ركزت المجلة كما ذكرنا على الآثار الرومانية وفرنسا الرومانية أيضا والتي كانت تسير على خطى الرومان. ولكن المجلة اهتمت أيضا، ولأسباب سياسية، بالآثار البونيقية، أما الآثار الاسلامية فقد تجاهلتها ونظرت إليها نظرة احتقار، مثل تناولها لقصر أحمد باي وقصر صالح باي والقنطرة. واشتملت المجلة على قسم هام ركز على دراسة مدينة قسنطينة بالذات في خرائبها وآثارها ومبانيها التي درسها الكتاب من وجهة نظر تؤكد السيطرة الفرنسية وتخدم المصالح الاستعمارية، كما عالجت موضوع نظرة المسلمين للآثار الاسلامية والرومانية بطريقة تشجع على عملية الاحياء أو البعث الروماني.
من كتابها نجد كما أشرنا، شيربونو، فقد نشر ٣١ مقالة ضمن عشرين عددا، أي أنه كان يكتب في العدد الواحد أكثر من مقالة. أما فيرو فقد نشر فيها ١٩ مقالة. ومن بين الموضوعات المنشورة فيها خلال العشرين سنة المذكورة نجد ٨٠? منها تتعلق بالآثار الرومانية، وبعضها فقط كان عن موضوعات بربرية - ليبية وبونيقية. وقد لاحظ هذا الباحث أن من بين ال (٨٠٨) مقالات المنشورة خلال نفس الفترة نجد (١٥?) تتعلق بالتاريخ والاثنوغرافية، وأن ثلاثة أرباع منها تقوم على المواد العربية والتركية. وقد نشطت البحوث الميدانية منذ قانون الأرض ١٨٦٣ الذي اهتم بالدواوير وأملاك الأهالي، وأصبحت البحوث ميدانية، كما قلنا، وكانت تهدف إلى إعطاء صورة على أن العربي لم يتغير منذ الفتح الاسلامي. وكان الكتاب يستعملون الجزء للكل بالنسبة للأهالي، فإذا رأوا شخصا غش فإن كل الأهالي غشاشون، وكانوا يعتبرون جميع المتعلمين (الطلبة) جهلة وغير مفيدين، أو لهم أحكام مسبقة متوارثة عن عدم احترام الآثار القديمة، وقد ركز الكتاب أيضا على جشع المسلمين، وكون الاسلام يمنع العلم ويلعنه، وينسبون الكسل الطبيعي للأهالي.
أما المجلة في حد ذاتها، فقد اعتبرها الباحث أول مجلة علمية في
стр. 2662
المغرب العربي كله. وقد أصبحت القضايا التي أثارتها موجودة في مختلف الكتب والنشرات والصحف ودليل السواح والمقالات. وذلك كله قد ساعد على الهيمنة الاستعمارية في الجزائر ثم في المغرب العربي كله. وكان كتابها رغم اختلافهم في التكوين والمهنة، يلتقون حول إنجاح الاحتلال ودراسة التحول الاجتماعي. وكانوا يريدون التغلب على الخلافات بين المدنيين والعسكريين للإبقاء على القدر المشترك من الاتفاق للوصول إلى إنجاح الهيمنة الاستعمارية (١).
وقول غوستاف ميرسييه، حفيد ارنست، إن الجمعية الأثرية لقسنطينة قد دامت ١٠٤ سنوات، ونشرت ١٠٠ مجلد ضخم من مجلتها، وشارك فيها عدد كبير من الباحثين والكتاب، عسكريين ومدنيين، منهم غزال، مريبو، إضافة إلى من ذكرنا (٢). ورأي مالركي في مجلة هذه الجمعية الذي توصل إليه بعد دراسة إضافية، يصدق أيضا على (المجلة الافريقية) وعلى المجلات العلمية الأخرى التي صدرت أثناء الاحتلال، وهي جمعيات هدفها منذ تكوينها، كان خدمة الإدارة الاستعمارية. فهناك رابط أساسي ومقدس بين أعمال المستشرقين وأعمال العلماء الآخرين والإدارة والكنيسة، كلهم كانوا متضافرين على إحكام السيطرة على الجزائر وأهلها.
فالجمعية التاريخية الجزائرية ولدت يوم ٧ إبريل ١٨٥٦ في العاصمة، بمبادرة من الحاكم العام المارشال راندون الذي أصبح الرئيس الشرفي للجمعية، كما أصبح من التقاليد أن كل حاكم عام للجزائر هو بالقوة الرئيس الشرفي للجمعية. أما الرئيس الفعلي الأول للجمعية فهو ادريان بيربروجر الذي تولى عدة وظائف في الإدارة المدنية الاستعمارية منذ ١٨٣٥، كاتبا خاصا للمارشال كلوزيل، ومحافظا لمكتبة ومتحف الجزائر، وعضوا في
стр. 2663
اللجنة العلمية. وقد جاء في قانونها أن الهدف من إنشائها هو (دراسة كل المعلومات المتصلة بتارخ إفريقية ولا سيما المعلومات التي تهم الجزائر، من العهد اللوبي (الليبي) إلى نهاية العهد التركي). ومن أعضاء الجمعية لويس برينييه أستاذ حلقة اللغة العربية بالعاصمة، والبارون ديسلان. وكان الأول مستشرقا والثاني مترجما عسكريا ومشرفا على جريدة المبشر. وقد انضم إليها فيما بعد عدد آخر من المترجمين العسكريين والمدنيين منهم الجغرافي مكارثي والعقيد دي نوفو الذي تولى مكتب الشؤون العربية في الإدارة العامة، والمتصرف المدني رولان دي بوسيه، والعقيد هانوتو، الذي كتب عن زواوة، وبارجيس الذي كتب عن تاريخ تلمسان، والجنرال دوماس الذي تولى الشؤون العربية في عهد بوجو، وهو مؤلف كتابي: المرأة العربية، وخيول الصحراء كما عرفنا.
وقد نشرت الجمعية التاريخية مجلة (المجلة الافريقية) (١) الشهيرة التي اهتمت بنشر المخطوطات المحلية والعربية والوثائق الأصلية، وسلطت الضوء على تاريخ الجزائر في مختلف عصوره، ولكن بدرجات متفاوتة في الاهتمام. وتعتبر مجلداتها، كما يقول غوستاف ميرسييه، مكتبة تاريخية في حد ذاتها. كانت المجلة توزع مجانا على الأعضاء العاملين والمراسلين. ظهر عددها الأول في أكتوبر ١٨٥٦، ثم أخذت تظهر كل شهرين ثم أصبحت مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر منذ ١٨٨٨. ومن تاريخها أنها توقفت فترة الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ ثم رجعت برقم (٢٩٤) سنة ١٩١٨. وتميزت عهودها بميزات رؤساء الجمعية وميولهم وكذلك ميول كتاب الجمعية. وقد تولاها بيربروجر إلى وفاته سنة ١٨٦٩، ثم تولاها بعده آخرون مثل دي قرامون، ولويس رين، وماسكري، وأرنو، وويل، وبيزان.
