← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

التقارير والاحصاءات والملاحظات والانطباعات أثناء عهده في الخدمة، فإذا تقاعد نشر كتابا عن المنطقة أو البلدة التي عمل فيها. وكان هؤلاء غالبا متأثرين بجو الاستشراق والنظريات الاجتماعية والانثروبولوجية الجديدة. أما التاريخ والجغرافيا والآثار وما يتصل بها فقد برز فيها عدد من المستشرقين أيضا. ولعل أكثرهم قيمة واعتدالا هو جورج مارسيه. وكانت جهوده في ميدان الآثار الاسلامية تشهد على ما قلناه سيما كتابه عن الآثار العربية في تلمسان، والآثار الاسلامية في العصور الوسطى. وله بحوث حول بعض المساجد والقصور ذات أهمية علمية (١) خاصة. وقد نشر فانيان أعمالا تاريخية عديدة منها القليل المتصل بالجزائر والآخر عن المغرب الاسلامي والأندلس والمشرق العربي. من ذلك تاريخ الموحدين للمراكشي، وتاريخ الدولتين للزركشي، وحوليات المغرب والأندلس لابن الأثير، وتاريخ افريقية والأندلس لابن عذاري، وفي هذه الأثناء ظهر أيضا كتاب أوغسطين بيرنار عن البداوة. واهتم المستشرقون بالمخطوطات العربية والبربرية فحققوا منها البعض وكلفوا الجزائريين بتحقيق الآخر، كما اشتركوا في الترجمة والتحقيق معا أحيانا. ومن رجع إلى تأليف هنري ماصيه (الدراسات العربية في الجزائر) سيدرك كثرة ما نشر من المخطوطات في شكل كتب ووثائق. ولعل أبرز من فعل ذلك رينيه باصيه وتلميذه ابن أبي شنب. ونحن نحيل على دراسة ماصيه المذكورة، وما نشر بعد ذلك على يد كور وغوستاف ميرسييه، وما نشر أيضا في (الحوليات الشرقية) التي كان يصدرها معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة الجزائر. وننبه إلى أن بعض المخطوطات قد اشترك في تحقيقها جزائري ومستشرق مثل (روضة النسرين) في تاريخ بني مرين التي حققها جورج مارسيه والغوثي بو علي (٢)، وهنري جاهير ونور الدين عبد القادر في

стр. 2627

نشر (روضة السلوان) للفجيجي (١). وقد كان محمود كحول قد نشر قصيدة الصيد (روضة السلوان) في التقويم الجزائري الذي كان يشرف عليه، سنة ١٩١١، صں ٧١ - ٩٤ (٢). وكان نور الدين عبد القادر قد اشترك مع غبريال كولان في تسليط الضوء على أعمال عبد الرزاق بن حمادوش. وكان ليكليرك قد اهتم بابن حمادوش وترجم بعض أعماله إلى الفرنسية (٣). وقد نشر شيربونو وثائق ونصوصا من كتاب (النبذة المحتاجة في أخبار ملوك صنهاجة)، وهو من تأليف محمد ابن حماد الصنهاجي، من أهل القرن الخامس الهجري، نشر ذلك في (المجلة الآسيوية). ولكن الكتاب قد ضاع فيما يبدو، وقد يكون شيربونو حصل على النسخة الوحيدة فأخذ منها ولم يرجعها لأصحابها. ذلك أن الباحثين لم يعثروا حتى الآن على نسخة كاملة من (النبذة) المذكورة. وعندما درس عثمان الكعاك العهد الحمادي اعتمد على ما نشره شيربونو. ويذكر الكعاك أيضا أن السيد أماري قد نقل من النبذة في المكتبة الصقلية (٤). وكانت رحلة الورتلاني قد أثارت اهتمام المستشرقين أيضا. وقد نشرها بالعربية محمد بن أبي شنب، ولكن ذلك لم يلب حاجة المستشرقين. كانت إحدى النسخ المخطوطة في حوزة المولود بن الموهوب، وثلاث نسخ أخرى عند جان ميرانت سنة ١٨٩٩. وكان ميرانت يسعى إلى ترجمتها (وهو

стр. 2628

مترجم عسكري كان يعمل في إدارة الشؤون الأهلية)، ولعل كثرة أشغاله وضخامة حجم الرحلة قد أخراه على إنجاز مشروعه. ولذلك قام زميله موتيلانسكي أستاذ العربية ومدير مدرسة قسنطينة الشرعية بترجمة الجزء الخاص بالرحلة من طرابلس إلى القاهرة (١). ثم وجدنا محمد الحاج صادق، في عهد متأخر، يقوم بترجمة خاصة للرحلة الورتلانية. وفي سنة ١٩١١ نشر ألفريد بيل بالتعاون مع الغوثي بوعلي (كان المدرس الرئيسي في جامع تلمسان الأعظم) القسم الأول من الجزء الثاني من كتاب (بغية الرواد) ليحيى بن خلدون، وهو في تاريخ بني عبد الواد. وهو عمل يشتمل على النص العربي والترجمة. وكان الجزء الأول قد نشر حوالي ١٩٠٣. واعتمد المحققان على عدة مخطوطات. والقسم الثاني المذكور يشمل عهد أبي حمو موسى الثاني إلى حوالي أربع سنوات فقط قبل اغتيال المؤلف يحيى بن خلدون الذي كان كاتبا للسلطان أبي حمو. وهكذا كان التعاون وثيقا بين الجزائريين والمستشرقين ولكن الفائدة كانت لصالح هؤلاء دائما (٢). أما الأعمال الجماعية للاستشراق فقد ظهرت في عدة حالات. نذكر منها الجمعيات العلمية التي أنشئت منذ أواخر القرن. وكانت جمعيات الجزائر والمغرب العربي عموما تتجاوب مع مثيلاتها في فرنسا. وكانت الجمعيات العلمية في الجزائر وتونس والمغرب تعقد اجتماعات دورية في إحدى المدن الرئيسية بمنطقة المغرب العربي. ويصدر عن ذلك مجموعة الأعمال والبحوث التي تقدم في كل اجتماع، وهو مجهود يدل على البرمجة والتخطيط حيث يتوزع المشاركون - وليس جميعهم من المستشرقين - موضوعات تدخل في أغلبها في نطاق العلوم الاجتماعية. وهناك مناسبة أخرى أظهرت فيها مدرسة الآداب قوتها وهي انعقاد مؤتمر المستشرقين ١٤

стр. 2629

سنة ١٩٠٥، الذي صدرت عنه مجموعة وقائع وبحوث أيضا في عدة مجلدات، وحضره حوالي ٥٠٠ مشارك معظمهم من فرنسا وأوروبا. أما المناسبة الأخيرة فهي الاحتفال المئوي بالاحتلال سنة ١٩٣٠. وقد تألفت له (لجنة علمية)، منذ ١٩٢٧. وكانت مكلفة بكتابة بحوث وإعداد نشرات وإقامة معارض، الخ. لتعريف العلماء الزائرين إنجازات فرنسا في الجزائر. ولعبت في هذه المناسبة كلية الآداب الدور الرئيسي. وظهر الارتباط الدقيق بينها وبين إدارة الاستعمار من جديد، أو بالأحرى بين هذه الإدارة والاستشراق. يقول هنري ماصيه، المستشرق الذي نشر عمله من وحي الاحتفال المئوي أيضا، عن جهوده وجهود زملائه، ما يلي: إن المجالات التي عالجها المستشرقون (يسميهم المستعربين) في الجزائر خلال رحلتهم هي: المعاجم، واللسانيات، والخطوط (الكتابات)، والتاريخ الديني، وتحقيق وترجمة النصوص الأدبية والتاريخية والجغرافية والفقهية والعلمية، ثم الدراسات الأثنوغرافية والفلكلورية، وأخيرا، الكتب المدرسية. أما ما يزال ينتظرهم فهو في نظره تدريس تاريخ الأدب (العربي؟) وذلك بالخروج من العموميات بعد أن يملك الطلبة مجموعة عربية من المؤلفين والتراجم ثم ترجمات كثيرة من النصوص التاريخية المتعلقة بالجزائر، ولكن بقيت أعمال أخرى تتعلق بالتاريخ والفقه في المغرب العربي عامة، وهي مجموعة الأحاديث الدينية لمالك بن أنس (١) ومسلم، بالإضافة إلى نصوص إباضية. كما أن بعض النصوص الجغرافية المتعلقة بالجزائر ما تزال غير مترجمة. ومن جهة البحث اللغوي والاثنوغرافي فما يزال هناك مجال واسع أمام الباحثين نظرا لتطور المجتمع الأهلي السريع. والواجب، في نظره إجراء تحقيقات عميقة ومنهجية في مختلف المناطق عن عادات وتقاليد ولهجات السكان. ودعا إلى ضرورة إنشاء (معجم العربية الجزائرية).

стр. 2630

ولكن نظرا، لضخامة هذه المهمة وعدم اعتمادها على مؤلف واحد وتعدد اختصاصاتها فلا بد من إنشاء مجموعة عمل لوضع أطلس لغوي شبيه بالأطلس الأثري الذي وضعه ستيفان قزال (١). حياة بعض المستشرقين والمستعربين اجتمع لدينا بالإضافة إلى من ذكرنا، عدد من تراجم مختصرة لبعض المستشرقين والمستعربين الفرنسيين الذين اشتغلوا بالدراسات الاسلامية والعربية والترجمة. نذكر منهم: ١ - البارون بواسوني: ولد في باريس في ١٩ يونيو (جوان) ١٨١١. وبعد أن درس في فرنسا أصبح ضابطا في المدفعية، وتولى في قسنطينة إدارة الشؤون الأهلية (المكتب العربي)، وبدأ حياته العلمية سنة ١٨٨٤. ويقول عنه لويس رين إنه أول فرنسي لفت الانتباه إلى ملامح وخصائص البربر. ونشر بواسوني في المجلة الأثرية (روكاي) بقسنطينة حروف الهجاء التي كان الطوارق يستعملونها. وفي سنة ١٨٨٤ نشر بواسوني النص العربي لبعض أشعار الأمير عبد القادر، وكذلك التنظيمات العسكرية المسماة (وشاح الكتائب) التي أعدها قدور بن رويلة، كاتب الأمير. ثم نشر الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية لابن القنفذ، وكذلك تحفة العروس لعمر الجزائري. كان بواسوني من أصول ارستقراطية عارفا باللغة العربية، وقد رشحته حكومته لمرافقة الأمير بعد هزيمته في ديسمبر ١٨٤٧. وعينه في هذه المهمة الدوق دومال الذي كان متوليا (حاكما عاما) للجزائر عند الهزيمة. رافق بواسوني الأمير في فرنسا وفي المشرق. بقي معه في حصن (لامالق) ثم في سجن (بو) تم قصر امبواز. كان لا مورسيير الذي وعد الأمير بالأمان في الجزائر آخر ديسمبر ١٨٤٧، قد أصبح بد ثورة فبراير ١٨٤٨ في فرنسا

