← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

للجزائريين كما فعل زميله شيربونو في قسنطينة. لكن المؤكد أن لغة التدريس هي العربية الدارجة، وكانت قلة الحاضرين تعزى عادة إلى صعوبة اللغة العربية - الدارجة - وليس إلى ضعف الأستاذ أو عدم رغبة الفرنسيين في التلقي والاستفادة (١). وقد بقي هادمار على رأس حلقة وهران حوالي عشر سنوات، ثم خلفه زميلاه كومبريل فهوداس، ثم ماشويل. لكن في عهد هوداس وقع دمج الحلقة المذكورة في مدرسة تلمسان الشرعية الفرنسية، بعد إعادة النظر في محتوى وتوجيه المدارس الثلاث. وقد لعب هوداس دورا هاما في حياة الاستشراق الفرنسي بالجزائر. ولد سنة ١٨٤٠ في (لواري)، ودرس في مدرسة اللغات الشرقية. فهو من المستشرقين بالمهنة. جاء الجزائر سنة ١٨٦٣ في قمة ما سمي بعهد المملكة العربية، وقد بقي إلى سنة ١٨٨٤. ثم تولى كرسي اللغة العربية في الكوليج الامبريالي سنة ١٨٦٣، كما عمل أستاذا في ليسيه الجزائر الذي افتتح سنة ١٨٦٠. ثم تولى حلقة اللغة العربية بوهران سنة ١٨٦٩ وقد بقي هناك إلى سنة ١٨٧٧ عند إعادة تنظيم المدارس الثلاث، وفي هذه السنة تولى حلقة الجزائر، ولكنه لم يبق فيها إلا قليلا إذ عين على رأس مدرسة الآداب العليا عند إنشائها سنة ١٨٨٠، وهو الذي افتتح فيها درس اللغة والأدب العربي. وبعد وفاة شيربونو حل هوداس محله في مدرسة اللغات الشرقية الحية بباريس. وظل هوداس يزور الجزائر ويهتم بحياة الاستشراق فيها، ومن ذلك مرافقته للوزير كومبس سنة ١٨٩٦. ولعله حضر أيضا المؤتمر الدولي للمستشرقين سنة ١٩٠٥. منذ أن حل بالجزائر كان هوداس ينشر نصوصا عربية موجهة لتلاميذه،

стр. 2592

وكان وهو في وهران مهتما أيضا بإخراج الكتب الموجهة للتعليم المدرسي، ولكنه قام بعمل مضن رفقة زميله (مارتيل) الذي كان من مدرسة الحقوق، وهو ترجمة (تحفة الحكام) لابن عاصم. وقد اشتغل فيها هوداس قرابة العشر سنوات. وبعد رجوعه إلى باريس، كان يبحث وينشر أعمالا ليست بالضرورة حول الجزائر، ففيها ما هو حول الأدب العربي عموما والسودان ومنطقة المغرب العربي، بل إنه ترجم نصوصا من صحيح البخاري. ومما انتقده عليه زملاؤه المستشرقون أنه كان يتعجل النشر لأعماله ولا يدقق كثيرا (١). قلنا إن هوداس تولى حلقة اللغة العربية الجديدة في المعهد السلطاني (الكوليج الامبريالي) بالجزائر سنة ١٨٦٣. وكان ذلك على إثر مسابقة جرت في ١٠ يوليو من نفس العام. وفاز فيها هوداس. وإلى ذلك الحين كان مدير المعهد هو نقولا بيرون الذي تولى الإدارة منذ ١٨٥٧. وكانت الحكومة الفرنسية تفكر، كما ذكرنا، في إنشاء كوليج عربي - فرنسي في باريس سنة ١٨٤٦، يستقبل أبناء الجزائر، ويكون بوتقة تنصهر فيها عناصرهم مع العناصر الفرنسية قبل أن يعودوا مؤهلين إلى الجزائر لنشر الأفكار الفرنسية. وكان الفرنسيون قد فعلوا شيئا من ذلك مع أبناء مصر في عهد محمد علي باشا. وكانت هذه الفكرة تتماشى مع سياسة بوجو في الجزائر. وقد اقترح لإدارة هذا الكوليج الدكتور بيرون الذي سبق له العمل في مصر، والذي صادف وجوده في باريس سنة ١٨٤٦. وقد قبل بيرون بالمسؤولية الجديدة، وترك مدرسة الطب المصرية، ولكن مشروع الكوليج ظل يتعثر إلى أن استقال بوجو وانهزم الأمير ووقعت الثورة الفرنسية ١٨٤٨، وأخذت السلطات الفرنسية الجديدة تهتم بالجزائر من جانب آخر، وهو الادماج في فرنسا، فاشتغل بيرون بترجمة مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي ضمن أعمال لجنة (اكتشاف الجزائر العلمي). وكان على بيرون أن يرجع إلى مصر سنة ١٨٥٣ كطبيب.

стр. 2593

لكن فكرة الكوليج العربي/ الفرنسي رجعت سنة ١٥٥٧ على أن يكون في الجزائر وليس في باريس. وكان المارشال راندون هو الحاكم العام عندئذ. وقد احتل الفرنسيون آخر معاقل المقاومة وهي جرجرة والجنوب. ونادي راندون على بيرون ليكون المدير للكوليج فقبل. وكان معاونه هو شارل فيرو، وهو المترجم العسكري الشهير في وقته. وقضى معه أربع سنوات. ولا ندري إن كان بيرون قد أدخل اللغة العربية في الكوليج، ولعل الذي كان يتولى تدريس العامية الجزائرية هو فيرو، لأن الطلبة كانوا مختلطين (عرب وفرنسيون). ومنذ ١٨٦٤ سمي بيرون مفتشا للمدارس الشرعية الثلاث، ولكنه وجد التنقل من أجل ذلك في الأقاليم الثلاثة عسيرا عليه لكبر سنه. فتقاعد سنة ١٨٧٢. وتوفي في ضواحي باريس سنة ١٨٧٦. لقد كان بيرون من المستشرقين البارزين. ولد ١٧٩٨. وبعد أن أكمل دراسته الاجتماعية مارس التدريس في ثانوية لويس لوقران، واضطره حال أسرته إلى التخلي عن ذلك، واهتم بالطب وتأثر بالحركة السان سيمونية، وأصبح طبيبا، وحضر دروس بيرسوفال في مدرسة اللغة الشرقية، فحذق العربية والفارسية والتركية والجاوية، وقد دعاه كلوت بيه (الفرنسي)، مؤسس مدرسة الطب في مصر، للعمل معه هناك فذهب إلى مصر، وواصل فيها دراسة اللغات العربية. وحاضر في الفيزياء والكيمياء والعلوم الباطنية (الكلينيك الداخلي)، ونشر عدة رسائل بالعربية عن المواد المذكورة. وترجم عدة أعمال، وظل كذلك إلى أن عرضت عليه إدارة الكوليج العربي - الفرنسي في باريس كما ذكرنا. وأثناء وجوده بالجزائر نوه به حسن بن بريهمات كثيرا، ولعله قد تأثر به (١). والمعروف أن المعهد السلطاني في الجزائر قد أغلقته حكومة

стр. 2594

الجمهورية الثالثة انتقاما من منشئه نابليون الثالث، صاحب فكرة المملكة العربية في الجزائر، التي لم تهضمها الجمهورية ولا المستوطنون. وقد ضم طلابه إلى ليسيه الجزائر، كما ضم فرعه في قسنطينة إلى التعليم الثانوي في نفس المدينة. أما آخر حلقات اللغة العربية فهي حلقة مدرسة الآداب العليا التي أنشئت سنة ١٨٨٠، وهي المدرسة التي سيلعب فيها كل من هوداس، وماسكري، ورينيه باصيه، دورا هاما. وهي المعنية بتعبيرنا (مدرسة الجزائر) الاستشراقية التي كانت تقدم للإدارة الاستعمارية كل التسهيلات العلمية في مختلف المجالات. مدرسة الآداب مدرسة الجزائر هنا هي مدرسة الآداب العليا (كلية فيما بعد) وهي أيضا مدرسة الاستشراق الفرنسي في الجزائر، بعد انطلاقته الجديدة التي أشرنا إليها في بداية الفصل. افتتحت، إلى جانب مدرسة العلوم والحقوق والطب، سنة ١٨٨٠ (١). وتعاونت المدارس الأربع على دفع الاستشراق في خدمة الإدارة الاستعمارية، كل في مجال اختصاصه، وأبرزها في موضوعنا هي مدرسة الآداب. ولكن مدرسة الحقوق أيضا قدمت خدمة كبيرة للإدارة والاستشراق بالوقوف على النصوص الفقهية والتشريعات الاسلامية، وكان أساتذتها يتعاونون مع زملائهم الآخرين في الترجمة والنشر، وكانوا يخدمون بالخصوص جانب القضاء الفرنسي الذي استولى بالتدرج على صلاحيات القضاء الاسلامي، ومن أشهرهم زيس ومارسيل موران. وقد ظهر في مدرسة الطب مستشرقون اهتموا أيضا بالتراجم والنصوص العربية أمثال غبريال كولان. ونفس الشيء يقال عن مدرسة العلوم.

стр. 2595

أول من تولى كرسي اللغة العربية في مدرسة الآداب هو هوداس، وقد ساعده فيه عالم جزائري عميق المعلومات استفاد منه الاستشراق الفرنسي إلى أقصى الحدود ولم يستفد منه وطنه، وهو بلقاسم بن سديرة (١). وفي نفس السنة ١٨٨٠ حل بالجزائر أستاذ يافع ولكنه طموح، وهو رينيه باصيه، خريج مدرسة اللغات الشرقية الحية، فعهد إليه بتدريس الأدب العربي. وتوطدت العلاقات بين هوداس وباصيه وتوحدت نظرتهما في خدمة الإدارة والاستشراق. وكانت تونس قد احتلت سنة ١٨٨١. فبادر الاثنان برحلة إليها سميت (بعثة علمية) فاطلعا فيها على المخطوطات وأحوال التعليم والحياة الفكرية. ولكن هوداس غادر الجزائر سنة ١٨٨٢ ليتولى كرسي العربية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، على إثر وفاة شيربونو. وتولى باصيه مكان هوداس في الجزائر. وارتبطت علاقات قوية بين باصيه وابن سديرة، الذي كان، لولا الميز الاستعماري، أولى منه بالكرسي. ولكن باصيه جعل من ابن سديرة ومن زميله عمر (سعيد) بوليفة (٢)، أداتين لإنجاز مشروعه الاستشراقي العريض. قلنا إن باصيه قد خلف زميله هوداس في تدريس اللغة العربية، وحل إدمون فانيان محل باصيه في تدريس الأدب العربي. وبقي الرجلان، باصيه وفانيان، حوالي أربعين سنة في خدمة الاستشراق، وبينما اندمجت الدراسات العربية على هذا النحو في العاصمة، إضافة إلى المدرسة الشرعية - الفرنسية التي يتولاها أيضا مستشرقون آخرون، نجد مدرسة قسنطينة التي كانت تسمى الكتانية عندئذ، يتولاها المستشرق مارتن إلى أن مات سنة ١٨٨٩. وقد خلفه عليها مستشرق بارز آخر هو موتيلانسكي، الذي ربط إسمه بعملين على الأقل: ترجمة الفقه الإباضي وخدمة البعثات الاستكشافية الفرنسية نحو الصحراء. وقد ظل موتيلانسكي على رأس مدرسة قسنطينة إلى وفاته سنة