стр. 2664
وقد طبع بعض الرؤساء والكتاب المجلة بطابع اهتمامهم فجعلها دي قرامون ميدانا لدراسة تاريخ الجزائر لاهتمامه هو بهذا الموضوع، وكان الكاتب العام فانيان، أستاذا لكرسي الأدب العربي في مدرسة الآداب فجعل المجلة تهتم بالترجمة عن الأدب العربي والتاريخ العربي. وساهم ويل وغزال في قسم الدراسات الأثرية. وفي عهد بيزان تولى الكتابة في الجمعية كل من ادمون دوتيه وجورج ايفير على التوالي، ومع ذلك فإن الدراسات العربية والتاريخية في المجلة الافريقية لم تضعف، ولكنها تركت مكانا بارزا للآثار أيضا. وكان دوتيه من المتأثرين بالنظرية الدورخايمية في علم الاجتماع، وهو من الكتاب الذين اهتموا بالعادات والدين والمرأة في الجزائر. أما جورج ايفير فقد كان أستاذا متخصصا في التاريخ الاستعماري للجزائر. وكانت المجلة قبل دوتيه تنشر كتبا كاملة في شكل فصول، وبحوثا مطولة بصفة مجزأة، ولكن دوتيه قرر مع زملائه أن تتخصص المجلة في الدراسات والمقالات، أما البحوث المطولة في شكل كتب فتنشر دفعة واحدة منفصلة تحت عنوان بحوث (مذكرات) الجمعية التاريخية. كما أصبحت المجلة تهتم بالنشاط العلمي (من أقدم العصور إلى يومنا هذا) أي لا تتوقف عند نهاية العهد التركي (١).
وقد توالت الجمعيات العلمية ومجلاتها فتأسست في عنابة سنة ١٨٦٣ جمعية للبحث العلمي، أخذت فيما بعد إسم اكاديمية هيبون. وكان أول رئيس لها هو المحامي اوليفييه. ثم تولاها سنة ١٨٧١ الضابط قنطيس ثم العقيد بابيه ثم مالتيرن. وقد أصدرت مجلة باسم نشرة أكاديمية هيبون. وكانت مهتمة بالشرق الجزائري على العموم. ويظهر عليها أيضا الطابع الأثري والديني. ومن كتابها ليكليرك الذي كتب فيها عن أحمد التيفاشي، وبلوشي الذي تناول علم الخرائط عند المسلمين، وبابيه الذي نشر عن مساجد عنابة.
стр. 2665
وفي ١٨٧٨ كون الضابط البحري تروتاباس الجمعية الجغرافية لاقليم وهران. وقد اهتمت بالخصوص بالجنوب والغرب الجزائري والمغرب الأقصى الذي أخذت الاهتمامات الفرنسية تلتفت إليه. كما اهتمت بقضايا الصحراء. ونشرت عددا من المخطوطات مترجمة إلى الفرنسية، وكذلك بحوثا مطولة في شكل مونوغرافات. ونشطت الدوائر الاستعمارية في المنطقة إذ وجدت في الجمعية والمجلة التي كانت تسمى (نشرة)، مجالا للتعبير عن نفسها بالكتابات والبحوث. وفي ١٨٨١ غيرت الجمعية اسمها جزئيا فأصبح هو (الجمعية الجغرافية والأثرية لاقليم وهران). وأسست متحفا أصبح يدعى المتحف الأثري والفني لمدينة وهران. ومن المساهمين فيها المستشرقون رينيه باصيه، وتلميذه ألفريد بيل، وموليراس.
وكما قامت جمعية وهران بمبادرة أحد العسكريين كذلك كانت الجمعية الجغرافية لمدينة الجزائر. إذ يرجع الفضل في إنشائها سنة ١٨٩٦ إلى العقيد بولينياك. وقد أنشأت هي أيضا مجلة ضمت بحوثا مختلفة المستوى، واهتمت بالصحراء وافريقيا وبالجزائر. وكتب فيها العسكريون بالدرجة الأولى عدة مونوغرافات عن تجاربهم في البلديات والبعثات العلمية. وكان من كتابها بعض المدنيين أيضا أمثال جوزيف ديبارمي الذي اختص بالانثروبولوجيا في منطقة متيجة وتطور الحركة الوطنية والنفسية الجزائرية من خلال النصوص الشعبية والفولكلور.
وهناك جمعيات علمية أخرى أقل شهرة، وقد أصدرت أيضا مجلات تضم بحوث أعضائها. ونذكر منها هنا، الجمعية الأثرية والسياحية لسوق اهراس، والجمعية الأثرية لمنطقة سطيف، وجمعية أصدقاء تلمسان القديمة بقيادة المستشرق ألفريد بيل. وفي ١٩٠٩ ظهرت في العاصمة جمعية التاريخ الطبيعي للقطر الجزائري، وكانت لها نشرة شهرية، ثم الجمعية الفرنسية للفيزياء - فرع الجزائر العاصمة (١).
стр. 2666
وبعد تكاثر الجمعيات وتوزع جهود الباحثين من خلالها، ظهرت فكرة جديدة لجمع الشمل والتعاون وتبادل الخبرات، وذلك بإنشاء اتحادية لهذه الجمعيات، سميت (فيدرالية الجمعيات العلمية لشمال افريقية). وواضح أن هذا العنوان لا يقتصر على الجمعيات العلمية في الجزائر، ولكن يضم الجمعيات العلمية الفرنسية على مستوى تونس والمغرب الأقصى أيضا. فالتنسيق بين الجمعيات المذكورة كان ضروريا لخدمة أهداف الاستعمار القريبة والبعيدة في منطقة المغرب العربي كلها. وكان جورج هاردي هو صاحب المبادرة لإنشاء الفيدرالية التي بدأت نشاطها الجماعي سنة ١٩٣٥ بالجزائر، ثم عقدت دوراتها الأخرى سنويا في كل من تلمسان وتونس والرباط وقسنطينة. وبحلول الحرب العالمية الثانية توقف هذا النشاط. وكان يصدر عقب كل اجتماع سنوي مجلد أو مجلدات تضم البحوث التي عالجها الأعضاء، وكانت بحوثا دسمة في معظمها وفي مختلف التخصصات التي تهم المنطقة من الوجهة الفرنسية.
ونريد أن نشير أيضا إلى (لجنة ترجمة الكتب العربية) التي أسسها الحاكم العام جول كامبون سنة ١٨٩٤. وكان الغرض منها هو إعداد ونقل الكتب العربية إلى اللغة الفرنسية، ولا سيما تلك الكتب المدرسية أو ذات الطابع التعليمي الذي تقرر استعماله في المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث بعد إعادة تنظيمها وفي دروس المساجد المراقبة من إدارة الشؤون الأهلية، وفي مدرسة الآداب وغيرها. وكان المشرف على اللجنة هو بيرسفيل، كاتب عام الحكومة العامة، وكانت اللجنة تتألف من أساتذة فرنسيين في اللغة العربية من مدرسة الآداب ومدراء المدارس الثلاث، ومن مترجمين عسكريين تابعين للحكومة العامة. وتقرر أن تترجم مجموعة من الكلاسيكيات العربية في الفلسفة والنحو والتاريخ والفقه. ومنها كتاب ابن مسكويه، وحي ابن يقظان،
стр. 2667
وسجل سيبيس تلميذ سقراط (ترجمه عن العربية ر. باصيه)، وتاريخ المغرب لابن عذارى، وعقيدة السنوسي، وكتاب ابن تومرت، (أعز ما يطلب؟)، والخزرجية في العروض، وتاريخ بني عبد الواد ليحيى بن خلدون، والمعجم الفرنسي - التارقي لموتيلانسكي، وغير ذلك.
