للسمرقندي الذي كانت لديه (والد الجبرتي) نسخة منه. وحاول الحاج الجزائري إغراء الشيخ الجبرتي بشراء نسخته منه، ولكن الجبرتي أبى أن يسمح في نسخته العزيزة عليه. وبعد أن أدى الرجل الجزائري فريضة الحج عاد إلى مصر وحضر لدى الشيخ الجبرتي ومعه رزمة كبيرة من الكتب من بينها نسخة من الزيج المذكور، وقال للجبرتي، وهو يطلعه على النسخة التي اشتراها بالحرمين (أيهما أحسن، نسختك التي ضننت بها أو هذه؟ وكنت لم أرها قبل ذلك، فرأيتها شقيقتها وتزيد عنها في الحسن صغر حجمها وكثرة التقييدات بهامشها) وقد أخبر الحاج الجزائري الشيخ الجبرتي بأنه اشترى نسخة الزيج بعشرين ريالا فقط من كتاب المجسطي وكتاب التبصرة وشرح التذكرة ونسخة البارع وزيج ابن الشاطر (وغير ذلك من الكتب التي لا توجد في خزائن الملوك، وكلها بمثل ذلك الثمن البخس، فقضيت أسفا، فأخذ الجميع، مع ما أخذ، وذهب إلى بلاده) (١).
ورغم أن والد الجبرتي لم يكشف عن اسم هذا الجزائري فإنه يبدو انه كان من العائلات الغنية لأن نفس المصدر تحدث عن خادم معه، كما يبدو أنه كان من العلماء والرياضيين خاصة، وليس من الفقهاء، لأن معظم الكتب المذكورة كتب علمية، ثم إن دخول هذه الكتب إلى الجزائر في أواخر القرن الثاني عشر موضوع يؤكد عناية الجزائريين بالكتب والاستفادة منها. وقد صدق الجبرتي حين قال إن مثل هذه الكتب لا توجد حتى في (خزائن الملوك) لأنها كتب نادرة حقا. ونحب أن نلاحظ أن هذا الحاج الجزائري لم يكتف بما اشتراه من الحجاز بل اشترى كتبا أخرى أيضا من مصر. وهذا ما تشير إليه عبارة الجبرتي (فأخذ الجميع مع ما أخذ) وسنعرف أن من مشاهير الجزائريين الذين حجوا وكانوا بمصر حوالي ذلك التاريخ هم أحمد بن عمار وعبد الرزاق بن حمادوش الذي اشتهر بالطب والرياضيات.
стр. 282
وكانت تركيا والمغرب أيضا من البلدان التي اقتنى منها الجزائريون المخطوطات. فقد ذكر الكاتب الفرنسي لالوي أن المخطوطات التي جمعها بير بروجر من قسنطينة كانت جميلة كثيرا في الشكل والتجليد، وأنها كانت واردة من مصر وتركيا (١). ومن جهة أخرى ذكر ابن حمادوش في رحلته إلى المغرب أنه قد اشترى ونسخ مجموعة من الكتب هناك مع ذكر أثمانها وأسمائه (٢). وهناك كتب وردت مع العثمانيين أنفسهم إلى الجزائر. فالدراويش الذين كانوا يرافقون الجنود أحيانا وكذلك القضاة الذين كانوا يعينون من إسطانبول في بادئ الأمر، كانوا يصطحبون معهم مكتباتهم الخاصة أو على الأقل بعضها. كما أن طائفة من علماء آل عثمان قد زاروا الجزائر، كما سنرى، وحملوا معهم أوراقهم ووثائقهم من إجازات ورسائل وتآليف. وأهم ما جاء الجزائر عن طريق العثمانيين هي كتب الفقه الحنفي ونسخ كثيرة من صحيح البخاري ومختصراته، كمختصر ابن أبي جمرة وكتب الأدعية والأذكار الصادرة عن الطرق الصوفية المزدهرة عندئذ في إسطانبول والمشرق كالبكداشية والمولوية والقادرية. ونفس الشيء يقال عن كتب المغرب الأقصى التي كان يحملها علماء الجزائر الذين درسوا هناك وعلماء المغرب الذين زاروا الجزائر وأقاموا فيها (٣).
٢ - وتختلف طرق اقتناء الكتب ومنها الاستنساخ والنسخ. ذلك أن الحريصين على جمع الكتب كانوا ينسخون الكتب بأنفسهم أو يستنسخون غيرهم، مثل تلاميذهم إذا كانوا أساتذة أو كتابهم إذا كانوا أمراء ومسؤولين. وكان بعضهم يستنسخ الأصدقاء وحتى المؤلفين أنفسهم. وقد شاعت حركة النسخ والاستنساخ في الجزائر حتى أنه كان لها اختصاصيون مشهورون. ومن شروطها جودة الخط وحسن اختيار الورق واتقان صناعة الوراقة والسرعة
стр. 283
والمهارة في التوثيق والدقة في العمل وصحة النظر.
وقد اشتهرت قسنطينة ببعض النساخ والخطاطين حتى قارنهم بعض الكتاب بابن مقلة في حسن الخط. ومن هؤلاء أبو عبد الله بن العطار الذي كان من أسرة شهيرة تولت الوظائف الرسمية في العهد العثماني. وقد عرف العطار بجودة الخط وربما اشتهر به على ابن مقلة. وكان يقصده الخاص والعام في الوثائق والعقود (١). وكذلك اشتهر الشيخ إبراهيم الحركاتي. فقد كان مدرسا بالمهنة، ولكنه اشتهر أيضا بالنساخة وحسن الخط حتى أصبح مشهودا له بذلك (٢). واشتهر محمد الزجاي بالنساخة حتى أصبح له فيها مهارة وطاقة كبيرة. ومن مهارته أنه كان (يكتب ويحدث الجالس بدون كلل ولا زلة قلم) (٣). ولا شك أن الزجاي، الذي سنتحدث عنه في مكان آخر، كان ينسخ الكتب لنفسه. وذكر الورتلاني أن أحمد التليلي كان بديع الخط سريع اليد، وأنه كان ينسخ كراسا من القالب الكبير أثناء السفر. أما يوم الإقامة فكان ينسخ أكثر من ذلك. وأخبر عنه أنه كتب في برقة رحلة الدرعى وكتاب الصباغ عن الملياني (٤)، وجميع ذلك حوالي ستين كراسة. وكان التليلي من علماء الظاهر والباطن. وقد رافق الورتلاني في حجته الأولى سنة ١١٥٣ (٥).
وكان النسخ يتم بالخط الأندلسي الذي قال عنه ابن خلدون إنه قد تغلب على الخطوط الأخرى في المغرب العربي، وهو المعروف اليوم بالخط المغربي. وبالإضافة إلى ذلك جاء مع العثمانيين الخط المعروف
стр. 284
(بالعثماني). وقد جاء ذلك مع أهل العلم الذين حلوا بالجزائر، كما جاء مع الخطاطين المختصين أيضا (١). فقد أخبر محمد خليل المرادي أن المسمى حسينا بن عبد الله الجزائري قد أسهم في إدخال الخط العثماني إلى الجزائر. وكان اسمه الحقيقي دولار، وهو رومي الأصل. وكان عبدا عند سيده الدرويش علي الكاتب القسطنطيني. وكان سيده مشهورا بالكتابة وحسن الخط. وبعد أن أخذ حسين الجزائري عن سيده الكتابة وحسن الخط فر هاربا منه إلى (جزائر الغرب (أي الجزائر) وسمى نفسه حسينا) واشتهر بالجزائري. ثم جاء إلى مصر ومات في القاهرة سنة ١١٢٥. ويهمنا من رواية المرادي قوله بعد ذلك أن حسينا الجزائري قد (اشتهرت خطوطه بين الناس وأخذ عنه الخط أناس كثيرون، وفاق أقرانه وشاع صيته .. له مهارة في صناعة التوريق (٢). ورغم أن المرادي لا يذكر أين حل حسين الجزائري فإن المتوقع منه أن يكون قد حل بمدينة الجزائر. ولعله قد أقام في غيرها من المدن، كما أننا لا ندري المدة التي قضاها في الجزائر ولا التلاميذ الذين تخرجوا على يديه فيها.
وتشير المصادر إلى أنه كان بالجزائر خلال العهد العثماني بعض المشتغلين بصناعة الكتب عموما من وراقة وتجليد ونسخ وخط ونحو ذلك. فقد جاء في (منشور الهداية) أن الطالب محمد النقاوسي كان سمسارا في الكتب في قسنطينة (٣). وفي تلمسان اشتهر علي بن تجيرست بالاشتغال
стр. 285
بالوراقة، كما كان يسمع الحديث في الجامع الكبير هناك. وروى ابن حمادوش عن نفسه أنه كان يشتغل بالكتب بيعا وتجليدا ونسخا في مدينة الجزائر وأنه كان يملك دكانا لهذا الغرض قبالة الجامع الكبير. وكان في الجزائر سوق يدعى سوق الوراقين، ولعله هو سوق القيصرية الذي ذكر حمدان خوجة في (المرآة) أنه كان مخصصا لبيع الكتب وأن النساخين كانوا فيه بكثرة.
ومن أشهر المسؤولين الذين شجعوا على حركة النسخ والاستنساخ الباي محمد الكبير. فقد شجع الطلبة وكتابه الخصوصيين على اختصار الكتب المطولة ونسخ بعض الكتب الأخرى له. وكان يجيز كل واحد منهم بسخاء حسب عمله وجهده. فقد أمر بعضهم بجمع فتاوي العلماء في جوائز الملوك في كرامة (١)، وجمع له بعضهم كلام شارح السلوانية في الباز (٢)، وكلام صاحب التذكرة في أقل من كراسة. وقام مؤلف (الثغر الجماني) باختصار كتاب الأغاني في نحو ثمانين كراسة، وباختصار طب القاموس وزاد عليه من كلام الأطباء، وأمر الباي بعض كتابه أيضا، وهو محمد المصطفى بن زرفة، بتقييد حوادث الجهاد التي كانت تجري بين الجزائريين والأسبان (٣).