стр. 2596

١٩٠٦. أما مدرسة تلمسان فقد عاشت هي أيضا عهد الاندماج والاستشراق النشيط منذ ١٨٧٩ فقد تولاها أولا ماشويل سنوات قليلة، ولكنه نقل سنة ١٨٨١ إلى تونس ليتولى شؤون التعليم فيها، ومن ثمة نرى هذه العلاقة الوطيدة بين الإدارة وأساتذة الدراسات العربية. وقد خلفه على مدرسة تلمسان ديلفان. وعندما انتقل هذا إلى مدرسة الجزائر (الثعالبية) (١) خلفه موليراس في تلمسان. ثم تداول على مدرسة تلمسان عدد آخر من المستشرقين أبرزهم ألفريد بيل الذي طال عهده فيها وكان تلميذا لباصيه. وهكذا تجاوبت أصداء الاستشراق من غرب البلاد إلى شرقها. وسنتحدث عن إنتاج المستشرقين بعد قليل. كان طبيعيا أن تكون العاصمة هي القلب النابض لحركة الاستشراق، لعدة أسباب، منها وجود المدارس العليا الأربع فيها، ثم الجامعة، ووجود مدرسة خامسة (المدرسة الشرعية) يشرف عليها أيضا المستشرقون رغم أنها مخصصة لتخريج القضاة والمدرسين. وبالتدرج تحولت هذه المدرسة من مدرسة شرعية إسلامية عربية اللغة إلى مدرسة استشراقية أيضا، سيما بعد ١٨٩٥ عندما تغيرت برامجها. وليس هناك بين هذه المدارس تنافس، كما قد تتخيل بل تكامل مطلق. وقد أضيف إلى مدرسة الجزائر (الثعالبية) قسم عال ابتداء من سنة ١٨٩٥، مما جعلها تخدم المصالح الاستعمارية أكثر من ذي قبل، ورغم وجود نخبة عربية اللسان والهوى أمثال المجاوي وابن سماية وابن زكرى، فإن إطار الاستشراق كان طاغيا على الثعالبية. ومن الأسباب أيضا قرب هذه النواة النشيطة للاستشراق من موقع القرار، فالحكومة العامة،

стр. 2597

وإدارة الشؤون الأهلية، والمجالس النيابية المختلفة، والمكتبة العامة، والجامعية كلها كانت في العاصمة. لا يمكن أن نفهم بحق نشاط وفعاليات الاستشراق الفرنسي خلال هذه الفترة ١٨٨٠ - ١٩٢٤ إلا بإعطاء نبذة عن حياة رينيه باصيه. ذلك أن اسمه وحده يذكر المرء بأعمال مدرسة ثم كلية الآداب خلال أربعين سنة في خدمة الاستشراق الفرنسي في الجزائر وتسخيره لخدمة الإدارة الاستعمارية بكل حرص. وقد أثر باصيه تأثيرا كبيرا على جيلين على الأقل من تلاميذه الفرنسيين والجزائريين الذين سنذكر بعضهم. وانتصب أولا لتدريس العربية ثم البربرية، وجند جندا من المخلصين له ووظفهم للتدريس والبحث والتأليف والنشر، وكانت الحكومة العامة والدوائر (الكولونيالية) تسانده بالمال للقيام بأبحاثه الخاصة وأبحاث تلاميذه وبعثاتهم ورحلاتهم. وتوجته سنة ١٩٠٥ برئاسة مؤتمر المستشرقين الدولي الرابع عشر في الجزائر. وظل على مجده إلى وفاته سنة ١٩٢٤. ولد باصيه سنة ١٨٥٥ في فرنسا. وأظهر منذ أولياته اهتماما باللغات الشرقية، ولا سيما العربية. وقد اشتغل حوالي سبع سنوات في مدرسة اللغات الشرقية بباريس ومدرسة الآداب العليا قبل أن يأتي إلى الجزائر سنة ١٨٨٠ كان عمره عندئذ ٤٤ سنة، في أوج عطائه وطموحه. ومنذ وصوله تولى تدريس الأدب العربي القديم (الجاهلي) ونشر كتابا في ذلك. ثم تولى تدريس اللغة العربية بعد سفر هوداس إلى فرنسا، كما أشرنا. ويقال عنه إنه ظل وفيا في منهج التدريس لتجربته في المدرسة العليا فرنسا، ومن حيث التوجه كان مستشرقا محترفا، أما سياسيا فقد كان مقتنعا بخدمة العلم لسياسة الإدارة الاستعمارية. وفي سنة ١٨٨٥ أصبح من الأساتذة المرسمين، ثم تولى منذ ١٨٩٤ إدارة المدرسة العليا في الجزائر على إثر وفاة إميل ماسكري الذي سنترجم له. ويعد تحول المدرسة إلى كلية سنة ١٩٠٩ أصبح باصيه عميدا لها إلى وفاته. فإذا ذكرت مدرسة الآداب أو كلية الآداب خلال هذا العهد الطويل فكأنما ذكر إسم رينيه باصيه.

стр. 2598

بلغت مجموع أعمال باصيه في (الميلانج) الذي يحمل إسمه، حوالي أربعين صفحة، بين كتاب وبحث ومقالة ومراجعة. وقد صنفت إلى أبواب، لأنها وإن كانت كلها في مجال الاستشراق، فقد تنوعت إلى أعمال لغوية، وأدبية وقصصية وتاريخية، ودينية، وفولكلورية. كان باصيه قد درس في مدرسة اللغات الشرقية، العربية والتركية والفارسية والحبشية، ثم أضاف البربرية بعد وصوله الجزائر، وبناء على التقارير التي نشرها فقد كان يعرف الهوسة (الحوصة) أيضا (لغة شمال نيجيريا) ويقول أحد تلاميذه، وهو ألفريد بيل، إنه تعلم اللغات الافريقية بعد حلوله بالجزائر وقد نشر أكثر من ٢٥ عملا حول الدراسات البربرية. وبدأ ذلك منذ سنة ١٨٨٣. واعتمد باصيه كثيرا على تعاون تلاميذه في الجهود الضخمة التي بذلها والمنشورات العديدة التي نشرها، وكان ابن سديرة من علماء اللغة العربية والبربرية، فاستفاد منه، كما استفاد من تلميذه بوليفة في البربرية أيضا. وقد أحدث باصيه كرسي البربرية في كلية الآداب وتولى تدريسها. وتخرج على يديه مستشرقون أمثال بيل وديستان وديبارمي. كما أن إبنه (هنري باصيه) قد ورث عنه سيرته وتتلمذ عليه في الاستشراق والبربرية أيضا. وقد صادف وجود باصيه على هذا النشاط والاندفاع في الجزائر مخططات فرنسا لاحتلال المغرب الأقصى. ولذلك سخر جهوده وجهود تلاميذه لمساعدة هذه المخططات. وبعد احتلال المغرب تواصلت هذه الجهود أيضا. فقد قام بوليفة وبيل وإسماعيل حامد ونهليل وغيرهم بزيارات وبعثات إلى المغرب، وكتب كل منهم عن موضوع كلفه به، دراسات لغوية، وآثار، وتشريع، ونحو ذلك. كما ظهرت المساهمات في (الأرشيف المراكشي) الذي ظهرت منه عدة أجزاء، وهو عمل جماعي ضخم، اشتمل على تراجم ونوازل وأنساب وإدارة ونحوها. وظهرت أيضا في (مجلة العالم الإسلامي) التي كان يصدرها المعهد العالي للدراسات المغربية (المراكشية)، ووصل تلاميذ باصيه إلى موريطانيا وإلى السينغال ووسط إفريقيا مبعوثين من قبل الحكومة الفرنسية، ومن هؤلاء أسماء بعض الجزائريين، معلمين

стр. 2599

ومترجمين. ومن تلاميذه الذين أرسلوا أيضا في مهمة إلى المغرب الأقصى محمد بن أبي شنب، كما كان ابن شنب هو العضد الأيمن لباصيه في الدراسات العربية والمخطوطات والعادات واللغة (وكان ابن أبي شنب عارفا أيضا بعدة لغات)، وهو الذي عينه باصيه مساعدا له في مدرسة ثم كلية الآداب. والغالب أن يكون محمد صوالح من تلاميذه أيضا. ويقول تلميذه بيل لقد استفادت إدارة احتلال المغرب من إدارة الجزائر - الاختصاصيون، والتقنيون، والمسائل الأهلية لإدارة ودراسة المغرب، وقد جندت لذلك مجموعة من تلاميذ باصيه، منهم ديستان، وعمر (سعيد) بوليفة، وبيارني، ولاوست، وهنري باصيه، وأندري باصيه (١). كان باصيه يتجول في الجزائر بحثا عن المكتبات والمخطوطات. وهي عدة المستشرقين. وقد ترك وصفا لفهارس المكتبات في بعض الزوايا والمناطق، وقدم وصفا لبعضها في مؤتمرات المستشرقين. كما تحدث في هذه المؤتمرات عن الدراسات البربرية والافريقية عبر عدة سنوات. وسنشير إلى ذلك. وهذه العلاقة بين باصيه وحكومة الجزائر والمستشرقين العالميين هي التي سهلت سنة ١٩٠٥ انعقاد المؤتمر الدولي الرابع عشر للمستشرقين في الجزائر. وقد صادف انعقاده مرور ربع قرن على تأسيس مدرسة الآداب في الجزائر. وهي ذكرى لها أكثر من معنى بالنسبة للاستشراق الفرنسي. لأن إنشاء (مدرسة الجزائر) كان تعبيرا عن انطلاقته الكبرى. وكان باصيه، رغم وجود غيره، الأداة الفاعلة في ذلك، فقد كانت له سمعة جيدة المدى خلال الـ ٤٥ سنة التي قضاها في الجزائر. وقد حضر بعض المؤتمرات الاستشراقية قبل ذلك، منها مؤتمر كوبنهاغن. وجمع مؤتمر الجزائر حوالي ٥٠٠ شخص تحت رئاسة باصيه. وصدرت عنه عدة مجلدات في مختلف الفروع المعرفية، بعضها في شكل

стр. 2600

وثائق ومذكرات. ونظمت للمؤتمرين حفلات موسيقية ومسرحيات وجولات عبر الأقاليم الجزائرية للتعرف على الآثار الرومانية والاسلامية، ومن ذلك مدينتا تلمسان وقسنطينة. ومن الشخصيات التي حضرت من كان يمثل الحكومات ومنها من كان مدعوا شخصيا (١). ويعد المؤتمر المذكور نجاحا كبيرا لباصيه وللاستشراق الفرنسي على العموم. يقول أحد هؤلاء المستشرقين: (إن الاستشراق هو بالطبع الحقل الرئيسي للدراسات في مدرستنا (مدرسة الآداب) ومن داخل الاستشراق تأتي اللغة العربية والمسائل الاسلامية (٢). وأضاف أن أول عمل يبدأ به المرء في دراسة أدب أو حضارة ما هو تصنيف ووصف المصادر. ويدخل في ذلك دراسة المكتبات والمخطوطات، وقد قام باصيه بفهرسة مجموعات من المخطوطات (الكاتلوغات) في الجزائر وفي المغرب الأقصى. كما قام ادمون فانيان بذلك أيضا. وعندما أنجز هذا العمل جاء دور النشر وترجمة المصادر وتاريخ المغرب العربي منذ الفتح الاسلامي. وقد سارع الباحثون المستشرقون بالترجمة إلى الفرنسية لمختلف المصادر العربية لتعريف الرأي العام العلمي بها، ولا سيما علماء الاستشراق والإدارة الفرنسية ومن يهمهم أمر الاستفادة منها. ومن الذين ساهموا في عملية الجمع والترجمة هذه نذكر: هوداس، وفانيان، وبيل، وباصيه، وماسكري، وموتيلانسكي، وكولان، وميرسييه، وجورج مارسيه وأخوه ويليام، وديستان، وجولي، وديلفان، وموليراس، وقوتييه، ودوتيه، وديبارمي، وزيس. ومن

