين من الخروج بطرق أخرى. غير أن السلطات الفرنسية كانت تدخل وتمنع الحج والهجرة معا. أما منع الحج (وهو ذرية للهجرة) فقد تحدثنا عنه في غير هذا (١). وأما منع الهجرة فقد ثبت تدخل الحكام الفرنسيين فيها عدة مرات. مثلا تدخل الحاكم العام شانزي سنة ١٨٧٥ ومنع الهجرة. وكان القناصل الفرنسيون أنفسهم في الشام وغيره يطالبون بمنع الهجرة لأنها تضر بسمعة فرنسا في المشرق. وفي ١٨٩٥ تدخل الحاكم العام جول كامبون ومنع الهجرة أيضا. وكان قد استصدر فتوى من علماء المشرق لا تشجع على الهجرة من الجزائر باسم الخوف على الدين (٢). وبعد الهجرة الجماعية سنتي ١٩١٠، ١٩١١ منع الحاكم العام شارل جونار الهجرة أيضا، وأغلق الحدود الجزائرية (٣).
لا تذكر المصادر الفرنسية تفاصيل بالأرقام عن عدد المهاجرين من كل مدينة أو ناحية في الجزائر، سيما قبل ١٨٧٠. وما تذكره هذه المصادر هو عادة أرقام يسجلها القناصل عن الواصلين الذين سجلوا أنفسهم. وهي أرقام غير دقيقة، لأنها أحيانا. غير صحيحة أصلا. تقول بعض الوثائق إنه قد وصل
стр. 2424
رقم كذا من المهاجرين وأغلبهم من ناحية كذا. ثم أن بعض المهاجرين قدموا من الجزائر وآخرين أقاموا في المغرب أو تونس فترة ثم بدا لهم أن يتوجهوا إلى المشرق، ولا سيما بعد احتلال تونس. كما أن الأرقام القنصلية غير دقيقة من ناحية أخرى، لأنها تذكر من لهم جوازات سفر رسمية فقط. كما أن تقارير القناصل الفرنسية متضاربة حول جاذبية الهجرة. فهي تارة تذكر دعاية أبناء الأمير عبدالقادر الذين تعثمنوا (أخذوا الجنسية العثمانية)، وتارة تذكر تأثير الجامعة الإسلامية. ومن جهة أخرى شكر أن الأراضي التي تمنح للمهاجرين كانت غير صالحة وأن بعضهم كانوا يرغبون في الرجوع، بينما تقول في تقارير أخرى إن المهاجرين كانوا يكتبون لإخوانهم ثم يحثونهم على الهجرة ويصفون لهم الحياة السعيدة التي هم فيها. ومن ذلك ذكرها للحاج الطاهر بن أحمد بن عبد الله، وهو من الأعيان، فقد كان يرسل الرسائل إلى معارفه في أم البواقي ويشجعهم على الهجرة واعدا إياهم بأنهم سيجدون عند الدولة العثمانية استقبالا، حسنا (١).
وفي آخر القرن (١٨٩٨) كانت حالة الهجرة تدل على تذمر وسخط الجزائريين، ومع ذلك حاول الفرنسيون إعطاءها طابعا آخر. وهو أنها من تأثيرات الجامعة الإسلامية والطريقة الرحمانية. فقد عبر كامبون قبل ذلك بأن تصوير الحياة في سورية على أنها رغدة هو الذين قاد المهاجرين إلى التوجه هناك، وأن العاطفة الدينية كانت تشجع على الهجرة. وروى أن إحدى المراسلات جاء فيها (تعالوا والتحقوا بنا في بلاد يحكمها سلطان الإسلام وفي بلاد مسلمة ... تعالوا واقضوا بقية حياتكم في بلاد غنية بالخيرات والصلوات والاحترام، وقد وعد الله المهاجرين مكانا أفضل في الآخرة). وأضاف كامبون أن بعض الذين هاجروا إلى سورية من زواوة رجعوا إلى دواويرهم الأصلية ليناشدوا إخوانهم في الدين الالتحاق بهم في تلك الأرض المباركة، وقال إن الطريقة الرحمانية تشارك في هذه الحملة
стр. 2425
الدعائية (١). ويبدو أن كامبون قد تناسى البؤس الذي كان يعانيه الجزائريون والاحتقار وتعسف قانون الأهالي.
من الناحية الجغرافية اتجهت الهجرة من الشرق الجزائري نحو تونس، ومن غربه نحو المغرب الأقصى، ومن وسطه وجنوبه في اتجاهات مختلفة. وبعد ١٨٤٧ أخذت الهجرة تتجه نحو بلاد الشام: سورية، وفلسطين، ثم بيروت. أما الحجاز واسطانبول ومصر فقد كانت الهجرة إليها أقل من سورية وفلسطين (والمغرب وتونس). ومعظم الذين هاجروا إلى مصر كانوا إما من الأوائل الذين طردتهم سلطات الاحتلال وإما من بقايا الحجاج الذين فضلوا البقاء هناك أثناء عودتهم. أما الحجاز فقد قصده الجزائريون للحج أولا، ثم قصده بعضهم بعد استقرارهم في سورية وفلسطين. وكانت اسطانبول مقصدا لبعض المهاجرين الأولين مثل حمدان خوجة وأبنائه أو من المهاجرين الذين استقروا في سورية وفلسطين مثل بعض أبناء الأمير عبدالقادر وإخوته وأحفاده.
وكان بعض الحكام الفرنسيين يرخصون بالهجرة من الجزائر أحيانا لأسباب مختلفة، من ذلك الكثافة السكانية وفقر السكان بعد انتزاع أراضيهم. ويقول باردان إن الحاكم العام كان لا يمانع في هجرة بعض العائلات من زواوة، حيث القرى المعزولة وكثرة السكان. كما كان الحاكم العام يشترط على رؤساء العائلات الذين يطلبون الرخصة أن يكون لديهم المال اللازم للسفر (٢). وفي سنة ١٨٩٥ رخصت السلطات الفرنسية لحوالي مائة شخص بالهجرة من سيدي عقبة إلى مكة والمدينة. وحوالي ١٩١٢ رخصت لحوالي ٢١ شخصا من عين مليلة بالهجرة إلى سورية بعد دفع عربون من المال (لإعادتهم إلى الجزائر) مما جعلهم يكتبون شكوى للبرلمان الفرنسي عن ذلك. وقبيل بداية الحرب (١٩١٤) طلبت عائلات من بسكرة وقسنطينة الهجرة إلى مكة والمدينة. ويذهب الفرنسيون إلى أن الحجاز قد أصبح مركزا
стр. 2426
لدعاية الجامعة الإسلامية وأن اندلاع الحرب قد جعلهم يضعون حدا لحركة الهجرة نحو الشرق (١). وهكذا نرى أن الرخصة بالهجرة وعدمها كانت تخضع لأسباب سياسية واقتصادية تمليها على الفرنسيين الرغبة في المحافظة على مصالحهم في الجزائر وسمعتهم في الخارج.
ومن ذلك ما ذكره العقيد روبان أن عائلات من أعيان زواوة كانت تستعد للهجرة سنة ١٨٤٩ ولكن السلطات الفرنسية ثبطتها أو فلنقل منعتها. وكان زعماء زواوة يتلقون الرسائل التي تحثهم على الهجرة نحو سورية تارة ونحو مكة تارة أخرى، وأخذوا يستعدون لذلك. ومنهم بلقاسم أوقاسي حاكم ناحية عمراوة. فقد جاء إلى العاصمة وأخبر الفرنسيين أن أحمد الطيب بن سالم والشيخ المهدي السكلاوي كتبا إليه يحثانه هو وغيره على الهجرة إلى المشرق. وذكر أوقاسي أن عائلته أخذت تبيع أملاكها، وأنه سيهاجر مع بعض الأعيان الذين منهم سي محمد بوشارب، وابن كانون القائد السابق لناحية يسر، وسي الحاج عمر شيخ زاوية سيدي محمد بن عبد الرحمن، وبوزيد الآغا السابق لعسكر الأمير عبد القادر، وكذلك وليد الشيخ اعراب اليراثني (من بني راثن) وسي الطيب وأحمد بو سبسي كلاهما من بني واقنون. وجملتهم نحو ٣٠٠ شخص كلهم طلبوا التوجه إلى مكة (٢).
ومن قصص الهجرة أن السلطات كانت ترخص بها للبعض للاستفادة من الأرض التي كان يتركها المهاجرون. وتروي هذه السلطات أن ناصر بن شهرة وعمر بن حميدوش (٣) كانا سنة ١٨٦٠ يعيشان داخل الحدود التونسية
стр. 2427
ومن هناك كانا يدعوان السكان إلى الهجرة نحو المشرق. وحين تقدم الناس جماعيا للهجرة بناحية سور الغزلان رفضت السلطات أغلب المطالب وقبلت فقط طلب قبيلة أولاد خالد التي كانت تقطن على ضفة واد البردى. وذهبت القبيلة فعلا إلى سورية جماعيا وتخلت عن ٢٦٠٠ هكتار من الأرض. وتقول المصادر الفرنسية إن السلطات عوضت بهذه الأرض قبيلة (عريب) التي كانت مخزنية قبل الاحتلال والتي استولت الإدارة الفرنسية على أراضيها لاستعمارها (أي أعطتها للكولون). وقد شعر الفرنسيون أن الهجرة الجماعية تدل على تذمر سياسي وعدم الثقة في المستقبل تحت إدارتهم. ولذلك رفضت المطالب المذكورة. وتتهم بعض المراجع المرابين اليهود الذين استغلوا سوء المحصول الزراعي للسكان وأخذوا يربحون منهم أموالا طائلة عن طريق القروض (١).