وكان الشراء من أهم طرق الحصول على الكتب. ولم يكن ذلك مقصورا على الأغنياء والأمراء ونحوهم بل كان يشمل حتى فقراء العلماء الذين كانوا يؤثرون الكتاب على ملء المعدة واللباس الفاخر والفراش الوثير. وقد كان الشيخ ابن إسماعيل قد اقتنى معظم كتبه، كما لاحظ العياشي، من إسطانبول. وكذلك كان الحاج الجزائري الذي تحدث عنه الجبرتي. فقد بذل النقود، سواء في الحجاز أو مصر لشراء الكتب الثمينة. وإذا كان الشيخ ابن
стр. 286
إسماعيل من أصحاب الثروة فإن ابن حمادوش كان، بدون شك، من فقراء العلماء. ومع ذلك قد بذل ماله لشراء الكتب من المغرب الأقصى، ونسخها بنفسه بعد أن استعارها من أصحابها، ولعله فعل نفس الشيء في رحلاته إلى المشرق أيضا. ونحن نجد أخبارا عن الكتاب وحركته وأخلاق العلماء حوله في كتاب الفكون (منشور الهداية). وقد جاء في وثائق الجامع الكبير بالعاصمة أن المفتي سعيد قدورة (الذي كان أيضا وكيلا لأوقاف الجامع) قد اشترى لمكتبة الجامع كتبا كثيرة من فائض الأوقاف (١). والظاهر أن ذلك كان من الأسواق المحلية. وذكر البطيوي صاحب (مطلب الفوز والفلاح) أن شيخه ابن مريم صاحب (البستان) قد مات على أكثر من ستمائة (٦٠٠) كتاب.
غير أن شراء الكتب لم يكن دائما للاستفادة منها علميا. فقد كانت بعض العائلات تفاخر بها مثيلاتها أحيانا، وكان أشباه العلماء يقتنونها للمباهاة والتشبه بأهل العلم. كما أن بعضهم كان يقتني الكتب للبركة والتعبد، ولا نعرف من تاريخ الجزائر الطويل أيام العثمانيين أن ولاتها كانوا يشترون الكتب أو يستنسخونها لإقامة مكتبات خاصة بهم (باستثناء الباي محمد الكبير) كما كان يفعل أمراء المسلمين في الماضي. ونحن لا نستغرب ذلك من ولاة لا يعرفون لغة البلاد ولا يتذوقون أدبها وفنها، بل كانوا في أغلبهم جهلة لا يعرفون حتى القراءة والكتابة. وكانت العناية بالكتب والتباهي والتقليد في اقتنائها قد شملت أيضا بعض القادة العرب من أهل الريف مثل ابن الصخري، شيخ العرب وقائد الذواودة والحنانشة. فقد ورد في أخبار هذا القائد أن أحدهم قد نسخ كتابا سنة ١٠١٩ (للخزانة العلمية، خزانة أميرنا ومولانا أبو (كذا) عبد الله محمد الصخري) (٢) وتذكر بعض المصادر أيضا أن
стр. 287
الثائر ابن الأحرش (وهو من المغرب الأقصى)، قد حمل معه خزانة كتب الشيخ محمد الزجاي، التي كانت بتلمسان، إلى معسكره في الجبل أيام ثورته ضد العثمانيين (١).
وكان التأليف من الطرق الهامة لنمو المكتبات. وقد كانت حركة التأليف في العهد المدروس، رغم ما قيل فيه وعنه، حية ونشيطة. ولا نكاد نجد عالما إلا وله قائمة قصيرة أو طويلة من المؤلفات في مختلف العلوم المتداولة. وقد تمثل ذلك في الشروح والحواشي والتقاييد والتعاليق والرسائل والفهارس وفي التآليف ذات الأجزاء أيضا. ومن أشهر المؤلفين في هذه الفترة عبد الرحمن الأخضري وأحمد المقري وعبد الكريم الفكون وابن مريم وأحمد البوني وأبو راس وابن حمادوش وقدورة. وكان بعضهم قد ألف كتبه وهو في الجزائر وبعضهم ألفها وهو خارجها لمناسبة جو التأليف في المهجر أو لأسباب أخرى سنعرض لها عند حديثنا عن هجرة العلماء. فقد ألف المقري موسوعته عن تاريخ الأندلس (نفح الطيب) في مصر كما ألف (أزهار الرياض) في المغرب الأقصى. وألف يحيى الشاوي وعيسى الثعالبي وابن حمادوش معظم أعمالهم في الخارج أيضا. كما ألف ابن العنابي كتابه (السعي المحمود) في مصر. ومن جهة أخرى نذكر أن صالح باي، قد أوقف في قسنطينة عددا من الكتب على (المدرسة الكتانية) التي بناها، ولكنه لم يعرف عنه أنه كان يشجع حركة التأليف والنسخ، كما فعل زميله ومعاصره محمد الكبير، بل كان يشتري الكتب الموقوفة من أصحابها وما يزال بعضها يحمل ختمه إلى اليوم (٢).
وكان الحج والرحلة في طلب العلم وراء انتشار حركة التأليف والنسخ واقتناء الكتب. وكان حجاج المغرب الأقصى يتركون آثارهم في الجزائر
стр. 288
ذاهبين وآيبين. فالعياشي تبادل الكتب والكراريس مع علماء الجزائر أثناء مروره بها في القرن الحادي عشر (١٧ م)، كما تبادل معهم ذلك وهم في الحجاز ومصر. ونذكر من هؤلاء العلماء عيسى الثعالبي وعبد الكريم الفكون. أما عبد الرحمن الجامعي فقد ورد على الجزائر بكتبه ومذكراته وأشعاره فشرح رجز المفتي الحلفاوي في فتح وهران الأول (١)، والتقى بعلماء الجزائر أمثال محمد بن ميمون، والمفتي الشاعر ابن علي، والعالم الزاهد أحمد بن ساسي البوني، والفقيه مصطفى الرماصي القلعي. وعندما ورد أحمد الورززي التطواني اجتمع عليه علماء مدينة الجزائر واستمعوا إلى دروسه. ولا شك أنه حمل إلى الجزائر كتبه وبعض كتب غيره أيضا. وقد ألف أبو القاسم الزياني شطرا من تاريخه الكبير أثناء إقامته بتلمسان وكانت معه مكتبته وأدواته في البحث، وألف محمد التواتي مجموعته (كتاب الخبر في معرفة عجائب البشر) الذي استقاه من مصادر الأدب والطرائف عندما كان في قسنطينة ونواحيه (٢).
ومن جهة أخرى كانت تونس معبرا ومدرسة للجزائريين. فهم يتصلون بعلمائها ويتبادلون معهم التآليف والإجازات ونحو ذلك. ومن هؤلاء أحمد بن عمار الذي حل بها سنة ١١٩٥ وألف كتابا في تاريخ علي باي وعلق على بعض أعمال تلميذه إبراهيم السيالة. ونذكر كذلك محمد بن محمود المعروف بابن العنابي الذي تبادل الكتب والشعر مع علماء تونس، وخصوصا
стр. 289
محمد بيرم، سنة ١٢٤٥. وقد ذكر أحمد البوني شيوخه من التونسيين في إجازته التي سنعرض إليها. وأخبر أبو راس عن العلماء الذين لقيهم بتونس أثناء حجتيه، وكذلك فعل الورتلاني. كما ورد على الجزائر عدد من علماء تونس ومعهم مكتباتهم وتآليفهم ورسائلهم، ومن هؤلاء إبراهيم الغرياني وتاج العارفين وأحمد برناز ومحمد الشافعي وحمودة بن عبد العزيز وإبراهيم الرياحي. وقد أوحت مصر والحجاز وسورية والعراق وإسطانبول إلى عيسى الثعالبي وأحمد المقري ويحيى الشاوي بالتأليف. ولولا الرحلة في طلب العلم والحج لما نشطت همم هؤلاء العلماء للتأليف وتغذية المكتبات بإنتاجهم.
٣ - ويمكن تقسيم المكتبات في الجزائر إلى عامة وخاصة. وما دمنا قد أشرنا إلى أن الولاة لم يشجعوا على التأليف ولا على جمع الكتب لأنفسهم، فإن ما يسمى أحيانا بالمكتبات السلطانية أو الأميرية لا وجود له تقريبا في الجزائر العثمانية. فالمقصود إذن بالمكتبات العامة هنا هو تلك المكتبات الملحقة بالمساجد والزوايا والمدارس، والتي كانت مفتوحة للطلبة خصوصا ثم لجميع القراء المسلمين. ولا نتوقع في ذلك العهد وجود مكتبة عمومية أو شعبية أو وطنية بالمعنى الذي نستعمله اليوم. لذلك فإن قول أحد الكتاب بأنه كان في تلمسان مكتبة عامة خلال القرن الحادي عشر (١٧ م) قول محير. ولعله كان يقصد بذلك إحدى المكتبات الملحقة بالمؤسسات المذكورة. فقد كانت الجوامع، وخصوصا جوامع الخطبة، تحتوي على خزائن الكتب الموقوفة على الطلبة والعلماء.
وكانت الكتب بهذه الخزائن تقل أو تكثر تبعا لأهمية الوقف الذي تتغذى منه وتبعا لأهمية الجامع وأمانة الوكيل وضخامة عدد السكان في المدينة المعنية. ومن أشهر هذا النوع من المكتبات مكتبة الجامع الكبير بالعاصمة التي سنتحدث عنها بعد قليل، ومكتبة المدرسة الكتانية التي أسسها صالح باي بقسنطينة، ومكتبة المدرسة المحمدية التي أسسها الباي محمد الكبير في معسكر. ولا نعرف الآن أن إحدى الزوايا قد اشتهرت بمكتبتها شهرة مكتبة الجامع الكبير مثلا. غير أننا لا نشك في وجود ذلك. فقد سبقت
стр. 290
الإشارة إلى مكتبة زاوية الشيخ التازي بوهران، رغم أنها كانت قبل مجيء العثمانيين. كما أن صاحب كتاب (القول البسيط في أخبار تمنطيط) تحدث عن وجود كتب كثيرة في الزاوية البسكرية بتوات (١). وكانت زاوية القيطنة تحتوي على كتب كثيرة أيضا. وهي الكتب التي تثقف منها الأمير عبد القادر. ولا شك أن مدرسة مازونة وزاوية آقبو وزاوية الخنقة وغيرها كانت تضم مكتبات يطالع منها الطلبة والأساتذة.
