وخلال التسعينات من القرن الماضي زار الجزائر ثم استقر بها الأخوان قدور وأحمد رودوسي. وكانا من جزيرة رودس التي كانت تحت الدولة العثمانية. وكانا مهتمين ببيع الكتب في العالم العربي. ويبدو أن اتفاقا بينهما وبين السلطة الفرنسية أدى إلى استقرارهما بالعاصمة وإنشاء مكتبة للبيع ومطبعة لطبع الكتب العربية. ولا شك أن هناك خلفيات قد تكون سياسية لهذه الصفقة، ولكنها كانت مفيدة للجزائر على كل حال إذ أصبحت مطبعة رودوسي أول مطبعة عربية في الجزائر يملكها مسلم من أصول قد تكون تركية أو جزائرية (١). ويجب أن نلاحظ أن الفرنسيين كانوا يتعاملون بشأن الكتب العربية مع المسيحيين اللبنانيين عادة. وربما تواصل ذلك حتى بعد الاتفاق مع رودوسي.
وهناك شخصيات من أصول جزائرية مولدا أو نسبا زارت الجزائر بعد أن خرجت منها لظروف الحرب أو نحوها. وأسباب الرجوع أو الزيارة عديدة، منها تفقد الأهل والأقارب، وزيارة الصالحين، والحصول على نصيب من التركات، وحب الاطلاع والمعرفة. ومن أبرز هؤلاء أبو حامد المشرفي، من مشارف معسكر، صاحب التأليف العديدة. فقد جاء من المغرب الأقصى أثناء حجه. وكتب عن أحوال الجزائر كما رآها سنة ١٨٤٩ ثم سنة ١٨٧٧، ومن رأيه أن حالتها (الفرنسية) تدل على أن التقدم فيها كان مستمرا، وأن رجال الدين منتظمون ومحترمون، وأن المدارس متوفرة والدين مرعي. وقد كان المشرفي من الذين سخطوا على الأمير عبد القادر لتأثير حاشيته عليه، أي لأسباب قبلية عائلية، وعبر عن ذلك في كتابه (طرس الأخبار) الذي سندرسه (٢).
стр. 2522
وتردد على الجزائر أفراد من عائلة مصطفى بن عزوز الرحمانية التي استقرت بنقطة (تونس) منذ حوالي ١٨٤٤. ومنهم الشيخ محمد الخضر حسين الذي زار الشرق الجزائري والعاصمة حوالي ١٩٠٥، وكتب (رحلة جزائرية) ذكر فيها بعض الأعيان الذين لقيهم ووصف الحالة الاجتماعية عموما، وسجل ملاحظات دقيقة، وكانت زيارته في نفس السنة التي انعقد فيها مؤتمر المستشرقين الرابع عشر بالعاصمة. وقد ذكرنا محمد الخضر حسين في عدة مناسبات أخرى، ولكننا لاحظ أنه كان عندئذ من علماء جامع الزيتونة وهو المنشئ لجريدة (السعادة العظمى). وقد نشر رحلته المذكورة فيها، ولعل ذلك مما شجع بعض الطلبة الجزائريين على الالتحاق بالزيتونة.
والشخصية الثانية من نفس العائلة هو المكى بن عزوز. فقد كان أيضا من مواليد نفطة ومن علماء تونس، ومن أصول جزائرية، وكان ميالا إلى الزهد والعلم. فتردد على الجزائر قبل وبعد رحيله إلى المشرق. وكانت للشيخ المكي مصاهرة مع أهل الديس (قرب بوسعادة). وقد اتخذ هذه المصاهرة وسيلة لتكثير الزيارات ونشر أفكاره التي كان يأتي بها من المشرق. وترك الشيخ أبناء، منهم الشيخ الكامل الذي أكثر هو أيضا من الزيارات والتنقل بين الجزائر والمشرق إلى أن استقر ناحية العين البيضاء ثم سوق أهراس. وكان الفرنسيون يتتبعون حركات الشيخ المكي وابنه الكامل، وكذلك حركة ابن خليفة المدني (من نفس العائلة) المتوفى في مكناس. وكانت الزيارات تؤدي إلى إجازة علماء الجزائر، سيما من الرضوي والمكي بن عزوز وابن خليفة (١) وعلي بن ظافر المدني الذي زار أيضا الجزائر سنة ١٢٩٧ هـ (١٨٧٩) وأجاز بعض علمائها كابن الحاج موسى.
ومن تونس جاء أيضا الشيخ عبد العزيز التعالبي سنة ١٨٩٥. وكانت
стр. 2523
أسرته من أصول جزائرية. ويبدو أنه جاء بنية العمل، ولكنه اكتشف أن البلاد قد تغلب عليها الطابع الفرنسي في المدن ولم تعد هي المكان الذي كان يرجو العمل فيه، فلم يطل بها الإقامة (١).
وفي سنة ١٩١١ زار الجزائر أحد الرحالة التونسيين واسمه محمد الشافعي النفطي، واتصل بالشيخ شعيب الجليلي قاضي تلمسان، وقدم بين يديه قصيدة ورسالة، وعرف نفسه بأنه (كثير الترحال). ولا ندري ما صلة الشيخ الشافعي عندئذ بزاوية نفطة وأحداث ليبيا، ولا كم دامت رحلته أو جولته في الجزائر (٢). ويبدو أن السلطات الفرنسية كانت حذرة منه، فقد ذكر الشيخ الطاهر بن عبد السلام سنة ١٩٢٣ أن محمد الشافعي كان عندئذ في عنابة وكانت السلطات الفرنسية تطارده، وأنهم سجنوه، تم حجروا عليه البقاء في عنابة، ثم منعوه من الخروج من تونس (٣).
وهناك رحالة مغاربة حلوا بالجزائر وسجلوا انطباعاتهم عنها، وقد جاء آخرون لدواعي دينية وسياسية أيضا. وتتحدث مصادر المغرب عن محمد التاودي السقاط (سقط؟) حوالي منتصف القرن الماضي. وكان قد جاء الجزائر في سفارة ضمن وفد رسمي، وتحدث في جزء من رحلته التي سماها (خرق العوائد) عن الجزائر. ولا ندري الآن العلاقة بين التاودي السقاط وابن عبد الله سقط الذي كان مع الأمير عبد القادر، وأرسله في مهمة إلى المغرب بعد ١٨٤٣، فلم يرجع (٤).
стр. 2524
كما كتب أحمد بن العربي بن حسون الوزاني (الرحلة الوزانية) أثناء حجه سنة ١٢٦٩. فقد حل بالجزائر أثناء رجوعه من الحج ونزل أيضا وهران. وكان معه غيره من العلماء. ولكننا لا ندري الآن انطباع الحاج أحمد الوزاني ولا من لقيه من الجزائريين (١).
وبالإضافة إلى ابن طوير الجنة تردد على الجزائر عدد من العلماء الموريطانيين. وقد ذكر الشيخ البوعبدلي أن المفتي محمد باي عمر كان يرحب بهم في الجزائر أثناء حجهم وكان ينزلهم في محله في الذهاب والإياب. وممن كان يساعده في ذلك الشيخ بوعلام ولد رويس. وقال البوعبدلي أيضا انه يظن أن بعض أعضاء الوفد الموريطاني قد حاول طبع رحلة لبعض أقاربه وأهدى منها نسخة إلى الشيخ بابا عمر، وكان البوعبدلي ممن يجتمع بهم أيضا عند المفتي المذكور، وكان بينهم أدباء وعلماء، والكثير منهم كان يدون رحلته إلى الحج. وطالما اشترك البوعبدلي ومحمود زوزو في تسجيل مساجلات المريطانيين بإملائهم عليهما (٢).
وفي ١٨٩٧ (١٣١٦) زار الجزائر حاج مغربي آخر يسمي الحسن بن محمد الغسال. جاء من طنجة وعبر إلى الاسكندرية ثم إلى مكة والمدينة. كما زار بيروت ومرسيليا، ثم رجع إلى بلاده عبر الجزائر عن طريق البر. وفي عاصمة الجزائر زار بعض المعالم مثل ضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، ولم يتحدث عن أية شخصية حية، شأن الرحالين المغاربة القدماء، وإلا اكتفى بذكر اسم السيد محمد دادي الذي قال ان أصله من فاس. وفهم من بعض المصادر الأخرى أن دادي هذا كان من كبار التجار بشارع لالير
стр. 2525
(أحمد بوزرينة حاليا). وقام دادي سنة ١٩٠٥ برحلة طويلة حملته إلى فرنسا ومصر وسورية وتركيا ومكة والمدينة. وكان هو الذي كلفته السلطات الفرنسية بلقاء محمد الجباس، مبعوث سلطان المغرب سنة ١٩٠٣ إلى الجزائر. وإذا كان الحاج الحسن الغسال لم يذكر العلماء في الجزائر فانه ذكر بعض الجزائريين الذين رآهم واجتمع بهم في بيروت مثل محمد المرتضى ومحمد باشا مؤلف (تحفة الزائر)، ومحمد بن أبي طالب، وكلهم من عائلة الأمير عبد القادر (١).
زيارات رجال الدين والتصوف من المغرب وتونس وغيرهما أكثر من أن تحصى، كان بعضها برخصة من الفرنسيين أنفسهم، مثل زيارة مشائخ الطيبيبة ابتداء من زعيمها شريف وزان في آخر القرن الماضي. وفي سنة ١٣٥٧ زار الجزائر محمد المحجوب الذي يبدو أنه من أهل الطرقية، إذ حضر مركز مجمع الزوايا، وكان له رأي في المعتدلين والمتطرفين (المصلحين). وجاء الجزائر أيضا الشيخ شعيب الدكالي، والتقى بعلماء الناحية الغربية كالمفتي عبد القادر بن الصديق. وقد دارت بينهم مناقشات حول عقائد الناس في الشيخ عبد القادر الجيلاني والمولى ادريس والمبالغة في ذلك (٢). ومن أبرز الزوار المغاربة للجزائر خلال العشرينات والثلاثينات عبد الحي الكتاني المتزعم للطرقية الموالية عندئذ لفرنسا في المغرب الأقصى، رغم علمه الغزير وتآليفه المفيدة، كما حل بالجزائر الشيخ الفاضل بن عاشور لحضور بعض المؤتمرات الصوفية التي كانت تجمعها
стр. 2526
السلطات الفرنسية لتجنيد الرأي العام في المغرب العربي لصالحها.