سبق أن أشرنا إلى رأي لوشاتلييه في الحدود الجزائرية المغلقة سنة ١٩٠٧. فهو يرى أن منع الهجرة ومنع الحج وعدم استفادة فرنسا من حوالي خمسين ألف جزائري يعيشون في العالم الإسلامي، كلها من علامات الضغط، وأنها سياسة لن تمنع الجزائريين من تنفس الهواء الخارجي كما لم يمنع الباستيل فرنسا من تحطيمه وتنفس هواء الحرية (٢). ولكن هذه السياسة لم تعمر طويلا فقد هاجر الجزائريون مع ذلك هجرات جماعية أصابت الفرنسيين بالذعر. ونقصد بالخصوص هجرة الشرق الجزائري حوالي ١٩٠٩ - ١٩١٠، وهجرة تلمسان سنة ١٩١١. وبالنسبة للهجرة الأولى نذكر أن البلديات والنواحي المتأثرة هي أم البواقي، ومرسط، ومسكيانة وشملت طلبات الرخصة بلديات قسنطينة وباتنة وبجاية وفج مزالة وسطيف. وكانت بلدية عين تاغروت هي الأكثر كثافة في الطلبات. وكانت الصحف المشرقية
стр. 2428
مثل (المفيد) و (المقتبيس) تكتب عن وصول الأعداد الكبيرة من المهاجرين الجزائريين إلى ميناء بيروت. وقد وصفهم بعض القناصل الفرنسيين (بالمتمر دين). وكان العدد يتراوح بين العشرين والثلاثين يوميا. وقالت بعض الجرائد الدمشقية في غشت ١٩١٠ إن العدد وصل إلى ١٢٠٠ في الشهور الأخيرة (١).
أما هجرة تلمسان سنة ١٩١١ فقد كتب عنها الكثير، ولا نريد أن نتوسع هنا فيها، ولكن نلاحظ أنها كانت هجرة سرية وجماعية. فقد اتجه المهاجرون بأعداد كبيرة إلى المغرب الأقصى ومنه ركبوا إلى سورية (٢). وقد شملت الهجرة غير تلمسان أيضا من النواحي الغربية. كما لحقت بهم موجة جديدة من نواحي قسنطينة ومن زواوة. وفي أكتوبر ١٩١٣ وصل ثمانون شخصا إلى الاسكندرية في طريقهم إلى بيروت. وقدرت السلطات الفرنسية أن حوالي ٧٠٠ عائلة غادرت الجزائر بين ١٩١٠ - ١٩١٢، أي بين ٣ و ٤ آلاف شخص.
قلنا إن لوشاتلييه قدر عدد الجزائريين في المشرق العربي - الإسلامي بين ٤٠ و ٥٠ ألف نسمة، سنة ١٩٠٧. ولكن الأرقام المذكورة عنهم في بلاد الشام تختلف من عهد إلى آخر. وتكاد المصادر الإحصائية تنحصر في وثائق القنصليات الفرنسية فقط. ذلك إننا لا نملك الآن إحصائيات الدولة العثمانية ولا غيرها. وتفيد الإحصاءات الفرنسية أنه كان في دمشق وحدها سنة ١٨٨٣ (سنة وفاة الأمير عبد القادر) حوالي ٤٠٠٠ جزائري. وفي إحصاء يرجع إلى سنة ١٩١٠ قدرت القنصلية الفرنسية عدد المهاجرين بولاية دمشق بحوالي عشرة آلاف مهاجر. وقدرهم الأمير عمر (٣)
стр. 2429
(حوالي نفس العهد) بـ ١٧، ٥٠٠. ولكننا نعرف أن المهاجرين لا يسجلون جميعا أنفسهم، وأن هناك مهاجرين لا تعلم عنهم القنصليات الفرنسية شيئا.
...
إلى الحجاز:
لم تكن الهجرة إلى مكة والمدينة نشيطة كالهجرة إلى الشام. كان الحجاز منطقة فقيرة لا يقصدها المسلمون إلا لأغراض دينية، كالحج والعمرة والمجاورة والتعلق بالحياة الروحية مع تحمل كل المعاناة المادية وحتى السياسية أحيانا، وكذلك أخطار الطريق. كان الحجاز يعيش على ما تجود به أيدي الحجاج كل عام. ونحن نعلم أن الجزائر كانت تخصص أوقافا تسمى أوقاف مكة والمدينة، وكانت أوقافا كبيرة بمداخيلها، وهي التي استولى عليها الفرنسيون فور الاحتلال، فحرموا منها فقراء الجزائر كما حرموا منها فقراء مكة والمدينة. والغريب أن الفرنسيين وضعوا مداخيل أوقاف مكة والمدينة في خزانة الدولة الفرنسية وراحوا يتصرفون فيها كما لو كانت أملاكا مصادرة من أية جهة أخرى.
ومع ذلك هاجر الجزائريون إلى الحجاز بأعداد قليلة منذ الاحتلال، سواء أخذوا إليه الطريق المباشر من الجزائر - تونس، الإسكندرية، أو مرورا ببلاد الشام. ولا نعلم الكثير عن إحصاءات الجزائريين في مكة والمدينة كما نعلم عنهم في الشام واسطانبول مثلا، وربما يرجع ذلك إلى صعوبة اتصال الأجانب بهم بعد أن حلوا في المدينتين الشريفتين اللتين يمنع على الأجانب دخولهما (١). وقد كان لفرنسا قنصل في جدة، كما كان لها قناصل في دمشق
стр. 2430
وبيروت وإسطانبول. ولكننا لم نطلع على تقارير القنصل الفرنسي بجدة خلال القرن الماضي. ومن أوائل من كتب عن الحجاز من الفرنسيين، بعد أن دخله متنكرا باسم عربي ولباس إسلامي، هو ليون روش الذي سمى نفسه عمر (١). وقد تحدث عن بعض الجزائريين هناك (١٨٤٢)، ومنهم محمد بن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية. ثم توالت التقارير والكتابات الفرنسية.
في آخر القرن الماضي تحدثت الأرقام عن وجود ألف جزائري مهاجر في الحجاز. ونحن نعتقد أن هذا عدد تقريبي فقط لصعوبة ضبط الإحصاءات عندئذ. وقد ذكر هذا الرقم بمناسبة هجرة مجموعة من العائلات (حوالي مائة) من سيدي عقبة بنواحي بسكرة. ومنها عائلة الشيخ الطيب العقبي. ولا شك أن الهجرة نحو الحجاز قد ازدادت في السنوات التالية، سيما بعد قوة الدعاية للجامعة الإسلامية من جهة وفرض التجنيد الإجباري من جهة أخرى. ورغم ظروف الحرب العالمية ووجود الدولة العثمانية وفرنسا في معسكرين متحاربين فإن ذلك لم يمنع الجزائريين من التوجه نحو الحجاز، ولا سيما بعد هزيمة العثمانيين وقيام الشريف حسين بثورته التي أيدتها فرنسا. فمنذ ١٩١٦ لم يعد الفرنسيون يخشون تأثير (دعاية) الجامعة الإسلامية والخلافة على الجزائريين. وقد أرسلت فرنسا وفدا إلى الحجاز استمر سنتين ١٩١٦ - ١٩١٧، وكان على رأسه من الجزائريين قدور بن غبريط والعقيد قاضي (الشريف بلعربي). وشارك فيها مصطفى الشرشالي. وكان المشرف الرئيسي على الوفد هو العقيد الفرنسي إدوارد بريمون (٢).
стр. 2431
ونحن وإن كنا لا نعرف الأرقام عن الجزائريين العاديين في الحجاز، وهم أولئك الذين هاجروا إلى أرض الله، أرض الكعبة الشريفة والرسول العظيم، فإننا نعرف على الأقل بعض المشاهير من العلماء ورجال التصوف والضباط والثوار الهاربين من المنافي الفرنسية. ومنهم الشيخ السنوسي المذكور، وقدور بن رويلة كاتب الأمير عبد القادر. وكان ابن رويلة من الأوائل الذين دعوا الجزائريين إلى الهجرة عندما كانت المقاومة على أشدها ضد الفرنسيين (١). ومنهم خليفة الأمير في حمزة (البويرة) أحمد الطيب بن سالم. وحل بالحجاز الشيخ عزيز (عبد العزيز) الحداد، وهو ابن زعيم ثورة ١٨٧١ الرحمانية. فقد فر إلى الحجاز من كاليدونيا الجديدة. واختار الحجاز أيضا محمد وعلي السحنوني الذي أبعدته فرنسا إلى كايان ثم سمح له بالإقامة في مكة والمدينة، وكان السحنوني قد شارك في ثورة ١٨٧١ أيضا ومن مقدمي الرحمانية. وكان يعرف في المدينة (بشيخ العرب)، وبعد وفاته دفن بالبقيع (٢).
