بأسماء بعضها لمن أراد الاطلاع والمتابعة. من ذلك (مجلة المغرب) التي صدرت في جنيف سنة ١٩١٦ - ١٩١٩ بإدارة محمد باش حانبة. وقد صدر منها ١٨ عددا، واهتم بها بعض باحثي تونس (١). و (منبر الشرق) التي كان يرأسها علي الغاياتي، وهو شاعر وأديب مصري انتقل إلى جنيف منذ ١٩١٠ بعد أن كان مهددا بالمحاكمة على شعر له كتب مقدمته محمد فريد ولم يرض عنه الإنكليز ولا الخديوي. صدر أول عدد منها في ٥ فبراير ١٩٢٢ وظلت تصدر إلى ١٩٣٧. وقد اهتمت بالقضايا العربية والإسلامية. أما المجلة الثالثة فهي (الأمة العربية) للأمير شكيب ارسلان والتي ظهرت بين ١٩٣٠ - ١٩٣٨، وكانت تصدر بالفرنسية في جنيف. وكانت لها شهرة خاصة ومشتركون في الجزائر (٢).
ويبدو أن جريدة (النذير) كانت مهتمة أيضا بأخبار الجزائر. وكانت تصدر في مصر خلال الثلاثينات (؟). وقد أشار إلى ذلك الشيخ الفضيل الورتلاني، ومن كتابها الأمير مختار الجزائري أحد حفداء الأمير عبد القادر. وقد سبق لنا ذكر مجلتي (الفتح) و (الإخوان المسلمون). ولا بد من ذكر مجلة (الرسالة) لأحمد حسن الزيات. فقد ساهم فيها عدد من الجزائريين مثل محمد السعيد الزاهري ومحمد زروقي، وكانت من المجلات المهتمة بأحوال العالم الإسلامي، خلافا للثقافة والمقتطف (٣) أو الأهرام والهلال.
стр. 2557
مشاركات ورواسب
كان معظم الجزائريين ينتظرون الخلاص من المشرق: من الدولة العثمانية عندما كانت قوية ثم من مصر بعد أن سمعوا بنهضتها وشاهدوا ذلك فيها أثناء حجهم وزيارتهم (١). ومن الناحية الروحية كانوا دائما ملتفتين نحو الحجاز مهبط الإسلام. ولكن الحجاز عندئذ لا يقدم أية مساعدة سياسية أو مادية. وقد كانت الدولة العلوية (المغرب) مصدر قوة وإلهام لبعض الجزائريين قبل أن تغلب على أمرها ويحتل الفرنسيون أراضيها أيضا.
إن أحداث المشرق والمغرب كانت تصل إلى المتعلمين الجزائريين بشتى الطرق رغم الحواجز التي وضعتها السلطات الفرنسية. فمن جهة كانت جريدة (المبشر) الرسمية نفسها تذكر أحداثا، تراها هامة وتلونها بلونها الرسمي، فقد كانت تغطي أخبار الدولة العثمانية والفارسية والأفغانية والمصرية والهندية والمغربية. ومن حرب القرم إلى حروب البلقان، ومن ثورة عرابي باشا إلى حرب طرابلس، ومن إصلاحات السلطان عبد المجيد والدستور العثماني إلى جمعية الاتحاد والترقي، ثم من أحداث الشام (١٨٦٠) إلى فتح قناة السويس، ومن الثورة العربية إلى إلغاء الخلافة الإسلامية ... كل ذلك تحدثت عنه المبشر في قليل أو كثير. فكان الشرق حاضرا في أذهان الجزائريين، وكانوا يتخذون نحوه المواقف والصور.
ومن جهة أخرى كان حديث الصحف المحلية الفرنسية عن الإسلام يثير الجزائريين. ذلك أن كتابات الصحفيين أمثال سيرفييه صاحب جريدة (لاديباش) بقسنطينة عن الخطر الإسلامي، كانت لا تمر بدون تعليق
стр. 2558
عندهم، وكذلك كتابات المستشرقين الفرنسيين ورجال الكنيسة. وفي العهد الأخير (بين الحربين) اهتم جوزيف ديبارمي بتحليل نفسية (الإنسان الأهلي) وردود أفعاله نحو الإدارة الفرنسية ونحو الروابط الروحية واللغوية والتاريخية مع المشرق. وقد نشر ذلك في عدة مجلات وجرائد كانت لا تغيب عن الجزائريين، سيما بعد انتشار التعليم.
ومن جهة أخرى كانت الصلة بين فرنسا وبعض السوريين قوية، فكانت الصحف الفرنسية تنقل أخبار هؤلاء ونشاطهم الأدبي والعلمي سيما بعد حكم إبراهيم باشا لسورية ونهضة الأدب العربي على يد جماعة من اليسوعيين والمبشرين هناك. كما أن الحركة العربية المضادة للعثمانيين نبعت من هذه المنطقة. وظهرت عائلتا اليازجي والبستاني وغيرهما. ومن الأسماء المعادية للعثمانين والمنادية بالقومية العربية يوسف كرم ونجيب عزوري. كما ظهرت المدارس الخاصة المرتبطة بالدول الغربية كفرنسا وأمريكا وروسيا، وكان لكل من هذه الدول تأثيره الثقافي والسياسي في المنطقة. ويجب أن نذكر أنه كان لفرنسا مشروع أخذت تعد له العدة ثم عدلت عنه، وهو توطين المارونيين في الجزائر بعد فتنة الشام سنة ١٨٦٠ (١).
والصورة التي قدمها الإعلام الفرنسي منذ الاحتلال عن مصر تقوم على أن هناك صداقة حميمة بين حكام مصر والفرنسيين. فهناك العلماء الفرنسيون يقدمون خبرتهم للمصريين، والبعثات العلمية المصرية المرسلة إلى فرنسا. بالإضافة إلى أن العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا كانت تقوم دائما، على أنها في أحسن مثال. فالترجمة والتمثيل والموسيقى والصحافة وما إلى ذلك تجد صداها في الإعلام الفرنسي بغزارة. وكان الفرنسيون يتتبعون نشاط المصريين المتخرجين من بلادهم مثل الطهطاوي وطه حسين ومحمد فريد، وينوهون بآثارهم وما هم مدينون به لفرنسا. وقد نالت كتب الشيخ حسن العطار (وهو
стр. 2559
لم يتخرج من فرنسا) وتخليص الأبريز للطهطاوي حظا كبيرا من التنويه (١). كما نوهت الصحف الفرنسية بزيارة إبراهيم باشا لفرنسا. وكان هدف هذه الصحف هو توظيف العلاقات المصرية - الفرنسية في خدمة العلاقات الجزائرية - الفرنسية.
ومن ذلك زيارة الفرقة الموسيقية المصرية للمغرب سنة ١٩٠٥. وكان ذلك حدثا صغيرا لو كانت الأمور عادية. ولكن فرنسا ربطت بين هذا الحادث الصغير وسياستها في المغرب والجزائر، وشكلت صحيفة (الأخبار) شبه الرسمية والناطقة باسم الكولون في الجزائر، ذلك الخبر بشكل يبعث على السخرية. فقد ذكرت أن السلطان المغربي المولى عبد العزيز، قد استقدم الفرقة المصرية لتهدئة الخواطر وتبادل الهموم بين الشعبين المصري والمراكشي وأن هذا السلطان كلف وكيله في مصر ليبعث إليه فرقة مصرية أخرى من الموسيقيين والراقصين والراقصات ليزيل ما علق بخاطره من الهموم على إثر زيارة الامبراطور الألماني ويليام الثاني لطنجة. وقد مرت الفرقة المصرية من تونس إلى المغرب (عبر الجزائر؟) برئاسة الفنان موسى بركات (٢).
ومنذ ١٨٦٩ نشرت (المبشر) مقالة مطولة عن نشأة (الجمعية العلمية السورية) وبرنامجها. وكانت هذه الجمعية قد تأسست بزعامة بطرس البستاني (٣). ولعلها كانت مدعومة من بعض الدول والهيئات الدولية، بينما كانت فرنسا تطرد السوريين من الجزائر إذا ظهر لها أنهم يثيرون الشغب
стр. 2560
ضدها. فقد ذكر لويس رين أن سلطات بلاده قد طردت أحد السوريين سنة ١٨٨١ لأنه جاء إلى الجامع الكبير بالعاصمة (الجزائر) وأخذ يروج لرأي الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف الشافعي في وجوب الهجرة من بلد يتسلط عليه الكفار (١).
...
ومن جهة أخرى كان الجزائريون يشعرون بالحرمان والكبت الثقافي، سيما أولئك الذين يعيشون على التراث العربي الإسلامي والذين اكتشفوا ذلك التراث بعد اليقظة التي بدأت أوائل هذا القرن. كان تلفتههم إلى المشرق تلفت العطشان إلى المنهل العذب. وكانوا يتتبعون أخبار الأدب والثقافة، وتطور الأفكار، ودور الأزهر الشريف، والمعارك بين التجديد والتقليد، أما السياسة الشرقية فكانت لا تهمهم إلا قليلا لأن الدول الكبرى هي التي كانت تحركها، ابتداء من ثورة الشريف حسين والانتدابات، ووعد بلفور وإنشاء الجامعة العربية، والانقلابات. ورغم عقلانيتهم فان الجزائريين كانوا يغارون على الإسلام والعربية، ويشككون أحيانا حتى فيمن كان مخلصا لدعوته في التجديد والتغيير.
