← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

كان لعبة في يد جمعية الاتحاد والترقي التي كانت بدورها لعبة في يد الحركة الصهيونية والجمعية الماسونية. وكانت اسطانبول عندئذ تعيش في فوضى، ولذلك لم يرتح فيها ابن عليوة ولم يجد فيها ما كان يتوقعه كعاصمة للخلافة الإسلامية. وكان ابن عليوة من أهل الطرق الذين لهم ارتباطات مع الدولة العثمانية، مثل الشاذلية والمدنية. ولا شك أنه تلقى أمواجا من الدعاية للجامعة الإسلامية وهو ما يزال في الجزائر. وربما كان ذلك وراء قراره بالهجرة، فقد باع أملاكه وعزم على الهجرة، وحل بتونس ثم طرابلس. وكانت هذه ما تزال تحت الحكم العثماني، وكانت الطريقة المدنية نشيطة فيها. وقد روى أنه لقى في طرابلس من عرض عليه الإقامة في إحدى الزوايا. وكان محمد ظافر المدني من المقربين للسلطان العثماني، وربما كانت دوافع ابن عليوة أن يزور هذا الشيخ الذي يرتبط به في الطريقة (الدرقاوية - المدنية - الشاذلية). ركب ابن عليوة البحر وحده من طرابلس إلى الآستانة (اسطانبول)، وحين وصل إليها أحس بالغربة لاختلاف اللغة أولا ثم لظروف الانقلاب ثانيا. وقد تعرف فيها فجأة على أحد فقهاء الجزائر (لم يسمه) فحياه بالعربية وآنسه واستعان به ابن عليوة على حوائجه. وسجل ابن عليوة بعض الملاحظات والمشاهدات في هذه الزيارة. فحكم بانحراف الشباب التركي (تركيا الفتاة) وتأسف على سقوط السلطان عبد الحميد، وتفطن لدسائس الأجانب، فرجع إلى الجزائر متحسرا، ورأى أن (جمود) الجزائريين على عقيدتهم خير من (الإباحية) التي وصلها الأتراك في عهد مصطفى كمال (أتاتورك) (١). ومهما كان الأمر فإن زيارة ابن عليوة لاسطانبول كانت له درسا في السياسة والتصوف. فبدلا من أن يبقى في الشرق مهاجرا كما كان ينوي

стр. 2452

رجع إلى الجزائر، ودلا من أن يتبنى آراء سلفية وإصلاحية رأى أن ما عليه الشعب الجزائري من التشبث بالعقائد والعوائد خير من (النهوض والوطنية والإصلاح) التي كان يرددها جماعة تركيا الفتاة (١). وخلال الحرب العالمية الأولى فر بعض الجنود الجزائريين من الجيشي الفرنسي إلى المعسكر الألماني والعثماني. ومن ألمانيا نقلوا إلى الأراضي العثمانية حيث واصل بعضهم تدريبه، ثم التحقوا بمناطق معينة كالمغرب وليبيا حيث كان العثمانيون والألمان يخططون لإثارة القلاقل ضد الحلفاء وفرنسا بالخصوص. والمهم هنا هو أن بعض الجنود بقوا في اسطانبول وكان بعضهم قد كتب نشرات دعائية ضد الفرنسيين ودعا إخوانه من الجنود إلى الفرار. ومهما كان الأمر فإننا لا نعلم كم كان عدد المهاجرين الجزائريين في اسطانبول والمدن العثمانية التي ذكرناها. ويبدو أن العلاقات الجزائرية العثمانية لم تبق قوية بعد الاعتراف بالاحتلال الفرنسي سنة ١٨٤٧. ورغم بعض التحرك في فترة الانتفاضات أو الحروب الدولية مثل ١٨٥٠، ١٨٥٤، ١٨٧١، ١٩١٤ فإن الدولة العثمانية لم تظهر اهتماما جديا بقضية الجزائر منذ الاحتلال، ولا سيما منذ هزيمة الحاج أحمد باي قسنطينة ١٨٣٧. وهذا لا يعني أن الجزائريين لم يكونوا متعلقين بالخلافة والجامعة الإسلامية. فنحن سنرى أن ما يسميه الفرنسيون بالعاطفة التركية (وهي في الحقيقة الرابطة الروحية مع الخلافة) كانت موجودة وقوية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، أي ما دامت الخلافة قائمة (ألغيت سنة ١٩٢٤). ... الروابط الروحية - الصوفية الرابطة الروحية - الصوفية قديمة بين الجزائر والمغارب والمشارق. فهي ترجع إلى قرون قبل الاحتلال الفرنسي. وليس غرضنا تتبعها جميعا. بعد

стр. 2453

الاحتلال. وسنكتفي بلمحات وشواهد على الروابط القائمة رغم محاولة الفرنسيين عزل الجزائر ومراقبة اتصالاتها مع الخارج. من بين الطرق الكثيرة العاملة في الجزائر خلال الاحتلال ما كان أصله في بغداد أو المغرب أو مصر أو ليبيا أو الحجاز. وكانت الزيارات والصلات متبادلة، لأن الأصول والاهتمامات واحدة. ومن الطرق التي نشأت في المغرب وأصبح لها فروع في الجزائر نذكر الطيبية والعيساوية والحنصالية والدرقاوية، ومن الطرق التي ظهرت في المغرب وتونس ثم انتقلت إلى المشرق نجد الشاذلية. أما الطريقة الشهيرة التي نشأت في بغداد وكان لها فروع ومقدمون في الجزائر فهي القادرية. وكانت الطريقة المدنية قد ظهرت في ليبيا ومنها انتقلت إلى الجزائر، رغم أن للمدنية تيارات في الحجاز واسطانبول، كما أن لها أصولا درقاوية. ومن تونس دخلت الطريقة الشابية والبوعلية والسلامية إلى الجزائرر. والطريقة الرحمانية وإن كانت تظهر جزائرية فإن أصلها يرجع إلى الخلوتية بمصر. وتبقى التجانية التي تبدو جزائرية الظهور أيضا، ولكن صاحبها قد دخل مختلف الطرق من قبل، وبعد أن أظهر طريقته في الجزائر رحل بها، لأسباب مختلفة، إلى المغرب الأقصى، ومن هناك ذاعت وانتشرت ثم عادت إلى الجزائر. وآخر الطرق المهمة هي السنوسية التي دخلت الجزائر من ليبيا بعد أن انتقلت إليها من الحجاز (١). نحن هنا لا نبحث في الطرق الصوفية في حد ذاتها ولكن في العلاقات الناشئة بسببها بين الجزائريين وغيرهم في المغرب والمشرق. وإذا كان الفرنسيون قد توصلوا حتى إلى تدجين بعض الطرق المغربية وجعلها في خدمتهم مثل الطيبية، فإنهم اكتفوا بالنسبة للقادرية مثلا بالسيطرة على فروعها في الجزائر ومراقبة نشاط من يأتي باسمها من المشرق. وكذلك فعلوا مع السنوسية التي صوروها في أحيان كثيرة على أنها مصدر خطر عليهم. وكان الفرنسيون أيضا ينظرون إلى هذه الطرق (الأجنبية) على أنها جمعيات سرية

стр. 2454

تعمل مع السلطنة العثمانية على تحطيم الوجود الفرنسي في الجزائر وتونس وغيرهما. وقد ربطوا بينها وبين حركة الجامعة الإسلامية، فالطرق الصوفية من وجهة نظرهم كانت معادية لهم وعميلة للجامعة الإسلامية. هول لويس رين سنة ١٨٨٤ إن الدول الأوروبية قضت نحو خمسين عاما (١) وهي تحاول جر الشرق القديم إلى الحضارة الحديثة. ولكن النتائج كانت غير معتبرة. ثم إن ما حصل من تقدم (؟) قد أدى إلى تحرك رؤساء الدين الإسلامي في العمق لمعارضة اتجاهات التقدم والإصلاح. وقد حاول هؤلاء الرؤساء (يقصد رؤساء الطرق الصوفية والمرابطين) إثارة المشاعر الدينية لمكافحة ما يرونه خطرا. كما حاولوا توحيد الروابط الروحية بين الأمة الإسلامية. وإذا كانت مقاومتهم في البداية محتشمة وغير منظمة فانها سرعان ما أصبحت في غاية التنظيم والتطور وشملت جميع البلدان الإسلامية، وقد توصلت اليوم إلى إنشاء جامعة إسلامية أصبحت خطرا يتهدد جميع الشعوب الأوربية التي لها مصالح في كل من أفريقية وآسيا. وهذه الجامعة الإسلامية تتمثل قوتها ووسيلة تحريكها وتنفيذها في الجمعيات السرية أو الطرق الصوفية التي تمارس تأثيرا، عظيما على الجماهير (٢). لقد كان (رين) يقيس الحاضر بالغائب، كما يقولون، وكان هو نفسه معاديا للدين في حد ذاته، حسبما قيل عنه. إنه كان يقيس حالة الجزائر في الثمانينات من القرن الماضي بحالة فرنسا خلال ثورتها وبالضبط فانه كان يقارن (الجمعيات السرية) الفرنسية بالطرق الصوفية الجزائرية. فقد كان الثوار الفرنسيون يرون الخطر كل الخطر في (الكليرجي) وتنظيماتهم الخاصة التي كانت تشكل في نظر الثوار خطرا على الاتجاه العلماني للثورة الفرنسية. أما عن معاداة الدين من حيث هو فان فرنسا خلال الثمانينات من القرن الماضي كانت تمر بمرحلة التخلص من سيطرة الحزب الكاثوليكي وانتصار مبادئ

стр. 2455

الجمهورية الثالثة التي ألغت على حرية العقيدة والضمير، أي الحرية الدينية، وبداية الحملة في فصل الدين عن الدولة. وكان رين وبعض الكتاب من أنصار هذا الاتجاه. ولكن رين لم يكن يكتب كتابا نظريا محضا يبدي فيه رأيه نحو الدين والدولة والتقدم والتخلف والشرق والغرب، بل كان ضابطا مسؤولا، في الشؤون الجزائرية، وكان يريد السيطرة على الطرق الصوفية التي كان يرى فيها خطرا على الوجود الفرنسي لصلتها بالجامعة الإسلامية عدوة الشعوب الغربية في نظره. حقيقة أن الطرق الصوفية كانت نشيطة عندئذ ولكن علاقتها بالجامعة الإسلامية مبالغ فيها. لم يذكر رين اسم جمال الدين الأفغاني زعيم الجامعة الإسلامية الذي تعاونت المخابرات الفرنسية والإنكليزية على إبعاده من مصر والهند وتركه (يسبح) فقط في أوروبا حيث يراقبون كل تحركاته وأقواله. وقد قاده ذلك إلى الإرتماء في أحضان السلطان عبد الحميد الثاني الذي لم يكن أرحم به من الساسة الإنكليز والفرنسيين بعد أن أضيف لهم ساسة الحركة الصهيونية. ولكن من الأكيد أن حركة الجامعة الإسلامية كانت تتجاوب إلى حد كبير مع رجال من أمثال بو عمامة الجزائري وعرابي المصري والمهدي السوداني. وكان الثلاثة متعاصرين ومعاصرين لنشاط جمعية العروة الوثقى التي لها خيوط سرية، ولكن ليس بالدقة والضخامة التي يريد لويس رين تقديمها بها. أما الحركة الصوفية فقد كان لها وسائل اتصالاتها. هناك طريق الحج رغم القيود عليه. وهناك الرسائل المرموزة والشخصيات المتنكرة. وكان المهاجرون لا يقطع سيلهم، وسنعرف أن من بين من خاض الحرب ضد الفرنسيين رجال كانوا يمثلون بعض الطرق الصوفية التي ذكرناها - مبعوثين! - مثل محمد بن عبد الله (بو معزة) من الطريقة الطيبية، وموسى الدرقاوي الذي جاء من مصر ودخل في الطريقة المدنية (الدرقاوية) وحارب الفرنسيين مدة طويلة حتى قتل في الزعاطشة سنة ١٨٤٩. وفي سنة ١٨٤٥ وردت على الجزائر شخصية غريبة، ما يزال الغموض يكتنفها، ونعني بذلك الشيخ محمد