ومن ليبيا جاءت إلى الجزائر شخصيات كانت عادة غاضبة على السلطات العثمانية. منهم سيف النصر، وهو من عائلة أولاد ابن عبد الجليل، وسيف النصر هو صاحب كتاب (ري الغليل) الذي وصف في جزء منه صحراء الجزائر الشرقية وقسنطينة والمنطقة الواقعة بين ذلك والشلف (١). أما غومة المحمودي فقد استقر بوادي سوف بعد ثورته على العثمانيين أيضا، وتوفي سنة ١٨٥٨. وما تزال ذكريات الناس عنه في وادي سوف. وقد سمى ابنه المولود سنة ١٨٥٧ باسم (سوف). وهو الابن الذي لعب دورا بارزا في الحرب ضد إيطاليا منذ ١٩١١، وأصبح من قادة الحركة الوطنية الليبية. وظل سوف على موقفه ضد الايطاليين بعد أن هاجر إلى مصر حيث توفي سنة ١٩٣٠ (١٣٤٩).
كما أن زيارة سليمان الباروني للجزائر ودراسته في بني ميزاب على الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وكتابته عن مشاهداته فيها، يدل على تأثره بطبيعتها، وبتتلمذه على شيخه القطب وارتباطه المذهبي بأهلها. وهناك رجال آخرون مثل علي يحيى معمر الباحث الشهير، ولكنه جاء في مرحلة متأخرة عن موضوعنا، وكان من تلامذة معهد الحياة والشيخ إبراهيم بيوض (٢).
أما مصر فقد جاء منها شخصيات عديدة، دينية وقانونية، وأدبية وفنية. كالشيخ محمد عبده، ومحمد فريد، وسلطان محمد، وصديق أحمد، وعبد العزيز جاويش، وجورج أبيض، وأحمد شوقي، ويوسف وهبي، وفاطمة رشدي، الخ. ولكل واحد منهم دوره وأثره. وإذا كان أحمد شوقي رغم
стр. 2527
مكانته الأدبية، غير مهم لأنه مز بالجزائر مر السحاب (١)، فإن دور محمد عبده ومحمد فريد وجاويش كان ذا قيمة كبيرة. وقبل أن نذكر دور الشيخ محمد عبده نقول كلمة مختصرة عن الباقين.
وكان محمد فريد هو خليفة مصطفى كامل في رئاسة الحزب الوطني المصري، وقد زار الجزائر عدة مرات. أولها سنة ١٩٠١، وكانت سنة حرجة في تاريخ البلاد، إذ كانت الإدارة الفرنسية تحاول تجربة التمثيل النيابي المحلي (الوفود المالية)، ومحاربة سياسة الجامعة الإسلامية. وكان محمد فريد من خريجي الجامعات الفرنسية وعارفا بأحوال أوروبا، بما فيها الأندلس. ولما نزل وهران لاحظ (فرنسة) الجزائر ومضايقة السلطات الفرنسية له، ثم استقبله مدير الشؤون الأهلية، دومينيك لوسياني، وهو من المستعربين المعروفين، كما استقبله شعيب بن عبد الله الجليلي قاضي تلمسان، والمستشرق موليراس، وبعض الضباط. وحين انتقل إلى مدينة الجزائر وجد صعوبات أخرى تمثلت في عرقلة مراسلاته.
وقد انتقد محمد فريد الإدارة الفرنسية على كبت الأهالي، فهم غير أحرار في السفر ولا يغادرون بلادهم إلا برخصة، وحرية الصحافة وحرية الاجتماع مفقودة عندهم (يشير بذلك إلى قانون الأهالي البغيض). والتعليم موجه لفرنستهم وإحلال الفرنسية محل العربية، وتحسر الزعيم المصري على نجاح سياسة الاندماج الفرنسية إلى حد كبير حين رأى لباس المسلمين متأثرا بلباس الأوروبيين، والزواج من الفرنسيات منتشرا، وتربية أولاد المسلمين في أوساط مسيحية، وعلم أن ابنة أحد الأعيان المتأثرين بالفرنسة قد تزوجت في الكنيسة. ولاحظ محمد فريد أن الحياة العربية والاسلامية تختفي في الجزائر، فمن المدن لم تبق إلا تلمسان متميزة بطابعها العربي، وليس في وهران كلها سوى مسجد واحد، ورغم أن
стр. 2528
الجزائر كانت سيدة البحر الأبيض فانها أصبحت لا تضم سوى أربعة مساجد للخطبة، بينما كان فيها سنة ١٨٣٠ أربعة عشر مسجدا. كبيرا وحوالي مائة آخرين (١). وقد عاود محمد فريد زيارة الجزائر سنة ١٩٠٢، ثم سنة ١٩٠٥ وحضر في السنة الأخيرة مؤتمر المستشرقين الرابع عشر.
وفي المؤتمر المذكور قدم الشيخ عبد العزيز جاويش رأيه في معاملة الفرنسيين للجزائريين. وكان رأيا صريحا أسخط الفرنسيين. كما قدم الشيخ سلطان محمد مداخلة عن المرأة المسلمة. وكان هذا الشيخ قد تحول إلى هذا الموضوع بعد أن رأى ما جعله يترك موضوعه الأصلي. فتناول حقوق وواجبات المرأة المسلمة في القرآن والسنة. وقدم صورة عن المرأة في الجاهلية، والفروق بين المرأة المتعملة والجاهلة وأثر ذلك على صحة الأبناء وسعادة الزوج والبيت. وذكر نماذج من النساء القارئات والكاتبات والحافظات للشعر. وجاء بأخبار المرأة في مصر وعدد المدارس المخصصة لهن، ومنها واحدة لترشيح المعلمات، ثم وزع على المؤتمرين كلمة كتبتها فتاة مصرية مسلمة عن (تعلم الفتاة). وكانت كلمة الشيخ سلطان محمد بالعربية الفصحى (٢). ويبدو أن مشاركة الوفد المصري، ولا سيما كلمة الشيخ سلطان محمد، قد تركت أثرا بعيدا في أوساط المتعلمين الجزائريين.
ومن جهة أخرى كان الرحالة صديق أحمد، وهو شاعر أزهري، يتردد على الجزائر وتونس. وقد نشر بعض القصائد في صحيفة (الفاروق) التي أصدرها عمر بن قدور (٣).
стр. 2529
وخلال العشرينات حلت بالجزائر عدة فرق مصرية للتمثيل، إحداها كانت بقيادة جورج أبيض، وقد مثلت عدة مسرحيات بالعربية الفصحى، تعرضنا إليها عند الحديث عن المسرح. ورغم العراقيل التي عرقلت نجاح الفرقة فقد تركت أثرا بعيدا على تطور المسرح.
ثم زارت الجزائر فرقة السيدة فاطمة رشدي، وكانت موضع احتفاء المثقفين وعشاق الفن التمثيلي في العاصمة وقسنطينة. وكتبت عنها الصحف المعاصرة. وكانت زيارتها سنة ١٩٣٤ أي بعد الاحتفال المئوي بالاحتلال، فكان الربط بين الجزائر والمشرق في ميدان الفن والتراث، ضربة للتأثير الثقافي الفرنسي. وفي أوائل الخمسينات حلت بالجزائر فرقة مصرية أخرى بقيادة الممثل يوسف وهبي فوجدت اللغة العربية في الجزائر أكثر انتشارا، فتجاوب معها الجمهور ثقافيا. وسياسيا .. واستقبل زعماء الجزائر يوسف وهبي كما تستقبل الوفود الرسمية.
وقد استقبل نادي الترقي بالعاصمة شاعرا تونسيا شهيرا هو محمد الشاذلي خزندار وأقام له الأدباء حفلا مناسبا. كما استقبلوا من تونس أيضا الأديبين مصطفى بن شعبان والناصر الصدام، وقد ألقوا محاضرات وشاركوا في ندوات شعرية مع أدباء جزائريين. وبذلك استمر التواصل الأدبي والعلمي بين أقطار المغرب العربي. وخلال العشرينات زار الجزائر الشيخ أحمد سكيرج الفاسي الذي عرف بدفاعه عن الطريقة التجانية. وكانت محاضرة عن الحالة الاجتماعية بفاس (١).
وقلقت الصحافة الفرنسية عندئذ من زيارة صحفي عراقي لم تذكره بالاسم، ولكنه أصبح معروفا باسم يونس بحري. فقد كانت الصحافة الفرنسية تذكره فقط باسم (السائح العراقي) ولعله كان هو يوقع مقالاته كذلك. ومهما كان الأمر فإن يونس بحري كتب مقالات في جريدة عراقية،
стр. 2530
لعلها هي جريدة (العرب) التي كان تولى تحريرها. وزار الجزائر سنة ١٩٢٨. وكان هذا (السائح العراقي) قد انتقد الاحتلال الفرنسي على محو الآثار العربية من الجزائر (١).
وقد اختلط اسم يونس بحري باسم محمد تقي الدين الهلالي المغربي الأصل المشرقي الإقامة. فقد ذكر الهلالي بنفسه في مراسلة مع البصائر سنة ١٩٣٦ أنه زار الجزائر منذ ستة عشرة سنة (١٩٢٠؟)، فوجد ما أحزنه على حال العربية، ولكن الأمور قد تبدلت تماما (من الوجهة الدينية والثقافية وحتى الأخلاقية)، وقال لو أن أحدهم أخبره أن الحالة ستتغير بعد عشر سنوات أو حتى خمسين سنة إلى ما آلت إليه الآن (١٩٣٦) لبادر إلى تكذيبه. فقد أصبح للجزائر صحافتها الراقية، وهي تشهد نهضة أدبية تضاهي نهضة البلدان الإسلامية الراقية (٢) وكان الهلالي قد استقر في العراق.
...
زيارة الشيخ محمد عبده
من الزيارات التي تركت أثرا ما يزال يثير الجدل في قيمته وأهميته، زيارة الشيخ محمد عبده، شيخ الأزهر والمجدد الشهير. كان الشيخ عبده قد ازداد معرفة بالجزائر منذ الثمانينات (٣)، حين حل ببيروت ودمشق وربط الصلة مع الأمير عبد القادر، وعرف إبنيه محمد ومحيي الدين والجالية
стр. 2531
الجزائرية هناك. ولعل الشيخ عبده قد تحادث مع الأمير أو مع أبنائه عن أحوال الشرق والجامعة الإسلامية وجمعية العروة الوثقى التي قيل إن الأمير كان عضوا فيها. وتدل المراسلات بينهما على وجود علاقة خاصة، ويذكر الشيخ رشيد رضا الذي أرخ لحياة الشيخ محمد عبده أن هذا قد كتب عددا من الرسائل إلى الأمير، وأن مخاطباته له قد كثرت فكانت طورا في رسائل الإصلاح وطورا في رسائل الوداد. وجاء في أحد هذه المخاطبات ما يدل على تكرار المراسلة بينهما بعد اللقاء، وعلى التقدير الكبير الذي يحمله الشيخ عبده للأمير، كما يدل على وجود (أسرار) بينهما يرمز إليها الشيخ رمزا، كقوله (ورجائي ألا يزايل فكرك ما تفارقنا عليه وسبق الكلام فيه مرارا ... وأن يرد لي من سيادتك ما يبشرني بسلامة حالك، ومجمل الحاصل من سعيك) (١). وعلى اثر وفاة الأمير كتب الشيخ عبده معزيا ولديه محمد ومحيي الدين بعبارات مؤثرة، كقوله (وليس من كلمة أجمع لكلماته ولا قول أوفى بفضائله سوى أنه منتهى وصف الواصفين وغاية مدح المادحين) (٢).