ومن جريدة (القبلة) التي صدرت بالحجاز سنة ١٩١٦ نعرف أخبارا عن حلول الجزائريين بتلك الأماكن أيضا. ونحن نذكر هذه الجريدة لأن الشيخ العقبي كان أيضا. من المتعاملين معها، أما مديرها منذ إنشائها فهو زميله محب الدين الخطيب، وكانت القبلة تكتب أنها جريدة (دينية، سياسية،
стр. 2432
اجتماعية) تهتم بمصالح العرب والمسلمين القومية والمحلية. وكانت لها مصالح وفية (تلغرافية) في القاهرة حيث تأتيها الأخبار الرسمية. أما طباعتها فقد كانت في المطبعة الأميرية بمكة. والملاحظ أنها كانت تنقل عن جريدة (المستقبل) التي كانت تصدر في فرنسا. وكان علي الغاياتي المصري يكتب في (المستقبل) عن جماعة تركيا الفتاة (جون ترك) مثلا فتنقل عنه (القبلة). ويهمنا من أخبار القبلة أنها كانت تشير إلى الجزائريين الذين حلوا بالحجاز فرارا من الأتراك والألمان، وهي بذلك تشير إلى هجرة الجنود أو فرارهم إلى الحجاز، وذلك في عددها ٤٦. أما في العدد ٥٢ فإن القبلة نشرت خبرا، آخر يتعلق بجزائريين رافقوا ملك الحجاز (الشريف حسين) عند زيارته لإحدى الثكنات. وهؤلاء الجزائريون كانوا من الضباط، وربما كان المقصود بهم العقيد قاضي سابق الذكر وزملاءه (١).
ولعل الخبر الذي ساقه لويس ماسينيون يفسر ما ذكرته مجلة العالم الإسلامي عن وجود ضباط جزائريين رفقة الشريف حسين في إحدى الثكنات. فقد جاء في نفس المجلة سنة ١٩١٩ أن أحد الضباط، واسمه رحو، قد قتل أثناء حمايته لإنسحاب الشريف عبد الله (؟) في الحرب التي جرت في الخرمة قرب الطائف بين خالد بن لؤي وغيره من الوهابيين وفرق الحجاز. والغريب أن ماسينيون يقول إن الفرنسيين فقدوا في الحرب المذكورة (فرنسيا جيدا ومسما جيدا)، وهو يعني بذلك النقيب رحو الذي ربما كان في خدمة الأمير عبد الله بن الشريف حسين (٢).
стр. 2433
من مشاهير الجزائريين بالحجاز حمدان الونيسي، ومحمد البشير الإبراهيمي، وأحمد رضا حوحو، وعمار بن الأزعر. وقد استوطن الأول والأخير الحجاز وهاجرا هجرة دائمة، أما الثاني والثالث فقد رجعا إلى الجزائر بعد إقامة دامت سنوات وحملا معهما أفكارا جديدة. ولا نتكلم الآن عن (الزيارات) إلى مكة والمدينة، سواء من المشهورين كابن باديس أو المغمورين الذين تطول قائمتهم.
...
إلى المغرب:
واستقبل المغرب الأقصى أعدادا كثيرة من المهاجرين الجزائريين، سواء أولئك الذين وردوا عليه بنية الإقامة أو الذين اتخذوا منه منطقة عبور كما حدث أوائل هذا القرن. ومن الجزائريين من هاجر إلى المغرب ثم عاد منه بعد تغير الأحوال في الجزائر، لأسباب مادية أو عائلية. والهجرة إلى المغرب أخذت تضاعف مع الاحتلال، سيما من النواحي الغربة، فهناك أفراد وحتى عائلات وقبائل بأسرها لجأت إلى المغرب. وفي آخر العهد كان مع الأمير (سنة ١٨٤٧) عدد من القبائل داخل الحدود المغربية. وكان الجزائريون يجدون في المغرب ما يجده الأخ من أخيه. وقلما حدثت أمور تعكر جو الأخوة. وإذا ما وقع ذلك فإنه يكون لسبب سياسي عابر أو تنافس شخصي سرعان ما يزول. وقد عطف المغاربة على الجزائريين في محنتهم من جهتين، الأولى كونهم إخوانا يعانون من البؤس والاحتلال الأجنبي، والثانية كونهم مجاهدين في حاجة إلى الإيواء والسلاح وكل أشكال المساعدة.
هل نذكر الوفود التي ترددت على البلدين؟ أو أعيان تلمسان ومعسكر ومستغانم ووهران وهم يرحلون إلى داخل الحدود الآمنة؟ وهل نذكر قبائل أولاد سيدي الشيخ وحميان وفليتة وبني عامر وغيرهم وهم في سوادهم الكبير يقصدون حماية الجار ونجدة الأخوان وغوث السلطان؟ إننا لن ندخل في تفاصيل ذلك، لأن هناك دراسات مطولة ومفصلة تناولت هجرة وأوضاع
стр. 2434
الجزائريين في المغرب في مختلف المراحل. ولكننا نذكر أن معظم هذه الهجرة كانت بين ١٨٣٠ - ١٨٤٨، ١٩١٢. وفي أوائل الاحتلال هاجر بعض الأعيان من العاصمة أيضا أمثال مصطفى بو ضربة وابن أخيه أحمد الذي اشتهر بدوره في المفاوضات عند الحملة الفرنسية. ومنهم القاضي عبد العزيز الذي استقال من وظيفه (١٨٣٤) احتجاجا. على تدخل السلطات العسكرية الفرنسية في المحكمة الإسلامية (١).
ورغم كثرة اللجوء إلى المغرب فإن عدد المهاجرين المستقرين فيه لم يكن كبيرا. فهل ذلك راجع إلى أنهم كانوا يتخذونه للعبور فقط؟ أو راجع إلى أن اللاجئين (المهاجرين) قد رجعوا إلى الجزائر بد استقرار الوضع؟ إن الغالب عندنا هو الاحتمال الثاني، لأن القبائل المهاجرة قلما كانت تطيل الإقامة في المغرب، أما الأفراد فكانوا يفعلون، ولا سيما إذا كانوا من ذوي العلم والثقافة والتجارة وغيرها من المهن الحرة. وإلى الحرب العالمية الأولى كان مجموع من كان بالمغرب من المهاجرين لم يتجاوز الثلاثين ألفا. وفي بعض المصادر التي ترجع إلى ١٩٠٧ (قبل الحماية الفرنسية) فإن عدد المهاجرين الجزائريين بالمغرب بلغ العشرين ألفا، منهم خمسة آلاف في فاس، وهو عدد قليل بالقياس مثلا إلى تونس والشام، وبالنظر إلى كثرة المترددين على المغرب. ويذكر مصدر آخر يرجع إلى سنة ١٩٠٨ أن عدد الجالية الجزائرية بوجدة كان فقط ألفا وخمسمائة (٢).
يذكر بلير أن معظم المهاجرين في المغرب جاؤوا من معسكر، سيما الحشم والمشارف، ثم تلمسان ومستغانم والجزائر ووهران والبليدة
стр. 2435
ومليانة. ومنهم أعراش وقبائل هامة كأولاد سيدي الشيخ الشراقة والغرابة، والحميان وفليتة وجو عامر وأولاد عدة. بالإضافة إلى ذلك هناك عائلات وأسماء بارزة، منها عائلة المقري التلمسانية الشهيرة، ومحمد المقري (بضم الميم وسكون القاف) الذي أرسله السلطان مفاوضا باسمه في طنجة والجزيرة. وتوجد أسماء أخرى من عائلة أحمد بن يوسف الملياني، وعائلة شاوش بالعاصمة، والقنقاجي (القندقجي؟) بالبليدة، وعائلة أولاد التازي، الخ. وهذا كله قبل الحماية الفرنسية على الغرب.
أما الضابط موجان الذي درس الجزائريين في وجدة بالخصوص، فقد ذكرهم على خمس مراحل:
١ - قبل الاحتلال.
٢ - غداة الإحتلال ويقصد بهم أولئك الذين حاربوا مع الأمير عبد القادر وربطوا مصيرهم بمصيره.
٣ - بعد الإحتلال، أي بعد ١٨٤٢ واستيلاء الفرنسيين على عواصم ومدن الأمير ثم على زمالته.
٤ - الذين هربوا إلى المغرب للنجاة والأمان وأسباب أخرى. وهم الذين يسميهم موجان قتلة ولصوصا (!).
٥ - الذين جاؤوا إلى الغرب ليس تصد الهجرة ولكن عابرين للتجارة وحل قضايا العائلات كالإرث.
ومن بين هؤلاء المهاجرين عائلات شهيرة من المدن المعروفة مثل تلمسان وندرومة ومعسكر، وذكر منهم عائلة المشرفي، والمورالي. وأما المرابطون فمنهم أولاد عبد القادر. وقد جاء بعضهم من شلالة. وكان للجزائريين في وجدة نظام خاص بحياتهم، فكانوا يحتكمون إلى (الشيوخ) أو الكبار الذين كانوا يمثلونهم لدى السلطات المغربية (المخزن). ثم أصبح لهؤلاء الجزائريين (جماعة) يرأسها سي محمد المورالي ويساعده خمسة من الأعيان (سنة ١٩٠٨). وبين المهاجرين تجار وطلبة ورجال دين.