وكان تحقيق ونشر بعض المؤلفات من قبل محمد بن أبي شنب، وكتابة معجم التراجم (تعريف الخلف) لأبي القاسم الحفناوي، ونصوص بوليفة، داخل ضمن هذا المشروع. ولا ندري الآن إن كان بعض الجزائريين من ضمن أعضاء هذه اللجنة. وقد ترجم أيضا المترجم العسكري بالحكومة العامة، باقار، عملا لمؤلف مجهول عن مورفولوجيا الفعل في اللغة العربية - النص العربي والنص الفرنسي في ٤٢ صفحة -، كما ترجم سيكار، وهو أيضا من العاملين في الحكومة العامة، رجزا في النحو لحسن العطار المصري، سماه بحثا في النحو العربي (٣٤ صفحة) (١). وكان دومينيك لوسياني من المشاركين في الترجمة من جهة ومن المنشطين للمشروع من جهة أخرى.
ويجب علينا أن نعتبر البحوث التي صدرت عن مؤتمر المستشرقين الرابع عشر (الجزائر ١٩٠٥) ضمن هذه الأعمال العلمية الجماعية أيضا. فقد انتهى المؤتمر بإصدار وقائع ودراسات هامة تخص الجزائر ومنطقة المغرب العربي. ومنها بحث لابن أبي شنب عن سند صحيح البخاري في الجزائر، وإجازة عبد القادر الفاسي لبعض الجزائريين. وقد شارك عبد الحليم بن سماية والمختار الحاج سعيد وغيرهما من الجزائريين في أعمال المؤتمر أيضا.
وكانت أعمال الجمعية الآسيوية في باريس والجمعية الجغرافية
стр. 2668
الفرنسية ومدرسة اللغات الشرقية بباريس أيضا تساعد على نشر الآثار المتعلقة بالجزائر والمغرب العربي. وتطول القائمة لو تعرضنا إلى ذلك، ثم إن هذه الجمعيات والمؤسسات تقع خارج الجزائر. ومما نشر فيها تاريخ البكري وترجمات لنصوص عن أبي القاسم الزياني وأحمد بابا التنبكتي، ورحلة ابن بطوطة.
المعاهد الجامعية
وساهمت جامعة الجزائر أيضا، من زاوية أخرى، في هذه الأعمال العلمية الجماعية. فبالاضافة إلى دورها في لجنة الاحتفال المئوي الذي ذكرناه، وإلى دورها في التعليم العالي، قام أساتذتها ببحوث تخدم الإدارة الاستعمارية في الجزائر والمغرب العربي وافريقيا، بل وفي المشرق العربي والاسلامي أيضا. كانت جامعة الجزائر التي ترجع نواتها إلى إنشاء المدارس العليا سنة ١٨٨٠، قد ظهرت إلى الوجود سنة ١٩٠٩. وتطورت بسرعة حتى أصبح الفرنسيون يسمونها (السوربون الافريقية) وكانوا يعتبرونها الجامعة الفرنسية الثالثة لارتفاع مستواها التعليمي. وقد عرفنا أن من أساتذتها في العلوم الاجتماعية ماسكري، وباصيه، وموران، وفانيان. ويقول عنها غوستاف ميرسييه إن جامعة الجزائر قد قامت بدور مشع لتفيد فرنسا الأم. فالهدف من إنشاء المعاهد المتخصصة ومراكز البحث لم يكن لفائدة الجزائريين بل لفائدة فرنسا بالطبع.
ومعظم المعاهد التي تفرعت عن الجامعة تأسست خلال عقد الثلاثينات من هذا القرن. وكان الهدف من إنشائها هو أولا الخروج عن دوائر الكليات الضيقة التي كانت تهتم بالتعليم أكثر من البحث، ثم خدمة مشاريع الدولة الفرنسية برؤية أوسع وأشمل للمناطق التي أشرنا إليها، وفي مختلف التخصصات التي تحتاجها، وبطريقة أكثر مرونة. وليس من غرضنا ذكر جميع هذه المعاهد، وإنما نكتفي بذكر المعهد الصحراوي والمعهد الشرقي والإشارة إلى غيرهما.
стр. 2669
ظهر معهد البحوث الصحراوية عندما اهتمت السلطات بدراسة الصحراء ظاهريا وباطنيا. وكان رئيسه هو السيد مير. واشترك في الدراسات فيه أطباء ومستشرقون وضباط ومستكشفون وعلماء في الجيولوجيا وغيرهم، كل في مجال تخصصه. وكانوا يصدرون أعمالهم في مجموعات، كما كان المعهد يصدر أعماله المعمقة في مجلدات منفصلة. ومنها بيبلوغرافية واسعة عن الصحراء. ومن المساهمين في المعهد ويليام مارسيه، وديبوا، وليشيه، وكابوري، وريقاس.
أما معهد الدراسات الشرقية فقد تأسس تحت إشراف جورج مارسيه الذي عمل طويلا في التعليم والتأليف في ميادين الفنون والآثار الاسلامية. وأعضاء المعهد كانوا من المستشرقين الفرنسيين المعروفين والعاملين في كلية الآداب، ومجال هذا المعهد هو العالم العربي والاسلامي الذي ينتمي إليه المغرب العربي تاريخيا ولغويا وإثنيا أو عرقيا، حسب المصطلحات الفرنسية، منذ آلاف السنين. وأنشأ المعهد (حوليات) ظهر منها عدة مجلدات. وإلى جانبها نشر أعمالا منفصلة عن المشرق العربي والاسلام في أندونيسيا، والأدب العربي المعاصر، والحياة اليومية في تونس، واللهجات العامية أو المكتوبة في الأندلس. وكذلك نشر أعمالا عن لهجة الدروز، وعن التصوف الاسلامي، وتأسيس مدينة فاس. وظهرت أسماء المستشرقين من أمثال بوسكيه، وهنري بيريز، وليفي بروفنصال، وألفريد بيل، ومارياس كنار، وكانتينو، وروبير برونشفيك، وأندري باصيه، وليون غوتييه.
وهناك معاهد ومراكز بحث أخرى كانت متصلة بالجامعة أيضا ولكنها كانت متحررة في نشاطها العلمي. نذكر منها معهد الدراسات القانونية، والمعهد الحضري، ومعهد الجيولوجيا التطبيقية، وجمعية العلوم الفيزيائية والكيميائية، يضاف إلى ذلك جمعية البحوث البترولية، ثم مكتب البحوث المنجمية. أما معهد باستور فقد كان مستقلا عن الجامعة، وكان يقوم بخدمات فى ميدان الصحة والوقاية من الأمراض.
стр. 2670
وكان تحت الإشرف المباشر للحكومة (١).