стр. 2631

وزيرا للحربية، فتنكر للأمير وضيق عليه الخناق ولم يطلق سراحه ليتوجه إلى المشرق، كما وعده. وكان من المفروض أن يخفف البارون بواسوني أهوال الغربة على الأمير وأن يشرح له الأسباب السياسية التي جعلت حكومة فرنسا تسجنه بدل أن تطلق سراحه. وظل إطلاق سراح الأمير ينتظر إلى أكتوبر ١٨٥٢ حين تولى نابليون الحكم بنفسه، وعندئذ توجه بواسوني مع الأمير إلى اسطنبول. شارك بواسوني كذلك في الجمعية الأثرية بقسنطينة ومجلتها. وشجع مجموعة من المثقفين الجزائريين الذين مالوا للفرنسيين، على تأليف كتب ومذكرات حول قسنطينة، ومنهم محمد الصالح العنتري الذي كتب (الفريدة المؤنسة) و (هدية الاخوان)، بدافع منه. وكان بواسوني يراسل محمد الشاذلي الذي تولى القضاء ثم إدارة المدرسة الفرنسية - الشرعية. ودامت المراسلات بينهما طويلا حتى بعد انتقال بواسوني من قسنطينة. وكان الشاذلي قد زار قصر امبواز وبقي مع الأمير فترة لتسليته. ولعل جلب الشاذلي إلى هناك كان بإيعاز من بواسوني نفسه لأنه كان يعرفه في قسنطينة. وقد شارك بواسوني أيضا في تأسيس الجمعية التاريخية بالجزائر. وترأسها بعض الوقت. وبعد انتقاله إلى فرنسا ظل يزور الجزائر كل شتاء ليشارك في اجتماعات الجمعية التاريخية. أما الوظائف الإدارية الأخرى فقد كان بواسوني هو النائب الأول لرئيس المجلس العام (المجلس الولائي) لولاية الجزائر عند إنشاء هذا المجلس سنة ١٨٥٨. وكان الأعضاء عندئذ تعينهم الحكومة وليسوا منتخبين. وكان بواسوني يسكن في فيلا أنيقة بضاحية الأبيار تسمى (لاطوس). وقد أدركه الموت على ٩١ سنة في ٢٢ فبراير، ١٩٠٢. فبواسوني كان من أوائل (المستشرقين) العسكريين (١).

стр. 2632

٢ - ارنست ميرسييه: ولد في لا روشيل (فرنسا) سنة ١٨٤٠. وكان أبوه (ستانيسلاس) طبيبا. وصيدليا. جاء مبكرا إلى الجزائر كطبيب عسكري. وشارك في الحملات ضد الجزائريين مع بوجو، وفي ١٨٥٤ غادر الجيش واستقر كطبيب في سور الغزلان. وهناك حصل على أرض واستقر قرب عائلة. أما إبنه ارنست، فكان عمره عندئذ ١٣ سنة. ترك الدراسة في لاروشيل وعاش مخالطا للجزائريين فتعلم منهم العربية ودرسها. وفي ١٨٦٥ نجح في مسابقة المترجم العسكري، وسمى مترجما في سبدو حيث كانت ثورة أولاد سيدي الشيخ تصل إلى هناك من الجنوب الغربي، وازدادت معرفته للعربية فتقدم لمسابقة المترجم القضائي. ثم أصبح مترجما لقاضي الصلح في محكمة الحروش، ثم في تنس. وعند وقوع ثورة ١٨٧١ كان ارنست في تنس. وقد تطوع وأصبح قائدا للميليشيا المحلية ضد الثوار هناك. وفي نوفمبر ١٨٧١ سمي مترجما محلفا في قسنطينة حيث كان الثوار يحاكمون بالجملة. وكان والده قد استقر في قسنطينة بصفته صيدليا. وكذلك استقر ارنست وكون عائلة. ودخل ميدان السياسة فتولى منصب رئيس البلدية في قسنطينة مرتين، وعضوا في المجلس الولائي العام. C.G . كان ارنست ميرسييه مغرما بالدراسة أيضا. ومنذ ١٨٦٧ أصبح عضوا في الجمعية الأثرية لقسنطينة، وساهم في تحرير مجلتها (روكاي)، وقدم إليها دراسة عن الطريقة القادرية، وأخرى عن ثورة ابن غانية، وتاريخ معارف القدماء الجغرافية عن افريقية الشمالية. وتولى نيابة رياسة الجمعية المذكورة ثم رئيسا لها سنة ١٨٩٢. درس ميرسييه التاريخ والأدب العربي واللغة والدول التي تداولت على افريقية الشمالية. وقد نشر مجموعة من البحوث منها تاريخ شمال إفريقية، سنة ١٨٩١ في ثلاثة أجزاء. وهو العمل الذي نال عليه الميدالية الذهبية من جمعية الدراسات التاريخية بباريس، كما نشر بحوثا عن الكاهنة وكسيلة، وعن فرنسا والصحراء، والملكية فى بلاد المغرب العربي طبقا لمذهب الإمام

стр. 2633

مالك، واحتلال قسنطينة. ومن مؤلفاته وضع المرأة المسلمة في إفريقية الشمالية، وأوضاع السكان الجزائريين (الأهالي) تحت الاحتلال الروماني والوندالي والبيزنطي. ثم الملكية العقارية الاسلامية في الجزائر، وغيرها من البحوث. وله دراسة عن المقرانيين وثورة ١٨٧١، وأخرى عن فن الترجمة الكتابية والشفوية. وقد توفي سنة ١٩٠٧ في مدينة قسنطينة (١). إن ارنست ميرسييه يعتبر مثالا للعسكري - المدني الفرنسي، والمستوطن الحاقد على كل ما هو عربي ومسلم. وتشهد كتابته عن الفتح الاسلامي وعن المقرانيين على ما نقول. ومع ذلك فإنه من المساهمين البارزين في الترجمة والتأليف والبحث إلى جانب الوظائف الادارية والسياسية التي تولاها (٢). ٣ - فايسيت: لا يذكر مترجموه تاريخ ميلاده. ويبدو انه ولد في فرنسا، وجاء إلى الجزائر مبكرا. واشتغل في الحياة المدنية، فتعلم العربية، وكان معلما ثم مديرا لمدرسة عربية - فرنسية في قسنطينة، ذلك النوع من المدارس الذي كان يهدف إلى بث الثقافة الفرنسية عن طريق العربية الدارجة. ولم يترك فايسيت التعليم والادارة تأخد كل وقته فانتقل من التعليم إلى الترجمة كمحلف، ربما لأسباب مادية، ولكنه بقي دائما في قسنطينة إلى تقاعده. وقد توفي سنة ١٩٠٠ في (اسباليون؟) حيث كان متقاعدا مدة طويلة. أهلته معرفته للعربية ومكثه الطويل في قسنطينة للاطلاع على الوثائق الأهلية وتاريخ الناحية. كان عضوا في الجمعية الأثرية لقسنطينة منذ ١٨٦٢. وقد ساهم في مجلتها ببعض بحوثه. ومما نشره: تاريخ قسنطينة في العهد

стр. 2634

العثماني، وهو تاريخ سياسي، من ١٥١٧ - ١٨٣٧، اعتمد فيه على كتاب العنتري، وابن العطار وابن الفكون وغيرهم. كما نشر ملاحظات على قلعة بني عباس ومدافعها ولكن فايسيت كان يترجم أكثر مما كان ينشئ، رغم استغلاله للوثائق المحلية، كما ذكرنا (١). ٤ - شارل قابو: لا يمكن عده في المستشرقين، غير أنه من المترجمين المستعربين الذين كانوا على صلة بالجزائر وزعمائها. ولد في فرنسا سنة ١٨٣١. ولا ندري أين أو كيف تعلم العربية، لأن شارل فيرو يقول عنه إنه عين مترجما ملحقا بقصر امبواز حيث كان الأمير وأسرته مسجونين أي ١٨٤٨ - ١٨٥٢. وعند إطلاق سراح الأمير وتوجهه إلى المشرق كلف قابو بمرافقته أيضا، لأن مهمة بواسوني قد انتهت في اسطنبول. وفي يوليو سنة ١٨٦٥ زار الأمير عبد القادر فرنسا فوضع قابو تحت تصرفه كمترجم. وقد رافق أيضا ابن الأمير (وهو محمد صاحب تحفة الزائر) إلى دمشق في السنة الموالية، حسب خبير فيرو. ومنذ هذا التاريخ ١٨٦٦ أصبح قابو ملحقا بوزارة الحربية في باريس مكلفا بمصالح الجزائر. ويبدو أن قابو كان يجمع إلى الترجمة وظيفة الدبلوماسية والمخبر أيضا. فقد كلفته وزارة الحربية مرتين أخريين بمرافقة زعيمين جزائريين أحدهما، وهو شريف ورقلة (محمد بن عبد الله أو إبراهيم بن فارس). وكان هذا الثائر سجينا لدى الدولة الفرنسية بعد إلقاء القبض عليه حوالي ١٨٦١. وكان قد حمل إلى سجن عنابة (قلعة بيربينيان). أما الآخر فهو الشاب أحمد التجاني شيخ زاوية عين ماضي الذي رأت فرنسا نقله مع أخيه البشير إلى بوردو أثناء ثورة ١٨٧٠ - ١٨٧١. والمعروف أن أحمد التجاني قد تزوج عندئذ من أوريلي بيكار، بنت أحد رجال الدرك الفرنسيين. ولا ندري ما دور قابو في موضوع الزواج ما دام هو المرافق والشاهد والممثل لوزارة الحربية. ومن الأكيد أن هذه الوزارة لو لم يكن لها يد في هذا الزواج لما

стр. 2635

انبرم. والظاهر أن قابو كان حيا سنة ١٨٧٦ عندما ألف فيرو كتابه (١). ٥ - هنري دوفيرييه: ولد في فرنسا، وتعلم فيها. وجاء والده إلى الجزائر، وكان من الكولون ومن أصدقاء الدكتور وارنييه. بدأ هنري رحلته الشهيرة من قسنطينة حاملا توصيات دقيقة من الجنرال (ديفو) قائد القطاع العسكري بها، وذلك في شهر مايو ١٨٥٩ واتجه نحو ميزاب. وكان الشريف محمد بن عبد الله (شريف ورقلة) ما يزال نشطا في جهة عين صالح. ودامت رحلة دوفيرييه ثلاث سنوات، وقد رجع إلى الجزائر مريضا، فعالجه الدكتور وارنييه صديق والده. كانت الرحلة تغطي المنطقة بين المنيعة غربا. وزويلة شرقا وبسكرة شمالا وغات جنوبا. وكان يعرف عن غات من رحلة إسماعيل بوضربة إليها سنة ١٨٥٨، بل كان عرفه شخصيا، ويقول انه استفاد من رحلته. كان دوفيرييه يحمل أيضا رسائل للتعريف به وحمايته وتقديمه للمقدمين التجانيين وغيرهم، من عدد من الجزائريين، منهم: الخليفة حمزة من كبار عائلة سيدي الشيخ، وكان حمزة يحكم الجنوب الغربي باسم فرنسا. كما كان دوفيرييه يحمل رسالة من الشيخ محمد العيد بن الحاج علي، شيخ زاوية تماسين التجانية ووارث بركتها، وذلك بتدخل من الجنرال ديفو لدى الشيخ محمد العيد، وزكاه كذلك مقدم التجانية في قبيلة ايفوغاس بشمال الهقار، وهو المرابط عثمان بن الحاج البكري، وكذلك الأمير الحاج محمد ايخنوخن رئيس طوارق الأزجر، والمرابط البكاي ابن عم شيخ تمبوكتو وهو من الطريقة القادرية، كما زكاه سليمان العزابي مدير الفشاطو (؟) بجبل طرابلس. وكان دوفيرييه قد وجد أيضا مساعدة كبيرة من السيد أحمد بن زرمة السوفي (من سوف) الذي قال عنه أنه رافقه خلال الجزء الصعب من رحلته ووصفه بالاخلاص والذكاء والحيوية، وقد اعترف له ولغيره بالجميل. وكان