وفي هذا الإطار هاجم محمد السعيد الزاهري طه حسين على (شعوبيته) فقد قرأ في جريدة بيروتية اسمها (النداء) أن طه حسين كتب في إحدى الجرائد المصرية أن المصريين خضعوا لبغي وعدوان شعوب متعددة من بينها الفرس واليونان والعرب والفرنسيون والإنكليز. ويبدو أن هذا الخلط في (الشعوب المعتدية) على المصريين قد أدى إلى غضب الشباب العربي في سورية والعراق حتى طالبوا حرق كتب طه حسين، بينما قامت عناصر فرعونية تدافع عنه. وقد دخل الزاهري إلى الميدان أيضا وانتقد طه حسين على شعوبيته، وجعل عنوان مقالته (الدكتور طه حسين شعوبي ماكر). وحكم بأنه كان ضد الإسلام والعروبة وأنه يعرف كيف يتستر عن شعوبيته.
стр. 2561
واستعرض الزاهري بعض آراء طه حسين من كتبه ليدلل على رأيه فيه (١).
وكذلك انتقد بعض الجزائريين المجمع اللغوي المصري على اختياره حسن حسني عبد الوهاب (من تونس) ليكون عضوا نائبا عن المغرب العربي. وفي نظرهم أن عبد الوهاب كان موظفا عند فرنسا في المهدية، وأنه كان تحت تأثيرها ومن ثمة فاختياره في المجمع إنما كان بإيعاز فرنسي (٢). وكان ابن باديس أيضا، من بين الذين انتقدوا هذا التعيين (٣). وليس ذلك منهم إلا غيرة على اللغة العربية والإسلام، لأنهم يعرفون نفوذ فرنسا أكثر ربما مما يعرفه الشرقيون الذين ينظرون إلى الموضوع عادة نظرة غير مسيسة.
وكان الجزائريون يعتبون على الشرقيين قلة اهتمامهم بقضايا المغرب العربي وانشغالهم بشؤونهم الخاصة ولو كانت تافهة، ويأخذون عليهم عقدتهم من الغرب واهتمامهم بشؤونه والأخذ عنه مهما كانت البضاعة التي يقدمها لهم. وفي كلمة تتميز بالحرارة كتب الشيخ فرحات بن الدراجي (عتابا إلى الشرقيين) سنة ١٩٣٧ تعرض فيها لوشائج القربى بين المغرب والمشرق والصلات التاريخية والروحية، ومع ذلك فأنه لا يجد إلا الإهمال لشؤون المغرب من المشارقة. واستثنى من هذا العتاب مجلة الفتح والرابطة العربية وجريدة الشباب.
واتخذ ابن الدراجي مثالا على ذلك الإهمال واللامبالاة أن جمعية العلماء المسلمين وزعت نسخا من كتابها المعنون (السجل) على بعض الأعيان والمجلات، وطلبت من أصحابها كتابة تنويه بدور الجمعية في النهضة العربية والإسلامية، ولكنها لم تجد ما كانت تنتظره. كما أن نهضة
стр. 2562
الجزائر بدأت منذ عقدين دون أن تغطيها في نظره، الصحف والمجلات المشرقية. وانتقد أيضا الكلمة (الهزيلة) التي كتبتها جريدة (السياسة) الأسبوعية المصرية. وكانت (الرسالة) محل نقد خاص عنده، لأنها تتخذ شعارها جمع أبناء البلاد العربية على وحدة الثقافة، ومع ذلك لم تكتب تقريظا للسجل المذكور رغم أن الجمعية قد أهدتها نسخة خاصة منه. ثم وجه الدراجي انتقاده إلى الزيات، صاحب الرسالة، على اهتمامه (براقصات أوروبا) وبالتوافه، ولكنه اعترف بأنه كتب عن الجزائر في إحدى افتتاحياتها العبارة التالية (وفي الجزائر رؤوس تدور من خدر السياسة، وقلوب تذوب من حرارة الظلم)، وانتقد الدراجي الشرقيين عموما على جهلهم بالأسماء الشخصية وأسماء المدن الجزائرية، فهم ينطقون وهران (أوران)، وقسنطينة (قسطنطين) بينما يتهالكون على كل ما هو أوروبي ولو كان مخلة بتقاليدنا مثل الروايات البوليسية (١).
ويدخل في هذا النطاق نقد الشيخ ابن باديس للشاعر أحمد شوقي الذي حكم، عند زيارته القصيرة للجزائر، على جهل وبؤس الجزائريين من خلال أطفالهم ماسحي الأحذية. وكان الشيخ أبو يعلي الزواوي الذي عاش طويلا في الشام ومصر كثير العتاب للمشارقة أيضا على قلة اهتمامهم بأحوال المغرب العربي، ولا نستثني من ذلك الشيخ الإبراهيمي الذي عاش في المشرق مرحلتين هامتين من حياته، وكانت له فيه صداقات وعلاقات.
وقد نالت مع ذلك، قضية تأبين الشاعرين شوقي وحافظ حصة من الاهتمام في الجزائر، وتتبع الجزائريون مبايعة شوقي بإمارة الشعر، وتأبينه بعد وفاته وزميله حافظ إبراهيم، بحنين كبير وحرص على المشاركة والحضور. ومع أن ظروفهم لم تسمح لهم بالمشاركة البدنية فقد اجتمعوا
стр. 2563
على بكاء الشاعرين الكبيرين. كما نظم شعراؤهم في ذلك القصائد الحارة (١). وحتى لا يتكرر الغياب كتب (الشاب) الشاذلي المكي من تونس يقترح مشاركة الجزائر في تأبين مصطفى صادق الرافعي الذي كانت لجنة خاصة تحضر له في مصر، واقترح بعض الأسماء (٢).
...
إننا نوهنا في هذا الفصل بشخصيات عديدة، ولكن مكانة خاصة يجب أن يحظى بها الشيخ صالح الشريف التونسي. فهذا الرجل كان طيلة خمسة عشر عاما. تقريبا شعلة متقدة ضد الاستعمار الفرنسي وصوتا مدويا لصالح قضية الجزائر وتونس. ومن واجب الجزائريين اليوم أن يحتفوا به وبإخوانه باش حانبه (علي ومحمد) ومحمد السنوسي، والمكي بن عزوز والخضر حسين والثعالبي وعلي بوشوشة، وإسماعيل الصفائحي وأضرابهم. فانهم لم يكونوا ينظرون إلى قضية المغرب العربي مجزأة كما هي اليوم بل كانت في نظرهم قضية واحدة.
ومنذ كان شيخا في جامع الزيتونة كان صالح الشريف مهتما بالسياسة التونسية والجزائرية. وهو من الذين ساهموا في تكوين جيل من المناهضين للاستعمار. وكان من آل البيت، ومن بيت قديم في تونس. وهاجر منها إلى المشرق حوالي ١٩٠٦، حين بدأ الاضطهاد السافر للحركة الوطنية هناك، ثم لحقه الأخوان باش جانبه والصفائحي والخضر حسين. ونشط صالح الشريف بالذات في اسطانبول ودمشق، وكان على صلة بأعيان المهاجرين من أبناء الأمير عبد القادر وغيرهم. وقيل انه أقنع بعض الجزائريين بعدم الرجوع إلى الجزائر وأنه عارض الفكرة الإصلاحية المعتدلة التي دعا إليها رشيد رضا (عدم الاهتمام بالسياسة) على مذهب الشيخ محمد عبده. وعزا بعضهم محاولة اغتيال رشيد رضا سنة ١٩٠٩ في
стр. 2564
دمشق إلى اعتراضات صالح الشريف عليه.
وبعد تولي جمعية الاتحاد والترقي السلطة في الدولة العثمانية وجدت في صالح الشرف زعيما نشيطا، فأرسلته في عدة مهمات إلى دمشق وغيرها، ثم حدثت حرب طرابلس فذهب مع أنور باي (بيك)، وارتبط به وأصبح مستشاره في شؤون المغرب العربي. وكان صالح الشريف هو الذي ألقى سنة ١٩١٠ خطابا ثم صلى بالناس عند ضريح خير الدين بربروس بإسطانبول بحضور أعيان وأمراء متل محمد باشا بن الأمير عبد القادر (١).
