(المجيدي) من الدرجة الأولى. وقالت (مجلة الشرق) الفرنسية الساخرة من كل ما هو إسلامي وعثماني، إن السلطان قد فعل ذلك حتى لا يبقى متخلفا عن امبراطور فرنسا أو ملك سردينيا، ولعلها نسيت أن تذكر ملكة بريطاني وقيصر روسيا وملك بروسيا ورئيس أمريكا أيضا .. وقد ذكرت نفس المجلة أن أسقف باريس و (أصدقاء) الأمير في امبواز (حيث كان سجينا) أرسلوا إليه أيضا رسائل عديدة. كما أن شاعرا فرنسيا قد أرسل إليه قصيدة تشيد ببطولته (١).
وعلى إثر ذلك نشرت صحيفة (ديلي نيوز) الإنكليزية اقتراحا بإعطاء حكومة سورية إلى الأمير عبد القادر بدون تردد لأن في ذلك حلا، في نظرها، لقضية الشرق (٢) (المسألة الشرقية؟). وسرعان ما راجت الفكرة ووجدت أنصارا في العالم ولا سيما في فرنسا. وأصبح اسم الأمير عبد القادر مرتبطا بإقامة مملكة عربية في سورية يكون هو على رأسها بدعم من الدول الكبرى. وجاء الوسطاء، والرسائل، وأرسلت فرنسا مندوبين عنها لدى الأمير ليجسوا النبض، ولعلها أثارت الموضوع مع حلفائها في أوروبا، ولكن الأمير كان غير آبه بهذا الشرف الكبير، بل الفخ الخطير. وكان ملتزما بما وعد به، وهو أن الله الذي دعاه إلى الجهاد سنة ١٨٣٢ قد أمره بوضع سلاحه سنة ١٨٤٧. وأنه لم يأمره باستئناف الجهاد والحكم.
وهناك عدد من زعماء الشرق وكتابه حثوا الأمير على قبول الإمارة أيضا، سواء من تلقاء أنفسهم أو ربما بتحريض من بعض الجهات. من هؤلاء محمد الأمين العاملي، ويوسف كرم، وأديب إسحاق (٣) ومنح الصلح. وكلهم كانوا مؤمنين بالاتحاد العربي على يد الأمير. وكانت السلطات
стр. 2487
العثمانية بالطبع غير مرتاحة لهذه المساعي العربية والدولية، لأنها مساعي تهدم وحدة الدولة وتفرق بين العرب والترك. وقد فهم الأمير عبد القادر هذه اللعبة الخطرة فتفاداها بحكمة، وحافظ على وحدة الدولة الإسلامية، ولم يقع في فخ بعض الدول الكبرى التي كانت تريد أن تجعل منه مطية لتكسيرها، كما فعلت بعد حوالي ستين سنة مع الشريف حسين. ولو رضي الأمير بمخططاتها لكان مصيره ربما هو نفس مصير الشريف حسين، من يدري؟ ومهما كان الأمر فإن الأمير لم يكن من المغامرين ولا من المتعجلين.
والأسماء العربية التي ذكرناها كانت قليلا من كثير. فالمعجبون به والمراسلون له والمادحون والمستغيثون به أكثر من أن نحصيهم هنا. وفي كتاب (تحفة الزائر) و (حلية البشر) نماذج منهم. من أصدقاء الأمير في دمشق محمد الطنطاوي، وسليم الحمزاوي، وعبد السلام الشطي. وكان الشطي شاعرا، وعالما، ويبدو أنه كان طموحا وهجاء أيضا، فهجا شيخه الطنطاوي، ولكن الأمير أرسل إلى الشطي وأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء حتى ساءت حال الشيخ الشطي المعنوية والجسمية، ثم أرسل إليه الأمير يستسمحه. أما محمد الطنطاوي فأرسله الأمير إلى قونية لمقابلة نسخة (المواقف) بفتوحات ابن عربي.
أما سليم الحمزاوي - الأخ الأكبر لمحمود الحمزاوي مفتي دمشق عندئذ - فهو شخصية مستقلة فيما يبدو، وكان ولوعا بالسلاح والرماية، وكان يكسب رزقه من عرق جبينه كما ذكر المترجمون له. وكان يخرج مع الأمير في جولات ورحلات. ومنها ذهابهما معا إلى الحج والمجاورة في جملة من العلماء والأشراف. وعندما مروا بقناة السويس جاءتهم دعوة من الخديوي إسماعيل لحضور إحدى حفلات أولاده التي دامت سبعة أيام. وقد احتفى الخديوي بالأمير عبد القادر ورفاقه احتفاء باهرا. وأخذت لهم خلال ذلك صور تذكارية. ثم واصلوا الطريق إلى مكة (١) ..
стр. 2488
وكانت بين الأمير ورجالات الشرق معرفة ومراسلات. ومنهم أحمد فارس الشدياق، أحد البلغاء العارفين باللغة العربية والفرنسية والتركية. وكان صحفيا لامعا، عاش في المشرق وفي فرنسا. وألف مع أحد الفرنسيين (وهو غوستاف دوقا) كتابا في نحو اللغة الفرنسية موجها إلى المتعلمين العرب سماه (سند الراوي في النحو الفرنساوي). وكان الشدياق رئيسا لتحرير جريدة (الجوائب) التي كانت تصدر باسطانبول والتي يعتبرها الغرب معادية له وناطقة باسم الخلافة العثمانية والجامعة الإسلامية. ولا شك أنها كانت تصل إلى الأمير عبد القادر وإخوته وأبنائه. ومنها كانوا يعرفون وجهة نظر السياسة الرسمية للدولة العثمانية. وكان الشدياق شاعرا قويا أيضا فنظم قصيدة في مدح الأمير، أولها:
ما دام شخصك غائبا عن ناظري ... ليس السرور بخاطر في خاطري (١)
وتبادل الأمير المراسلات مع خير الدين باشا التونسي. فحين أصدر هذا كتابه (أقوم المسالك) سنة ١٨٦٧ بادر بإرسال نسخة منه، مع خطاب، إلى الأمير عبد القادر في دمشق. وقد رد عليه الأمير برسالة شكر وتهنئة بصدور الكتاب مع عبارات الإعجاب بما جاء فيه من أفكار ودفاع عن الإسلام: (فلله درك ودر ما به ألمعت، وما قربت من فنون المعارف ولا بعدت، ثم أنك حميت ضمار الشرع المحمدي وعضدته، وقطعت عنه ضرر الملحدين وخضدته، وذلك بما قررتموه من أن الشريعة المطهرة لائقة بكل زمان، صالحة للحكم بها في كل أوان). ومدح الأمير كتاب (أقوم المسالك) خاصة بعبارات فخمة وأدبية، ولكنها واضحة في التعبير عن الإعجاب، ويبدو أن الأمير كان يوافق على ما جاء في الكتاب من الدعوة إلى نهضة المسلمين أيضا: (وقد اطلعنا على أقوم المسالك، فرأينا فيه ما بهر العقول،
стр. 2489
وأدى الأفكار إلى الذهول، من قضايا المعقول والمنقول، فاتفقت القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنة في تمثيله. أما نحن فقد تركنا التشبيه، وقلنا ما له في فنه مثيل ولا شبيه ... فاتخذته مرتع ناظري، ومنتعش خاطري ... ولا يخفى أنه لا بد لكل عصر من رجال، يقومون بأعبائه، ويهيمون في أودية أنبيائه ...) (١).
عرف الأمير عبد القادر (جمعية العروة الوثقى) وهي جمعية سياسية سرية، من مقاصدها، كما قال رشيد رضا، خدمة وتحقيق الجامعة الإسلامية. وكانت لها جريدة بنفس الإسم. وكان الأمير عبد القادر (ومن اختار من أنجاله ورجاله) من أعضائها. ونحن لا نجد هذا النص في كتاب (تاريخ الأستاذ الإمام) لتأييد القول بعضوية الأمير وبعض أولاده وأنصاره فيها (٢). ترى كيف حدث ذلك، ومن هم الأولاد والرجال الآخرون الذين كانوا فيها؟.
ومهما كان الأمر فإننا لا نعلم ما إذا كان جمال الدين الأفغاني قد التقى أو تراسل مع الأمير، ولم نجد إلى الآن إشارة إلى ذلك. أما الزعيم الثاني لجمعية العروة الوثقى وهو الشيخ محمد عبده، فربما التقى به الأمير في سورية يوم جاءها منفيا، بعد ثورة عرابي باشا سنة ١٨٨٢. وكان ذلك قبل سنة فقط من وفاة الأمير. وهناك مراسلات بينهما (٣). وفي كتابات محمد رشيد رضا ما يدل على إعجاب الشيخ محمد عبده بشخصية الأمير ودوره في الحياة المعاصرة عندئذ. فقد روى رشيد رضا أن الشيخ عبده كان يذكر له
стр. 2490
رجالا من أصحاب المزايا الكبيرة الذين إذا ماتوا لا يخلفهم أحد مثلهم في العالم الإسلامي (المصاب بالعقم)، أما عند الأمم الأخرى فإن الرجل العظيم سرعان ما يخلفه رجل عظيم مثله، وهكذا تتواصل العظمة من أولئك العظماء بخلاف الأمة الإسلامية. وفي نظر الشيخ عبده أن الأمير عبد القادر من أولئك العظماء الذين لم يخلفهم غيرهم. ثم ذكر آخرين في مصر والشام (١). وعند وفاة الأمير عبد القادر أرسل الشيخ عبده رسائل التعزية فيه إلى إبنيه محمد ومحيي الدين.
في طريقه إلى الحج، يناير ١٨٦٣، زار الأمير مصر أو بتعبير آخر توقف فيها. جاء على متن الباخرة الفرنسية (سيناء) ونزل في الاسكندرية ثم قصد طنطنا فالقاهرة. وكان نزوله بترتيب من المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسيبس F. De Lesseps الذي قيل إنه كان (صديقا) للأمير والذي حاول استغلال علاقته به لتنفيذ مشاريعه في السويس وقابس. ونحن لهم أن ذلك ليس (صداقة) من النوع المعروف ولكنه استغلال لجاه الأمير لتحقيق أغراض سياسية واقتصادية لفرنسا. ولذلك كانت حكومة الخديوي إسماعيل غير مرتاحة من زيارة الأمير لمصر لا لأنها ضده شخصيا ولكن لاستغلال دي ليسيبس لها في أغراضه المذكورة، دون أن يدري الأمير ذلك في أغلب الظن. فقد قيل إنه نزل مصر عندئذ على نفقة شركة قناة السويس. ووفروا له منزلا وأرضا تسمى أرض (أو بلح) وهي واقعة في بئر أبي بلح عند القناة. ووافق الخديوي على إقامة الأمير على الأرض المذكورة، ومن جهته قام الأمير بإعلام الحجاج بأهمية قناة السويس للمسلمين.