стр. 2601

الجزائريين: ابن أبي شنب، وابن سديرة، وبوليفة. كل هذا كان خلال الربع قرن الذي عاشته مدرسة الآداب (١). وقد واصل تلاميذ باصيه بعد ذلك هذه المهمة في كلية الآداب وفي المدارس الشرعية الثلاث. وكانت هناك قائمة جدية من الأسماء. وكان هذا العهد هو عهد إشعاع الاستشراق الفرنسي من الجزائر. فقد دخل مدرسة اللغات الشرقية بباريس عدد من الأساتذة الذين كانوا في الجزائر خلال سنوات طويلة. ودخلها أولاد البارون ديسلان الذي تولى تدريس العربية العامية، وهو لم يكن مستشرقا محترفا، ولكن أعماله تشهد له بالمكانة البارزة، مثل ترجمة تاريخ ابن خلدون وإشرافه على جريدة (المبشر)، وقد حل محله شيربونو ثم هوداس. وكلاهما قضى في الجزائر بين الثلاثين والعشرين سنة. وقيل إن تدريس هوداس للعامية الجزائرية في مدرسة اللغات الشرقية جعلت المدرسة تهتم أيضا بلهجات الشرق العربي حتى أصبحت موضوعا هاما في مخطط الاستشراق الفرنسي. كما أنشئ بالمدرسة المذكورة (الشرقية) كرسي اللغة البررية لأول مرة سنة ١٩١٣. وكان ذلك غداة احتلال المغرب الأقصى. وأول من تولى هذا الكرسي ديستان (٢). ومعنى هذا أن مدرسة اللغات الشرقية بباريس كانت تمر بتنظيم جديد في مدار القرن على ضوء الأنشطة التي مرت بها مدرسة الجزائر. فقد كان التركيز في (مدرسة اللغات الشرقية) منذ عهد دي ساسي على دراسة العربية الفصحى، واستمر ذلك على يد ديرنبورغ الذي توفي سنة ١٩٠٨. وكان حلول هوداس بها قد غير من هذا التركيز ولفت النظر إلى العامية، ثم البربرية. ومن ناحية أخرى تأثر الاستشراق بالنظرية الاجتماعية التي جاء بها

стр. 2602

دورخايم. وظهر ادمون دوتيه من المتأثرين بذلك في مدرسة الجزائر، وظهرت أسماء في الكوليج دي فرانس كانت معروفة في الجزائر أيضا - أمثال لوشاتلييه الذي تولى كرسي (المجتمع الاسلامي) وأوغسطين بيرنار الذي تولى كرسي (الجغرافية الاقتصادية والتاريخية)، كما استحدث كرسي للتاريخ وآخر للغة (١). ان مدرسة الآداب بالجزائر قد أثرت على الدراسات الاستشراقية الفرنسية عموما: في مدرسة اللغات الشرقية وفي السوربون، وفي الكوليج دي فرانس، وفي مجلة العالم الاسلامي، ثم في الدراسات الاستعمارية الخاصة بالمغرب الأقصى وتونس والمشرق العربي والاسلامي. وسيتطور هذا المفهوم بعد إنشاء مجلة (هيسبريس)، ومعهد الدراسات العليا في المغرب، ومعهد قرطاج في تونس، والمعهد الفرنسي في دمشق، بالإضافة إلى المعهد الفرنسي في مصر الذي يرجع إلى عهد قديم. ومن زملاء باصيه في مدرسة الآداب بالجزائر ادمون فانيان. فهو الذي تولى تدريس الأدب العربي منذ ١٨٨٣. وقد ولد في ليباج سنة ١٨٤٦. وهو من ايرلاندا وجاء الجزائر كمترجم، ولم يتكون في مدرسة استشراقية. ولكنه درس العربية والفارسية والتركية، وهي اللغات الأساسية للمستشرقين عندئذ. وقضى سنوات طويلة في مدرسة الآداب. فقد عاش إلى ١٩٣١. وتميزت أعماله، بالإضافة إلى التدريس، بالترجمة في الموضوعات التاريخية والفقهية والأدبية. كما وضع كاتلوغ مخطوطات الجزائر، وأضاف إضافات على المعاجم العربية. ولذلك قال بعضهم إن فانيان قد واصل مهمة ديسلان في الجزائر (٢). ...

стр. 2603

أول مدير لمدرسة الآداب بالجزائر هو إيميل E. Masquery ماسكري. وهو من العلماء الأدباء الذين تركوا بصماتهم على الأدب الفرنسي أيضا إلى جانب الاستشراق. ولم يكن مستشرقا محترفا. فقد ولد في روان (فرنسا) سنة ١٨٤٣، وبعد تخرجه كان عليه أن يعلم في أحد الليسيات، فرماه حظه، كما قال في أحد كتبه (١)، في الجزائر سنة ١٨٧٢. التحق بليسيه الجزائر، ولكنه كان كثير الحركة فأخذ يزور مختلف المناطق في المناسبات. كما كانت الحكومة تكلفه بمهمات محددة. وقد حذق العربية ودرس التصوف على يد الشيخ علي ابن سماية الذي كان أستاذا في مدرسة الجزائر ومحررا في جريدة المبشر. زار زواوة والأوراس، وميزاب. بالنسبة للأولى زارها أول مرة سنة ١٨٧٣ بعد الثورة الشهيرة (ثورة المقراني والحداد)، ثم أخذ يتردد عليها، ولكنه كلف من الحكومة سنة ١٨٨٢ بمهمة خاصة هناك فتجول ورأى آثار الكنيسة ونشاط جنود الكاردينال لافيجري. وأوصى بتأسيس مدارس ابتدائية في بني يني وتيزي راشد وميرا وجمعة الصهاريج. كما كلفته الحكومة أيضا بمهمة في الأوراس فتجول في مختلف أجزائه سنوات ١٨٧٥ - ١٨٧٨، ثم كتب عن آثار المنطقة ولهجتها وتاريخها ووصف حياة أهلها في كتابات ما تزال ذات قيمة. وغداة احتلال فرنسا لميزاب تجول هناك أيضا وربط علاقة مع الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، العالم الشهير. وطلب منه ماسكري أن يكتب تاريخا موجزا عن ميزاب فكتب له الشيخ اطفيش (الرسالة الشافية) (٢). ودرس ماسكري هناك الحياة الدينية والعادات والتشريعات. ويبدو أن ماسكري قد ارتبط أيضا ببعض التجار الميزابين في قصر البخاري وكذلك ببعض النساخ في غرداية. وإذا كان الناسخ مكلفا بنسخ الكتب لماسكري فإن تاجر قصر البخاري كان أيضا عينا للفرنسيين - عن طريق ماسكري - فيما يتعلق بأحوال الصحراء وتحركات الثوار والأشخاص.

стр. 2604

وقد نشر ابن سديرة رسالة ترجع إلى سنة ١٨٨١ موجهة من هذا التاجر إلى ماسكري. وجاء فيها أنه دائما في خدمة الدولة (الفرنسية) وأنه صاحب المتصرف الإداري هناك، ويفتخر بصحبته لماسكري. ومما جاء في الرسالة أخبار عن الشعانبة على أنهم سيثورون (ينافقوا) في أكتوبر ١٨٨١، ولعله كان يشير بذلك إلى ثورة بوعمامة. لكن الرسالة تذكر شخصا إسمه أحمد، هرب من بريان بعد أن قبض عليه المخزن. ويطلب من ماسكري أن يعلمه عن هدف المحلة (الفرقة العسكرية) المتوجهة نحو الصحراء ودوافعها. ونعرف من الرسالة أن هذا التاجر المراسل الذي يتولى الوساطة في مركز حساس مثل قصر البخاري، كان يملك دكانا كبيرا، هو وإخوته الأربعة. وهو تاجر في القماش وغيره (١). ويبدو أن ماسكري كان من الممهدين لاحتلال ميزاب بعد زيارتها. ذلك أن مترجميه يقولون إنه قام سنة ١٨٨٢ (عهد لويس تيرمان) بزيارة هذه المنطقة تمهيدا لاحتلالها. وجاء منها بمؤلفات، وترجم بعضها. ويقولون عنه إنه خدم الجزائر (الفرنسية) بكل قواه، في تعليمه وفي كتاباته. وقد بين أن الثقافة الحقيقية لها دور تلعبه في خدمة الدولة المستعمرة، وهو دور عظيم في بلاد مثل الجزائر عندئذ. ويقول أوغسطين بيرنار الذي توسع في ترجمة ماسكري: إنه بعد أن ملكت فرنسا الجزائر بالسيف والمحراث (وهو تعبير استعمله بوجو)، يجب أن يأتي الامتلاك الآخر، الامتلاك بالقلم والكلمة، وهو دور ماسكري ودور المجلة الإفريقية، والدور الذي (لا يمكن أن ننسحب منه دون أن نكون قد تخلينا عن واجباتنا) وأضاف بيرنار بأن دور ماسكري في ذلك لا يقل عن دور الضباط والإداريين المخلصين لفرنسا. وقد كان بيرنار صادقا في ذلك، ويصدق وصفه أيضا على كل مستشرق فرنسي. هذا هو ماسكري الفرنسي الذي عمل ما في وسعه ليمتلك الجزائر لفرنسا، لا بالسيف ولا بالمحراث، ولكن بالقلم والكلمة. وفي كتابه

стр. 2605

(ذكريات ورؤى إفريقية) وصف أدبي عميق وانطباعات شخصية معجونة بالتاريخ لمختلف أحداث الجزائر وشخصياتها وما كانت تقوم به السلطات الفرنسية - عسكرية ومدنية للاحتلال والسيطرة - وهو وصف عن تماس الحضارتين وتثاقف الأفراد وتلاقي المشاعر وردود الأفعال. ويمكن أن تقارن كتاباته الانطباعية هذه بكتابات فرومنتان (سنة في الصحراء) و (سنة في الساحل)، وكتابات ألبير كامو في وقت لاحق. والعمل الرسمي الآخر الذي تولاه ماسكري في الجزائر هو التعليم وإدارة مدرسة الآداب عند إنشائها سنة ١٨٨٠. فبعد إنشاء المدارس العليا، عين ماسكري أستاذا للتاريخ والآثار القديمة في شمال إفريقيا، ثم عرض عليه بول بير P. Bert إدارتها فقبل ذلك وبقي مديرا لها إلى وفاته المبكرة سنة ١٨٩٤. وكان ينشر في المجلات الفرنسية، وهو الذي أنشأ نشرة سماها (المراسل الإفريقي)، ورأس تحريرها وساهم فيها بأبحاث أثرية ولغوية. وكانت تصدر عن مدرسة الآداب، وقد بلغت (المراسل) شهرة عظيمة. وظلت تصدر بعد وفاته. ونشر فيها رينيه باصيه بعض أعماله، بل كانت صوت الاستشراق بحق في اندفاعته أواخر القرن الماضي. وقد اهتم ماسكري بلهجات ميزاب والأوراس وزواوة والطوارق. وسافر مع بعثة من الطوارق إلى باريس سنة ١٨٨٧. ودرس تاريخ الأولياء والصالحين، وهو صاحب المقولة الشهيرة: (إن كل تاريخ شمال إفريقيا هو تاريخ ديني). وكانت أطروحته للدكتوراه عن تشكل المدن عند السكان الحضريين في الجزائر، وهو يعني بهم هنا سكان الأوراس وسكان القبائل (زواوة) وسكان ميزاب. وهو يقول إن البداوة ليست مسألة عرق، وإنما هي مسألة ترجع إلى المناخ والتربية. وكان ماسكري من المعجبين بكتابات فرومنتان ثم بكل الرحالة الفرنسيين الذين وصفوا الصحراء والطبيعة الجزائرية (١).