أما المكتبات الخاصة فكثيرة وليس من السهل حصرها. غير أن بعض العائلات قد اشتهرت، لطول عهدها بالنفوذ، بالمكتبات دون الأخرى. فعائلة الفكون بقسنطينة كانت لها مكتبة ضخمة أصبحت مضرب الأمثال بعد الاحتلال الفرنسي، وهي المكتبة المعروفة باسم حمودة الفكون الذي كان موجودا عند دخول الفرنسيين قسنطينة. وكان لأبي راس مكتبة كبيرة حبسها عليه أحد بايات وهران وسماها (بيت المذاهب الأربعة). وذكر الورتلاني أنه كان لوالده (خزانة (كتب) عظيمة بحيث لا توجد عند غيره) (٢). وكنا قد أشرنا إلى خزانة كتب الزجاي التي قيل إنها (إحدى الخزائن الكبار التي تحتوي على أحمال من المجلدات والأسفار) (٣). كما سبقت الإشارة إلى مكتبة شيخ العرب ابن الصخري الذي يظهر أنه كان يشجع على نسخ الكتب أيضا. وقد ذكر العياشي أن مكتبة الشيخ محمد بن إسماعيل بتكورارن كانت تحتوي على حوالي ألف وخمسمائة تأليف (٤).
ولما كانت السيادة في العهد العثماني للعلوم الدينية فإن محتوى المكتبات كان أغلبه لا يخرج عن هذه العلوم. فكثرتها كانت من كتب التفاسير والقراءات والأحاديث النبوية وشروحها وكتب الفقه والأصول
стр. 291
والتوحيد ونحو ذلك. ولكن العلوم اللغوية والعقلية الأخرى كان لها أيضا حظ في هذه المكتبات. فقد اشتهرت مدارس النحو بزواوة وخنقة سيدي ناجي. ومع النحو يأتي الأدب واللغة والصرف والبلاغة والعروض. أما التاريخ والجغرافية والفلسفة والمنطق فقد كانت في درجة أقل من الذيوع. ولا شك أن كتب الحساب والفلك والطب وأمثالها كانت أقل من القليل، غير أن تآليف ابن حمادوش العلمية وقصة الحاج الجزائري التي أوردها الجبرتي ثم تقارير العلماء الفرنسيين إثر الاحتلال عن مكتبات الجزائر - كل ذلك يدل على أن هذه المكتبات كانت غنية بجميع أنواع المعارف المذكورة، رغم وفرة الكتب الدينية فيها (١).
وكان وقف الكتب يتم بنفس الطريقة التي تتم بها الأوقاف الأخرى. فالواقف عادة ينص على أن الكتاب موقف في سبيل الله على طلبة الجامع أو الزاوية أو المدرسة التي يوجد فيها. كما ينص على منع إخراج الكتب من المؤسسة الموجود فيه (٢). وكان الواقف أيضا يضع، بعد عبارات الوقف الشرعية، ختمه الذي يحمل تاريخ الوقف وخطه الشخصي. وقد وجد الباحثون في مكتبات قسنطينة عددا من الكتب عليها عبارات توقيف وختم صالح باي والقاضي الحنفي محمد العربي بن عيسى. وغالبا ما كان الوكيل يضع ختمه إلى جانب ختم الوقف. وقد عرفنا أيضا أن الباي محمد الكبير قد أوقف مكتبة على جامعه الأعظم .. ولكن وقف الكتب، بالقياس إلى الأوقاف الدينية والاجتماعية الأخرى، كان ضئيلا وكان يقوم في الغالب على وقف الكتاب المفرد، ويشترك في وقف الكتاب بعض العامة الذين يجهلون حتى محتواه، ولكنهم كانوا يشترونه ويوقفونه تقربا إلى الله، فالكتاب في نظرهم كان مجرد صدقة. وعلى هذا النحو كان كثير من الكتب الموقوفة لا يخرج عن الحديث والفقه والمصاحف وكتب الدعاء والصلوات. وقد وجدنا
стр. 292
في وقفية مسجد محمد بن يوسف السنوسي في تلمسان الكتب التالية (١):
١ - نسختان من صحيح البخاري.
٢ - شرح الشبرخيتي على مختصر خليل فى أربعة أجزاء.
٣ - شرح الخرشي على مختصر خليل أيضا، الجزء الأول منه.
٤ - تنبيه الأنام في جزئين.
٥ - نسخة من سيرة السنوسي للملالي (وهو المواهب القدسية في المناقب السنوسية).
٦ - نسختان من الشيخ العروسي في سفرين (٢).
كما وجدنا أن السيدة فاطمة بنت ابن جبور قد أوقفت على مسجد الغريبة بتلمسان أيضا.
١ - نسخة من تأليف الجوزي.
٢ - نسخة من تأليف السيوطي.
وكلاهما في أحوال الآخرة (٣). كما أن الباي محمد الكبير قد أوقف نسخة من صحيح مسلم وغيره من الكتب على مدرسة مازونة سنة ١٢١٢ (٤).
٤ - ولكن مصير المكتبات كان غير آمن. فقد ضاع أو تلف كثير منها بالحروب والأوبئة والنهب والتهريب والإهمال. فالحروب التي وقعت بين الجزائريين والأجانب، وبين الجزائريين والعثمانيين والحروب القبلية، ونحوها، قد أدت إلى بعثرة الكتب وسوء التصرف بالمكتبات. من ذلك مكتبة ابن الصخري التي أشرنا إليها والتي تلفت نتيجة حروب عائلته ضد الأتراك، ومكتبة الزجاي وغيره التي تبعثرت نتيجة حرب درقاوة وفتنة ابن
стр. 293
الأحرش، وقد قال صاحب كتاب (إتمام الوطر) إن خصوم الشيخ الزجاي قد دفنوا كتبه في الثرى. كما عانت مكتبة الشيخ أبي راس أو بيت المذاهب الأربعة (١). ومكتبة أحمد بن سحنون وأوراقه (٢). وعندما تعرضت مدينة الجزائر إلى القصف من أسطول إحدى الدول الأوروبية اضطر إلى نقل مكتبة الجامع الكبير إلى قلعة مولاي حسن، بعيدا عن القصف، وكان النقل يتم بواسطة الجمال لمدة ثلاثة أيام. وكانت الكتب تنقل في الغراير (٣). ولا شك أن نقلها على ذلك النحو قد أضر بالكتب كما أنه أدى إلى تفريقها في الأيدي أيضا.
وكان الإهمال والنهب والوباء من أقسى ما أصاب الكتب أيضا. فقد روي أن الحاج أحمد قدورة وكيل ومفتي الجامع الكبير بالعاصمة كان مهملا لمكتبة الجامع، مما سمح لبعض العلماء بأخذ الكتب منها إلى بيوتهم وبيع بعضها خارج الجزائر. وقد تحدث ابن المفتي الذي وصف طابع وحياة العلماء خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر (١٧ م و ١٨ م) أنهم وجدوا عند الشيخ محمد بن ميمون، بعد وفاته، أكثر من أربعين كتابا من مكتبة الجامع الكبير. كما أخبر أنهم وجدوا عند الشيخ الطاهر بن الماروني عددا من الكتب التي أخذها من هذه المكتبة. وعند وفاة ابن الماروني أخذ ابنه الكتب إلى تونس وباعها وقبض ثمنها هناك. كما أخذ الشيخ عبد القادر بن الشويهت وعبد الرحمن المرتضى وابنه وغيرهم كمية أخرى من مكتبة الجامع. وهكذا تفرقت مكتبة الجامع الكبير نتيجة الإهمال وضعف الضمير. ومع ذلك أخبر ابن المفتي أن هذه المكتبة كانت على عهده (سنة ١١٥٣)
стр. 294
تحتوي على حوالي ثلاثمائة مجلد، وذلك بفضل محاولات بعض المفتين، أمثال محمد بن المبارك، صيانتها وتجديدها وتعويض المفقود منها. ومن جهة أخرى أخبر الورتلاني أن خزانة كتب والده التي قال عنها إنها كانت عظيمة وأن غيره لا يملك مثلها، قد ضاعت عند حدوث الوباء (١).
وبالإضافة إلى ذلك كان بعض أصحاب المكتبات يوصون بحمل مكتباتهم، بعد وفاتهم، إلى خارج الجزائر، كالمدينة المنورة. فقد حكى العياشي أن الشيخ محمد بن إسماعيل المذكور سابقا قد أوصى أن تحمل مكتبته إلى الروضة النبوية مع جثمانه، وأوصى كذلك بثلاثمائة دينار إلى من يحمل الجثمان. ولكن المكتبة قد عانت في الطريق قبل أن تصل إلى المدينة. فقد حملت إلى القليعة (المنيعة) تهريبا لها من متولي بلدة تكورارن الذي كان ينوي أخذ المكتبة إليه، وظلت في القليعة سنوات إلى أن أخذها علي بن الشيخ الحفيان معه إلى الحج. وقد ضاع منها الكثير، كما يقول العياشي أيضا، في الطريق. فبعد أن كانت المكتبة تحتوي على ألف وخمسمائة مجلد لم يصل إلى المدينة المنورة إلا حوالي مائة وسبعين كتابا فقط. وهو العدد الذي رآه العياشي في المدينة (٢).
ولعل أقسى تجربة مرت بها المكتبات هي التي عرفتها من الاحتلال الفرنسي وما رافقه من حروب وما نتج عنه من تخريب ومن هجرة كبار العلماء والأغنياء إلى الخارج مع بعض كتبهم ووثائقهم. وقد روى الفرنسيون أنفسهم قصصا مثيرة عما وقع لمكتبات قسنطينة ومعسكر وتلمسان وغيرها. والذي يطلع على تقارير بيروبروجر وديسلان المعاصرين للاحتلال ثم كتابات شارل فيرو ولالوي وأضرابهما يصاب بالاندهاش والصدمة والأسف. كما أن الذي يعرف ما وقع لمكتبة الأمير عبد القادر أثناء حادثة الزمالة لا يستغرب ما وقع لمكتبة الشيخ حمودة الفكون وباش تارزي في قسنطينة، ثم ما وقع
стр. 295
لمكتبات الجامع الكبير وغيره من المساجد في هذه المدينة وفي معسكر وتلمسان وبجاية والعاصمة وعنابة، ومكتبات الزوايا ثم المكتبات العائلية في مختلف أنحاء القطر. وقد نفي المفتي ابن العنابي، من العاصمة فحمل معه بعض كتبه إلى مصر، وهي لا تزال إلى الآن تحمل ختمه وخطه. كما هاجر الشيخ الصديق بن يحيى من نواحي قسنطينة إلى تونس ومعه (كل الوثائق التاريخية) (١).