стр. 2436
وقبل نصب الحماية على المغرب - ابتداء من فاتح القرن تقريبا - كانت فرنسا ترسل (عيونا) من الجزائريين إلى المغرب يقومون بدراسة عينات اجتماعية ولغوية وتجارية ونحو ذلك مما تحتاجه الإدارة الاستعمارية التي كانت تخطط لاحتلال المغرب والانقضاض عليه. ودعا بعضهم صراحة مثل اسماعيل حامد، إلى احتلال المغرب من قبل فرنسا. وقد تعرضنا إلى هؤلاء الجزائريين في فصل آخر. ومنذ انتصاب الحماية دخل الجزائريون، عن طريق التبعية لفرنسا، في الحياة المدنية المغربية، في الإدارة والتعليم والقضاء والترجمة والجيش ونحو ذلك. ولعل بعضهم كان جاهلا إلى الحد الذي أضر بإخوانه المغاربة لإرضاء سادته الفرنسيين (١). ومن العهد الأخير برزت أسماء كان أصحابها أصلا من الجزائر مثل محمد المعمري الذي لازم قصر السلطان طيلة عقود. وكان دبلوماسيا ومترجما وأديبا.
ولا بد من الإشارة إلى الهجرة إلى المغرب من أجل العلم، ونعني بذلك الطلبة الذين قصدوا جامعة القرويين وغيرها لتلقي العلم على مشائخها والاكتراع من مكتباتها الغنية. ومن أبرز العلماء الذين أنجبتهم المغرب للجزائر هو عبد القادر المجاوي الذي يعتبره البعض شيخ الجماعة. وظلت القرويين تستقبل الطلبة الجزائريين أفرادا وجماعات طيلة العهد الاستعماري، ومع فتح مجال التعليم في آخر القرن الماضي اتجه الطلبة الجزائريون بأعداد أكبر إلى المغرب ولا سيما أولئك الذين باشروا تعليمهم في الزوايا.
...
إلى تونس:
كانت تونس مقصد المهاجرين الجزائريين، مستوطنين وعابرين، وهي
стр. 2437
بوابة الشرق لهم. وإذا كانت الهجرة نحو المغرب معظمها من النواحي الغربية فإن الهجرة نحو تونس كانت في معظمها من النواحي الشرقية، بما في ذلك قسنطينة وبجاية ووادي سوف، وعنابة وخنشلة والخنقة وسطيف وبسكرة وتبسة والحضنة، إضافة إلى المدن الأخرى القريبة من الحدود مثل سوق أهراس والقالة. وكذلك قصد تونس أهل ميزاب للعلم والتجارة، وقصد أهل الوسط وأهل الصحراء في المناطق الأخرى تونس أيضا للإقامة بها أو مرورا منها إلى الحج والعمرة والهجرة إلى المشرق. ولا يتسع المقام لوصف استقبال تونس للجزائريين الذين قصدوها أيام المحن وبعد فشل الثورات، فقد توجهت أفواجهم إليها بعد احتلال قسنطينة، وقلب الفرنسيين على الأمير في بسكرة والأوراس، وبعد ثورة ١٨٥٧ في زواوة، وقصدها المقرانيون وأنصارهم سنة ١٨٧٢ كما هرب إليها زعماء ثورة ورقلة والأغواط، وأنصار بوشوشة في متليلي وتوات.
من أبرز علماء الجزائر ومجاهديها الذين هاجروا إلى تونس أو مروا بها نذكر: قدور بن رويلة من العاصمة، ومحمد بن الحاج من سيدي عقبة، وكلاهما كان من قادة الأمير وحلفائه. ومصطفى بن عزوز الذي هاجر من برج طولقة بعد احتلال بسكرة، وأسس زاوية نفطة الشهيرة - وهي زاوية رحمانية. ومن أكبر الوجوه التي ظهرت في هذه الأسرة (ابن عزوز) نذكر المكي بن عزوز الذي تعلم في تونس وأصبح من علماء الزيتونة وكان من أعلام عصره. ثم الشيخ محمد الخضر حسين الذي وصل إلى مشيخة الأزهر. وقد أخرجت زاوية نفطة علماء أفذاذأ منهم الشيخ عاشور الخنقي والشيخ العربي التبسي والشيخ عبد القادر الياجوري ومحمد بن عبد السلام. كما حل بتونس ناصر بن شهرة، الفارس المغوار الذي شارك في مختلف الثورات من سنة ١٠ إلى سنة ١٨٧٥. وهناك عائلات أخرى نفتها السلطات الفرنسية أو اختارت الهجرة إلى تونس مثل عائلة المدني وبوشوشة (وهو غير الثائر المعروف) والسنوسي والثعالبي والقلاتي واللقاني (١).
стр. 2438
ووجد الجزائريون في جامع الزيتونة موردا عذبا في الوقت الذي ضاقت فيه بلادهم عن معلم حضاري مثله. وكانت السلطات الفرنسية تتوجس من الذين درسوا في الزيتونة، وكانت لا تفسح المجال لتوظيفهم، لأنهم لم يتخرجوا من المدارس الفرنسية الرسمية، وكانت تعتبرهم من المتمردين عليها. ولا ندري إلى أي مدى كان الطلبة الجزائريون يقصدون الزيتونة قبل احتلال تونس سنة ١٨٨١. والظاهر أن دراستهم فيه كانت محدودة قبل ١٩٠٠. ويعتبر ابن باديس الذي توجه إلى تونس سنة ١٩٠٨ من أوائل من فتح هذا العهد الجديد مع جامع الزيتونة. ويكفي تونس أنها أخرجت هذا الرجل الفذ. ولقد توالى الطلبة الجزائريون على تونس في العقود التالية (١). وتكفي الإشارة إلى البعثات الميزابية التي قادها الشيخ أبو اليقظان وإبراهيم بيوض، ثم بعثات ابن باديس وجمعية العلماء وحتى بعض الزوايا والأحزاب السياسية منذ الحرب العالمية الأولى. ومن إنتاج الزيتونة أيضا الشاعران: محمد العيد ومفدي زكريا والمؤرخ مبارك الميلي الهلالي.
وقد توظف الجزائريون في تونس حتى قبل الحماية الفرنسية، وأصبح بعضهم معلما خاصا لأبناء الوزراء، مثل الشيخ الطاهر الجنادي الذي كان قبل هجرته شيخا في زاوية سيدي عبد الرحمن اليلولي. ثم تولى الجنادي وظائف أخرى، وتوفي بتونس. وكان محمد بلعربي أحد الأطباء الجزائريين الذين توظفوا في تونس أيضا، وتوظف آخرون في الصحافة، وبعضهم في التدريس بالزيتونة مثل الشيخ محمد اللقاني، ومحمد بن عبد السلام، وسلطاني. ودخل بعضهم الحياة السياسية أمثال صالح بن يحيى وإبراهيم أطفيش وأحمد توفيق المدني وحسن القلاتي.
وذكر علال الفاسي من الجزائريين في تونس مجموعة تولت مناصب
стр. 2439
قيادية في الحركة الوطنية التونسية من جهة وكذلك في الحركة الإسلامية السلفية، منهم محمد السنوسي محرر (الرائد التونسي) الذي اعتبره الناس (زعيم أول حركة وطنية) بعد الحماية، وكان السنوسي من علماء الزيتونة. ومنهم المكي بن عزوز الذي تزعم حركة سلفية، وكان أيضا من علماء الزيتونة، ويقول الفاسي ان الفضل يرجع إلى المكي بن عزوز في تكوين عبد العزيز الثعالبي زعيم الحزب الدستوري. وبعد هجرة ابن عزوز إلى المشرق اجتمع تلاميذه المتنورون وأسسوا جريدة (المستقبل التونسي) بالفرنسية، و (حبيب الأمة)، و (سبيل الرشاد) بالعربية. كانت من إنشاءات الثعالبي. وكان الثعالبي قد زار الجزائر سنة ١٨٩٥ كما سنذكر. ومنهم علي بوشوشة الذي أسس جريدة (الحاضرة) التي أصبحت لسان حال كتلة قوية من المثقفين والمدرسين من الزيتونة والصادقية وعملت على ربط الحركة في تونس بتيار الجامعة الإسلامية (١)، وكان عمر بن قدور وعمر راسم من الذين يكتبون فيها.
أما من حيث الإحصاءات فلا نملك الآن إلا إحصاء يرجع إلى سنة ١٩٣٦ وآخر إلى سنة ١٩٥٠، ويذكر الأول أن عدد المهاجرين الجزائريين في تونس بلغ واحدا وأربعين ألفا. كما يذكر الإحصاء الثاني ٥٠ ألفا (٢). وكانت جالية أهل سوف من أكبر الجاليات الجزائرية بتونس وربما هي أكبرها. وكانت لبني ميزاب جالية مهمة أيضا، وكذلك الحال بالنسبة لأهل توات، بالإضافة إلى جالية أهل زواوة وسطيف الذين شكلوا في الغالب جيل المهاجرين بعد ثورة ١٨٧١. وكان يطلق عليهم (المقرانيون)، ولا يعني ذلك أنهم جميعا من أسرة المقراني، وإنما يعني أنهم أنصاره الذين هاجروا بعد فشل ثورته. وكان الأمير عبد القادر كثيرا ما تدخل لصالح هؤلاء (المقرانيين) لدى رجال الدولة التونسية لتسهيل إقامتهم في تونس.