стр. 2606

بالإضافة إلى مركز العاصمة ظهر في المناطق الأخرى علماء ومترجمون فرنسيون وجدوا أنفسهم بإنتاجهم في عمق حركة الاستشراق التي تنطلق من العاصمة. ومن هؤلاء غوستاف موتيلانسكي، الذي تمركز نشاطه في قسنطينة. فهو من المترجمين البارزين في بداية حياته. ثم أصبح من المستشرقين لبحوثه في المذاهب واللهجات، وكان من المستكشفين للصحراء، إذ قام بعدة جولات وبعثات. ثم إنه من مواليد الجزائر في بيئة عربية محافظة وإسلامية عريقة. ولد موتيلانسكي في مدينة معسكر سنة ١٨٥٤، وبعد أن شب درس في ليسيه الجزائر ثم مارس فيها التدريس بعد ذلك. ثم دخل امتحان الترجمة في النطاق العسكري. فهو ليس من المستشرقين المحترفين. وبهذه الصفة اشتغل في عدة أماكن من الجزائر شرقا ووسطا وغربا وجنوبا، بل عمل في تونس أيضا. وعند احتلال ميزاب أرسل إليها ليكون المترجم العسكري هناك، وقد بقي خمس سنوات سمحت له بدراسة العادات والتقاليد والتعرف على العلماء والمكتبات، وكان يعرف العربية الفصحى والدارجة. وأضاف إلى ذلك دراسة البربرية في ميزاب ولهجاتها الأخرى في الصحراء، وبحيث في المذهب الإباضي وجمع وثائقه، وفي تاريخ المنطقة وعلاقاتها بإفريقيا. وقد نشر بحوثا عديدة في هذا الميدان أدخله إلى الاستشراق من بابه الواسع. وفي سنة ١٨٨٧ عين موتيلانسكي مديرا لمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية (الكتابة). وكان من شيوخها الجزائريين عندئذ عبد القادر المجاوي ثم تلميذه ابن الموهوب ومحمود الشاذلي. وكان رئيس كرسي (حلقة) اللغة العربية بها هو مارتان الذي توفي سنة ١٨٨٩ فخلفه فيه موتيلانسكي وأصبح يجمع بينه وبين الإدارة. وهو الكرسي الذي عرفنا أنه كان موجها لعموم الفرنسيين وليس للجزائريين. وأثناء وجوده في ميزاب وفي قسنطينة ربط موتيلانسكي علاقات مع رجال الدين والعلم في الناحية الشرقية والصحراء. فهو ليس موظفا عاديا يكتفي بالحضور اليومي ثم يعود إلى بيته

стр. 2607

لينام أو يقتل الوقت، ولكنه كان صاحب مهمة سياسية وعلمية. وممن تعرف عليهم وربط معهم علاقات، الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في ميزاب والشيخ محمد العروسي، شيخ الزاوية التجانية في قمار، والشيخ الهاشمي، زعيم القادرية في عميش (الوادي). وكان للحكومة الفرنسية مخططات في الصحراء تريد الوصول إلى أقاصيها، وربط شمال إفريقيا بغربها وبالسودان. ولا بد قبل ذلك من معرفة المسالك والقبائل والواحات والآبار واللهجات والسكان. وكان موتيلانسكي خير مؤهل لهذه المهمة. ذهب أولا إلى وادي سوف سنة ١٩٠٣ واتصل بصديقه الشيخ محمد العروسي الذي وفر له شروط الالتقاء بأهل غدامس بالوادي. وراسل الشيخ العروسي بشأنه مقدمي التجانية في منطقة الطوارق والهقار وغدامس. والتقى موتيلانسكي في الوادي بأشخاص من غدامس وتحدث معهم عن رحلة إلى بلادهم وتعرف على لهجتهم. ثم قدم تقريرا لحكومته عن زيارته لسوف ولهجة غدامس (١). وبعد سنة واحدة ١٩٠٤ ذهب موتيلانسكي بنفسه إلى غدامس وكتب رحلته في شكل تقرير إلى حكومته وإلى عالم الاستشراق، فهو قد درس في غدامس اللهجة والسكان والتجارة والتاريخ، الخ. كان موتيلانسكي في أوج عطائه في فاتح القرن. وبالإضافة إلى ما ذكرنا شارك في مؤتمر المستشرقين بالجزائر. وقام ببعثة أخرى في الصحراء - في الهقار - سنة ١٩٠٥. ولكنه رجع منها منهوك القوى مصابا بمرض التيفوس الذي لم ينج منه، فتوفي في مارس ١٩٠٧ في مدينة قسنطينة. وكان عمره آنذاك ٥٣ سنة. وقد أقيم له حفل تأبين حضره زملاؤه الفرنسيون في الجمعية الأثرية لقسنطينة وفي المدرسة. كما حضره مفتش الأكاديمية وشيخ البلدية. ولكن الملفت للنظر أن من بين الحاضرين

стр. 2608

والمتكلمين أيضا الشيخين بوشريط، مفتي المذهب المالكي، وابن الموهوب المدرس بالمدرسة (الكتانية) (١). وهكذا كان موتيلانسكي مخلصا لقضية بلاده وللحركة الاستشراقية. وكان كزملائه يربط بين هذه الحركة والإدارة الاستعمارية، ويرى أن نجاح إحداهما يتوقف على نجاح الأخرى. ولو طال به العمر لتوسع ربما أكثر من غيره في البحوت الصحراوية والإفريقية. وقد استحق من الفرنسيين إطلاق إسمه على أحد أبراج الصحراء (٢). وهناك مستشرق آخر لم يعش طويلا بعد موتيلانسكي ومات في نفس المدينة (قسنطينة) سنة ١٩١٣، ونعني به الاسكندر جولي. وكان يعد ببحوث أكثر تنوعا من زميله، ولم يكن مثله من المترجمين العسكريين، ولكن من طينة أخرى. فقد ولد جولي بفرنسا سنة ١٨٧٠، ودرس في ليسيه هنري الرابع. وكان أبوه متخرجا من مدرسة ترشيح المعلمين في اختصاص الكيمياء، فنشأ جولي على حب العلوم. ولأسباب صحية جاء إلى الجزائر واستقر بها. وقام بأعمال عديدة لا تؤهله للاستشراق، مثل الأشغال العامة والرسم. ولكنه ما لبث أن تعلم اللغة العربية واهتم بالدراسات الإسلامية، سيما أهل التصوف. وأصبح أستاذا في مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية (الثعالبية). بعد إعادة تنظيمها وإحداث القسم العالي بها، سنة ١٨٩٦، ثم انتقل سنة ١٩٠١ إلى مدرسة قسنطينة ليعمل إلى جانب موتيلانسكي. وعند وفاة هذا تولى جولي كرسي (حلقة) اللغة العربية للفرنسيين.

стр. 2609

ورغم اشتغاله بالتعليم فإنه لم يكن يتخذ منه حرفة. كان جولي مولعا بالتجوال وحب الاطلاع ومعرفة المجهول. والفرنسيون يسمون ذلك عندئذ حب الاستكشاف. وقد قضى جولي معظم وقته في التجوال بين المحيط غربا وطرابلس شرقا. واشتغل في توات ورافق بعثة فلامان سنة ١٨٩٩، ١٩٠٠، وكان عضوا في اللجنة العلمية الفرنسية لدراسة أحوال المغرب الأقصى عشية احتلاله. وتعاون مع مصالح الخرائط الجيولوجية، كما شارك في رسم الخريطة الأثرية (الأطلس) للجزائر سنوات ١٨٩٩ - ١٩٠٠. وكان ينشر ملاحظاته في وقائع المؤتمرات العلمية التي يقدم إليها نتائج بحوثه. وقال عنه أحد زملائه بأنه يعتبر جغرافيا، وجيولوجيا، ونباتيا، ولغويا، واجتماعيا وأثريا. ورغم صغر سنه فقد عين سنة ١٩٠٤ عضوا مراسلا للمعهد الفرنسي. وكان عضوا في عدة جمعيات علمية. وكانت الحكومة الفرنسية قد كلفته بمهمة سنة ١٩٠٣ لدراسة الطرق الصوفية في منطقة التيطري. وقد نشر بعد ذلك دراسات عن الحركة الصوفية ورجالها، وعن الشعر البدوي سنعرض إليها (١). أعمال المستشرقين قام المستشرقون بأعمال كثيرة في الجزائر خلال المرحلتين المذكورتين: ١٨٣٠ - ١٨٨٠، و ١٨٨٠ - ١٩٣٠. ومن الصعب الحديث عن كل أعمالهم هنا، بل إن غرض هذا الفصل ليس الحديث عن كل أعمالهم ولكن تصنيفها وذكر نماذج منها فقط. ومن البديهي أن يهتم المستشرقون الفرنسيون بالشعب المستعمر دينا ولغة وعادات وآثارا وتاريخا. كما أنه من البديهي أن يتطور هذا الاهتمام حسب حاجة الإدارة الاستعمار وحاجة الدولة الفرنسية نفسها في العالم. فالمستشرقون كانوا (جنودا في الميدان) ولكن بلباس مدني، بل إن بعضهم بدأ حياته في الترجمة في المجالات العسكرية. وهل يمكن حصر أعمال المستشرقين الفرنسيين هنا؟ لقد قام السيد هنري ماصيه بذلك في بحثه (الدراسات العربية في الجزائر)، فكانت

стр. 2610

المجالات عديدة. والواقع أنهم لم يتركوا جانبا يهم الاستشراق إلا طرقوه. ويبدو لنا أن أكثر المجالات المطروقة عندهم هي ترجمة النصوص الاسلامية، ودراسة العربية ولهجاتها والبربرية ولهجاتها، وتاريخ الجزائر والمغرب العربي عموما، والفولكلور. وقد اهتموا بالإسلام كدين وعقيدة وتعاليم، وكتصوف ومرابطين وممارسات طقوسية. وحظيت عندهم الآثار الاسلامية بنصيب غير قليل. واتصل عندهم التاريخ بالأنساب القبلية والجغرافيا السكانية. وكان اهتمامهم بالمصادر قد جعلهم يجمعون مخطوطات كثيرة ومكتبة عمومية. ولسوء الحظ فإن كثيرا من المخطوطات والوثائق قد أخذوها معهم بطريقة شخصية وضاعت معهم. وكانوا يستكتبون العلماء والقضاة ويستنسخون المخطوطات ثم يستولون عليها ويستفيدون منها، وأحيانا لا ترى النور بالمرة. خلال الرحلة الأولى ركز المستشرقون على معرفة السكان والاتصال بهم عن طريق معرفة العامية. فظهرت من أجل ذلك عدة قواميس على يد جوني فرعون ودي بوسي ووينييه وماشويل. من ذلك كتاب فرعون المسمى النحو الابتدائي للعربية الدارجة، الموجه للفرنسيين، ثم بسطه ونشره تحت عنوان (موجز النحو العربي البسيط). وفي ١٨٣٥ نشر دو لابورت مبادئ الأمثال العربية في الجزائر، ثم قصص لقمان. وكان دو لا بورت رئيسا للمكتب العربي ولم يكن مستشرقا. ثم نشر برينييه (الموجز) الذي حدد فيه خصائص اللهجة الجزائرية العربية وأعطى فيه تفاصيل عن حياة السكان (١). ثم كتابه (الدروس العملية والنظرية للغة العربية) وهو كتاب ظل فترة طويلة مقررا في المدارس حتى بعد وفاة صاحبه (٢). واعتبر الكتاب مرحلة هامة في البحث اللغوي بالجزائر.