ثم تردد الشيخ عبده على تونس فزارها مرتين في الثمانينات. وكانت فرنسا عندئذ حديثة عهد باحتلالها. وكان فيها بعض الجزائريين، في جامع الزيتونة وفي الإدارة وفي الصحافة، فليس غريبا أن يلتقي الشيخ عبده بعدد منهم عندئذ، وأن يعرف منهم القليل أو الكثير من أحوال الجزائر التي كانت وقتها تحت إدارة لويس تيرمان. ولا نظنه إلا قد سمع عن السياسة الفرنسية فيها وعن أحوال التعليم والقضاء والأوقاف والمساجد والحج فأراد أن يقف بنفسه على جليات الأخبار. فالمبادرة بالزيارة فيما يبدو كانت من عنده، رغم أن البعض ربما يذهب إلى أن المبادرة قد تكون فرنسية، الهدف منها جذب الشيخ عبده، الذي عاش في فرنسا فترة إبعاده، عن الفلك البريطاني. ومن يدري فقد تكون لبريطانيا أيضا مصلحة في زيارة الشيخ عبده لمستعمرة
стр. 2532
فرنسية غير عادية، كالجزائر. ذلك أن علاقة هذا الشيخ بالورد كرومر حاكم مصر أصبحت ودية، ولم يكن الاتفاق الودي (١٩٠٤) بين فرنسا وبريطانيا قد وقع بعد. غير أن صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا استعمل عبارة غامضة حين نسب المبادرة إلى الشيخ عبده نفسه إذ قال ان هدفه كان الإطلاع بنفسه على أحوال المسلمين وتتبع آثار الإسلام.
ومنذ إبريل ١٩٠٣ كتبت المنار مقالة بعنوان (فرنسا والجزائر) كأنها تمهيد لزيارة الشيخ عبده. وقد جاء فيها بعض (النصائح) للدولة الفرنسية (العظيمة) بأن (تعامل مسلمي مستعمراتها بالحسنى لتملك قلوبهم وتأمن غائلتهم). وفرقت المنار بين معاملة الحكومة الفرنسية وإدارتها في الجزائر، وقالت معتذرة ان فرنسا لم تكن مرتاحة للمعاملة القاسية التي تعامل بها مسلمي الجزائر، ولكنها ترى أنها هي الطريقة الضرورية (؟) إلى أن يأتي ما هو خير منها. وأشارت المنار إلى زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية للجزائر (١٩٠٣) ووعده الأهالي بأن زيارته ستتلوها معاملة أفضل لهم (١). وكانت المنار معتدلة جدا، في معالجة العلاقة بين الجزائر وفرنسا.
كان الشيخ عبده قد زار أوروبا عدة مرات، خصوصا سويسرا وبريطانيا وفرنسا. وكان في أوروبا خلال صيف ١٩٠٣، فزار الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر في العاشر من شهر غشت، وتحادثا عن حالة الشرق والغرب. ومن بريطانيا حل بفرنسا وقضى في باريس حوالي أسبوعين، ولعله اتصل بالسلطات الفرنسية لتسهيل زيارته للجزائر أو جرى الاتصال به لترتيب هذه الزيارة، إذ لا بد من رخصة خاصة لدخول الجزائر، وهذه الرخصة لا تمنح إلا لمن تعهد بعدم إثارة الشغب والخوض في المسائل الحساسة والسياسية. ومما يدل على (ترتيب) الفرنسيين لهذه الزيارة أن الشيخ عبده قد وجد الشيخ أيا القاسم الحفناوي في انتظاره بمرسيليا لمرافقته إلى الجزائر، دون إعلام مسبق. وكان الحفناوي عندئذ محررا في جريدة المبشر التي تصدر عن
стр. 2533
الحكومة العامة. وعند وصول الباخرة في ٢٧ غشت إلى الجزائر فارقه الشيخ الحفناوي الذي انتهت مهمته، ثم تولاه آخرون كانوا يعدون عليه أنفاسه ويتبعون خطواته ونظراته، فيكتبون عنه وعن زواره التقارير للفرنسيين.
وقد تحدث محمد رشيد رضا عن ظروف زيارة الشيخ عبده فقال انه أخبرهم بنيته في السفر بعد أوروبا إلى تونس والجزائر (١)، كما كان ينوي زيارة المغرب الأقصى بعد ذلك، وكان هدفه المعلن هو الوقوف على أحوال المسلمين في منطقة المغرب العربي والاطلاع على آثار الإسلام هناك. وقد كتم الشيخ رشيد رضا خبر هذا السفر (لئلا يبادر الأشرار إلى بث الدسائس لمنع فرنسة إياه من دخول البلاد ...) ومع ذلك فإن الخبر قد تسرب و (بادر أولئك الأشرار إلى ما كان ينتظر منهم) فكتبوا رسالتين إلى الحكومة العامة في الجزائر سعاية بالشيخ عبده، واحدة من القاهرة والأخرى من الأسكندرية، وكلتاهما تحريض الحاكم العام لفرنسي (وهو شارل جونار) بالشيخ عبده وتقول ان الهدف من سفره إلى الجزائر هو (تحريض المسلمين على الثورة والخروج على الحكومة ونبذ طاعتها، وأنه قادر على ذلك).
وفي نظر الشيخ رشيد رضا أن الحكومة الفرنسية لم تكن (خرقاء) فلم تصغ إلى سعاية الساعين وإنما استقبلت الشيخ عبده (بالحفاوة والإجلال لأنها لا تجهل مكانته الدينية والعلمية. وقد سر بهذه المعاملة له مسلمو الجزائر، ورأوا ذلك دليلا على حسن قصد حكومتهم وحسن سياستها). ورغم هذا الاطراء للحكومة الفرنسية على حسن معاملتها للشيخ عبده فإن الشيخ رشيد رضا استدرك قائلا انهم بثوا (حوله من الجواسيس السريين في كل مكان، وهو لم يكن يجهل هذا ولا كان يخشى منه). ونفهم من كلام رشيد رضا أن الشيخ عبده، كان ينوي زيارة تونس أيضا. وقد ذكر الشنوفي (انظر سابقا) أن الشيخ عبده زار تونس بعد الجزائر مباشرة وأنه جاءها بالقطار ومنها سافر إلى لندن عن طريق صقلية. أما المغرب فلم زرها أبدا. فهل كان لمرضه دخل
стр. 2534
في ذلك؟ أو أن السلطات الفرنسية التي كانت تحتل أيضا تونس وتمهد لاحتلال المغرب هي التي جعلته يلغي زيارته للمغرب (١).
ولكن الشيخ عبده قد حقق هدفه في رأي رشيد رضا، من زيارة الجزائر وهو (إرشاد المسلمين) إلى حقيقة دينهم والطريقة المثلى لإحيائه وإحياء لغته، مع البعد عن السياسة. فقد اجتمع الشيخ عبده، كما ذكرنا، بعدد من العلماء والمعجبين بالحركة الإصلاحية التي يمثلها. وذكر منهم رشيد رضا اثنين وهما محمد بن الخوجة وعبد الحليم بن سماية. وكانا من المعجبين بالمنار، وقد طلبا من الشيخ عبده مع غيرهما، أن يوصي صاحب المنار بأن لا يتعرض في مجلته بسوء للدولة الفرنسية حتى لا تمنع المجلة من دخول الجزائر، وهي في نظرهم (مدد الحياة لنا فإذا انقطع انقطعت الحياة عنا). وهذا الكلام قد يكون موعزا به من السلطات الفرنسية لأنها هي المستفيدة من سكوت (المنار) عن فظائعها في الجزائر. وعن طريق المنار كان في الجزائر وتونس (حزب عبدوي) دون أن يكون الشيخ عبده نفسه عالما بذلك، وقد أكده أحد كتاب جريدة (لوطان) الفرنسية.
هذا عن الهدف المعلن من جانب الشيخين عبده ورضا من الزيارة. ولكن ما رأي الفرنسيين في ذلك؟ لماذا سمحوا له بزيارة الجزائر والالتقاء بعلمائها وإلقاء درس عام أو محاضرة كما نقول اليوم؟ رغم أننا لم نقرأ بعد
стр. 2535
عن ذلك في الوثائق الفرنسية فانه يبدو لنا أن الحكومة الفرنسية كانت على الأقل تريد تحقيق أمرين من زيارة الشيخ عبده للجزائر، الأول دولي والثاني محلي. أما الكسب الدولي فهو أنها كانت تخشى حركة الجامعة الإسلامية بقيادة السلطان عبد الحميد. وقد فتح علماؤها ملف هذه الحركة وأخذوا يدرسونه ورقة ورقة ويكتبون عنه التقارير والمؤلفات، ويضعون أمام الحكومة الفرنسية عدة بدائل. كما أن فرنسا كانت تريد الاستفادة من اسم ونفوذ الشيخ عبده في العالم الإسلامي على حساب بريطانيا.
أما الكسب المحلي فإن الاتجاه الجديد للسياسة الفرنسية في الجزائر والذي ظهر منذ التسعينات من القرن الماضي هو تحقيق الاندماج عن طريق توسيع التعليم الفرنسي وتكوين نخبة مرتبطة بالثقافة الفرنسية لتحل محل الطرق الصوفية و (الإسلام الجزائري) الذي عبر عنه أدمون دوتيه بأنه إسلام الدروشة والسحر وتوريث البركات. وكان ترويج المنار أولا ثم ترويج أفكار الشيخ عبده ثانيا وحضوره الشخصي، كل ذلك يخدم الاتجاه الفرنسي الجديد ضد الزوايا والمرابطين. ولعله من الملفت للنظر أن الشيخ علي بن عبد الرحمن مفتي وهران وأحد أعضاء الطريقة التجانية لم يحضر درس الشيخ عبده وأعلن أنه كان مريضا. وكثيرا ما كان لوسياني (الذي على يديه رتبت زيارة الشيخ عبده) (ينصح) (أي يأمر) هذا الموظف أو ذاك بكيت وكيت حتى يجعله يتفادى الإحراج. وقد فعل ذلك مع الشيخ محمد السعيد بن زكري يوم مناقشة فرض التجنيد على الجزائريين، فقد نصحه لوسياني بالسفر. ولا نستبعد أن يكون مرض الشيخ ابن عبد الرحمن بإيعاز من لوسياني أيضا (١).