стр. 2636

دوفيرييه متحفظا جدا من السنوسيين الذين رأى فيهم الخطر الكبير على فرنسا في المنطقة. وقد حصل كتابه الذي جمع فوائد جمة عن المنطقة المذكورة، على الميدالية الذهبية الكبيرة من الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس سنة ١٨٦٤ (١). ورغم اقتراب دوفيرييه من الاستشراق بمعرفته العربية والبربرية، وتقديمه نبذة عن حياة المرابطين المعاصرين الذين اختلط بهم أو سمع عنهم في المنطقة، فإنه لا يعتبر مستشرقا بالمعنى الدقيق للكلمة لأنه لم يدرس ولم يتخرج من مدرسة استشراقية. ولكن أعماله ظلت مرجعا للمستشرقين اللاحقين المهتمين بالقبائل الصحراوية والحياة اللغوية والدينية هناك. وقد تعامل دوفيريه مع أشهر الطرق الصوفية في وقته التجانية والقادرية والشيخية والطيبية. ٦ - لويس رين: ولد في باريس في ٢٨ مارس ١٨٣٨. وكان من عائلة علمية اهتمت بالحياة الأكاديمية مثل عمه وآخيه ... أما هو فقد درس في سان سير، مدرسة الفرسان، وجاء الجزائر سنة ١٨٦٤ بمناسبة ثورة أولاد سيدي الشيخ. ولكنه دخل في سبتمبر من العام نفسه في مصلحة الشؤون العربية حيث قضى فترته وخدمته العسكرية كلها تقريبا. وفي سنة ١٨٨٠ أصبح هو رئيس المصلحة المركزية للشؤون الأهلية. ولكن بعد خمس سنوات ألغيت هذه المصلحة، أي في عهد الحاكم العام لويس تيرمان، وبعد ذلك تقاعد رين وأصبح مستشارا لدى الحكومة العامة. ولا شك أن عمله منذ ١٨٦٤ في المصالح الأهلية قد جعله يتعرف على مشاكل الجزائريين الدقيقة لأن كل الوثائق والمراسلات كانت تمر بيده، كما جعلته يتعرف على أنماط الناس وتفكيرهم. تولى رين رئاسة الجمعية التاريخية سبع سنوات، وظل يشارك في

стр. 2637

أعمالها ثم رئيسها الشرفي إلى وفاته سنة ١٩٠٥. وخلال أدائه لوظيفته الحساسة - الشؤون الأهلية - ألف رين عدة كتب ذات طابع إحصائي وإجمالي، ولكنها مفيدة. وقد كتبها بروح الأب الخبير الحريص في نظره على مصلحة الأهالي. وكان من موقعه يتلقى التقارير والرسائل، كما كان يراسل من يشاء من أعيان الأهالي ويطلب منهم المعلومات لكتبه، ولا ندري كيف تعلم العربية والبربرية، لأنه كان يعرفهما، وتتركز أعماله على اللغة والعادات والدين والتقاليد. وأشهر مؤلفاته: تاريخ انتفاضة ١٨٧١، ودراسة الطرق الصوفية الذي سماه (مرابطون واخوان)، وله كذلك أبحاث نشرها في المجلة الافريقية في البداية، منها: مملكة الجزائر تحت آخر الدايات، والممالك البربرية الأولى وحرب يوغرطة، وبحث في الدراسات اللغوية والاثنولوجية عن البربر. وأخبر زميله لاكروا أن رين كرس سنواته الأخيرة لكتابة موسوعة كبيرة عن تاريخ الجزائر تضم أحد عشر مجلدا، ولكننا لا نعرف ماذا أكمل منه، لأن الكتاب الأخير لم ير النور، على ما نعرف (١). غير أن آجرون رجع إليه في بعض مؤلفاته، وهو، بناء عليه، ما يزال مخطوطا. ٧ - ادريان ديلبيش: ولد في بوفاريك سنة ١٨٤٨، فهو ابن مستوطن فرنسي استقر في قلب سهل متيجة الغني، ولكن ادريان تعلم العربية في مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية عندما كان مديرها هو بيلار. أصبح أدريان مترجما عسكريا مثل كثير من الشبان الفرنسيين الذين وجدوا في هذه المهنة وسيلة للعيش والاستعمار أيضا. ومثل معظم المترجمين عندئذ فإن همه ليس العربية المكتوبة ولكن الدارجة المنطوقة فقط. وقد جاء إلى العاصمة ليزداد علما بالعربية على لويس برينييه، ودخل المسابقة ونجح في مهنة الترجمة العسكرية. وكان ملازما للجنرال سيريز سنة ١٨٧١ أثناء ثورة الرحمانيين

стр. 2638

والمقرانيين. وقيل انه هو الذي حرر الانذار الفرنسي قبل الهجوم على فج أولاد عزيز، وهو الانذار الموجه للثوار. كما رافق أدريان الفرقة التي كانت تحمل المؤونة عبر بوسعادة والتي كانت بقيادة العقيد تروميلي. وبعد القضاء على الثورة تفرغ أدريان ديلبيش للدراسة واستقال من الترجمة العسكرية ودخل الترجمة القضائية. وبهذه الصفة اشتغل في عدة محاكم فرنسية، منها محكمة تيزي وزو وبلعباس ومينيرفيل (الثنية) والبليدة. وأثناء ذلك حصل من مدرسة الآداب في الجزائر على دبلوم اللغة العربية. والدراسة الأخيرة هي التي قربته إلى صف المستشرقين. فقد نشر بحوثا حول ثورة الطريقة الدرقاوية ١٨٠٠ - ١٨١٣ كما وردت في كتاب مسلم بن محمد، ونشر تاريخ الأمير عبد القادر الذي كتبه ابن عمه الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو ترجمة جزئية للأمير، كما نشر بحثا عن زاوية سيدي علي بن موسى، وآخر عن إجازة مقدم للطريقة الرحمانية، وخلاصة لكتاب البستان لابن مريم. كما توجه ديلبيش لدراسة الفقه الاسلامي، وقال مؤبنه إنه قد عهد إلى أحد أصدقائه بإخراج ما تقدم في تحريره منه. وكان ديلبيش من أعضاء الجمعية التاريخية. وهكذا يظهر أنه قد تحول من العمل العسكري إلى القضاء ثم إلى الدراسات الاستشراقية والاهتمام بترجمة النصوص العربية والتعريف بالتراث الاسلامي والطرق الصوفية والفقه. ولكن أعماله، مثل أعمال معظم المستشرقين، تبقى خفيفة ولا تساهم في تعميق المعرفة إلا قليلا. وقد أدركه الموت في سن مبكر، إذ كان في السادسة والأربعين عندما توفي سنة ١٨٩٤ (١). ولعله لو عاش وظل على طريقه لأخرج أعمالا أخرى ذات أهمية. ٨ - البارون ديسلان: ولد في بيلفاست (ايرلندة) في ١٢ غشت ١٨٠١. وجاء إلى باريس سنة ١٨٣٠ حين كان الأجانب يريدون معرفة الاستشراق

стр. 2639

الفرنسي ونيل السمعة منه. وأصبح من تلاميذ دي ساسي، ومن أحسن تلاميذه. ومنذ ١٨٣٧ بدأ ينشر الآثار العربية، فنشر ديوان امرئ القيس ومنتخبات من كتاب الأغاني. وبالتعاون مع المستشرق (رينو) نشر جغرافية أبي الفداء على نفقة الجمعية الآسيوية، وبدأ ديسلان في نشر كتاب وفيات ابن خلكان، وكتاب النوري عن أفريقية والمغرب، وكذلك وصف أفريقية لابن حوقل، ورحلة ابن بطوطة. وهذا كله يظهر اهتمامه المبكر بالتاريخ والأدب العربي. وبعد أن حصل ديسلان على الجنسية الفرنسية كلفته الحكومة مهمة في الجزائر سنة ١٨٤٣ - ١٨٤٥، فقام بأدائها، وأرسل إلى وزير المعارف العمومية تقريرا عن مجموعة المخطوطات ذات الأهمية في المكتبات الخاصة بالجزائر، مثل مكتبة حمودة الفكون بقسنطينة، ومكتبة باشتارزي في هذه المدينة أيضا. وقد وصف استقبال الأهالي بأنه كان وديا (١). وإثر هذه المهمة الناجحة في نظر رؤسائه سمي ديسلان مترجما رئيسيا للجيش الفرنسي بالجزائر، في أول سبتمر ١٨٤٦، أي في أوج عهد بوجو. كأن ديسلان، مثل معظم المستشرقين عندئذ يعرف العربية والتركية. وقد درس اللغة الأخيرة في اسطنبول أثناء بعثة لدراسة المخطوطات أيضا دامت سنة. وتولى تدريس اللغة التركية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس محل المستشرق جوبير سنة ١٨٤٨، لكن حكومة الجمهورية الجديدة عزلته وعينت بدله دوبو. ولكن بوجو وأخته عملا على تصحيح وضعه لدى وزارة المعارف، وقد صحح الوضع فعلا سنة ١٨٤٩ عندما أعيد ديسلان إلى الجزائر مترجما رئيسيا في الحكومة العامة (٢). وبذلك أصبح هو الذي يصوغ نصوص البلاغات الرسمية والمراسلات العربية للحكومة في الجزائر مع الأهالي، وأصبح أسلوبه منهجا لمن جاء بعده. وخلال إقامته في

стр. 2640

الجزائر ترجم تاريخ ومقدمة ابن خلدون، وهو العمل الذي جلب إليه تنويه زعماء مدرسة الاستشراق الفرنسي، مثل رينان. وفي سنة ١٨٦٣ أعطيت لديسلان رخصة لتدريس العامية الجزائرية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس. وهو الوظيف الذي أصبح رسميا منذ ١٨٧١ حين عين ديسلان أستاذا للعربية العامية بالمدرسة المذكورة مكان بيرسوفال. ومنذ هذا التاريخ أيضا تفرغ ديسلان لدراسة مؤرخي الحروب الصليبية والدراسات الشرقية، وتخلى عن تدريس العامية الجزائرية التي اعتبرها بعض المستشرقين (مثل موهل) قد جنت على موهبة ديسلان في الانتاج والتأليف من الفصحى. والمعروف أن ديسلان قد أصدر كاتلوق المخطوطات العربية الموجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية. ومات في ٤ غشت، ١٨٧٨ (١). ومما يذكر أن ديسلان كان أيضا هو المشرف على جريدة (المبشر) التي كانت تصدرها الحكومة العامة والموجهة بنسختها العربية إلى القراء الجزائريين، وكان أسلوبه فيها واضحا ومتميزا. وقد عمل معه فيها عدد من الجزائريين نذكر منهم أحمد البدوي (٢) ٩ - دومينيك لوسياني: يمكن أن نعتبره رجلا إداريا إذ أنه ظل أكثر من عشرين سنة وهو يسير الشؤون الأهلية عن قرب. فهو الذي تولى تفتيش البلديات ونشط الإدارة المدنية على حساب الإدارة العسكرية منذ ١٨٩٠. وأثناء ثورة عين التركي كان لوسياني هو الذي أمر بإقامة المحاكم الزجرية وقمع الثورة بلا رحمة. ومع ذلك يصفه مترجمه بول مارتي بأنه كان يعمل على تقريب الأهالي من الفرنسيين. وقد عمل لوسياني مع ثلاثة من الحكام العامين هم ريفوال وجونار ولوتو. وكان لوسياني قد زار عدة بلدان إسلامية لدراسة أحوالها الإدارية، في ظاهر الأمر، ومنها مصر وتونس والمغرب وسورية، وكان يريد أن يستفيد منها في إدارة شؤون الأهالي بالجزائر. وقد