وخلال الحرب العالمية انتقل صالح الشريف إلى سويسرا، وظل يعمل لتحرير تونس والجزائر والمغرب. ولعله اشترك في مؤتمر القوميات الذي انعقد بلوزان سنة ١٩١٦ إلى جانب محمد باشں حانبه ومحمد فريد وعلي الغاياتي وآخرين. ذلك أنه أصدر في هذه السنة كتيبا بعنوان (آلام الشعوب المضطهدة، تونس والجزائر) بالألمانية، وقد اشترك معه في وضعه زميله إسماعيل الصفائحي، كما صدر نفس الكتيب بالفرنسية سنة ١٩١٧ (٢). وفي هذه الأثناء صدر لهما أيضا كتيب آخر بعنوان (شمال افريقية ...).
وعند نهاية الحرب أدركت صالح الشريف الوفاة (١٩١٩). ولا ندري إن كان من المساهمين في إنشاء مجلة المغرب وفي الدعوة إلى تطبيق مبدإ تقرير المصير على الشعوب المستعمرة. والغالب أنه فعل ذلك. لقد كان صالح الشريف، كما تدل خطواته، من مدرسة جمال الدين الأفغاني. يرى السياسة في العمل من أجل إسقاط النظام الاستعماري، وكان يؤمن بتحريك
стр. 2565
الجماهير وتجنيد القادة لقيادتها. وقد أدركه الموت دون أن يرى الضوء الذي عمل على أن يعم بلاده والمنطقة كلها، ولكن تلاميذه صاروا على دربه وجنوا ثمرات جهوده (١).
وهكذا فانه بالرغم من العزلة التي فرضت على الجزائر منذ ١٨٣٠ فانها كانت تتصل بالمشرق والمغرب من عدة طرق، كما كان المشارقة والمغاربة يتصلون بها ويهتمون بقضيتها ولا سيما منذ أوائل هذا القرن. ومع وسائل الإعلام والاتصال ونشأة الحركات الوطنية هنا وهناك، وتواصل رجال الدين والسياسة، والبعثات الطلابية حدث تطور كبير في هذه العلاقات، ثم تدعمت وتوسعت منذ إنشاء الجامعة العربية وظهور حركة الإخوان المسلمين، ونكبة فلسطين التي أصبحت رمزا لاهتمام العالم العربي والإسلامي. وقد عادت الجزائر إلى أصالتها العربية الإسلامية وزال عن أهلها الشعور بالحرمان والكبت، كما صحح المشارقة نظرتهم عنها فلم تعد هي تلك الفردوس المفقود الذي يشبه الأندلس، ولكنها الفردوس الموعود والعائد الذي بشرت به انتفاضات وإرهاصات قرن وربع، ثم ثورة ١٩٥٤.
انتهى الجزء الخامس
ويليه الجزء السادس
стр. 2566
المحتوى
стр. 2567
_________
جريدة المنتخب ...................................... ٢٣٢
المجلات الفرنسية .................................... ٢٣٦
نشأة الصحف الجزائرية ............................... ٢٤١
الصحف السياسية والإندماجية ......................... ٢٦٥
الصحف منذ ١٩٤٠ .................................. ٢٧٠
المجلات العربية ...................................... ٢٧٣
عمر بن قدور ......................................... ٢٧٦
عمر راسم ............................................. ٢٨٢
أبو اليقظان ........................................... ٢٩٠
التقاويم ............................................... ٢٩٤
الإذاعة والسينما ....................................... ٣٠٠
المطابع ............................................... ٣٠٥
الجمعيات والنوادي الثقافية ............................. ٣١٣
الفصل الثالث: المنشآت والمراكز الثقافية (٢) .......... ٣٢٣
المكتبات ............................................. ٣٢٥
نظرة على مصير المخطوطات والوثائق ................ ٣٢٦
المكتبة العمومية (الوطنية) ............................ ٣٤٠
المكتبة الجامعية ...................................... ٣٥١
المكتبات العسكرية والبلدية والمدرسية .................. ٣٥٤
مكتبات الزوايا ........................................ ٣٦٠
المكتبات الخاصة ..................................... ٣٧٥
النساخة والنساخون .................................... ٣٩٢
المسرح ............................................... ٤١٠
المسرح الجزائري ...................................... ٤١٦
الموسيقى ............................................. ٤٣٠
(رأي دانيال سالفادور) ................................. ٤٤٢
موسيقى البادية ........................................ ٤٤٥
стр. 2568
_________
آراء في الموسيقى التراثية ............................. ٤٤٨
محمد سفنجة - رواني - بارتوك -
داروي - قطاط - آخرون
الفصل الرابع: الجزائر في المغارب والمشارق .......... ٤٦٩
الهجرة نحو المغارب والمشارق ........................ ٤٧٢
- إلى الحجاز ....................................... ٤٨٢
- إلى المغرب ....................................... ٤٨٦
- إلى تونس ........................................ ٤٨٩
- إلى ليبيا .......................................... ٤٩٣
- إلى مصر ........................................ ٤٩٥
- إلى إسطانبول .................................... ٥٠١
الروابط الروحية الصوفية ............................ ٥٠٥
الجامعة الإسلامية ................................... ٥١٤
بعض أعيان الجزائر في المشرق والمغرب ............ ٥٢١
عائلة الأمير في المشرق: الأخوة والأبناء ............. ٥٢٩
الأمير عبد القادر ................................... ٥٢٩
أبناء الأمير ........................................ ٥٥١
إخوة الأمير ........................................ ٥٦٣
زوار من المشرق والمغرب .......................... ٥٧٠
زيارة الشيخ محمد عبده ............................. ٥٨٣
مراسلات وأحداث .................................. ٥٩٥
جمعيات وجرائد .................................... ٦٠٢
مشاركات ورواسب ................................. ٦١٠
стр. 2569
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الحبيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود
تلفو ن: Tel: ٠٠٩٦١١ - ٣٥٠٣٣ l / خليوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair
فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت، لبنان
DAR AL-GHARB AL-ISLAMI B. P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم: ١٩٩٨/ ١١/٢٠٠٠/ ٣٣٧
التنضيد: كومبيوتايب - بيروت
الطباعة: دار صادر، ص. ب. ١٠ - بيروت
стр. 2570
HISTOIRE CULTURELLE
DE
L' ALGERIE
PAR
Professeur Aboul Kacem Saadallah Universite d'Alger
Tome ٥
١٩٥٤ - ١٨٣٠
DAR AL- GHARB AL-ISLAMI
стр. 2571
الدكتور أبو القاسم سعد الله
تاريخ الجزائر الثقافي
الجزء السادس
(١٨٣٠ - ١٩٥٤)
دار الغرب الإسلامي
стр. 2572
١٩٩٨ دار الغرب
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه فى نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 2573
تاريخ الجزائر الثقافي
стр. 2574
الفصل الأول
الاستشراق والهيئات العلمية والتنصير
стр. 2575
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يهتم هذا الفصل بعناصر هامة في المسيرة الثقافية للجزائر. أولها الاستشراق الذي هو أحد مظاهر الغزو الثقافي الفرنسي. وسنتتبع خطوات الاستشراق الفرنسي من ١٨٣٠ لنعرف المراحل التي مر بها والنشاط الذي قام به رجاله وعلاقته بالإدارة الاستعمارية وبالدراسات العربية والاسلامية عموما. وقد عمل مع المستشرقين فريق من الجزائريين سنذكر بعضهم أيضا.
وكانت (مدرسة الجزائر) عنصرا أساسيا في هذه المسيرة الثقافية. وعبارة (مدرسة الجزائر) أطلقت عند البعض على تأثير الجزائر في الأدب الفرنسي وتلوينه بلون بيئتها ونكهتها. ولكننا هنا نستعمل عبارة (مدرسة الجزائر) للدلالة على الانطلاقة الفكرية للاستشراق الفرنسي والدراسات العلمية والبحث العلمي الناتج عن مراجعة تجربة التعليم وأثر حرب السبعين في الحياة الفرنسية، وقد بدأت هذه المدرسة في الظهور منذ آخر السبعينات عند إنشاء مدرسة الآداب العليا ١٨٧٩ وهي التي أصبحت كلية الآداب سنة ١٩٠٩. فهي مدرسة فكرية أثرت في الأدب والفن واللغة والتاريخ والعلاقات بين الجزائريين والفرنسيين، وفوق ذلك كله أطلقت الاستشراق الفرنسي من عقاله فانطلق دعم الجهود الاستعمارية في الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وإفريقيا بل وفي الوطن العربي. وكان انعقاد مؤتمر المستشرقين الدولي الرابع عشر بالجزائر سنة ١٩٠٥ أحد المظاهر البارزة لتلك الانطلاقة.
ومن عناصر هذا الفصل نشاط الكنيسة ودورها منذ ١٨٣٠، وتكوين أسقفية الجزائر سنة ١٨٣٨، وجهود ديبوش وبافي ولافيجري في إحياء الكنيسة الكاثوليكية التى مضى على وفاتها إثنا عشر قرنا. فكان الاعتداء على
стр. 2576
المساجد بهدم معظمها وتحويل بعضها إلى كنائس، وإلى اسطبلات، وإلى مراقد للجنود. ثم إعادة بقايا القديس أوغسطين في احتفال ضخم حضره عشرات القساوسة من فرنسا، ومشاركة الجيش في ذلك والصلوات والاستعراضات والزيارات المرافقة، ثم إحياء أسماء أخرى مثل جيرونيمو (١) وسان سيبريان، وإنشاء فرق سميت فرق الآباء والأخوات البيض، وانتشارهم في أقاصي الجبال والصحارى يحملون الصليب إلى سكانها ملفوفا في قوارير الأدوية ولفائف الكتب والأغذية والملابس. وهم في كل ذلك تحت حماية ورعاية الدولة الفرنسية وجيشها وقوانينها الاستثنائية القاسية ضد الجزائريين.