стр. 2536
ومهما كان الأمر فان الشيخ رشيد رضا لخص الأفكار التي بها الشيخ عبده في الجزائريين فيما يلي: الحرص على تحصيل العلوم الدينية والدنيوية، والحث على العمل وعمران البلاد، كما نصحهم بمسالمة الحكومة (الفرنسية) وترك الاشتغال بالسياسة لكي تساعدهم هذه الحكومة على تحقيق الغرضين السابقين وهما تحصيل العلوم وتوفير شروط الكسب والعمران. وقد شرح الشيخ رشيد رضا معنى ترك الاشتغال بالسياسة بأنه لا يعني عدم مخاطبة الحكومة في المظالم التي تضر بهم كالقوانين الجائرة والمعاملات التعسفية. وكأني به يريد أن يقول ان السياسة هي التحزب والمضادة للحكومة والتآمر ضدها وعصيان أوامرها والثورة عليها. وقد كتب الكتاب وفسر المفسرون هذا الرأي دون طائل. ونظن أن المسألة عند الشيخ عبده كانت مسألة أولوية: هل الأولى للمسلمين أن يتسيسوا ويعملوا على التغيير بطرق مباشرة كالعصيان والثورة، أو الأولى لهم أن يدرسوا ويكونوا وينافسوا الفرنسيين في العلوم الدنيوية ما دام هؤلاء قد سمحوا بها؟ ولعل جوهر الموضوع هو ما العمل إذا كانت العلوم المسموح بها لا تكفي أو لا تحقق المطمح السياسي بل تعارضه أحيانا؟ وقد أجاب الشيخ رشيد رضا صراحة على ذلك في قوله: فإذا لم تكشف الحكومة ظلامتهم، بعد الالتجاء إليها في كشفها، فانهم يكونون معذورين في سخطهم عليها وتربصهم بها الدوائر كالعصيان.
ويبدو لنا أن الشيخ رشيد رضا قد توقع أكثر مما كان ممكنا من حكومة فرنسا عندئذ. ولكن سياسة شارل جونا على ما فيها من ظلم وتعسف، قد أغرت الجزائريين والمسلمين عامة، وفيهم رشيد رضا والشيخ عبده نفسه، ان هناك سياسة جديدة لفرنسا في الجزائر. يقول رشيد رضا ان فرنسا كانت (تبحث دائما عن طريقة يطمئن بها أهل الجزائر لحكومتهم وتطمئن هي لرضاهم عنها). وهذا قول فيه تفاؤل كبير أو فلنقل مجاملة مكشوفة. لأن فرنسا كانت لا تسأل عن رضى الجزائريين ولا تأخذهم في الاعتبار، وكانت سياستها نحوهم تقوم على القمع والإرهاب في كل قانون الأهالي المعروف. ولعل مجيء الحاكم العام جونار هو الذي جعل الأهالي والشيخ عبده وتلميذه الوفي رشيد رضا
стр. 2537
يأملون الأمل الحسن في السياسة الفرنسية نحو الجزائريين (١).
في باب عزون تعرف الشيخ عبده على شيخ جزائري كان يتاجر في محل للدخان اسمه محمد بن عمر بن سماية (٢)، وهو ابن أخ الشيخ عبد الحليم بن سماية الذي كان من المعجبين بالمنار، وبأفكار الشيخ عبده عن طريق السماع. وقد عرفه التاجر على عمه المذكور فارتبطت بينهما صلة العلم والإعجاب. وربما كانت هذه المعرفة أيضا مرنة من قبل السلطات الفرنسية. إذ لا يمكن أن تكون عفوية إلى الحد الذي يذكره بعض الباحثين. ومهما كان الأمر فان الشيخ عبد الحليم كان يسكن ضاحية الحامة (بلكور) عند جامع صغير بناه أحد التجار اسمه مصطفى الأكحل، قرب سكناه. وكان السيد الأكحل من أصحاب الثروة والجاه ومن المتعلمين، وكانت داره مفتوحة للجزائريين المثقفين والأجانب. وكان الشيخ عبده، لا يكاد يغادر دار السيد الأكحل إلا قليلا (٣). وقد تهاطل عليه الزوار من مختلف الفئات المتعلمة والمتسيسة، معظمهم من الموظفين لدى الإدارة. وقد قسمهم رشيد بن أبي شنب إلى ثلاثة أصناف، صنف المحافظين وصنف العصريين وصنف المتفرنسين. كما ذكر نماذج من كل صنف (٤). وكان عمر راسم والإخوان
стр. 2538
رودوسي من الذين حضروا مجالس الشيخ عبده.
كانت تعاليم الشيخ عبده تقوم على أن الدين الإسلامي دين علم وعمل وتسامح. وأن كثيرا من الخرافات والبدع قد علقت به، وأنه حاول إصلاح الأزهر ونظام القضاء في مصر، ونحى باللائمة على تخلف تعليم الزوايا وعلى بعض الطرق التي تعلم التصوف الكاذب. وقال ان الدين الإسلامي غير منغلق، بل هو دين مفتوح ومتحرك نحو المستقبل، وأخبر الحاضرين أن الإسلام قادر على التأقلم مع الحياة العصرية، وعلى المسلمين أن يأخذوا من الغرب ما لا يناهض دينهم، وأن ينافسوا الأوروبيين ساقا بساق وذراعا بذراع. وكان يتفادى الموضوعات السياسية ولا يجيب عنها إذا ما سئل، ولعل ذلك كان باتفاق مسبق مع الفرنسيين، ولكنه استنكر الاندماج (التجنس؟)، كما صوره له أحمد بن بريهمات والنخبة المستغربة، حتى لا يتخلى المسلم عن أحواله الشخصية. واعتبر البعض أن هذا الموقف جعله يتدخل في السياسة.
قام الشيخ عبده بتفسير سورة (والعصر) في جامع السيد الأكحل بالحامة. كان عدد الحاضرين حوالي ٢٠٠ شخص، من مختلف أنحاء القطر. ودام الدرس حوالي ساعتين، وكان الحاضرون من مختلف فئات المتعلمين. وحضر بالصدفة أيضا وفد مغربي رسمي كان يزور الجزائر. وكان الشيخ عبده قد فسر هذه السورة من قبل وهو في الأزهر. وجاء الآن فحث على الصبر والصلاة والتعلق بالله وفعل الصالحات وتطبيق الشرع والالتزام بالأخلاق الفاضلة والتمسك بالإيمان الصحيح. وقد فهم البعض أن اختياره لهذه السورة يدل على التزامه بعدم التدخل في السياسة لأن السورة تحث على الاستسلام لله والصبر في سبيله، ولا تدعو إلى الجهاد أو الانتفاضة. لقد كان الشيخ يقارب بين الدين والعلم والتقليد والتجديد ويحث على الأخلاق والتعلم والصلاح.
هذه هي رسالة الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٣. وقد أخذ المعجبون به
стр. 2539
يبثونها من صحفهم وخطبهم الجمعية وأحاديثهم ورسائلهم. فقرأ مصطفى الكمال (ابن الخوجة) على الملإ تفسيره لسورة والعصر، وهو التفسير الذي نشرته (المنار) في صورته النهائية بعد رجوع الشيخ إلى مصر ومراجعة النص. وظل تأثير الشيخ عبده بعد وفاته أيضا. وقد تبنت بعض الجرائد الجزائرية كالفاروق وذو الفقار، أفكار الشيخ، وكانتا تنشران أخباره الدينية، مما يفهم منه أنهما ضد الطرق الصوفية والوضع الديني الرسمي في الجزائر والخرافات، فأوقفتهما الإدارة الفرنسية، وكان ذلك عشية الحرب العالمية التي أدت إلى اختفاء القادة والجرائد إلى ١٩١٩ (١).
من الذين ارتبطوا بالشيخ محمد عبده محمد بن الخوجة (الكمال)، وعبد الحليم بن سماية، والمولود بن الموهوب، وعمر بن قدور، وعمر راسم. وكان ابن الخوجة من المعجبين بالشيخ عبده عن طريق المنار، قبل زيارته للجزائر. ولذلك استغربنا من قول آجرون ان ابن الخوجة لم يكن من بين الذين حضروا درس الشيخ عبده. وإذا صح ذلك فقد يكون لأسباب قاهرة كالمرض أو الخوف من السلطات الفرنسية. وقد عرفنا أن ابن الخوجة قد كرر إلقاء تفسير (والعصر) على منبر خطابته في جامع صفر بعد نشر التفسير في كتيب خاص. وكذلك قرظ ابن الخوجة هذا التفسير ونشر تقريظه في المنار (٢). وفي نفس العدد من المجلة تقريظ طويل نظمه الشيخ عبد الحليم بن سماية في الشيخ عبده عندما كان في الجزائر. ولم نطلع على هذا
стр. 2540
الشعر في الذيل، كما وعد الشيخ رشيد رضا.
وتواصلت المراسلة بين الشيخ عبده وابن سماية بعد الزيارة أضا. فمن جزيرة صقلية كتب الشيخ عبده إلى تلميذه ابن سماية رسالة تعتبر من رسائل البيان بين الإخوان. فقد مدحه بالفضل والعلم والأدب والأخلاق، وتنبأ له بأنه سيكون إمام قومه في الهداية إلى سبيل الرشاد. وحثه على الاستعداد لهذه المهمة (بالاستمرار في مزاولة كلام البلغاء من أهل اللسان العربي) ومواصلة ما بدأ به من اللغة الفرنسية، ودراسة أخلاق الناس، والتعمق في تاريخ الأمة الإسلامية، والتطور الديني وعلل ذلك وأسبابه. وأوصاه بالاستعانة وبإخوانه ابن الخوجة ومفتي الحنفية (بوقندورة)، وحذره من (النظر في سياسة الحكومة أو غيرها من الحكومات ومن الكلام في ذلك. فان هذا الموضوع كبير الخطر قريب الضرر). وفي نظر الشيخ عبده أن الناس محتاجون إلى العلم والإخلاص في العمل.
وكانت هذه الرسالة درسا آخر له ولغيره في موقف العلماء من الحكام. إذ أن الشيخ عبده أصبح الآن خارج الجزائر، وكان بإمكانه أن يكتب ما لم يكن يستطيع قوله وهو فيها. ولكنه ظل متمسكا بمبدئه، وهو أن الناس في حاجة إلى أن (يعيشوا في سلام وراحة مع من يجاورهم (الفرنسيين؟) من الأمم الأخرى، ولا يتعلقوا من الوهم بحبال تنقطع في أيديهم متى جذبوها، فيسقطوا ... فيما لا منجاة منه) (١). ونكاد نجزم أن الشيخ عبده هنا يعني
стр. 2541
المعارضة السياسية للحكومة الفرنسية في الجزائر وغيرها من الحكومات الاستعمارية. ويرى أن ذلك مدعاة للسقوط قبل نيل المرغوب.