...
стр. 2440
إلى ليبيا:
والهجرة إلى ليبيا (طرابلس) كانت أيضا شائعة، ولكن الطريق لم يكن كالطريق إلى تونس أو المغرب. فالذهاب إلى ليبيا كان يتم إما عبر تونس وإما عبر وادي سوف والجنوب الشرقي. والطريق الأخير كان يتطلب معرفة مسالك القوافل، ويتميز بالمغامرة ولا يقدر عليه عادة إلا الأصحاء، والمتعودون على جو الصحراء. وكان دخول ليبيا يعتبر منعة اللاجئين الجزائريين.
والواقع أن التعاون بين الجزائريين والليبيين ضد الاحتلال قد بدأ مبكرا. وان تعاون حسونة دغيز مع حمدان خوجة واللاجئين الجزائريين في فرنسا معروف الآن بعد نشر كتاب (المرآة) وبعد دراسة عبد الجليل التميمي (١). وتذكر المصادر الفرنسية أن خلافا حدث بين طرابلس وفرنسا بمناسبة حفل عيد شارل العاشر ملك فرنسا. فاشترط قنصل فرنسا، واسمه روسو، عزل وزير الخارجية حسونة دغيز باعتباره المتسبب الرئيسي للإهانة (؟) التي لحقت بفرنسا، كما اشترط على الباي نفيه (أي دغيز) من طرابلس. وتفاديا للإهانة الشخصية قدم دغيز استقالته من الخارجية بنفسه. وتراجع القنصل روسو عن اشتراط النفي لعدة اعتبارات، منها تدخل عثمان ابن باشا طرابلس، وتدخل قنصل اسبانيا (هيرادور). لقد كان إبنا باشا طرابلس متزوجين من أختي دغيز. وكان والد دغيز ذا حظوة كبيرة باعتباره من الأعيان والأشراف. وذلك هو ما دفع بقنصل إسبانيا إلى إقناع زميله الفرنسي أن يتنازل عن شرط النفي، رغم أن روسو كان يعرف أن حسونة دغيز كان (يكره الفرنسيين كرها شديدا) (٢).
كان ذلك سنة ١٨٢٦ أي عشية الخلاف بين الجزائر وفرنسا الذي انفجر
стр. 2441
في سنة ١٨٢٧. وعلى اثر الحملة وجدنا التعاون على أشده بين حسونة دغيز والجالية الجزائرية في أوروبا، ولا ندري ما التعاون الذي وجده الجزائريون في طرابلس نفسها أيضا. فقد كان الداي حسين يراسل باشا طرابلس منذ الأزمة مع فرنسا، وكانت عائلة الكرمانلي هي الحاكمة في طرابلس. ومهما كان الأمر فقد أعان دغيز صديقه حمدان خوجة على ترجمة كتاب (المرآة) الذي ظهر فيه (كره الفرنسيين) من الرجلين معا، وقد جاءت فيه عبارة أصبحت معروفة، وهي (اللهم ظلم الترك ولا عدل الفرنسيس). وقد لاحظ قنصل فرنسا في طرابلس خلال الخمسينات، وهو بيليسييه دي رينو، أن كتاب المرآة (بالعربية؟) كان متوفرا بكثرة في ليبيا مما يدل على أن حسونة دغيز قد يكون روجه هناك مع أبناء حمدان خوجة.
وقد ظهر (كره الفرنسيين) في عدة حوادث رواها القنصل بيليسييه، وكانت قد جرت له مع أحد أبناء حمدان خوجة (وهو حسن) الذي أصبح متوليا وظيفة دفتر دار طرابلس في عهد عزت باشا، أي أثناء ثورة محمد بن عبدالله في الجزائر (١٨٥٠ - ١٨٦٠)، والمعروف أن محمد بن عبدالله هذا قد اتصل بعزت باشا ومحمد بن علي السنوسي قبل أن يدخل الجزائر ويعلن الثورة على الفرنسيين من ورقلة. وفي الخمسينات أيضا كان هناك تعاون جزائري - ليبي من نوع آخر وهو بداية (التدخل) السنوسي في الجزائر لإثارة السكان ضد الفرنسيين بالدعوة إلى الجهاد وحتى إلى الهجرة. ومن تاريخ السنوسية نعرف أن هناك أشخاصا بارزين من جهات التوارق وسوف وبسكرة أصبحوا من أعيان الحركة السنوسية بعد ١٨٥٠. ومن جهتها كانت فرنسا تحاول التوغل في ليبيا بحمايتها لبعض العائلات النافرة من حكم طرابلس العثماني (١) مثل عائلة ابن عبد الجليل
стр. 2442
الفزانية التي حاربت ضد العثمانيين (١).
ويغلب على الظن أن الجزائريين الذين استقروا في ليبيا كمهاجرين كانوا قلة، فقد كانت ليبيا بالنسبة إليهم منطقة أمن وعبور يقصدها التجار والحجاج والمغامرون، بالإضافة إلى المجاهدين الذين انضموا إلى الطريقة السنوسية من جهة، وإلى حرب الجهاد ضد الطليان من جهة أخرى. والقسم الأخير جاء من الجزائر ومن المشرق أيضا. فقد انضم متطوعون جزائريون من مصر والشام إلى المقاومة الليبية. وكان من بينهم الأمير علي بن الأمير عبد القادر وبعض أبنائه. ومنذ هذه الظروف وقع التعارف والتواصل بين الأمير علي المذكور وبين سليمان الباروني باشا النفوسي. ولا بد أن نذكر أيضا لجوء بعض بني ميزاب إلى ليبيا. وقد كانت تربطهم ببعض أهل جبل نفوسة علاقات مذهبية. وحوالي ١٩١٠ قصد الشيخ أحمد بن عليوة، صاحب الطريقة المعروفة، وبعض إخوته وأولاد عمه ليبيا للهجرة إليها والإقامة فيها.
...
إلى مصر:
ومنذ الاحتلال استقبلت مصر أيضا، أعدادا من الجزائريين. لقد كانوا ياتونها منفيين أو مهاجرين أو حجاجا، وفضلوا الإقامة فيها بعد أداء فرضهم. كما ورد عليها أعداد من الطلبة، فرادى بعض الوقت، ثم تكاثروا منذ الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى بعض رجال السياسة المغضوب عليهم. كما نزلها زائرون ومعجبون بعلومها وصحافتها وآدابها. وكانت الاسكندرية بالذات تستقطب أعدادا من الجزائريين. ومنهم من تزوج هناك. أما في القاهرة فمعظم الجزائريين كانوا يقيمون بحي الأزهر الشريف أو رواق
стр. 2443
المغاربة. ومنذ القديم كان الجزائريون يعجبون إعجابا خاصا بمصر ويعتبرونها كعبة العلم والحضارة لأنهم كانوا يعرفونها أكثر مما كانوا يعرفون العراق وسورية، لوقوع مصر في طريق الحج.
من رجال السياسة الجزائريين الأوائل الذين هاجروا أو نفوا من بلادهم إلى مصر نعرف الباي حسن بن موسى - باي وهران، الذي كان طاعنا في السن زمن الاحتلال، وقد حمله الفرنسيون أوائل ١٨٣١ إلى الإسكندرية. وحوالي نفس الوقت حملوا إليها أيضا باي التيطرى مصطفى بو مزراق. أما الداي حسين فقد هاجر إلى مصر ونزل الاسكندرية بعد أن فشلت خططه في الرجوع إلى الجزائر وضاقت به ليفورنيا (إيطاليا)، وربما فعل ذلك لأسباب مادية أيضا. وهكذا رأينا ثلاثة من (حكام) الجزائر السابقين قد نزلوا مصر، ومع كل منهم (حاشيته) التي قد لا تقل عن الخمسين. وكان مع الداي حسين صهره وقائد جيشه الآغا إبراهيم، الذي عجز عن مقاومة الجيش الفرنسي في اسطاويلي (١).
أما العلماء فقد حلوا بمصر مهاجرين أو منفيين ثم طلبة ودارسين. كان رائدهم محمد بن العنابي الذي نفاه كلوزيل ١٨٣٠، بدعوى أنه كان (يتآمر) لاستعادة الحكم الإسلامي إلى الجزائر، أي كان ينظم المقاومة ضد الفرنسيين. وقد وظف ابن العنابي بالاسكندرية وأصبح مفتي الأحناف بها، وطال عمره إلى ١٨٥٣. وقد لحق به زميله في الفتوى بالجزائر وهو الشيخ مصطفى الكبابطي الذي نفاه المارشال بوجو سنة ١٨٤٣ لمعارضته إدخال اللغة الفرنسية في المدارس القرآنية. وكان الكبابطي عندئذ مفتيا على المذهب المالكي. ولا نعرف أنه توظف في مصر، ولكنه أصبح من المدرسين في أحد مساجد الاسكندرية ربما لتدبير رزقه. وكان لابن العنابي وللكبابطي زملاء وتلاميذ في مصر نذكر منهم الفقيه إبراهيم السقا، والشاعر
стр. 2444
محمد عاقل، وعبد الحميد بك صاحب التاريخ المعروف باسمه (١) والذي ترجم فيه للشيخين.