وبعد أداء الحج والمجاورة رجع الأمير إلى دمشق عبر مصر أيضا بدعوة من شركة القناة. وكان قد ركب الباخرة الفرنسية (لوريو) إلى الحجاز. ويبدو أنه رجع إلى مصر على نفس الباخرة. وكانت زيارته الثانية لمصر في
стр. 2491
شهر يوليو ١٦٦٤. وفي هذه الأثناء أقام له محفل الشرق الماسوني حفلا، وهو الحفل الذي فهم منه البعض أن الأمير قبل بالعضوية في الجمعية الماسونية التي تحدثنا عنها في غير هذا (١). وكانت جريدة (ملتقى البحرين) الفرنسية التي تصدرها شركة القناة هي التي كتبت وغطت هذه الزيارات. وقد أقام الأمير عدة أيام في أحد القصور بالقاهرة. ولا نعرف من الوثائق الفرنسية من هم الأعيان الذين زاروا الأمير عندئذ (٢)، ولا الأماكن التي زارها، سواء كانت علمية أو دينية. وما نظنه إلا وقد زار الجامع الأزهر. ثم رجع الأمير إلى دمشق، وبعد بضعة أشهر رجع إلى مصر (في يناير ١٨٦٥) وزار الأرض التي أعطتها أو عينتها الشركة له (أرض بئر أبي بلح)، ولعله كان في طريقه لزيارة فرنسا. ولكن حكومة الخديوي فوجئت بحضوره هناك، ويبدو أن الأمير لم يكن واعيا للحساسية التي أثارتها زيارته هذه، حتى بعد دخل القناصل الأجانب لدى حكومة الخديوي وزوال العاصفة، كما يقول شارل رو. وحين تفطن لذلك سنة ١٨٦٦ تخلى تماما عن موضوع الأرض والإقامة في مصر، وفضل رضى مصر على رضى فرنسا، وابتعد حتى لا يكون لعبة في يد (صديقه) دي ليسيبسں وشركة القناة.
وقد سافر الأمير بعد ذلك إلى فرنسا سنة ١٨٦٥، ربما من الإسكندرية، على متن باخرة فرنسية، وما دام لا يستطيع دخول الجزائر، فإن بعض أعيان الجزائر وبعض أقاربه فيها قد زاروه في مرسيليا. وكانت ثورة أولاد سيدي الشيخ عندئذ على أشدها في الجزائر. وكانت حكومة المارشال بيليسييه قد عجزت عن القضاء عليها، ثم جاءت حكومة المارشال ماكماهون بادية الاستعداد لمواجهة الثورة. فأعادت نشر رسالة الأمير إلى نابليون سنة ١٨٥٢ على صفحات جريدة المبشر، مستغلة ما فيها من الوعد بالوفاء وشكر
стр. 2492
الامبراطور على إطلاق سراحه، لعل ذلك يؤثر في ثوار أولاد سيدي الشيخ فيلقون السلاح. كما أن نابليون نفسه قد زار الجزائر زيارة ثانية في نفس السنة (١٨٦٥) وأصدر بعدها مرسومه المشيخي الشهير (مرسوم التجنس المفتوح للراغبين الجزائريين بشرط التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية). ولا ندري ما تعاليق الأمير عندئذ على الأوضاع في الجزائر، ومن الأكيد أن الشخصيات التي جاءته من النواحي الغربية قد حدثته عن الثورة الجارية هناك ومعارضة الأعيان لتمليك الأراضي للأفراد بدل القبائل والأعراش. وكان الجواسيس الفرنسيون يحصون على الأمير أنفاسه ويفسرون كل كلمة تخرج من فمه بعدة وجوه (١).
ومهما كان الأمر فإن الأمير قد زار خلال ذلك (١٨٦٥) المعرض العالمي، كما زار نفس المعرض سنة ١٨٦٧ إلى جانب الملوك والشخصيات الكبيرة. ومن الذين حضروا هذا المعرض الاسكندر الثاني قيصر روسيا، والخديوي إسماعيل باشا مصر. فهل التقى الأمير والخديوي هذه المرة وصفيا الجو بينهما؟ يبدو ذلك. فقد رجع الأمير إلى مصر لحضور افتتاح قناة السويس سنة ١٨٦٩. وهو الافتتاح الذي حضرته أياد شخصيات عالمية، بينها (يوجيني) زوجة الامبراطور الفرنسي التي قيل انها كانت شديدة الإعجاب بالأمير. ولا ندري الآن كم أقام الأمير في مصر هذه المرة، ولكن (الوحشة) أو الجفاء قد زال بينه وبين الخديوي إسماعيل. وهذه الزيارة لم تسلم أيضا. من استغلال الفرنسيين لها. فقد كانت الجزائر تجتاز ببطء أزمة
стр. 2493
الجوائح الخطيرة التي عرفتها والتي قضت على أكثر من تلاثمائة ألف نسمة، كما أن ثورة أولاد سيدي الشيخ ما تزال مستمرة، وقد حكمت السلطات الفرنسية هناك على أن الشاب أحمد التجاني شيخ زاوية عين ماضي، كان متورطا فيها فاعتقلته في العاصمة ثم أرسلته إلى فرنسا - نوع من المنفى - ولحق به بعد ذلك أخوه البشير. فما تعليق الأمير على كل ذلك؟ إن صحيفة (النيل) التي كانت تصدر بالاسكندرية قد نشرت خبرا عن الأمير وهو أنه سيسافر بعد حفل الافتتاح إلى فرنسا ليطلب من الامبراطور زيادة معاشه ومعاش أولاده. وقد اغتنمت ذلك جريدة (المبشر) ونشرت الخبر لتبرهن للجزائريين على أن الأمير ما يزال (صديقا) لفرنسا ومعتمدا عليها (١).
وكما استغل الفرنسيون اسم الأمير في قناة السويس ومع الحجاج، كذلك استغلوه في مشروع قناة قابس أو ما سمي بالبحر الداخلي بين الجزائر وتونس. وكان دي ليسيبس هو الذي وراء ذلك أيضا، ولكن صاحب المشروع هذه المرة هو الفرنسي رودير. فهذا هو الذي قام بوضع دراسة لشطوط تونس والجزائر. فكانت تزكية الأمير مفيدة جدا، كما قيل، في إنجاز رودير لدراسته بشكل سعيد. وتمثلت تزكية الأمير (أو فتواه) في بيان أصدره وعززه بنصوص قرآنية وأحاديث شريفة، بطلب من دي ليسيبس، ليقنع الأعيان والرؤساء العرب في المنطقة المذكورة بالمشروع. وعنوان بيان الأمير هو (إلى كل القبائل العربية الساكنة في الجزائر ولا سيما علماؤهم وشيوخهم ورؤساء دينهم وعساكرهم) (٢). وهو بيان مؤرخ في ٢٣ ربيع الأول (الانور) سنة ١٣٠٠ (١٨٨٣). وجاء فيه أن الشركة الفرنسية كانت تعمل على فتح قناة قابس مثل ما فتحت قناة السويس المفيدة. كما طلب البيان منهم تسهيل مهمة
стр. 2494
الشركة لفائدة بلادهم (١). ولكن قناة قابس ظلت مشروعا على الورق فقط.
إن الذين يحكمون على ظواهر الأمور رأوا أن الأمير لم يدخل في السياسة منذ غادر الجزائر، آخر سنة ١٨٤٧. ورأوا أنه ظل على عهده بعدم الرجوع إليها أو حتى محاولة ذلك. وقد رأينا أنه رفض التداخل في السياسة العربية أيضا، أو بالأحرى رفض أن يكون مطية في يد الفرنسيين وغيرهم ضد الدولة العثمانية. وعدل عن الإقامة في مصر في أرض (أبو بلح) التي قدمتها له شركة قناة السويس حتى لا يغضب الخديوي إسماعيل وحكومة مصر. ومنذ سقوط نابليون لم يزر الأمير فرنسا، على ما نعرف، وقد عاش أكثر من عشر سنوات بعد ذلك، لأن زيارته لها كانت زيارة شخصية لنابليون وليست، في نظره، سياسية (٢). وحين تنصل من دخول ابنه محيي الدين إلى الجزائر سنة ١٨٧٠ - ١٨٧١، وهو الموقف الذي ما يزال غامضا عند كثير من المؤرخين، لم يفعل ذلك فيما يبدو إرضاء لأية جهة وإنما فعله مناورة فقط، لأنه لا سبيل إلى غيرها عندئذ، ولأنه كان يعرف أن فرص النجاح غير متوفرة. وقد رأيناه يتدخل لدى وزراء تونس من أجل المقرانيين وأنصارهم الذين فروا إلى تونس بعد ثورة ١٨٧١. كما رأيناه يتدخل لإطلاق سراح بطل القوقاز شامل الداغستاني لدى قيصر روسيا.
فهل صحيح أن الأمير قد تخلى عن السياسة ولم يعد يفكر في الجزائر وشعبها بعد هزيمته وسجنه؟ إنه من العبث أن يعتقد المرء ذلك. فالأمير الذي قضى سبع عشرة سنة حاملا السلاح من أجل دينه وشعبه وقضيته لا يمكن أن ينسى كل ذلك لمجرد أنه أصبح خارج الحدود أو أنه وعد نابليون بعدم دخول الجزائر. وقد رأينا أنه لم يتعهد بعدم رفع السلاح، كما زعمت الدعاية الفرنسية، ولم تخرج من فمه أو قلمه عبارة أنه (صديق فرنسا) وإنما هي
стр. 2495
الكتابات الإعلامية التي كان الفرنسيون في حاجة إليها للتأثير بها على الجزائريين الذين ظلوا متعلقين به. وآخر كتاب وظف عبارة (صديق فرنسا) هو كتاب الجنرال بول أزان الذي يسمونه (مؤرخ) الجيش الفرنسي.
وتذهب البحوث الحديثة إلى أن الأمير كان في المنفى وقلبه وعواطفه في الجزائر، وكان له أتباع وعيون يواصلونه بالأخبار والزيارات. وكان عدد من أقاربه قد تولوا السلك القضائي بتدخل منه شخصيا (١). ومن هؤلاء حوالي ستة عشر قاضيا من عائلة عمه أبي طالب وحدها. ومنهم أيضا ابن عمه الطيب بن المختار. ولهؤلاء ارتباطات ومصاهرات مع عبد القادر المجاوي. وكانوا يترددون على الشام وبعضهم يتزوجون من هناك بنات عمومتهم، حفيدات محيي الدين والد الأمير عبد القادر. واختار بعضهم الإقامة في الشام بعد ولاية القضاء في الجزائر. وكانت المراسلات لا تنفك بين الأمير وهؤلاء، وقد ذهب بعضهم لاستقباله في مرسيليا، كما ذكرنا. وكان السلك القضائي أخطر وسيلة سياسية بقيت في يد المسلمين بعد انهيار الدولة الجزائرية والمقاومة. ومما يلفت النظر أن الفرنسيين قد (نفوا) عائلة أبي طالب وأقارب الأمير إلى اقليم قسنطينة، فتولى معظمهم القضاء في هذا الإقليم. ونحن نعلم أن هذا الاقليم هو الذي كان مسرح ثورة ١٨٧٠ - ١٨٧١، وهو الإقليم الذي دخل منه الأمير محيي الدين في خريف سنة ١٨٧٠ ليشعل فتيل الثورة. فهل يستطيع باحث نفي العلاقة بين الأمير محيي الدين وبعض القضاة من أبناء عمومته؟.