وعلى إثر وفاة الشيخ محمد عبده بادر بعض الجزائريين برثائه، فكتب الشيخ محمد بن القائد علي، الإمام بالجامع الجديد بالعاصمة، قصيدة نوه فيها بالشيخ ووصف مصيبة المسلمين بفقده، وذكر مؤلفاته، ومنها تفسيره، ورسالة التوحيد، ودوره في الإصلاح وزيارته للجزائر. ونفهم أن القصيدة كانت طويلة لأن الشيخ رشيد رضا اختصرها في كتابه. ولها بداية مؤثرة. وسنعرض إليها في فصل الشعر. ومن التعازي النثرية ما أرسل به أحدهم من الجزائر، مكتفيا باختصار اسمه في حرفين (ع. ز.). وقد نشر هذه التعزية رشيد رضا مختصرة. وفيها تحدث كاتبها عن مكانة الشيخ عبده وزيارته للجزائر والدرس الذي ألقاه ومسامراته (وخاطبنا بخطاب أشهى من طعم الضرب، بأفصح كلام العرب، ... وكشف لنا عن دقائق المسائل. والناس حوله بين مصغ وسائل). وطالب المعزي بنشر آثار الشيخ عبده لتعميم فائدتها.
ويبدو أن الشيخ محمد عبده قد كتب مذكرات عن زيارته للجزائر وتونس وغيرهما. ولكن هذه المذكرات قد ضاعت أو لم تكمل. فقد أخبر الشيخ رشيد رضا أنه علم منه أنه كتب مذكرات بشأن البلدين المذكورين وأنه يريد إيداعهما في فصول يتناول فيها الإصلاح بالأسلوب القصصي (المفرغ في قالب الفكاهة). ولكن الشيخ عبده، توفي قبل أن ينشر ذلك، ثم أن أوراقه الباقية ليس فيها تلك المذكرات (١). ومن يدري فقد تكون وقعت في أيدي الحريصين عليها دون أن يخرجوها للناس. وقد كانت ضاعت منا مذكرات (يوميات) عن بلدان كثيرة زرناها وأشخاص قابلناهم وحوادث عشناها، ولم يظهر عنها خبر إلى الآن بعد مرور تسع سنوات على فقدها. وأين مذكرات الشيخ محمد عبده من مذكراتنا؟.
стр. 2542
ومهما كان الأمر، فان زيارة الشيخ محمد عبده على قصرها (حوالي عشرة أيام) قد تركت أثرها الواسع خطرا لمكانة الشيخ وللإعلام الذي رافقها، ولعدد الحضور للدرس والمسامرات، وتغطية مجلة المنار لها ونشر تفسير سورة والعصر وبعض كتب الشيخ الأخرى، ثم وفاته المفاجئة. وقد عرفنا أنه زار أيضا قسنطينة وهاجم فيها الطرق المبتدعة والجهل، وهي الزيارة التي لم يكتب عنها أحد حتى الآن فيما نعلم. ولا نظن أنه قد زار تلمسان ولكن يجب ألا تعطى لهذه الزيارة أهمية أكثر مما تحتمل. فالظروف كانت حرجة، والجواسيس كانوا في كل مكان، والاتصالات بالشيخ كانت محفوفة بالمكاره، فقد كانت زيارته تعتبر فخا منصوبا للبعض وامتحانا لآخرين. ويمكننا القول ان مدرسة الشيخ عبده ورشيد رضا قد أثمرت تمرتها على يد الحركة الإصلاحية بين الحربين، وبالذات على يد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ومن أبرز دعاتها الشيوخ: ابن باديس والعقبي والإبراهيمي.
...
مراسلات وأحداث
تحدثنا حتى الآن عن المراسلات التي دارت بين الشيخ محمد عبده والأمير عبد القادر، وبين الشيخ عبده وابن سماية وبعض العلماء المعاصرين الآخرين في الجزائر. والواقع أن هذه المراسلات كانت كثيرة بعضها نعرف عنه شيئا وبعضها لا نعرف شيئاعنه الآن، وما يزال في بطون الكتب والمذكرات الشخصية. وفي فصل الإجازات سنتناول ما دار في ذلك الموضوع بين علماء الجزائر وعلماء المشارق والمغارب أيضا. كما أننا نوهنا بما بعث به حسن بن بريهمات إلى خير الدين باشا التونسي إثر صدور كتابه (أقوم المسالك) والشعر الذي نظمه ابن بريهمات في ذلك (١). وهناك مراسلة جرت بين أبى القاسم البوجليلى وسليم البشري مفتى
стр. 2543
المالكية في مصر سنة ١٢٧٨. وكانت المراسلة في شكل استفتاء حول جواز أو عدم جواز بناء جامع جمعة ثان في المدينة الواحدة إذا ضاق الجامع الوحيد فيها بالمصلين. وكانت مسألة خلافية بين الشيخ البوجليلي وأهل بلدة بوجليل، وكان هو يرى جواز بناء المسجد الثاني. وبعد المراسلة وافقه الشيخ البشري على ذلك (١). وما ذكرناه ما هو إلا تأكيد لفتوى الشيخ البوجليلي.
وهذه الظاهرة كانت شائعة بين العلماء، فإذا احتاروا في مسألة أو أرادوا تأكيد أو تصحيح آرائهم من الناحية الشرعية، لجأوا إلى مراسلة العلماء المشاهير أو المؤسسات الإسلامية الكبرى. وكان أهل تلمسان يلجأون إلى علماء القرويين، وأهل قسنطينة يلجأون إلى علماء الزيتونة، بل أن القضاة في وادي سوف كانوا يبعثون إلى علماء الجريد وتونس العاصمة للاستعانة بآرائهم في أحكامهم إذا كانت مما يستوجب ذلك، كمراسلتهم إبراهيم الرياحي وعثمان بن المكي (٢).
وقد راسل بعض علماء الجزائر أعيان المشرق أيضا في شؤون أدبية ودنيوية. ومن ذلك ما نشره محمود بن الشيخ علي، الإمام بالمدرسة الفرنسية الرسمية، سنة ١٨٦٩ في جريدة (الجوائب) ومراسلة صاحبها أحمد فارس الشدياق. والمقالة كانت في شأن موضوع سياسي يعلق بالإدارة الفرنسية والانتخابات البلدية في الجزائر على عهد الحاكم العام المارشال ماكماهون. وقد قارن الكاتب فيها بين الانتخابات في أوروبا، وهي طريقة قديمة عندهم
стр. 2544
فينظره ذات نفع كبير (مع ما يسري لسكان الوطن من التطبع، والتأسي بقواعد الأورباويين الفائزين عمن سواهم في طريق الإحسان). وكان هذا الرأي الذي نشر في جريدة والانتخابات عند المسلمين وهي جديدة يقلدون فيها الأوروبيين فقط، وهي عثمانية رسمية تصدر باسطانبول له أكثر من دلالة (١).
وكان أحمد فارس الشدياق معروفا لدى المتعلمين الجزائريين سواء الذين ظلوا في الجزائر أو الذين تنقلوا بينها وبين بلاد الشام مثل عائلة أبي طالب أو عائلة الأمير عبد القادر. فقد كان الشدياق زار فرنسا وأوروبا، ولعله زار الجزائر أيضا.، وكان معروفا، في أوساط المهاجرين الجزائريين في المشرق. وكانت جريدة الجوائب تكتب أحيانا عن الجزائر. كما أن الشدياق كان معروفا لديهم بتأليفه كتابه في اللغة الفرنسية اشترك فيه مع (دوقا) المستشرق الفرنسي سنة ١٨٥٤. وكان الكتاب موجها (لاستعمال أهل الجزائر). ومن بين تآليف الشدياق التي عرفت في الجزائر أيضا (سر الليال في القلب والإبدال) وهو الكتاب الذي مدحه عليه أبو طالب الغريسي بقصيدة رقيقة أثبتها الشدياق في (كنز الرغائب)، وسنذكر بعضها في فصل الشعر. وطالعها:
سنا (سر الليال) أضاء ليلا ... فأنساني مسامرتي لليلى (٢)
وكان آل طالب (بوطالب) من عائلة الأمير عبد القادر كما أشرنا، وقد تولى عدد منهم القضاء خلال القرن الماضي في إقليم قسنطينة، وكانوا هم صلة الوصل القوية بين الجزائر والمشرق، والمغرب أيضا.
وكان الشيخ عاشور الخنقي صاحب شاعرية قوية وموهبة في اللغة والأدب، ولكنه جاء في عهد ظلام دامس من الثقافة والتعليم، وكان تكوينه الأساسي في الزوايا، ولا سيما زاوية نفطة العزوزية - الرحمانية. ولكن الشيخ الخنقي وظف موهبته الشعرية في أغراض كانت موضع نقاش وجدل بل
стр. 2545
وخصومة بينه وبين بعض معاصريه، وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد الصالح بن مهنة ومحمد بن عبد الرحمن الديسي. وكان منطلق التخاصم بينهم هو الموقف من (عصاة الأشراف) هل هم ناجون من العقوبة الإلهية؟ ثم عمت الخصومة مسألة الشرف، وكانت مسألة حساسة عندئذ، صادفت هوى في نفس الإدارة الفرنسية التي ضاقت بالأشراف الثائرين ضدها أو الذين كونوا لأنفسهم سمعة خاصة وامتيازات لدى المواطنين، فكانت الإدارة تريد تكسير هذا الحاجز بينها وبين المواطن البسيط لاستغلاله على أوسع نطاق وإخراجه من تأثير طبقة الأشراف الساخطين علها.