البعثات العلمية ومشاركة المثقفين الجزائريين فيها
بالنسبة للبعثات العلمية، قام عبر حوالي خمسين سنة، عدة رجال فرنسيين بأدلاء جزائريين، باكتشاف الصحراء، ومنها إلى افريقيا. ومن ذلك بعثة إسماعيل وضربة ودوفيرييه وفلاترز وموتيلانسكي وأطانو. وكان علماء الفرنسيين، مدنيين وعسكريين، مسلحين بالعلم واللغة وحب المعرفة والاخلاص لوطنهم، وكذلك حب السيطرة والاستعمار. وكانوا يستعملون نفوذهم المادي والمعنوي والسياسي، عن طريق إدارتهم، لتسخير الجزائريين ليكونوا لهم أدلاء ومساعدين لتحقيق أغراضهم. وقد اعترف دوفيرييه بالفضل للشيخ محمد العيد شيخ زاوية تماسين التجانية وكذلك للشيخ عثمان التارقي، واعترف أطانو سنة ١٨٩٤ بالفضل للشيخ محمد العروسي شيخ ومقدم زاوية قمار التجانية في إنجاح مهمته في الهقار، وقال إنه لا يحتاج إلى برهان عن إخلاص الشيخ العروسي لفرنسا. وكان الشيخ العروسي قد استضاف (الميعاد التارقي)، وكان عبد النبي حفيد الشيخ عثمان ومقدم التجانية في الأزجر وقبيلة ايفوغاس الكبير، هو الذي قاد الميعاد التارقي نحو الجزائر سنة ١٨٩٢ وهو الذي سهل مهمة أطانو يد ذلك (٢). وقد أشاد موتيلانسكي أيضا بدور الشيخ العروسي في تسهيل مهمته في سوف وفي الهقار وغدامس، بين ١٩٠٣ - ١٩٠٥. وفعل الشيخ العروسي نفس الشيء مع الضابط فورو سنة ١٨٩٨. كما كانت القادرية تنافس التجانية في ذلك التقرب من فرنسا. ولكن الفضل العلمي يظل لهذه البعثات التي كانت تدرس الطرق والقبائل والآبار واللهجات والتربة والعادات والتقاليد. ولم يكن الغرض كما ذكرنا، هو دراستها لذاتها، ولكن للاستفادة منها في التقدم نحو
стр. 2671
افريقية والسيطرة على الصحراء وثرواتها.
والبعثات العلمية لم تكن نحو الصحراء وافريقية فقط، ولكن أيضا نحو تونس والمغرب والسينيغال ومصر. وقد أشرنا إلى ذهاب رينيه باصيه وغيره إلى السنيغال وتونس لدراسة المخطوطات واللهجات بهما، ولا شك أن ذلك كان مجرد غطاء، لأن هناك أهدافا أخرى للبعثة كالاتصال بالعلماء ومعرفة العادات والتقاليد والتجار والنفوذ الفرنسي. وأرسل الفرنسيون بعثات سرية وعلنية إلى المغرب الأقصى قبل احتلاله وبعده. وبين المبعوثين بعض الجزائريين أمثال إسماعيل حامد وابن أبي شنب وسعيد (عمر) بوليفة ومحمد نهليل وقدور بن غبريط ومحمد معمري. كما ذهبت بعثة أخرى إلى مصر لدراسة أوضاع التعليم الاسلامي والمرأة والمحاكم الاسلامية (١).
وعلى ذكر الاستعانة بالجزائريين نذكر أن بعض الجمعيات كانت تقبل في عضويتها جزائريين هم في الواقع من نوع المستغربين عادة، وإن كنا قد وجدنا آخرين ليسوا كذلك، أمثال عبد الحليم بن سماية. ولكننا لا نجد أمثال عبد القادر المجاوي فيها رغم علمه وسمعته لأنه لم يكن يتكلم الفرنسية. وقد ذكر غوستاف ميرسييه أسماء عدد من الجزائريين الذين ساهموا في أعمال الجمعيات العلمية الفرنسية. وقال إن لهم (ثقافة فرنسية - إسلامية وروحا في البحث جعلتهم أمثلة ممتازة). ومن الأسماء التي ذكرها: محمد بن أبي شنب وابنه سعد الدين، وبلقاسم بن سديرة، ومحمد صوالح، وسليمان رحماني، ومحمد الأخضر، والعربي المسعودي، وأبو بكر عبد السلام بن شعيب، وعبد الحميد حميدو، ومحمد الحاج صادق، وعبد السلام مزيان، (وغيرهم كثير)، كما قال. ولم يهمل ذكر محمد راسم صاحب المنمنمات (وعددا من الفنانين والرسامين) (٢).
стр. 2672
بعض هذه الأسماء لا نعرف مساهمتها الآن مثل محمد الأخضر، والعربي المسعودي. ولكن السيد ميرسييه أهمل ذكر بعض الذين ساهموا فعلا في ميدان الدراسات الفرنسية، أمثال عبد الرزاق الأشرف، ونور الدين عبد القادر، واحمد بن مجقان، وحفيظ بومدين ومحمد بن يوسف كسوس والمولى القاضي، وعمر قندوز، وعلي الشريف الزهار، وابن يحيى علي بن أحمد، وأحمد بن بريهمات وعبد الحليم بن سماية (١). فهؤلاء جميعا ذكروا في عضوية الجمعية الجغرافية لمدينة الجزائر وشمال افريقية التي تأسست سنة ١٨٩٦ وقد سبق ذكرها. أما إسماعيل بوضربة الذي ذهب في رحلة إلى غات، فقد كان عضوا في الجمعية التاريخية التي كانت تنشر المجلة الافريقية. وكذلك محمد صوالح الذي وجدنا اسمه في أعضاء هذه الجمعية ابتداء من سنة ١٩٠٠ (المجلة الافريقية، ص ٩٦). وكان عندئذ ما يزال أستاذا في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال). ولعل محمد بن رحال كان عضوا في جمعية جغرافية وهران.
ورغم وجود هذه الأسماء الجزائرية في الجمعيات العلمية الفرنسية فإن مساهمتها الفردية كانت قليلة. فإذا استثنينا عائلة ابن شنب وأبو بكر عبد السلام والحاج صادق ومحمد صوالح وأسماء أخرى قليلة، فإن الانتاج الذي يحمل توقيع صاحبه من هؤلاء لا يكاد يذكر. ولكن مساهمة الجزائريين كانت بالتعاون والمشاركة مع الأعضاء البارزين من الفرنسيين في الجمعيات المذكورة. وهذه التبعية هنا أو هناك لم تسمح للجزائري أن يطور شخصيته العلمية المستقلة وأفكاره بطريقة حرة، وأن يكتشف هويته الحقيقية وسط
стр. 2673
ركام الشك الذي أحاطته به المدرسة الفرنسية.
الكنيسة والتنصير
لا نريد أن ندرس مختلف أنشطة الكنيسة منذ الاحتلال، فذلك موضوع واسع يخرجنا عما نحن فيه. إنما نريد أن نسلط الضوء على بعض الأنشطة التي تحدد العلاقة بين الكنيسة والإدارة الاستعمارية وكذلك على أدوار بعض رجال الدين الذين تولوا أمر الكنيسة وكانت لهم مخططات خاصة، ومدى علاقة ذلك بالاسلام واللغة العربية والثقافة الوطنية على وجه العموم.