واستقبلت مصر من الطلبة - العلماء محمد بن علي السنوسي، ومحمد بن عبدالله الزقاي، والحاج محمد بن الرقيق، والحاج علي بن البشير، ومحمد الصالح بن مهنة، وعثمان الراشدي، والمولود الزريبي، وغيرهم. وخلال الحرب العالمية الأولى كان بمصر مجموعة من الطلبة، بلغوا حسب إحصاء يرجع إلى سنة ١٩١٦، تسعة وعشرين طالبا، وكانوا من مختلف أنحاء الجزائر (٢). ومن هؤلاء محمد الرزقي الشرفاوي من بلدية عزازقة، وكان الشيخ أبو يعلى الزواوي قد لقيه في مصر ووصف حياته. ومنهم المولود بن الصديق الحافظي الذي أصبح من كبار علماء الفلك وعضوا في جمعية العلماء قبل انفصاله عنها ورئاسته لجمعية علماء السنة المعارضة. وقيل إن الحاج علي بن البشير قد بقي في الأزهر ثمانية عشر عاما. وبعد رجوعه إلى الجزائر أسس مدرسة بسيق وانتصب للتدريس أيضا في جامعها الكبير. وكذلك قضى الحاج محمد بن الرقيق الغريسي سنوات بالأزهر وجاور فيه، وعندما رجع إلى الجزائر تولى التدريس في جامع معسكر.
وأما عثمان الراشدي فقد قاد ثورة بني شقران سنة ١٩١٥ وحكم عليه الفرنسيون بالإعدام هو وأبناؤه وبعض أقاربه (٣). وقد أصبح ابن مهنة
стр. 2445
والزريبي من المؤلفين والمدرسين. وثار كل منهما على البدع والخرافات في وقت كانت فيه الصولة للإدارة الفرنسية والطرق الصوفية، وسنعود إلى حياة الرجلين الأخيرين في مكان آخر (١). وفي سنة ١٩٢٠ توجه الشيخ العربي التبسي إلى مصر للدراسة في الأزهر حيث بقي حوالي سبع سنوات. وبعد رجوعه أصبح من أقطاب العلم والتدريس في تبسة وسبق، ثم أحد قادة جمعية العلماء والنائب الأول لرئيسها.
وقد كانت الإجازات هي إحدى الدلائل على تلقي العلم والتتلمذ على المشائخ لا سيما إذا كانت الإجازات عن حضور ومواظبة واهتمام. ومن الذين أخذوا العلم بالإجازة من بعض شيوخ الأزهر نذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أجازه شيخه محمد بخيت أثناء حجته. وفي سنة ١٩٣٨ حل بمصر أحد تلاميذ ابن باديس، وهو الشيخ الفضيل الورتلاني، الذي أصبح من رجال الدين والسياسة في مصر حيث كان من المعجبين بالشيخ حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين وفي نفس الوقت كان عضوا في جمعية العلماء.
والواقع أن مصر كانت مفتوحة لغير رجال الدين أيضا، مثل الصحفيين والتراجمة. ومن هؤلاء المثقفين الذين زاروا مصر في أوائل هذا القرن عمر راسم. وكان راسم مزدوج اللغة، وله غيرة على التراث العربي والإسلامي وارتباط فكري بالجامعة الإسلامية واطلاع على الفكر الغربي، ولا سيما الحركة الصهيونية والاشتراكية. ولا نعرف ان المجاوي قد زار مصر أو حج، رغم أن أحد كتبه المبكرة قد طبع في مصر سنة ١٨٧٧ وقرظه أحد العلماء السوريين. ولعل هناك علماء آخرين قد ترددوا على مصر في غير الدراسة في الأزهر أو التجارة. وقد هاجر إليها الشيخ إبراهيم أطفيش، وبعد استقراره بها أسس (سنة ١٩٢٥) مجلة (المنهاج) الشهرية التي أصبحت لسان حال
стр. 2446
الجزائريين في مصر، واستمرت إلى سنة ١٩٢٨. كما تعاون الشيخ اطفيش مع سليمان الباروني على طبع عدد من المؤلفات ذات الصلة بماضي الجزائر (١).
ولم تخل مصر من استقبال السياسيين الجزائريين أيضا في عهود لاحقة. كان الأمير عبد القادر دائما، شخصية سياسية رغم تخليه عن ممارسة السياسة. فقد زار مصر على الأقل مرتين، الأولى أثناء رجوعه من الحج والمجاورة سنة ١٨٦٤، والثانية عند افتتاح قناة السويس سنة ١٨٦٩. وفي كلتا الزيارتين كان محط الأنظار والإكبار، رغم أن ديليسبس وبعض الفرنسيين حاولوا استغلال وجوده لصالحهم مما أثار غيرة خديوي مصر عندئذ، وكانت بين الأمير والشيخ محمد عبده مودة ومراسلات. وقد حدثت ثورة عرابي باشا والاحتلال الإنكليزي لمصر أثناء مرض الأمير الذي توفي به، فلم نعرف موقفه من الأحداث التي جرت بين ١٨٨٢ - ١٨٨٣ (تاريخ وفاته). وقد طبع ابنه محمد باشا (ابن الأمير) كتابه (تحفة الزائر) بالاسكندرية سنة ١٩٠٣، وهي السنة التي زار فيها الشيخ محمد عبده الجزائر، كما سنرى. وبعد الحرب العالمية الأولى زار الأمير خالد مصر لحضور مؤتمر الخلافة سنة ١٩٢٤، ولكن مكائد القنصلية الفرنسية جعلت إقامته غير مرغوب فيها، وحكمت عليه محكمتها (القنصلية) بالخروج.
ومنذ هذه الفترة أصبحت مصر التي استقلت استقلالا منقوصا سنة ١٩١٩ - ١٩٢٢، محطة رئيسية للسياسيين الجزائريين. وبعد الأمير خالد، وجدنا الأمير مختار الذي لعب دورا بارزا في جمع كلمة الجزائريين بالمشرق ولا سيما في مصر. وهو من أحفاد الأمير عبد القادر. وكان محل تقدير واعتبار لشخصه ولمكانة أسرته. وكان الشرق يعيش على السمعة ويعطي أهمية كبيرة لأبناء البيوتات الشهيرة. وقد جاء في أحد المراجع أن الأمير
стр. 2447
مختار كان من المؤسسين لعدة تنظيمات لصالح الجزائر والمغرب العربي، منها (جمعية الجالية الجزائرية)، و (لجنة الدفاع عن الجزائر)، ثم (جبهة الدفاع عن افريقية الشمالية) وكانت الأخيرة قد تأسست في ١٨ فبراير، سنة ١٩٤٤ (١).
وكان الشيخ طاهر السمعوني قد جمع بين الفكر والسياسة، وسنتحدث عن آثاره في بلاد الشام، وإنما نقول هنا إنه جاء إلى مصر خوفا من فتك الأتراك به بعد أن ثبت لديهم تعامله مع أعدائهم ونظرا لإيمانه بالقومية العربية وانضمامه إلى حزب اللامركزية الذي كان يطالب بدور بارز للعرب ضمن الدولة العثمانية. وقد حكم جمال باشا والي سورية بقتل سليم السمعوني (وهو ابن أخ الشيخ طاهر) لدوره في حركة القومية العربية. وفي مصر أيضا التقى الشيخ طاهر بالشيخ أبي يعلى الزواوي الذي حل بمصر بعد الشام، والذي ربما كان على صلة بالقنصلية الفرنسية فيها لأنه (أي الزواوي) كان يعمل بالقنصلية الفرنسية في دمشق إلى حوالي ١٩١٥. وقد ساهم الزواوي في الصحف والمجلات هناك وفي سورية.
ومن أبرز النشطين السياسيين الجزائريين الذين زاروا مصر نذكر علي الحمامي صاحب رواية (ادريس) النضالية، وقد نشرها بالفرنسية في القاهرة. كما التحق الشاذلي المكي بمصر إثر حوادث ٨ مايو ١٩٤٥ ثم أصبح ممثلا لحزب الشعب فيها. وبعد تكوين جمعية الشبان المسلمين والجامعة العربية وتأسيس مكتب المغرب العربي في مصر، نشطت الحركة السياسية التي كان
стр. 2448
هدفها تحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي، وتضافرت الجهود بانضمام زعماء آخرين من الجزائر، وكذلك من تونس والمغرب الأقصى (١).
...
إلى اسطانبول:
نقصد باسطانبول عاصمة الدولة العثمانية عندئذ، وكذلك المدن الرئيسية، التابعة لهذه الدولة والتي لا تدخل ضمن المدن العربية التي ذكرناها. وهكذا فإن بروسة وأزمير وأناضوليا عموما (آسيا الصغرى) كلها داخلة في هذا المجال.