стр. 2456

الصالح الرضوي البخاري (من بخارى)، ولعله كان يمثل إحدى الطرق المشرقية إذ قيل عنه إنه جاء يزور شيخه الفاسي (؟) في المغرب. وأثناء زيارته الجزائر أجاز بعض علمائها. ولم نعرف أن المهاجرين الجزائريين قد رفعوا شعارا صوفيا عند هجرتهم. كانت الدعوة إلى الهجرة عامة، كما رأينا، وليس هناك طريقة معينة أرادت حمل الجزائريين على الهجرة باسم التصوف. غير أن الوثائق الفرنسية تخبرنا أن الشيخ المهدي السكلاوي الذي هاجر من دلس، قد دعا سنة ١٨٤٧ أهل زواوة. الى الهجرة إلى سورية. وكان الشيخ المهدي رحمانيا، وقد أصبح متأكدا عنده أن الفرنسيين سيهاجمون زواوة، فدعا أهلها إلى الهجرة إلى بلاد الشام. وقد استجاب له عدد كبير وهاجروا ليبتعدوا عن (حكم الكفار). وتطلق المصادر الفرنسية على الشيخ المهدي لقب (المتعصب الديني). ولا ندري هل دعوة الشيخ المهدي كانت مرتبطة بهزيمة الأمير عبد القادر واستسلام خليفته الشيخ أحمد الطيب بن سالم في البويرة. وقد كان ابن سالم أيضا رحمانيا. وهو الذي طلب من الفرنسيين السماح له بالهجرة إلى المشرق. فإذا صح هذا فإن هناك دعوة رحمانية إلى الهجرة قبل مهاجمة الفرنسيين منطقة زواوة. فهي هجرة وقائية، إذا صح التعبير. وفي حركة شبيهة بهذه نسب الفرنسيون إلى الطريقة الرحمانية أنها كانت وراء الهجرة من زواوة إلى الشرق أيضا. من ذلك ما حدث سنة ١٨٥٧ على يد الحاج عمر شيخ زاوية آيت إسماعيل، ثم سنة ١٨٦٤ حين هاجرت ٢٠٠ عائلة زواوية، وأدت المراسلات والزيارات إلى هجرات أخرى من هناك، وكلها كانت بدافع من الرحمانية، حسب هذه المصادر. ونجد ديبون وكوبولاني يخلطان أيضا بين حركة الجامعة الإسلامية والطرق الصوفية. فقد قالا ان الطريقة الرفاعية والطريقة المدنية كانتا تحثان الجزائريين على الهجرة نحو المشرق (١).

стр. 2457

ويخبرنا رين أن ممثل الشيخ السنوسي في الحجاز حاول تجنيد الشيخ عبد العزيز (عزيز) الحداد في الطريقة السنوسية، بعد أن هرب الشيخ عبد العزيز الحداد من كاليدونيا الجديدة إلى مكة والمدينة. وحاول رين أن يدس على الشيخ عبد العزيز بأنه زعم للقنصل الفرنسي في جدة أنه رفض عرض ممثل الشيخ السنوسي لأنه كان أقل منه أهمية ولأن الرحمانية أهم من السنوسية. وكان ممثل السنوسي قد عرض على الشيخ عبد العزيز التوجه إلى جغبوب، مقر الزاوية السنوسية والعمل على نشر الدين وتعاليمه. فكيف يفضل عبد العزيز الذهاب إلى فرنسا الهارب منها على العيش في الحجاز أو جغبوب؟ وإذا صحت هذه الرواية عن عبد العزيز فإنها لا تعدو في نظرنا التعمية من قبله على الفرنسيين. والغريب أن القنصل الفرنسي زعم أن عبد العزيز قد نصح فرنسا بعدم السماح للحجاج بأداء الحج عندئذ لأن أصداء ثورة المهدي السوداني قد انتشرت في الحجاز أيضا، وستنتشر عدواها في الحجاج الجزائريين إذا جاؤوا (١). إن الذي يهم من هذه الرواية هو الصلة بين الطريقة السنوسية ممثلة في زاويتها بمكة والطريقة الرحمانية التي كان عبد العزيز الحداد يعتقد أنه يمثلها في المشرق. وقد اتخذ عبد العزيز ختما رسميا بذلك. وكان يعطي الأوراد الرحمانية. ولكننا لا نعرف عنه أنه افتتح زاوية لأتباعه في الحجاز، ولا سيما أولئك الذين كانوا يأتون من الجزائر. كما لم نسمع عنه أنه ذهب إلى (إخوانه) الذين سبقوه في بلاد الشام. ويمثله الفرنسيون عندئذ على أنه كان فقط حريصا على الحصول على عفو فرنسا عنه. ومن عادة الفرنسيين أنهم يسودون وجه عدوهم حتى لا يتركون له شرفا قائما ولا سيرة طيبة.

стр. 2458

أما السنوسية فدورها في الجزائر معروف. وقد تعرضنا له أكثر من مرة. ويكفي أنها تدخلت في ثورة الشريف محمد بن عبد الله في الخمسينات من القرن الماضي، وثورة بوعمامة، ولعلها ساعدت على تسريب الأمير محيي الدين بن الأمير عبد القادر ١٨٧٠ - ١٨٧١، وكان لها دور - حسب المصادر الفرنسية - في مختلف حوادث الصحراء بين ١٨٨٠ - ١٩١٩. وقد عدها ديبون وكوبولاني من الطرق الأجنبية التي كانت ترسل مبعوثين ليتجولوا في الصحراء ويتجهوا إلى بو عمامة. وقالا إن السلطات الفرنسية قد ألقت القبض على أحد هؤلاء المبعوثين، في سكيكدة سنة ١٨٩٥، وهو سيدي ابن علي. وكان هؤلاء متخفين بدعوى زيارة الزوايا الجزائرية. وكان سيدي ابن علي هذا من عيساوية مكناس، وكان أصلا زنجيا من السودان، وادعى أنه جاء كمفتش للزاوية العيساوية بالجزائر، ولكن السلطات الفرنسية قبضت عليه لشكها فيه أنه مبعوث من السنوسية. وقد منعت هذه السلطات كل دفع مالي باسم الزيارة الصوفية وغيرها من العطايا ذات الطابع الديني. وكانت قد وضعت يدها على كمية من المال عند أحد هؤلاء المتجولين المتخفين، حسب دعوى ديبون وكوبولاني (١). وكثيرة هي الحوادث المماثلة. وكانت للقادرية أيضا اتصالاتها بين الجزائر وبغداد وبيروت. وكان وارث بركة الشيخ محيي الدين (والد الأمير عبد القادر) هو ابنه محمد السعيد، وقد ظل محمد السعيد هو الحامل لبركة والده في دمشق أيضا بعد الهجرة (٢). ثم حملها عنه ابنه محمد المرتضى الذي انتقل إلى بيروت وأصبح

стр. 2459

له دالة على أتباع القادرية في الجزائر. وتذكر المصادر الفرنسية أن محمد المرتضى قد اتصل بحوالة بريدية قدرها ١، ٤٤٠ فرنكا من الجزائر سنة ١٨٩٥. وهذه النقود قد أرسلها إليه مقدموه الذين من بينهم قائد وقاض. وقد استغرب الفرنسيون من أن القائد والقاضي كانا من (المتنورين)، ومع ذلك فإنهما، لأسباب سياسية أو شخصية أصبحا (عبدين) للشيخ محمد المرتضى باعتباره حاملا للبركة القادرية. ومن جهة أخرى، فإننا نعرف الصلة الموجودة بين القادرية الأم في بغداد والقادرية الفروع في الجزائر رغم محاصرة الفرنسيين لهذه الفروع وجعلها تعيش محليا فقط. وكانت السلطات الفرنسية تلقي القبض من وقت لآخر على أشخاص يزعمون أنهم مبعوثون من بغداد لجمع المال (الزيارات) لشيخ الطريقة الأكبر. ففي السنة المذكورة (١٨٩٥) قالت هذه السلطات إن شخصا يدعى سي محمد بن منشاوي، الجيلاني الطريقة، قد جاء إلى الجزائر من بغداد لرسم وكيل الزاوية الأم. وذكرت شخصا آخر يسمى سي الحاج ابن الدرويش الذي جاء إلى الجزائر من مكة. وإذا صحت هذه الروايات الفرنسية فإن هؤلاء المبعوثين لم يكونوا جميعا من جباة المال للزاوية الأم حقيقة، وإنما كانوا دعاة لأفكار سياسية ومبشرين بالدعوة الإسلامية تحت غطاء التصوف. والواقع أن حركة الأشخاص لم تتوقف بين الجزائر والمشرق أثناء حياة الأمير عبد القادر. ونحن نجد في بعض المراجع أسماء لعدد من العلماء والقضاة كانوا يترددون بين دمشق والجزائر خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وهم أشخاص لهم صلة قرابة بالأمير، مثل عائلة بو طالب وعائلة ابن المختار، وعائلة المجاوي. ويذهب السيد الآن كريستلو إلى أن الأمير كان يبقى بواسطة هؤلاء، على الصلة بالجزائر ويعرف من خلالهم

стр. 2460

تطور الأوضاع فيها. وبذلك كان يستطيع أن يتملص من الحدث الذي لا يريد أن يتدخل فيه. ومهما كان الأمر فإن تدخل الأمير بواسطة أقربائه العاملين في مجال القضاء والتعليم بالجزائر كان محسوبا عند البعض على الطريقة القادرية. أما الطريقة الرفاعية فليس لها نفوذ واسع في الجزائر. وكان شيخها الظاهر هو أبو الهدى الصيادي مستشار السلطان عبد الحميد الثاني. وكان الصيادي قد وقف ضد طموحات السيد جمال الدين الأفغاني لتحقيق الوحدة (الجامعة) الإسلامية بواسطة السلطان. وكانت بين الصيادي وبعض الجزائريين مراسلات، نذكر منهم الشيخ عاشور الخنقي الذي طالما دافع عن الأشراف دفاعا مستميتا، سيما في كتابه (منار الإشراف) (١). ويعتبر الفرنسيون أن الشريف عون حاكم مكة المكرمة كان من صنائع أبي الهدى الصيادي، ومن ثمة تأثير الشريف عون في الحجاج الجزائريين وغيرهم. وبذلك تكون الرفاعية قد امتدت إلى الجزائر ولكن بنفوذ يبدو ضعيفا. وكانت الرفاعية تخدم فكرة الجامعة الإسلامية كما تبناها السلطان عبد الحميد وليس على طريقة السيد الأفغاني. وكذلك كان للطريقة المدنية بعض النفوذ في الجزائر. وكانت المدنية قوية في الحجاز وليبيا واسطانبول. وكان شيخها القوي عندئذ (آخر القرن الماضي) هو محمد ظافر المدني الذي استقر باسطانبول. وهو الذي يعتبره الفرنسيون الموجه الحقيقي للجامعة الإسلامية في المغرب العربي. وكان للطريقة المدنية أتباع في الجزائر، كما عرفنا، منذ الشيخ موسى الدرقاوي. وكان الشيخ ظافر منافسا للشيخ السنوسي في المنطقة، لأن الأخير كان يعتبر متمردا على العثمانيين بينما الشيخ ظافر كان ضمن المؤسسة الرسمية من العلماء والصوفية في الدولة. ومهما كان الأمر فإن هذه الطرق المشرقية كانت لها صلات، ولو ضعيفة، مع الجزائر، في مجال التصوف والسياسة والحضارة. ويذهب الفرنسيون إلى أن من بين الوسائل التي يوصل بها