стр. 2641

عمل أثناء وجوده على رأس هذه الإدارة على تنظيم الحالة المدنية الجديدة التي فرضها الفرنسيون على الجزائريين قصد تغيير هويتهم وأنسابهم استعدادا لدمجهم، وعلى تطوير ما يسمى بجمعيات الاحتياط الأهلية والتي تفرض على الجزائريين من فلاحين وغيرهم الدخول في جمعيات تعاونية تقدم إليهم المساعدات عند الحاجة لحدوث الجوائح. والأمر الثالث الذي حصل أثناء عهده هو تنشيط حركة التعليم الفرنسي في الجزائر، ابتداء من عهد كامبون، وفي هذا النطاق تدخل إعادة تنظيم المدارس الثلاث الشرعية خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي. وكان لوسياني يعتبر خريجي هذه المدارس ضروريين للتعليم في إفريقية العربية وفي المشرق والمغرب أيضا إذا احتاجتهم فرنسا. وقيل إنه اهتم أيضا بالمدارس المهنية الأهلية كورشات الطرز والزرابي والحدادة لفائدة المستوطنين، وكذلك العناية بالمكاتب الخيرية الاسلامية، سيما في عهد فصل الديانة المسيحية واليهودية عن الدولة، وكان لوسياني يعد لمشروعين لم يكتب لهما النجاح في عهده. وهما ترقيم الأملاك العقارية وتدوين الفقه الاسلامي. أما عمله الاستشراقي فيقوم على تشجيعه ومساهمته في لجنة ترجمة الكتب العربية التي ذكرناها ١٨٩٤. وقد سهر على نشر مجموعة من الأعمال في شكل ترجمات سواء من العربية أو من البربرية المكتوبة بالحروف العربية. وقد ذكرنا له ترجمة كتاب السلم المرونق في المنطق والدرة البيضاء في الفرائض، وكلتاهما لعبد الرحمن الأخضري كما ترجم الرحبية في الميراث، وهي لعبد الله الشنشوري، والعقيدة الصغرى (أم البراهين) لمحمد بن يوسف السنوسي، والجوهرة لإبراهيم اللقاني، وموطأ المهدي ابن تومرت. وترجم من البربرية كتاب (الحوض) في الفقه، ومجموعة من أشعار إسماعيل ازيكيو حول ثورة ١٨٧١ (١). وتقتصر أعمال لوسياني على الترجمة مع قليل من

стр. 2642

الإضافات. وقد جعلته الإدارة لا يركز على الدراسات والبحوث، رغم أنه كان عنصرا فاعلا في تنشيط حركة الاستشراق، سيما أوائل هذا القرن. وفي عهده أيضا انعقد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر ١٩٠٥، وزار الشيخ محمد عبده الجزائر ١٩٠٣، وغير ذلك من الأحداث الهامة التي كان له يد فيها. ١٠ - لوشاتلييه: ألفريد لوشاتلييه من أعيان المستشرقين في مطلع هذا القرن. وكانت له رؤيته المستقلة، واعتداده بنفسه، وكان ماضيه عسكريا، إذ تخرج من مدرسة سان سير. ثم تحول إلى الدراسات المدنية والاستشراق ودراسة التصوف. ولد في باريس سنة ١٨٥٥، ودخل الحياة العسكرية، فشارك في المكاتب العربية بالجزائر، ومنها المكتب العربي في ورقلة. وعمل في مناطق أخرى عديدة بين ١٨٧٨ - ١٨٨٦، منها بوسعادة، وبوغار، وغرداية. وباعتباره من خبراء المناطق الصحراوية أخذه العقيد فلاترز في أول بعثة له، وشارك في الأركان العامة بالعاصمة. وأثناء عمله في الصحراء قام بأول سبر (صونداج) للبحث عن المياه. ودرس تفاصيل الحياة في الصحراء، وكتب دراسة متميزة عن الصعاليك فيها، وهم (المدقانات) الذين ظهروا بين الستينات والثمانينات في القرن الماضي على إثر ثورات أولاد سيدي الشيخ وبوشوشة وابن عبد الله. وفي سنة ١٨٨٦ رجع لوشاتلييه إلى فرنسا مفضلا حرية العمل لترويج الفكر الاستعماري، فخرج من الجيش وأخذ يكتب المقالات والكتب لدعم أفكاره. ونشر في المجلات والجرائد، وأخذ يبدي اهتماما بالمسائل الاسلامية العامة وليس الجزائرية فقط، فألف في ذلك كتابين: الطرق الصوفية الاسلامية في الحجاز، والاسلام في القرن ١٩. وفي نظره أن الاسلام قد

стр. 2643

استيقظ بقوة (حركة الجامعة الاسلامية) من المغرب الأقصى وإلى افغانستان، وأن هناك فرقا بين الاسلام الآسيوي والاسلام الافريقي، الأول متأثر بالاستعمار الانكليزي والروسي، والثاني متأثر بالاستعمار الفرنسي والاسباني. كما أن الاسلام في آسيا يتطور في مناطق عاشت فيها حضارات عديدة، أما في إفريقية فالإسلام، في نظره، يتطور في بلاد بدون حضارة، ولذلك فهو هنا بدون حدود (١). ولكن ذلك ليس هو كل عمل لوشاتلييه. فقد أصبح أستاذا في (الكوليج دي فرانس) محتكرا حلقة جديدة في الدراسات الاسلامية سماها المجتمعات الاسلامية. وهو في ذلك متأثر بأنواع الدراسات الاجتماعية الجديدة في فرنسا وألمانيا، دورخايم وماكس فيبر، وارنست رينان. ثم أسس لوشاتلييه (البعثة المغربية) عند الاهتمام الفرنسي المركز على احتلال المغرب. ونشرت البعثة موسوعتها المعروفة باسم (الأرشيف المغربي) التي ضربت قياسا في السرعة والعمل الجماعي، بحيث ظهر منها ٣٣ مجلدا. في ظرف ٣٥ سنة. وكانت البعثة في أول أمرها بطنجة ثم انتقلت إلى الرباط. كما أسس لوشاتلييه (مجلة العالم الاسلامي) التي ضربت المثل أيضا في السرعة والعمل الجماعي، فأصدرت ما بين ١٩٠٦ - ١٩٢٥ اثنين وستين ٦٢ مجلدا. وظهر على صفحاتها المستشرق لويس ماسينيون وآخرون. وقد قال عنها لوشاتلييه إنها مجلة غير استشراقية وغير استعمارية، ولكنها مجلة تعرف بالاسلام كما هو يتطور في الواقع وتبرز الحقائق الاجتماعية التي ترصدها في الساحة الاسلامية. وكانت بين لوشاتلييه والمارشال ليوطي بعض الحساسيات في استراتيجية العمل. فرغم أن كليهما يرجع إلى مدرسة الجزائر العسكرية، فإن ليوطي كان يحبذ طريقة بوجو الأبوية وتطبيقها في المغرب، بينما كان لوشاتلييه يريد اتباع أسلوب جديد مستوحى من تطور الاسلام والمسلمين.

стр. 2644

وعلى ذلك أسس ليوطي (الأرشيف البربري) لمنافسة الأرشيف المغربي، وأسس أيضا معهد الدراسات البربرية بدل البعثة المغربية، ولكن الحكومة الفرنسية تدخلت ونسقت بين جهودهما فتكاملت، وتعاونا على بسط النفوذ الفرنسي في المغرب وفي العالم الاسلامي (١). ١١ - شارل فيرو: لم يكن فيرو مستشرقا بالمصطلح المعروف، ولكنه خدم ميدان الاستشراق بالترجمة ونشر النصوص وتوليه رئاسة الجمعية التاريخية. فكان من المستعربين القلائل الذين اتصلوا بالمجتمع الجزائري ودرسوا تراثه، ولكنهم وجهوا نتائج أبحاثهم إلى خدمة الاستعمار الفرنسي إلى أقصى الحدود. لقد كان فيرو من العسكريين الذين استعملوا القلم أكثر من البندقية والفكر أكثر من الحرب، فكانت نتائج عمله أخطر على الشعب الجزائري من نتائج زملائه العسكريين. اسمه لوران شارل فيرو، ولد في نيس في الخامس من فبراير ١٨٢٩، وقد جاء الجزائر صغير السن، وتوظف وهو لم يتجاوز السادسة عشر (!)، وعندما بلغ التاسعة عشر كان كاتبا في العاصمة بالإدارة المدنية (الحكومة العامة) ومترجما بها، ثم أصبح مترجما احتياطيا عسكريا من الطبقة الثانية، وميدان الترجمة هو الذي قضى فيه كل حياته تقريبا. ولا ندري أين تعلم العربية، وربما كان ذلك على يد لويس برينييه الذي كان رئيسا لحلقة اللغة العربية في العاصمة. وقضى فيرو عشرين سنة من حياته وهو يشارك في الحملات العسكرية باتجاه قسنطينة (إقليم الشرق). وشارك في الحملة ضد محمد الأمجد (بوبغلة) بنواحي بجاية سنة ١٨٥٢، وكذلك في الحملات ضد البابور وبجاية وذراع الأربعاء وبرباشة. وأثناء الحملة الأخيرة كان قد اندس ليلا في كوكبة من خيالة جزائريين، كان هدفها خطف مبعوث بوبغلة الذي كان يبث الدعاية لإثارة