стр. 2496
وقد لخص أحد الباحثين (كريستلو) علاقة الأمير بالجزائر في هذه النقاط: التدخل فيها عن طريق تثبيت أفراد عائلته في الوظائف القضائية وغيرها، واستقبال المهاجرين منهم أو العائدين منهم إلى الجزائر، ووجود مبعوثين دائمين بين الجزائر ودمشق. وكان واحدا منهم على الأقل يتوقف بانتظام في قسنطينة عند الشيخ عبد القادر المجاوي. وهذا الرجل هو مصطفى بن درويش الذي كان صلة الوصل بين فاس والجزائر ودمشق. ويقول هذا الباحث إنه بالرغم من عدم البرهان على تدخل الأمير المباشر في السياسة، فإنه كان شعلة متأججة بالمؤامرات في الجزائر، وهي المؤامرات التي كان يتبرأ منها مستقبلا. وفي رأينا أن تبرأه من عمل ابنه محيي الدين سنة ١٨٧٠ ومن الكتابة باسمه إلى أعيان وشيوخ الجزائر، كان داخلا في هذا السياق (١).
والمؤرخ يجب عليه أن يأخذ في الاعتبار الفترة التي عاشها الأمير ... فإلى وفاته سنة ١٨٨٣ كانت الجزائر لم تبدأ بعد المرحلة السياسية ولا نضال الأعيان في المدن. لقد عاشت فترة الثورات المستمرة التي لا يمكن حصرها هنا والتي كانت آخرها في عهده هي ثورة بوعمامة (١٨٨١). وعاش الأمير كذلك إلى أن رأى انتصاب الجمهورية الثالثة في فرنسا واستيلاء الغلاة الاستعماريين على السلطة فيها وفي الجزائر، وعاش عواقب ثورة ١٨٧١ وتجنيس اليهود وبلوغ الاستعمار أوجه في بداية عهد لويس تيرمان وتغيير الحالة المدنية، وسن قانون الأهالي. وهكذا دخلت الجزائر في القفص الضيق الذي لم تبدأ في الخروج منه إلا حوالي ١٩٠٠. أما في المشرق فالأمير عاش أوضاعا مشابهة، فقد احتلت تونس ومصر وفشلت ثورة عرابي
стр. 2497
والمهدي، ولجأ خير الدين التونسي إلى اسطانبول، وطرد الأفغاني من مصر، ونفي محمد عبده إلى بيروت، وقبل السلطان عبد الحميد الثاني مؤقتا بالدستور والبرلمان. وكانت إيران تهتز بالمؤامرات رغم حكم ناصرالدين شاه الاستبدادي. إنها مرحلة من أكبر مراحل التاريخ العربي والإسلامي سلبية.
ولعل تظاهر الأمير بالإغراق في التصوف لم يكن إلا جزءا من الخطة التي رسمها لنفسه لمواجهة الضغوط عليه، فبالإضافة إلى أنه عدل عن التوجه إلى فرنسا والزيارات الأخرى، حتى إلى الحجاز، نجده قد اعتكف على الزهد والصلاة وقراءة كتب التصوف بل وممارسته والتأليف فيه. وفي الجزء المخصص للانتاج من هذا الكتاب ستتناول مؤلفاته في التصوف وغيره.
وقبل أن نتحدث عن إخوته وأبنائه نذكر أن الفرنسيين قد أثاروا موضوع نقل رفات الأمير سنة ١٩٣٨، ونقل رفات حفيده، الأمير خالد، إلى الجزائر (معسكر). ولعل الحكومة الفرنسية قد أثارت هذا الموضوع لتجنيد الرأي العام الجزائري من حولها عندما كانت تبحث عن الأنصار أمام خطر الحرب العالمية. ولكن الجزائريين فهموا أهداف الخطة وأظهروا اللامبالاة والسخرية إزاء ذلك. واستغربت (البصائر) عندئذ من كون الحكومة الفرنسية، التي حكمت بالنفي على الأمير عبد القادر وحفيده، أصبحت تفكر في إرجاع رفاتهما. وقد أوحت الجهات الفرنسية إلى بعض الصحف المشرقية بأن تكتب أن الجزائريين هم الذين كانوا يلحون على إعادة رفات الأميرين (الجد والحفيد)، وأنهم أخذوا في جمع المال لذلك الغرض. ومما كتبته البصائر في هذا الشأن (ولعل المكتوب من قلم الشيخ المبارك الميلي نفسه، وقد كان رئيس التحرير عندئذ) أن (الأراضي الإسلامية كلها وطنا عاما للمسلمين أحيائهم وأمواتهم، فلا وجه لنقل رفات مسلم من بلد إلى بلد إلا لغرض مقبول). ومن رأى الكاتب - دون أن يتقيد بالنقل لذاته - أن (يكون ضريح الأمير وحفيده بين من يعرف فضلهما ويحسن الاستمداد من حياتهما لحياة الإسلام والعروبة) (١).
стр. 2498
وفي ذلك درس عظيم لمن كان يريد استعمال ورقة الأمير عبد القادر عندئذ ودرس عظيم آخر لمن نقلوا رفاته سنة ١٩٦٦) (١).
أبناء الأمير عبد القادر .
ترك الأمير عبد القادر عشرة أبناء، دون البنات. وكانوا، كما رأينا، من أمهات مختلفات. وقد ذكرت بعض المصادر أن ابنه البكر، محيي الدين، قد توفي سنة ١٨٣٧. ومن العشرة الذين عاشوا بعده من اشتهر في التأليف أو في السياسة، أو في الشؤون العسكرية، ولكن منهم من لا نعرف عنه إلا القليل مثل عبد الله وعبد الرزاق وأحمد. أما من حيث التبعية الدولية فإن موت الأمير عبد القادر قد جعل أبناءه ينقسمون قسمين على الأقل: قسم انحاز إلى الدولة العثمانية، وقسم انحاز إلى الدولة الفرنسية. ومن الصعب عليهم عندئذ أن لا يختاروا هذه أو تلك وأن يقفوا موقف الحياد الممكن كما فعل الأمير نفسه، خصوصا بعد ١٨٧٠.
والمعروف أن الذين ارتبطوا بالدولة العثمانية هم محمد ومحيي الدين وعلي. وقد عرف عن عمر وأحمد وعبد الرزاق أنهم بقوا على علاقتهم بفرنسا. أما الهاشمي فقد سمحت له السلطات الفرنسية في الجزائر بالرجوع والإقامة في بوسعادة مع أبنائه. ولعلهم سمحوا له بالرجوع لأنه كان فاقد البصر. أما عبد المالك فقد انضم أولا إلى الفرنسيين، ثم حاربهم. ولا ندري الآن انتماء عبد الله.
والأبناء الذين والوا الدولة العثمانية اشتهروا في العالم الإسلامي أكثر من بقية إخوتهم. فقد كان الأمير محمد، باعتباره أكبر الأخوة، هو المتحدث باسمهم ورئيس العائلة. وهو الذي كتب سيرة والده وضمنها تاريخ الجزائر إلى ١٨٥٢، أي إلى تسريح الأمير من السجن الفرنسي. وسندرس كتابه في
стр. 2499
فصل التاريخ، وله مؤلفات أخرى سندرسها في مكانها. وكان محمد مواليا للسلطان عبد الحميد وسياسة الجامعة الإسلامية. وقد عرف الشيخ محمد عبده، ولعله عرف أيضا السيد جمال الدين الأفغاني، لأن الأمير محمد كان ينتقل أيضا إلى اسطانبول حيث كان الأفغاني يقيم في سنواته الأخيرة. وقد انتهى الأمير محمد من تأليف (تحفة الزائر) في نفس العام الذي توفي فيه الأفغاني (١٨٩٧)، وأهداه إلى السلطان عبد الحميد. ووصل الأمير محمد إلى رتبة (جنرال) في الجيش العثماني، كما حصل على لقب الباشا. وقد ذكرت بعض المصادر سنة ١٩٠٧ أنه كان يقيم في اسطانبول، وليس له أولاد (١). والمعروف أنه توفي سنة ١٩١٣.
واشتهر الأمير علي بعدة مواقف وأحداث. منها نيابته عن سورية في مجلس المبعوثان (البرلمان) العثماني. وقيل عنه سنة ١٩٠٧ إنه هو الرئيس الفعلي للعائلة رغم وجود أخيه الأمير محمد رئيسا نظريا لها، ربما لكبر سنه. وكان الأمير علي يملك أراضي شاسعة وأملاكا في حوران. وكان له عدد من الأولاد، ومن جهة أخرى كان قد زار الجزائر وفرنسا أثناء تحسن العلاقات بين الدولتين العثمانية والفرنسية. كما أن الفرنسيين حاولوا جره والاستفادة من نفوذه في المشرق. ولكنه لم يمل إليهم، وقد أظهروا له الاحتفاء والكرم في ١٩١٢، وجعلوه يزور موطن الآباء والأجداد سرأ. ومن أبرز مواقف الأمير علي حربه في الجيش الإسلامي (العثماني) ضد الإيطاليين في ليبيا سنة ١٩١١ - ١٩١٢، إلى جانب عدد من الضباط العثمانيين، منهم أنور باشا ونوري بيك، ومصطفى كمال (أتاتورك، مستقبلا) وأيضا إلى جانب الأمير شكيب ارسلان وغيره من أعيان المسلمين والعرب. ولم يأت الأمير علي
стр. 2500
وحده بل رافقه ابنه عبد القادر الذي كان أيضا ضابطا. ومحاربا شجاعا.
أما الموقف الثالث الذي جعل الأمير علي يبرز فهو الدور الذي لعبه أثناء الحرب العالمية الأولى كواسطة ومتكلم رسمي باسم أخيه الأمير عبد المالك الذي أعلن الثورة على الفرنسيين في المغرب الأقصى (١). وكان الأمير علي يتنقل خلال ذلك بين اسطانبول وبرلين ودمشق. وكان في نفس الوقت يدعم ماديا. جريدة (المهاجر) الناطقة باسم المهاجرين. وهي الجريدة التي كان ابنه الأمير سعيد أحد محرريها. أما رئيس تحريرها فكان محمد شطا الأغواطي، أحد المهاجرين المعادين للفرنسيين.
هذه هي سيرة الأمير علي باختصار، ولكن صورته لا تكتمل إلا ببعض التفاصيل. من ذلك أنه تولى حاكما على القنيطرة سنة ١٨٩٦، وكان متزوجا من شقيقة (عزت باشا العابد) أحد أعيان سورية والكاتب الثاني للسلطان عبد الحميد. وهذا الجاه هو الذي فتح له الطريق ربما إلى البرلمان أيضا. وقد انضم الأمير علي إلى جماعة تركيا الفتاة، وإلى جمعية الاتحاد والترقي. وكان رئيسا لفرع دمشق. وعند اندلاع حرب طرابلس (١٩١١) كان عمره ٤٨ سنة. وقد نزل درنة ثم بنغازي (بني غازي) ثم طرابلس. وكان يحمل فكرة عظيمة فيما يبدو، وهي طموح والده، والانتقام له، إذ قال في دمشق وهو يستعد للتوجه إلى ليبيا: إن والدي قاوم الفرنسيين ربع قرن وأنا سأقاوم الإيطاليين في ليبيا مدى الحياة، كما كان مقتنعا بدفاعه عن أرض العروبة والإسلام. وعندما حل بليبيا استقبله الناس بحفاوة خاصة. ولم تخل الاحتفالات من الجو الديني والصوفي أيضا. فحين أراد التوجه إلى مصراته أقيم له احتفال ضخم من قبل الطريقة القادرية هناك جرى فيه نقر الدفوف والحركات الصوفية. وقد دخل الأمير علي ضريح المرابط سيدي عبد الهادي، وصلى هناك العصر ثم خطب في الناس كما خطب فيهم ابنه عبد القادر من بعده (٢).