стр. 2461

الأهالي حق الزيارة لشيوخهم خارج الجزائر هي توسيط التجار اليهود، واستعمال الحجاج، والحوالات البريدية. وهي ادعاءات تعوزها الأدلة في الوقت الحاضر. الجامعة الإسلامية أشرنا في عدة مناسبات إلى حركة الجامعة الإسلامية وعلاقتها بالجزائر. وهذه الحركة تعني الروابط الحضارية والدينية والسياسية بين المسلمين وإنعاشها بعد الهمود والتخلف والتفكك الذي أصاب العالم الإسلامي عدة قرون. بدأت في محاولات وغارات الغرب على الشرق في العصر الحديث أثناء حملة نابليون على مصر وسورية. ولم تدم هذه الحملة سوى بضع سنوات ولكن آثارها بقيت، ولا سيما فكرة اليقظة ومحاولة التجديد واللحاق بالأمم الغربية في السلاح والجيوش. وكانت الهند المسلمة قد وقعت أيضا، فريسة لبريطانيا، كما وقعت أندونيسيا فريسة لهولندا، وكانت إيران وأفغانستان تواجه الضغوط البريطانية والروسية. ورغم أن الدولة العثمانية أخذت تجدد نفسها فإن قوى الضغط الداخلي كانت هي المتغلبة. وفي هذه الأثناء بالذات وقعت الحملة الفرنسية ضد الجزائر. وبعد هذه الحملة استغاث الجزائريون بالقوى الإسلامية واستنجدوا بسلاطين المسلمين ولكنهم لم يحصلوا على القوة أو النجدة المطلوبة للضعف والتفكك والتخلف الذي أصاب العالم الإسلامي كما ذكرنا. وبحكم الجوار كان أول المتأثرين بالحملة الفرنسية ضد الجزائر هم أهل المغرب العربي. فتدخل سلطان المغرب (عبد الرحمن بن هشام) بعض الوقت لأسباب مختلفة، وأنجد المستغيثين، ولكنه واجه ضغوطا كبيرة من فرنسا، فكان عليه أن يتراجع بل أن يتحالف في آخر المطاف مع الفرنسيين ضد الأمير عبد القادر. وكان مسلمو المغرب قد آووا مسلمي الجزائر وساعدوهم بالمال والسلاح، ولكن السياسة الرسمية تغلبت على العواطف الأخوية والدينية. وكانت تونس الشعبية قد وقفت نفس الموقف فآوت الجزائريين وخدمت

стр. 2462

القضية الإسلامية، ولكن الباي (حسين ثم أحمد) كان تحت ضغط فرنسا أيضا، فكان الباي يقدم المعونة إلى الفرنسيين بدل تقديمها للشعب الجزائري. فقد منع وصول النجدات العثمانية عن طريق تونس إلى الجزائريين، سيما إلى الحاج أحمد، باي قسنطينة. وأصبح قنصل فرنسا في تونس يتصرف بدون قيود، كما لو كان في بلاده. ومن جهة أخرى اتفق باي تونس وكلوزيل، قائد الجيش الفرنسي في الجزائر، على (شراء) إقليمي وهران وقسنطينة بدفع تونس أتاوة للحكومة الفرنسية. وكان موقف باشا طرابلس مع المقاومة منذ البداية ولكن لا سبيل له إلى إنجادها إلا عن طريق تونس. كما أن السلطات العثمانية قضت بتغيير الحكم في ليبيا (١٨٣٥) وألحقت الإيالة بالباب العالي مباشرة، ولعلها كانت تهدف إلى جعل ليبيا ركيزة قوية لحماية تونس من الوقوع في قبضة الفرنسيين من جهة ودعم المقاومة الجزائرية من جهة أخرى. وقد جرت عدة محاولات في هذا الشأن ولكنها باءت بالفشل، لضعف الدولة العثمانية نفسها وحربها مع محمد علي والي مصر، وكثرة مشاكلها في البلقان والبحر الأسود. ومنذ انسحاب محمد علي والي مصر، من مشروع الحملة ضد الجزائر توجه اهتمامه نحو المشرق - نحو الحجاز وسورية بدل المغرب العربي. وكان محمد علي قادرا على التأثير في السياسة الفرنسية ونجدة الجزائريين، ولكنه في نفس الوقت كان طموحا لتحقيق مآرب أخرى على أنقاض الدولة العثمانية المتداعية. كما أن الفرنسيين كانوا يمنونه ويوجهونه نحو قواعد الدولة العثمانية وليس نحو أطرافها، كالجزائر. وكلما حاولت هذه الدولة التدخل لنجدة الجزائر وجدت جيش محمد علي عند إحدى مدنها وقلاعها. يضاف إلى ذلك المعارضة الدينية والعسكرية للإصلاحات في اسطانبول، وثورات البلقان، ومحاصرة فرنسا مضايق صقلية، وبذلك بح صوت الجزائريين في طلب النجدة الإسلامية، وكان عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في مواجهة الغزو الفرنسي.

стр. 2463

هذه هي المرحلة الأولى من مراحل ظهور حركة الجامعة الإسلامية في نظرنا. أما المرحلة الثانية فقد أخذت في الظهور في السبعينات من القرن الماضي على ٨٠ جمعية العروة الوثقى السرية وجريدتها العلنية، وبقيادة السيد جمال الدين الأفغاني. ولا نريد أن نطيل في كيفية ظهورها وتطوراتها والعراقيل التي واجهتها في الهند ومصر وفارس واسطانبول وكابول. ولكن نقول إن الجزائر في تلك الأثناء كانت واقعة تحت كلكل الاستعمار الفرنسي، وأنها كانت تتململ وتثور، كما حدث سنة ١٨٧١ - ١٨٨١، ولم تكن أبدا منعزلة عما يجري في المشرق من أحداث حتى قبل بدء المرحلة الثانية للجامعة الإسلامية. فقد كانت حرب القرم فرصة لتجديد الصلات والعلاقات بين الجزائريين والمشرق، وبينهم وين العثمانيين. والتقى خلالها الجنود الجزائريون ببعض آبائهم وأجدادهم الذين هاجروا إلى المشرق وتطوع بعضهم للدفاع عن الدولة العثمانية. كانت حرب القرم فرصة لاستعادة الذكريات لقربها من عهد الاحتلال (ربع قرن فقط). ولا شك أن آباء المتطوعين قد حدثوهم عن الجزائر قبل الفرنسيين، والعلاقات السابقة بين المسلمين. وقد قام وفد جزائري بزيارة فرنسا لإهداء نابليون الثالث راية مطرزة بالذهب وتقديم كمية من المال، ونحو ذلك من الرموز. وكان الوفد يتألف من رجال الدين والتجار والأعيان (١). وكان أهل مدينة الجزائر وراء هذه اللفتة الحضارية، وكانت الرسالة التي حملها الوفد إلى نابليون تضم ٣٠٠ توقيع من رجال الدين والعلماء والأعيان من القطر كله. وقد بقي الجنود الجزائريون في المشرق نحو عشرين شهرا، وكان عددهم حوالي ٢٢٠٠ جندي. وكانت الصحف الفرنسية الصادرة بالجزائر تنشر أخبار حرب القرم.

стр. 2464

كما كانت تنوه بدور الجزائريين فيها، وتبرز العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا. ومن جهته كتب الشاعر الشعبي محمد بن اسماعيل، وهو من العاصمة، قصيدة طويلة، أشاد فيها بالدولة العثمانية والجامعة الإسلامية القديمة، والخلافة والمشاعر الدينية والروابط مع المشرق والتاريخ المشترك (١). إن حرب القرم جاءت لتذكر الجزائريين بالعلاقات بينهم وبين الدولة العثمانية (الخلافة). ونحن لا نستبعد أن يكون استعجال الفرنسيين في استعادة الفرقة الجزائرية وراء الخوف من ازدياد التأثير على الجزائريين في المشرق سواء من المهاجرين السابقين أو من العثمانيين أنفسهم (٢). ومع الحرب السبعينية وجدنا حركة محيي الدين بن الأمير عبد القادر الذي حاول تثوير الجزائر من جهة تبسة وسوف. وقد جمع الأنصار من الغاضبين الجزائريين في تونس وليبيا، وراسل أعيان الطرق الصوفية وأعيان الأجواد والعلماء داعيا إياهم للجهاد، منذ خريف ١٨٧٠. وكان من نصرائه ناصر بن شهرة. ويبدو لنا أن الأمير محيي الدين كان يحمل دعم الخلافة العثمانية، وربما موافقة أبيه غير العلنية (٣). إن محاولة محيي الدين والمقرانيين لا يجب أن ينظر إليها على أنها محاولة فردية أو معزولة بعضها عن بعض من جهة ولا أنها منفصلة عن دعم الدولة العثمانية وتأييد الأمير عبد القادر، سيما بعد القبض على نابليون الثالث، من جهة أخرى. كذلك نريد أن نربط بين حركة الأمير محيي الدين وظهور (الجمعية الخيرية الإسلامية) في الجزائر سنة ١٨٧١. وهي الجمعية التي بقيت غير معروفة إلا قليلا. وكانت العريضة الأولى التي وجهتها إلى الباب العالي