стр. 2645

الأهالي، كقوله إن الجيش الفرنسي قد توجه إلى المشرق ١٨٥٤ بهدف عزل السلطان العثماني (١). وفي ضوء خبرته بالشؤون الأهلية أبقاه القادة العسكريون لإقليم قسنطينة إلى جانبهم، ثم أصبح منذ الحكم المدني ١٨٧١ ملحقا بالحاكم العام الأميرال ديقيدون في العاصمة، وقد أبقاه الجنرال شانزي ١٨٧٣ - ١٨٧٨ أيضا في نفس المنصب. وأثناء سنواته الطويلة في إقليم قسنطينة جمع فيرو وثائق كثيرة حول تاريخ الإقليم ومدنه وأهله وآثاره. ونشر عنه في مجلتي (روكاي) التي كانت تصدر بقسنطينة، و (هيبون) التي كانت تصدر بعناية. وبعد انتقاله إلى العاصمة ساهم في الجمعية التارخية التي كانت تصدر المجلة الافريقية، وقد تولى رئاستها بين ١٨٧٦ - ١٨٧٩. وخلال ذلك كلفته الحكومة الفرنسية بمسؤوليات دبلوماسية في طرابلس وتونس، كما كلفته بمرافقة السفير الفرنسي المبعوث سنة ١٨٧٧ إلى سلطان المغرب. وكانت مهمته تتلخص في محاربة النفوذ الانكليزي والايطالي في طرابلس وتونس. وكان الانكليز والايطاليون يريدون الحلول محل الفرنسيين هناك. وأثناء وجوده في طرابلس كتب حوليات هامة. وكان فيرو في طرابلس عندما وقع احتلال فرنسا لتونس واحتلال الانكليز لمصر، وحدثت ثورة بوعمامة بالجزائر وثورة عرابي باشا في مصر، وثورة المهدي في السودان. وفي ١٨٨٤ فير عينته حكومته وزيرا مفوضا في طنجة، وبعد سنة رافق سفارة مغربية إلى فرنسا، وهي السفارة التي رجعت إلى المغرب عبر الجزائر ١٨٨٥. وقد توفي فيرو في طنجة في ديسمبر ١٨٨٨ (٢). أما مؤلفات فيرو فهي كثيرة، وكلها تقريبا قائمة على الترجمة من

стр. 2646

الوثائق الأهلية وتوظيفها لصالح الإدارة. وكان يستعمل الرواية الشفوية كثيرا، ويلجأ إلى أعيان وشيوخ العلم والحكم للأخذ عنهم أنساب الأعراش والقبائل وأسماء العائلات وسير الأبطال والغزوات، بما في ذلك الأساطير والخرافات. ومن منشوراته وصف مدن الشرق الجزائري مثل بجاية وجيجل وتبسة وعنابة. وذلك في شكل مونوغرافات (مؤلفات خاصة). ومنها مؤلفه عن قصر الحاج أحمد الذي تحدث عنه حديث الحاقد الموتور وليس حديث الباحث المحايد. وربط فيرو علاقات مع أعيان الجزائر وعلمائها وشيوخها. ونحن نجد ذلك في الوثائق التي كانت بحوزته (١)، وفي الاشارات إلى اسمه في المراسلات. وفي رسالة من محمد الصالح العنتري إلى فيرو تذكيره (بالصداقة) القديمة وطلب التدخل لا يجاد وظيف لابنه (العنتري) (٢). وفي رسالة أخرى كتبها أحد البجائيين أنه كتب عملا في تاريخ بجاية وقدمه إلى فيرو أيام كان مع الجنرال بوثوت (؟) في قسنطينة، وهكذا. ونحن نفهم أن فيرو كان يستغل طمع العلماء والشيوخ في الوظيفة وسوء أحوالهم المادية فيطلب منهم الكتابة عن العائلات والمدن والأنساب، ثم يترجم ذلك وينسبه لنفسه. ذلك أن البجائي مثل العنتري كان يطلب أيضا. تعيينه في وظيف قضائي نظرا لخدماته السابقة (٣). فأنت ترى أن فيرو وظف علمه وفكره وعلاقاته لخدمة الإدارة الاستعمارية، وقدم خدمات جليلة للاستشراق الفرنسي، رغم أنه لم يكن هو من المستشرقين من حيث التكوين. فميدان عمله كان الترجمة والدبلوماسية (٤).

стр. 2647

اللجان العلمية من النشاط العلمي - الثقافي الذي تميز به العهد الفرنسي الأبحاث التي قامت بها مختلف اللجان والجمعيات. وكان هذا النشاط قد بدأ منذ أوائل الاحتلال واستمر إلى آخر عهده. وإذا كان في العهد الاستعماري ما يحمد عليه فهو البحث المستمر في مختلف المجالات، في شكل جماعي، مما ساعد على إخراج موسوعات ذات قيمة تاريخية لا تفنى بسهولة. وتشمل هذه الأعمال الجماعية مشروع (اكتشاف الجزائر العلمي) ومشروع الاحتفال المئوي بالاحتلال، وبحوث جامعة الجزائر بمختلف مدارسها وكلياتها ومعاهدها، ولجنة دراسة الأوضاع الاسلامية، ولجنة ترجمة الكتب العربية إلى الفرنسية، وكذلك لجان التحقيق في أوضاع الجزائر مثل لجنة ١٨٣٣ - ١٨٣٤، ولجنة ١٨٩١ - ١٨٩٢. ونذكر كذلك أعمال الجمعيات التاريخية والعلمية التي أصدرت بدورها مجلات دامت عدة عقود، كالجمعية الأثرية (قسنطينة)، والجمعية التاريخية (الجزائر) والجمعية الجغرافية (وهران) (١) الخ. ولا بد من التنويه بمنشورات (المستكشفين) عبر الصحراء والمناطق النائية التي ظهر فيها العلم والدين والسياسة متلازمين. وقد قام المستشرق اللامع في وقته، رينيه باصيه، بكتابة تقرير سنة ١٩٢٠ عرض فيه ما سماه (نشاط فرنسا العلمي في الجزائر وشمال أفريقيا) وتحدث فيه عما قامت به كلية الآداب بالخصوص من أعمال ومنشورات في خدمة العلوم واللغات والآداب (٢)

стр. 2648

لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر: ولنبدأ من البداية. فقد تأسست في ١٤ غشت ١٨٣٧ لجنة علمية سميت (لجنة اكتشاف الجزائر العلمي)، وكانت على غرار لجنة دراسة مصر وسورية، وكان فيها مختلف المتخصصين، وأغلبهم كان من العسكريين. وكانت الخطة هي أن يذهب هؤلاء العلماء إلى الجزائر في مدة محددة ويكتبوا حصيلة بحوثهم، على أن تنشر هذه البحوث على نفقة الدولة الفرنسية إذا دعمتها اللجنة. وقد وقعت الاتصالات مع إدارة الجزائر لتسهيل مهمة اللجنة والتنسيق بين أعضائها والسلطات المحلية، لا سيما وأن الاحتلال ما يزال في أوله وما تزال المقاومة تمنع الأعضاء من التوغل في البلاد ومعرفة كل أجزائها. وكان على أكاديمية العلوم وأكاديمية الآداب والفنون أن تحددا طبيعة العمل وأهدافه، وأن تعد بيانات مفصلة وواضحة لإنجازه. واهتمت وزارة الحربية باختيار الأشخاص لأن عدد الراغبين في المشاركة من الأكاديميين والباحثين كان كثيرا. كما أن تعييناتهم الرسمية ورواتبهم المالية استغرق وقتا أيضا (١). وقد صدر قراران وزاريان لتعيين أعضاء اللجنة العلمية، أحدهما في ١٩ غشت والثاني في ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٣٩. في القرار الأول كان الأعضاء ٢١ وفي القرار الثاني وصلوا إلى ٢٤. ولكن العدد لم يبق ثابتا فقد استقال البعض ومات آخرون بعد التعيين، ولذلك بقيت اللجنة تعمل بمعدل ٢٠ شخصا. وبالاضافة إلى هؤلاء الأعضاء الذين سموا بالأصليين، هناك أعضاء سموا احتياطيين. وقد اشترط في هؤلاء ألا يتجاوز عددهم ربع عدد الأعضاء الأصليين. ثم التحق أعضاء آخرون باللجنة، أحدهم طبيب، والآخر رسام، والثالث خاص بالتاريخ الطبيعي. وكانت اللجنة كلها (بكل أعضائها) تعمل تحت إشراف مسؤول مكلف بالمشروع وبتوجيهه.

стр. 2649

وإليك بعض التفاصيل عن هؤلاء الأعضاء: ٨ منهم اختارتهم وزارة الحربية (وكانت الجزائر تتبعها) عن طريق أكاديمية العلوم. و ٥ اختارتهم أكاديمية الآداب والفنون، وواحد من وزارة التعليم. ولكن أربعة أعضاء من الأصليين قدموا استقالتهم. وتوفي عضو خامس في الجزائر بعد أن باشر عمله. كما وقعت ترقية بعض الاحتياطيين إلى أصليين. وإليك أسماء بعض الأعضاء مع تخصصاتهم التي اختيروا على أساسها: ١ - ادريان بيربروجر، وكان محافظا لمكتبة الجزائر العامة، باعتباره أثريا. ٢ - كاريت، كان ضابطا في الجيش، باعتباره في الجغرافية القديمة. ٣ - العقيد دي نوفو، ضابط في الجيش، باعتباره في الجغرافية الطبيعية. ٤ - اونفنتان، خريج مدرسة الصنائع (بوليتكنيك)، باعتباره اثنوغرافيا. ٥ - قويون، طبيب جراح في الجيش، باعتباره طبيبا وفيزيولوجيا. ٦ - بيليسييه دي رينو، وهو ضابط في الجيش، باعتباره في التاريخ الحديث والنظم والعادات. ٧ - وارنييه، طبيب جراح، كان عضوا احتياطيا مكلفا بالاحصاءات والبحث في السكان (١). ٨ - بوفيه، كان مكلفا بالزراعة. ولكنه توفي في الجزائر قبل انتهاء مهمته. أما رئيس اللجنة فكان من الجيش أيضا، وهو العقيد بوري دي سان فانسان، وكان عضوا في المعهد (الفرنسي). وكان بوري أحد الأعضاء

стр. 2650

السبعة العسكريين من السبعة عشر عضوا أصليا. وقد شملت اللجنة التخصصات التالية: ١ - المناظر الطبيعية Paysages. ٢ - الآثار. ٣ - الجغرافية. ٤ - الرسم. ٥ - الزيولوجيا/ علم الحيوان. ٦ - النباتات. ٧ - الاثنوغرافيا/ السلا لات. ٨ - الفيزيولوجيا/ علم وظائف الأعضاء والطب. ٩ - الانتومولوجيا. ١٠ - الملابس واللوحات. ١١ - التاريخ والنظم. ١٢ - المعادن والتعدين. ١٣ - الهندسة المعمارية. ١٤ - الجيولوجيا/ طبقات الأرض. ١٥ - التاريخ الطبيعي. ١٦ - الفيزياء وعلم المناخ. ١٧ - الاحصاء والبحث في السكان. ١٨ - الصحة وأمراض السكان. ١٩ - إنتاج الأنماط الانسانية (الرسومات الخ.). وقد حلت اللجنة بأعضائها في الجزائر في خريف ١٨٣٩، ولكن عملها لم يبدأ إلا في ربيع سنة ١٨٤٠، لأن المطر الخريفي والشتائي حال دون الشروع فورا في العمل (١). والمعروف أن آخر سنة ١٨٣٩ شهدت استئناف