أما الكتب التي أرسلها الجنود الفرنسيون هدية إلى مكتباتهم المحلية في فرنسا فلا حصر لها (٢). وبعد حوالي خمسين سنة من الاحتلال وجد السيد فانيان بقايا مكتبة الشيخ الفكون، التي كان يضرب بها المثل في الكثرة والتنوع والصيانة، تباع كما قال (بطريقة مؤسفة) وهي طريقة ميزان الورق القديم، وذلك حين اضطر بعض المدانين من العائلة إلى بيع كمية ضخمة من الكتب بثلاثين فرنكا فقط، أما الباقي فلا حديث عنه، كما يقول فانيان (٣). ولكن الحديث عن مصير المكتبات بعد ١٢٤٦ (١٨٣٠ م) يعود إلى مرحلة أخرى من هذا الكتاب، أي الأجزاء الخاصة بالعهد الفرنسي إن شاء الله.
٥ - وقبل أن نطوي هذه الصفحات عن المكتبات نود أن نعرض إلى محتويات بعضها أثناء العهد العثماني لنعرف من خلال ذلك نوع الثقافة السائدة في البلاد. ذلك أن معرفة نوع الكتاب ومدى انتشاره تساعد على الكشف عن حقيقة الحياة العلمية في البلد المعني. وقد أخبرت التقارير الفرنسية المكتوبة غداة الاحتلال أن أهم المكتبات العامة في قسنطينة كانت في المساجد والزوايا وأن أشهر المكتبات الخاصة هي مكتبة الشيخ
стр. 296
الفكون ومكتبة باش تارزي ومكتبة ابن عيسى. وكان بيروبروجر قد رافق الحملة على قسنطينة وأخذ يجمع المخطوطات من المساجد وغيرها، ومن أيدي الجنود، بل حتى من الشوارع، وقد جمع حسب التقارير ما يزيد على ثمانمائة مخطوط وعاد بها إلى مدينة الجزائر. ولكن قبل أن تصل إلى هناك ضاع منها الكثير في الطريق أيضا. ومن بين هذه المخطوطات مجموعة من الكتب للرياضيين الإغريق ومجموعة أخرى من علوم الفلسفة والطب وغيرها استفاد منها الفرنسيون فائدة عظيمة (١).
وعلى إثر الحملة على قسنطينة جاء المستشرق البارون ديسلان وكتب تقريرا عن محتوى الكتب التي حملها بيروبروجر معه إلى مدينة الجزائر، وعن محتوى مكتبة الشيخ حمودة الفكون في قسنطينة. وقد وضع ديسلان قائمة ببعض ما رآه هو هاما من المخطوطات:
١ - كتاب الجمان في مختصر أخبار الزمان للشطيبي الأندلسي (٢).
٢ - شرح (بانت سعاد) لابن هشام.
٣ - الحماسة مع شرح أبي علي.
٤ - المعلقات السبع للتبريزي.
٥ - المستملح من التكملة (حياة مشاهير الأندلسيين، لعلها تكملة ابن الأبار).
٦ - الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية للمناوي.
٧ - مقامات الحريري.
٨ - شرح مختصر خليل للخرشي.
٩ - الزهرة النيرة (تاريخ خير الدين) (٣).
стр. 297
١٠ - ميزان الشعراني عن المذاهب الأربعة.
١١ - المؤنس في أخبار إفريقية وتونس للقيرواني (١).
١٢ - نفح الطيب للمقري.
١٣ - مروج الذهب للمسعودي.
١٤ - فتح الحصون السبعة (قصة تاريخية عن فتح العرب لإفريقية).
١٥ - الصحاح للجوهري.
١٦ - القاموس المحيط.
١٧ - شرح شواهد المغني للسيوطي.
١٨ - كتاب التكمل في شرح المفصل (في النحو) للزمخشري.
١٩ - جغرافية الإدريسي.
٢٠ - كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج لأحمد بابا.
٢١ - فضائل الشيخ يعقوب الدهماني.
٢٢ - كتاب الأغاني الكبير للأصفهاني (نقله الهاشمي محمد بن محمد بن حوا للباي محمد سنة ١٢٠١) (٢).
٢٣ - مجموعة شروح في الحساب.
٢٤ - شرح ابن الهيثم عن إقليدس وشرح آخر عنه للجياني.
٢٥ - مقالة النسبة والتناسب لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم، ومقالة أخرى في شرح النسب وأخرى في الشكل الملقب بالقطاع، ورسالة في البركار وكيفية التخطيط به، وعدة مقالات عن أولوطقيوس، ومقالات في التنجيم والأرصاد.
٢٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر (مجد الدين مبارك ابن الأثير).
٢٧ - ديوان امرئ القيس.
٢٨ - يتيمة الدهر للثعالبي.
стр. 298
٢٩ - الإبريز المسبوك للأربيلي.
٣٠ - كتاب الأنس الجليل للحنبلي.
٣١ - سراج الرواة للسيوطي.
٣٢ - الأمثال للميداني.
٣٣ - تاريخ بني عباس (العباسية) لمجهول (؟).
٣٤ - بيان ملوك الجزائر (١).
٣٥ - الإنشاء للحنبلي.
٣٦ - فتوح إفريقية (للواقدي؟).
٣٧ - تاريخ الطبري.
٣٨ - التذكرة للمقرزي (٢) الخ.
وفي نفس الوقت ذهب ديسلان إلى قسنطينة غداة احتلالها واطلع فيها على مكتبة حمودة الفكون وكتب تقريرا عن بعض محتواها الذي تمكن من الاطلاع عليه. وقد أخبر أنه ظل يشتغل في هذه المكتبة خمسة أسابيع للاطلاع على (أهم) مخطوطاتها فوجدها تحتوي على أكثر من ألفين وخمسائة مجلد كلها في حالة جيدة (٣)، وأنها تضم كتبا يعتقد أنها ضاعت
стр. 299
منذ زمن طويل. وقد لاحظ ديلان أن أكثر ما في المكتبة من كتب الفقه والدين موزعة على النحو التالي: أكثر من خمسين كتابا في الفقه والعقيدة، ثلاثون في التوحيد، ثلاثمائة في الحديث، أحد عشر في مصطلح الحديث، مائة وثلاثون في علم القرآن، ثلاثمائة في فقه المذاهب الأربعة، أربعون في التصوف، وهلم جرا. أما الكتب التاريخية والأدبية والعلمية فقد ذكر منها ديسلان بعض العناوين التي ننقلها هنا لنفس الغرض، وهو الاطلاع على محتوى بعض المكتبات. وهذه الكتب وأمثالها هي التي كانت تغذي الحياة العقلية للشبان الجزائريين.
١ - تاريخ الدولة العثمانية (لم نعرف لمن هو).
٢ - وفيات الأعيان لابن خلكان.
٣ - شرح لامية العجم للصفدي.
٤ - نفح الطيب للمقري.
٥ - سراج الملوك للطرطوشي.
٦ - رحلة العبدري.
٧ - حسن المحاضرة للسيوطي.
٨ - جغرافية ابن الوردي.
٩ - الطبقات للذهبي.
١٠ - تاريخ سورية للواقدي.
١١ - رجال بجاية: الهداية في رجال بجاية (١).
стр. 300
١٢ - ذيل الديباج (نيل؟).
١٣ - التاريخ القسي.
١٤ - أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (للمقري).
١٥ - حياة أحمد بن عروس (١).
١٦ - نظم الدرر (كذا) للتنسي (٢).
١٧ - سلافة العصر.
١٨ - فاكهة الخلفاء.
١٩ - ديوان ابن حزم.
٢٠ - ديوان ابن عربي.
٢١ - ديوان الخفاجي.
٢٢ - ديوان نور الدين (كذا؟).
٢٣ - الحماسة.
٢٤ - ديوان ابن خفاجة.
٢٥ - شرح مقامات الحريري.
٢٦ - شرح ابن نباتة عن ابن زيدون.
٢٧ - تاريخ ابن الجوزي.
٢٨ - الإنشاء لأبي المطرف.
٢٩ - ديوان ابن أبي الوفاء (؟).
٣٠ - السلوانية (٣).
٣١ - شرح التبريزي على المعلقات.
стр. 301
٣٢ - ديوان علي بن أبي طالب.
٣٣ - قصيدة ابن الوردي.
٣٤ - الصحاح للجوهري.
٣٥ - المزهر للسيوطي.
٣٦ - شرح ابن القوطية (في الأفعال، نحو).
٣٧ - معجم البلدان الكبرى.
٣٨ - العقد الفريد لابن عبد ربه.
٣٩ - تاريخ ابن الأثير (عز الدين علي بن محمد).
٤٠ - النهاية لابن الأثير (مجد الدين مبارك).
٤١ - ستون كتابا في النحو منها ألفية ابن معطي (١).
٤٢ - ستة مجامع ضخمة في الحديث (٢).
وأثناء نفس الرحلة تحدث ديسلان عن مكتبة باش تارزي بقسنطينة وغيرها من المكتبات. فقال عن مكتبة باش تارزي إنها أقل أهمية من مكتبة الفكون ولكنها كانت تضم أكثر من خمسمائة مخطوط، أغلبها كما قال، في الفقه والدين. وذكر أنه وجد فيها كتابين نادرين، هما معارف ابن قتيبة وشرح ابن نباتة على ابن زيدون. وقال إنه لو لم يكن يعرف أن منها نسختين في ليدن لنسخها (٣)، لأنها في نظره من الكتب النادرة. وقال إن في قسنطينة
стр. 302
مكتبتين أخريين خاصتين ولكنه لم يسمهما. ولاحظ أنهما أيضا تحتويان على الكتب الدينية في الغالب. أما عن خارج قسنطينة فقد ذكر أن الناس قد أخبروه أن في البادية مكتبات تحتوي كل منها على أكثر من خمسمائة كتاب. ولكنه أبدى حولها نفس الملاحظة، أي أنها كتب دينية. وأخبر ديسلان أن وفدا من تقرت قد حضر، وهو في قسنطينة، وأخبروه أن في تقرت كتبا غزيرة وأنه يمكنه الاطلاع عليها. ورغم أنه لم يذهب إلى هناك فإنه لاحظ أن محتواها لا يخرج في نظره عن الدين (١).