стр. 2465

مؤرخة في ٢٥ سبتمبر ١٨٧١. والعريضة كانت تذكر بالمساعدة الموعودة، وكون أعضائها قد حملوا السلاح للدفاع عن الدين، وأن الذي وعدهم بالمال والسلاح هو مصطفى فاضل، أحد إخوة الخديوي إسماعيل، باشا مصر. وهناك عريضة أخرى أرسلتها الجمعية الخيرية إلى الباب العالي أيضا بتاريخ ٢٨ مارس ١٨٧٢. وهي في طلب النجدة وتوسيط إحدى الدول الأجنبية لاستعادة الجزائر إلى حظيرة الدولة العثماية. كما أشارت العريضة الثانية إلى أحداث الصحراء وهزيمة الفرنسيين فيها، وهي إشارة إلى الحرب التي تزعمها الفارس بوشوشة وجماعة المدقانة من الشعانبة وغيرهم (١)، وللجمعية مراسلات أخرى ليس هنا محل تفصيلها. ومنذ الثمانينات بدا للفرنسيين أن هناك جهودا منسقة من حركة الجامعة الإسلامية مع الطرق الصوفية في الجزائر. وقد أشرنا إلى كتابات لويس رين الذي تصور أن الطرق الصوفية أصبحت عبارة عن (جمعيات سرية). تعمل على تحطيم الوجود الفرنسي بالتعاون مع أعداء فرنسا في الخارج. وفي نفس الفترة (١٣ نوفمبر ١٨٨٤) ألقى الضابط الفرنسي ني NEY محاضرة في اجتماع الضباط، جاء فيها أن هناك مطبعة كبيرة في اسطانبول تطبع جريدة رائجة جدا في أفريقية وآسيا، يبلغ سحبها مائة ألف نسخة، وأن لها تأثيرا عظيما. وقال إن للجريدة مراسلين في تمبكتو، وسمرقند، ومصر، والحجاز، والهند، الخ. وأن صاحب تحريرها صحفي سوري (٢). أما المرحلة الثالثة لحركة الجامعة الإسلامية فهي تلك التي تولاها الباب العالي بنفسه وأخرجها من يد السيد الأفغاني. وذلك منذ آخر

стр. 2466

الثمانينات. ويؤرخ الفرنسيون تبني السلطان عبد الحميد سياسة الجامعة الإسلامية باحتلال بلادهم لتونس (١٨٨١). وقد كتب بعدئذ السيد غبريال شرمس كتابا بعنوان (مستقبل تركيا) حلل فيه سياسة الدولة العثمانية. وذكر فيه أن فرنسا أيضا (دولة إسلامية) بما لها من رعايا مسلمين، وكانت فرنسا تؤيد وحدة الدولة العثمانية من جهة أوروبا، ولكنها لا تؤيد قوتها ولا نفوذها من جهة شمال أفريقية. وكان لاحتلال تونس وسياسة الدولة العثمانية الإسلامية، ردود فعل في الجزائر والسودان ومصر أيضا. ففي الجزائر حدثت ثورة بوعمامة (١٨٨١) وكانت لها في الحقيقة ظروف محلية ودولية. وبوعمامة من زعماء أولاد سيدي الشيخ ومن رجال الطرق الصوفية. وقد كان لثورته عواقب على الوضع بالمغرب الأقصى، ولها أصداء في السودان ومصر، حسب المصادر الفرنسية. كما أن نشاط بوعمامة قد تعزز بدعم الطريقة السنوسية له. وأثناء ثورته حل الجنود العثمانيون في طرابلس (وهي عثمانية) ووقعت ثورة في سفاقص واحتلت القيروان. وقد انتشر الحماس في القاهرة عند سماع الناس بثورة بوعمامة، وربما بالغوا في أهميتها، حسب تعبير فينيون. كما حدثت ثورة عرابي بمصر ووقعت معركة التل الكبير وضربت الإسكندرية بعد هيجان شعبي. ولكن القضاء على ثورة عرابي لم يخلص الإنكليز من الخطر، فقد كان عليهم أن يواجهوا ثورة المهدي السوداني. وقد تساءل فينيون سنة ١٨٨٧ عما إذا كان يمكن للملاحظ أن يربط بين هذه الثورات المتعاصرة، فيكون عرابي إنتاجا مباشرا لبوعمامة، والمهدي خليفة لعرابي؟ ثم إن حركة الجامعة الإسلامية كانت متصلة الأطراف، ذلك أن ما كان يحدث عندئذ (الثمانينات) فى السودان الغربي قد يكون له، في نظر فينيون، تأثير أيضا على أهل المغرب العربي (١). وقد وظفت حركة الجامعة الإسلامية في مرحلتها الأخيرة العديد من رجالات الجزائر وتونس، سواء من الأصول المهاجرة أو من الزعماء الذين

стр. 2467

اختاروا المشرق بعد احتلال تونس. جندت الدولة العثمانية بعض أبناء الأمير عبد القادر بد وفاته سنة ١٨٨٣. وعلى رأسهم الأمير محيي الدين الذي أصبح له شأن في الجيش العثماني، كما أرسله السلطان في مهمات أخرى نحو المغرب الأقصى. ومنهم الأمير محمد الذي أصبح المتكلم باسم العائلة في المشرق، وهو مؤلف كتاب (تحفة الزائر) الذي أهداه إلى السلطان عبد الحميد الثاني في عبارات فخمة ومطولة (١). ولكن بعض أبناء الأمير اختاروا الجانب الفرنسي، ومنهم الأمير عمر والأمير الهاشمي. وإذا كان الأخير قد اكتفى بالاستقرار في الجزائر بأولاده (ومنهم الأمير خالد) لعجزه، فإن الأمير عمر ظل يوالي السياسة الفرنسية في المشرق إلى أن قتل سنة ١٩١٦ على يد العثمانيين في سورية. إن الصراع عندئذ كان على أشده بين أنصار الباب العالي وأنصار فرنسا، أو إذا شئت بين العاطفة الإسلامية - العثمانية والعاطفة الموالية للفرنسيين. وقد ساعدت هجرة محمد بيرم الخامس ومحمد الخضر حسين والمكي بن عزوز وصالح الشريف وإسماعيل الصفائحي والثعالبي والأخوين باشر حانبه (علي ومحمد) - وكلهم من تونس - على بلورة السياسة الإسلامية نحو شمال افريقية. ويجب أن نلاحظ أن هؤلاء جميعا لم يكونوا يعملون في إطار الوطنية الضيقة التي نعرفها اليوم في أقطار شمال افريقية، بل كانوا يعملون في إطار الجامعة الإسلامية، على توحيد الجهود لتحرير المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي. وكانت جهودهم متضافرة مع المهاجرين السابقين وأحفادهم. ومنذ احتلال المغرب الأقصى دخل موضوع تحريره أيضا ضمن مطالبهم. وكانت لهم صحفهم مثل (الإعلام) لبيرم في القاهرة، و (المهاجر) لمحمد شطا والأمير علي في دمشق. كما أن جرائد (المقتبس) و (المؤيد) وكذلك (المنار) و (المفيد) و (الأسد الإسلامي) و (المنهاج) كانت تغطي أخبارهم.

стр. 2468

بعض أعيان الجزائر في المشرق والمغرب نذكر في هذه الفقرة بعض أعيان الجزائريين عموما ثم نركز على الأمير عبد القادر وعائلته في المشرق. ونظل دائما في إطار النشاط الثقافي والعلمي أكثر من النشاط السياسي أو العسكري. وحديثنا عن هؤلاء لن يكتسي بطابع الترجمة الذاتية أو السيرة، وإنما نكتفي بإبراز الملامح التي جعلت من الشخص إنسانا متميزا في وقته. ١ - محمد المهدي السكلاوي: سبق الحديث عنه في الهجرة التي أفتى بضرورتها، وقاد هو نفسه مجموعة من أتباعه إلى بلاد الشام. ولد بدلس حوالي ١٢٠٠ وتوفي بدمشق سنة ١٢٧٨ ودفن بسفح جل قاسيون. وقد رافقته عائلته في هجرته سنة ١٢٦٣ (١٨٤٧) وفيها ولده محمد الصالح. وحصل من الدولة العثمانية على الأرض لنفسه وللمهاجرين الذين معه. وكان من أنصار أحمد الطيب بن سالم خليفة الأمير عبد القادر في زواوة. وللسكلاوي تأثير في الحركة الدينية في الشام إذ تولى مشيخة الطريقة الخضرية، وكانت له أوراد يلقنها المريدين، ومنهم بعض حكام دمشق وعلمائها. وكانت له سمعة واسعة في الشام والجزائر. ومن تلاميذه الشيخ محمد المبارك (١). ٢ - محمد الطيب المبارك: ولد أيضا في دلس سنة ١٢٥٥ (١٨٣٩) وتوفي بدمشق سنة ١٣١٣ (١٨٩٦). وهو مدفون بالمزة. هاجر سنة ١٢٦٣ مع والده، تحت تأثير حركة الهجرة التي دعا إليها الشيخ السكلاوي، وقد تعلم على والده وعلى الشيخ السكلاوي الذي هو جده لأمه. ثم ازداد علما بعد دراسته على الأمير عبد القادر وغيره. وحصل على الإجازة منهم، كما أجازه محمد الفاسي بالورد الشاذلي. وعاش محمد الطيب المبارك من عمل يده، إذ كان مجلدا للكتب في دمشق، كما علم بزاوية الخضر التي أسسها جده الشيخ السكلاوي.

стр. 2469

ولمحمد الطيب المبارك فضل علمي هام. فقد أرسله الأمير عبد القادر مع الشيخ محمد الطنطاوي إلى قونية لمقابلة نسخة من كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي، عندما كان الأمير يحضر لكتابة (المواقف). وكان الناس يعتقدون في محمد الطيب عقائد صوفية ويزورون قبره بعد وفاته. وكان والده محمد المبارك قد توفي عام ١٢٦٩، ولذلك كفله جده لأمه الشيخ السكلاوي. وكان محمد الطيب أيضا شاعرا، وأديبا. كما كان شاذلي الطريقة (١). ٣ - محمد المبارك بن محمد المبارك: ولد محمد المبارك لوالده في لبنان (بيروت) سنة ١٢٦٣ (١٨٤٨) بعيد الهجرة. وعاش إلى سنة ١٣٣٠ (١٩١٢). ومن شيوخه والده والمهدي السكلاوي ومحمد الطنطاوي. وبد أن نال نصيبا من العلم انتصب للتدريس في زاوية الخضر المذكورة سابقا. كما درس في حوران، ثم أسس مدرسة النهضة العلمية عام ١٣٢٤؛ وله باع في نشر المعرفة، وتآليف سنذكرها في مكانها. كما تولى إدارة أزمير (٢). ٤ - صالح السمعوني: من بي سمعون قرب بجاية. ولد في قبيلته دون أن نعرف تاريخ ذلك، ثم هاجر إلى الشام في إحدى الموجات. وكان عارفا بالرياضيات والفلك وعلوم أخرى مشابهة، وأقرأ الفلك لأبناء دمشق حتى عرف به وتخرج عليه فيه بعض العلماء. تولى فتوى المالكية بدمشق، وخلال ثلاثة أشهر من كل سنة كان يجلس لإقراء البخاري. وتوفي في دمشق سنة ١٢٨١ (١٨٦٤) (٣). وقد غطت عليه سمعة إبنه الشيخ طاهر.