الأطروحة السائدة بين الكتاب الفرنسيين تقوم على أن هناك خلافا بين نوايا وأهداف رجال الدين ورجال الدنيا الفرنسيين في الجزائر، فالعسكريون كانوا لا يريدون إطلاق العنان لرجال الدين ينفذون مخططاتهم بين المسلمين. والحكومة الفرنسية من جهتها تعلن على لسان وسائلها ورجالها أن الهدف من إنشاء الكنيسة وتعيين رجال الدين إنما هو خدمة المستوطنين الأوروبيين وليس التبشير واستعادة المسيحية القديمة وإثارة مشاعر المسلمين. ويقول أولئك الكتاب إن الجنرالات الفرنسيين كانوا غير متدينين، وأنهم كانوا يخشون، كمسؤولين، أن يؤدي نشاط رجال الدين المباشر إلى ثورة المسلمين وعدم الاستقرار. ومن جهة أخرى تذهب الأطروحة المذكورة إلى أن المستوطنين أنواع، وأغلبهم غير متدينين أيضا، لأن منهم الجاهل والصعلوك الذي لم يكن يهتم بالأخلاق والمعنويات ولكن بالمادة والكسب، ومنهم السياسيون الذين هجرتهم الدولة إلى الجزائر في أزمنة مختلفة، وهؤلاء كانوا لائكيين وغير مهتمين بالدين، بالإضافة إلى أن هناك رجال إعلام ومترجمين ينتمون إلى الاشتراكية المثالية والسانسيمونية.
وفي نظر أولئك الكتاب أن الجمهورية الثالثة قد فتحت النار، كما يقولون، على الكنيسة وعلى (الجزويت) بالخصوص، وقلمت أظافرهم، ثم جاء الاعلان عن فصل الدين عن الدولة مع فاتح هذا القرن، فأرغم رجال
стр. 2674
الكنيسة على التوارى وتقليص نشاطهم. ومعنى هذا أن السلطة الحاكمة كانت (غير دينية) أو لائكية، وإن التسامح وحرية العقيدة كان هو شعار الحكم الفرنسي في الجزائر. ترى هل هذا صحيح؟
إذا عدنا إلى مراجعة مسيرة الاحتلال سنجد أن السلطة الزمنية والسلطة الدينية (الروحية) كانت غير محددة لدى الحكام الفرنسيين في الجزائر ولدى رجال الدولة في فرنسا الذين لهم علاقة بالشؤون الجزائرية، منذ تقرير العقيد كليرمون تونير الذي قدمه إلى شارل العاشر لإقناعه بالموافقة على الحملة ضد الجزائر، كان الدافع الديني قويا في أذهان الفرنسيين. فقد وعده بأن الحملة ستحقق انتصار الكنيسة الكاثوليكية على الاسلام واستعادة المسيحية إلى إفريقية (الجزائر) كما كانت قبل الاسلام. ومن يتأمل في العبارات الواردة في التقرير المذكور، وفي غيره، يدرك أن الروح التي كانت تقود رجال الدولة الفرنسية عندئذ تكاد لا تختلف عن الروح التي كانت تقود ايزابيلا وفيرديناند في الأندلس ثلاثة قرون قبل ذلك.
وبالرجوع إلى أدبيات الحملة نفسها بعد نجاحها نلاحظ السلوك الديني لدى الجنرالات وعلى رأسهم بورمون وكلوزيل ثم من جاء بعدهم، بمن فيهم بوجو وراندون. فإقامة القداس الأول على يد القس شارل زكار الداعية المعروف والملازم لبورمون، وتولية العسكريين الشؤون الدينية إلى حين مجيء دوبوش سنة ١٨٣٨، وإقامة القداسات بعد معارك (النصر) الشكر الله على رضاه وتوفيقه ضد (الكفار) المسلمين، وإحاطة القساوسة بالأبهة وإدخالهم إلى مراكز نشاطهم مرفوقين بالفرق العسكرية، كما حدث للأب سوشي في قسنطينة، كل ذلك يدل على أن ممثلي الدولة الفرنسية في الجزائر لم يكونوا لائكيين، كما يريد البعض أن يفهمونا في عصر الليبرالية واللائكية.
وأوضح من ذلك موقف ممثلي السلطة الفرنسية من الدين الاسلامي نفسه في الجزائر. فهم، وليس رجال الكنيسة، الذين داسوا على اتفاق ٥ يوليو،
стр. 2675
١٨٣٠ الذي ينص على احترام الدين الاسلامي ومعابده، ثم هم، وليس رجال الكنيسة، الذين هدموا المساجد وجعلوها مستشفيات واسطبلات ومخازن، وتحت سلطتهم تحول بعضها إلى كنائس، وهم الذين صادروا الأوقاف، وقطعوا عن الكتاتيب القرآنية مواردها. والقائمة طويلة. ومنذ ١٨٣٨ تعاونوا مع دوبوش وخلفائه على تحطيم الحياة الاسلامية، كالقضاء والتعليم العربي، والمساعدة على انتشار الخمر وأماكن الفساد الأخلاقي (١)، وجلب الجزويت الذين منعوهم من العمل بفرنسا. والقائمة هنا طويلة أيضا. والفرق الذي يبدو للعيان هو أن رجال الدين كانوا يريدون المواجهة وتحدي المسلمين مباشرة متغطين بالجيش والسلطة. أما المسؤولون المدنيون والعسكريون فيريدون عدم المواجهة واتخاذ أسلوب التوغل الهادئ والتسرب البطيء، للوصول إلى نفس الهدف.
يقول بعض الكتاب إن الجزائريين أنفسهم شهدوا على عدم تدين الفرنسيين. فقد كانوا يظنونهم (أهل كتاب) واتباع عيسى بن مريم ﵇ عن حقيقة. وينسبون إلى الأمير عبد القادر قوله: إن هؤلاء الفرنسيين ليس لهم دين. وذلك بعد أن وجدهم على غير ما كان يعتقد فيهم. ويقولون إن الجنرالات وبعض الكولون الأولين كانوا متأثرين بأفكار فولتير المتنورة وبعيدين عن روح الدين. وقد ذكرنا أن حركة التنوير والحركة الرومانتيكية، والليبرالية المادية، والفكر الجمهوري والنظرية الاشتراكية المثالية والماسونية، كلها كان لها تأثير في الفرنسيين عبر المراحل المختلفة. وهذا صحيح إلى حد كبير بالنسبة لبعض الحكام وأصحاب الجرائد والجمعيات. ولكن عندما تأتي المصلحة الفرنسية فالكل يصبح واحدا، ولا يهم بد ذلك أن تكون المصلحة من جهة رجال الدين أو
стр. 2676
من رجال الدنيا، من القسيس أو من الجنرال.
نشأة الأسقفية
وإلى سنة ١٨٣٨ كان العسكريون هم الذين يقومون بالشؤون الدينية أيضا. وكان نشاطهم ما يزال منحصرا في تربية المهاجرين الجدد إلى الجزائر وهدايتهم روحيا. ونذكر أنه من الناحية الإدارية لم يعلن الفرنسيون أن الجزائر من (ممتلكات) فرنسا إلا سنة ١٨٣٤. ومع ذلك فإنهم منذ ١٨٣٠ قام العسكريون منهم بما ذكرنا حول الأوقاف والمساجد والزوايا والجبانات، وهدموا وغيروا ما شاؤوا. وكانت الحكومة الفرنسية تفاوض الفاتيكان على فتح أسقفية لها في الجزائر. وقد أدت المفاوضات إلى تعيين السيد أنطوان دوبوش أسقفا في الجزائر سنة ١٨٣٨. ووجد دوبوش قبله سبعة قساوسة، منهم أربعة في العاصمة، وإثنان في عنابة وواحد في وهران.