стр. 2611

وقد ترجم برينييه مقدمة ابن آجروم في النحو وعلق عليها تعاليق مفيدة. ومن مؤلفاته أيضا المختارات العربية الابتدائية - (أنطولوجيا) (١)، وكتاب (المكاتبات/ الكريستوماتية - العربية) (٢)، وله مؤلفات بعناوين متأثرة بالطريقة العربية المسجعة، مثل: (تجريب القلم في خط العرب والعجم) و (تحفة الطلباء وبهجة الأدباء)، و (مفتاح النحو والأدب لفتح كنوز علوم العرب)، وأخيرا (مجموع المكاتيب في العربية والمعاني الغرائب). وقد عرفنا أن برينييه قد بقي سيد الاستشراق الفرنسي في الجزائر أكثر من ثلاثين سنة. وتخرج على يده معظم ضباط المكاتب العربية ومترجمي الإدارة والقضاء. وهو كمعلم لم يقم بالدراسات الاسلامية ولا بترجمة النصوص إلا ما يتصل منها بمهنة التعليم. بالنسبة للأنطولوجيا لاحظ برينييه أن خط الكتابة في الجزائر له خصائصه الأساسية، ولكن لا يلاحظها المرء بسهولة بل بعد دراسة وممارسة. وقال إن الخط العربي في المشرق امتاز بالتدفق والسهولة، أما أهل الجزائر فلا يتفننون فيه، بل يكتبون بنسب غير متجانسة وبطريقة غير صحيحة، ويتصرف فيه كل شخص على هواه دون اتباع قواعد. ومع ذلك فإن لفن الكتابة في الجزائر خصائصه، كما ذكر. وقد احتوى هذا الكتاب على بعض الأمثال السهلة، والحكايات والقصص التاريخية، ولاحظ أن العربية غنية بأشكال الكلمات والمترادفات. وإنها بعيدة عن أن توفر الطاقة الذهنية الضرورية للتطور، تلك الطاقة التي تملكها في نظره، اللغات الأوروبية فقط، ولا سيما الفرنسية (٣). وكان برينييه يكتب اسمه بالعربية هكذا (ابريني) ويلقب نفسه (بالشيخ النحوي المدرس). أما درسه فيسميه (حلقة

стр. 2612

الجزائر). ومن رأيه أن اللغة العربية ليست وسيلة اتصال بالجزائريين فقط بل بالعالم الاسلامي والإفريقي أيضا. وهي التي ستجعل الأوروبيين يربطون علاقات بالشعوب الاسلامية، وهي علاقات لا تكفي فيها الكتب حسب نظرته. وقد ظهرت عدة كتب تعليمية أخرى خلال هذه المرحلة، كانت كلها تبحث عن أفضل الطرق لتوصيل العامية الجزائرية للأوروبيين. وكان علماء ألمانا والانكليز قد سبقوا إلى وضع مناهج جديدة في تعليم اللغة، وقد تأثر بهم السيد ماشويل الذي كان متوليا كرسي اللغة العربية في وهران. فنشر ماشويل كتابا في قواعد اللغة العامية وبناه على المنهج الالماني والانكليزي الجديد ووجهه للشباب، قائلا بصراحة إنه استفاد من أعمال روبيرتسون، وأوطو، واولندروف أكثر مما استفاد من منهج زملائه الفرنسيين، أمثال برييه وشيربونو (١). وقد عالج ماشويل أيضا موضوع اللغة والاستعمار، وحاول إقناع قومه بضرورة تعلم العربية (تنازلا) منهم لتعلم لغة المنهزم، من أجل المصلحة الاستعمارية فقط، وإلا فإن اللغة الفرنسية هي لغة السيادة ولغة المنتصر. وكان في ذلك يرد على من يقول: إن الواجب على (الأهالي) أن يتعلموا اللغة الفرنسية وليس العكس. وقال إن الوقت لم يحن بعد أن يأتي الأهالي أفواجا إلى الفرنسيين، ولذلك فإن على هؤلاء أن يعطوهم مبادئهم وأفكارهم بتعلم العامية والتقرب منهم. وكان ماشويل قبل التحاقه بوهران، أستاذا في ليسيه الجزائر للعربية الدارجة، وكان يطبق نظريته التعليمية على طلابه في الليسيه أولا. وقد ذكرنا أنه بعد وهران عين لإدارة التعليم في تونس. كذلك نشر شيربونو أعمالا في اللغة معظمها حول دروسه العملية لطلابه. وكادت لا تخرج عن تمارين النحو والصرف، وقواعد تعلم الدارجة الموجه إلى الأوروبيين. وله عمل حول تصريف الأفعال في الدارجة وأصول وشكل اللهجة العربية الجزائرية وهي كلها تدخل في دراسة علم اللهجات.

стр. 2613

كما اهتم بالخطوط والكتابات. ولشيربونو. قاموسان: عربي - فرنسي وفرنسي - عربي. واهتم شيربونو كذلك بالنصوص التطبيقية. فنشر سنة ١٨٤٧ كتابا بعنوان (حكايات المسلمين)، وجاء فيها بالفرنسية انها حكايات إسلامية (من التراث): نص عربي أو دروس العربية الابتدائية، ويعقبها قاموس تحليلي، وهو مرتب حسب حروف المعجم العربي. وقد اهدى (حكايات المسلمين) إلى أستاذيه: رينو وبيرسوفال اعترافا بجميلهما، وكلاهما من أعيان الاستشراق في فرنسا. وأخذ شيربونو النصوص من التراث العربي مثل ابن القوطية والحريري، وهي نصوص كان قد نشرها رينو ودي ساسي (١). ثم نشر شيربونو كتابا آخر سماه: تعليم القارئ في الخط العربي. وبالفرنسية أضاف إليه: تمارين للقراءة في المخطوطات العربية. ووصف نفسه على أنه أستاذ اللغة العربية في قسنطينة. والكتاب في ثلاثة أقسام، الأول عبارة عن نصوص رسمية كالأوامر والمنشورات، والثاني في فن الرسائل المكتوبة باللغة العامية، والثالث في القصص والحكايات المكتوبة باللغة العامية أيضا. ونلاحظ أن الذي خط الكتاب ونصوصه هو قورقوس، وهو الذي جعل لها العناوين. والخطوط كانت تقليدا استشراقيا لأنواع الخط الشائعة عندئذ في كتابة الرسائل والتأليف والنسخ (٢). وفي ميدان التاريخ والآثار ظهر في المرحلة الأولى ادريان بيربروجر وألبير دوفوكس. وكان الأول يعرف قليلا من العربية، فاهتم منذ البداية بالآثار الرومانية. أما الاسلامية فلم يكتب عنها إلا قليلا. ولكنه ساهم في مجموعة (اكتشاف الجزائر العلمي) التي كونتها الحكومة الفرنسية ونشر

стр. 2614

ضمن أعمالها ترجمة لرحلة العياشي ورحلة الدرعي في جنوب الجزائر. ومن أبرز كتاباته الأثرية (الجزائر التاريخية والمصورة والتذكارية). وكان بيربروجر قد قام بعدة مهام لصالح الحكومة الفرنسية في جنوب البلاد قبل احتلاله، من ذلك الرحلة التي أخذته إلى تونس ومنها عبر الجريد إلى سوف وتقرت سنة ١٨٥٢. وأبرز أعماله في هذا الميدان جمعه المخطوطات من تلمسان وقسنطينة وغيرهما، وتأسيس نواة المكتبة الوطنية في عهد كولزيل ١٨٣٥. وكان بيربروجر أيضا، مديرا لجريدة (المونيتور)، ومؤسسا للجمعية التاريخية الجزائرية، ورئيسا لتحرير المجلة الافريقية. ومع هذه الجهود فمن الصعب تسميته بالمستشرق المحترف. وقد مات في سنة واحدة مع زميله برينييه، أي سنة ١٨٦٩، وليس بينهما سوى أحد عشر يوما فقط (١). أما ديفوكس، فكان يعرف العربية بدرجة أفضل من زميله، ولم يهتم بالتعليم أو الاستشراق المباشر، ولكنه اهتم بالوثائق الادارية والدينية والوقفية. ومن خلال ذلك نشر أعمالا هامة عن المؤسسات أو البنايات الدينية في مدينة الجزائر، سيما أملاك الوقف والمساجد والزوايا والقباب. وقد ترك لنا وصفا. حيا للبنايات الدينية التي تهدم معظمها في مدينة الجزائر وضواحيها. وكان يساعده في عمله خلية من الجزائريين الذين يعرفون التركية أيضا فينقلون له من هذه اللغة إلى العربية وهو يترجم ذلك إلى الفرنسية. ولذلك نملك الآن وثائق مترجمة إلى الفرنسية عن العربية تعلق بالجهاد البحري ومالية الدولة الجزائرية السابقة، ورؤساء البحر وحياة الجنود، وبعض المعالم الأثرية. وكان ديفوكس موظفا بمصلحة الدومين (أملاك الدولة). وكثيرا ما مس الحياة الدينية أيضا ولكن كمترجم لا كمنظر (٢).

стр. 2615

وشيربونو نفسه تناول التاريخ بوفرة في هذه المرحلة. وقد قام بعمل في قسنطينة شبيه بما قام به معاصره ديفوكس في الجزائر. فكتب عن الزوايا والمدارس والمساجد والأضرحة ليس في المدينة فحسب بل في عدة بلدان من الإقليم أيضا، مثل تقرت وبسكرة. وقال زملاؤه المستشرقون إن أفضل ما نشر شيربونو هو الأعمال التاريخية. فقد نشر وترجم وثائق تتعلق بمؤسس الدولة الفاطمية (عبيد الله المهدي)، وبحثا عن الأغالبة، وآخر عن بني جلاب سلاطين تقرت، ونشر كتاب الفارسية لابن القنفذ، وهو عن الدولة الحفصية، ومقالة عن الأدب العربي في السودان. إضافة إلى أعماله البيبلوغرافية والتراجم والجغرافية. وقد نشر أعماله في بعض المجلات أيضا مثل المجلة الآسيوية والمجلة الافريقية وروكاي التي كان من مؤسسيها (١). ورغم أننا سنترجم لديسلان في مكان آخر، فإننا نذكر له في ميدان التاريخ والمخطوطات عدة أعمال تعلق بالجزائر. ومن ذلك ترجمته لمقدمة وتاريخ ابن خلدون التي طبعت على نفقة الدولة الفرنسية خلال الخمسينات. وهي الترجمة التي رحب بها المستشرقون وأدخلته عالمهم بعد أن جاء الجزائر كمترجم عسكري فقط. وقام عدد من المترجمين العسكريين والمدنيين بنشر عدة أعمال مثل العقيد كاريت الذي بحث في الطرق التي سلكتها القبائل العربية، وروسو عن الحوليات، وبواسوني عن الدولة الحفصية (الفارسية) لابن القنفذ، وبارجيس عن مدينة تلمسان ودولة بني زيان، ودوقا ووقان عن أشراف غريس. ووقع الاهتمام بالتاريخ المحلي والجهوي، فكتب ويلسون ايسترهازي عن إقليم وهران في عهد البايات، وفايسات عن إقليم قسنطينة