نحن هنا لا تعنينا أبعاد المسألة السياسية والاجتماعية، وإنما تعنينا ناحية واحدة منها وهي تنويه الشيخ عاشور بالشيخ أبي الهدى الصيادي نقيب الأشراف في الدولة العثمانية والمستشار السياسي والديني للسلطان عبد الحميد الثاني. وقد كان الصيادي من أعداء السيد جمال الدين الأفغاني، وهو الذي حجم حركته السياسية المناهضة للحكام، وجعل السلطان يتبنى حركة الأفغاني لصالح الخلافة العثمانية. وكان الصيادي قد نشر كتابا بعنوان (ضوء الشمس) (١)، فأخذ الشيخ عاشور الخنقي ينوه بالكتاب وبالشيخ الصيادي باعتباره نقيبا للأشراف. وكان الخنقي يغتنم الفرصة ليهجو معاصره ابن مهنة على تقليله من أهمية الشرف وقوله ان الأشراف مثل كل الناس يحاسبون على أعمالهم في الخير والشر. وفي القصيدة الطويلة (٧٣٣ بيتا) التي سماها الخنقي (حسن الأمل في فضل الشرف المجرد عن العمل)، جاء قوله:
لله در (أبي الهدى) فيما زبر ... بكتاب (ضوء الشمس) في الخمس الكبر
شيخ الشريعة والطريقة والحجا ... صدر النقابة في بني الزهرا الخير
وقد مدح الشيخ الخنقي السلطان عبد الحميد الثاني أيضا، واعتبره قد
стр. 2546
اشتمل على فضل السير والخصائل الحميدة، كما مدح آل عثمان جميعا واعتبرهم من الأشراف، ومدح عاصمتهم (الآستانة) الغراء. وقارن بين البوازيد وآل عثمان واعتبرهم جميعا من عترة واحدة، من آل البيت. ولعل هذا الموقف (السياسي) هو الذي جعل السلطات الفرنسية لا تغفر للشيخ عاشور جرأته، فزجت به في السجن، ولم يخرج منه إلا بتوسلات وتدخلات. وقد كتب البعض عن ولاء الجزائريين لآل عثمان، ولكن موقف الشيخ عاشور مهم ومن الفرنسيين ما يزال غير مدروس. وسنتعرض في فصل الشعر لشيء من هذا الشعر السياسي، ويكفي أن نذكر هنا قول الشيخ عاشور في السلطان عبد الحميد:
مولى الورى (عبد الحميد) حميد ما ... شملته سلطنة البرايا من سير
من آل عثمان الذي جمع الخلا ... فة في الورى فيما تجاهر واستتر (١)
ولا ندري إن كان الشيخ عاشور قد أرسل قصيدته الكبرى هذه إلى أبي الهدى الصيادي أو أنه تلقى من هذا مراسلة. والغالب أن العلاقة كانت موجودة بينهما، وقد نظم قصيدته المذكورة قبل وفاة السيد جمال الدين الأفغاني بسنتين.
لم تنقطع الاتصالات بين الجزائريين وشيوخهم وزملائهم أيضا. فابن باديس الذي درس على الشيخ محمد الخضر حسين بالزيتونة وفي داره بتونس لا نظنه إلا وقد لقيه في المشرق بعد أن هاجر إليه الشيخ الخضر وحج إليه الشيخ ابن باديس (٢).
وفي هذا المجال تدخل زيارة ابن باديس لتونس للقاء الشيخ عبد العزيز
стр. 2547
الثعالبي بعد خمسة عشر عاما من النفي. وربما كانت بين ابن باديس والثعالبي مراسلات سابقة حول وضع المغرب العربي بعد الحرب الأولى. فقد كان الثعالبي مهتما بحركة ابن باديس التي ظهرت في شكل هيئة علمية لإرساء النهضة العربية الإسلامية في الجزائر قبل الانطلاقة السياسية. ولذلك أثارت الصحافة الفرنسية ضجة حول زيارة ابن باديس لتونس سنة ١٩٣٧، واتفاق الزعيمين، حسب هذه الصحافة، على توحيد حركات المغرب العربي (١).
وقد تعرضنا في دراستنا عن الأمير شكيب ارسلان إلى المراسلات التي دارت بينه وبين أعيان العلماء الجزائريين بين الحربين. وذكرنا منهم أحمد توفيق المدني، وعبد الحميد بن باديس، والطيب العقبي، وأبا يعلي الزواوي، وإبراهيم أبا اليقظان. وكان شكيب أرسلان يراسل هؤلاء ويراسل أيضا الحاج أحمد مصالي زعيم حزب النجم (ثم الشعب). وهذه المراسلات تشكل فصلا خاصا في العلاقات السياسية والعلمية بين الجزائريين والمشارقة (٢).
ومن أبرز زعماء المشرق الذين اهتموا بالجزائر وتراسلوا مع أعيانها محب الدين الخطيب، وهو من الشخصيات التي ما تزال في حاجة إلى دراسة معمقة من هذا الجانب. وقد عثر بعض الباحثين في أوراقه على (مجموعة كبيرة) من الرسائل التي دارت بينه وبين بعض الجزائريين دون ذكر أسمائهم. ويغلب على الظن أن من بينهم رجالا كالعقي وابن باديس والإبراهيمي والزاهري. وكان العقبي يعرفه منذ كان بالمدينة بل ربما تعامل معه في جريدة (القبلة) الحجازية سنوات ١٩١٦ - ١٩٢٠. وكان الزواوي قد طبع أحد كتبه في مطبعة محب الدين الخطيب، وكانت مجلة (الفتح) التي يشرف عليها الخطيب تصل إلى بعض القراء في الجزائر. ومن الذين وجدت أسماؤهم في أوراق الخطيب الشاعر مفدي زكريا الذي راسله سنة ١٩٣٧ عندما كان عضوا
стр. 2548
في حزب الشعب، والشاذلي المكي بعد أن أصبح ممثلا لحزب الشعب (حركة الانتصار) في مصر، سنة ١٩٤٦.
وقد وجد الباحثون في أوراق محب الدين الخطيب قصاصات من الجرائد في موضوعات تهم الجزائر كالاحتفال المئوي الفرنسي باحتلالها، ومنع فرنسا للحج في مراسلة من بسكرة كتبها محمد الشريف جوكلاري (وهو فرنسي اعتنق الإسلام)، وغرداية في نظر الأجانب، وقطعة من جريدة المغرب للشيخ أبي اليقظان، ونداء من الأمير شكيب أرسلان إلى الإباضية والمالكية في الجزائر، وبيان من مدير الشؤون الأهلية، جان ميرانت، حول جمعية العلماء وتعليق محب الدين الخطيب على البيان، وبيان صادر عن المجلس الإداري لجمعية العلماء، موجها إلى الأمة بتاريخ ٢٢ يناير ١٩٣٤، وبلاغ من مصالي الحاج إلى الأمة في ١٢ نوفمبر (؟ ١٩)، ورسالة من اللجنة العليا لنجم شمال أفريقية بتاريخ ٢٥ رمضان ١٣٥٠ تطلب من محب الدين الخطيب أن يدافع عن سياسة الحزب الوطنية وأن يقف ضد سياسة الاندماج وتذويب الهوية الجزائرية، وهي مراسلة مفدي زكريا المذكورة. ومع هذه المراسلة صورة لزعيم الحزب أحمد مصالي.
ومن الأوراق أيضا دعوة موجهة إلى محب الدين الخطيب لحضور اجتماع (اللجنة العليا للدفاع عن الجزائر) بدار جمعية الشباب المسلمين بتاريخ ٢٣ مارس ١٩٤٤. وقد وجد الباحثون نسخة من خطاب يبدو أن محب الدين الخطيب كان قد ألقاه بالمناسبة، وكانت نسخة الخطاب ملصقة بالدعوة. أما المذكرة التي تحمل إمضاء الشاذلي المكي فكانت موجهة منه إلى الجامعة العربية وأمينها العام عبد الرحمن عزام (٢٠ أكتوبر ١٩٤٦) (١).
стр. 2549
وما دمنا نتحدث عن المراسلات فلنذكر أن العقبي والإبراهيمي والزواوي وأضرابهم قد ارتبطوا بعلاقات مع أعداد من أصحاب الجرائد والمدارس والتأليف في المشرق، سواء في الحجاز أو في الشام أو مصر. ومنذ ١٩٣٨ انتقل الشيخ الفضيل الورتلاني إلى مصر وارتبط بحركة الإخوان المسلمين التي ربما كان قد انتظم فيها وهو في فرنسا. ونشط أيضا ضمن جالية المغرب العربي في مصر وأسسوا جميعا عدة تنظيمات هدفها خدمة قضية بلدانهم وتحريرها، مثل جبهة الدفاع عن شمال افريقية، سنة ١٩٤٤. ومنذ نشأة الجامعة العربية نشط الجزائريون هناك وحاولوا كسب تأييد الجامعة المادي والمعنوي لنصرة بلادهم. وكان لإنشاء الجامعة العربية صداه القوي في الجزائر، فقد رفع معنويات الحركات المضادة للاستعمار. وكان للشيخ الورتلاني دور بارز أيضا في ثورة اليمن سنة ١٩٤٧ - ١٩٤٨. وليس هذا محل تفصيله (١).
...
جمعيات وجرائد
من الصعب الإحاطة بالجمعيات والجرائد التي ظهرت واهتمت بالحديث عن الجزائر أو كان مؤسسوها من المهاجرين أنفسهم. وكانت في مجموعها تعكس على كل حال، الروابط المتينة بين الجزائر والمشرق. وكانت الجمعيات في المغرب العربي منذ البداية مهتمة بالقضايا المشتركة، وقلما نظرت إلى نفسها على أنها تمثل وحدة قطرية منفصلة.
منذ حوالي ١٩١٠ أسس الشيخان صالح الشريف وإسماعيل الصفايحي (جمعية الأخوة الجزائرية - التونسية) في اسطانبول. وكان لها فرع في دمشق
стр. 2550
ينشط بين المهاجرين الذين كان أغلبهم من الجزائر، ولها فروع أخرى في بلاد الشام والحجاز ولا سيما فرع المدينة المنورة.
وخلال نفس الفترة ظهر في مصر تنظيم آخر يسمى (الاتحاد المغربي)، وكان صاحب الفكرة فيه هو الشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيد) التي كانت تتبع سياسة الجامعة الإسلامية. وكان الشيخ علي يوسف قد منعته فرنسا من زيارة الجزائر، حسب بعض الروايات، ولكن آخرين قالوا انه تحادث مع شارل جونار (حاكم الجزائر) حول قانون الأهالي وانتقده أمامه وطالب بإلغائه، كما سنرى. ومهما كان الأمر فان مقر (الاتحاد المغربي) كان في الإسكندرية، وكان يرأسه محمد شرعي باشا الذي ربما يكون من أصول مهاجرة.
وفي سنة ١٩١٣ أنشأ الشيخ المكي بن عزوز في المدينة المنورة (جمعية الشرفاء)، وكانت تعمل على خدمة مبادئ الجامعة الإسلامية. ويتهمها الفرنسيون بأنها كانت تعمل على إثارة جنوب الجزائر ضدهم. ويهمنا من هذه الجمعية أنها كانت تضم مجموعة من الجزائريين والتونسيين والمراكشيين. وقد عقدت اجتماعا. لها في القاهرة. ومن الجزائريين الذين حضروا هذا الاجتماع السيد الأخضر (؟) الذي قيل انه كان قايدا سابقا لتلمسان، والسيد محمد بن زاوي جلول، وهو من قسنطينة (١). لكن فعالية هذه الجمعية، غير واضحة الآن. وربما وجدت محاربة قوية من القنصليات الفرنسية في المشرق العربي.