والهجرة الرئيسية إلى الأماكن المذكورة وقعت إثر الاحتلال، فقد طرد الفرنسيون آلاف الجنود العزاب الأتراك (الانكشارية) من الجزائر وأركبوهم السفن التي حملتهم إلى سواحل أناضوليا. وقد سخر إيميل غوتييه من بلاده حين تصرفت ذلك التصرف ودفعت، كما قال، إلى الجنود (الأتراك) بعض المال الذي يكفيهم في الطريق، وبذلك تكون فرنسا قد (اشترت) الجزائر منهم، حسب تعبيره (٢). وكانت تلك هي المرحلة الأولى للطرد، ثم جاءت المرحلة الثانية عندما زعم الفرنسيون (شهر غشت، ١٨٣٠)، أن هناك محاولة من بقايا الانكشارية المتزوجين من جزائريات لاستعادة الحكم العثماني. وهكذا جرت عملية الطرد الثانية بطريقة وحشية بعيدة عن كل معاملة حضارية إذ فرق الفرنسيون أثناءها بين الزوج وزوجه وبين الأب وأبنائه. ولكن هذا النوع من التهجير لا يهمنا كثيرا هنا.
إنما يهمنا أولئك الذين هاجروا أو أجبروا على الهجرة من الجزائريين
стр. 2449
أنفسهم لأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية. ورغم وجود عدد معتبر من الكراغلة (أحفاد الأتراك) فإننا لا نعرف أنهم هاجروا بأعداد كبيرة نحو اسطانبول أو نحو مدن أخرى من الدولة العثمانية. فقد كانوا يمثلون عنصرا من الفئة التي أطلق عليها الفرنسيون اسم (الحضر) أو سكان المدن. ولم تكن تخلو مدينة هامة من هؤلاء. نعم هناك هجرة أفراد منهم لأسباب سياسية مثل حمدان خوجة. وقد أجبر الفرنسيون بعض الكراغلة على الهجرة أيضا، في فترات متباعدة. كما أن وضعهم في تلمسان وفي المدية وفي واد الزيتون الخ. لم يكن مريحا في عهد الأمير عبد القادر. ولعل بعضهم قد اختاروا الهجرة على البقاء عندئذ.
والمهاجرون إلى اسطانبول قلما كانوا يذهبون إليها مباشرة. فقد كانوا غالبا يتوجهون إلى الحج أو إلى سورية أو الاسكندرية، ثم منها إلى العاصمة العثمانة. ونحن نعلم أن بعض أعيان المهاجرين في سورية قد انتقلوا إلى اسطانبول، أو كانوا يترددون هنا وهناك. وكانت تونس معبراو آخر قبل احتلالها من فرنسا، إلى الأراضي العثمانية. ولاحظ أن قضية اللغة كانت تلعب دورا رئيسيا في الموضوع، إذ يظهر أن الجزائريين الذين يعرفون اللغة العثمانية كانوا قليلين. ولذلك كانوا يتوجهون إلى البلاد العربية الواقعة بالفعل تحت الدولة العثمانية مثل سورية والحجاز. ومن جهة أخرى فإن مراكز الاستقطاب الديني والعلمي كانت في غير اسطانبول مثل الأزهر والحرمين الشريفين والقدس الشرف. إن الأراضي التي كانت توزع على الجزائريين معظمها كانت في سورية (بما في ذلك فلسطين ولبنان) وقليل منها فقط كان بأناضوليا. وهكذا يبدو أن اسطانبول لم تكن سوى العاصمة السياسية بالنسبة للجزائريين. وقد كان معظم المهاجرين غير مهتمين بالسياسة لأنهم كانوا من الناس العاديين الفارين بدينهم إلى أرض الإسلام والعرب.
أما السياسيون فقد كانوا يحلون باسطانول فيقضون منها حاجاتهم كالاستقبال الرسمي أو البحث عن عمل مناسب أو الاتصال بشخصيات هامة، ثم يغادرونها إلى حيث يستقرون، وقلما يتخذونها دارا للإقامة. حدث ذلك
стр. 2450
مثلا مع حمدان خوجة، ومع الأمير عبد القادر وحاشيته. بعد إطلاق سراحهم من قبل الفرنسيين. فقد نزل الأمير باسطانبول، وبعد الاستقبالات الرسمية والمراسيم غادرها إلى بروسة. وكان معه بعض الجزائريين. واغتنم فرصة الزلزال الذي حدث في بروسة سنة ١٨٥٥ وطلب الانتقال إلى سورية. ومن أشهر من ارتبطت أسماؤهم باسطانبول أيضا الأمراء علي ومحيي الدين ومحمد، وكلهم أبناء الأمير عبد القادر، وكلهم تقلدوا فيها مناصب سياسية وعسكرية ولكن إقامتهم جميعا كانت في سورية.
كذلك حلت باسطانبول شخصيات من أصول جزائرية من أجل تجنيد التأييد العثماني لقضية الجزائر والمغرب العربي عموما. ومن هؤلاء شخصيتان تحدث عنهما الوثائق خلال السبعينات على أنهما ممثلان للجمعية الخيرية الإسلامية بالجزائر. ولا نعرف الآن أكثر من اسم واحد منهما ويدعى محمود. ومن تلك الشخصيات الشيخ المكي بن عزوز الذي ذاع صيته كعالم وشاعر وسياسي ومتصوف، ثم قريبه محمد الخضر حسين. وكلاهما كان قد زار الجزائر وتعرف على أحوالها تحت الاستعمار. وكانت والدة الشيخ المكي بن عزوز من بنات الشيخ الديسي (والد أبي القاسم الحفناوي صاحب تعريف الخلف). وكان الشيخ المكي يتردد على دار أخواله وعلى زاوية الهامل (نواحي بو سعادة). ويقال إن وفدا يتألف من الأمير محيي الدين بن الأمير عبد القادر، ومحمد ظافر المدني وعبد الرحمن الجزولي قد استقبله في ميناء أزمير. كما يقال عن ابن عزوز إنه قد تتخلى عن الطرقية منذ التحق بالمشرق، وأصبح من دعاة السلفية (١).
وقد روى الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة، مؤسس الطريقة العليوية - الشاذلية، أنه زار اسطانبول سنة ١٩٠٩ - ١٩١٠. وكانت عندئذ تمر بمرحلة الانقلاب الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد وجاء بسلطان خائر
стр. 2451
كان لعبة في يد جمعية الاتحاد والترقي التي كانت بدورها لعبة في يد الحركة الصهيونية والجمعية الماسونية. وكانت اسطانبول عندئذ تعيش في فوضى، ولذلك لم يرتح فيها ابن عليوة ولم يجد فيها ما كان يتوقعه كعاصمة للخلافة الإسلامية. وكان ابن عليوة من أهل الطرق الذين لهم ارتباطات مع الدولة العثمانية، مثل الشاذلية والمدنية. ولا شك أنه تلقى أمواجا من الدعاية للجامعة الإسلامية وهو ما يزال في الجزائر. وربما كان ذلك وراء قراره بالهجرة، فقد باع أملاكه وعزم على الهجرة، وحل بتونس ثم طرابلس. وكانت هذه ما تزال تحت الحكم العثماني، وكانت الطريقة المدنية نشيطة فيها. وقد روى أنه لقى في طرابلس من عرض عليه الإقامة في إحدى الزوايا. وكان محمد ظافر المدني من المقربين للسلطان العثماني، وربما كانت دوافع ابن عليوة أن يزور هذا الشيخ الذي يرتبط به في الطريقة (الدرقاوية - المدنية - الشاذلية).
ركب ابن عليوة البحر وحده من طرابلس إلى الآستانة (اسطانبول)، وحين وصل إليها أحس بالغربة لاختلاف اللغة أولا ثم لظروف الانقلاب ثانيا. وقد تعرف فيها فجأة على أحد فقهاء الجزائر (لم يسمه) فحياه بالعربية وآنسه واستعان به ابن عليوة على حوائجه. وسجل ابن عليوة بعض الملاحظات والمشاهدات في هذه الزيارة. فحكم بانحراف الشباب التركي (تركيا الفتاة) وتأسف على سقوط السلطان عبد الحميد، وتفطن لدسائس الأجانب، فرجع إلى الجزائر متحسرا، ورأى أن (جمود) الجزائريين على عقيدتهم خير من (الإباحية) التي وصلها الأتراك في عهد مصطفى كمال (أتاتورك) (١). ومهما كان الأمر فإن زيارة ابن عليوة لاسطانبول كانت له درسا في السياسة والتصوف. فبدلا من أن يبقى في الشرق مهاجرا كما كان ينوي
стр. 2452
رجع إلى الجزائر، ودلا من أن يتبنى آراء سلفية وإصلاحية رأى أن ما عليه الشعب الجزائري من التشبث بالعقائد والعوائد خير من (النهوض والوطنية والإصلاح) التي كان يرددها جماعة تركيا الفتاة (١).
وخلال الحرب العالمية الأولى فر بعض الجنود الجزائريين من الجيشي الفرنسي إلى المعسكر الألماني والعثماني. ومن ألمانيا نقلوا إلى الأراضي العثمانية حيث واصل بعضهم تدريبه، ثم التحقوا بمناطق معينة كالمغرب وليبيا حيث كان العثمانيون والألمان يخططون لإثارة القلاقل ضد الحلفاء وفرنسا بالخصوص. والمهم هنا هو أن بعض الجنود بقوا في اسطانبول وكان بعضهم قد كتب نشرات دعائية ضد الفرنسيين ودعا إخوانه من الجنود إلى الفرار.