وفي نهاية السنوات التي بقيها في الجزائر ١٨٣٩ - ١٨٤٦ ترك دوبوش منجزات كبيرة لا يمكن إنجازها لولا المساعدات التي كانت تأتيه من هنا ومن هناك، ومنها مساعدات الحكام في الجزائر، ممثلي الدولة الفرنسية. ومن تلك الانجازات: بناء ٦٠ كنيسة ومعبدا، و ١٦ مؤسسة دينية (وبعض هذه المباني كانت مساجد) و ٩١ قسيسا، و ١٤٠ إطارا من النساء والرجال في الشؤون الدينية، وملجأ للايتام، وحلقة درس (سيمينار).
كان أصل ديبوش من مدية بوردو. وبعد حلوله بالجزائر (العاصمة) سكن في أحد القصور التابعة لبايات قسنطينة، وهو قصر الأميرة عزيزة، وبالطبع فإن الحكومة الفرنسية هي التي أعطته إياه لأنها هي التي استحوذت على جميع أملاك البايلك القديم. وفي ظرف قصير استطاع دوبوش أن يقيم مشروعا لاستعادة الكنيسة الافريقية القديمة وأن يقنع الجنرالات، ولا سيما بوجو الذي رأى فيه وسيلة لضرب المقاومة الاسلامية. فتعاونا، كل في مجاله، وبلغ الأمر بديبوش ان كان يفاوض الأمير عبد القادر على الأسرى الفرنسيين، حتى ظن بعض العسكريين أنه تجاوز حدوده، وتحدث بعضهم
стр. 2677
بإحضاره أمام المجلس العسكري. وهو الذي أرسل القسيس سوشيه، خليفة عنه إلى قسنطينة، وكان هذا مثل سيده يتحدى المشاعر الاسلامية ويدعو إلى النصرانية جهارا. وكان سوشيه قد أرسله دوبوش أيضا إلى الأمير عبد القادر في معسكر يتجسس عليه ويبادله، ظاهريا، بعض الأسرى المسلمين بأسرى فرنسيين (١).
وقد وصف بلاكسلي بعض مظاهر النشاط الديني الفرنسي في الجزائر فقال: انه كان للأسقفية قصر (فيلا) بناحية سانت اوجين (بلكين حاليا). ويعتبر من نوادر القصور التي سلمت من التخريب. وكان القصر فيما مضى مقرا للقنصلية الفرنسية في عهد الدايات. ثم أصبح مقرا للحلقة الدراسية (السيمينار) التي أنشأتها الأسقفية ومنزلا ريفيا للأسقف. وذكر بلاكسلي أن دوبوش قد وجد سنة ١٨٣٩ قسيسين يقومان بشؤون الدين المسيحي في أحد المساجد الذي حولته السلطات إلى كنيسة. كما وجد بعض النسوة (الراهبات) اللائي كرسن حياتهن لخدمة الأيتام والتحريض. ومن جهة أخرى وجد دوبوش معبدا في وهران وآخر في عنابة. غير أنه وجد الفرنسيين الذين حلوا بالجزائر وقد انتشرت بينهم المفاسد وانحطت أخلاقهم.
ولكن دوبوش انطلق في مشروعه فأنجز في ظرف سبع سنوات ٤٧ كنيسة ومعبدا و ٤٠ ملجأ. ووظف ٣٩ راهبا، وجلب عددا من (أخوات الرحمة). وأنشأ ملجأ (الترابيست) في اسطاولي. وصرف المال الكثير على مشاريعه حتى بلغت ديونه ٢٠، ٠٠٠ جنيه استرليني. وشهد بلاكسلي أن رجال الكنيسة، وعلى رأسهم دوبوش، قد أدوا خدمة كبيرة لفرنسا في الجزائر عن طريق التأثير على السكان معنويا بالعلاج والأعمال الخيرية وإعطاء المثال في النظافة والنظام وحسن المعاملة. ومن ذلك مستشفى وهران، وملجأ ابن عكنون المسمى (بروملت) وملجأ بوفاريك، وكلاهما من عمل اليسوعيين.
стр. 2678
ومما يلفت النظر قول بلاكسلي إنه إلى سنة ١٨٥٤ بنت الدولة الفرنسية في الجزائر ثلاثة مساجد فقط (بعد أن هدمت العشرات منها)، بينما شيدت على حسابها الخاص ٣٧ كنيسة كاثوليكية ومعبدين بروتيستانيين. وقد كانت الأسقفية تكلف الدولة أموالا طائلة، منها ٢٥، ٠٠٠ ف سنويا للأسقف فقط، وقد أصبحت أموال الأوقاف الاسلامية تصرف على رجال الكنيسة بعد مصادرة الأوقاف. وكان عدد الموظفين (رهبان وراهبات) يفوق المائة. وكانت أجورهم تفوق ٣٧، ١٠٠ ف. سنويا (١).
وفي عهد المارشال فاليه ١٨٣٧ - ١٨٤١ حصلت الأسقفية على جامع البليدة، فحولته إلى كنيسة كاثوليكية، وقد حضر دوبوش نفسه حفلة رفع الصليب على أعلى الجامع. ومما يلفت النظر إن الصليب الذي وقع صهره في البليدة كان ثقيلا وضخما حتى ناء به ستة من العرب (المسلمين) كان عليهم أن يحملوه من المصهر إلى الجامع. ثم قام الجنود الفرنسيون برفع الصليب وتثبيته في أعلى الجامع وأضاؤوه بشعلة حملها العرب أيضا. ودوبوش هو الذي وضع أيضا الحجر الأساسي لدير الأخوة المعروف (بلا تراب) قرب سيدي فرج واسطاويلي حيث وقعت أول معركة بين الجزائريين والفرنسيين. ومن سياسة النظام الفرنسي أن الديانة الكاثوليكية والبروتيستانتية واليهودية كانت تحت وزارة الأديان، أما الدين الإسلامي فقد كان تحت وزارة الحرب. ويذكر أحد المعاصرين أن مهمة الأسقفية كانت هي استرجاع الكنائس القديمة في مناطق الجزائر، والبحث والتنقيب عن الغابر منها وتعيين القساوية على المكتشف منها. ولاحظ هذا المعاصر أن القساوسة أصبحوا بعد ثورة ١٩٤٨ أكثر عبودية (تبعية) للدولة. ومن رأى الفرنسيين أن الدين الإسلامي سينتهي في الجزائر إما بالاحتلال وإما بالتلاشي (٢).