стр. 2501
وقد اهتمت الصحف الفرنسية بنشاط الأمير علي وأقاربه عندئذ. فقد دخل تونس بعد توقيع الصلح مع إيطاليا، والتقى فيها بابن أخيه، الأمير خالد بن الهاشمي، الذي كان ضابطا، في الجيش الفرنسي. كما التقى ببعض أقاربه من عائلة بوطالب. واهتمت الصحافة بهؤلاء الأعيان وحضورهم رواية (كرمين) التي مثلت على خشبة مسرح تونس. وبالطبع كانت العيون تتبعهم حتى لا يقع اتصال بينهم وبين الجزائريين إلا مع من ترضى عنه السلطات الفرنسية. والغريب أن الكتاب الذي تحدث عن سيرة الأمير علي عندئذ قال إنه طلب من هذه السلطات السماح له بزيارة قبور أجداده وأرضهم فأذنت له. فدخل الجزائر سرا وخرج منها سرا بعد يومين. غير أن الزيارة لم تكن (سر) إلا على المغفلين، فقد قلده الفرنسيون وسام جوقة الشرف، وصوروه بلباسه الرسمي المهيب، وصدرت الصورة في (التقويم الجزائري) الرسمي، ولعلها صدرت في غيره أيضا. فالصحافة اليومية ليس معها سر، سيما إذا كان الأمر يتعلق برجل معروف مثل الأمير علي. وإنما الأقرب إلى العقول أن يكون الفرنسيون قد اشترطوا عليه عدم الاتصال بالناس والخطابة فيهم (١).
لم يتوجه الأمير على بعد ذلك إلى فرنسا، كما كان يرغب الفرنسيون، ولكنه رجع إلى سورية، وربما أحس بأن الفرنسيين كانوا يبنون على زيارته سياسة لا ترضى عنها الدولة العثمانية أو أنهم أساؤوا إليه أثناء زيارته للجزائر. وبعد رجوعه وصلته برقيتان إحداهما من أخيه والأخرى من ابن أخيه. الأولى من الأمير عبد المالك (سلطان مراكش) حسبما جاء في النص،
стр. 2502
رغم أننا ما نزال في سنة ١٩١٢، سنة احتلال فرنسا للمغرب. والبرقية كانت مكتوبة من طنجة في ٣ أبل ١٩١٢. وقد جاء فيها: (أهنئكم على المساعي التي بذلتموها في سبيل الاتحاد الإسلامي). ويفهم من ذلك أن الأمير علي ربما كان مكلفا، بمهمة تتعلق بالجامعة الإسلامية. أما برقية الأمير خالد بن الهاشمي (ابن أخيه) فمكتوبة من الجزائر في ٣١ مارس ١٩١٢، وفيها: (نصر الله المجاهدين، فقد كان بلاؤكم حسنا، جعل الله على أيديكم كل نفع للإسلام) (١).
ورغم أن الأمير علي كان محسوبا على العثمانيين، كما رأينا، فإنه واجه سنة ١٩١٦ الاتهام بعدائهم وهو اتهام له عواقب وخيمة. ولذلك وضعوه في أحد سجون أناضوليا في نفس السنة التي أعدم فيها جمال باشا، والي الشام، مجموعة من الزعماء العرب، ومن ضمنهم أخوه الأمير عمر، وجزائريون آخرون مثل سليم السمعوني. ويقول أحد الدارسين ان الأمير علي قد حافظ على خيط من الصلة مع الفرنسيين. ولم ينجح الأمير علي في إنقاذ أخيه من المشنقة سنة ١٩١٦ ولا إنقاذ ابنه هو عبد القادر، سنة ١٩١٧ الذي اتهم لورنس بتدبير قتله عندما دخلت جيوش فيصل سورية (٢)، ولم يلبث الأمير علي نفسه أن توفي، سنة ١٩١٨.
أما الأمير عمر فقد ولد في سنة ١٨٧١ بدمشق، وعاش فيها، وخالف اتجاه إخوته الكبار مثل محمد ومحيي الدين، ومال، كما قلنا إلى الفرنسيين، أي بقي على صلة القنصلية هناك، بل أصبح المتكلم باسم المهاجرين الجزائريين الذين بقوا على صلة ببلادهم في كل ما يتعلق بهم مع الفرنسيين. وكان يسافر بين
стр. 2503
دمشق وباريس. ولا نعلم أنه قد دخل الجزائر. وما دام أمره كذلك فإننا نتوقع أن يكون في الصف المعادي للعثمانيين، ولذلك قيل عنه انه انضم إلى الجمعيات العربية السرية، وتعرضت أسرته للإبعاد إلى أناضوليا. وفي إحدى زياراته لفرنسا حصل على وسام من رئيس جمهوريتها. وإذا كان نشاطه ذلك مغفورا في عهد السلم، فانه سيكون خطرا عليه وقت الحرب. ذلك أن السلطات العثمانية في دمشق قد قبضت عليه وأعدمته ضمن من أعدمت من القادة العرب الذين اتهمتهم بموالاة أعدائها الفرنسيين، في ٦ مايو ١٩١٦ (١).
كانت علاقة الأمير الهاشمي بوالي دمشق العثماني تؤدي أحيانا إلى توترات بين السلطات العثمانية والقنصلية الفرنسية. ويبدو أن عاهة العمي، والإدلال بالجاه الفرنسي أو فلنقل عدم التفاهم مع الأتراك، هو الذي جعل الأمير الهاشمي كثير القلق ولا يحسن تقديم قضيته أمام الوالي. وقضيته عادة هي شكاوى المهاجرين أو شكواه هو حول الأرض والمصالح المادية. وفي إحدى المرات غادر الهاشمي دمشق غاضبا وتوجه إلى بيروت، ولكن القنصل الفرنسي أقنعه بالرجوع. واشترط الهاشمي أن يرجع معه القنصل ففعل، مما أثار استغراب ودهشة الجالية الجزائرية. ولاحظ عليه الفرنسيون أنه كان يبالغ في طلب النقود والمعيشة الفاخرة. واقترح القنصل نقله إلى منطقة أخرى. وكانت مصر إحدى البلدان الممكنة، غير أن الهاشمي طلب الإقامة في الجزائر، فوافقت على ذلك الحكومة الفرنسية، وغادر دمشق خلال اكتوبر ١٨٩٢ متجها بعائلته إلى بيروت (٢) ثم الجزائر.
стр. 2504
عرفنا أن الأمير الهاشمي كان على صلة بالفرنسيين منذ وفاة والده، الأمير عبد القادر. ونحن نجد بعض المراجع تقول ان الحكومة الفرنسية قد وافقت على منح إبنيه منحة دراسية في ثانوية لويس لوقران سنة ١٨٨٨. وكلاهما رافقه إلى الجزائر، ولعلهما سبقاه إلى الدراسة بفرنسا. وكان الأمير الهاشمي يهنئ بعض أعيان الفرنسيين بالعام الجديد، كما فعل آخر سنة ١٨٩٠ مع لويس تيرمان الحاكم العام للجزائر، فقد هنأه منذ منتصف ديسمبر من هذه السنة بالعام الجديد. وتدخل الهاشمي في شأن أقارب العائلة بالجزائر أيضا، إذ كتب رسالة في ١٨ نوفمبر ١٨٩٠ إلى الحاكم العام نفسه يطلب فيها تقديم العون لأرملة ابن عمه آمنة بنت الميلود بوطالب، التي توفي عنها زوجها مصطفى بن عبد القادر، وهو في القضاء بمستغانم (١).
ومنذ أن حل الأمير الهاشمي بالجزائر استقر في بوسعادة، بعائلته، كما ذكرنا، وواصل ابنه الأمير خالد التعلم في مؤسسات فرنسا العسكرية. وتخرج ضابطا في الخيالة (صبائحية). أما إبنه الآخر مصطفى فلا نعلم إلى أي درجة وصل ولا مصيره، ويبدو أنه لم يواصل التعليم، وقد يكون توفي مبكرا. وأما الأمير الهاشمي نفسه فيبدو أنه توفي أوائل هذا القرن، أي قبل سنة ١٩٠٧ على كل حال. ولعل الهاشمي كان من أبناء الأمير عبد القادر المهجنين، أي أن أمه كانت وصيفة أو أم ولد، إذ تصفه بعض الوثائق بأنه كان أسمر البشرة أجعد الشعر (٢).
من أبناء الأمير عبد القادر الذين تركوا إسما قويا في التاريخ نذكر الأمير
стр. 2505
محيي الدين، وهو الذي سماه الأمير على والده وعلي ابنه المتوفي (سنة ١٨٣٧ حسب بعض الروايات). ولد محيي الدين في القيطنة سنة ١٢٥٩ (١٨٤٣)(١). وبعد أربع سنوات هزم والده وحمل إلى سجون فرنسا، فكان الطفل محيي الدين يتبع أباه وأمه. وقد كان عمره حوالي تسع سنوات عند إطلاق سراح والده في آخر سنة ١٨٥٢. وفي امبواز علمه والده القرآن الكريم، رفقة أخيه محمد وبعض أبناء المرافقين للأمير في السجن. وكانت حياته في الطفولة والمراهقة تشبه حياة أخيه محمد أيضا، إذ قضى محيي الدين بضع سنوات في بروسة مع أسرته قبل أن تنتقل إلى دمشق. فكان عمره حوالي اثني عشر سنة عندما انتهى بهم المطاف إلى الشام. وثمة انتظمت حياته العلمية. فدرس على جزائريين وسوريين. ومن الجزائريين والده ومصطفى بن التهامي، ومن السوريين محمد عبد الله المغربي الخالدي، ومحمد الطنطاوي، ومحمد الجوخدار. وتعلم العربية والتركية، وربما تعلم بعض الفرنسية. وازدادت علومه بالإطلاع الواسع على الكتب والأسفار. فكان يزور أوروبا واسطانبول أيضا. وتكونت لديه ملكة شعرية قوية، وأحب الأدب، واهتم بالفروسية والتاريخ. وقرأ سيرة الأبطال المسلمين، ومنهم والده، فتاقت نفسه إلى المجد ورسم اسمه في لوحة الشرف التاريخية.