ومهما كان الأمر فإننا لا نعلم كم كان عدد المهاجرين الجزائريين في اسطانبول والمدن العثمانية التي ذكرناها. ويبدو أن العلاقات الجزائرية العثمانية لم تبق قوية بعد الاعتراف بالاحتلال الفرنسي سنة ١٨٤٧. ورغم بعض التحرك في فترة الانتفاضات أو الحروب الدولية مثل ١٨٥٠، ١٨٥٤، ١٨٧١، ١٩١٤ فإن الدولة العثمانية لم تظهر اهتماما جديا بقضية الجزائر منذ الاحتلال، ولا سيما منذ هزيمة الحاج أحمد باي قسنطينة ١٨٣٧. وهذا لا يعني أن الجزائريين لم يكونوا متعلقين بالخلافة والجامعة الإسلامية. فنحن سنرى أن ما يسميه الفرنسيون بالعاطفة التركية (وهي في الحقيقة الرابطة الروحية مع الخلافة) كانت موجودة وقوية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، أي ما دامت الخلافة قائمة (ألغيت سنة ١٩٢٤).
...
الروابط الروحية - الصوفية
الرابطة الروحية - الصوفية قديمة بين الجزائر والمغارب والمشارق. فهي ترجع إلى قرون قبل الاحتلال الفرنسي. وليس غرضنا تتبعها جميعا. بعد
стр. 2453
الاحتلال. وسنكتفي بلمحات وشواهد على الروابط القائمة رغم محاولة الفرنسيين عزل الجزائر ومراقبة اتصالاتها مع الخارج.
من بين الطرق الكثيرة العاملة في الجزائر خلال الاحتلال ما كان أصله في بغداد أو المغرب أو مصر أو ليبيا أو الحجاز. وكانت الزيارات والصلات متبادلة، لأن الأصول والاهتمامات واحدة. ومن الطرق التي نشأت في المغرب وأصبح لها فروع في الجزائر نذكر الطيبية والعيساوية والحنصالية والدرقاوية، ومن الطرق التي ظهرت في المغرب وتونس ثم انتقلت إلى المشرق نجد الشاذلية. أما الطريقة الشهيرة التي نشأت في بغداد وكان لها فروع ومقدمون في الجزائر فهي القادرية. وكانت الطريقة المدنية قد ظهرت في ليبيا ومنها انتقلت إلى الجزائر، رغم أن للمدنية تيارات في الحجاز واسطانبول، كما أن لها أصولا درقاوية. ومن تونس دخلت الطريقة الشابية والبوعلية والسلامية إلى الجزائرر. والطريقة الرحمانية وإن كانت تظهر جزائرية فإن أصلها يرجع إلى الخلوتية بمصر. وتبقى التجانية التي تبدو جزائرية الظهور أيضا، ولكن صاحبها قد دخل مختلف الطرق من قبل، وبعد أن أظهر طريقته في الجزائر رحل بها، لأسباب مختلفة، إلى المغرب الأقصى، ومن هناك ذاعت وانتشرت ثم عادت إلى الجزائر. وآخر الطرق المهمة هي السنوسية التي دخلت الجزائر من ليبيا بعد أن انتقلت إليها من الحجاز (١).
نحن هنا لا نبحث في الطرق الصوفية في حد ذاتها ولكن في العلاقات الناشئة بسببها بين الجزائريين وغيرهم في المغرب والمشرق. وإذا كان الفرنسيون قد توصلوا حتى إلى تدجين بعض الطرق المغربية وجعلها في خدمتهم مثل الطيبية، فإنهم اكتفوا بالنسبة للقادرية مثلا بالسيطرة على فروعها في الجزائر ومراقبة نشاط من يأتي باسمها من المشرق. وكذلك فعلوا مع السنوسية التي صوروها في أحيان كثيرة على أنها مصدر خطر عليهم. وكان الفرنسيون أيضا ينظرون إلى هذه الطرق (الأجنبية) على أنها جمعيات سرية
стр. 2454
تعمل مع السلطنة العثمانية على تحطيم الوجود الفرنسي في الجزائر وتونس وغيرهما. وقد ربطوا بينها وبين حركة الجامعة الإسلامية، فالطرق الصوفية من وجهة نظرهم كانت معادية لهم وعميلة للجامعة الإسلامية.
هول لويس رين سنة ١٨٨٤ إن الدول الأوروبية قضت نحو خمسين عاما (١) وهي تحاول جر الشرق القديم إلى الحضارة الحديثة. ولكن النتائج كانت غير معتبرة. ثم إن ما حصل من تقدم (؟) قد أدى إلى تحرك رؤساء الدين الإسلامي في العمق لمعارضة اتجاهات التقدم والإصلاح. وقد حاول هؤلاء الرؤساء (يقصد رؤساء الطرق الصوفية والمرابطين) إثارة المشاعر الدينية لمكافحة ما يرونه خطرا. كما حاولوا توحيد الروابط الروحية بين الأمة الإسلامية. وإذا كانت مقاومتهم في البداية محتشمة وغير منظمة فانها سرعان ما أصبحت في غاية التنظيم والتطور وشملت جميع البلدان الإسلامية، وقد توصلت اليوم إلى إنشاء جامعة إسلامية أصبحت خطرا يتهدد جميع الشعوب الأوربية التي لها مصالح في كل من أفريقية وآسيا. وهذه الجامعة الإسلامية تتمثل قوتها ووسيلة تحريكها وتنفيذها في الجمعيات السرية أو الطرق الصوفية التي تمارس تأثيرا، عظيما على الجماهير (٢).
لقد كان (رين) يقيس الحاضر بالغائب، كما يقولون، وكان هو نفسه معاديا للدين في حد ذاته، حسبما قيل عنه. إنه كان يقيس حالة الجزائر في الثمانينات من القرن الماضي بحالة فرنسا خلال ثورتها وبالضبط فانه كان يقارن (الجمعيات السرية) الفرنسية بالطرق الصوفية الجزائرية. فقد كان الثوار الفرنسيون يرون الخطر كل الخطر في (الكليرجي) وتنظيماتهم الخاصة التي كانت تشكل في نظر الثوار خطرا على الاتجاه العلماني للثورة الفرنسية. أما عن معاداة الدين من حيث هو فان فرنسا خلال الثمانينات من القرن الماضي كانت تمر بمرحلة التخلص من سيطرة الحزب الكاثوليكي وانتصار مبادئ
стр. 2455
الجمهورية الثالثة التي ألغت على حرية العقيدة والضمير، أي الحرية الدينية، وبداية الحملة في فصل الدين عن الدولة. وكان رين وبعض الكتاب من أنصار هذا الاتجاه. ولكن رين لم يكن يكتب كتابا نظريا محضا يبدي فيه رأيه نحو الدين والدولة والتقدم والتخلف والشرق والغرب، بل كان ضابطا مسؤولا، في الشؤون الجزائرية، وكان يريد السيطرة على الطرق الصوفية التي كان يرى فيها خطرا على الوجود الفرنسي لصلتها بالجامعة الإسلامية عدوة الشعوب الغربية في نظره.
حقيقة أن الطرق الصوفية كانت نشيطة عندئذ ولكن علاقتها بالجامعة الإسلامية مبالغ فيها. لم يذكر رين اسم جمال الدين الأفغاني زعيم الجامعة الإسلامية الذي تعاونت المخابرات الفرنسية والإنكليزية على إبعاده من مصر والهند وتركه (يسبح) فقط في أوروبا حيث يراقبون كل تحركاته وأقواله. وقد قاده ذلك إلى الإرتماء في أحضان السلطان عبد الحميد الثاني الذي لم يكن أرحم به من الساسة الإنكليز والفرنسيين بعد أن أضيف لهم ساسة الحركة الصهيونية. ولكن من الأكيد أن حركة الجامعة الإسلامية كانت تتجاوب إلى حد كبير مع رجال من أمثال بو عمامة الجزائري وعرابي المصري والمهدي السوداني. وكان الثلاثة متعاصرين ومعاصرين لنشاط جمعية العروة الوثقى التي لها خيوط سرية، ولكن ليس بالدقة والضخامة التي يريد لويس رين تقديمها بها.
أما الحركة الصوفية فقد كان لها وسائل اتصالاتها. هناك طريق الحج رغم القيود عليه. وهناك الرسائل المرموزة والشخصيات المتنكرة. وكان المهاجرون لا يقطع سيلهم، وسنعرف أن من بين من خاض الحرب ضد الفرنسيين رجال كانوا يمثلون بعض الطرق الصوفية التي ذكرناها - مبعوثين! - مثل محمد بن عبد الله (بو معزة) من الطريقة الطيبية، وموسى الدرقاوي الذي جاء من مصر ودخل في الطريقة المدنية (الدرقاوية) وحارب الفرنسيين مدة طويلة حتى قتل في الزعاطشة سنة ١٨٤٩. وفي سنة ١٨٤٥ وردت على الجزائر شخصية غريبة، ما يزال الغموض يكتنفها، ونعني بذلك الشيخ محمد