стр. 2470

٥ - طاهر السمعوني: وهو ابن الشيخ صالح، ولد له في دمشق، سنة ١٢٦٨ (١٨٥١)، وعاش الشيخ طاهر حتى سنة ١٩١٩ (١٣٣٨)، ولم يتزوج. وأصبح من أعلام الشرق في القرن الماضي وأوائل هذا القرن. كون مدرسة فكرية وتلاميذ ظلوا أوفياء له، وتولى وظائف معظمها علمية وتعليمية. وألف كتبا عديدة في العربية والفلسفة والأدب والدين. ودخل حزب اللامركزية المؤيد للدولة العثمانية ولكنه معارض لسياسة الترك التي عادت العرب وقضت على الدولة. هاجر إلى مصر هاربا من ظلم الأتراك، وقد عرفه وكتب عنه أبو يعلى الزواوي، واستكتبه تاريخ الزواوة، فطلب منه الشيخ طاهر الكتابة عن لغة أهل زواوة ونحوها. وقد زار الشيخ طاهر الجزائر آخر القرن الماضي دون أن ندري الغرض الذي حمله على ذلك ولا المدة التي قضاها، والتقى أثناء زيارته بالشيخ محمد السعيد بن زكري المدرس والمفتي بالعاصمة. والشيخ طاهر من أولاد سيدي الحاج حساين دفين بني وغليس. والشائع لدى المعاصرين أن الشيخ طاهر دخل في الماسونية على يد سيدة بريطانة كانت من (خبراء) الشرق في العراق. وعلى إثر تحرير دمشق من الأتراك وإقامة الحكومة العربية بها على يد فيصل بن الشريف حسين سنة ١٩١٩ رجع الشيخ طاهر إلى دمشق، ولكنه سرعان ما توفي بها في نفس السنة. وكانت فرنسا عندئذ تحاول الاستيلاء على دمشق باسم الانتداب المعروف. ومن أبرز تلاميذ الشيخ طاهر نذكر محمد كرد علي الذي تولى الوزارة في العهد الفرنسي بسورية وترأس المجمع العلمي العربي (١). ٦ - سليم السمعوني: وهو ابن أخ الشيخ طاهر الجزائري. ولد بدمشق

стр. 2471

سنة ١٢٩٦ (١٨٧٩). وكان عمه من شيوخه وهو الذي أشرف على تربيته وأدخله المدرسة الحربية في اسطانبول بعد تكوينه العام، وكان سليم يحسن العربة والتركية والفارسية والفرنسية والإنكليزية. وخرج في الهندسة. وأصبح من عقداء الجيش العثماني وشارك في حروب البلقان، وحرب اليمن. وتولى قيادة الجيش. وقد شارك في تكوين الجمعيات العربية الداعية إلى استقلال العرب عن الأتراك، وكان معارضا للسياسة الطورانية التي تولاها قادة الاتحاد والترقي في الدولة العثمانية بعد انقلاب ١٩٠٩. وفي ١٩١٦ قام جمال باشا حاكم سورية بإعدامه، مع آخرين في بيروت. وكان إعدامهم يوم ٦ أيار (مايو) الذي يسمى في سورية يوم الشهداء. وكان سليم شاعرا أيضا وهو مؤلف النشيد العربي ضد الأتراك. وكان عالما بالرياضيات والمنطق (١). كما كان له اهتمام بالصحافة إذ كان يحرر في جريدة (المفيد) التي كانت تصدر ببيروت وكانت تعارض الإتجاه الطوراني. ٧ - أحمد الطيب بن سالم: هاجر بعد إلقاء السلاح سنة ١٨٤٧، ورافقه إلى الشام ٤٤٢ من أتباعه وعائلته صغارا وكبارا، أطفالا ونساء، وجرى استسلامه في سور الغزلان يوم ٢٧ فبراير ١٨٤٧، أي عشرة أشهر قبل هزيمة الأمير عيد القادر. هاجر معه الشيخ محمد المبارك. حملتهم باخرة فرنسية. وبعد وصوله إلى بلاد الشام التف حوله الجزائريون وكونوا خلية أو جالية هامة. وكان أحمد الطيب بن سالم من رجال الطريقة الرحمانية، ومن المقربين للأمير. وبقي ثماني سنوات، هو رئيس هذه الجالية بدون منازع إلى أن وصل الأمير سنة ١٨٥٥. وظلت العائلات الأتباع تصل إلى بلاد الشام بتشجيعات السكلاوي وغيره، من جهة بوسعادة، وكانت هذه الناحية تتبع خلافة الشيخ ابن سالم، وكان ممثله فيها هو (سيدي عامر) (٢) وقد أدى ابن

стр. 2472

سالم فريضة الحج. وشجع الجزائريين على الإقامة في جهة الجليل (فلسطين). وأثناء حرب القرم ظهر اسمه من جديد. وقد اطلعنا له على بعض الرسائل الموجهة إلى أقاربه في الجزائر. ويبدو أن التأثير الديني كان للشيخ السكلاوي. ولا ندري متى توفى الخليفة أحمد الطيب بن سالم. ٨ - الحاج علي بوطالب: كان من أبناء عمومة الأمير عبد القادر. وقد أنجبت عائلة جو طالب عددا من القضاة الذين توظف بعضهم في شرق البلاد. وكان جد الحاج علي هو سيدي بو طالب أخو محيي الدين والد الأمير. ولد الحاج علي في مدينة معسكر حوالي سنة ١٨٢٥. وفي سنة ١٨٤٣ (عام الزمالة) هاجر مع والده والفقيه ابن عبد الله سقط إلى فاس، ثم حلوا بطنجة. وبقي هناك مدة إلى أن أطلق سراح الأمير وحل بدمشق، فالتحق به وظل معه إلى سنة ١٨٧٧. وفي هذه السنة رجع إلى الجزائر فأحس الفرنسيون خطره واتهموه بإثارة الشغب فنفوه، فحل بطنجة من جديد سنة ١٨٧٨. وتقول المصادر الفرنسية إنه طلب معونة من البعثة الفرنسية في طنجة فوقع (سوء تفاهم) معه أدى إلى لجوئه إلى البعثة الألمانية. وقد استقبله الدبلوماسي الألماني، ويبر WEBER، وهو الوزير المفوض في طنجة، وكان ويبر يعرف الحاج علي منذ كان في بيروت، فكانت بينهما معرفة شخصية وظل معه على علاقات ودية. وتذهب المصادر الفرنسية إلى أن الحاج علي وطالب أصبح صديقا مخلصا لألمانيا. وفي ١٨٧٩ رافق الحاج علي الرحالة الألماني الدكتور لانز LENZ إلى تمبكتو وحصل على وسام النسر الأحمر. كما قدم خدمة إلى السفير الألماني في المغرب سنة ١٩٠٥، الكونت توتنباخ حين رافقه إلى فاس. وكانت هذه السنة هي التي عرفت الأزمة المغربية الدولية. وفي السنة الموالية قدم الحاج علي خدماته إلى أحد الخواص الألمان في المغرب، وهو أحد الأخوة مانيسمان MANESSMEN المختصين في البحث عن المعادن.

стр. 2473

ثم عاش الحاج علي بقية أيامه في هدوء بطنجة مبتعدا، كما قال المصدر الفرنسي، عن كل المؤامرات والهرج. ولا ننسى أن الفرنسيين قد عينوا سنة ١٩٠٦ الأمير عبد المالك (ابن الأمير عبدالقادر) رئيسا للشرطة الشريفية في طنجة. وبين الحاج علي وعبد المالك قرابة عائلية واضحة. وسنجد عبد المالك يثور ضد فرنسا ابتداء من سنة ١٩١٥ بدعم من ألمانيا والدولة العثمانية، ولكن ذلك حدث بعد وفاة الحاج علي سنة ١٩٠٩ في طنجة (١). ٩ - محمد المصطفى ابن التهامي: ولد أيضا، في معسكر سنة ١٢٠٥، وتعلم في وهران. وهو ابن عمة الأمير. وكان صهرا له. وقف مع الأمير في كل مراحل حياته. فعينه كاتبا لسره ورئيسا لديوان الإنشاء، وخليفة على مدينة معسكر. وهو الذي عينه ليفاوض محمد الصغير التجاني أثناء حصار عين ماضي واستطاع إقناعه بقبول الصلح. وقد شاطر الأمير سجنه في امبواز وإقامته في بروسة ثم دمشق. وكان هو المدرس لأولاد الأمير في السجن. وفي دمشق تولى ابن التهامي التدريس في الجامع الأموي والفتوى المالكية، وكان يحضر مجالس الأمير، ويناظر علماء الشام، وكان متضلعا في العربية والأدب والفقه؛ وقد اطلعنا له على أشعار ومراسلات مع محمد الشاذلي القسنطيني أثناء إقامتهما في أمبواز. وله قصائد في التوسل لإطلاق سراحهم من السجن، وأخرى في الأدب الصرف. ونحن ننوي نشر مجموعة أشعاره ذات يوم. وقد توفي ابن التهامي فهي دمشق سنة ١٢٨٣ (١٨٦٦). وكان له تلاميذ من الشام نذكر منهم الشاعر عبد السلام الشطي (٢).

стр. 2474

١٠ - محمد الخروبي القلعي: وتاريخ ميلاده غير معروف. وكان من أخلص الناس للأمير الذي ولاه عدة وظائف منها الكتابة له والسفارة والولاية. فقد عينه خليفة على سطيف، وأرسله إلى (سلطان) تقرت، سنة ١٨٣٨، وكانت عائلة الخروبي ضمن الزمالة فأسر الفرنسيون ابنته وتزوج بها كما قيل أحد ضباطهم، كما أسروا الخروبي نفسه. ثم أطلقوا سراحه، فاختار الإقامة في دمشق، وحين أطلق سراح الأمير وحل ببروسة التحق به محمد الخروبي وبقي معه إلى أن رجع معه إلى دمشق. وفي هذه المدينة اشتغل الخروبي بالعلم وإفادة الناس به، وكان كثير الحفظ طليق اللسان. وكان عبد الرزاق البيطار يعرفه شخصيا فذكر أنه كان يزوره رفقة والده كما كان الخروبي يزورهم. وكانت بينهم مذكرات علمية. وقد وصفوه أيضا بالجرأة والمهابة. وأدركته الوفاة سنة ١٢٧٩ (١٨٦٢) (١) فكان الخروبي من المهاجرين الذين نفعوا بعلمهم وسيرتهم. ١١ - محمد بن يلس بن شاويش: ولد في تلمسان سنة ١٨٤٧ (١٢٦٤). وبقي في الجزائر إلى هجرته منها سنة ١٩١١ عند التحضير لفرض التجنيد على المواطنين. تعلم الدن والتصوف والعربية، ومن شيوخه في الطريقة الدرقاوية (الشاذلية) محمد البوزيدي. وحياته بالجزائر غير معروفة لدينا. فالذين ترجموا له أغلبهم من دمشق، وهم الذين عرفوه شاعرا وشيخا للزاوية العمادية هناك. وكانت هجرته مع عائلته وأصحابه، عبر طنجة ومرسيليا. ومنذ وصوله اشتغل بالتدريس وتلقين الأوراد الصوفية، ونشر ديوانا من الشعر، وتتلمذ عليه بعض أعيان دمشق، وأعطته السلطات العثمانية الزاوية المذكورة لينتفع بها وينفع منها. ومن الذين رافقوه في هجرته وخلفوه على الزاوية بعد وفاته سنة ١٩٢٧، تلميذه محمد بن عبد الرحمن الهاشمي.