стр. 2616

في نفس العهد، وسيروكا عن الزيان. وفي المجال الديني ظهرت دراسات عن الجهاد. واهتم بروسلار والعقيد دونوفو بالطرق الصوفية فنشر الأول عن تلمسان وحياتها الدينية وآثارها. والثاني عن دور الطرق الصوفية والمرابطين في التاريخ والثورات. وكانت دراسة هانوتو ولوتورنو عن زواوة قد تضمنت فصولا عن الحياة الدينية فيها، سيما الزوايا والمرابطون والقضاء الاسلامي. وترجم الدكتور بيرون مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي، وكان المنتصر كتابا أساسيا في الجزائر. وكرس المترجمون في هذه الفترة جهودهم على الدراسات الاجتماعية والإثنية (السلالية) والطوبوغرافية للمدن والمناطق، فكتب جوني فرعون وإسماعيل (توماس) اوربان عن التيطري، وكتب كاريت ووارنييه عن قسنطينة ونواحيها، وأصدر شارل فيرو دراسات مونوغرافية عن عدة مدن في الشرق الجزائري منها بجاية وجيجل وعنابة وتبسة (١). كما اهتم آخرون بالمرأة ومسألة تعدد الزوجات،. وقضية الرق في الاسلام، والتعصب الديني. أما في الميدان اللغوي فالتركيز كان على التأليف المدرسي الموجه للأوروبيين الذين كانوا يتعلمون اللغة العربية أو الدارجة. كما صدرت عدة قواميس في هذا النطاق، وقد ذكرنا بعضها (٢). كما بدأ الاهتمام باللهجات البربرية في الأوراس وجرجرة وميزاب والهقار. وقد أصدر هانوتو معجمه عن لهجة جرجرة (زواوة)، وذكر دوفيرييه نماذج من لهجة الهقار وغيره من المناطق الصحراوية. وأورد نماذج من الخطوط والكتابات (٣).

стр. 2617

إن أعمال المستشرقين خلال المرحلة الأولى قد شملت تقريبا مختلف الميادين، ولكنها كانت تتميز بميزتين، الأولى كونها استكشافية لمعرفة المجتمع الجزائري ومصادره ولهجاته وعقائده وعلاقاته وتاريخه. والثانية قلة المستشرقين المحترفين والاعتماد على المستشرقين المترجمين. وكان معظم هؤلاء من العسكريين الذين يؤدون مهمات عسكرية وإدارية أكثر مما كانوا يؤلفون ويبحثون. وقد يكون هذا راجعا أيضا إلى عدم وجود المؤسسات الفرنسية العلمية في الجزائر. فالمدارس كانت ابتدائية أو متوسطة (كوليجات) فقط، ولم تظهر أول ثانوية إلا خلال الستينات من القرن الماضي. وكانت مدرسة الطب قد فتحت سنة ١٨٥٧ فقط، ولم يكن لها عندئذ إمكانات الانطلاق أيضا. كما أن الجهود الفرنسية كانت منصبة على الاحتلال العسكري ومواجهة المقاومة والثورات من جهة، وتثبيت الاستيطان المدني وإحداث مراكز الهجرة الأوروبية من جهة أخرى. فالاهتمام بالبحث العلمي، والاستشراق جزء منه، كان ما يزال في مرحلته الأولى، كما قلنا. ومن الجهود الجماعية العلمية خلال المرحلة الأولى مشروع اكتشاف الجزائر الذي أشرنا إليه والذي بدأ منذ ١٨٣٩. فقد تكونت له لجنة برئاسة العقيد دي سان فانسان. وضمت اللجنة عددا من المستشرقين والمترجمين والعلماء الآخرين الذين ليس لهم علاقة بالاستشراق والترجمة، وفيها العسكريون والمدنيون. وكانت الدولة قد خصصت للمشروع ميزانية لجمع المادة والتنقلات ونشر النتائج. وقد صدر من هذا المشروع عدة مجلدات. ومن الذين شاركوا في اللجنة من المستشرقين والمترجمين: بيربروجر، وكاريت، وبيليسييه دي رينو، ووارنييه، واونفنتان. وقد ذكرنا بعض المؤلفات التي صدرت من المشروع، وهي ذات صلة بالاستشراق، مثل رحلة العياشي والدرعي (١). وكانت العناية بالقضاء وتنفيذه على الجزائريين قد أدت بالإدارة

стр. 2618

الفرنسية إلى القيام بعدة دراسات في التعليم والشريعة الاسلامية والعادات والأعراف واللغة. وقد بدأت هذه الجهود خلال الأربعينات ١٨٤٥ واستمرت إلى حوالي ١٨٥٠. ومنذئذ صدرت عدة تقارير ودراسات عن وضع التعليم الاسلامي، والقضاء الاسلامي، والمساجد، ووضع الأئمة، ونحو ذلك. وكان وراء هذه المشاريع ضباط ومدنيون عملوا في الجزائر منهم الجنرال بيدو، وبارو، ودو نوفو، وإسماعيل عربان (اوربان). وخلال الستينات شهدت الجزائر معركة ساخنة بين أنصار ما سمي بالمملكة العربية وخصومها، وهي فكرة كانت مبنية على ما فهم من مشروع نابليون الثالث من أنه يريد جعل الجزائر بالنسبة لفرنسا كوضع مصر بالنسبة للدولة العثمانية، وأنه يريد أن ينصب الأمير عبد القادر نائبا عنه في الجزائر. وأشيع أن وضع الجزائر سيكون أيضا كوضع المجر بالنسبة للدولة النمساوية. وقد أيد هذه الفكرة بعض المتحمسين لها، ومنهم المترجم توماس (إسماعيل) عربان (١). أما خصم فكرة المملكة العربية وخصم العرق العربي على العموم فهو المستعرب الدكتور وارنييه الذي صب جام حقده على العرب والاسلام لأنهما يقفان حجر عثرة في وجه مخطط الاندماج المذكور. وكانت هذه المعركة الساخنة خلال الستينات من القرن الماضي قد مهدت الطريق للسبعينات، أي بعد سقوط نابليون الثالث وظهور الجمهورية الثالثة. وأخذت حركة الاستشراق الفرنسي دورة جديدة منذ عشرية السبعينات في فرنسا وفي الجزائر معا. بقي علينا أن نقول إن اعتبار الجزائر جزء من المشرق الذي تتحدث عنه ألف ليلة وليلة قد ظل سائدا خلال فترة طويلة بعد الاحتلال. وقد ظهر ذلك في أعمال الفنانين الفرنسيين الذين حلوا بالجزائر بصفة فردية أو على نفقة الحكومة الفرنسية. فقد اهتموا في لوحاتهم بالجزائر (الشرقية) - القصبة وأسرارها، والبازارات وبخوراتها، وألوانها الزاهية، والمرأة وسحرها

стр. 2619

وفنونها، والإنسان العربي في بداوته (المتوحشة)، والطبيعة الخلابة، والاسلام ومساجده ومناراته. وسوف نتعرض إلى هذا الجانب في فصل الفنون. في الدوريات والمجلات التي ظهرت خلال هذا العهد أيضا بدأ الاهتمام بالجزائر الشرقية. (فالمحلة الآسيوية) فتحت صدرها للدراسات القادمة من الجزائر: شيربونو، فانسان. و (مجلة الشرق والجزائر والمستعمرات) جمعت بين حياة الشرق والجزائر في عدة مقالات ومذكرات وأخبار. وكذلك فعلت (المجلة الشرقية والجزائرية) التي كانت تضم معلومات عن الجزائر ومصر وتركيا. ومن الذين ظهروا على صفحاتها الدكتور بيرون وليكليرك. ثم كانت (المجلة الافريقية) ومجلة (روكاي) ميدانا فسيحا ركض فيه المستشرقون والمترجمون على السواء. وتطول بنا القائمة لو أننا حاولنا ذكر هؤلاء وأعمالهم (١). ... أما خلال المرحلة الثانية (ابتداء من ١٨٨٠) فقد أنتجت مدرسة الاستشراق أعمالا ضخمة في نفس الموضوعات تقريبا، ولكن في شكل أكثر تنظيما. وتخطيطا. كذلك شهدت المرحلة ظهور المستشرقين المحترفين الذين تخرجوا في العادة من مدرسة اللغات الشرقية بباريس أو تكونوا في مدرسة الآداب بالجزائر. وهذا لا يعني ضعف دور المترجمين، وإنما أصبح دور هؤلاء مكملا فقط لدور زملائهم. كما ظهر إلى جانب المستشرقين مجموعة من الجزائريين الذين تكونوا في المدرسة الشرعية - الفرنسية أو في الليسيه

стр. 2620

الفرنسي أو في مدرسة الآداب، وقد أصبح هؤلاء الجزائريون معاونين ومتعاونين مع المستشرقين يخدمونهم في مختلف التخصصات والمناسبات. وسيكون من الصعب تصنيف المادة التي درسها المستشرقون خلال هذه المرحلة، لكثرتها وتنوعها وطول مرحلتها. وحسبنا ذكر بعض النماذج داخل كل صنف من أصناف الدراسة. لقد ظهر خلال هذه المرحلة الاهتمام بما سمي (بالاسلام الجزائري)، أي الممارسات الدينية والشعائر الاسلامية، كما أصبحت عليه بعد سبعين سنة من الاحتلال. وهي ممارسات بعيدة كل البعد عن روح الاسلام وتعاليمه. فهي تعني التخلف العقلي والتزمت وضيق الأفق والشعوذة، وهي السحر والدجل والتخريف، وهي الزردات والوعدات والذبائح عند قبور الأولياء والصالحين، وهي عقائد النفع والضر في مشائخ الطرق الصوفية، وفي الأحجار والأشجار والآثار. هذا هو الاسلام الجزائري في نظر الفرنسيين ومستشرقيهم، إنه الاسلام الذي يموت لكي يترك الطريق لمرور حركة التنصير والاندماج والرسالة الحضارية الفرنسية. وقد غطى ذلك ألفريد بيل خريخ مدرسة الآداب بالجزائر ومدير مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية وتوجه بكتابه: الفرق الاسلامية في شمال افريقية. وكان قد سبقه إلى ذلك لويس رين في كتابه مرابطون وإخوان ١٨٨٤، وديبون وكوبولاني ١٨٩٧ في كتابيهما (الطرق الدينية الاسلامية). ودرس ادمون دوتيه الحياة الدينية في الجزائر أوائل هذا القرن في كتابه (الاسلام الجزائري). ودرس زميله هنري قارو كذلك الحركة الاسلامية في مدار القرن. كما أصدر ايرنست ميرسييه كتابه عن المرأة والشريعة. ونشر الاسكندر جولي عدة دراسات عن (الأولياء وأساطير الاسلام) في المجلة الافريقية ومجلة العالم الاسلامي. وكان مهتما بالدراويش الذين يسميهم أولياء طبقا لعقائد العامة (١). كما أصدر دراسة مفصلة عن الطريقة الشاذلية