كان عمره سنة ١٨٧٠ هو عمر والده سنة ١٨٣٠ تقريبا. لقد كان في السابعة والعشرين عندما اختفى من دمشق وسار نحو المغرب العربي متخفيا في زي تاجر، عبر مصر ومالطة وتونس، ثم دخل الجزائر من الجهة الشرقية، ناحية تبسة، يرافقه بعض الأوفياء. وكان ذلك في خريف سنة ١٨٧٠ (ربما منتصف أكتوبر؟) ولم تكن ثورة المقراني ولا الشيخ الحداد قد بدأت بعد. كان هناك تذمر وعصيان ناجية سوق أهراس، وهناك الشيخ الكبلوتي زعيم الحنانشة المغاوير. وأخذت الرسائل والبرقيات العربية (كلمة السر) تتردد في
стр. 2506
أوساط الأهالي الذين ملوا التعسف الاستعماري وتجريد الأعيان والأعراش من أراضيهم بدعوى الملكية الفردية. وتحدثت قرى زواوة والهضاب العليا عن وجود ختم الأمير عبد القادر على الرسائل الواصلة إلى الأعيان وشيوخ الطرق الصوفية، كما تحدثت بأن الخليفة العثماني قادم لنجدة الجزائريين. وكانت فرنسا عندئذ محتلة وباريس تحت براثن خيول بيسمارك، فضلت الحكومة الفرنسية الهروب إلى بوردو بدل البقاء في باريس. إنها إذن الفرصة المنتظرة لكي يضرب المظلوم ضربته.
وفي هذا الجو اندلعت الثورة سنة ١٨٧١، باسم المقراني في البداية. لكن هل تلقى المقراني رسالة من محيي الدين باسم الأمير عبد القادر؟ إن دعاية الوقت قالت إن المقراني وعد بأن الخليفة العثماني سيدعم الثورة وكذلك (السلطان) عبد القادر. وأن وجود محيي الدين داخل حدود الجزائر عندئذ قد نفخ روحا قوية للثورة والأمل في التحرر. فإلى أي حد كان محيي الدين محركا أو منشطا للثورة؟ ذلك ما لا نستطيع أن نجازف به الآن. ولكن استجابة الطريقة الرحمانية التي طالما نسقت المواقف في المقاومة مع الأمير عبد القادر منذ الثلاثينات، تدل على استمرار ذلك التنسيق. فقد نادى الشيخ محمد امزيان الحداد، بضغط من ابنه عبد العزيز (عزز) بالجهاد. فهل كان الشيخ عبد العزيز على صلة بمحيي الدين أو ببعض رسائله على الأقل؟.
لكن هذه المغامرة لم يقدر لها النجاح. فقد جرت ضغوط على الأمير عبد القادر ليعلن رأيه. ولعله قد أعطى موافقة ضمنية لابنه بعد سقوط نابليون الثالث وتغيير النظام في فرنسا بل وهزيمتها. فذلك كله يحرره من الالتزام الذي قيل إنه وعد به نابليون، رغم أنه شخصيا لم يدخل الجزائر، ولكن الذي دخلها هو ابنه. ويبدو أن هذا الابن قد جاء بنية البقاء فترة طويلة بل بدون التفكير في العودة إلى الشام، وإنما جاء ليفتح طريق الدخول إلى والده الذي قارب الستين سنة.
ويقول البعض إن الأمير قد غضب على ابنه لأنه يعتقد أن ما قام به كان
стр. 2507
مجازفة وتهلكة للشعب (١). ومع ذلك فلم يرجع الأمير محيي الدين إلى سورية إلا في يوليو ١٨٧١، وكانت الثورة في الجزائر عندئذ قد ضعفت، وقتل الحاج محمد المقراني، وسجن الشيخ الحداد، واستسلم الشيخ عبد العزيز وأخوه محمد. ولم يبق في الميدان إلا أحمد المقراني بومزراق الذي أخذ في الانسحاب بأتباعه نحو الجنوب الشرقي (٢).
رجع الأمير محيي الدين إلى الشرق واستقر في صيدا، ليتفادى إحراج والده مع القنصلية الفرنسية. وقد ذكر منح الصلح أنه هو الذي أشار عليه بالإقامة عند بعض الأقارب في صيدا بعض الوقت، ونحن نستبعد ما قيل إن الأمير عبد القادر قد (طرد) زوجة ابنه وأبناءها، لأن ذلك ليس من أخلاقيات الأمير ولا من أخلاقيات المسلمين. كما نستبعد ما ذكره باردان من أن الأمير محيي الدين كتب رسالة من صيدا إلى القنصل الفرنسي روستان يعترف له أنه ذهب إلى الجزائر ليس بقصد الإساءة إلى فرنسا، وأن هناك أسبابا مالية (؟) هي التي جعلته يغادر دمشق (٣). ونحن لم نطلع على هذه الرسالة ولا على قرار الأمير بطرد عائلة ابنه، فالتحفظ أمام هذه الإدعاءات أسلم في الوقت الراهن.
طالما كان الأمير عبد القادر على قيد الحياة، كان محيي الدين في ظل والده يتبع سياسته ويطيعه. وأثناء حياة والده حصل على أوسمة من السلطان عبد العزيز العثماني، ومن نابليون الثالث، وغيرهما. وكان مهتما بالحياة
стр. 2508
العسكرية والأدب والأسفار، بالإضافة إلى إعالة أسرته. وبعد وفاة والده فضل هو وأخوه محمد وعلي الولاء لآل عثمان كما ذكرنا. مع بقائهم على حب الجزائر والقضية العربية والجامعة الإسلامية. وقد شجعته السلطات العثمانية على ذلك أيضا. فمنحه السلطان عبد الحميد أوسمة وعينه جنرالا على فيلق شرفي، ومساعدا للسلطان. وقد كلفه السلطان سنة ١٨٨٨ (بعثمنة) الجزائريين في سورية، أي إدخالهم تحت الرعاية العثمانية بدل الرعاية الفرنسية. فجاء محيي الدين إلى بيروت رفقة أخيه محمد، ثم توجها إلى دمشق، وأخذ محيي الدين يوزع الألقاب والمرتبات على إخوته وعلى الجزائريين لذلك الغرض. وكان ممثلو السلطان في بيروت قد استقبلوا الأمير محيي الدين استقبالا. رسميا باعتباره مبعوث السلطان. فاحتجت السفارة الفرنسية في اسطانبول على ذلك النشاط، وطالبت بإرجاع محيي الدين وإنهاء مهمته .. وأخذت القنصلية الفرنسية في دمشق، من جهتها، تحرك أخوته ضده وضد سياسة العثمنة، ومنهم الأمير الهاشمي الذي سبق الحديث عنه (١)، كما أن آخرين وجدوا في ذلك فرصة لمضاعفة طلباتهم من القنصلية الفرنسية. ومهما كان الأمر فإن السفارة الفرنسية في اسطانبول لاحظت أن المهاجرين الجزائريين مالوا إلى الدولة العثمانية وأن ذلك يعني نجاح سياسة الجامعة الإسلامية (٢).
ولا ندري إلى أي حد استغل الأمير محيي الدين تنافس العثمانيين والفرنسيين على ولائه. فتدخله في الجزائر ١٨٧٠ - ١٨٧١، وشخصيته، وأدبه قد جعلته كلها محط النظر من هؤلاء وأولئك. وتذكر بعض المصادر أن السلطات الفرنسية عرضت عليه بعد وفاة أبيه نفس الراتب الذي كانت تعطيه له، على أن يظل تحت رعايتها، فأبى الأمير محيي الدين ذلك. وقبل الراتب
стр. 2509
الشهري الذي عرضه عليه السلطان عبد الحميد. وقد كلفه السلطان نفسه بعدة مهمات في المشرق والمغرب. من ذلك أن العلاقات بين الدولة العثمانية والدولة العلوية (المغرب) قد أخذت في التحسن أثناء عهد الحسن الأول الذي كان يحاول التخلص من ضغط الدول الأوروبية عليه. وذهب سفير مغربي إلى اسطانبول. وأرادت الدولة العثمانية الكشف عن حسن نيتها في التعامل مع المغرب فرشحت الأمير محيي الدين لهذه المهمة. وقد عينته سفيرا لها في مراكش. لكن فرنسا وقفت ضد ذلك، لأنها كانت ضد سياسة الجامعة الإسلامية وضد تعيين الأمير محيي الدين بالذات الذي حاول الثورة ضدها. ثم أنها كانت تعمل على احتلال المغرب حين تسمح الظروف الدولية بذلك (١).
حين وقعت الحرب العثمانية - الإيطالية على ليبيا سنة ١٩١١ كان الأمير محيي الدين يدب نحو السبعين سنة، ولذلك لم نسمع عنه شيئا عندئذ وإنما سمعنا بدور أخيه علي. وقد عاش الأمير محيي الدين حتى قارب التسعين إذ أدركته الوفاة في دمشق سنة ١٣٣٦ - ١٩١٨. ودفن في مقبرة الشيخ محيي الدين بن العربي إلى جوار والده. ولا شك أنه لم يكن سعيدا عندئذ فقد سمع بانتصارات الحلفاء ضد الدولة التي أيدها، وسمع بثورة الشريف حسين، ورأى فكرة الجامعة الإسلامية التي عمل لها تنهار على أيدي جمعية الاتحاد والترقي والحركة الطورانية والحركة الصهيونية، واشتداد العداوة بين العرب والترك. وفاز أعداء الطرفين. ولا شك أيضا أنه عاش إلى وفاة أخيه محمد سنة ١٩١٣، وشنق أخيه عمر سنة ١٩١٦، ونفي أخيه علي من دمشق. فهل بقي الأمير محيي الدين بعد ذلك على ولائه لآل عثمان؟ لا نظن ذلك. لقد تغيرت نفوس كثيرة بعد سقوط السلطان عبد الحميد، وظهور حركة التتريك، وقيام الحكم العربي في سورية.
لقد ترك الأمير محيي الدين أبناء بعده، منهم عبد القوي الذي سماه على أحد جدوده. وخصص الشيخ عبد الرزاق البيطار ترجمة واسعة للأمير
стр. 2510
محيي الدين، وكان صديقا له، كما تناوله شكيب أرسلان في بعض كتاباته (١).
ومن أبناء الأمير عبد القادر الذين لعبوا دورا هاما في أوائل هذا القرن الأمير عبد المالك. وقد ضاع جهده في تاريخ المغرب السياسي لأنه عاش في فترة مضطربة، فترة الاحتلال والحماية والحرب العالمية وحرب الريف، فكانت جهود الأمير عبد المالك في تحرير المغرب من الفرنسيين غير معتبرة من الدارسين المتأخرين. كما أن الجزائريين ما يزالون يجهلون حركته، ولم يهتم به المشارقة كما اهتموا بإخوته الذين كانوا في رعاية الدولة العثمانية أو الدولة الفرنسية، لمواقفهم إزاء القضية العربية والجامعة الإسلامية، كما عرفنا. ونحن لا نبعد صفة (المغامرة) عما قام به الأمير عبد الملك في المغرب، ولكنه كان مؤمنا في وقته أنه كان يعيد دور أبيه ودور أخيه محيي الدين في الجزائر. ولعل المغاربة سينصفونه بعد تصفية الزبد من الغثاء. ونحن نحيل على ما كتبناه عنه في غير هذا (٢).