стр. 2475

وكان لمحمد بن يلس صوت ذاع في ميدان التصوف. ولا ندري مدى تداخله في الأمور السياسية بعد أن تعرضت دمشق في عهده إلى هزات عنيفة خلال الحرب الأولى ثم الانتداب الفرنسي (١). ١٢ - محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: وهو من مواليد سبدو قرب تلمسان سنة ١٨٨١ (١٢٩٨). وقد هاجر مع شيخه ابن يلس إلى دمشق، ودرس على شيوخ في الجزائر والشام، ولعله قد درس في المغرب الأقصى أيضا. ومن شيوخه في الشام بدر الدين الحسني وأمين سويد. وقد ورث بركة شيخه ابن يلس في الزاوية العمادية بدمشق، وظهرت له عدة مؤلفات في العقائد والتصوف. منها معراج التشوف الذي ظهر سنة ١٩٣٧ بدمشق. ولم يكن الهاشمي على علاقة طيبة مع السلطات العثمانية التي قيل إنها نفته مدة سنتين إلى أضنة. وأدى فريضة الحج. ولعله لم يكن على علاقة طيبة مع السلطات الفرنسية الجديدة أيضا، (٢). ١٣ - عبد الرحمن أبو حجر: في رسالة منه إلى الشيخ محمد مبارك الميلي قال إنه كان يقيم في جدة. وانه مدرس وخطيب في جامع عكاش، مقيما على محاربة البدع والخرافات مدة ثلاثين سنة، وكان قد أقام في السودان الغربي (السنيغال ومالي؟) والسودان المصري وفي صعيد مصر وأسفلها. فعل ذلك حسب قوله، باللسان والقلم والنثر والشعر. وقال إن حكومة الإنكليز في السودان قد أحرقت كتبه (٣). ... في هذا الباب يدخل أيضا المهاجرون الذين ذكرنا أسماءهم في عدة

стр. 2476

مناسبات بل تناولنا حياتهم في فصول أخرى، أمثال حمدان الونيسي والشيخ الطيب العقبي والشيخ الإبراهيمي في الحجاز، والشيوخ محمد بن سعد والقاضي عبد العزيز وعبد الله المجاوي في الغرب، وحمدان خوجة والمكي بن عزوز ... في إساطانبول. وابن العنابي والكبابطي في مصر، والشيخ محمد المنور في اليمن. والطيب بن المختار وجماعة أخرى من المثقفين في بلاد الشام. ومحفوظ الدلسي ومحمد اللقاني وابن عبد السلام في تونس. وجميع هؤلاء قد أثروا الحياة الثقافية والدينية في البلد الذي استقبلهم، كما أثروا بذلك المجال الثقافي لبلادهم الأصلية التي حرمت منهم. وما دامت عائلة الأمير تدخل ضمن هؤلاء الأعيان، فأننا سنخصص لها بضع صفحات وحدها لأهميتها من جهة ولأن بعض الذين هاجروا قد دخلوا تحت لوائها الديني والثقافي وحتى السياسي. عائلة الأمير في المشرق الإخوة والأبناء لا تعنينا الآن حياة الأمير عبد القادر في الجزائر، ولكن تعنينا حياته خارجها، ولا سيما في المشرق بعد إطلاق سراحه من سجون فرنسا التي ظل فيها من بداية ١٨٤٨ إلى نهاية ١٨٥٢. والواقع أن عائلة الأمير كانت موضع حديث الصحافة الفرنسية والتقارير الرسمية حتى قبل هزيمته. فمنذ ١٨٤٦ كتبت صحيفة (الجزائر) التي كانت تصدر في باريس وصفا لحياة عائلة الأمير، أمه وزوجته وإخوته وأطفاله. ثم نقلت (مجلة الشرق) تلك المقالة التي رجعنا إليها. وقد حاول الفرنسيون التشكيك في إخلاص زوجته، لاله خيرة ابنة عمه سيدي علي بوطالب، وفي أخلاق عضده القوى محمد بن علال، خليفة مليانة. وبناء على هذه المعلومات أيضا فإن الأمير كان يحب والدته لاله زهرة، حبا جما، وكان يرعاها ويزورها. ويذكرون أنها مرضت ذات مرة فى

стр. 2477

مليانة وهو بعيد عنها، ولما سمع بذلك توجه إليها بسرعة فقطع خمسة عشر كلم في ظرف قياسي. وكانت أخته لاله خديجة ملازمة لأمها لا تفارقها. وكان الأمير يكتب إلى أمه بيده، أما إلى غيرها فكان يترك لكتابه يكتبون بدله. ولاله زهرة يقول عنها الفرنسيون إنها المرأة المعظمة التي بعثتها العناية الإلهية لتساعد على إرساء قواعد الجنسية العربية. وكانت امرأة من أهل الريف، وهي الوحيدة التي لبست الجوارب والقفازات الصوفية البيضاء التي أرسلها إليها الطبيب الفرنسي في معسكر أثناء الهدنة (١٨٣٧ - ١٨٣٨). فقد أرسلت تطلب علاجا من البرد الذي أصابها. وحين وصلتها الجوراب والقفازات من الطبيب لبستها بدون تحفظ، وليس غيرها كان يستطيع أن يفعل ذلك بين نساء الريف المرتبطات بالتقاليد والمحافظات، في نظر الفرنسيين. كان الأمير قد تزوج من ابنة عمه المذكورة قبل مبايعته بالسلطنة. ومنذ المبايعة أعلن لزوجته أنه سينشغل عنها ببلاده، ومصالح شعبه (١). وكانت تربطه بها علاقات عائلية قوية، فلم يطلقها. وكانت تمر أسابيع وشهور دون أن يراها. وكان له منها ولد يسمى محي الدين، توفي سنة ١٨٣٧. ثم وقع ما أبعدها عنه بعض الوقت. ذلك أن كلوزيل قد هاجم مدينة معسكر في آخر ١٨٣٥ فخرج منها أهلها، وكان الأمير غائبا. وقد أحرق كلوزيل المدينة. وتفرق عن الأمير أقرب الناس إليه، بمن فيهم زوجته وعمه بو طالب. وكان أبناء عمه المذكور معارضين له ولا سيما سمية عبد القادر بوطالب الذي كان ينتمى إلى الطريقة الدرقاوية. وقد غاب الأمير فى حصار عين ماضي حوالى عشرة أشهر (٢). وعندما حلت عائلة الأمير في سجن (بو) بفرنسا، سنة ١٨٥٠، زارته عائلات أوروبية وتحدثوا إلى زوجته وأمه. وشاهدوا أطفاله وحياته

стр. 2478

الخاصة. وسجلوا انطباعهم الذي يكشف لنا نمطا من المعيشة العربية في بلاد السجن والغربة. فوالدة الأمير كانت في حدود السبعين سنة، وكانت تعيش في غرفة خاصة بها. ونفهم من الانطباعات أنه كان للأمير عدد من النساء الزنجيات أيضا. ومع ذلك فان مكانة زوجه لاله خيرة كانت مكانة خاصة بينهن. يقول الواصف انه كانت للأمير ثلاث وصيفات في غرفة واحدة، جالسات على المطرح. وكان أطفالهن جالسين على إحدى الزرابي، ورؤوسهم قصيرة الشعر، عدا واحدا منهم كان شعره مجعدا. أما البنات فشعورهن مسرحة ولكنها مربوطة بأشرطة. وكل الأطفال كانوا يلبسون اللباس الوطني في بساطة ظاهرة. أما النساء فثيابهن بيضاء طويلة ومضاعفة. وكان غطاء شعورهن من الحرير، وهو غطاء الرأس الذي يلففنه حول الرقبة أيضا. وكن يلبسن سلاسل، وعقودا، ذهبية وفضية في أحجام ضخمة، ويتزين بالخواتم الفضية والذهبية، وبالأطواق في الرقاب وبالأقراط في الأذان. وكانت أذرعهن وأرجلهن موشمات، وهن جميلات ومستسلمات للمصير الذي كن فيه. ويقول صاحب الوصف إن القصر الذي كن فيه كان مزينا بالزرابي والمرايا والأزهار، ولكن ذلك كله كان لا يلفت انتباههن ولا يريحهن من ألم الشوق والحنين إلى الوطن والحرية. وفي هذا القصر غرفة خاصة بلاله خيرة، زوجة الأمير ابنة عمه بوطالب. وبناء على الوصف فإن لاله خيرة كانت جالسة على أريكة تنظر إلى أطفالها الذين كانوا يجلسون عند قدميها على زربية. وكانت في حدود الأربعين سنة، وكان جمالها واضحا، للعيان، لكن خيريتها كانت أوضح. وكان لباسها الأبيض أرقى من لباس النساء الأخريات. وكان لها بنتان، كما أن أصغر الأطفال كان يتصاعد على ركبتيها. وكان عدد من كان في القصر (السجن) مع الأمير حوالي مائة شخص، من بينهم ٣٢ رجلا، ٣٢ إمرأة، ٣٢ طفلا (١). والسيدة بروس كانت تسمى

стр. 2479

الأمير عبد القادر (نابليون العرب). وتقول ان اسمه كان على كل لسان، وهو عند الناس عظيم، وهم لا ينفكون عن تذكره. ويبدو أن عدد من كانوا مع الأمير كان أكبر من ذلك. فهناك آخرون كانوا يعيشون قريبا منه، وليس معه في داخل القصر - السجن. فصاحب (تحفة الزائر) يتحدث عن ١٥٠ شخصا من أتباع الأمير كانوا على الباخرة. وكان لهؤلاء السجناء حياتهم الخاصة. فهم يقضون وقتهم في الصلاة والتدريس والتعلم والقراءة. وكان بعضهم يعاني من القلق والحنين إلى الحرية والجهاد والعمل في الحقول. وكان السيد قرة محمد هو مؤذن قصر أمبواز بعد انتقالهم إليه. ويقول صاحب تحفة الزائر إنه كان جهوري الصوت يسمع صوته عن بعد رغم علو جدران السجن (القصر) حتى أن مطران مدينة بوردو كان يخطب في الكنيسة حاثا مستمعيه على المواظبة على الدين كما يفعل المسلمون (١). وقد توفي عدد من أتباع الأمير ونساءهه وأطفاله أثناء سجنهم في امبواز. فقد كانت الأمراض تفتك بهم، مع الغربة وضيق الحال. مات له ابنان وبنت. كما توفيت اثنتان من الوصيفات الثلاث (إحداهن أم ولد مولدة، والثانية سودانية، حسب تعبير صاحب تحفة الزائر). وجملة من مات هناك عشرون شخصا. وقد دفنوا جميعا في مدفن خصصته لهم السلطات الفرنسية، وكان

стр. 2480

يقع في طرف البستان من داخل حرم القصر، وقد أحيطت هذه المقبرة الصغيرة بسياج من حديد (١). بعد إطلاق سراحه في آخر سنة ١٨٥٢ والاحتفال به في باريس، شاهد الأمير وعلق على عدة أمور، مما يعبر عن رأيه في العالم من حوله. ومن أوائل ذلك أنه زار المتحف الحربي (الانفاليد) فشاهد فيه رايته التي طالما خفقت في سماء الجزائر، رآها سجينة في إحدى غرف المتحف، فتأثر تأثرا عميقا. وكانت هذه الراية البيضاء اللون كبيرة الحجم تتوسطها يد مفتوحة الأصابع الخمسة (٢). وشاهد أيضا السكة الحديدية فسماها (طريق النار) وهو ترجمة حرفية للتسمية الفرنسية (٣) وزار المكتبة الوطنية، والمطبعة الرسمية. وسجل إعجابه بطباعة الكتب، وقد طبعت أمامه ورقة عليها اسمه وهو واقف، للتأثير عليه. ورووا عنه أنه قال بالدارجة (بريز (باريس) كلها عجب، وأعجب ما فيها بيت الكتب، لله در عقول (؟)، انتخبوا خير منتخب، والسلام على كبير بيت الكتاب) (٤). ولعل هذا الكلام كان منظوما فنثر، أو مسجوعا، ذلك أن كثرة الباءات توحي بأن الأمير كان يزن كلامه ويجمله. ولعل الكلمة الأخيرة (الكتاب) هي في الأصل (الكتب) كالتي وردت قبلها. وبعد الزيارة أرسل الأمير رسالة إلى محافظ المطبعة الرسمية، واسمه (سان جورج)، شكره فيها على حسن استقباله وصنيعه. وجاء فيها (وبعد،