стр. 2621

في منطقة التيطري وجنوب مدينة الجزائر، كانت الحكومة الفرنسية قد كلفته بها. وفي نطاق المذاهب نشر زيس zeys مجلدين عن الفقه الأباضي، ونشر موتيلانسكي مدونة ابن غانم في الفقه الأباضي أيضا. وكانت نسخة المدونة في ملك الضابط ريلييه Relillet كما نشر غير ذلك عن هذا المذهب، ومنه كتاب سير الأئمة لابن الصغير. وكان دومينيك لوسياني وراء عدد من الأنشطة التي قام بها المستشرقون ومدرسة الآداب، لأنه كان مديرا للشؤون الأهلية ومستشارا للحكومة العامة أكثر من عشرين سنة من الفترة التي نغطيها. ورغم نشاطه الإداري فإنه قام بترجمة أعمال تتصل بالعقائد والفقه، منها عقيدة السنوسي في التوحيد، والرحبية في الفرائض. وقد أصبحتا من الكتب المدرسية المتداولة في المدارس العربية - الفرنسية الرسمية. كما ترجم فانيان أبواب الجهاد والطلاق والزواج من مختصر خليل، والأحكام السلطانية للماوردي، ورسالة القيرواني في الفقه، وكتاب الخراج لأبي يوسف. أما أبرز نشاط لغوي قام به المستشرقون فهو الذي قام به رينيه باصيه وتلاميذه في هذه الفترة. ويكفي الإحالة على أعمال باصيه في (الميلانج) الذي يحمل اسمه لتعرف كم كتب عن اللغتين العربية والبربرية وآدابهما. وهذه الفترة هي التي عرفت انطلاقة كبيرة لدراسة اللهجات العربية والبربرية. لأنه كان عصر الاهتمام باللهجات عامة في المغرب العربي وافريقية. وفي هذا النطاق قدم باصيه بحثين في مناسبتين مختلفتين عن الدراسات البربرية والهوسة، وكلاهما لمؤتمر المستشرقين، الأول في هامبورغ (المانيا)، سنة ١٩٠٢، وعنوان البحث هو (الدراسات البربرية والهوسة ١٨٩٧ - ١٩٠٢ وهو منشور في باريس ١٩٠٢، والبحث الثاني قدمه لمؤتمر كوبنهاغن الذي انعقد سنة ١٩٠٨، وعنوان البحث هو العنوان الأول عدا التاريخ فهو من ١٩٠٢ إلى

стр. 2622

١٩٠٨. وهما بحثان طويلان وأغلبهما عن الدراسات البربرية التي تمت في مدرسة الآداب بالجزائر وفي غيرها من المدارس الجزائرية على يد المستشرقين الفرنسيين. وقد استعان باصيه وماسكري منذ أول وهلة بالجزائريين الذين يعرفون البربرية. فوظفا منهم في مدرسة الآداب اثنين ليكونا إلى جانبهما، وهما بلقاسم بن سديرة والهاشمي بن الونيس، ورغم أن ابن سديرة كان يعرف البربرية فقد وظفاه للعربية الدارجة بينما وظفا ابن الونيس للهجات البربرية. وكان ابن الونيس يشتغل معاونا في محكمة الجزائر. ولا نعرف له تأليفا في البربرية. أما الذي وضع قاموسا لتعليمها فهو ابن سديرة. ولكن ابن سديرة توفي سنة ١٩٠١. ومنذ حوالي هذا التاريخ ظهر اسم عمر (سعيد) بوليفة ليكون المعاون الرئيسي لباصيه في اللهجات البربرية، وخاصة القبائلية. وقد ظهر اسمه في عالم النشر سنة ١٩٠٤ حين أصدر مجموعة شعرية قبائلية. كما أرسلته الحكومة الفرنسية في مهمة خاصة إلى المغرب الأقصى عندئذ إذ نشر بعض أعماله عن زيارته للمغرب سنة ١٩٠٥. وكان بوليفة عندئذ معيدا في مدرسة الآداب مكلفا بتدريس القبائلية (١). ويهمنا أن نعرف أيضا أن مدرسة الآداب قد وظفت ابن أبي شنب في اللغة العربية. وعلى يده ويد غيره من هؤلاء الجزائريين تخرج أمثال ديستان وبيل وديبارمي. وكان باصيه هو الرأس المدبر بالتنسيق مع الإدارة الاستعمارية، وخصوصا لوسياني الذي كان يوظف مواهبه الادارية وسلطته الردعية لتنفيذ مخططات فرنسا والاستشراق. ولوسياني هو الذي نشر في آخر القرن الماضي كتاب (الحوض) مع ترجمة فرنسية، وهو كتاب بالبربرية المكتوبة بالحروف العربية، وموضوعه هو الفقه بأبوابه المعروفة. وهو من تأليف محمد بن علي بن إبراهيم السوسي، من أهل القرن ١٨ م (٢).

стр. 2623

وانتشر الاهتمام بالدراسات البربرية على يد آخرين. فقد نشر موتيلانسكي عن لهجة ميزاب وغدامس. وعرف بكتاب مخطوط بالبربرية عن لهجة قبيلة زواغة. وكتب ايميل ماسكري قاموسا فرنسيا- تارقيا، وبحوثا عن لهجات ميزاب والشاوية والزواوية. وقام هويغ بنشر قاموس فرنسي - شاوي، وفرنسي - قبائلي. ومن جهته بحث غوستاف ميرسييه في أسماء الأماكن (توبونيم) البربرية بالأوراس، وواصل دراسة أسماء النباتات في الشاوية (١). وفي هذا العهد أيضا كان الراهب شارل دوفوكو، صديق المارشال ليوتي وباصيه، يدرس شؤون المغرب والصحراء إلى الهقار، ويؤلف قاموسا عن اللهجة البربرية في المناطق المختلفة من الصحراء، سيما منطقة الطوارق أو التوارق. ومدرسة الآداب بالجزائر هي التي وجهت جهودها إلى المغرب الأقصى عشية احتلاله لدراسة لهجاته وتاريخه، وكانت لجنة افريقية الفرنسية في باريس التي يشترك فيها أبرز علماء الاستعماريات والضباط والحكام السابقون، توجه عنايتها لإنشاء معهد الدراسات المغربية، وهي فكرة المارشال ليوتي، كما أنشئ معهد الدراسات البربرية في المغرب الأقصى أيضا. وقد عينت السلطات الفرنسية محمد نهليل لتدريس البربرية بالمعهد الأخير. وكان نهليل قد اشتغل مترجما في المكاتب العربية بمنطقة بشار وغيرها قبل ذلك. وهو جزائري من زواوة (٢). وفي نطاق الدراسات البربرية أيضا شهد هذا العهد إنشاء كرسي (حلقة) البربرية في مدرسة الآداب، وتوسع ذلك ليشمل المدرسة الشرعية أيضا فكان في هذه المدرسة قسم خاص بالبربرية. وكذلك في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)، فأصبح المتخرج يحمل في شهادته ملاحظة تقول إنه من قسم اللغة العربية أو من قسم اللغة البربرية مع التركيز على القبائلية. وكلا القسمين لا يهتم إلا باللهجات والعاميات المنطوقة، ولكن المستشرقين وضعوا للعاميات

стр. 2624

قواعد وكتبا وتمارين. وأخذ هذا التقسيم اللغوي يتوسع ليشمل التقسيم العرقي والسياسي، فكان في المجلس النيابي المعروف (بالوفود المالية) أيضا قسمان، قسم عربي وقسم قبائلي، بينما القسم الفرنسي في المجلس نفسه كان واحدا رغم اختلاف الفرنسيين بين مسيحيين ويهود، ومن هو من أصل فرنسي ومن هو متجنس من أصل مالطي أو إسباني أو إيطالي، ومن ثمة قلنا ان الاستشراق كان يخدم الادارة الاستعمارية، وكانت هذه تخدم الاستشراق أيضا. أما اللغة العربية فعاميتها قد تكفل بها هوداس منذ البداية ١٨٨٠ ثم أخذ مكانه باصيه، كما سبق. وظلت العربية تدرس من خلال لهجاتها أيضا. وظهر الاهتمام بهذه اللهجات بشكل ملفت للنظر. فقد درسوا لهجة كل مدينة وكل جهة تقريبا، تلمسان، ندرومة، بسكرة، جيجل، والعاصمة، الخ. فكانت عبارة (لوبارلي أراب) أي الدارجة أو العامية، على كل قلم استشراقي عندئذ. وقد اتبعهم في ذلك بعض الجزائريين غفلة منهم ربما، فأخذوا يقدمون المادة لهؤلاء المستشرقين، ومنهم ابن أبي شنب وأبو بكر عبد السلام بن القاضي شعيب التلمساني، وابن علي فخار التلمساني أيضا، ومحمد صوالح، الخ. كما قام هؤلاء الجزائريون بتأليف قواميس عربية - فرنسية عن لهجة قبيلتهم أو جهتهم. ويقصدون هنا العربية الدارجة. ولعلهم كانوا ينظرون إلى الموضوع نظرة جارية أيضا لأن هذه القواميس المدرسية كانت من وسائل توفير المال، لأن النشر الأدبي أو البحوث العلمية المستقلة لا توفر ذلك. وكانت هذه المؤلفات بالإضافة إلى العامية تكتب أيضا من اليسار إلى اليمين. ومهما كان الأمر فإن أولئك المثقفين الجزائريين عندئذ لم يتفطنوا ربما إلى مخططات الاستشراق السياسية والحضارية فساروا في ركابه. وقد أضاف ابن أبي شنب عملا مهما في حد ذاته، لو لم يكن في نطاق هذه المدرسة الاستعمارية، وهو دراسة بقايا اللغتين الفارسية والتركية في مدينة الجزائر (١). وفي هذا النطاق نذكر أيضا دراسات ونصوص

стр. 2625

جولي عن الشعر الشعبي في عدد من المناطق الصحراوية (١). أما الأدب العربي فلم يكن يدرس في الجزائر إلا نادرا، على يد بعض شيوخ المدارس الشرعية - الفرنسية أمثال ابن الموهوب في قسنطينة وعبد الحليم بن سماية في العاصمة والغوثي بن علي في تلمسان. أما مدرسة الآداب (كلية الآداب) فأول من ولى بها كرسي الأدب العربي هو باصيه، ثم فانيان، كما أشرنا. وقد ظل فانيان إلى وفاته سنة ١٩٣١ أستاذا للأدب العربي. وقد عرفنا أنه كان مهتما بالتاريخ الاسلامي والمخطوطات أكثر من اهتمامه بالأدب الصرف. ومن المستشرقين (الأدباء) أوغست كور الذي كتب أطروحته عن شعر ابن زيدون. ولكن كور لم يدخل مدرسة الآداب وإنما كان أستاذا للغة العربية في مدرسة تلمسان ثم قسنطينة، أي المدارس الشرعية وليس الجامعة. وكان وجود ابن أبي شنب في مدرسة الآداب ضمانة قوية لدعم الأدب العربي، ولكنه كان، كما نعرف، أستاذا إحتياطيا فقط، شأن الجزائريين الآخرين، وكان تلاميذه هم المستشرقين، وقلما دخل الجزائريون هذه المدرسة (الكلية). ومن جهة أخرى فإن اهتمام ابن أبي شنب كان بالمخطوطات واللغة والتحقيق أكثر منه بالأدب الصرف أيضا. فهو بحق أقرب إلى أن يكون باحثا استشراقيا من أن يكون أديبا عربيا. وبالإضافة إلى ذلك ظهرت في المرحلة الثانية للاستشراق دراسات عن المدن والمجتمع (الأهلي) في عهوده المختلفة. فكتب ماسكري أطروحته عن السكان الحضريين في الأوراس وجرجرة وميزاب وطريقة تشكل المدن في هذه المناطق. ونشر موتيلانسكي دراسة عن مدينة القرارة، وملاحظات عن سوف وغدامس. وقام جولي بدراسة اجتماعية عن منطقة التيطري. وظهرت مونوغرافات أو كتب متخصصة عن مختلف السكان والمدن على يد مترجمين وإداريين يطول ذكرها هنا. ذلك أن كل متصرف إداري كان يجمع