وكان دوبوش يتلقى الأموال من الجمعيات الخيرية في فرنسا وفي
стр. 2679
غيرها، ويبذر المال على مشروعه الضخم حتى أفلس في النهاية، ودخل السجن، ثم تحملت الدولة - وهذا بيت القصيد - ديونه. وأكبر تظاهرة قام بها من أجل مشروعه هي استعادة بقايا القديس اوغسطين في ٣٠ اكتوبر ١٨٤٢ (أثناء حكم المارشال بوجو). إن هناك أوصافا عديدة لهذا الحادث من طرف المعاصرين. وصفه بوجولا والسيدة بروس وغيرهما. وقد وصفت السيدة بروس التظاهرة فقالت: إن عملية نقل بقايا أوغسطين كانت تشبه استعادة رفات نابلوين من سانتا هيلينا إلى فرنسا. نقلت البقايا من بافيا إلى طولون ثم من هذه إلى عنابة (بونة) على يد القساوسة والجماهير، وذلك في حفل ديني ضخم تعبيرا على استمرارية الكنيسة المسيحية. ولم يدخر الأسقف دوبوش المال لإنجاح المشروع. بدأ التجمع الكبير في (لابروفانس) بفرنسا، وهناك خطب فيهم بطريق باريس المدعو (سومور). وحضرت إثنا عشرة سفينة لنقل الأساقفة الستة وضيوفهم إلى الجزائر. وعلى متن السفينة الأولى كان الأسقف دوبوش بكل سراويله وملابسه الدينية الفضفاضة، وكان على متنها أيضا بقايا اوغسطين التي كانت مغطاة بالكريستال والفضة، فكانت تحدث الدهشة بلمعانها في الشمس الجزائرية. وإلى جانب دوبوش كان يقف أساقفة فرنسا الستة بملابسهم الدينية الرسمية (١). ثم تعاقبت السفن التي كان عليها القساوسة من كل الدرجات بمسوحهم التقليدية. وهناك سفينة كانت محملة فقط بالراهبات، وأخرى محملة بفرقة البر والإحسان Hospitalier .
وعند الوصول إلى مرسى عنابة تعالت الأناشيد والأغاني الدينية من كل سفينة. واعتقدوا أن الطبيعة كانت تردد معهم تلك الأصوات وذكريات (الكنيسة الافريقية) التي طالما رقدت تحت الرمال الخضراء، حسب تعبير بعضهم. وعلى الرصيف نصب قوس النصر الذي كتبت عليه العبارات التالية: (لقد رجعت هيبونة يا اوغسطين!) ثم وضعت البقايا المحمولة على منصة خاصة في ميدان السلاح. وتقدم دوبوش وألقى القداس أمام الجماهير، واستعرض حياة
стр. 2680
اوغسطين ومنفى بقاياه، ورجوعها المنتصر (تحت حماية العلم الفرنسي) - حسب تعبيره.
وفي اليوم التالي سارت الظاهرة إلى بونة بالطريق الروماني القديم. وعند وصولهم إلى الجسر القديم وجدوا قوس نصر آخر في انتظارهم. وهناك كانت السلطات المدنية والعسكرية لعنابة في انتظار الأسقف دوبوش وضيوفه. وقد ألقى نشيد (توديم)، وارتفعت الأصوات بشكل متحد مع نغمات الموسيقى العسكرية التي كانت تتقدم الموكب. وسار هذا الموكب إلى حيث ضريح مرتفع في شكل منصة. وهنا كشفت بقايا أوغسطين. ومن جديد ألقى دوبوش القداس بطريقة رسمية فيها البلاغة والشعر قائلا: ها هي شعوب كل الأمم: الفرنسية والكورسيكية والسردينية والاسبانية والايطالية والمالطية .. كلهم ركعوا لله في تواضع وخشوع، ورفعوا الدعاء إلى الله بمختلف لغاتهم. وتنادت قرطاج من تونس، ومياه البحر، وأصداء الهضاب. ثم ارتفعت دمدمات المدافع من القصبة متقطعة حسب تقدم التظاهرة وعلى خطى الموكب. كما كانت الموسيقى العسكرية تشارك بأنغام مناسبة أثناء تدشين تمثال لأوغسطين الذي وضع على رخامة بيضاء، كان التمثال من البرونز، وكان وضعه يجعله ملتفتا نحو فرنسا اعترافا بفضلها وحمايتها (١).
لقد جرى كل ذلك في تحد سافر لمشاعر المسلمين. كان الحفل الذي جمع عشرين ألفا في طولون، وآلاف الحاضرين والفضوليين في الجزائر، قد جرى تحت حماية العلم الفرنسي والجيش ومباركة المارشال بوجو نفسه. وكانت السلطات المدنية والعسكرية الفرنسية مشاركة في التظاهرة بالمال والسفن والضيافة والرعاية المعنوية. ومع ذلك قول البعض إن الأسقف دوبوش، ورجال الدين عموما، كانوا يعملون بدون موافقة العسكريين وممثلي الدولة الفرنسية! لقد جاء بوجو بالسيد جان بوجولا واعتبره (مؤرخ)
стр. 2681
عهده في الجزائر فكتب بوجولا يصف عهد بوجو وانتصار الكنيسة، وقد طعن في الاسلام والمسلمين حتى فاض كاسه (١).
وفي سنة ١٨٤٥ قام الأسقف دوبوش بتدشين كنيسة بتلمسان، بعد استيلاء الفرنسيين عليها. وقد حضر معه الأب بارجيس الذي جاء خصيصا من باريس والذي نوه بجهود الأسقف لإعادته الكنيسة الافريقية بعد ستة قرون من انقطاع حلقتها على يد المسلمين، كما قال. والأب بارجيس لا يتورع في هذه المناسبة عن أن يسمى أرض الاسلام في تلمسان (الأرض الكافرة)، ويسمى الرسول ﷺ (بالنبي المزيف). ففي ابريل ١٨٤٥ افتتح الأسقف دوبوش تلك الكنيسة الكاثوليكية (وأصلها جامع) في حديقة المشور، وعين عليها أحد القساوسة (٢).
ولكن بعد بضعة أسابيع حدثت ثورة عارمة في منطقة الظهرة كلها، وشملت تلمسان .. فهرب القس الذي كان هناك. كانت الثورة قد اشتركت فيها مختلف الطرق الصوفية، واشتهر خلالها محمد بن عبد الله المدعو بومعزة. ورجع الأمير عبد القادر الذي كان قدالتجأ إلى المغرب الأقصى وركب موجة الثورة، وضرب العدو ضربة قوية في سيدي بلعباس، ثم حدثت معركة سيدي إبراهيم الشهيرة. وفسد مشروع الكنيسة في تلمسان، مؤقتا على الأقل. ومن جهة أخرى وجد القس سوشيه في قسنطينة مقاومة شديدة لمشروعه.
إن هدم المساجد أو تحويلها عن غرضها ومصادرة الأوقاف الدينية وغير ذلك من الاجراءات التي تسيء إلى الاسلام والمسلمين، كانت تجري بالتراضي بين رجال الدنيا والدين الفرنسيين، رغم ما قيل من أن العسكريين والمدنيين كانوا غير متدينين. ومنذ وصل دوبوش وهو يعمل على دعم الكنيسة وافتكاك المبادرة واستعادة دورها الذي كان لها في نظره منذ أيام الرومان. وقد ذكرنا أنه كان يفاوض الأمير على إطلاق سراح الأسرى فوق
стр. 2682
رؤوس العسكريين، فاوض بنفسه في بوفاريك ممثلي الأمير، ثم أرسل إليه القس سوشيه إلى معسكر. واستطاع أن يتبادل معه بعض الأسرى. وقد سخط عليه بعض العسكريين لتفاوضه (مع العدو) وكادوا يعقدون له مجلسا حربيا، لولا تدخل بوجو الذي كان يحميه (١).