стр. 2651

الحرب بين الأمير عبد القادر والجيش الفرنسي بقيادة المارشال فاليه بعد خرق الفرنسيين لشروط معاهدة التافنة. ولا شك أن استئناف الحرب قد أثر على بداية أعمال اللجنة كما أثر على حرية حركتها حتى في المناطق المحتلة من قبل. أعطيت اللجنة مهلة عامين ونصف لإنجاز أعمالها، ولذلك كان عليها أن تقدم نتائجها للنشر سنة ١٨٤٢. ولنذكر الآن مجالات نشاطها في تصنيفات شمولية على هذا النحو، لأن أبحاثها، مهما تعددت، كانت لا تخرج عن ثلاثة أقسام: ١ - العلوم الفيزيائية: وهي تضم الفيزياء في حد ذاتها، وتتبعها الجيولوجيا وعلوم النبات والزراعة والطب والفيزيولوجيا، والزيولوجيا. وقد تولى هذا القسم عدد من المختصين كانوا يجمعون الملاحظات والمعلومات ويبحثونها ويعدون نتائجهم للنشر. ٢ - العلوم التاريخية: وهو قسم واسع، ويضم أيضا مجموعة من الباحثين. ويشمل التاريخ والآثار والجغرافية والاثنوغرافية. وسنذكر ما كتبه معظم أعضاء هذا القسم بد قليل. ٣ - الفنون الجميلة: وتضمن هذا القسم الهندسة المعمارية والرسم. ومن أبرز أعضائه رافوازيية الذي قام بزيارة لعدة مدن منها: سكيكدة وميلة وقسنطينة وجميلة وسطيف ووهران ومستغانم والجزائر. وسجل مختلف الآثار الرومانية فقط، لأن اللجنة لم تكن مهتمة بالآثار الاسلامية. وقام رافوازييه برسومات للآثار القديمة التي من بينها المسارح وأماكن الاستعراضات (السيركات)، ومبان ترجع إلى أزمنة مختلفة، كما رسم مساجد ومنازل عربية (موريسكية)، مع تفاصيل عن زخرفتها، وقد أنجز عمله سنة ١٨٤١، وقدمه للجنة. وقام موريلي وباكوري وديلامار برسم المناظر الطبيعية في شرق الجزائر لكي يعطوا فكرة محددة عن السحنات (الفيزيونوميا) العامة. وقد سجل موريلي بالذات مجموعة من التحف ومظاهر

стр. 2652

الحياة الداخلية للسكان مثل الأسلحة والملابس والماعون والآلات والأثاث والحلي. ثم رسم ديلامار أكثر من مائة منظر لكتابات النصب القديمة، سيما في سطيف. كما خص هذه المدينة بمذكرة عن تاريخها القديم. وكذلك زار مستغانم ومعسكر ووهران وأرزيو وتاقدامت، واهتم هناك أيضا برسم المناظر الطبيعية والآثار الكتابية. وقام كل من باكوي ولونقا بعدة رسومات أيضا. فالأول رسم مدينتي وهران وقسنطينة وغيرهما من مدن الساحل التي وقعت تحت الاحتلال. أما لونقا فقد اهتم برسم أشكال الأجناس البشرية التي تقطن الجزائر، ومظاهر حياتها الخاصة (١). ونفصل الآن الحديث عن بعض ما كتبه الباحثون في ميدان التاريخ والمواد المتصلة به كالآثار والجغرافية: ١ - ترجم بيليسييه دي رينو تاريخ القيرواني عن المغرب الاسلامي من القديم إلى عهد الموحدين، كما كتب مذكرات تاريخية عن الحملات الأوروبية ضد ساحل شمال أفريقيا وتحدث عن المنشآت التي كانت على هذا الساحل، سيما الفرنسية، ووصف جغرافية الجزائر في القديم وفي العهد الاسلامي، وحياة الكنيسة المسيحية القديمة (الافريقية) وسبب اختفاء المسيحية، ووجود الخرافات والأساطير الشائعة لدى السكان، وعن الرق، وعن عناصر السكان، والنظم والعادات عندهم. ٢ - ودرس كاريت إقليم قسنطينة واهتم بالآثار هناك، واستفاد من حملات الجيش الفرنسي في المنطقة ليجمع هو ملاحظاته. ووضع خريطة للطرق الرومانية القديمة، وكذلك بعض المدن والمراكز العسكرية. وقد كتب ملاحظاته في الجزائر، وكان قد اهتم أيضا بالتقسيم الجغرافي والاقليمي الذي وضعه الرومان لأفريقيا الشمالية أو بلاد البربر في القديم.

стр. 2653

٣ - وكان بيربروجر أثريا بالمهنة فزار شرشال المسماة في القديم جوليا القيصرية، وهي إحدى المدن الأربع الكبيرة في العهد الروماني. وقد سجل ملاحظاته، ورسم الكتابات القديمة هناك ونسخ بعضها، ولا سيما الخطوط المنقوشة على الرخام والأحجار القديمة باعتبارها وثائق هامة عن كتابات ونقوش شواهد القبور (الابقرافية). ثم تجول بيبروجر في الساحل الجزائري أيضا وزار روسيكاده، ودرس تاريخ تجارة المرجان حيث كانت مدينة القالة مركزا هاما لهذه التجارة. ٤ - وتولى اونفنتان ميدان الاثنوغرافية كما ذكرنا. وتجول معظم الوقت في أقليم قسنطينة، تم تجول في غرب الجزائر. وكان مكلفا بتصنيف السلالات البشرية التي تقطن الجزائر، طبقا لاختلاف اللسان والوضع الجغرافي والتاريخي والاستعمالات الزراعية، ومرافق السكن، ودرجة التأثير المعنوي الذي يمارسه السكان على بعضهم البعض. كما قام اونفنتان بدرس الدين والتقاليد والعادات وقوانين الجزائريين. وكان عليه أيضا أن يدرس ما إذا كانت هناك نظم واتجاهات تحول بين السكان والأخذ من الثقافة الفرنسية، أو (التقدم) الذي تدعو إليه فرنسا. وفي نفس الوقت كان اونفنتان مكلفا بدراسة الدين والعادات والتقاليد والقوانين لدى المستوطنين الأروبيين في الجزائر في علاقتهم مع الاستعمار. وكان ذلك يتماشى مع اعتناقه مذهب سان سيمون. ٥ - وركز الدكتور وارنييه على سكان إقليم قسنطينة. وكان عمله يختلف عن عمل زميله اونفنتان، إذ اهتم هو بدراسة السكان من الوجهة السياسية والادارية. فدرس هجرة السكان الداخلية وأصولهم، وما بقي من تاريخهم وتقاليدهم إلى ذلك الحين، وكذلك درس العلاقات بين المدن المسكونة ومدينة قسنطينة من حيث التبعية والتأثر. واهتم بكيفية التسيير الإداري الممكن في بسكرة والمسيلة والمدن الأخرى التي كانت تحاذي الصحراء والتى كانت مستقلة إداريا. ومن مجالاته أيضا تعميق المعرفة حول

стр. 2654

الشاوية وماذا يمكن للإدارة الفرنسية أن تفعله إزاء السكان في كل جزء من الأجزاء المذكورة (١). وبالرجوع إلى بعض أعمال هؤلاء الأعضاء رأينا ما قام به كاريت وبيليسييه وبيربروجر، في مجالات أخرى أيضا. فقد نشر كاريت دراسة للطرق المسلوكة من قبل العرب في المناطق الجنوبية من الجزائر وإيالة تونس من أجل إنشاء شبكة جغرافية لهذين البلدين ١٨٥٤. وقد وصف كاريت هنا بأنه ضابط في سلاح الهندسة، وعضو وكاتب للجنة العلمية لمدينة الجزائر. وبدأ كتابه بمدخل عن أقسام المعرفة الجغرافية، وقسم هذه إلى جغرافية رياضية وجغرافية نقدية الخ. وهو الجزء الأول من السلسلة المطبوعة بأمر من الحكومة وموافقة اللجنة الأكاديمية، والكتاب يندرج ضمن سلسلة العلوم التاريخية والجغرافية (٢). ولنفس المؤلف جزء آخر في السلسلة بعنوان (أبحاث حول أصل القبائل الرئيسية وهجراتها في أفريقيا الشمالية، وخصوصا في الجزائر (١٨٥٣)، ولكاريت أيضا جزآن في نفس السلسلة أحدهما بعنوان (دراسات حول بلاد القبائل)، والآخر بعنوان (دراسة شاملة للجغرافية والسكان والانتاج الفلاحي والصناعي ... واللغة) مع خريطة. صدرا سنة ١٨٤٨. وقد وجدنا لبيليسييه دي رينو في نفس السلسلة أيضا عمله المسمى (مذكرات تاريخية وجغرافية عن الجزائر) وهو عن الدول والشعوب الأوروبية التي احتلت الجزائر كليا أو جزئيا، مبتدئا بإسبانيا، ثم فرنسا وبريطانيا وجنوة ١٨٤٤. أما بيربروجر فقد وجدنا له عملا إضافيا في نفس السلسلة (العلوم التاريخية والجغرافيا) وقد تناول فيه بالترجمة والتعريف رحلتي العياشي والدرعي بجنوب الجزائر والدول البربرية. وكان بيربروجر لا يعرف من

стр. 2655

العربية إلا القليل ومع ذلك أقدم على العمل المذكور، ولا ندري كيف انتهى إلى ذلك. ولكن الملاحظ أنه استعان بمعلومات قدمها إليه أحمد بن مصطفى بومزراق، ابن باي التيطري سابقا. وأيضا لا ندري لماذا أحمد بومزراق بالذات، وهو ليس عالما ولا مترجما ولا رحالة. وقد أضاف بيربروجر إلى عمله أيضا رحلة من تازة إلى تونس قام بها فرنسي يدعى (فابر). ويذكر رينيه باصيه في تقريره عن العمل العلمي الفرنسي من بين منشورات اللجنة العلمية التي نحن بصددها، ترجمة مختصر الشيخ خليل للدكتور بيرون، وكذلك كتاب وصف المغرب لرينو. وعد أيضا من بينها رحلة دوفيرييه في الصحراء المسماة (طوارق الشمال). وقد نوه باصيه أيضا. بترجمة البارون ديسلان لتاريخ ومقدمة ابن خلدون، وهي من المشاريع التي أعلنتها حكومة الملك لويس فيليب وتبنتها، كما قال، حكومة نابليون الثالث. ونوه باصيه أيضا بكتاب الثروات المعدنية للجزائر الذي ألفه فونيل ضمن أعمال اللجنة. ونلاحظ ان هذه الأعمال كانت تقوم حتى الآن على جهود العسكريين بالدرجة الأولى، وتعتمد الترجمة أكثر من التأليف. وكان ذلك ضروريا في مرحلة كالتي نتحدث عنها، إذ لا بد من معرفة النصوص لينطلق التأليف، وكذلك لا بد من تقدم الدراسات في المعاهد والجامعات على أيدي المدنيين المختصين. كما نلاحظ أن بعض الأعمال كانت مليئة بالحقد على العرب والمسلمين، مثل تآليف كاريت التي تكاد تخلو من الروح العلمية. وللدلالة على سيطرة العسكريين على اللجنة أن رئيسها (دي سان فانسان) هو نفسه قائد للأركان. وقد ربط غوستاف ميرسييه بين الاحتلال العسكري للجزائر والاحتلال العلمي (فقال: ان البحث العلمي سار جنبا إلى جنب مع الاحتلال (العسكري))، وان (الاحتلال العلمي قد سار إلى جنب تلقيح الأرض) (١).