وفي سنة ١٨٣٦ م كتب ادريان بيروبروجر إلى صديقه وأستاذه شامبليون فيجياك يخبره عن مغامرته في تلمسان ومعسكر لجمع المخطوطات العربية. فقال إنه تنكر في زي عسكري ورافق الحملة إلى معسكر لأنه قد سمع أن في تلمسان ومعسكر مكتبات تحتوي على مخطوطات (كثيرة جدا، بعضها عظيم الأهمية)، كما أخبره أنه قد جمع عددا كبيرا من المخطوطات (الشرقية) من معسكر وعاد بها إلى مدينة الجزائر في صندوق حمله على ظهر جمل. وفي الطريق مات له الجمل وضاعت الكتب ولم يحمل منها إلا ما رآه نادرا جدا واستطاع حمله على حصانه.
أما حظه في تلمسان فقد كان أحسن، حسب تعبيره. فقد جمع منها ومن ضواحيها (أكثر من مائتي مخطوط في مختلف الموضوعات) كما كان حسن الحظ أيضا في حملها إلى مدينة الجزائر إذ استطاع نقلها في سفينة بخارية من وهران. ولكنه لم يذكر كيف نقلها من تلمسان إلى
стр. 303
وهران (١). وكنا ذكرنا أن حركة الكتاب قد ازدهرت في معسكر أيام محمد الكبير. أما في تلمسان فقد كانت مركز كتب منذ عهد الزيانيين، وخلال القرن الحادي عشر تحدث بعضهم عن وجود مكتبة عمومية بها، كما سبق، تقع في وسط المدينة، وكانت قد جمعت من مختلف نواحي البلاد بأمر من أحد الأمراء، ووضعت ليستفيد منها الطلبة والعلماء (٢).
ونحب أن نختم هذا الحديث عن المكتبات بالإشارة إلى أهمية بعض المكتبات الريفية المتفرقة في أنحاء البلاد. ولا بد لنا من التنويه بمكتبات ميزاب التي كانت بني يزقن بالخصوص شهيرة بها والتي حافظ عليها أصحابها كعائلتي الثميني وأطفيش، بكل غيرة وعناية. وقد كانت توات، ولا سيما الزاوية البكرية وقصر ملوكة، مركزا هاما لحركة الكتاب في الجزائر الغربية والجنوبية. وكذلك كان الحال بالنسبة إلى مكتبات زواوة وبجاية وورقلة والخنقة الخ. وقد سبق حديث العياشي على بعضها. ومن يقرأ الدرعي والورتلاني والجامعي يدرك
أهمية هذا الموضوع وهو وفرة الكتب في الجزائر حتى في المناطق النائية، كما يدرك أن الشعب الذي حافظ على كل ذلك القدر من المكتبات كان شعبا على درجة كبيرة من التحضر خلافا لما زعمه الفرنسيون بعد احتلالهم للجزائر.
غير أن المكتبات ليست إلا وسيلة لنشر التعليم وشحذ أذهان العلماء والمدرسين. فكيف كانت حركة التعليم خلال العهد العثماني؟ وما كان نشاط العلماء، وخصوصا في ميدان التدريس؟ هذا ما سنحاول أن نتحدث عنه في الفصل التالي.
стр. 304
الفصل الرابع
التعليم ورجاله
стр. 305
كان التعليم، وما يزال، الأساس الحقيقي لكل ثقافة، ولأي تقدم في المجتمع الإنساني. وقد تحدثت المصادر كما لاحظنا، عن انتشار التعليم بالجزائر خلال العهد العثماني انتشارا طيبا حتى غطى المدينة والقرية والجبل والصحراء، وقد تحدثتا في الفصل السابق عن المورد الرئيسي للتعليم وهو الأوقاف وعن مؤسساته من كتاتيب ومساجد ومدارس وزوايا وعن بعض وسائله الهامة كالمكتبات. وفي هذا الفصل نحب أن نتناول التعليم من نواحيه العلمية والفنية المحضة كسياسة الدولة والمجتمع نحوه، والوسائل التي استعملت لتنفيذه والمناهج التي اتبعت في التدريس والأهداف التي كان يرمي إليها، ثم ننهي ذلك بدراسة لحياة ونشاط بعض الأساتذة الذين قضوا حياتهم في التعليم وتخريج أجيال من التلاميذ.
سياسة التعليم
وهل يمكن أن نتحدث عن (سياسة) الدولة نحو التعليم في العهد العثماني؟ لقد عرفنا منذ البداية أن الدولة لم يكن لها أي دخل في هذا الميدان. فلم يكن في الحكومة الجزائرية عندئذ وزير لشؤون التعليم ولا مدير أو وكيل أو نحو ذلك من الوظائف الرسمية. لقد كانت هموم الدولة عندئذ منحصرة في المحافظة على الاستقرار السياسي والدفاع عن الحدود وجمع الضرائب لبيت المال (الخزينة). ولم تكن هذه المداخيل وغيرها تستعمل في نشر التعليم وترقيته وتنميته الثقافية وتنشيطها ولكن في أجور الجنود كثيري القلاقل والثورات. وفي المعدات الحربية، وخصوصا البحرية، وفي توزيع الهدايا والعطايا على السلطان العثماني وموظفي دولته من جهة وعلى موظفي ومحظوظي الأوجاق في الجزائر. ولم تكن هموم الدولة بأية حال منصرفة
стр. 306
إلى تطوير المجتمع اقتصاديا وثقافيا ولا إلى تربية الشعب سياسيا. وإذا فعلت شيئا من ذلك أحيانا فعن طريق الدين، وهذا يعني أن رجال الدولة كانوا أحيانا يلتفتون إلى المشاريع الدينية والخيرية فيبنون جامعا أو كتابا لتعليم القرآن أو ينشؤون زاوية لأحد الأولياء الصالحين، ثم يوقفون على ذلك أوقافا لحفظه وصيانته، فإذا نص في الوقفية على منح جزء منها لأحد المدرسين فإن التعليم الذي ينشره كان نابعا من الشعور الديني والخيري عند الواقف وليس غيرة منه على تجويد التعليم وترقية المجتمع. وقد عرفنا أن كثيرا من الأوقاف لا شأن لها بالتعليم أصلا.
فالجواب على السؤال السابق إذن واضح، وهو أنه لم يكن للسلطة العثمانية في الجزائر سياسة للتعليم. ولعل الصحيح في هذا الصدد أن نقول إنه كان لهذه السلطة سياسة وهي عدم التدخل في شؤون التعليم. فإذا انتشر التعليم فالأمر لا يعنيها وإذا تقلص فالأمر كذلك لا يعنيها. حقا إن هناك استثناء لهذا الحكم في محاولة بعض البايات مثل محمد الكبير وصالح باي، ولكن هذه المحاولة كانت أولا فردية ولا تقوم على خطة مدروسة، وكانت ثانيا لا تخرج في محتواها عما قلنا، من تبعية التعليم للدين حتى عند هذين الرجلين، فالمدارس التي أسساها كانت تابعة للمساجد والكتب التي حبساها كانت تلبية للشعور الديني عندهما وليس للشعور العلمي. ومن جهة أخرى كانت محاولتهما قصيرة الأمد فلم تثمر، وكانت تهدف إلى جلب الشهرة والمدح، ولا سيما عند الباي محمد الكبير. فهو الذي رسم هالة حول نفسه فجمع بعض الأدباء والشعراء والكتاب والمخلصين له، وهو الذي أرسل بالمال إلى بعض علماء المغرب والمشرق طلبا للثناء والسمعة كما فعل مع محمد مرتضى الزبيدي، وهكذا لم تكن خدمة التعليم هي الهدف الرئيسي عند هذين البايين أيضا.
كان التعليم إذن خاصا يقوم على جهود الأفراد والمؤسسات الخيرية. ويدخل في هذا العموم رجال الدولة أيضا ولكن كأفراد. فالآباء هم الذين كانوا يسهرون على تعليم أطفالهم، إما امتثالا لحث الدين على التعليم، وإما
стр. 307
لأن الأطفال في سن معينة لا يحتاجهم أهلهم في العمل، وإما لأن مهنة التعليم والقضاء والإفتاء وما إليها كانت وراثية في الأمرة، وإما لأن التجارة والحرف الأخرى تقتضي معرفة بالحساب ونحوه. وقد يكون شعور الآباء نحو التعليم منطلقا من هذه العوامل كلها، كما ينطلق من تقاليد الجزائريين الراسخة وهي احترامهم للإنسان المتعلم وتقديرهم للعلم في حد ذاته. ولعل كون العثمانيين في أغلبهم عزابا وكون رؤسائهم في أغلبهم حديثي عهد بالإسلام قد جعلهم لا يهتمون بتعليم الأطفال في الجزائر لأنهم كانوا في جملتهم بدون أطفال، كما أن الاضطرابات السياسية قد جعلت مشاركتهم في نشر التعليم بين أطفال المسلمين أمرا ثانويا. ومهما كان الأمر فإن الأسرة الجزائرية المسلمة هي التي كانت تتحمل أعباء التعليم، فالآباء، ولو كانوا فقراء، كانوا حريصين على إرسال أبنائهم إلى الكتاب وتعلم المبادئ العامة وحفظ القرآن. وكثيرا ما كان ذلك عن طريق التنافس أيضا لأن الجيران كانوا يتنافسون على الخير، كما يوصي الدين، وهو هنا تعليم أبنائهم ومباهاة بعضهم البعض بذلك، وقد كانت الأوقاف والصدقات والنفقات الخاصة هي التي تتكفل بتغذية التعليم وليس ميزانية الدولة.
وكان أساس التعليم هو الدين، فحفظ القرآن الكريم كان عمدة التعليم الابتدائي، ومعرفة بعض علوم القرآن كان عمدة التعليم الثانوي والعالي أيضا. ولم يكن تعلم القراءة والكتابة إلا تابعا لحفظ القرآن، كما أن تعلم بعض العلوم العملية كالحساب كان يهدف أيضا إلى غرض ديني بالدرجة الأولى وهو معرفة الفرائض وقسمة التركات بين الورثة. وعلى هذا الأساس كانت معظم أجور التعليم من الأوقاف، ذلك أن أجرة المعلم لم تكن كأجرة العامل في الحدادة أو النجارة مثلا ولكنها كانت نوعا من الصدقة والإحسان إرضاء للمشاعر الخيرية عند الفرد المسلم، فالمعلم كان، في نظر الدولة والمجتمع، يقوم بخدمة الدين، ومن ثمة كان يستحق أيضا العطايا ذات الطابع الديني كالصدقات وبعض غنائم الجهاد وضرائب أهل الذمة.