стр. 2481

فإننا زرناكم فرأينا من صنعتكم شيئا ما بقي لنا أن نتعجوا (كذا) من شيء يده، ورأينا من ظرافتكم وحسن أخلاقكم ما أحببناكم به من قبل تقدم مخالطة معكم، فأنتم أهل للمدح، والسلام). وتبدو عبارات التكلفت وثقل الجملة واضحة في هذه الرسالة القصيرة. والظاهر أنها ليست من إنشاء الأمير. وهي بتاريخ فاتح محرم سنة ١٢٦٩ (١٨٥٢). ولكن الرسالة السياسية التي نسبت إلى الأمير في هذه الأثناء هي الجديرة بالتوقف. فقد قيل إنه كتب تعهدا لنابليون بأن لا يدخل الجزائر بعد ذلك، وأن لا يحمل السلاح من جديد، وأنه عبر عن شكره لنابليون على إطلاق سراحه، بينما الملك لويس فيليب وعده بالحرية ولم يفعل. وأقسم الأمير إيمانا مغلظة على ذلك باعتباره مسلما، ملتزما وشريفا. كما عبر عن إعجابه بقوة فرنسا التي لا يقهرها إلا الله، قائلا إنه اتبع إرادة الله في حمل السلاح كما اتبعها في إلقائه. وقد سارعت السلطات الفرنسية إلى استغلال هذه الرسالة لتوظيفها في الجزائر لتثبيط عزائم المقاومين، فطبعت نسخا منها بالعربية والبربرية بحروف عربية، وروجتها على أوسع نطاق وطبعتها في جريدة المبشر، ثم أعادت نشرها بعد ثلاث عشرة سنة عند اندلاع ثورة أولاد سيدي الشيخ (١٨٦٥). وكانت ھذه السلطات تذكر الجزائريين دائما بأن الأمير قد أصبح من (أصدقاء فرنسا) بعد أن حاربها طويلا. وهكذا فإن الرسالة (إذا صحت نسبتها كاملة إليه) التي كتبها الأمير اعترافا، بجميل نابليون الثالث في إطلاق سراحه، وذلك طبعا من المروءة والأخلاق الفاضلة، أصبحت وثيقة سياسية استعملتها السلطات الفرنسية لإطفاء نار الفتنة، حسب تعبيرهم، أي القضاء على المقاومة ضد الاستعمار. ولو عرف الأمير أن كلامه سيوظف على ذلك النحو لكان أكثر حذرا، وربما توقف عن كتابة تلك الرسالة التي أصبحت سلاحا في يد العدو. وفي غمرة الفرح بالحرية الفردية يبدو أن الأمير قد نسي قول المتنبي:

стр. 2482

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وإليك نص هذه الرسالة (١)، كما ورد في الوثائق الفرنسية: بعد الحمدلة والدعاء بالنصر لنابليون الثالث، قال الأمير مخاطبا له (إنه جاء إلى حضرتكم العلية بالله، يستكثر بخيركم، ويتمتع بالنظر إليكم. فإنك والله، أحب إليه من كل محبوب، وفعلتم معه الفعل الذي هو فوق قدره وما يستأهله (٢)، ولكن فعلكم على قدر همتكم وعلو مقامكم وكمال شرفكم. ولست، أعزكم الله، ممن يمدح بالباطل أو يخدع بالكذب، وأنكم أمنتم فيه وما صدقتم من شك في أمانته (٣)، وسرحتموه، وفعلتم من غير وعد، وغيركم وعد وما فعل (٤)، وهو أعطاكم عهد الله وميثاقه وعهود جميع الأنبياء والمرسلين، أنه لا يخالف أمانتكم فيه (٥)، ولا يخرج عن عهدكم، ولا ينسى فضلكم، ولا يرجع إلى قطر الجزائر أبدا، لأنه حين أوقفه الله تعالى وقف وضرب البارود على قدر ما قدر، وحين أراد الله جلوسه جلس ورضى بقضاء الله، وسملت في الملك وجئتكم (٦)، وديني وشرفي يأمرانني بالوفاء بالعهد وعدم الغدر، وأنا شريف لا نرضى أن ينسبني الناس إلى الغدر. وكيف يكون ذلك وقد رأيت من إحسانكم وفضلكم ما نعجز عن شكره. الإحسان إلى الأحرار سلسلة في رقابهم تقودهم إلى محبة المحسن. وقد شاهدت من

стр. 2483

فخامة ملككم، وقوة عساكركم وكثرة أموالكم ورجالكم، وعدالة أحاكمكم، ونصيحة عمالكم، واستقامة أموركم كلها ما نقطع ولا نشك فيه أنه لا يغلبكم ولا يردكم عن مرادكم إلا الله تعالى ...) (١) وأخيرا طلب الأمير من نابليون أن (ينظمه في سلك المحبين له). ليس في الرسالة سوى التعهد لنابليون بحفظ العهد والاعتراف بالفضل على تسريحه إياه وعدم الرجوع إلى الجزائر. ولكن الإعلام الرسمي الفرنسي، وعلى لسان جريدة (المبشر)، ذهب يردد أن الأمير تعهد بعدم حمل السلاح مرة أخرى ضد فرنسا. وهو أمر غير وارد في نص الرسالة. كل ما فيها بهذا المعنى هو ترك الأمور في يد الله الذي أمره بالجهاد فجاهد ثم أمره بالتوقف فتوقف، حسب تعبيره. والمسألة كلها قضاء وقدر، وما دام الأمر كذلك، فإن نفس الوضع قد يتجدد بعد حين، وكانت المبشر تكرر أن الأمير لن يرفع السلاح في وجه فرنسا، وأنه قسم على ذلك، وأنه سيبقى وفيا لفرنسا. وكل ذلك غير وارد كما تلاحظ من النص، ولعل الترجمة أساءت إلى النص العربي، لأن الجريدة زعمت أنه لم تصلها سوى النسخة الفرنسية، فأخرت نشرها حتى تصلها النسخة العربية. ولكنها سارعت إلى القول إن الجميع - الخاص والعام - يريدون معرفة ذلك التعهد ليتعظ من يحاول الفتنة ضد فرنسا مستعملين اسم الأمير. إن الجريدة الناطقة باسم السلطات الفرنسية في الجزائر كانت تريد أن تستغل هي رسالة الأمير ضد الثوار، سيما وأن ثورة الشريف بو بغلة كانت جارية في زواوة، وكذلك ثورة محمد بن عبد الله في الصحراء (٢).

стр. 2484

ثم انتقل الأمير إلى المشرق حيث كان يرغب منذ الهزيمة سنة ١٨٤٧ لولا خيانة العهد من جانب الفرنسيين. وقد نزل اسطانبول (الآستانة) وجرى له حفل بحضور السلطات العثمانية، وكانت السفارة الفرنسية هناك تظهر الاحتفاء به أيضا. وبعد أيام استقر في بروسة بعائلته وأقاربه. ولكنه لم يلبث أن شعر بالعزلة، فلا هو في الحجاز ولا هو في سورية أو في مصر. إنه كان في مدينة بعيدة عن الأجواء العربية والكتب والصحف والعائلات الشريفة والمهاجرين الذين سبقوه إلى المشرق. ولم تتح الفرصة لطلب الانتقال إلا سنة ١٨٥٥. فقد كانت حرب القرم جارية وكانت العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا ودية إلى حد ما. وحدث في نفس السنة زلزال في بروسة. فطلب الأمير السماح له بالانتقال إلى دمشق والاستقرار فيها. ولا ندري هل وسط في ذلك نابليون الثالث أو وجه الطلب مباشرة إلى السلطات العثمانية. انتقل الأمير إلى دمشق عبر بيروت. وقد مر بزعماء الدروز وقراهم واحتفوا به هناك أيما احتفاء. وكان الأمير قد زار دمشق برفقة والده قبيل الاحتلال الفرنسي للجزائر. وهل كان اختياره لدمشق بالذات بإغراء من المهاجرين الجزائريين الذين سبقوه إلى هناك؟ ولماذا لم يقصد الاستقرار في بغداد حيث ضريح شيخه عبد القادر الجيلاني الذي زار قبره أيضا مع والده قبل الاحتلال وحمل إليه المال ونال منه البركة؟ الغالب أن المهاجرين هم الذين أغروه بالإقامة في دمشق (١). في دمشق وجد الأمير جوا كجو الجزائر، وطبيعة كطبيعة معسكر. وشعبا. عربيا، مسلما، عطوفا ومعجبا بجهاده وشرفه وقوميته، فاحتضنه، والتحم الأمير مع أهل الشام حتى أصبح واحدا منهم. وتفرغ للعلم والتدريس والتصوف. وفتح داره للزائزين والمحتاجين والعلماء. وأصبح مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس. وبعد أربع سنوات تقريبا كادت تقع فتنة في الشام بسبب

стр. 2485

التدخلات الأجنبية التي كانت تلعب بمصائر الشعوب من أجل مصالحها الخاصة. وقد وظف الأمير سمعته وماله ورجاله من المهاجرين لحماية الضعفاء. وكان أغلب جنوده في هذه القضية من أهل زواوة الأوفياء، والشجعان، وكان موقف الأمير يستجيب أيضا. لمصلحة القنصلية الفرنسية في دمشق فساندته. وخرج الأمير والجزائريون من هذه القضية متوجين بنصرة الحق وحماية وحدة الشعب السوري وشكر العالم المسيحي. وإذا كان موقف الأمير عندئذ قد أثار استغراب بعض المسلمين في دمشق - لأنه حمى المسيحيين - فانه قد أثار استغراب ودهشة المسلمين الجزائريين أيضا. فقد اعتبروه موقفا متحالفا مع الفرنسيين والمسيحيين. يقول فرنسي كان بالجزائر عندئذ ان الفرنسيين حاولوا، بدون جدوى، شرح ما قام به الأمير في دمشق والأسباب السياسية التي قادته إلى ذلك للزعماء الأهالي، ولكنهم لم يكادوا يصدقون. فقد كانوا لا يرون إلا شيئا واحدا وهو أن الأمير قد اتحد (تحالف) مع المسيحيين، وظلوا مندهشين. ولم تختف دهشتهم بالتدرج، إلا عندما قام نابليون الثالث بزيارة الجزائر، وهو الذي كانوا يعتبرونه (سلطان الفرنسيين) (١). إن النياشين والأوسمة التي غطت صدر الأمير قد وصلت إليه بعد حادثة سنة ١٨٦٠. وكانت الأوسمة من مختلف ملوك وأمراء أوروبا وأمريكا، وهي نوع من (جائزة نوبل) للسلام بمفهوم وواقع عصرنا، مهما كانت الخلفيات التي وراءها. وفي تقديرنا أن الأمير قام بواجبه الشرعي والإسلامي والإنساني كرجل شهم وشريف ومجاهد، دون حسابات أخرى. وله مواقف سابقة في الجزائر تشهد على أريحيته وتسامحه، رغم أن بعضهم قد يفسر ذلك على أنه سذاجة سياسية أو على الأقل سياسة لم يوافق عليها ميكيافيلي. ومن الذين وشحوا صدر الأمير: السلطان عبد المجيد الذي أرسل إليه الوسام