...
إخوة الأمير عبد القادر:
إلى جانب الأبناء هناك أخوة الأمير، وهم على الأقل أربعة ممن عرفنا أسماءهم وأفعالهم. وهم جميعا أبناء الشيخ محيي الدين من زوجته لاله زهرة، وهم: محمد السعيد، ومصطفي وأحمد والحسين. وقد ذكرت
стр. 2511
مصادر فرنسية أن للشيخ محي الدين إبنا آخر اسمه أبو بكر من أم ولد زنجية. وفي سنة ١٨٤٦ عندما كانت الحرب على أشدها بين الأمير والفرنسيين نشرت (مجلة الشرق) الفرنسية شعرا، للأمير يتشوق فيه إلى إخوته، وقد سمى منهم ثلاثة فقط بأسمائهم: محمد السعيد ومصطفى والحسين. ولم يسم أحمد الذي ربما سماه الفرنسيون أبا بكر، لأن المصادر الأخرى لا تذكر أبا بكر هذا. وفي قصيدة الأمير تنويه بإخوته، وقد وصف كلا منهم بوصف يعبر عن مكانته في نفسه. فأخوه الأكبر محمد السعيد المتميز بالوقار والعلم وخليفة والده في الطريقة القادرية، سماه الأمير (روح وجودي). وأخوه مصطفى الأصغر منه، ولاه عدة مناصب، وقد سماه (ذراعي الأيمن). وأطلق على الحسين اسم (ربيع حياتي). أما الرابع الذي لا نعرف اسمه من القصيدة، والغالب أنه أحمد، فقد سماه الأمير (مم عيني) أو سواد عيني. وقد ذهب خيال المعلقين الفرنسيين عندئذ على القصيدة إلى أن في ذلك إشارة إلى سواد بشرة هذا الأخ وإلى كونه من زنجية وليس من لاله زهرة ذات الجمال والفضل (١). ولكن عبارة (سواد العين) عند العرب تعني العزيز والغالي ولا تعني سواد البشرة.
١ - محمد السعيد: أما من حيث الأدوار فإن بعض أخوة الأمير كانوا معه في سياسته وبعضهم كانوا قد سببوا له بعض الحرج، ولم تكن رؤيتهم متحدة في معالجة المواقف السياسية. فمحمد السعيد كان يتصرف كمرابط، وهو الذي ورث بركة والده الصوفية. وكان مقيما في زاوية القيطنة أثناء المرحلة الأولى من المقاومة. ولا شك أنه ساعد أخاه بتجنيد أتباع الطريقة إلى جانبه. وكان الأمير يحترمه ويستشيره في المسائل الصعبة، كما
стр. 2512
هي التقاليد العربية إذ يحل الأخ الأكبر محل الأب. وقد تقف على والده الشيخ محيي الدين وعلماء زاوية القيطنة قبل الاحتلال. وكان يميل بطبعه إلى التصوف، ولكنه جاهد مع أخيه وحضر وقائع عديدة معه. ثم سجنه الفرنسيون في عنابة حيث بقي سنوات، قبل السماح له بالهجرة إلى دمشق التي استقر فيها، وأصبح من المدرسين بها، كما جلس محمد السعيد لإعطاء ورد الطريقة القادرية، وقد توفي سنة ١٢٧٨، ودفن بجبل قاسيون. وترك ولدين هما محمد المرتضى وعبد الباقي. كما ترك بعض المؤلفات (١).
أحد أبناء محمد السعيد أصبح هو الوارث لبركة والده وجده في الطريقة القادرية أيضا، وهو محمد المرتضى. وكان هذا من مواليد القيطنة سنة ١٢٤٥ - ١٨٢٩. وعاش طفولته ومراهقته في الحرب والمقاومة، في معسكر والزمالة والدائرة، لا يستقر له قرار مع فتيان الجزائر عندئذ. وخلال ذلك تلقى العلم وحفظ القرآن على والده وغيره. وكان محمد المرتضى من الشباب المجندين في آخر عهد المقاومة. وحضر مع عمه الأمير عبد القادر عدة معارك. ونشأ على حب الوطن والغيرة على الدين وكره العدو. وحين انتقلت العائلة إلى دمشق كان قد قارب العشرين سنة. فاستكمل تعلمه على الجزائريين والسوريين. ومن شيوخه عمه الأمير نفسه، ومصطفى بن التهامي، وسليم العطار.
ورغم المغريات بالوظائف فإنه ظل كوالده وجده ميالا إلى العلم والتصوف. وكلفه عمه الأمير، بالسفر إلى اسطانبول في مهمة سنة ١٢٧٣ لا ندري ما هي الآن. وفي سنة ١٢٨١ حج مع الأمير، وهو الحج الذي أخذهم إلى مصر والحجاز ولا ندري هل جاور مثله فلم يرجع إلا بعد مدة أو رجع بعد الحج مباشرة. ومهما كان الأمر فإن محمد المرتضى قد زار بغداد أيضا ربما للتبرك بضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني. ثم استقر ببيروت منذ حوالي
стр. 2513
١٢٩٤ - وكان من تلاميذه فيها محمد رشيد الدنا، منشئ جريدة بيروت سنة ١٨٨٦، وتقول مصادره إن محمد المرتضى قد رفض منصب القضاء في أزمير، واكتفى بتدريس تعاليم الصوفية في مساجد دمشق ثم بيروت، والاعتكاف في بيته، الذي كان يقع في حي باب السريجة. ونفهم من سيرته أنه كان من رجال الدين المحتمين بالسلطة العثمانية، ولذلك رتب له السلطان عبد الحميد راتبا شهريا يعيش منه.
من موقعه في بيروت ودمشق كان الشيخ محمد المرتضى على صلة بالجزائر أيضا. فقد عرفنا حين درسنا الطرق الصوفية أن الفرنسيين اكتشفوا المراسلات بينه وبين بعض أعيان الجزائر بمن فيهم بعض القضاة الرسميين. وكان أتباع القادرية في الجزائر يبعثون إليه (الزيارات) بالبريد أو مع التجار والحجاج. وكان الفرنسيون يعتقدون أن هذه العلاقة إنما هي سياسية تعمل على نشر فكرة الجامعة الإسلامية تحت غطاء التصوف. ولذلك لم يكونوا مرتاحين لدور الشيخ محمد المرتضى الذي يعرفون أصله وعواطفه ضدهم.
توفي الشيخ محمد المرتضى في بيروت سنة ١٣١٦ (سنة ١٣١٩ عند البعض) ١٩٠٢. وترك شعرا في مدح الرسول، وكانت له مجالس وعظية وأدبية. وقد رثاه عدد من الشعراء منهم أبو الحسن الكستي، ومصطفى نجا مفتي بيروت، وخصه أبو النصر يحيى السلاوي مدح في كتابه (صحيح القياس) (١). ويرجع ذلك إلى علمه وزهده وإلى علاقته بأسرة محيي الدين التي أنجبت الأمير عبد القادر.
أما الابن الثاني للشيخ محمد السعيد، وهو عبد الباقي فكان قد ولد في عنابة بالجزائر سنة ١٢٦٧ (١٨٥٠) عندما كان والده سجينا بها. ثم تثقف في المشرق. وعاش في سورية وتولى فتوى المالكية بدمشق. وتوفي سنة ١٣٣٥ (١٩١٦)(٢).
стр. 2514
٢ - مصطفى: تولى مصطفى عدة مناصب لأخيه أشاء المقاومة. فولاه الأمير على المدية، ولكنه لم ينجح في إدارتها فعين بدله محمد بن عيسى البركاني. ثم عينه بعض الوقت على الحضنة فلم كن أكثر توفيقا. كما أرسله رفقة البركاني في مهمة تنصيب وعزل في عدة جهات، مثل الزيبان. ويذهب الفرنسيون إلى أن مصطفى كان أقل إخوته حذرا، وكان طموحا ومندفعا، وكان ربما يغار من أخيه، ولذلك كان يسبب له إحراجات مع رجال دولته. والظاهر أن مصطفى كان شابا نشيطا وغير منضبط. وكانت قوة أخيه تغريه بالتحكم والاندفاع، وكان يفكر أحيانا حتى في التحالف مع خصوم الأمير، حسب رواية الفرنسيين. وكان كثير النقد لأعمال أخيه. ويبدو أن ذلك (الطيش) قد أورثه الكسوف بعد هزيمة الأمير. إذ لا نكاد نجد لمصطفى ذكرا في الأحداث التي جرت بعد ذلك في المغرب أو في المشرق. فما كان مصيره بعد ١٨٤٧؟ لا ندري سوى أن له إبنا سماه محيي الدين وأن محيي الدين هذا قد تزوج زينبا ابنة عمه الأمير عبد القادر، وأن هذا الزواج قد نتج عنه الأمير عز الدين، أحد زعماء وشهداء الثورة السورية ضد الفرنسيين.
ولد عز الدين في دمشق أوائل هذا القرن (حوالي ١٩٠٠). وقد تعلم في بيروت ونشأ على حب العروبة والإسلام. وكان عمره حوالي عشرين سنة عندما احتلت فرنسا سورية باسم الانتداب الدولي. وقاومها السوريون أشد المقاومة، وكان يوم ميسلون، ثم ثورة ١٩٢٥. فانضم الأمير عز الدين إلى الثورة واعتقله الفرنسيون، ولكنه التحق بها وحمل السلاح ضد الجيش الغازي متبعا نهج جده مصطفى والأمير عبد القادر. وأثناء دفاعه عن حرم دمشق قتل في الغوطة سنة ١٩٢٧. وهو يعتبر من قواد الثورة. وله شعر غزير (١). وهكذا اختلطت دماء الجزائريين بدماء السوريين في عدة مواقع.
стр. 2515
٣ - الحسين: لا نعرف متى ولد. وكان أصغر إخوة الأمير حسب الجرائد الفرنسية الصادرة سنة ١٨٤٥. وكان أكثرهم وسامة واستقامة، وكان يمتاز بالفروسية والشجاعة. وقد سماه الأمير (ربيع حياتي) وكان يرشحه لخلافته بعد وفاة ابنه سنة ١٨٣٧، حسب خيال الفرنسيين، وقد عاش الحسين أحداث المقاومة. ثم هاجر إلى دمشق واستقر بها. وتذكر المصادر المشرقية أن له ابنا إسمه نور الدين، ولد له في الجزائر، ربما أثناء التيه الذي أصاب المقاومة بعد القبض على الزمالة. وقد جاء نور الدين هذا مهاجرا مع والده إلى دمشق فتعلم بها على بعض علماء المهاجرين والسوريين. وهذه المصادر في الواقع تأخذ عن بعضها البعض، ولا تقدم لنا الجديد. فهي تقول إن نور الدين قد تولى عدة وظائف إدارية وعلمية في سورية والعراق، مثل القضاء والأوقاف، قبل أن يتولى نقابة الأشراف على عموم الدولة العثمانية ويستقر في اسطانبول. وقد عمل على توحيد كلمة الأشراف والتفافهم حول الخلافة والدعاء لها. وتوفي نور الدين هذا سنة ١٣٣٣ (١٩١٤)(١).