كما سنتناول في هذا الفصل اللجان والجمعيات العلمية. فقد تشكلت منذ آخر الثلاثينات من القرن الماضي لجان علمية رسمية لدراسة أوضاع الجزائر في مختلف مظاهرها. وتعيين فيها عدد من الخبراء، ومنهم العارفون باللغات والاجتماعيات والتاريخ. وقد ظهرت مجلدات وإحصاءات ذات قيمة كبيرة، وكانت مساعدة على ظهور الدراسات الاستشراقية في وقت لاحق. كما كانت أعمال لجنة ١٨ لسنة ١٨٩٢، وكراسات لجنة الاحتفال المئوي سنة ١٩٣٠ مصدرا هاما لمعرفة الجزائر من الوجهة الفرنسية. ويلحق بهذا العنصر أيضا تلك الجمعيات المتخصصة في التاريخ والآثار والجغرافية ونحوها والتي انطلقت من الخمسينات في القرن الماضي. ومن أوائلها جمعية قسنطينة الأثرية وجمعية الجزائر التاريخية. وكلتاهما أسس مجلة ظلت مصدرا لا غنى عنه للباحثين حتى بعد اختفائهما.
стр. 2577
الاستشراق ومراحله
ليس غرضنا هنا التأريخ للاستشراق الفرنسي، وإنما يهمنا علاقة هذا الاستشراق باحتلال الجزائر، وهو ما ظهر جليا منذ سنة ١٨٣٠ (١)، وهذا لا يعني أنه لم يكن للمستشرقين الفرنسيين اهتمام سابق بالجزائر، إننا إذا عدنا إلى كتابات ديفونتين وبيسونيل وفانتوردي بارادي سنجد النواة لذلك الاهتمام. وعند تأزم الوضع بين الجزائر وفرنسا سنة ١٨٢٧ وبداية التفكير في الحملة ضد حكومة الداي، ترجم الفرنسيون أعمال زملائهم الأروبيين والأمريكيين عن الجزائر أيضا، مثل مؤلفات الدكتور شو والقنصل شيلر، والأديب باننتي. ولعبت مدرسة اللغات الشرقية عندئذ دورا مهما.
وكان زعيم هذه المدرسة بل زعيم الاستشراق الفرنسي في ذلك الوقت هو سيلفستر دي ساسي De sacy الذي اعتبره بعضهم هو (أبو الاستشراق) و (منشئ علم الاستشراق في أوروبا). فقد بقي دي ساسي نصف قرن في خدمة الاستشراق، وتخرج على يديه تلاميذ من أنحاء فرنسا وأوروبا. وكان اهتمامه بالشرق قديما وحديثا. ولد دي ساسي سنة ١٧٥٧، وتعلم العربية والسريانية والكلدانية والعبرية منذ صغره. وقد عين مدرسا في مدرسة اللغات الشرقية الحية، وأصبح سنة ١٨٢٤ مديرا لها. وعمل سنوات طويلة في وزارة الخارجية بدون أجر (١٨٠٦، ١٨١١ في عهد نابليون). وكان يترجم نشرات الجيش وبيانات نابليون بهدف إثارة المسلمين ضد روسيا الأرثوذكسية وكان وزيرا الخارجية والحربية يستشيرانه في كل ما يتعلق بالشرق. ومن جهة أخرى ترأس دي ساسي الجمعية الأسيوية منذ تأسيسها سنة ١٨٢٢. وقد ظل مكانه شاغرا إلى أن ملأه أرنست رينان الذي كاد يغطي عليه، سيما في ميدان الفيلولوجيا، إضافة إلى السمعة العلمية.
стр. 2578
ودي ساسي لم يزر الجزائر، ولكن (البيان) الذي وزعه الفرنسيون بالعربية عشية الحملة على الأعيان في الجزائر كان من إنشائه أو تحت إشرافه (١). وبعد الاحتلال شجع دي ساسي إنشاء الدراسات العربية في الجزائر بإشراف تلاميذه، وعلى رأسهم لويس برينييه الذي سنتحدث عنه. وكان يبدي اهتمامه بهذه الدراسات ويشجع عليها حتى أنه أبدى ملاحظات على قاموس ت. رولان دي بوسي. الذي سماه (القاموس الصغير العربي - الفرنسي والفرنسي - العربي) سنة ١٨٣٦. وكان رولان دي بوسي مديرا للمطبعة الحكومية في الجزائر عدة سنوات، وقد أرسل نسخة من قاموسه إلى دي ساسي وطلب منه رأيه فيه. فكتب إليه هذا رسالة ونقدا يتعلق بكيفية النطق لبعض الحروف في العامية الجزائرية مقارنة مع النطق العامي في المشرق. كما سأل في رسالته عن نسخة سمع بها أنها كاملة من تاريخ ابن خلدون عند عائلة روسو، وسمع بعد ذلك أن هذه العائلة قدمت النسخة إلى المكتبة الفرنسية، وقد طلب دي ساسي التأكد من هذا الخبر (٢). وقد توفي دي ساسي سنة ١٨٣٨، بعد أن كان قد أشار بتلميذه برينييه ليكون رئيسا لحلقة (كرسي) اللغة العربية في الجزائر.
ضمن الحملة الفرنسية جاء عدد من المترجمين والكتاب والفنانين المهتمين بحياة الشرق والرومانتيكيين المغامرين. وعلى أثر نجاح الحملة واحتلال مدينة الجزائر انطلق كل فريق في مجال عمله. وقد احتاجت الإدارة الجديدة إلى المترجمين بالخصوص، لأنهم هم الواسطة بينها وبين السكان (٣). كما وظفت المترجمين من يهود الجزائر الذين كانوا عادة يقومون
стр. 2579
بالترجمة بين المسؤولين الجزائريين والأجانب في الماضي. وبدأت آلية الإدارة تتحرك في كل اتجاه وقع احتلاله. واحتيج إلى فريق آخر من التراجمة والخبراء فالتحقوا من فرنسا مدعومين من مدرسة اللغات الشرقية، وكلما تحرك الجيش في اتجاه كان معه الخبراء والمترجمون. ونشأت بلدية مدينة الجزائر، ثم توالت نواة الإدارة في وهران وقسنطينة وعنابة الخ .. وتكون (المكتب العربي) العسكري في المدن والقرى. وأصبح الذين يتولونه من المستعربين العسكريين، ومعهم مترجمون أيضا. وأخذ اهتمام المكاتب العربية بالسكان يزداد للتعرف على عاداتهم ولهجاتهم وتراثهم وأنسابهم وطرق معاشهم. وحصلوا من أجل ذلك على وثائق ومخطوطات نادرة. ثم شرعوا في حركة جمع وترجمة وتأليف اعتبرت هي الأولى من نوعها في مسيرة الاستشراق في الجزائر.
وقد واكبتهم في الحياة المدنية حركة أخرى موازية ومكملة. وتمثل ذلك في جمع المخطوطات وإنشاء المكتبة العامة بالجزائر على يد أدريان بيربروجر وهو أيضا من علماء الآثار. وقد أجرى هو وغيره، مثل كوفي، حفريات عديدة، معظمها عن آثار الكنيسة وبقايا الرومان. وسنذكر دور بيربروجر في موضع آخر. كما قام الفنانون برسم رسومات في الجزائر، منطلقين من رغبتهم في معرفة حياة الشرق التي قرأوا عنها في ألف ليلة وليلة (١). كما أن جوني فرعون ثم برينييه انطلقا في تدريس اللغة العربية، الفصحى والعامية، للفرنسيين لكي يكون في استطاعتهم الاتصال المباشر مع السكان. وهذا هو ما أطلق عليه فيما بعد إسم (كرسي اللغة العربية).
وهكذا انطلقت الإدارة العسكرية (المكاتب العربية) والإدارة المدنية (بخبرائها وفنانيها ومترجميها) في معرفة حياة الجزائر العربية الاسلامية، أو معرفة الشرق من خلالها، كما كانت تصوره الدراسات الاستشراقية إلى ذلك
стр. 2580
الحين. فالجزائر المتميزة عن الشرق أو الجزائر (الفرنسية) لم تظهر بعد في التصورات الفرنسية. ولذلك يمكننا القول إن انطلاقة الاستشراق الفرنسي كانت عامة في هذه المرحلة. ولعل الميزة الوحيدة لها كونها تستعمل العامية الجزائرية كأداة اتصال وليس الفصحى أو اللهجات العربية المشرقية. ومما يدل على عدم وجود لهجة جزائرية في مدرسة اللغات الشرقية قبل الاحتلال أن (البيان) الذي أشرنا إليه قد كتب بعربية مطعمة بعامية المشرق وليس بعامية المغرب، وهو كما قلنا من صياغة دي ساسي.