стр. 2486

(المجيدي) من الدرجة الأولى. وقالت (مجلة الشرق) الفرنسية الساخرة من كل ما هو إسلامي وعثماني، إن السلطان قد فعل ذلك حتى لا يبقى متخلفا عن امبراطور فرنسا أو ملك سردينيا، ولعلها نسيت أن تذكر ملكة بريطاني وقيصر روسيا وملك بروسيا ورئيس أمريكا أيضا .. وقد ذكرت نفس المجلة أن أسقف باريس و (أصدقاء) الأمير في امبواز (حيث كان سجينا) أرسلوا إليه أيضا رسائل عديدة. كما أن شاعرا فرنسيا قد أرسل إليه قصيدة تشيد ببطولته (١). وعلى إثر ذلك نشرت صحيفة (ديلي نيوز) الإنكليزية اقتراحا بإعطاء حكومة سورية إلى الأمير عبد القادر بدون تردد لأن في ذلك حلا، في نظرها، لقضية الشرق (٢) (المسألة الشرقية؟). وسرعان ما راجت الفكرة ووجدت أنصارا في العالم ولا سيما في فرنسا. وأصبح اسم الأمير عبد القادر مرتبطا بإقامة مملكة عربية في سورية يكون هو على رأسها بدعم من الدول الكبرى. وجاء الوسطاء، والرسائل، وأرسلت فرنسا مندوبين عنها لدى الأمير ليجسوا النبض، ولعلها أثارت الموضوع مع حلفائها في أوروبا، ولكن الأمير كان غير آبه بهذا الشرف الكبير، بل الفخ الخطير. وكان ملتزما بما وعد به، وهو أن الله الذي دعاه إلى الجهاد سنة ١٨٣٢ قد أمره بوضع سلاحه سنة ١٨٤٧. وأنه لم يأمره باستئناف الجهاد والحكم. وهناك عدد من زعماء الشرق وكتابه حثوا الأمير على قبول الإمارة أيضا، سواء من تلقاء أنفسهم أو ربما بتحريض من بعض الجهات. من هؤلاء محمد الأمين العاملي، ويوسف كرم، وأديب إسحاق (٣) ومنح الصلح. وكلهم كانوا مؤمنين بالاتحاد العربي على يد الأمير. وكانت السلطات

стр. 2487

العثمانية بالطبع غير مرتاحة لهذه المساعي العربية والدولية، لأنها مساعي تهدم وحدة الدولة وتفرق بين العرب والترك. وقد فهم الأمير عبد القادر هذه اللعبة الخطرة فتفاداها بحكمة، وحافظ على وحدة الدولة الإسلامية، ولم يقع في فخ بعض الدول الكبرى التي كانت تريد أن تجعل منه مطية لتكسيرها، كما فعلت بعد حوالي ستين سنة مع الشريف حسين. ولو رضي الأمير بمخططاتها لكان مصيره ربما هو نفس مصير الشريف حسين، من يدري؟ ومهما كان الأمر فإن الأمير لم يكن من المغامرين ولا من المتعجلين. والأسماء العربية التي ذكرناها كانت قليلا من كثير. فالمعجبون به والمراسلون له والمادحون والمستغيثون به أكثر من أن نحصيهم هنا. وفي كتاب (تحفة الزائر) و (حلية البشر) نماذج منهم. من أصدقاء الأمير في دمشق محمد الطنطاوي، وسليم الحمزاوي، وعبد السلام الشطي. وكان الشطي شاعرا، وعالما، ويبدو أنه كان طموحا وهجاء أيضا، فهجا شيخه الطنطاوي، ولكن الأمير أرسل إلى الشطي وأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء حتى ساءت حال الشيخ الشطي المعنوية والجسمية، ثم أرسل إليه الأمير يستسمحه. أما محمد الطنطاوي فأرسله الأمير إلى قونية لمقابلة نسخة (المواقف) بفتوحات ابن عربي. أما سليم الحمزاوي - الأخ الأكبر لمحمود الحمزاوي مفتي دمشق عندئذ - فهو شخصية مستقلة فيما يبدو، وكان ولوعا بالسلاح والرماية، وكان يكسب رزقه من عرق جبينه كما ذكر المترجمون له. وكان يخرج مع الأمير في جولات ورحلات. ومنها ذهابهما معا إلى الحج والمجاورة في جملة من العلماء والأشراف. وعندما مروا بقناة السويس جاءتهم دعوة من الخديوي إسماعيل لحضور إحدى حفلات أولاده التي دامت سبعة أيام. وقد احتفى الخديوي بالأمير عبد القادر ورفاقه احتفاء باهرا. وأخذت لهم خلال ذلك صور تذكارية. ثم واصلوا الطريق إلى مكة (١) ..

стр. 2488

وكانت بين الأمير ورجالات الشرق معرفة ومراسلات. ومنهم أحمد فارس الشدياق، أحد البلغاء العارفين باللغة العربية والفرنسية والتركية. وكان صحفيا لامعا، عاش في المشرق وفي فرنسا. وألف مع أحد الفرنسيين (وهو غوستاف دوقا) كتابا في نحو اللغة الفرنسية موجها إلى المتعلمين العرب سماه (سند الراوي في النحو الفرنساوي). وكان الشدياق رئيسا لتحرير جريدة (الجوائب) التي كانت تصدر باسطانبول والتي يعتبرها الغرب معادية له وناطقة باسم الخلافة العثمانية والجامعة الإسلامية. ولا شك أنها كانت تصل إلى الأمير عبد القادر وإخوته وأبنائه. ومنها كانوا يعرفون وجهة نظر السياسة الرسمية للدولة العثمانية. وكان الشدياق شاعرا قويا أيضا فنظم قصيدة في مدح الأمير، أولها: ما دام شخصك غائبا عن ناظري ... ليس السرور بخاطر في خاطري (١) وتبادل الأمير المراسلات مع خير الدين باشا التونسي. فحين أصدر هذا كتابه (أقوم المسالك) سنة ١٨٦٧ بادر بإرسال نسخة منه، مع خطاب، إلى الأمير عبد القادر في دمشق. وقد رد عليه الأمير برسالة شكر وتهنئة بصدور الكتاب مع عبارات الإعجاب بما جاء فيه من أفكار ودفاع عن الإسلام: (فلله درك ودر ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف ولا بعدت، ثم أنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته، وذلك بما قررتموه من أن الشريعة المطهرة لائقة بكل زمان، صالحة للحكم بها في كل أوان). ومدح الأمير كتاب (أقوم المسالك) خاصة بعبارات فخمة وأدبية، ولكنها واضحة في التعبير عن الإعجاب، ويبدو أن الأمير كان يوافق على ما جاء في الكتاب من الدعوة إلى نهضة المسلمين أيضا: (وقد اطلعنا على أقوم المسالك، فرأينا فيه ما بهر العقول،

стр. 2489

وأدى الأفكار إلى الذهول، من قضايا المعقول والمنقول، فاتفقت القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنة في تمثيله. أما نحن فقد تركنا التشبيه، وقلنا ما له في فنه مثيل ولا شبيه ... فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري ... ولا يخفى أنه لا بد لكل عصر من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في أودية أنبيائه ...) (١). عرف الأمير عبد القادر (جمعية العروة الوثقى) وهي جمعية سياسية سرية، من مقاصدها، كما قال رشيد رضا، خدمة وتحقيق الجامعة الإسلامية. وكانت لها جريدة بنفس الإسم. وكان الأمير عبد القادر (ومن اختار من أنجاله ورجاله) من أعضائها. ونحن لا نجد هذا النص في كتاب (تاريخ الأستاذ الإمام) لتأييد القول بعضوية الأمير وبعض أولاده وأنصاره فيها (٢). ترى كيف حدث ذلك، ومن هم الأولاد والرجال الآخرون الذين كانوا فيها؟. ومهما كان الأمر فإننا لا نعلم ما إذا كان جمال الدين الأفغاني قد التقى أو تراسل مع الأمير، ولم نجد إلى الآن إشارة إلى ذلك. أما الزعيم الثاني لجمعية العروة الوثقى وهو الشيخ محمد عبده، فربما التقى به الأمير في سورية يوم جاءها منفيا، بعد ثورة عرابي باشا سنة ١٨٨٢. وكان ذلك قبل سنة فقط من وفاة الأمير. وهناك مراسلات بينهما (٣). وفي كتابات محمد رشيد رضا ما يدل على إعجاب الشيخ محمد عبده بشخصية الأمير ودوره في الحياة المعاصرة عندئذ. فقد روى رشيد رضا أن الشيخ عبده كان يذكر له

стр. 2490

رجالا من أصحاب المزايا الكبيرة الذين إذا ماتوا لا يخلفهم أحد مثلهم في العالم الإسلامي (المصاب بالعقم)، أما عند الأمم الأخرى فإن الرجل العظيم سرعان ما يخلفه رجل عظيم مثله، وهكذا تتواصل العظمة من أولئك العظماء بخلاف الأمة الإسلامية. وفي نظر الشيخ عبده أن الأمير عبد القادر من أولئك العظماء الذين لم يخلفهم غيرهم. ثم ذكر آخرين في مصر والشام (١). وعند وفاة الأمير عبد القادر أرسل الشيخ عبده رسائل التعزية فيه إلى إبنيه محمد ومحيي الدين. في طريقه إلى الحج، يناير ١٨٦٣، زار الأمير مصر أو بتعبير آخر توقف فيها. جاء على متن الباخرة الفرنسية (سيناء) ونزل في الاسكندرية ثم قصد طنطنا فالقاهرة. وكان نزوله بترتيب من المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسيبس F. De Lesseps الذي قيل إنه كان (صديقا) للأمير والذي حاول استغلال علاقته به لتنفيذ مشاريعه في السويس وقابس. ونحن لهم أن ذلك ليس (صداقة) من النوع المعروف ولكنه استغلال لجاه الأمير لتحقيق أغراض سياسية واقتصادية لفرنسا. ولذلك كانت حكومة الخديوي إسماعيل غير مرتاحة من زيارة الأمير لمصر لا لأنها ضده شخصيا ولكن لاستغلال دي ليسيبس لها في أغراضه المذكورة، دون أن يدري الأمير ذلك في أغلب الظن. فقد قيل إنه نزل مصر عندئذ على نفقة شركة قناة السويس. ووفروا له منزلا وأرضا تسمى أرض (أو بلح) وهي واقعة في بئر أبي بلح عند القناة. ووافق الخديوي على إقامة الأمير على الأرض المذكورة، ومن جهته قام الأمير بإعلام الحجاج بأهمية قناة السويس للمسلمين. وبعد أداء الحج والمجاورة رجع الأمير إلى دمشق عبر مصر أيضا بدعوة من شركة القناة. وكان قد ركب الباخرة الفرنسية (لوريو) إلى الحجاز. ويبدو أنه رجع إلى مصر على نفس الباخرة. وكانت زيارته الثانية لمصر في
следующие страницы →