ومن أبناء نور الدين الأمير مختار المعروف بالمختار الجزائري. ويهمنا هنا أن الأمير مختار من سلالة الحسين بن محيي الدين، وأنه لعب دورا في نصرة القضية الجزائرية والمغرب العربي، حين ترأس شرفيا جمعية الجالية الجزائرية، واللجنة العليا للدفاع عن الجزائر، ثم جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية (٢). وفي ذلك دليل على أن الجزائريين في المشرق لم ينقطعوا عن
стр. 2516
الدفاع عن وطنهم وأنهم كانوا يرثون ذلك جيلا بعد جيل.
٤ - أحمد: أما الأخ الرابع للأمير فهو أحمد بن محيي الدين الذي ولد سنة ١٢٤٩ (١٨٣٣). وقد توفي والده وهو دون الفطام. فكفله أخوه محمد السعيد وأسرته. وتربى على يد إخوته وأعمامه. ومنهم الأمير عبد القادر ومحمد المرتضى بن محمد السعيد. وعاش فترة الطفولة والمراهقة على وقائع الحرب والمقاومة. وهناك اختلاف في مصيره بعد ١٨٤٧ فبعضهم يقول إنه ذهب مع عمه إلى سجون فرنسا حيث بقي إلى أن أطلق سراح الأمير سنة ١٨٥٢ فتوجه معه إلى بروسة ثم دمشق، وهناك من قال إن أحمد هذا بقي مع أعمامه الآخرين الذين احتجزتهم السلطات الفرنسية في عنابة، وبقوا مسجونين هناك إلى أن سمح لهم بالهجرة إلى الشام سنة ١٢٧٣ (١٨٥٦). ولا ندري أي الروايتين نرجح الآن. ومهما كان الأمر فإن أحمد قد حل بدمشق، وفيها ازداد علما على يد جماعة من المهاجرين والسوريين. كما أخذ الطريقة القادرية.
رغم أن عمره سنة ١٨٤٦ كان حوالي ثلاث عشرة سنة، فإن جريدة (الجزائر) ومجلة الشرق اللتين نشرتا الخبر عن أخوة الأمير، لم تذكر اسم أحمد هذا، كما لاحظنا. واعتبرت الحسين هو أصغر أبناء محيي الدين بينما رأينا أن أصغرهم هو أحمد. ويقال إن أحمد قد ولع بفن التصوف، رغم تمكنه من علوم أدبية وتاريخية شتى، وقد جلس للتدريس في داره ثم في جامع العناية الذي كان يقع في باب السريجة بدمشق. وكان أحمد يعتبر من العلماء الزهاد، ومهتما بالحديث الشريف. ويقصده الناس لحل مشاكلهم. ولأحمد بعض التآليف، من أبرزها تاريخ حرب أخيه الأمير عبد القادر، وهو يحتوي على (حقائق لا توجد في تحفة الزائر) (١). وطبع له كتاب في التصوف بعنوان (نثر الدر) سنة ١٩٢٤، أي بعد وفاته التي كانت سنة ١٣٢٠
стр. 2517
(١٩٠٢). وقد نتناول بعض مؤلفاته في الجزء الخاص فذلك (١). ومما يلفت النظر أن المصادر لا تذكر سوى ابنه الوحيد وهو بدر الدين الحسني الذي طبع كتاب والده (نثر الدر).
...
زوار من المشرق والمغرب
ما سنذكره عن زيارات المشارقة والمغاربة منذ وقت مبكر يدل على أن الجزائر لم تكن معزولة عن العالم العربي والإسلامي. فمنذ ١٨٣٠ تطالعنا أسماء من الزوار المعروفين تاريخيا، أو الذين لا نعرف إلا أسماءهم، وأحيانا، لا نعرف حتى أسماءهم. وكانت زيارات هؤلاء معروفة الهدف أحيانا مثل نشر التصوف والعلم، والتوقف في الطريق، وزيارة بعض الصالحين، والاطلاع على أحوال المسلمين، ولكن أهداف بعض الزوار ظلت غامضة فلا يعلنون هم عنها صراحة، ولا الفرنسيون يعلنون عن رأيهم فيهم، بغير الشك والارتياب.
وقد كان الفرنسيون يلجأون إلى طرق مختلفة لاستقبال أو رفض الزائرين. فقد يستغلون الزيارة لصالحهم كما فعلوا مع أحمد المصطفى بن طوير الجنة الموريطاني، وقد لا نعرف موقفهم تماما من الزائر كما هو الحال مع الشيخ محمد صالح الرضوي. وهناك زوار يبدو أن الفرنسيين قد شجعوهم على الحضور للجزائر متوقعين منهم الثناء والمدح ولكن النتيجة كانت غير ذلك، كما فعلوا مع محمد بيرم الخامس والشيخ محمد عبده. بالإضافة إلى أن هناك من طرده الفرنسيون بعد اعتقاله.
وسوف يكون من المستحيل الإحاطة بجميع الزائرين وكتابة نبذة عن حياة وهدف كل منهم والعلاقات التي أقامها في الجزائر مع مثقفي البلاد ومع
стр. 2518
الفرنسيين. ذلك أن المدة التي نعالجها دامت أكثر من قرن. وقد تعددت خلالها الزيارات، وكان بعضها قد رافقته ضجة وحديث طويل. ولذلك سنكتفي بنماذج فقط، وأحيانا بالأسماء فقط محيلين على بعض المراجع الأخرى لمن أراد المزيد من المعرفة.
ولعل أحمد المصطفى بن طوير الجنة هو أول من دخل الجزائر غداة الاحتلال قادما من الحج وعابرا إلى الغرب ثم ودان (موريطانيا). وكان ذلك سنة ١٨٣٢. وأثناء ذهابه إلى الحج مرورا بالمغرب كان سيعبر الجزائر ولكنه علم باحتلالها وأن الطريق منها محفوفة بالخطر فركب من طنجة، ولكنه أثناء الرجوع حل بتونس ودخل منها إلى الجزائر، واحتفت به السلطات الفرنسية باعتباره من الشخصيات الدينية والسياسية لعلها تحصل منه على معلومات وتقيم علاقات معه من جهة إقامته، وكذلك من جهة المغرب الأقصى. فاستقبلوه في الجزائر استقبالا خاصا، وأظهروا له الإكرام والاهتمام وأركبوه سفينة لهم إلى جبل طارق. وظلوا يتابعون أخباره حتى بعد وصوله إلى المغرب ثم إلى مقر إقامته. وقد سجل ابن طوير الجنة بعض الملاحظات على الجزائر والفرنسيين في رحلته التي نشرت بالإنكليزية فقط حتى الآن، وهي بعنوان (رحلة المنى والمنة) (١).
وبعد حوالي سنة حل بالجزائر الحاج موسى الدرقاوي. ولم يكن هذا من رجال الرحلة والملاحظة ولكن من رجال الجهاد والتصوف. قيل أنه مصري جاء إلى ليبيا وأخذ ورد الطريقة المدنية - الدرقاوية، ثم سار إلى المغرب الأقصى حيث مقر الطريقة الدرقاوية، ومن هناك علم بحركة الجهاد في الجزائر ضد الاحتلال، فدخلها واتصل برجال الجهاد الأولين أمثال محمد بن عيسى البركاني، والحاج سيدي السعدي، والحاج محيي الدين بن مبارك، وقد عقدوا جميعا مؤتمرا في متيجة سنة ١٨٣٣ ونسقوا حركة الجهاد فيما بينهم. ورغم أنه درقاوي (أي ليس من طلاب الحرب والسلطة الدنيوية)
стр. 2519
فإن الحاج موسى خالف نصيحة زعيم الدرقاوية عندئذ، محمد العربي بن عطية، وخاض المعارك ضد الفرنسيين، واختلف مع الأمير عبد القادر مما أدى إلى تحاربهما حول المدية. ثم انسحب الحاج موسى نحو الجنوب - الأغواط والجلفة - وكون هناك فرعا لطريقته، وتزوج وأنجب أولادا، هم الذين خلفوه. بعد أن حارب جهة الظهرة وأولاد جلال، قتل مع الشيخ بوزيان في معركة الزعاطشة سنة ١٨٤٩ (١).
وخلال الأربعينات زار الجزائر محمد صالح الرضوي. وهو من أعيان التصوف بالمشرق في وقته. ولا ندري لماذا سهل له الفرنسيون هذه الزيارة رغم أنها جاءت في وقت حرج إذ كانت المقاومة ما تزال على أشدها في عهد الأمير، وكان الحاكم العام هو المارشال بوجو. وقد سمح الفرنسيون للرضوي بالاختلاط بعلماء الوقت في الجزائر وإجازتهم. ثم ذهب منها إلى المغرب، ولعله رجع إلى المشرق عن طريق الجزائر أيضا. وسنعرض لزيارة الرضوي عند الحديث عن الإجازات.
أما زيارة يوسف كرم فهي أوضح من سابقتها. كان يوسف كرم من أعيان لبنان المسيحيين. وكان يتقد غيرة على (الجنس العربي) كما يسميه. وقد حدثت الزيارة للجزائر على إثر أحداث الشام التي تدخل الأمير عبد القادر لإطفائها. وكانت بين يوسف كرم والأمير مراسلات، وكان كرم يحث الأمير على قبول إمارة بلاد الشام إما تحت المظلة العثمانية أو بدونها أي بإعلان الاستقلال عنها. ويهمنا من ذلك كله أن يوسف كرم ثار ضد حاكم جبل لبنان من قبل السلطان، وهو داود باشا، وبعد حوالي سبع سنوات من الفتنة اتفق العثمانيون والفرنسيون على السماح ليوسف كرم بالخروج من البلاد والترخيص العثماني له في ذلك، على أن يذهب للإقامة في الجزائر. وفي ٣١ يناير ١٨٦٧ ركب يوسف كرم من بيروت دارعة فرنسية وتوجهت به غربا (؟). ولعل يوسف كرم قد حل بالجزائر ثم غادرها إلى أوروبا حيث
стр. 2520
يجد النشاط السياسي والإعلامي الذي كان يبحث عنه. (١)
وكانت زيارة الشيخ محمد بيرم الخامس التونسي للجزائر سنة ١٨٧٨. وقد سبق له زيارتها أكثر من مرة، ولكنه لم يتعمق في أجوائها ويعرف على رجالها إلا خلال السنة المذكورة. وكان الشيخ بيرم يعرف أوروبا. وله تفكيره الخاص في التقدم الأوروبي والنهضة الإسلامية، وكان من علماء جامع الزيتونة والعارفين بالفرنسية. وكذلك كانت له نظرة مقارنة بين تونس التي كانت ما تزال عثمانية والجزائر التي تأثرت بالتغييرات الفرنسية. ويكفي أن عائلته قد تولت الشؤون الدينية عقودا مختلفة، ومنها عمه بيرم الراعي الذي كان مفتيا وعالما زيتونيا، وهو الذي خلفه بيرم الخامس، في العلم والثروة والجاه، وكان بيرم الخامس صديقا لخير الدين باشا صاحب (أقوم المسالك) والداعي إلى الإصلاح. وتولى بيرم في تونس وظائف عديدة. وفي فرنسا عالج من مرضه العصبي، وزار معرض باريس الدولي، كما زار لندن. وفي الجزائر (أثناء رجوعه) زار عنابة وقسنطينة والعاصمة، وتعرف على بعض رجال الدين والقضاء، ذكر بعضهم في رحلته (صفوة الاعتبار). ومن هؤلاء أحمد بوقدورة، وعلي بن الحاج موسى، وعلي بن الحفاف، وقدور الشريف، والشرق الصفصافي، والسعيد بن شتاح. وكان محمد بيرم من الناقدين للحكم الفرنسي، سيما نظام القضاء والتعليم، وله نظرات دقيقة في المجتمع الجزائري. ولذلك لم تكن أحكامه لترضي الفرنسيون (٢).