стр. 2656

لجنة الاحتفال المئوي بالاحتلال: إذا كان مشروع لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر قد جرى تنفيذه على يد العسكريين غالبا وكان في ظروف سياسية وعسكرية لا تسمح لأعضاء اللجنة بالمسح الشامل لبحوثهم، فإن لجنة الاحتفال بمرور مائة سنة على الاحتلال قد أتيح لها ظرف أكثر مناسبة للبحث والدراسة. ذلك أن أساتذة جامعة الجزائر هذه المرة هم الذين تولوا التأليف والبحث، كما أن الظرف مختلف تماما عن أربعينيات القرن الماضي. كان الاحتلال في العشرينات من هذا القرن في أوج سطوته (والسلام الفرنسي) يسود الجزائر. وقد سارت البحوث العلمية خلال قرن نحو التوسع والتعمق مما ساعد لجنة الاحتفال على التصدي لمشروعها بخطى ثابتة واستكمال ما لم ينجز من مشروع لجنة الاكتشاف العلمي ومواصلة نفس المشروع برؤية جديدة ووسائل حديثة (١). منذ ١٩٢٥ نصب الحاكم العام عندئذ، موريس فيوليت، لجنة النشر للاحتفال المئوي برئاسة رئيس جامعة الجزائر، شارل تيار، صاحب كتاب (الجزائر في الأدب الفرنسي). وقد حدد لهذه اللجنة عمل هام وواسع يتضمن أيضا إنشاء الإذاعة الجزائرية وإقامة النصب التذكارية، وإنشاء قاعة للفنون الجميلة، وهي التي أصبحت فيما بعد تدعى قاعة بيير بورد (ابن خلدون حاليا)، وإنشاء المدارس والورشات الخاصة بالفنون التقليدية .. وأخيرا. نشر الأعمال والبحوث. وكان إنجاز هذه المهمة يتم بطريقتين، الأولى تعميم المعرفة على الرأي العام الفرنسي حول الجزائر، والثانية وضع المعرفة أمام جمهور محدد من الباحثين والكتاب والعلماء حول الجزائر أيضا. ونلاحظ أن جمهور الشعب الجزائري العربي المسلم كان غائبا في مشروع هذه اللجنة كما كان غائبا في مشروع لجنة الاكتشاف العلمي. ومهما كان الأمر فإن مهمة (لجنة النشر) كانت مركزة على خدمة ذلك الجمهور (الفرنسي والأجنبي) المحدود من العلماء والباحثين.

стр. 2657

وقد دعي أساتذة جامعة الجزائر للمشاركة في لجنة النشر، ضمن لجنة التحضير للاحتفال المئوي. وخلال عشر سنوات نشرت لجنة النشر حوالي ٥٠ كتابا يعالج كل منها موضوعا متخصصا - كالمالية والتشريع والاقتصاد السياسي، والعلوم، والاستعمار، والآثار، والتاريخ، والفنون. ومن الأساتذة من قام بعمل منفرد، ومنهم من اشترك مع غيره في عمل جماعي، مثل كتاب (التاريخ ومؤرخو الجزائر) الذي ضم بحوثا في مختلف العصور التاريخية للجزائر بأقلام متخصصة من أساتذة الجامعة. وقد كتب مقدمته ستيفان قزال. ومن الكتب المتخصصة التي صدرت أيضا عن لجنة النشر نذكر (١): ١ - اللباس الجزائري، لجورج مارسيه. ٢ - ايكونوغرافية الجزائر، لغبريال ايسكير. ٣ - تطور الاستعمار خلال قرن، لايميل فيليكس قوتييه. ٤ - تطور الجزائر، لاسبيسن. ٥ - الشرق والرسم الفرنسي خلال القرن ١٩، لاليزار. الجمعيات المتخصصة أما الجمعيات العلمية فقد تعددت وقدمت خدمات كبيرة للبحث رغم انتمائها للإدارة الاستعمارية وأهدافها المصادرة للتطور الطبيعي للشعب الجزائري. كانت الجمعيات ضيقة الأفق منطلقة من وجهة نظر عنصرية أحيانا - سيما خلال القرن الماضي - إذ كانت تقوم على البحوث العرقية والانثروبولوجية والنظريات التي تدعو إلى التفوق الحضاري الفرنسي والانسان الأبيض على العموم. وكانت الجمعيات أيضا في البداية تحت تأثير

стр. 2658

وإشراف العسكريين الذين كانوا في الميدان، وكانوا هم الذين يمدونها بالملاحظات ويكتبون في مجلاتها. ومن جهة أخرى اهتمت الجمعيات بالآثار الرومانية والمسيحية وأهملت تقريبا ما عداها سيما الحضارة العربية الاسلامية وآثارها. ومع ذلك فنحن نؤكد أن ما نشرته هذه الجمعيات في مجلاتها يعتبر ثروة كبيرة للبحث والمعرفة بصفة عامة. ونحن نجد بعض الجزائريين الأعضاء في الجمعيات المذكورة كانوا يقدمون نتائج بحوثهم أيضا إلى العلماء الفرنسيين خدمة للاستعمار. وقبل أن تظهر هذه الجمعيات ظهرت في فرنسا جمعيات خصصت اهتماما كبيرا للاحتلال الفرنسي في الجزائر، ومن ذلك الجمعية الآسيوية والجمعية الشرقية والجمعية الجغرافية. فكل جمعية من هذه الجمعيات أصدرت مجلة وفتحت أعمدتها لكتاب فرنسيين حلوا بالجزائر أو جعلوا همهم الربط بين ما يجري فيها وما يجري في العالم الاسلامي على العموم. وكانت حركة الاستشراق الفرنسي يومئذ آخذة في النمو. فصادف احتلال الجزائر اهتماما خاصا بشؤون الشرق والإسلام. لقد سبق القول إن الجمعية الآسيوية قد تأسست في باريس سنة ١٨٢٢، وان رئيسها كان دي ساسي المتوفي سنة ١٨٣٨ (١). وقد شارك في المجلة الآسيوية عدد غير قليل من المستشرقين الفرنسيين الذين استقروا بالجزائر، منهم بنجامين فانسان، وشيربونو. أما الجمعية الشرقية فقد تأسست في باريس سنة ١٨٤١، وأصدرت (مجلة الشرق). وجاء في قانونها الأساسي انها تنسق بين أعضاء (المعهد) الفرنسي والقناصل والرحالة، وأنها تهتم بكل ما يهم حاضر ومستقبل بلدان الشرق. وتقول الفقرة القانونية صراحة (يجب أن نبذل جهدنا للهيمنة عليها (أي بلدان الشرق) لصالح الحضارة - وكذلك الجزائر -. هذه الأرض الافريقية الواسعة التي كانت من قبل متوحشة (باربار Barbare) ومتمردة. وها هي اليوم تفتخر بقوانيننا وفنوننا وعاداتنا وصناعتنا،

стр. 2659

وهي تحث الخطى نحو التقدم) (!). وقد اعتمدت وزارة الداخلية الفرنسية الجمعية الشرقية التي يبدو أنها جددت سنة ١٨٥٦. وبالفعل فإن الذي يرجع إلى (مجلة الشرق) يجد هذا الاهتمام بالجزائر ممثلا في المقالات والأخبار والتعاليق والمشاريع. ولا غرابة بعد ذلك أن تصبح المجلة تسمى (مجلة الشرق والجزائر) فترة من الزمن. وربما أضافت إلى ذلك كلمة (والمستعمرات) أيضا (١). وأما الجمعية الجغرافية فقد تأسست أيضا في باريس. واهتمت مبكرا بالجزائر والمغرب العربي والاستكشافات. وهي التي نشر فيها الباحث دافيزاك ترجمة لرحلة الاغواطي في وصف بعض المناطق الصحراوية الممتدة من الأغواط إلى تمبكتو ومن شنقيط إلى جربة، مع تعاليق وإضافات (٢). وهكذا فإن نشأة الجمعيات العلمية الفرنسية قد تصادف مع احتلال الجزائر، وساعد هذا الاحتلال انطلاقة الكشوفات والاهتمامات بالمشرق والعالم من جهة والتركيز على الجزائر باعتبارها مركزا للتوسع والتجارب من جهة أخرى. فاحتلال الجزائر لم يكن فاتحة عهد الامبراطورية الفرنسية الجديدة، فقط، كما هو الشائع إلى الآن، ولكنه كان يمثل انطلاقة الاستشراق والهيمنة على الشرق والاهتمام بتراثه ودراسته. وقد أعطت الجزائر المفتاح لذلك. أقدم الجمعيات في الظهور هي الجمعية الأثرية في قسنطينة (٣). فقد تأسست في ديسمبر ١٨٥٢. ومن مؤسسيها العقيد كروللي والمستشرق

стр. 2660

شيربونو، الذي كان أستاذا لحلقة اللغة العربة في المدية، وبروسلار الذي كان رئيسا للمكتب العربي، وفينيار. ومنذ ١٨٥٣ أخذت الجمعية تنشر مجلة باسم الحولية (أنوير)، ثم غيرت إسمها بعد عشر سنوات ١٨٦٤ إلى مجموعة (روكاي) للبحوث والمذكرات، الخ. وكان اهتمامها متزايدا ومركزا على الآثار الرومائة، ولكن منذ الستينات ظهر من أعضائها وعلى صفحات مجلتها عدد من الكتاب المهتمين بالعهود الاسلامية أيضا، من أمثال فايسات الذي اهتم بالعهد العثماني في قسنطينة، وارنست ميرسييه الذي كتب عن المرأة والتشريع والملكية عند المسلمين وتاريخ المنطقة في العصر الاسلامي، وفيلو الذي اهتم بعادات الجزائريين. ومن مشاهير كتابها أيضا العقيد شارل فيرو. وكانت الجمعية مؤلفة من عسكريين ومدنيين، كما لاحظنا، فيهم الجنرالات والعقداء في الجيش، وفيهم المعلمون والأطباء ورجال الكنيسة وعلماء اليهود. وكان الذي يجمعهم هو حب البحث والسيطرة، وعند إنشاء الجمعية كانت الجزائر ما تزال تعيش العهد الذي سمي بعهد (التهدئة) فالبحوث كانت تجري على عجل وعلى خوف من المقاومة الجزائرية، ولكن منذ الستينات أصبحت البحوث تجري في الميدان مع الاطمئنان على مصير الجزائر (الفرنسية). أجرى أحد الباحثين حديثا دراسة تقييمية ونقدية لمجلة جمعية الآثار القسنطينية بين ١٨٥٣ و ١٨٧٦. وقد خرج منها بالنتائج الهامة التالية. إن كتابها كانوا ينظرون إلى مدينة قسنطينة نظرة نصفية، نصف حي يسكنه الفرنسيون ونصف ميت يعتبر متحفا يتردد عليه السواح والكتاب (١). وقد