وقبل أن نستعرض تطور الدراسات الاستشراقية نود أن نذكر المراحل التي مرت بها، وهي ثلاثة على الأقل. المرحلة الأولى من الاحتلال إلى إنشاء المدارس العليا سنة ١٨٧٩، والثانية من هذا التاريخ إلى الاحتفال المئوي بالاحتلال، سنة ١٩٣٠، والمرحلة الثالثة منذ هذا التاريخ إلى الاستقلال، سنة ١٩٦٢. وتهمنا هنا المرحلتان الأوليان بالخصوص.
وقد تميزت المرحلة الأولى بجهاز ترجمة قوي على يد العسكريين في معظم الأحيان، وهناك مترجمون إداريون وآخرون قضائيون أيضا (١). وقد نتج عن أعمال هؤلاء وأولئك أكداس من النصوص والعرائض والوثائق، واشتغل المترجمون/ المستشرقون في اللجان العلمية والجمعيات المتخصصة. ونشروا أبحاثهم في شكلها العام والبسيط للتعريف بالشعب المحتل في مختلف عصوره ومظاهره. وكانت حلقات (كراسي) اللغة العربية، وعددها ستة، تسند هذه الفرق العاملة في الميدان. كما أن أساتذة الكراسي كانوا هم الرواد لحركة الاستشراق في هذه المرحلة. فقد كانوا هم أيضا يعلمون اللغة، ويشرفون على امتحانات الترجمة، ويترجمون النصوص، ويعرفون بالمدن والآثار والمخطوطات والسير، وفيهم من أصدر القواميس. وأثناء هذه المرحلة زار الجزائر عدد من الأدباء والمفكرين والفنانين الفرنسيين المهتمين بحياة الشرق، وكانت زياراتهم بدعم وتشجيع
стр. 2581
من الحكومة الفرنسية نفسها. كما ظهرت أعمال اللجان العلمية التي تشرف عليها الحكومة، والمدارس الرسمية ذات الطابع الشرقي أو العربي الفرنسي، مثل المدارس الشرعية الثلاث وكوليج الجزائر ثم قسنطينة. وخلال هذه المرحلة بدأ اهتمام المستشرقين الفرنسيين في مدرسة اللغات الشرقية وفي الكوليج دي فرانس بالعربية الجزائرية، مثل أعمال الأب بارجيس وبيهان (١).
ومن الواضح أن الاستشراق هنا كان مرتبطا منذ البداية بإدارة الاحتلال، وقد ازدادت هذه الرابطة وثوقا وبلورة أثناء المرحلة الثانية ١٨٧٩ - ١٩٣٠. فأثناء هذه المرحلة وقعت مراجعة شاملة في فرنسا لتجربة التعليم العالي وأدخل نظام (السيمنار) الالماني، وأعيد تنظيم السوربون. لأن نقدا لاذعا ظهر عندئذ لتجربة التعليم باعتبارها هي السبب في هزيمة فرنسا سنة ١٨٧٠. كما ظهرت مدرسة دورخايم ١٨٥٨ - ١٩١٧ في علم الاجتماع والاستشراق. وأنشئ كرسي للغة العامية الجزائرية في باريس ثم آخر للبربرية. وظهرت مدرسة الآداب التي تحولت إلى كلية الآداب سنة ١٩٠٩ عند إنشاء جامعة الجزائر وانعقد في الجزائر المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين تحت إشراف رينيه باصيه عميد مدرسة الآداب وعميد الاستشراق الفرنسي في الجزائر عندئذ.
وفي سنة ١٩٠٦ انطلق الاهتمام بالمغرب الأقصى، وظهرت (مجلة العالم الاسلامي) برئاسة ألفريد لوشاتلييه، الذي سبق له العمل في الجزائر كرئيس للمكتب العربي (العسكري) في ورقلة، كما أعيد تنظيم الكوليج دي فرانس وأنشئت فيه عدة كراسي للمجتمعات المستعمرة. وكان الاستشراق الفرنسي في الجزائر هو المغذي لذلك حتى أن معظم الأساتذة الذين تولوا
стр. 2582
هذه الكراسي كانوا من مدرسة الجزائر. وإذا كان بعض المستشرقين في فرنسا نفسها لهم نظرة واسعة للمجتمعات الاسلامية، فإن المستشرقين في الجزائر كانوا مرتبطين، كما ذكرنا، بالإدارة الاستعمارية ارتباطا سياسيا، وكانوا مدعومين من قبل لجنة (إفريقيا الفرنسية) التي كان مقرها باريس، ومن قبل زعماء الكولون أمثال يوجين إيتيان ومن الجامعات الفرنسية، ومن اللوبي الاستعماري عموما (١).
أما المرحلة الثالثة والتي لا تهمنا كثيرا هنا، فقد تميزت بالتوسع في إنشاء المعاهد المتخصصة كمعهد الدراسات الشرقية، ومعهد الدراسات الصحراوية، ثم معهد الدراسات العربية. وتحويل المدارس الشرعية الثلاث إلى ثانويات مزدوجة. وبقاء الصلة الوطيدة بين الاستشراق والسلطة الاستعمارية مع انفتاح في الأفق كالتعامل مع النخبة الجديدة التي ظهرت في القيادات السياسية في المستعمرات. ويبدو أن الاستشراق الفرنسي قد عرف هزة عنيفة مع الحرب العالمية الثانية، وثورة الجزائر، والحرب الباردة. ومن أبرز المستشرقين في هذه المرحلة هنري بيريز، وليفي بروفنصال، وكانتينو، وروبير برونشفيك.
حلقات اللغة العربية
عرفت الجزائر ستة دروس للعربية، سميت بالكراسي أو الحلقات. وكانت موجهة إلى الفرنسيين، مدنيين وعسكريين، لتعليمهم اللغة العربية الفصحى والعامية. وهذه الحلقات (الكراسي) بدأت في ديسمبر ١٨٣٢ وانتهت بدمجها في مدرسة الآداب والمدارس الشرعية الثلاث سنة ١٨٧٩. وكان ذلك كله عبر ما أسميناه بالمرحلة الأولى لنشاط الاستشراق.
стр. 2583
١ - الحلقة الأولى: بدأت في العاصمة على يد جوني فرعون (١)، وهو سوري/ مصري الأصل، وبرينييه، وكومباريل، وريشبي، وهوداس، على التوالي.
٢ - حلقة قسنطينة: وتولاها فينيار، وشيربونو، وريشبي، ومارتن، وموتيلانسكي، وكور، على التوالي.
٣ - حلقة وهران: وتولاها هادمان، وكومباريل، وهوداس، وماشويل، وديلفان، وموليراس، وبيل.
٤ - حلقة كوليج الجزائر: (متوسطة) وتولاها قورقوس ١٨٤٦.
٥ - حلقة الكوليج الامبريالي بالعاصمة: وقد تولاها الدكتور بيرون، ١٨٥٧.
٦ - حلقة مدرسة الآداب، وقد تولاها هوداس، ١٨٦٣.
تأسست حلقة اللغة العربية في مدينة الجزائر بعد مضي ثلاث سنوات ونصف على الاحتلال. فقد حل بالجزائر خلال شهر مايو، (١٨٣٢) المتصرف المدني، جنتي دي بوسي، وكان ذلك في عهد الحاكم العام الدوق دي روفيقو، الذي عرف عهده بالارهاب والتعسف، وهو الذي أقام حكم البوليس في الجزائر ووقعت في عهده مذبحة العوفية قرب وادي الحراش. وكان الاحتلال ما يزال يتأرجح ولم يستول الفرنسيون إلا على مدينة الجزائر ووهران وعنابة. ولذلك كان لقب دي روفيقو هو (قائد الممتلكات الفرنسية في إفريقيا). هذا هو الجانب العسكري للموضوع. أما الجانب المدني فقد تولاه دي بوسي الذي حمل معه مشروعا، من عدة عناصر:
стр. 2584
١ - دعم جريدة (المونيتور) لنشر أخبار الحكومة والقرارات الرسمية. والواقع أن هذه الجريدة قد أسسها دي روفيقو يناير ١٨٣٢، قبل وصول دي
بوسي.
٢ - إنشاء مكتبة عمومية من المخطوطات العربية التي استولى عليها قواد الجيش أو جمعها المرافقون للحملات العسكرية. وهذه النقطة ستتحقق على يد كلوزيل وبيربروجر بعد قليل ١٨٣٥.
٣ - تأسيس مطبعة عربية - فرنسية حكومية لطبع المنشورات الرسمية.
٤ - فتح ثلاث حلقات، إثنتان بالفرنسية للجزائريين واليهود، وثالثة بالعربية للفرنسيين. وهذه هي التي تعنينا الآن.