стр. 2521
وخلال التسعينات من القرن الماضي زار الجزائر ثم استقر بها الأخوان قدور وأحمد رودوسي. وكانا من جزيرة رودس التي كانت تحت الدولة العثمانية. وكانا مهتمين ببيع الكتب في العالم العربي. ويبدو أن اتفاقا بينهما وبين السلطة الفرنسية أدى إلى استقرارهما بالعاصمة وإنشاء مكتبة للبيع ومطبعة لطبع الكتب العربية. ولا شك أن هناك خلفيات قد تكون سياسية لهذه الصفقة، ولكنها كانت مفيدة للجزائر على كل حال إذ أصبحت مطبعة رودوسي أول مطبعة عربية في الجزائر يملكها مسلم من أصول قد تكون تركية أو جزائرية (١). ويجب أن نلاحظ أن الفرنسيين كانوا يتعاملون بشأن الكتب العربية مع المسيحيين اللبنانيين عادة. وربما تواصل ذلك حتى بعد الاتفاق مع رودوسي.
وهناك شخصيات من أصول جزائرية مولدا أو نسبا زارت الجزائر بعد أن خرجت منها لظروف الحرب أو نحوها. وأسباب الرجوع أو الزيارة عديدة، منها تفقد الأهل والأقارب، وزيارة الصالحين، والحصول على نصيب من التركات، وحب الاطلاع والمعرفة. ومن أبرز هؤلاء أبو حامد المشرفي، من مشارف معسكر، صاحب التأليف العديدة. فقد جاء من المغرب الأقصى أثناء حجه. وكتب عن أحوال الجزائر كما رآها سنة ١٨٤٩ ثم سنة ١٨٧٧، ومن رأيه أن حالتها (الفرنسية) تدل على أن التقدم فيها كان مستمرا، وأن رجال الدين منتظمون ومحترمون، وأن المدارس متوفرة والدين مرعي. وقد كان المشرفي من الذين سخطوا على الأمير عبد القادر لتأثير حاشيته عليه، أي لأسباب قبلية عائلية، وعبر عن ذلك في كتابه (طرس الأخبار) الذي سندرسه (٢).
стр. 2522
وتردد على الجزائر أفراد من عائلة مصطفى بن عزوز الرحمانية التي استقرت بنقطة (تونس) منذ حوالي ١٨٤٤. ومنهم الشيخ محمد الخضر حسين الذي زار الشرق الجزائري والعاصمة حوالي ١٩٠٥، وكتب (رحلة جزائرية) ذكر فيها بعض الأعيان الذين لقيهم ووصف الحالة الاجتماعية عموما، وسجل ملاحظات دقيقة، وكانت زيارته في نفس السنة التي انعقد فيها مؤتمر المستشرقين الرابع عشر بالعاصمة. وقد ذكرنا محمد الخضر حسين في عدة مناسبات أخرى، ولكننا لاحظ أنه كان عندئذ من علماء جامع الزيتونة وهو المنشئ لجريدة (السعادة العظمى). وقد نشر رحلته المذكورة فيها، ولعل ذلك مما شجع بعض الطلبة الجزائريين على الالتحاق بالزيتونة.
والشخصية الثانية من نفس العائلة هو المكى بن عزوز. فقد كان أيضا من مواليد نفطة ومن علماء تونس، ومن أصول جزائرية، وكان ميالا إلى الزهد والعلم. فتردد على الجزائر قبل وبعد رحيله إلى المشرق. وكانت للشيخ المكي مصاهرة مع أهل الديس (قرب بوسعادة). وقد اتخذ هذه المصاهرة وسيلة لتكثير الزيارات ونشر أفكاره التي كان يأتي بها من المشرق. وترك الشيخ أبناء، منهم الشيخ الكامل الذي أكثر هو أيضا من الزيارات والتنقل بين الجزائر والمشرق إلى أن استقر ناحية العين البيضاء ثم سوق أهراس. وكان الفرنسيون يتتبعون حركات الشيخ المكي وابنه الكامل، وكذلك حركة ابن خليفة المدني (من نفس العائلة) المتوفى في مكناس. وكانت الزيارات تؤدي إلى إجازة علماء الجزائر، سيما من الرضوي والمكي بن عزوز وابن خليفة (١) وعلي بن ظافر المدني الذي زار أيضا الجزائر سنة ١٢٩٧ هـ (١٨٧٩) وأجاز بعض علمائها كابن الحاج موسى.
ومن تونس جاء أيضا الشيخ عبد العزيز التعالبي سنة ١٨٩٥. وكانت
стр. 2523
أسرته من أصول جزائرية. ويبدو أنه جاء بنية العمل، ولكنه اكتشف أن البلاد قد تغلب عليها الطابع الفرنسي في المدن ولم تعد هي المكان الذي كان يرجو العمل فيه، فلم يطل بها الإقامة (١).
وفي سنة ١٩١١ زار الجزائر أحد الرحالة التونسيين واسمه محمد الشافعي النفطي، واتصل بالشيخ شعيب الجليلي قاضي تلمسان، وقدم بين يديه قصيدة ورسالة، وعرف نفسه بأنه (كثير الترحال). ولا ندري ما صلة الشيخ الشافعي عندئذ بزاوية نفطة وأحداث ليبيا، ولا كم دامت رحلته أو جولته في الجزائر (٢). ويبدو أن السلطات الفرنسية كانت حذرة منه، فقد ذكر الشيخ الطاهر بن عبد السلام سنة ١٩٢٣ أن محمد الشافعي كان عندئذ في عنابة وكانت السلطات الفرنسية تطارده، وأنهم سجنوه، تم حجروا عليه البقاء في عنابة، ثم منعوه من الخروج من تونس (٣).
وهناك رحالة مغاربة حلوا بالجزائر وسجلوا انطباعاتهم عنها، وقد جاء آخرون لدواعي دينية وسياسية أيضا. وتتحدث مصادر المغرب عن محمد التاودي السقاط (سقط؟) حوالي منتصف القرن الماضي. وكان قد جاء الجزائر في سفارة ضمن وفد رسمي، وتحدث في جزء من رحلته التي سماها (خرق العوائد) عن الجزائر. ولا ندري الآن العلاقة بين التاودي السقاط وابن عبد الله سقط الذي كان مع الأمير عبد القادر، وأرسله في مهمة إلى المغرب بعد ١٨٤٣، فلم يرجع (٤).
стр. 2524
كما كتب أحمد بن العربي بن حسون الوزاني (الرحلة الوزانية) أثناء حجه سنة ١٢٦٩. فقد حل بالجزائر أثناء رجوعه من الحج ونزل أيضا وهران. وكان معه غيره من العلماء. ولكننا لا ندري الآن انطباع الحاج أحمد الوزاني ولا من لقيه من الجزائريين (١).
وبالإضافة إلى ابن طوير الجنة تردد على الجزائر عدد من العلماء الموريطانيين. وقد ذكر الشيخ البوعبدلي أن المفتي محمد باي عمر كان يرحب بهم في الجزائر أثناء حجهم وكان ينزلهم في محله في الذهاب والإياب. وممن كان يساعده في ذلك الشيخ بوعلام ولد رويس. وقال البوعبدلي أيضا انه يظن أن بعض أعضاء الوفد الموريطاني قد حاول طبع رحلة لبعض أقاربه وأهدى منها نسخة إلى الشيخ بابا عمر، وكان البوعبدلي ممن يجتمع بهم أيضا عند المفتي المذكور، وكان بينهم أدباء وعلماء، والكثير منهم كان يدون رحلته إلى الحج. وطالما اشترك البوعبدلي ومحمود زوزو في تسجيل مساجلات المريطانيين بإملائهم عليهما (٢).
وفي ١٨٩٧ (١٣١٦) زار الجزائر حاج مغربي آخر يسمي الحسن بن محمد الغسال. جاء من طنجة وعبر إلى الاسكندرية ثم إلى مكة والمدينة. كما زار بيروت ومرسيليا، ثم رجع إلى بلاده عبر الجزائر عن طريق البر. وفي عاصمة الجزائر زار بعض المعالم مثل ضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، ولم يتحدث عن أية شخصية حية، شأن الرحالين المغاربة القدماء، وإلا اكتفى بذكر اسم السيد محمد دادي الذي قال ان أصله من فاس. وفهم من بعض المصادر الأخرى أن دادي هذا كان من كبار التجار بشارع لالير
стр. 2525
(أحمد بوزرينة حاليا). وقام دادي سنة ١٩٠٥ برحلة طويلة حملته إلى فرنسا ومصر وسورية وتركيا ومكة والمدينة. وكان هو الذي كلفته السلطات الفرنسية بلقاء محمد الجباس، مبعوث سلطان المغرب سنة ١٩٠٣ إلى الجزائر. وإذا كان الحاج الحسن الغسال لم يذكر العلماء في الجزائر فانه ذكر بعض الجزائريين الذين رآهم واجتمع بهم في بيروت مثل محمد المرتضى ومحمد باشا مؤلف (تحفة الزائر)، ومحمد بن أبي طالب، وكلهم من عائلة الأمير عبد القادر (١).
زيارات رجال الدين والتصوف من المغرب وتونس وغيرهما أكثر من أن تحصى، كان بعضها برخصة من الفرنسيين أنفسهم، مثل زيارة مشائخ الطيبيبة ابتداء من زعيمها شريف وزان في آخر القرن الماضي. وفي سنة ١٣٥٧ زار الجزائر محمد المحجوب الذي يبدو أنه من أهل الطرقية، إذ حضر مركز مجمع الزوايا، وكان له رأي في المعتدلين والمتطرفين (المصلحين). وجاء الجزائر أيضا الشيخ شعيب الدكالي، والتقى بعلماء الناحية الغربية كالمفتي عبد القادر بن الصديق. وقد دارت بينهم مناقشات حول عقائد الناس في الشيخ عبد القادر الجيلاني والمولى ادريس والمبالغة في ذلك (٢). ومن أبرز الزوار المغاربة للجزائر خلال العشرينات والثلاثينات عبد الحي الكتاني المتزعم للطرقية الموالية عندئذ لفرنسا في المغرب الأقصى، رغم علمه الغزير وتآليفه المفيدة، كما حل بالجزائر الشيخ الفاضل بن عاشور لحضور بعض المؤتمرات الصوفية التي كانت تجمعها