стр. 2661

ركزت المجلة كما ذكرنا على الآثار الرومانية وفرنسا الرومانية أيضا والتي كانت تسير على خطى الرومان. ولكن المجلة اهتمت أيضا، ولأسباب سياسية، بالآثار البونيقية، أما الآثار الاسلامية فقد تجاهلتها ونظرت إليها نظرة احتقار، مثل تناولها لقصر أحمد باي وقصر صالح باي والقنطرة. واشتملت المجلة على قسم هام ركز على دراسة مدينة قسنطينة بالذات في خرائبها وآثارها ومبانيها التي درسها الكتاب من وجهة نظر تؤكد السيطرة الفرنسية وتخدم المصالح الاستعمارية، كما عالجت موضوع نظرة المسلمين للآثار الاسلامية والرومانية بطريقة تشجع على عملية الاحياء أو البعث الروماني. من كتابها نجد كما أشرنا، شيربونو، فقد نشر ٣١ مقالة ضمن عشرين عددا، أي أنه كان يكتب في العدد الواحد أكثر من مقالة. أما فيرو فقد نشر فيها ١٩ مقالة. ومن بين الموضوعات المنشورة فيها خلال العشرين سنة المذكورة نجد ٨٠? منها تتعلق بالآثار الرومانية، وبعضها فقط كان عن موضوعات بربرية - ليبية وبونيقية. وقد لاحظ هذا الباحث أن من بين ال (٨٠٨) مقالات المنشورة خلال نفس الفترة نجد (١٥?) تتعلق بالتاريخ والاثنوغرافية، وأن ثلاثة أرباع منها تقوم على المواد العربية والتركية. وقد نشطت البحوث الميدانية منذ قانون الأرض ١٨٦٣ الذي اهتم بالدواوير وأملاك الأهالي، وأصبحت البحوث ميدانية، كما قلنا، وكانت تهدف إلى إعطاء صورة على أن العربي لم يتغير منذ الفتح الاسلامي. وكان الكتاب يستعملون الجزء للكل بالنسبة للأهالي، فإذا رأوا شخصا غش فإن كل الأهالي غشاشون، وكانوا يعتبرون جميع المتعلمين (الطلبة) جهلة وغير مفيدين، أو لهم أحكام مسبقة متوارثة عن عدم احترام الآثار القديمة، وقد ركز الكتاب أيضا على جشع المسلمين، وكون الاسلام يمنع العلم ويلعنه، وينسبون الكسل الطبيعي للأهالي. أما المجلة في حد ذاتها، فقد اعتبرها الباحث أول مجلة علمية في

стр. 2662

المغرب العربي كله. وقد أصبحت القضايا التي أثارتها موجودة في مختلف الكتب والنشرات والصحف ودليل السواح والمقالات. وذلك كله قد ساعد على الهيمنة الاستعمارية في الجزائر ثم في المغرب العربي كله. وكان كتابها رغم اختلافهم في التكوين والمهنة، يلتقون حول إنجاح الاحتلال ودراسة التحول الاجتماعي. وكانوا يريدون التغلب على الخلافات بين المدنيين والعسكريين للإبقاء على القدر المشترك من الاتفاق للوصول إلى إنجاح الهيمنة الاستعمارية (١). وقول غوستاف ميرسييه، حفيد ارنست، إن الجمعية الأثرية لقسنطينة قد دامت ١٠٤ سنوات، ونشرت ١٠٠ مجلد ضخم من مجلتها، وشارك فيها عدد كبير من الباحثين والكتاب، عسكريين ومدنيين، منهم غزال، مريبو، إضافة إلى من ذكرنا (٢). ورأي مالركي في مجلة هذه الجمعية الذي توصل إليه بعد دراسة إضافية، يصدق أيضا على (المجلة الافريقية) وعلى المجلات العلمية الأخرى التي صدرت أثناء الاحتلال، وهي جمعيات هدفها منذ تكوينها، كان خدمة الإدارة الاستعمارية. فهناك رابط أساسي ومقدس بين أعمال المستشرقين وأعمال العلماء الآخرين والإدارة والكنيسة، كلهم كانوا متضافرين على إحكام السيطرة على الجزائر وأهلها. فالجمعية التاريخية الجزائرية ولدت يوم ٧ إبريل ١٨٥٦ في العاصمة، بمبادرة من الحاكم العام المارشال راندون الذي أصبح الرئيس الشرفي للجمعية، كما أصبح من التقاليد أن كل حاكم عام للجزائر هو بالقوة الرئيس الشرفي للجمعية. أما الرئيس الفعلي الأول للجمعية فهو ادريان بيربروجر الذي تولى عدة وظائف في الإدارة المدنية الاستعمارية منذ ١٨٣٥، كاتبا خاصا للمارشال كلوزيل، ومحافظا لمكتبة ومتحف الجزائر، وعضوا في

стр. 2663

اللجنة العلمية. وقد جاء في قانونها أن الهدف من إنشائها هو (دراسة كل المعلومات المتصلة بتارخ إفريقية ولا سيما المعلومات التي تهم الجزائر، من العهد اللوبي (الليبي) إلى نهاية العهد التركي). ومن أعضاء الجمعية لويس برينييه أستاذ حلقة اللغة العربية بالعاصمة، والبارون ديسلان. وكان الأول مستشرقا والثاني مترجما عسكريا ومشرفا على جريدة المبشر. وقد انضم إليها فيما بعد عدد آخر من المترجمين العسكريين والمدنيين منهم الجغرافي مكارثي والعقيد دي نوفو الذي تولى مكتب الشؤون العربية في الإدارة العامة، والمتصرف المدني رولان دي بوسيه، والعقيد هانوتو، الذي كتب عن زواوة، وبارجيس الذي كتب عن تاريخ تلمسان، والجنرال دوماس الذي تولى الشؤون العربية في عهد بوجو، وهو مؤلف كتابي: المرأة العربية، وخيول الصحراء كما عرفنا. وقد نشرت الجمعية التاريخية مجلة (المجلة الافريقية) (١) الشهيرة التي اهتمت بنشر المخطوطات المحلية والعربية والوثائق الأصلية، وسلطت الضوء على تاريخ الجزائر في مختلف عصوره، ولكن بدرجات متفاوتة في الاهتمام. وتعتبر مجلداتها، كما يقول غوستاف ميرسييه، مكتبة تاريخية في حد ذاتها. كانت المجلة توزع مجانا على الأعضاء العاملين والمراسلين. ظهر عددها الأول في أكتوبر ١٨٥٦، ثم أخذت تظهر كل شهرين ثم أصبحت مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر منذ ١٨٨٨. ومن تاريخها أنها توقفت فترة الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ ثم رجعت برقم (٢٩٤) سنة ١٩١٨. وتميزت عهودها بميزات رؤساء الجمعية وميولهم وكذلك ميول كتاب الجمعية. وقد تولاها بيربروجر إلى وفاته سنة ١٨٦٩، ثم تولاها بعده آخرون مثل دي قرامون، ولويس رين، وماسكري، وأرنو، وويل، وبيزان.

стр. 2664

وقد طبع بعض الرؤساء والكتاب المجلة بطابع اهتمامهم فجعلها دي قرامون ميدانا لدراسة تاريخ الجزائر لاهتمامه هو بهذا الموضوع، وكان الكاتب العام فانيان، أستاذا لكرسي الأدب العربي في مدرسة الآداب فجعل المجلة تهتم بالترجمة عن الأدب العربي والتاريخ العربي. وساهم ويل وغزال في قسم الدراسات الأثرية. وفي عهد بيزان تولى الكتابة في الجمعية كل من ادمون دوتيه وجورج ايفير على التوالي، ومع ذلك فإن الدراسات العربية والتاريخية في المجلة الافريقية لم تضعف، ولكنها تركت مكانا بارزا للآثار أيضا. وكان دوتيه من المتأثرين بالنظرية الدورخايمية في علم الاجتماع، وهو من الكتاب الذين اهتموا بالعادات والدين والمرأة في الجزائر. أما جورج ايفير فقد كان أستاذا متخصصا في التاريخ الاستعماري للجزائر. وكانت المجلة قبل دوتيه تنشر كتبا كاملة في شكل فصول، وبحوثا مطولة بصفة مجزأة، ولكن دوتيه قرر مع زملائه أن تتخصص المجلة في الدراسات والمقالات، أما البحوث المطولة في شكل كتب فتنشر دفعة واحدة منفصلة تحت عنوان بحوث (مذكرات) الجمعية التاريخية. كما أصبحت المجلة تهتم بالنشاط العلمي (من أقدم العصور إلى يومنا هذا) أي لا تتوقف عند نهاية العهد التركي (١). وقد توالت الجمعيات العلمية ومجلاتها فتأسست في عنابة سنة ١٨٦٣ جمعية للبحث العلمي، أخذت فيما بعد إسم اكاديمية هيبون. وكان أول رئيس لها هو المحامي اوليفييه. ثم تولاها سنة ١٨٧١ الضابط قنطيس ثم العقيد بابيه ثم مالتيرن. وقد أصدرت مجلة باسم نشرة أكاديمية هيبون. وكانت مهتمة بالشرق الجزائري على العموم. ويظهر عليها أيضا الطابع الأثري والديني. ومن كتابها ليكليرك الذي كتب فيها عن أحمد التيفاشي، وبلوشي الذي تناول علم الخرائط عند المسلمين، وبابيه الذي نشر عن مساجد عنابة.

стр. 2665

وفي ١٨٧٨ كون الضابط البحري تروتاباس الجمعية الجغرافية لاقليم وهران. وقد اهتمت بالخصوص بالجنوب والغرب الجزائري والمغرب الأقصى الذي أخذت الاهتمامات الفرنسية تلتفت إليه. كما اهتمت بقضايا الصحراء. ونشرت عددا من المخطوطات مترجمة إلى الفرنسية، وكذلك بحوثا مطولة في شكل مونوغرافات. ونشطت الدوائر الاستعمارية في المنطقة إذ وجدت في الجمعية والمجلة التي كانت تسمى (نشرة)، مجالا للتعبير عن نفسها بالكتابات والبحوث. وفي ١٨٨١ غيرت الجمعية اسمها جزئيا فأصبح هو (الجمعية الجغرافية والأثرية لاقليم وهران). وأسست متحفا أصبح يدعى المتحف الأثري والفني لمدينة وهران. ومن المساهمين فيها المستشرقون رينيه باصيه، وتلميذه ألفريد بيل، وموليراس. وكما قامت جمعية وهران بمبادرة أحد العسكريين كذلك كانت الجمعية الجغرافية لمدينة الجزائر. إذ يرجع الفضل في إنشائها سنة ١٨٩٦ إلى العقيد بولينياك. وقد أنشأت هي أيضا مجلة ضمت بحوثا مختلفة المستوى، واهتمت بالصحراء وافريقيا وبالجزائر. وكتب فيها العسكريون بالدرجة الأولى عدة مونوغرافات عن تجاربهم في البلديات والبعثات العلمية. وكان من كتابها بعض المدنيين أيضا أمثال جوزيف ديبارمي الذي اختص بالانثروبولوجيا في منطقة متيجة وتطور الحركة الوطنية والنفسية الجزائرية من خلال النصوص الشعبية والفولكلور. وهناك جمعيات علمية أخرى أقل شهرة، وقد أصدرت أيضا مجلات تضم بحوث أعضائها. ونذكر منها هنا، الجمعية الأثرية والسياحية لسوق اهراس، والجمعية الأثرية لمنطقة سطيف، وجمعية أصدقاء تلمسان القديمة بقيادة المستشرق ألفريد بيل. وفي ١٩٠٩ ظهرت في العاصمة جمعية التاريخ الطبيعي للقطر الجزائري، وكانت لها نشرة شهرية، ثم الجمعية الفرنسية للفيزياء - فرع الجزائر العاصمة (١).
следующие страницы →