وهناك أحكام مختلفة على موقف العثمانيين من التعليم في الجزائر،
стр. 308
فإذا حكمنا من شكوى بعض العلماء ومن ملاحظات بعض الرحالة المسلمين والكتاب الأوروبيين وجدنا صورة التعليم عندئذ كالحة وغير سارة. فبالإضافة إلى كون العثمانيين لم يسنوا سياسة لتشجيع التعليم فإنهم كانوا يستولون على الأوقاف المخصصة له من قبل أهل الخير، ويستعملونها في أغراض أخرى، كما أنهم كانوا يتغاضون عن الوكلاء والعلماء الذين يأكلون أموال الأحباس ظلما. وإن الذي يقرأ كتابا مثل (منشور الهداية) لعبد الكريم الفكون ورحلة الورتلاني و (عجائب الأسفار) لأبي راس وبعض آثار أحمد بن ساسي البوني، سيجد أمثلة كثيرة على عدم التزام العثمانيين بقواعد الدين نحو الأوقاف، كما أن من يطالع كتابات الرحالة والكتاب الأوروبيين أمثال توماس شو، وبانانتي أو كتابات الفرنسيين المتأخرين (ألفريد بيل، شارل فيرو، مارسيل ايمريت الخ) سيجد منهم أحكاما قاسية على موقف العثمانيين من التعليم. فقد شكا أبو راس في أوائل القرن الثالث عشر من سوء أحوال العلم والتعليم في وقته، رغم أنه كان يعيش عصر الباي محمد الكبير المشار إليه، قائلا: (في زمن عطلت فيه مشاهد العلم ومعاهده، وسدت مصادره وموارده، وخلت دياره ومراسمه، وعفت أطلاله ومعالمه) (١). أما شو الإنكليزي فقد أرجع موقف العثمانيين من التعليم إلى طبيعتهم الحربية وأمزجتهم غير المستقرة وإلى اهتمامهم الكبير بالمال والتجارة (٢).
ولكن هذه الصورة تتغير عندما نتأمل حالة التعليم لدى الجزائريين أنفسهم. ذلك أن كثيرا من المصادر قد تحدثت عن انتشار التعليم في الجزائر خلال العهد العثماني وعن استعداد الشعب للتعلم وحبه للعلم واحترامه للمعلمين، فشو نفسه قد نوه باستعداد الجزائريين للتعلم ومهارتهم فيما تعلموه من علوم وصنائع، ولكنه مع ذلك حكم بضعف مستوى التعليم وحاجة الجزائريين إلى الوقت والتشجيع لينمو اهتمامهم وينضج استعدادهم. ورغم تشاؤم الحسين الورثلاني من حالة التعليم في وطنه واتهامه للعثمانيين
стр. 309
بإهمال التعليم واستيلائهم على أوقافه فإنه قال: (وبالجلمة فإن وطننا طيب فيه العلم) (١) وكان هذا بعد أن عدد أماكن من وطنه شاهد فيها العلم حيا، مثل سيدي بهلول بالقبائل وقسنطينة وبسكرة والخنقة. ولكن العلم الذي عناه الورثلاني ليس هو علم الدنيا بل علم الفقه والتصوف والتوحيد ونحوه، فهو الذي هاجم علماء الخنقة لأنه وجدهم لا يدرسون التوحيد مؤثرين عنه علم النحو والمنطق. ومن جهة أخرى حكم الرحالة المغربي أحمد بن ناصر الدرعي بانتشار العلم في أصقاع بعيدة من الجزائر في وقته مثل أولاد جلال وعين ماضي التي قال عنها إن أهلها كلهم طلبة (٢). وتشهد لانتشار التعليم في الجزائر أيضا كتابات فانتور ديباردي الفرنسي وروزيه الفرنسي أيضا وتقارير الباحثين الفرنسيين غداة الاحتلال التي أثبتت أن عدد المتعلمين في الجزائر عندئذ كان يفوق عدد المتعلمين في فرنسا.
ولم تكن مهمة التعليم من المهن المرغوب فيها أو المربحة خلال العهد العثماني. فقد كانت مهنة لا تجلب إلى صاحبها إلا الفقر، رغم أنها تجلب إليه عطف الناس وإحسانهم واحترامهم المعنوي، وكان الناس ينظرون إلى المعلم، وخصوصا معلم الأولاد أو المؤدب، نظرة شفقة وعطف أكثر من نظرة الاحترام والتبجيل. ذلك أنه كان يعيش عيشة الكفاف في أغلب الأحيان، وكان مورده غير قار ولا آمن، رغم كل ما يدفعه له آباء التلاميذ من أجر ومن هدايا في مختلف المناسبات، ولعله كان عند البعض شخصا من أهل الدروشة والصلاح، يتغذى بالروح لا بالمادة، وكان بعض المؤدبين شيوخا طاعنين في السن أو عميا، ولا سيما معلمو الفتيات في البيوت. وكان يساعدهم في مهمتهم بعض المتدربين الذين يسمون في بعض النواحي (مسلكين) ولذلك كان بعضهم لا يعتمد كليا على التعليم كمورد للرزق. فإذا انتقلنا إلى التعليم الثانوي والعالي وجدنا الأمر يختلف قليلا. ذلك
стр. 310
أن المعلم هنا (أو المدرس، كما كان يدعى) كان من المحظوظين لأنه استطاع أن يصل إلى هذا المستوى من التعليم، وكان عليه، لكي يشق طريقه إلى ذلك، أن يصارع كثيرا من الخصوم وأن يجتاز عددا من العقبات، وقد كان أكبر خصومه هم أصحاب مهنته، وأهم العقبات في وجهه هي اكتسابه رضى الباشا أو الباي، ذلك أن المؤدب لم يكن يشترط فيه سوى شروط قليلة، أما المدرس فشروط تأهيله كثيرة. ومن جهة أخرى كانت ميادين التعليم ضيقة والتنافس عليها شديدا. وإذا كان المؤدب حرا نوعا ما يختاره أهل الحي لتعليم أطفالهم فإن مدرس الثانوي والعالي لم يكن حرا، وخصوصا في المدن، فهو موظف عند الدولة بحكم تعيينه من الباشا أو الباي، لذلك فإن عليه ما على جميع الموظفين الآخرين من رقابة وقيود ومن واجبات دينية واجتماعية وسياسية أحيانا، ولعل ارتباط المدرسين بالدولة على النحو المذكور هو الذي حدا ببعضهم إلى القول (بتحريم التدريس) في وقته (الذهاب شرطه) (١) أما في الأرياف فرجال الدين والعلم، وخصوصا أهل الصلاح والولاية (المرابطين)، كانوا يتخذون من التعليم وسيلة لجلب الناس والطلبة إلى زواياهم واعتناق مذاهبهم الصوفية واكتساب المال والصدقات والأحباس، وكان التنافس هنا قويا أيضا لأن كل مؤسسة كانت واقعة تحت سيطرة شيخ الزاوية أو المقدم يساعده في ذلك أبناؤه وأتباعه.
ولما كان التعليم غير مربح ولا مرغوب فيه عند الكثيرين فإن بعض المتعلمين قد اتخذوا من التجارة حرفة بدلا منه، وقد لاحظ الحسن الوزان (ليون الإفريقي) غلبة الفقر على طلبة تلمسان أوائل القرن العاشر، ومعنى ذلك أن مهنة التعليم كانت لا تفي بحاجتهم المعاشية، ولاحظ التمغروطي أن طلبة الجزائر كانوا ماديين، وهو يعني أنهم كانوا لا يهتمون بالتعليم كمهنة بل كانوا يلجأون إلى غيره لكسب الرزق واستقرار المعيشة. فقد قال عن مدينة
стр. 311
الجزائر التي زارها كما عرفنا، أواخر القرن العاشر (١٦ م) (وطلبة العلم بها لا بأس بهم إلا أن حب الدنيا وإيثار العاجلة والافتتاف بها غلب عليهم كثيرا) (١) وقد أبدى شو نفس الملاحظة، بعد أكثر من قرن، على العثمانيين في الجزائر حين قال إنهم يجرون وراء التجارة والفرص المالية ولم يكن يعنيهم العلم وأهله. ولذلك غلبت التجارة على عدد من شيوخ العلم، كما سنرى، فكان المفتي الشيخ سعيد قدورة، رغم منصبه العلمي، يتاجر بماله مع بعض التجار (٢)، وكان ابن حمادوش يجمع بين العلم والتجارة، وكذلك محمد النقاوسي الذي حدث عنه الفكون (٣)، وحمودة المقايسي الذي عدل عن مهنة التدريس وتعاطي صناعة المقايس (الأساور) التي نسب إليها، ومع ذلك مات فقيرا (٤).
والإلحاح على النقطة السابقة يشير إلى التضحية بالتعليم في سبيل الرزق من أوجه أخرى، ذلك أن ممتهن التعليم إنما كان يلجأ إليه إذا لم يجد غيره من وسائل العيش، أو إذا كان فقط يرضي ضميره الديني والصوفي كما كان يفعل أهل الزوايا في الأرياف (٥). ولذلك يمكن القول بأن انتشار التعليم الذي تشير إليه بعض المصادر إنما المقصود به التعليم الابتدائي وليس التعليم الثانوي أو العالي. فإذا قال بعضهم انك لا تكاد تجد في الجزائر من لا يعرف القراءة والكتابة فالمقصود بذلك المستوى الأدنى من التعليم أو محو الأمية، أما التعليم الحي الذي يعني رقة الثقافة والتعمق في المسائل وتكوين الرأي المستقل وتذوق المعارف والذي يشبع الفضول والنهم الإنساني إلى المجهول
стр. 312
ويمكننا أن نلاحظ، حول التعليم، وجود شبه سياسة عثمانية في تبادل الأساتذة مع البلاد الإسلامية الأخرى، فقد سمح العثمانيون لعلماء غير جزائريين باستيطان الجزائر والتدريس والتوظف فيها كما سمحوا لعلماء الجزائر وطلبتها بنشدان العلم بالمعاهد الإسلامية خارج الجزائر حتى مع البلاد التي كانت بينها وبينهم توترات سياسية كالمغرب، بل حتى عندما يتعلق الأمر بنقل مذاهب صوفية معارضة للعثمانيين في الجزائر كتعاليم الطريقة الدرقاوية والطيبية، ونعتقد أن مصدر هذا التسامح في تبادل (الخبرات) يعود إلى عقيدة العثمانيين من الدين ورجاله، فهم رغم الاختلافات السياسية أحيانا، تركوا أبواب الجزائر مفتوحة على العالم الإسلامي (١).