стр. 2551
وأثناء الحرب العالمية الأولى والثانية ظهرت عدة جمعيات ولجان في المشرق وأوروبا، مؤلفة من الجزائريين والتونسيين والمراكشيين، يساندهم بعض المشارقة. وكانت الجمعيات تهدف إلى جمع الشمل وتوحيد العمل من أجل تحرير المغرب العربي. ومن أشهرها لجنة سورية وفلسطين في سويسرا برئاسة الأمير شكيب إرسلان، والجمعيات العربية بإسطانول ودمشق، ولجنة تحرير المغرب العربي التي أنشأها علي باش حانبة سنة ١٩١٦ بإسطانبول (١).
أما الجرائد والمجلات التي عالجت أو اهتمت بشؤون الجزائر فكانت متعددة. ومن الممكن أن نقسمها إلى ما أنشأه المهاجرون أنفسهم وما كان من إنشاء غيرهم. وعند المقارنة سنجد أن ما أنشأه الجزائريين لا يتجاوز جريدة ومجلة. والجريدة الوحيدة هي (المهاجر) التي ظهرت في دمشق يناير ١٩١٢. وكان رئيس تحريرها محمد بن التهامي شطه وهو مهاجر أصله من الأغواط، حسب معلوماتنا. ولكن ممول الجريدة هو الأمير علي بن الأمير عبد القادر. وكان من كتابها ابنه الأمير سعيد. ورغم ظهور الصحافة في المشرق عقودا قبل ذلك وظهور أهميتها الإعلامية والسياسية فاننا لا نعرف أن الجزائريين، وفيهم أبناء الأمير عبد القادر وعدد من المهاجرين المتنورين، قد أنشأوا جريدة قبل ذلك التاريخ. ولا ندري إن كان لظروف التجنيد الإجباري في الجزائر، وتوتر العلاقات بين الدولة العثمانية وفرنسا، يد في إنشاء جريدة المهاجر، ولكن من الأكيد أنها أصبحت أداة فعالة للسياسة المعادية لفرنسا في المشرق. وتتهم وزارة الخارجية الفرنسية الجريدة بأنها كانت ممولة أيضا من السلطات المحلية (العربية والعثمانية؟) وأنها كانت تهاجم السياسة الفرنسية في الجزائر، وقد تشددت في ذلك أكثر من السابق عشية الحرب العالمية. ويذهب باردان إلى أن الأمير سعيد كان يوقع المقالات المكتوبة له لضعف ثقافته (٢). ونحن نفهم أن السلطات الفرنسية قد منعت هذه الجريدة
стр. 2552
من التداول في الجزائر، ولكن ربما كانت تهرب إليها مع الحجاج والزوار والبريد. واهتمت الجريدة أيضا بأحوال ليبيا وتونس والمغرب، ولا ندري كم دامت، ولعلها قد استمرت إلى حوالي ١٩١٦.
أما المجلة الوحيدة فهي (المنهاج) التي أسسها الشيخ إبراهيم أطفيش في مصر سنة ١٩٢٤. وقد اهتمت بالقضايا الإسلامية عامة وقضايا المغرب العربي ولا سيما ناحية ميزاب. وكان الشيخ أطفيش من المهاجرين بعد أن درس في تونس. وله آراء متنورة في الإصلاح الإسلامي، وكان قد مثل الجزائر في عدة مناسبات عربية، منها مؤتمر القدس الذي انعقد سنة ١٩٣١، وسندرس بعض تآليفه.
ومن الجرائد التي اهتمت بالجزائر جريدة (الجوائب) العثمانية، وكانت تنشر أخبارها كالثورات والمحاكمات والهجرة، مثل ثورة ١٨٧١ وثورة ١٨٨١. وقد رأينا أن بعض الجزائريين ساهموا في هذه الجريدة وكانوا على صلة بصاحبها أحمد فارس الشدياق.
وهناك جرائد ظهرت في مصر أيضا، ووجدت في حرية الصحافة مجالا واسعا، فعبرت عن قضية الجزائر دون تردد، ومن ذلك جرائد العصر الجديد، والمؤيد والحق. بالنسبة للأولى نعلم من بعض المصادر أن أحد الجزائريين كان يكتب فيها باسم إبراهيم خالد ويهاجم السياسة الفرنسية في الجزائر، ولعله اسم مستعار، لأننا لا نعرف حتى الآن شخصية تاريخية بهذا الاسم. وكان الشيخ علي يوسف من المثقفين العرب والمسلمين القلائل الذين اهتموا بشؤون الجزائر والمغرب العربي. ومع أنه لم يكن يهاجم
стр. 2553
السياسة الفرنسية مباشرة، فان جريدته طالما تعرضت للمنع من دخول الجزائر لأنها كانت تنتقد الأوضاع والقوانين الجائرة. وتدعو إلى الإصلاح واليقظة بطريقة سياسية أكثر حدة من مجلة المنار لرشيد رضا. وكلتاهما كانت مقروءة ومطلوبة من الجزائريين. وبالإضافة إلى ذلك كانت جريدة (الحق) التي أنشأها الشيخ عبد العزيز جاويش التونسي الأصل، مهتمة بالدفاع عن قضايا المغرب العربي.
ومن الجرائد أيضا (الإعلام) التي أسسها في مصر محمد بيرم الخامس، وقد كان الشيخ بيرم من الذين زاروا الجزائر عدة مرات، وكتب عن أحوالها في رحلته المعروفة وانتقد السياسة الفرنسية. وبعد هجرته إلى المشرق انتقد أيضا سياسة فرنسا في تونس ووالى السياسة العثمانة. وقد ذكر الشيخ أبو يعلي الزواوي في مرحلة أخرى أنه كان ينشر مقالاته في جريدة (البرهان)، التي كان يصدرها الشيخ عبد القادر المغربي. وربما استقطبت هذه الجريدة كتابا آخرين من المهاجرين، مثل الشيخ طاهر الجزائري. وكنا قد ذكرنا جريدة (المقتبس) وجريدة (المفيد)، وكلتاهما صدرت في بلاد الشام واهتمت بشؤون الجزائر وتونس.
وفي حاضر العالم الإسلامي لشكيب أرسلان أن الشيخ عبد العزيز جاويش قد أصدر خلال الحرب العالمية مجلة بعنوان (العالم الإسلامي) وكانت تصدر في ألمانيا. وكان من شركائه فيها عبد الملك بن حمزة. وممن كتب في هذه المجلة الحاج عبد الله الجزائري (وهو اسم مستعار بدون شك) الذي كان يسكن برلين. وفي إحدى مقالاته هاجم الحاج عبد الله الآباء البيض الذين كونهم الكارديال لافيجري وألبسهم لباسا شبيها بلباس المسلمين، وكانوا يدخلون في كل ناد ويتصلون بالعائلات. وكانت الحكومة الفرنسية تتغاضى عن نشاط الآباء البيض وتساعدهم. وقال شكيب أرسلان أن الحاج عبد الله (من خيرة رجال العلم والأدب المتمكنين من اللغة الفرنسوية). ومن رأي الحاج عبد الله أن الآباء البيض عملوا على تفتيت الناشئة والعائلات الإسلامية وخلخلة العقائد بتشجيع من الحكومة الفرنسية التى تزعم أنها غير
стр. 2554
دينية (علمانية)، ومع ذلك كانت تعفي الآباء البيض من بعض العقوبات، وتميزهم عن غيرهم ترغيبا لهم، وقد انتهى الأمر في نظره، إلى أن أصبح الأب ينكر ولده والأخ يهجر أخاه، من فتنة الآباء البيض (١). ولكن مجلة (العالم الإسلامي) ما تزال مجهولة لدينا.
ولا بد من الإشارة إلى جريدة (الحضارة) التي كانت تصدر باسطانبول. وقد تعرض إليها عدد من الكتاب لاهتمامها أيضا بشؤون الجزائر (٢). وكانت قد نشرت مقالات لعمر بن قدور حول التجنيد الإجباري أوائل هذا القرن. ولعل عمر راسم كان أيضا يكتب فيها.
ولكن الجريدة التي أظهرت كثيرا من الاهتمام بتطورات الجزائر هي جريدة (الحاضرة) التي كان يصدرها في تونس علي بوشوشة. وكانت جريدة مهتمة بالقضايا العربية والإسلامية. وقد عاشت أكثر من عشرين سنة (١٨٨٨ - ١٩١١). وكان صاحبها علي بوشوشة من أصول جزائرية كما أشرنا، هاجر جده واستقر في بنزرت، فرارا من الاحتلال الفرنسي. وكان بوشوشة من ذوي الثقافة المزدوجة، وترجم بعض الأعمال من الفرنسية إلى العربية، مثل أطروحة الحكيم محمد بلعربي عن الطب العربي في الجزائر (٣). وكانت الحاضرة تنقل عن الصحف الفرنسية حول الجزائر، ولا سيما تلك التي تطالب بمعاملة الأهالي معاملة إنسانية. وكانت بينها وبين جريدة (المؤيد) المصرية اتصالات، فعن الحاضرة نقلت المؤيد مسألة التجنس.
وأوردت جريدة الأخبار التي كانت تصدر في الجزائر أن صاحب المؤيد الشيخ علي يوسف كان له حديث مع الحاكم العام جونار سنة ١٩٠٢، حول قانون الأهالي، وعزا الكاتب وهو علي زكي، التحويرات التي حدثت في
стр. 2555
القانون المذكور إلى تدخل صاحب المؤيد (١). وقد اهتمت (الحاضرة) بقضية الهجرة من الجزائر واعتبرت البقاء نوعا من المقاومة، وقضية التجنيد الإجباري، وقضية المنفيين إلى الجزر النائية مثل أحمد بومزراق المقراني وأبنائه، وقضية الثقافة العربية التي عملت فرنسا على طمسها، وقضية الأوقاف الإسلامية التي استولت عليها فرنسا وحولتها إلى أملاكها، وقضية التعليم العربي الذي ازدهر قبل الاحتلال، فذوي واختفى بعده، ومسألة حيرة الشبان بين التعليم الفرنسي فقط والتعليم الديني فقط. وقد دعت الجريدة إلى المحافظة على التقاليد العلمية العربية في الجزائر مع نشر العلوم العصرية.
واشتملت الحاضرة أيضا على أخبار الأدباء والكتاب الجزائريين الذين وجدوا فيها مجالا لنشر أدبهم وشعرهم. ومن هؤلاء محمود كحول الذي نشر فيها بعض القطع الشعرية (٢). كما نشر فيها عمر بن قدور بعض شعره. وعلي فخار الذي اعتبرته الحاضرة (من أعيان الجزائر وعلمائهم المتبصرين في المصالح العامة). أي المطلعين على أحوال العالم. واهتمت الحاضرة كذلك بالمؤلفات العربية الصادرة عن الجزائريين. مثل كتاب (إقامة البراهين العظام) الذي ألفه الشيخ محمد بن الخوجة (الكمال) (٣).