ولكي يفتح دي بوسي الحلقة الأخيرة طلب من وزارة التعليم العمومي موافاته بأستاذ ماهر فعينت له يوسف يعقوب، وكان من مواليد القاهرة لأب أرميني وأم سورية. وكان عندئذ يتولى كرسي اللغة العربية في كوليج لويس لوقران بباريس. ولا ندري إن كان للمستشرق دي ساسي يد في هذا التعيين. إنما مجيء يعقوب إلى الجزائر لم يتحقق لأنه توفي قبل التحاقه بها. وكان يعقوب طاعنا في السن، ومن المصريين الذين رافقوا الحملة الفرنسية على مصر بعد فشلها سنة ١٨٠١. فماذا يفعل دي بوسي؟
لقد لجأ إلى جوني فرعون، وهو مصري أيضا. من أب سوري الأصل، إسمه الياس فرعون. وكان الياس مترجما، في الجيش الفرنسي أثناء الحملة على مصر. وجدها أخذ إبنه معه إلى فرنسا، حيث تعلم (الابن) في مدرسة اللغات الشرقية، ومن أساتذته فيها دي ساسي. وقد مارس التدريس والاشراف على بعثة الضباط المصريين في فرنسا، وكان في طولون عند تحرك الحملة ضد الجزائر فانضم إليها، وأصبح مترجما وكاتبا لقائدها، دي بورمون. ثم سمي مترجما عسكريا سنة ١٨٣١، وكان عمره عندئذ ٢٨ سنة فقط. وأصبح مترجما من الدرجة الأولى سنة ١٨٣٩، وكان يعمل في الحكومة العامة بالجزائر بعد إنشائها. وقبل أن يكلفه دي بوسي
стр. 2585
بدرس اللغة العربية قد نشر أول كتاب في النحو العربي تنشره المطبعة الرسمية، يوليو، ١٨٣٢، وهو باللهجة العامية الجزائرية التي لا ندري كيف تعلمها في ذلك الظرف القصير. وقد أحرز الكتاب على نجاح لدى المهتمين. والتف حول جوني فرعون الضباط الفرنسيون الأوائل الذين سيشرفون على المكاتب العربية والإدارة الفرنسية في الجزائر، أمثال: لامورسيير، وبيليسييه دي رينو، ودوماس، وماري.
هذه الخبرة والسمعة جعلت دي بوسي يتبنى درس فرعون بالعربية في ديسمبر ١٨٣٢. وهو الدرس الموجه للفرنسيين، كما قلنا. وهكذا يكون تعليم العربية للأوروبيين في الجزائر قد بدأ على يد مصري - سوري - فرنسي، وهو جوني فرعون. ولم يكن غرض الفرنسيين تعليم الفصحى ولا المحافظة على العربية المكتوبة أو تثقيف أهلها، وإنما كان التعرف على الجزائريين بوسيلة الاتصال الوحيدة بهم وهي العربية الدارجة، ثم العمل على نشر الفرنسية بينهم بالمؤثرات الأخرى غير التعليم. وقد عبرت عن ذلك صراحة رسالة الدوق دي روفيقو إلى وزير الحربية الفرنسي. فقد جاء فيها: إن الجزائر لن تكون حقا فرنسية إلا إذا أصبحت فيها اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة (١)، وأصبحت الفنون والعلوم التي عرفتها فرنسا وشرفت بها، معروفة في الجزائر أيضا، وقضي على الجهل والتعصب اللذين كبلا العقل العربي فلم يظهر كل مواهبه. إن الهدف الأسمى من كل المحاولات التي تقوم بها الإدارة في التعليم هو (إحلال الفرنسية محل العربية، باعتبار اللغة الفرنسية هي لغة السلطة ولغة الإدارة. ومن ثمة فستنتشر اللغة الفرنسية
стр. 2586
بسرعة بين الأهالي، لا سيما إذا جاء الجيل الجديد أفواجا للتعلم في مدارسنا) (١).
إن الخطة قد رسمها دو روفيقو لجوني فرعون ولكل من جاء بعده. فقد أصبح فرعون، بالإضافة إلى دروسه، هو رئيس مكتب الدوق المذكور وتحت حمايته. وقد نشر عدة أعمال لغوية وتاريخية وتشريعية عن الجزائر والجزائريين. وتوفي صغير السن في فرنسا، سنة ١٨٤٨ (٢). كان جوني فرعون يقوم بدرسين أحدهما عام والآخر خاص، وكان الأول مجانيا والثاني بأجر. وكانت الدروس أيام الثلاثاء والخميس والسبت، لمدة ساعة واحدة في كل درس عام. وكان ذلك في بناية وفرتها له الإدارة، ولكن التزاحم على درسه جعله يغير المكان عدة مرات بحثا عن مكان يتسع للزبائن. ولكن هذا الدرس توقف فترة طويلة، ذلك أن لجة التحقيق الرسمية التي عينتها الحكومة الفرنسية قد وصلت في سبتمبر ١٨٣٣، وكان جوني فرعون هو الكاتب والمترجم لها، ودام نقلها في البلاد عدة أسابيع، فلم يستأنف فرعون درسه إلا في ديسمبر ١٨٣٣.
ولكن الفرنسيين لم يؤسسوا حلقة للغة العربية في الجزائر، رغم محاولات جوني فرعون، إلا على يد لويس جاك برينييه سنة ١٨٣٧. وكان دي ساسي هو الذي أشار به على وزارة التعليم العمومي. وافتتح برينييه أول درس له في الجزائر خلال يناير من العام المذكور. وسمي درسه الدرس العام للعربية، وكان يعتبر في الوثائق الفرنسية من التعليم العالي. وقد طال عهد برينييه وشارك في مختلف النشاط الاستشراقي مع زميله بيربروجر وغيره، إلى
стр. 2587
وفاته ١٨٦٩. فهو بحق مؤسس مدرسة الاستشراق الفرنسي المهني في الجزائر، وقد تخرج على يديه عشرات المترجمين والباحثين، وأوصل العربية الدارجة إلى الكثير من الفرنسيين الأوائل مما جعلهم يتصلون بالجزائريين بأقرب طريق، كما نشر برينييه عدة معاجم وخطوط ونصوص.
ولد برينييه في مونتارجيس بفرنسا سنة ١٨١٤، وعمل في الطباعة، ونشأ على حب اللغات الشرقية، ثم جاء إلى باريس لدراستها على أكبر شيوخها في مدرسة اللغات الشرقية، أمثال سيلفيستر دي ساسي، وكاترمير، وجوبير، وغارسان، ودي طاسي، وبيرسوفال، الخ. وكان يحذق العربية والتركية والفارسية. وعندما تولى كرسي العربية في الجزائر لم يجد كتبا يعتمد عليها فأوصى تلاميذه باقتناء كتب أساتذته. وقد نشرت جريدة (المونيتور) أول درس ألقاه برينييه في الجزائر. وجاءت فيه عدة نقاط تستحق التوقف لأنها تعبر عن برنامجه الذي دام حوالي أربعين سنة. فكان درسه غير خاص بالدارجة الجزائرية بل شاملا للعاميات العربية في مختلف بيئاتها. وهناك ضرورة لدراسة العربية دراسة جادة لأن الهدف هو ربط الصلة مع الأهالي لكي يتعودوا على اعتبار الفرنسيين غير غزاة ولكن حماة لمصالحهم، كما قال، وإنما هم ناشرون للمدنية بينهم، همهم دراسة آدابهم للوصول إلى منابع أفكارهم وعاداتهم. وقال إن العربية هي لغة الأهالي، مستعملة في العلاقات العائلية والتجارية، وهي لغة غنية ورشيقة، وأن للفصحى مؤلفات في القواعد، أما العامية فلا. وفي مقالة نشرها في (المجلة الآسيوية) لسان حال الاستشراق الفرنسي، سنة ١٨٣٨، قال برينييه إنه من الضروري أن يقضي الدارس سنة كاملة في تعلم اللغة العربية المكتوبة (الفصحى) قبل دراسة العامية (١).
ومعظم حصص برينييه كانت كالتالي: ثلاث حصص أسبوعية للتدريب
стр. 2588
على الفصحى والعامية، وحصة خاصة بالنحو والإملاء والأسلوب، وحصة خاصة بشرح نصوص أدبية عربية، وبعض النصوص العلمية. ثم حصة لترجمة الرسائل والنصوص الرسمية والكتابات المتداولة. وبعد مضي فترة عليه في الجزائر بدأ يصدر المؤلفات التي تخدم تلاميذه، ومنها النحو والإنشاء وشرح النصوص، والمجموعات المختارة. وربما سنتناول مؤلفاته في مكان آخر. كما شارك برينييه في الترجمة، والإشراف على امتحانات المترجمين سنوات طويلة (١).