стр. 2626

التقارير والاحصاءات والملاحظات والانطباعات أثناء عهده في الخدمة، فإذا تقاعد نشر كتابا عن المنطقة أو البلدة التي عمل فيها. وكان هؤلاء غالبا متأثرين بجو الاستشراق والنظريات الاجتماعية والانثروبولوجية الجديدة. أما التاريخ والجغرافيا والآثار وما يتصل بها فقد برز فيها عدد من المستشرقين أيضا. ولعل أكثرهم قيمة واعتدالا هو جورج مارسيه. وكانت جهوده في ميدان الآثار الاسلامية تشهد على ما قلناه سيما كتابه عن الآثار العربية في تلمسان، والآثار الاسلامية في العصور الوسطى. وله بحوث حول بعض المساجد والقصور ذات أهمية علمية (١) خاصة. وقد نشر فانيان أعمالا تاريخية عديدة منها القليل المتصل بالجزائر والآخر عن المغرب الاسلامي والأندلس والمشرق العربي. من ذلك تاريخ الموحدين للمراكشي، وتاريخ الدولتين للزركشي، وحوليات المغرب والأندلس لابن الأثير، وتاريخ افريقية والأندلس لابن عذاري، وفي هذه الأثناء ظهر أيضا كتاب أوغسطين بيرنار عن البداوة. واهتم المستشرقون بالمخطوطات العربية والبربرية فحققوا منها البعض وكلفوا الجزائريين بتحقيق الآخر، كما اشتركوا في الترجمة والتحقيق معا أحيانا. ومن رجع إلى تأليف هنري ماصيه (الدراسات العربية في الجزائر) سيدرك كثرة ما نشر من المخطوطات في شكل كتب ووثائق. ولعل أبرز من فعل ذلك رينيه باصيه وتلميذه ابن أبي شنب. ونحن نحيل على دراسة ماصيه المذكورة، وما نشر بعد ذلك على يد كور وغوستاف ميرسييه، وما نشر أيضا في (الحوليات الشرقية) التي كان يصدرها معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة الجزائر. وننبه إلى أن بعض المخطوطات قد اشترك في تحقيقها جزائري ومستشرق مثل (روضة النسرين) في تاريخ بني مرين التي حققها جورج مارسيه والغوثي بو علي (٢)، وهنري جاهير ونور الدين عبد القادر في

стр. 2627

نشر (روضة السلوان) للفجيجي (١). وقد كان محمود كحول قد نشر قصيدة الصيد (روضة السلوان) في التقويم الجزائري الذي كان يشرف عليه، سنة ١٩١١، صں ٧١ - ٩٤ (٢). وكان نور الدين عبد القادر قد اشترك مع غبريال كولان في تسليط الضوء على أعمال عبد الرزاق بن حمادوش. وكان ليكليرك قد اهتم بابن حمادوش وترجم بعض أعماله إلى الفرنسية (٣). وقد نشر شيربونو وثائق ونصوصا من كتاب (النبذة المحتاجة في أخبار ملوك صنهاجة)، وهو من تأليف محمد ابن حماد الصنهاجي، من أهل القرن الخامس الهجري، نشر ذلك في (المجلة الآسيوية). ولكن الكتاب قد ضاع فيما يبدو، وقد يكون شيربونو حصل على النسخة الوحيدة فأخذ منها ولم يرجعها لأصحابها. ذلك أن الباحثين لم يعثروا حتى الآن على نسخة كاملة من (النبذة) المذكورة. وعندما درس عثمان الكعاك العهد الحمادي اعتمد على ما نشره شيربونو. ويذكر الكعاك أيضا أن السيد أماري قد نقل من النبذة في المكتبة الصقلية (٤). وكانت رحلة الورتلاني قد أثارت اهتمام المستشرقين أيضا. وقد نشرها بالعربية محمد بن أبي شنب، ولكن ذلك لم يلب حاجة المستشرقين. كانت إحدى النسخ المخطوطة في حوزة المولود بن الموهوب، وثلاث نسخ أخرى عند جان ميرانت سنة ١٨٩٩. وكان ميرانت يسعى إلى ترجمتها (وهو

стр. 2628

مترجم عسكري كان يعمل في إدارة الشؤون الأهلية)، ولعل كثرة أشغاله وضخامة حجم الرحلة قد أخراه على إنجاز مشروعه. ولذلك قام زميله موتيلانسكي أستاذ العربية ومدير مدرسة قسنطينة الشرعية بترجمة الجزء الخاص بالرحلة من طرابلس إلى القاهرة (١). ثم وجدنا محمد الحاج صادق، في عهد متأخر، يقوم بترجمة خاصة للرحلة الورتلانية. وفي سنة ١٩١١ نشر ألفريد بيل بالتعاون مع الغوثي بوعلي (كان المدرس الرئيسي في جامع تلمسان الأعظم) القسم الأول من الجزء الثاني من كتاب (بغية الرواد) ليحيى بن خلدون، وهو في تاريخ بني عبد الواد. وهو عمل يشتمل على النص العربي والترجمة. وكان الجزء الأول قد نشر حوالي ١٩٠٣. واعتمد المحققان على عدة مخطوطات. والقسم الثاني المذكور يشمل عهد أبي حمو موسى الثاني إلى حوالي أربع سنوات فقط قبل اغتيال المؤلف يحيى بن خلدون الذي كان كاتبا للسلطان أبي حمو. وهكذا كان التعاون وثيقا بين الجزائريين والمستشرقين ولكن الفائدة كانت لصالح هؤلاء دائما (٢). أما الأعمال الجماعية للاستشراق فقد ظهرت في عدة حالات. نذكر منها الجمعيات العلمية التي أنشئت منذ أواخر القرن. وكانت جمعيات الجزائر والمغرب العربي عموما تتجاوب مع مثيلاتها في فرنسا. وكانت الجمعيات العلمية في الجزائر وتونس والمغرب تعقد اجتماعات دورية في إحدى المدن الرئيسية بمنطقة المغرب العربي. ويصدر عن ذلك مجموعة الأعمال والبحوث التي تقدم في كل اجتماع، وهو مجهود يدل على البرمجة والتخطيط حيث يتوزع المشاركون - وليس جميعهم من المستشرقين - موضوعات تدخل في أغلبها في نطاق العلوم الاجتماعية. وهناك مناسبة أخرى أظهرت فيها مدرسة الآداب قوتها وهي انعقاد مؤتمر المستشرقين ١٤

стр. 2629

سنة ١٩٠٥، الذي صدرت عنه مجموعة وقائع وبحوث أيضا في عدة مجلدات، وحضره حوالي ٥٠٠ مشارك معظمهم من فرنسا وأوروبا. أما المناسبة الأخيرة فهي الاحتفال المئوي بالاحتلال سنة ١٩٣٠. وقد تألفت له (لجنة علمية)، منذ ١٩٢٧. وكانت مكلفة بكتابة بحوث وإعداد نشرات وإقامة معارض، الخ. لتعريف العلماء الزائرين إنجازات فرنسا في الجزائر. ولعبت في هذه المناسبة كلية الآداب الدور الرئيسي. وظهر الارتباط الدقيق بينها وبين إدارة الاستعمار من جديد، أو بالأحرى بين هذه الإدارة والاستشراق. يقول هنري ماصيه، المستشرق الذي نشر عمله من وحي الاحتفال المئوي أيضا، عن جهوده وجهود زملائه، ما يلي: إن المجالات التي عالجها المستشرقون (يسميهم المستعربين) في الجزائر خلال رحلتهم هي: المعاجم، واللسانيات، والخطوط (الكتابات)، والتاريخ الديني، وتحقيق وترجمة النصوص الأدبية والتاريخية والجغرافية والفقهية والعلمية، ثم الدراسات الأثنوغرافية والفلكلورية، وأخيرا، الكتب المدرسية. أما ما يزال ينتظرهم فهو في نظره تدريس تاريخ الأدب (العربي؟) وذلك بالخروج من العموميات بعد أن يملك الطلبة مجموعة عربية من المؤلفين والتراجم ثم ترجمات كثيرة من النصوص التاريخية المتعلقة بالجزائر، ولكن بقيت أعمال أخرى تتعلق بالتاريخ والفقه في المغرب العربي عامة، وهي مجموعة الأحاديث الدينية لمالك بن أنس (١) ومسلم، بالإضافة إلى نصوص إباضية. كما أن بعض النصوص الجغرافية المتعلقة بالجزائر ما تزال غير مترجمة. ومن جهة البحث اللغوي والاثنوغرافي فما يزال هناك مجال واسع أمام الباحثين نظرا لتطور المجتمع الأهلي السريع. والواجب، في نظره إجراء تحقيقات عميقة ومنهجية في مختلف المناطق عن عادات وتقاليد ولهجات السكان. ودعا إلى ضرورة إنشاء (معجم العربية الجزائرية).

стр. 2630

ولكن نظرا، لضخامة هذه المهمة وعدم اعتمادها على مؤلف واحد وتعدد اختصاصاتها فلا بد من إنشاء مجموعة عمل لوضع أطلس لغوي شبيه بالأطلس الأثري الذي وضعه ستيفان قزال (١). حياة بعض المستشرقين والمستعربين اجتمع لدينا بالإضافة إلى من ذكرنا، عدد من تراجم مختصرة لبعض المستشرقين والمستعربين الفرنسيين الذين اشتغلوا بالدراسات الاسلامية والعربية والترجمة. نذكر منهم: ١ - البارون بواسوني: ولد في باريس في ١٩ يونيو (جوان) ١٨١١. وبعد أن درس في فرنسا أصبح ضابطا في المدفعية، وتولى في قسنطينة إدارة الشؤون الأهلية (المكتب العربي)، وبدأ حياته العلمية سنة ١٨٨٤. ويقول عنه لويس رين إنه أول فرنسي لفت الانتباه إلى ملامح وخصائص البربر. ونشر بواسوني في المجلة الأثرية (روكاي) بقسنطينة حروف الهجاء التي كان الطوارق يستعملونها. وفي سنة ١٨٨٤ نشر بواسوني النص العربي لبعض أشعار الأمير عبد القادر، وكذلك التنظيمات العسكرية المسماة (وشاح الكتائب) التي أعدها قدور بن رويلة، كاتب الأمير. ثم نشر الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية لابن القنفذ، وكذلك تحفة العروس لعمر الجزائري. كان بواسوني من أصول ارستقراطية عارفا باللغة العربية، وقد رشحته حكومته لمرافقة الأمير بعد هزيمته في ديسمبر ١٨٤٧. وعينه في هذه المهمة الدوق دومال الذي كان متوليا (حاكما عاما) للجزائر عند الهزيمة. رافق بواسوني الأمير في فرنسا وفي المشرق. بقي معه في حصن (لامالق) ثم في سجن (بو) تم قصر امبواز. كان لا مورسيير الذي وعد الأمير بالأمان في الجزائر آخر ديسمبر ١٨٤٧، قد أصبح بد ثورة فبراير ١٨٤٨ في فرنسا
следующие страницы →