وهناك مجلات وجرائد ظهرت في أوروبا اهتمت بأحوال الجزائر والمغرب العربي. وسوف لن نطيل في الحديث عنها هنا لأنها خارجة عن موضوع الجزائر في المشارق والمغارب الذي أردناه، ونكتفي هنا بالتنويه
стр. 2556
بأسماء بعضها لمن أراد الاطلاع والمتابعة. من ذلك (مجلة المغرب) التي صدرت في جنيف سنة ١٩١٦ - ١٩١٩ بإدارة محمد باش حانبة. وقد صدر منها ١٨ عددا، واهتم بها بعض باحثي تونس (١). و (منبر الشرق) التي كان يرأسها علي الغاياتي، وهو شاعر وأديب مصري انتقل إلى جنيف منذ ١٩١٠ بعد أن كان مهددا بالمحاكمة على شعر له كتب مقدمته محمد فريد ولم يرض عنه الإنكليز ولا الخديوي. صدر أول عدد منها في ٥ فبراير ١٩٢٢ وظلت تصدر إلى ١٩٣٧. وقد اهتمت بالقضايا العربية والإسلامية. أما المجلة الثالثة فهي (الأمة العربية) للأمير شكيب ارسلان والتي ظهرت بين ١٩٣٠ - ١٩٣٨، وكانت تصدر بالفرنسية في جنيف. وكانت لها شهرة خاصة ومشتركون في الجزائر (٢).
ويبدو أن جريدة (النذير) كانت مهتمة أيضا بأخبار الجزائر. وكانت تصدر في مصر خلال الثلاثينات (؟). وقد أشار إلى ذلك الشيخ الفضيل الورتلاني، ومن كتابها الأمير مختار الجزائري أحد حفداء الأمير عبد القادر. وقد سبق لنا ذكر مجلتي (الفتح) و (الإخوان المسلمون). ولا بد من ذكر مجلة (الرسالة) لأحمد حسن الزيات. فقد ساهم فيها عدد من الجزائريين مثل محمد السعيد الزاهري ومحمد زروقي، وكانت من المجلات المهتمة بأحوال العالم الإسلامي، خلافا للثقافة والمقتطف (٣) أو الأهرام والهلال.
стр. 2557
مشاركات ورواسب
كان معظم الجزائريين ينتظرون الخلاص من المشرق: من الدولة العثمانية عندما كانت قوية ثم من مصر بعد أن سمعوا بنهضتها وشاهدوا ذلك فيها أثناء حجهم وزيارتهم (١). ومن الناحية الروحية كانوا دائما ملتفتين نحو الحجاز مهبط الإسلام. ولكن الحجاز عندئذ لا يقدم أية مساعدة سياسية أو مادية. وقد كانت الدولة العلوية (المغرب) مصدر قوة وإلهام لبعض الجزائريين قبل أن تغلب على أمرها ويحتل الفرنسيون أراضيها أيضا.
إن أحداث المشرق والمغرب كانت تصل إلى المتعلمين الجزائريين بشتى الطرق رغم الحواجز التي وضعتها السلطات الفرنسية. فمن جهة كانت جريدة (المبشر) الرسمية نفسها تذكر أحداثا، تراها هامة وتلونها بلونها الرسمي، فقد كانت تغطي أخبار الدولة العثمانية والفارسية والأفغانية والمصرية والهندية والمغربية. ومن حرب القرم إلى حروب البلقان، ومن ثورة عرابي باشا إلى حرب طرابلس، ومن إصلاحات السلطان عبد المجيد والدستور العثماني إلى جمعية الاتحاد والترقي، ثم من أحداث الشام (١٨٦٠) إلى فتح قناة السويس، ومن الثورة العربية إلى إلغاء الخلافة الإسلامية ... كل ذلك تحدثت عنه المبشر في قليل أو كثير. فكان الشرق حاضرا في أذهان الجزائريين، وكانوا يتخذون نحوه المواقف والصور.
ومن جهة أخرى كان حديث الصحف المحلية الفرنسية عن الإسلام يثير الجزائريين. ذلك أن كتابات الصحفيين أمثال سيرفييه صاحب جريدة (لاديباش) بقسنطينة عن الخطر الإسلامي، كانت لا تمر بدون تعليق
стр. 2558
عندهم، وكذلك كتابات المستشرقين الفرنسيين ورجال الكنيسة. وفي العهد الأخير (بين الحربين) اهتم جوزيف ديبارمي بتحليل نفسية (الإنسان الأهلي) وردود أفعاله نحو الإدارة الفرنسية ونحو الروابط الروحية واللغوية والتاريخية مع المشرق. وقد نشر ذلك في عدة مجلات وجرائد كانت لا تغيب عن الجزائريين، سيما بعد انتشار التعليم.
ومن جهة أخرى كانت الصلة بين فرنسا وبعض السوريين قوية، فكانت الصحف الفرنسية تنقل أخبار هؤلاء ونشاطهم الأدبي والعلمي سيما بعد حكم إبراهيم باشا لسورية ونهضة الأدب العربي على يد جماعة من اليسوعيين والمبشرين هناك. كما أن الحركة العربية المضادة للعثمانيين نبعت من هذه المنطقة. وظهرت عائلتا اليازجي والبستاني وغيرهما. ومن الأسماء المعادية للعثمانين والمنادية بالقومية العربية يوسف كرم ونجيب عزوري. كما ظهرت المدارس الخاصة المرتبطة بالدول الغربية كفرنسا وأمريكا وروسيا، وكان لكل من هذه الدول تأثيره الثقافي والسياسي في المنطقة. ويجب أن نذكر أنه كان لفرنسا مشروع أخذت تعد له العدة ثم عدلت عنه، وهو توطين المارونيين في الجزائر بعد فتنة الشام سنة ١٨٦٠ (١).
والصورة التي قدمها الإعلام الفرنسي منذ الاحتلال عن مصر تقوم على أن هناك صداقة حميمة بين حكام مصر والفرنسيين. فهناك العلماء الفرنسيون يقدمون خبرتهم للمصريين، والبعثات العلمية المصرية المرسلة إلى فرنسا. بالإضافة إلى أن العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا كانت تقوم دائما، على أنها في أحسن مثال. فالترجمة والتمثيل والموسيقى والصحافة وما إلى ذلك تجد صداها في الإعلام الفرنسي بغزارة. وكان الفرنسيون يتتبعون نشاط المصريين المتخرجين من بلادهم مثل الطهطاوي وطه حسين ومحمد فريد، وينوهون بآثارهم وما هم مدينون به لفرنسا. وقد نالت كتب الشيخ حسن العطار (وهو
стр. 2559
لم يتخرج من فرنسا) وتخليص الأبريز للطهطاوي حظا كبيرا من التنويه (١). كما نوهت الصحف الفرنسية بزيارة إبراهيم باشا لفرنسا. وكان هدف هذه الصحف هو توظيف العلاقات المصرية - الفرنسية في خدمة العلاقات الجزائرية - الفرنسية.
ومن ذلك زيارة الفرقة الموسيقية المصرية للمغرب سنة ١٩٠٥. وكان ذلك حدثا صغيرا لو كانت الأمور عادية. ولكن فرنسا ربطت بين هذا الحادث الصغير وسياستها في المغرب والجزائر، وشكلت صحيفة (الأخبار) شبه الرسمية والناطقة باسم الكولون في الجزائر، ذلك الخبر بشكل يبعث على السخرية. فقد ذكرت أن السلطان المغربي المولى عبد العزيز، قد استقدم الفرقة المصرية لتهدئة الخواطر وتبادل الهموم بين الشعبين المصري والمراكشي وأن هذا السلطان كلف وكيله في مصر ليبعث إليه فرقة مصرية أخرى من الموسيقيين والراقصين والراقصات ليزيل ما علق بخاطره من الهموم على إثر زيارة الامبراطور الألماني ويليام الثاني لطنجة. وقد مرت الفرقة المصرية من تونس إلى المغرب (عبر الجزائر؟) برئاسة الفنان موسى بركات (٢).
ومنذ ١٨٦٩ نشرت (المبشر) مقالة مطولة عن نشأة (الجمعية العلمية السورية) وبرنامجها. وكانت هذه الجمعية قد تأسست بزعامة بطرس البستاني (٣). ولعلها كانت مدعومة من بعض الدول والهيئات الدولية، بينما كانت فرنسا تطرد السوريين من الجزائر إذا ظهر لها أنهم يثيرون الشغب
стр. 2560
ضدها. فقد ذكر لويس رين أن سلطات بلاده قد طردت أحد السوريين سنة ١٨٨١ لأنه جاء إلى الجامع الكبير بالعاصمة (الجزائر) وأخذ يروج لرأي الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف الشافعي في وجوب الهجرة من بلد يتسلط عليه الكفار (١).
...
ومن جهة أخرى كان الجزائريون يشعرون بالحرمان والكبت الثقافي، سيما أولئك الذين يعيشون على التراث العربي الإسلامي والذين اكتشفوا ذلك التراث بعد اليقظة التي بدأت أوائل هذا القرن. كان تلفتههم إلى المشرق تلفت العطشان إلى المنهل العذب. وكانوا يتتبعون أخبار الأدب والثقافة، وتطور الأفكار، ودور الأزهر الشريف، والمعارك بين التجديد والتقليد، أما السياسة الشرقية فكانت لا تهمهم إلا قليلا لأن الدول الكبرى هي التي كانت تحركها، ابتداء من ثورة الشريف حسين والانتدابات، ووعد بلفور وإنشاء الجامعة العربية، والانقلابات. ورغم عقلانيتهم فان الجزائريين كانوا يغارون على الإسلام والعربية، ويشككون أحيانا حتى فيمن كان مخلصا لدعوته في التجديد والتغيير.
وفي هذا الإطار هاجم محمد السعيد الزاهري طه حسين على (شعوبيته) فقد قرأ في جريدة بيروتية اسمها (النداء) أن طه حسين كتب في إحدى الجرائد المصرية أن المصريين خضعوا لبغي وعدوان شعوب متعددة من بينها الفرس واليونان والعرب والفرنسيون والإنكليز. ويبدو أن هذا الخلط في (الشعوب المعتدية) على المصريين قد أدى إلى غضب الشباب العربي في سورية والعراق حتى طالبوا حرق كتب طه حسين، بينما قامت عناصر فرعونية تدافع عنه. وقد دخل الزاهري إلى الميدان أيضا وانتقد طه حسين على شعوبيته، وجعل عنوان مقالته (الدكتور طه حسين شعوبي ماكر). وحكم بأنه كان ضد الإسلام والعروبة وأنه يعرف كيف يتستر عن شعوبيته.