وبعد حوالي عشر سنوات على إنشاء كرسي العربية في مدينة الجزائر وترسيخ قدم الاستشراق الفرنسي بها، وبعد بداية التفكير في إنشاء معهد عربي - فرنسي ومراجعة المنظومة التعليمية، افتتحت ثلاث حلقات أخرى في اللغة العربية في كل من العاصمة وقسنطينة ووهران، أي سنة ١٨٤٦. كانت هذه السنة تمثل بداية التراجع للمقاومة الوطنية التي كان يتولاها الأمير عبد القادر، وكانت تمثل من جهة أخرى القمة في سمعة المارشال بوجو، الحاكم العام، الذي استصدر أمرا ملكيا ١٨٤٥ بجعل العربية إجبارية في كل توظيف ابتداء من يناير ١٨٤٧. فمن هذه الزاوية يجب النظر إلى إنشاء الحلقات الجديدة للغة العربية وإلى توسيع قاعدة الترجمة والبحث في مجال الاستشراق. وكان درس برينييه يجلب عددا كثيرا أو قليلا حسب موجات المهاجرين الأوروبيين واهتماماتهم.
فقد لوحظ أن عدد الحاضرين للدرس أخذ ينخفض بالتدرج حتى وصل إلى ٢١ طالبا في الدارجة وعشرة في الفصحى. وكانت الهجرات الأوروبية قبل ١٨٤٤ تضم أناسا غير متعلمين بصفة عامة، ولكن ابتداء من هذا التاريخ، وطمعا في الوعود التي أعطيت بعد محاصرة المقاومة والقضاء على زمالة الأمير ١٨٤٣، جاء عدد من المهاجرين المتعلمين آملين في البقاء.
стр. 2589
ولذلك ارتفع عدد الحضور في الحلقة سنة ١٨٤٥ إلى عشرين فردا. وكانت هذه السنة أيضا سنة المرسوم الملكي المشار إليه. وقد طلبت السلطة (على لسان المفتش آر طو) من برينييه أن يحضر مسابقة للحلقة العربية العامية المخطط إنشاؤه في كوليج الجزائر، وهذا الكوليج كان في مستوى مدرسة متوسطة تضم أبناء الجالية الفرنسية. وقد نجح فيها (مارس ١٨٤٦ السيد قورقوس (١)، وهو الذي تولى الحلقة المذكورة. وفي شهر مايو، جرت مسابقة أخرى لملء حلقة مماثلة لحلقة برينييه (تعليم عال) في قسنطينة، فنجح فيها فينيار Vignard ولكنه لم يسبق في الوظيف الجديد إلا بضعة أشهر فقط. كان فينيار مترجما عسكريا، ولم يكن من المستشرقين بالمعنى المهني للكلمة. وقد سمى فينيار من جديد مترجما أساسيا ملحقا بديوان القائد العام لإقليم قسنطينة.
ولذلك خلفه في حلقة اللغة العربية في قسنطينة مستشرق متخرج من مدرسة اللغات الشرقية بباريس، وهو شيربونو، وذلك في ٢١ ديسمبر ١٨٤٥. كان شيربونو يعلم القراءة والكتابة ويعرض قواعد النحو العربي طبقا للدراسات الفرنسية الكلاسيكية. وكذلك يعرض حياة المؤلفين، مفضلا أولئك الذين يقترب أسلوبهم من الحياة اليومية. وأما الحصص فقد كانت شبيهة بحصص زميله برينييه، وقد ربط شيربونو علاقات مع الأسر المثقفة في قسنطينة والعائلات العلمية والصوفية، أمثال أحمد العطار والمكي البوطالبي ومصطفى بن جلول، واستطاع أن ينشر بينهم اللغة الفرنسية أيضا، ذلك أن من مهمة أستاذ حلقة اللغة العربية الموجهة للفرنسيين، أن ينشر الفرنسية أيضا بين المتعلمين الجزائريين.
ولد شيربونو سنة ١٨١٣ في فرنسا، وقد تخرج، كما ذكرنا، من مدرسة اللغات الشرقية الحية. ونشر عدة مقالات في المجلة الآسيوية، وكان عضوا مؤسسا لجمعية الآثار بقسنطينة سنة ١٨٥٣، وظل كاتبا لها سنوات طويلة. ولم تقتصر جهوده على التعليم، بل كان يبحث وينشر. وسنتناول
стр. 2590
مؤلفاته بعد قليل. فقد اهتم بتاريخ الجزائر العربة الاسلامية من مختلف الوجوه، ولا سيما الآثار والتاريخ والتراجم واللغة. وفي ١٨٦٣ انتقل إلى العاصمة مديرا للكوليج الامبريالي خلفا لبيرون. وفي ١٨٧١ أصبح مديرا لجريدة (المبشر)، وعند إعادة تنظيم المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث كلف شيربونو بتفتيشها ابتداء من سنة ١٨٧٦، وكانت هذه المدارس تسمى خطأ (المدارس الاسلامية للتعليم العالي) ذلك أن مستواها في الواقع ليس سوى تعليم متوسط. ثم عاد شيربونو إلى مدرسة اللغات الشرقية سنة ١٨٧٩ ليحل محل البارون دوسلان في تدريس اللغة العربية المغربية، كما كانت تسمى. وقد استمر على علاقة بالجزائر يراسل مجلاتها ويشارك في عضوية جمعياتها، إلى وفاته في ديسمبر ١٨٨٢ وهو في باريس (١).
وقد استمرت حلقة اللغة العربية في قسنطينة على يد آخرين (ريشبي، ومارتن). وفي عهد الأخير منهما أصبحت الحلقة جزءا من مدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية بعد تنظيم المدارس الثلاث. وقد تداول على مدرسة قسنطينة عدد من المستشرقين البارزين أمثال موتيلانسكي، وكور، ودورنون، وسان كالبر.
أما حلقة وهران فقد افتتحت أيضا في ٢٢ ديسمبر ١٨٤٦. وعين عليها هادمار الذي لم يكن من المستشرقين المحترفين، وإنما كان مترجما في إدارة المالية، وكان هادمار يقوم بثلاثة دروس أسبوعيا، بمعدل ساعة واحدة لكل درس. وقد تركت له حرية التصرف حسب الامكانات والحضور. فلم يوضع له برنامج محدد. وكان ذلك شأن زملائه أيضا في الجزائر وقسنطينة. ولذلك كان الحضور عادة مكثفا في البداية وضعيفا في نهاية السنة. كما أن شخصية الأستاذ كانت تلعب دورا رئيسيا في جلب الجمهور أو تنفيره، وكذلك فصول السنة. ولا ندري ما إذا استطاع هادمار أن يقدم أيضا درسا بالفرنسية
стр. 2591
للجزائريين كما فعل زميله شيربونو في قسنطينة. لكن المؤكد أن لغة التدريس هي العربية الدارجة، وكانت قلة الحاضرين تعزى عادة إلى صعوبة اللغة العربية - الدارجة - وليس إلى ضعف الأستاذ أو عدم رغبة الفرنسيين في التلقي والاستفادة (١).
وقد بقي هادمار على رأس حلقة وهران حوالي عشر سنوات، ثم خلفه زميلاه كومبريل فهوداس، ثم ماشويل. لكن في عهد هوداس وقع دمج الحلقة المذكورة في مدرسة تلمسان الشرعية الفرنسية، بعد إعادة النظر في محتوى وتوجيه المدارس الثلاث. وقد لعب هوداس دورا هاما في حياة الاستشراق الفرنسي بالجزائر. ولد سنة ١٨٤٠ في (لواري)، ودرس في مدرسة اللغات الشرقية. فهو من المستشرقين بالمهنة. جاء الجزائر سنة ١٨٦٣ في قمة ما سمي بعهد المملكة العربية، وقد بقي إلى سنة ١٨٨٤. ثم تولى كرسي اللغة العربية في الكوليج الامبريالي سنة ١٨٦٣، كما عمل أستاذا في ليسيه الجزائر الذي افتتح سنة ١٨٦٠. ثم تولى حلقة اللغة العربية بوهران سنة ١٨٦٩ وقد بقي هناك إلى سنة ١٨٧٧ عند إعادة تنظيم المدارس الثلاث، وفي هذه السنة تولى حلقة الجزائر، ولكنه لم يبق فيها إلا قليلا إذ عين على رأس مدرسة الآداب العليا عند إنشائها سنة ١٨٨٠، وهو الذي افتتح فيها درس اللغة والأدب العربي. وبعد وفاة شيربونو حل هوداس محله في مدرسة اللغات الشرقية الحية بباريس. وظل هوداس يزور الجزائر ويهتم بحياة الاستشراق فيها، ومن ذلك مرافقته للوزير كومبس سنة ١٨٩٦. ولعله حضر أيضا المؤتمر الدولي للمستشرقين سنة ١٩٠٥.