ولعل أهم من ذلك كله الآن لموضوعنا هو حركة المعلمين داخل الجزائر، ذلك أن تكوين المعلمين لم يكن له مدينة معينة أو مدرسة، فقد كانت شهرة المدرس هي التي تحدد مكانه. وكان الطلاب يقصدون المدرس المشتهر ولو بعدت شقته، ولم تكن عند هؤلاء الطلاب عواطف إقليمية أو قبلية وإنما كانوا يأخذون العلم حيث وجدوه موفورا، ولو على حساب صحتهم ومالهم وسعادتهم الدنيوية، ذلك أن بعضهم كان يبدأ رحلته في طلب العلم بعد أن يكون قد تزوج وأنجب الأطفال، فكان يضحي بالجميع من أجل لذة العلم، فإذا اشتهر أمر عالم في زواوة قصده الطلاب من تلمسان ونحوها، كما فعل الشيخ عبد الرحمن بن موسى التلمساني الذي ذهب للتتلمذ على الشيخ يحيى بن عمر الزواوي (٢) وقد توجه الشيخ محمد وارث من متيجة إلى قسنطينة للتتلمذ على الشيخ محمد التواتي، وفي (منشور الهداية) للفكون عدد من أسماء هؤلاء الطلبة الذين كانوا يؤمون قسنطينة
стр. 313
لأخذ العلم (١) قادمين إليها من الجزائر وزواوة وعنابة. كما ذكر ابن حمادوش بعضا منهم في رحلته مثل الشيخ محمد الحنفي قاضي قسنطينة الذي قدم إلى العاصمة وأخذ بها العلم, ومن جهة أخرى كان الشيخ سعيد المقري في تلمسان موئل عدد من الطلبة أمثال سعيد قدورة الذي قدم عليه من مدينة الجزائر وذلك لشهرته في ميدان التدريس. وهكذا ترى أن الحدود كانت مفتوحة أمام الطلبة لتلقي العلم حيث ثقفوه. ولم يكن قصد هؤلاء في الغالب أخذ الإجازات ونحوها بل كان قصدهم التتلمذ الحقيقي والجلوس الطويل في حلقات الدرس. أما التنقل من أجل الإجازات ونحوها فقد كان شيئا آخر يقوم به بعض العلماء لنيل السمعة والوظيفة. وسنتعرض إلى ذلك في حينه.
ومما سبق ندرك إنه لم يكن للعثمانيين في الجزائر سياسة للتعليم ولا خطة رسمية لتشجيعه والعناية بأهله وتطويره وتوجيهه وجهة تخدم المصالح الإسلامية العليا من جهة والمصالح الوطنية الجزائرية من جهة أخرى. بل انهم تركوا الحبل على الغارب فركد التعليم ونضبت موارده وضاق مجاله وافتقر رجاله وانحط مستواه. ومما زاد الأمر سوءا في هذا الميدان تسرب الخرافات إلى عقول المعلمين والمتعلمين بل ورجال الدولة أنفسهم، فأنت لا تقرأ سيرة أحد من هؤلاء إلا وجدته كان يعتقد العقائد الغليظة في مدعي الكرامات، فكان بعض المدرسين يضلون الناس بدل أن يهدوهم، بل إن بعضهم كان يستعمل الشعوذة سلما لكسب المال والجاه لدى أرباب السلطة.
وسائل التعليم
١ - المعلمون:
من الطبيعي أن يكون عمدة التعليم هو المعلم. فهو المثل الأعلى للتلميذ من الصبا إلى المراهقة بل إلى الشباب والكهولة، وهو ناشر العلم بين الناس بلسانه وكتابه وآرائه وسلوكه، ثم إنه هو موجه التعليم إن خيرا فخير
стр. 314
وإن شرا فشر. ورغم أن مهنته كانت تعتبر من أشرف المهن وأقربها إلى الدين والجهاد في سبيل الله فإنها أيضا تعتبر من أكثر المهن فقرا لصاحبها وجلبا للتعاسة والبؤس له، كما سبق.
كان المعلمون صنفين: معلمو المدن ومعلمو الأرياف، وفي كلا الحالتين هناك درجتان للمعلم فهو مؤدب للصبيان إذا كان يباشر التعليم الابتدائي المتصل إلى أن يبلغ الطفل المراهقة، وهو معلم أو مدرس إذا كان يباشر التعليم للفتيان من تلك السن إلى العشرين ونحوها، ثم هو أستاذ أو شيخ إذا كان يدرس لما فوق ذلك من الأعمار والمستويات. وقد كان الواقف أو أهل الحي هم الذين يختارون مؤدب الصبيان في المدن، وأحيانا تختاره العائلة التي سيعلم لها أطفالها، وخصوصا البنات، تعليما خاصا. فقد عرفنا من دراستنا للأوقاف أن بعض الواقفين كانوا يوقفون على تعليم القرآن وإنشاء الكتاتيب ويشترطون أحيانا أن يكون المؤدب من العثمانيين أو من أهل الأندلس أو من الشرفاء ونحو ذلك من الشروط، فإرادة الواقف هنا لها الأولوية، كما أن أهل الحي لهم الأولوية في اختيار من سيؤدب لهم أطفالهم. فهم الذين سينفقون عليه ويترددون عليه لمرافقه أطفالهم واستشارته في بعض المسائل الدينية. وهم لذلك يختارونه من أهل التقى والصلاح والضمير الاجتماعي، وقد يشترطون فيه الزواج والأخلاق الفاضلة، ومن الطبيعي أن يكون حافظا للقرآن الكريم معروفا بأداء الصلوات وأنه يكتب ويقرأ الرسائل ونحوها.
وبشبه مؤدب الريف مؤدب المدينة إلى حد كبير، ولكن يختلف عليه في بعض التفصيل، فأهل الدوار أو القرية الصغيرة يختارون مؤدب أطفالهم بطريقة مشابهة غير أن حاجتهم إلى المؤدب في شؤون أخرى غير تحفيظ القرآن أكثر من حاجة أهل المدينة، فهم يستفتونه في شؤون الدين ويستكتبونه العقود ونحوها ويلجأون إليه عند الفتن والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. فهو محل تقديرهم وثقتهم، وهو إمامهم في الصلوات أيضا. وهو يختلف عن مؤدب المدينة من كون صلته بالأهالي أشد وأقوى لأن معيشته تتوقف
стр. 315
على رضاهم ولأن سلوكه الخارجي معروف للجميع. والمؤدب في كلا الحالتين (في المدينة وفي الريف) يعلم الصبيان في الكتاب أو في الشريعة أو في مسجد القرية. ومن حق الأهالي، في كلا الحالتين أيضا، إعفاء المؤدب من وظيفته واختيار غيره إذا اقتضى الحال. كما أن بعض الآباء كانوا ينقلون أطفالهم من كتاب إلى آخر إذا شعروا بأن مؤدب الكتاب الأول لا يؤدي وظيفته كما ينبغي (١).
أما المعلمون والمدرسون فهم موظفون في الغالب، كما سبقت الإشارة، وخصوصا في المدن. وتسميتهم في هذه الوظيفة تأتي من حكام البلاد أنفسهم. فإذا كانوا في العاصمة فالتسمية من الباشا أو من خليفته، وإذا كانوا في الأقاليم فإنها تأتي من البايات أو من قائد الدار (حاكم المدينة). والتسمية الرسمية تضمن للمعلم أو المدرس أجرا ثابتا من الأوقاف وهدايا وعطايا خلال مناسبات معينة، وتضمن أيضا جزءا من الغنائم ونحوها، كما سنرى، ولذلك كان التنافس شديدا على هذه التسمية، وقد يلجأ الطموحون من المدرسين إلى استعمال وسائل غير لائقة للوصول إلى أهدافهم، وكانوا يعتبرون محظوظين إذا تحصلوا على التسمية في هذه الوظيفة، ولكن البقاء في وظيفة التعليم غير قار ولا مضمون، فهو متوقف على عوامل منها سمعة المعلم بين الناس ووفرة الوقف المخصص لذلك والظروف السياسية، أما المعلمون والمدرسون في الأرياف فهم أكثر حرية من زملائهم لأنهم لم يكونوا يخضعون لتسمية رسمية، ومن ثمة كان رزقهم غير مقيد بالوقف ونحوه، وقد يشترك معهم في هذه الحرية بعض مدرسي ومعلمي الزوايا في المدن، ومهما كان الأمر فإن المعلم أو المدرس كان يمارس مهنته في المساجد والزوايا والمدارس المخصصة للتعليم الثانوي.
وكان بعض رجال الدين يجمعون التدريس إلى وظائفهم الرسمية
стр. 316
الكبيرة كالإفتاء والقضاء. وفي هذه الحالة يصبحون هم كبار الأساتذة في البلاد لأنهم في الغالب من ذوي الخبرة والتبحر في المسائل العلمية. ولذلك يصبح التعليم الذي ينشرونه نوعا من التعليم العالي، رغم أنه لم يكن يسمى كذلك، وكانت حلقات درسهم موئل الطلبة والعلماء الآخرين الذين يرغبون في زيادة معارفهم ونيل الإجازات بعد ختمة البرنامج، وكانت شهرة الأستاذ وتخصصه في فرع معين وفصاحة لسانه هي التي تجلب إليه الطلبة حتى تتضخم الحلقة التي يتصدرها في الجامع فيغطي بذلك على بعض زملائه ويسكت خصومه، وكان هذا المستوى من التعليم يعطى في الجوامع الكبيرة الموجودة في كل مدينة، أما في الأرياف فموضعها هو الزوايا، وأساتذتها أحرار كما أسلفنا لا يخضعون لتسمية المسؤولين، وغالبا ما يكون أساتذة الزوايا من المرابطين الذين تفرغوا لنشر التعليم على طريقتهم.