منذ أن حل بالجزائر كان هوداس ينشر نصوصا عربية موجهة لتلاميذه،
стр. 2592
وكان وهو في وهران مهتما أيضا بإخراج الكتب الموجهة للتعليم المدرسي، ولكنه قام بعمل مضن رفقة زميله (مارتيل) الذي كان من مدرسة الحقوق، وهو ترجمة (تحفة الحكام) لابن عاصم. وقد اشتغل فيها هوداس قرابة العشر سنوات. وبعد رجوعه إلى باريس، كان يبحث وينشر أعمالا ليست بالضرورة حول الجزائر، ففيها ما هو حول الأدب العربي عموما والسودان ومنطقة المغرب العربي، بل إنه ترجم نصوصا من صحيح البخاري. ومما انتقده عليه زملاؤه المستشرقون أنه كان يتعجل النشر لأعماله ولا يدقق كثيرا (١).
قلنا إن هوداس تولى حلقة اللغة العربية الجديدة في المعهد السلطاني (الكوليج الامبريالي) بالجزائر سنة ١٨٦٣. وكان ذلك على إثر مسابقة جرت في ١٠ يوليو من نفس العام. وفاز فيها هوداس. وإلى ذلك الحين كان مدير المعهد هو نقولا بيرون الذي تولى الإدارة منذ ١٨٥٧. وكانت الحكومة الفرنسية تفكر، كما ذكرنا، في إنشاء كوليج عربي - فرنسي في باريس سنة ١٨٤٦، يستقبل أبناء الجزائر، ويكون بوتقة تنصهر فيها عناصرهم مع العناصر الفرنسية قبل أن يعودوا مؤهلين إلى الجزائر لنشر الأفكار الفرنسية. وكان الفرنسيون قد فعلوا شيئا من ذلك مع أبناء مصر في عهد محمد علي باشا. وكانت هذه الفكرة تتماشى مع سياسة بوجو في الجزائر. وقد اقترح لإدارة هذا الكوليج الدكتور بيرون الذي سبق له العمل في مصر، والذي صادف وجوده في باريس سنة ١٨٤٦. وقد قبل بيرون بالمسؤولية الجديدة، وترك مدرسة الطب المصرية، ولكن مشروع الكوليج ظل يتعثر إلى أن استقال بوجو وانهزم الأمير ووقعت الثورة الفرنسية ١٨٤٨، وأخذت السلطات الفرنسية الجديدة تهتم بالجزائر من جانب آخر، وهو الادماج في فرنسا، فاشتغل بيرون بترجمة مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي ضمن أعمال لجنة (اكتشاف الجزائر العلمي). وكان على بيرون أن يرجع إلى مصر سنة ١٨٥٣ كطبيب.
стр. 2593
لكن فكرة الكوليج العربي/ الفرنسي رجعت سنة ١٥٥٧ على أن يكون في الجزائر وليس في باريس. وكان المارشال راندون هو الحاكم العام عندئذ. وقد احتل الفرنسيون آخر معاقل المقاومة وهي جرجرة والجنوب. ونادي راندون على بيرون ليكون المدير للكوليج فقبل. وكان معاونه هو شارل فيرو، وهو المترجم العسكري الشهير في وقته. وقضى معه أربع سنوات. ولا ندري إن كان بيرون قد أدخل اللغة العربية في الكوليج، ولعل الذي كان يتولى تدريس العامية الجزائرية هو فيرو، لأن الطلبة كانوا مختلطين (عرب وفرنسيون). ومنذ ١٨٦٤ سمي بيرون مفتشا للمدارس الشرعية الثلاث، ولكنه وجد التنقل من أجل ذلك في الأقاليم الثلاثة عسيرا عليه لكبر سنه. فتقاعد سنة ١٨٧٢. وتوفي في ضواحي باريس سنة ١٨٧٦.
لقد كان بيرون من المستشرقين البارزين. ولد ١٧٩٨. وبعد أن أكمل دراسته الاجتماعية مارس التدريس في ثانوية لويس لوقران، واضطره حال أسرته إلى التخلي عن ذلك، واهتم بالطب وتأثر بالحركة السان سيمونية، وأصبح طبيبا، وحضر دروس بيرسوفال في مدرسة اللغة الشرقية، فحذق العربية والفارسية والتركية والجاوية، وقد دعاه كلوت بيه (الفرنسي)، مؤسس مدرسة الطب في مصر، للعمل معه هناك فذهب إلى مصر، وواصل فيها دراسة اللغات العربية. وحاضر في الفيزياء والكيمياء والعلوم الباطنية (الكلينيك الداخلي)، ونشر عدة رسائل بالعربية عن المواد المذكورة. وترجم عدة أعمال، وظل كذلك إلى أن عرضت عليه إدارة الكوليج العربي - الفرنسي في باريس كما ذكرنا. وأثناء وجوده بالجزائر نوه به حسن بن بريهمات كثيرا، ولعله قد تأثر به (١).
والمعروف أن المعهد السلطاني في الجزائر قد أغلقته حكومة
стр. 2594
الجمهورية الثالثة انتقاما من منشئه نابليون الثالث، صاحب فكرة المملكة العربية في الجزائر، التي لم تهضمها الجمهورية ولا المستوطنون. وقد ضم طلابه إلى ليسيه الجزائر، كما ضم فرعه في قسنطينة إلى التعليم الثانوي في نفس المدينة.
أما آخر حلقات اللغة العربية فهي حلقة مدرسة الآداب العليا التي أنشئت سنة ١٨٨٠، وهي المدرسة التي سيلعب فيها كل من هوداس، وماسكري، ورينيه باصيه، دورا هاما. وهي المعنية بتعبيرنا (مدرسة الجزائر) الاستشراقية التي كانت تقدم للإدارة الاستعمارية كل التسهيلات العلمية في مختلف المجالات.
مدرسة الآداب
مدرسة الجزائر هنا هي مدرسة الآداب العليا (كلية فيما بعد) وهي أيضا مدرسة الاستشراق الفرنسي في الجزائر، بعد انطلاقته الجديدة التي أشرنا إليها في بداية الفصل. افتتحت، إلى جانب مدرسة العلوم والحقوق والطب، سنة ١٨٨٠ (١). وتعاونت المدارس الأربع على دفع الاستشراق في خدمة الإدارة الاستعمارية، كل في مجال اختصاصه، وأبرزها في موضوعنا هي مدرسة الآداب. ولكن مدرسة الحقوق أيضا قدمت خدمة كبيرة للإدارة والاستشراق بالوقوف على النصوص الفقهية والتشريعات الاسلامية، وكان أساتذتها يتعاونون مع زملائهم الآخرين في الترجمة والنشر، وكانوا يخدمون بالخصوص جانب القضاء الفرنسي الذي استولى بالتدرج على صلاحيات القضاء الاسلامي، ومن أشهرهم زيس ومارسيل موران. وقد ظهر في مدرسة الطب مستشرقون اهتموا أيضا بالتراجم والنصوص العربية أمثال غبريال كولان. ونفس الشيء يقال عن مدرسة العلوم.
стр. 2595
أول من تولى كرسي اللغة العربية في مدرسة الآداب هو هوداس، وقد ساعده فيه عالم جزائري عميق المعلومات استفاد منه الاستشراق الفرنسي إلى أقصى الحدود ولم يستفد منه وطنه، وهو بلقاسم بن سديرة (١). وفي نفس السنة ١٨٨٠ حل بالجزائر أستاذ يافع ولكنه طموح، وهو رينيه باصيه، خريج مدرسة اللغات الشرقية الحية، فعهد إليه بتدريس الأدب العربي. وتوطدت العلاقات بين هوداس وباصيه وتوحدت نظرتهما في خدمة الإدارة والاستشراق. وكانت تونس قد احتلت سنة ١٨٨١. فبادر الاثنان برحلة إليها سميت (بعثة علمية) فاطلعا فيها على المخطوطات وأحوال التعليم والحياة الفكرية. ولكن هوداس غادر الجزائر سنة ١٨٨٢ ليتولى كرسي العربية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، على إثر وفاة شيربونو. وتولى باصيه مكان هوداس في الجزائر. وارتبطت علاقات قوية بين باصيه وابن سديرة، الذي كان، لولا الميز الاستعماري، أولى منه بالكرسي. ولكن باصيه جعل من ابن سديرة ومن زميله عمر (سعيد) بوليفة (٢)، أداتين لإنجاز مشروعه الاستشراقي العريض.
قلنا إن باصيه قد خلف زميله هوداس في تدريس اللغة العربية، وحل إدمون فانيان محل باصيه في تدريس الأدب العربي. وبقي الرجلان، باصيه وفانيان، حوالي أربعين سنة في خدمة الاستشراق، وبينما اندمجت الدراسات العربية على هذا النحو في العاصمة، إضافة إلى المدرسة الشرعية - الفرنسية التي يتولاها أيضا مستشرقون آخرون، نجد مدرسة قسنطينة التي كانت تسمى الكتانية عندئذ، يتولاها المستشرق مارتن إلى أن مات سنة ١٨٨٩. وقد خلفه عليها مستشرق بارز آخر هو موتيلانسكي، الذي ربط إسمه بعملين على الأقل: ترجمة الفقه الإباضي وخدمة البعثات الاستكشافية الفرنسية نحو الصحراء. وقد ظل موتيلانسكي على رأس مدرسة قسنطينة إلى وفاته سنة