وقد اشتهر في كل عصر وفي كل مدينة عدد من المدرسين والأساتذة، وسجلت كتب السيرة أخبارهم وأخبار من أخذ عنهم ومدى سمعتهم بين الناس وبين أهل السلطة، ونحن لا نريد أن نكرر أسماءهم هنا وحسبنا أن نحيل على بعض الكتب التي تتناول الكثير منهم مثل (البستان) لابن مريم و (مطلب الفوز والفلاح) للبطيوي، و (منشور الهداية) للفكون، ورحلة الورتلاني، ورحلة أبي راس، وتاريخ ابن المفتي. ونحب أن ننبه إلى أن بعض هؤلاء المؤلفين قد بالغ في وصف الأساتذة وخلط بين قدرتهم على التدريس وبين تصوفهم، ولكن مؤلفاتهم على كل حال تظل مصدرا أساسيا لدراسة مشاهير الأساتذة في الجزائر في العهد العثماني على طوله. ولنشر إلى أنه قد زار الجزائر في القرن الحادي عشر (١٧ م) العالم التونسي أحمد بن مصطفى برناز وقرأ على بعض أساتذتها فذكر أن ممن درس عليهم في عنابة الشيخ أحمد بن ساسي البوني والشيخ المفتي الصديقي. وفي قسنطينة الشيخ المفتي بركات بن باديس والشيخ علي الكماد والشيخ عبد اللطيف الكماد، وفي مدينة الجزائر قرأ على الشيوخ رمضان بن مصطفى
стр. 317
العنابي (١)، وعلي بن خليل، ومحمد بن سعيد قدورة (٢) وفي زواوة قال إنه قرأ على الشيوخ الغربي الفاسي، وعبد القادر بن الموهوب، وأحمد بن عبد العظيم، (الذي سماه القطب)، ومحمد بن صولة الشهير بتدريس القراءات السبع، وأحمد بن مزيان الزواوي (٣)، وأحمد البصير البرغوثي الذي قال عنه إنه قد ناف على المائة سنة (٤).
وقد يشتهر المدرسون في وقت واحد ويتنافسون فيما بينهم فتنتج من ذلك حركة تعليمية مفيدة ويجد الطلاب مجالا للاختيار والحكم على أساتذتهم. فقد كان في الجامع الكبير بالعاصمة حوالي تسعة عشر أستاذا ومدرسا. وشهدت مراكز التعليم بمعسكر في آخر القرن الثاني عشر (١٨ م) حركة نشيطة شارك فيها أبو راس وبوجلال والطاهر بن حوا ومحمد بن زرفة ومحمد الشارف. واجتمع في قسنطينة، حوالي نفس الوقت، مدرسون وأساتذة أمثال المفتي عبد القادر الراشدي وأحمد العباسي، قاضي المالكية، وشعبان بن جلول، قاضي الحنفية، وعمار الغربي ومحمد العربي بن عيسى.
وكان جامع القيطنة في بداية القرن الثالث عشر يضم حوالي سبع حلقات تدريس على رأس كل منها مدرس. ومن أشهر المدرسين في غير المدن أيضا خليفة بن حسن القماري بوادي سوف ومحمد بن عبد الكريم التواتي في توات، وهلم جرا. وقد عرفنا أن بعض العلماء لم ينقطعوا عن التدريس حتى
стр. 318
في أحرج الظروف وفي أخطر الأماكن. ومن هؤلاء الشيخ مصطفى الرماصي الذي كان يسكن بأهله بيوت الشعر في رأس أحد الجبال أيام الفتح الأول لوهران. ومع ذلك لم يتوقف عن التدريس. وكذلك كان الأساتذة الذين حملهم الباي محمد الكبير على التدريس في جبل المائدة قرب وهران عند الفتح الثاني لها.
وقد روى ابن مريم أن الشيخ علي بن يحيى السلكسيني، وهو في نظره من الأولياء المتصوفين، كان محققا في الفرائض والحساب والرسالة ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومختصر خليل وعقائد السنوسي وأحكام القرآن وأنه كان يظل نهاره صائما يدرس العلم في جامع أغادير بتلمسان ولا ينقطع عن التدريس إلا وقت الصلاة والأذان. وكان من حرصه على الدرس أنه لا ينقطع عنه حتى عند توجهه للأذان أو أدائه عملا آخر. فقد كان إذا خرج إلى ضيعته يرافقه القراء إليها في الذهاب والإياب، وهو على ظهر دابته يدرس لهم. ولم يكن يسمح لأحد بمساعدته على خدمة الأرض التي كان يحرثها بنفسه (١). ولا شك أن هذا المثال يتكرر. وروي أن الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي، شيخ عبد العزيز الثميني، كان منقطعا للتدريس في بني ميزاب (٢). فقد كان التعليم عند بعض رجال التصوف، وخصوصا في الريف، نوعا من العبادة والجهاد أيضا. وسيمر بنا أن الشيخ عمر الوزان في قسنطينة قد اعتذر لأصحاب السلطة عن قبول وظيفة القضاء وتمسك بوظيفة التدريس.
٢ - أجور المعلمين:
ولكن ليس كل المؤدبين والمدرسين والأساتذة متصوفة لا ينتظرون من تعليمهم جزاء ولا شكورا. فقد كان معظمهم، على عكس ذلك، حريصين كل الحرص على تأمين قوتهم وكسب معاشهم سواء عن طريق الأوقاف أو
стр. 319
عن طريق الأجور الشهرية التي يدفعها الأهالي أو عن طريق الهدايا والعطايا التي تجود بها أيدي المحسنين من وقت لآخر. فما هي إذن أجور المعلمين؟ الواقع أن هناك غموضا كبيرا حول هذه النقطة. فليس هناك قوانين أو تقاليد ثابتة نرجع إليها في هذه القضية. ذلك أن بعض الباحثين قد تحدث عن كون الأوقاف هي كل شيء وكون الدين هو المتولي للنفقة على التعليم. ومنهم من رأى أن نفقات التعليم الابتدائي كانت هينة جدا لا تكلف الدولة شيئا ولا تكلف الآباء أيضا إلا مبلغا زهيدا. ومنهم من تحدث على أن التعليم في الجزائر العثمانية كان مجانيا وحرا وأنه كان نموذجا للمشاريع الاجتماعية والعلمية التي تتم بأبسط النفقات.
فإذا عدنا إلى وثائق الوقف وجدناها، كما عرفنا، تنص على تخصيص مبالغ للمعلمين إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسة للتعليم، كما كانت تنص على توفير السكن لعدد من الطلبة الدارسين والطلبة العلماء الذين لا سكن لهم أو الذين كانوا فقراء. فهذه زاوية القشاش قد نصت وقفيتها على تخصيص مال لأستاذ مكلف بتدريس الشريعة والتوحيد إلى جانب عشرة قراء في مختلف العلوم. ونصت وقفية جامع عبدي باشا على صرف خمسة ريالات فضية لأستاذ ملحق بالجامع وصرف ريال لمساعده أو مسمعه. وحين ألحق الباشا محمد بن بكير مدرسة بالجامع المذكور نص في وقفها على تخصيص مبلغ لأستاذ ملحق بالمدرسة. وكانت أوقاف سبل الخيرات تنفق بسخاء على مدرسي وأساتذة الجامع الجديد، كما كانت أوقاف الجامع الكبير بالعاصمة تكفي مؤونة مدرس الفقه المالكي وأربعة دنانير لمساعده أو مسمعه. ولما أسس الحاج محمد خوجة المكتابجي زاويته المعروفة باسم زاوية شيخ البلاد نص في الوقفية (وعددها ألف قطعة سلطاني ذهبا) على تخصيص محبوب منها لأستاذ يتولى فيها تدريس العلوم النظرية والعلمية والأصول والفروع والآداب والجدل إذا وجد من يجمع كل هذه العلوم وإلا فمن يحذق بعضها.
وقد أجرى صالح باي في قسنطينة على الأستاذ الذي يتولى التدريس في مدرسته ثلاثين ريالا شهريا. وثبت من السجل الذي أمر به لضبط
стр. 320
مصاريف الجامع الكبير بقسنطينة أن أستاذ المدرسة الملحقة بالجامع كان يتقاضى ثمانية وأربعين ريالا شهريا, ويبدو أن الباي محمد الكبير قد قام بمحاولة فريدة من نوعها، وهي تخصيص رواتب شهرية للأساتذة بقطع النظر عن الأوقاف. فبعد أن بنى مدرسة وجامعا في معسكر وأوقف عليهما الأوقاف خصص مبالغ مالية شهرية من ميزانية الولاية للمدرسين والمسمعين والطلبة. ورغم أن عبارة ابن سحنون الذي جاء بهذا الخبر غامضة فإنها تدل على أن الباي قد حرر العلماء من التقتير الذي كانت تجود به الأوقاف. وهذه هي عبارة ابن سحنون في هذا الصدد (أنه رتب المدرسين في الجوامع بوظائف يأخذونها من الأحباس (بيت المال؟) بعد أن كان العلماء لا ينتفعون من ناحية المخزن (الدولة) بشيء إلا من كان متوليا لخطة أو مستعملا في خدمة) وبذلك ازدهر التعليم وانبسطت رقعة الرزق أمام المدرسين وأقبلوا على القراءة بعد خمول وكثر الطلبة، كما يقول ابن سحنون، (وتشوق كل أحد للتدريس) بعد أن كان المدرسون قد اشتغلوا بالتجارة عن التدريس لقلة جدواه. وبذلك أيضا أزال الباي المذكور اختصاص بعض المغاربة (علماء المغرب الأقصى) المتقدمين في باب التدريس (١). ويبدو أن هذا كان شأن الدولة السابقة للعثمانيين في الجزائر. فقد أثبت الحسن الوزان أنه كان لمدرسي تلمسان على عهده (القرن العاشر) جرايات قارة، رغم أنه حكم كما عرفنا، بأن المدرسين كانوا من أفقر طبقات المجتمع.
وبالإضافة إلى ذلك كان المدرسون يتلقون مبالغ مالية أخرى في شكل هدايا أو عطايا في مناسبات معينة. وأهم هذه المناسبات هي شهر رمضان والعيدان (عيد الفطر وعيد الأضحى). فقد جاء في (التشريفات) أن الطلبة (العلماء) كانوا يتلقون في الحفلات حوالي مائة محبوب (٢). كما جاء في فيها أن القاضي الحنفي والمفتي المالكي كان كل منهما يأخذ شهريا خمسين