وفي نهاية عهده أفلس دوبوش لأن سياسة التبذير والمغامرة التي سلكها جعلته يتهرب من الدائنين له إلى أن استقال، وسجن، ثم هرب إلى إيطاليا ثم إسبانيا، كما ذكرنا. فقد أكثر من المنشآت باسم الكنيسة. ومن ذلك ملجأ الأيتام في ابن عكنون. إذ جمع فيه الأطفال المنبوذين، وجند النساء للقيام بهم، واشترى له قطيعا من الماعز للحليب، ثم دخل في صفقة عقارية، مما أدى إلى إفلاسه. وثارت ضجة للفضيحة. ونحن هنا لا يهمنا كل ذلك، ولكن يهمنا فقط أن الدولة الفرنسية بزعامة نابليون عندئذ سنة ١٨٥٢ قد تدخلت وتكفلت هي بدفع الديون المترتبة على الأسقف باعتباره كان يعمل لمشاريع تخدم مصالح الدولة الفرنسية. وكان أسقف مدينة بوردو هو الذي أقنع نابليون بذلك.
الأسقف بافي:
أما الأسقف الثاني، وهو لويس بافي L. Pavy، فقد كان عهده أكثر اضطرابا وثورة على الدين الاسلامي. جاء الجزائر متحمسا للاستمرار في مشروع سلفه، وهو استعادة نشاط الكنيسة الكاثوليكية كما كان قبل الاسلام، واعتبار الحلقة الاسلامية مرحلة عابرة، فكان لا بد، في نظره، من تكسيرها. وقد طال عهد بافي من ١٨٤٦ إلى ١٨٦٦. وعرفت الجزائر خلال ذلك حياة متقلبة أيضا: تغييرات إدارية، وثورات شعبية، واستيطان الأروبيين، ومواقف من التعليم والدين الاسلامي والقضاء، وحركة هجرة جزائرية نحو المشرق، وجوائح مهولة. ومن الصعب علينا التذكير بكل ذلك هنا، ولكن نحيل إلى كتابنا الحركة الوطنية والفصول الأخرى من هذا الجزء للربط بين ما حدث
стр. 2683
وما كان يقوم به الأسقف بافي. ورغم جهود هذا الأسقف في الدعاية للكنيسة بين المسلمين وتنصيرهم عن طريق الصدقات والمداواة والورشات ونشر اللغة الفرنسية، فإنه فشل في النهاية.
كان بافي عميد الكلية الكاثوليكية بليون قبل توليه أسقفية الجزائر، وقد وجد أن دوبوش مهد له الطريق بإنشاء الكنائس وتكوين الرهبان وحلقات الدراسة والملاجئ. كما مهد له الطريق باستعادة بقايا أوغسطين، ولذلك كان على بافي أن يواصل فقط مشروع سلفه. ومن أجل ذلك سعى إلى الحصول على رضى العسكريين، وإلى تجنيدهم إلى جانبه وتفادى المواجهة معهم. ويقال عنه إنه كان خطيبا ماهرا، وله قدرة على اكتساب المستمعين إليه. وفي عهده تدعمت الكنيسة في قسنطينة، حيث استمر سوشيه في مهمته، وتحول جامع سوق الغزل فيها إلى كنيسة (١).
وفي تلمسان رجعت ١٨٤٦ الكنيسة (الجامع) بعد الثورة، في طراز موريسكي، وعليه ناقوس، ولكن الأب بارجيس تمنى لو كان للكنيسة مؤذن يؤذن فيها أيضا للصلاة يوم الأحد كما يؤذن المسلمون لصلواتهم. وكانت زيارات وكتابات بارجيس تساعد بافي على ترسيخ فكرة استعادة الكنيسة الكاثوليكية إلى سالف عهدها. ولذلك قام بارجيس بتأليف كتاب صغير سنة (١٨٤٨) عن (الكنيسة الافريقية) ووجهه إلى آلاف الفرنسيين، كما قال، الذين يتوجهون إلى الجزائر ليحملوا إليها حضارة فرنسا ونور المسيحية، وليذكرهم بماضي الكنيسة الذي دفنه (التعصب الاسلامي) والذي قطعت سلسلة حلقاته، حسب دعواه، بسيف أتباع النبي (محمدا ص) المزيف قطعا فادحا. وكان بارجيس، مثل بافي، يقول بأن للمسيحيين الجدد رسالة يؤدونها، وهي أن الله قد عهد إليهم باستعادة هذه الحلقة المكسورة وازدهار المسيحية من جديد في الجزائر. وقد نوه بارجيس، مثل بافي أيضا، برجال الدين القدماء أمثال: تيرتوليان، واوغسطين، وسيريان، وأوبتات،
стр. 2684
وأرنوب، الخ (١). ورغم تقدم العمل الكنسي فإن بارجيس، مثل بافي أيضا، كان يخشى على مصيره، فقد انتقد موقف الداعين إلى التسامح، وقال ان الفرنسيين إذا بقوا على هذا المنوال الذي دام ثماني عشرة سنة ١٨٣٠ - ١٨٤٨ فإن المسيحيين في الجزائر سيختفون ويعتنقون دين النبي (محمد) المزيف، في نظره. كما انتقد القساوسة المائة الذين كانوا بالجزائر ولم يتسربوا إلى نفوس أهل البلاد لعدم معرفتهم اللغة (٢).
وخلاصة أعمال الأسقف بافي أنه أكمل مشروع الحلقات الدراسية في القبة وسانت أوجين (بلكين) بالعاصمة. وفي ١٨٥٠ افتتح على حصن سانتا كروز بوهران، معبدا جديدا سماه معبد (سيدة الخلاص)، وفي ١٨٥٤ وضع الحجر الأساسي لكنيسة السيدة الافريقية بالعاصمة في أعلى نقطة من جبل بوزريعة المطل على البحر. ووسع من كاتيدرالية سان فيليب (جامع كتشاوة) التي دفن فيها سلفه دوبوش سنة ١٨٦٤. وأحضر مجموعة من المعلمين المعروفين باسم (أخوة المدارس المسيحية) وفتح بهم التعليم الديني ووسع منه ابتداء من ١٨٥٤ (عهد المارشال راندون)، كما أحضر، باتفاق مع الحكومة، عددا من الجزويت (اليسوعيين). وبهؤلاء وأولئك فتح بعض المدارس والملاجئ في زواوة وفي غيرها باسم الأعمال الخيرية. ومما يذكر له أيضا أنه هيأ لإنشاء أسقفية في كل من وهران وقسنطينة، كما جعل أسقفية الجزائر في مستوى أسقفية فرنسا (٣).
ويذهب الكتاب إلى أن بافي وسع من التعليم باللغة الفرنسية وإنشاء
стр. 2685
المكتبات الشعبية. وقد وقعت محاولات التنصير على عهده في عدة أماكن منها: ميسرغين وعين الحمام والأغواط والقبة. وكانت المدارس التي أنشأها بافي تعلم تقنيات الفلاحة أيضا، وكان الهدف من تعليم الفلاحة للجزائريين هو مساعدة المستوطنين الفرنسيين على استخدام اليد العاملة بأجور ضعيفة. ومن مشاهير (الآباء) اليسوعيين الذين جندهم بافي نذكر كروزا في زواوة، وكليمانت في ميسرغين. ويذكر أحد المصادر أن بافي قد ترك ١٨٠٠ تلميذ يتعلمون في المدارس الدينية، عندما غادر الجزائر. وهذا لا يعني بالضرورة تعليم الأطفال المسلمين وحدهم (١).
عندما فشل بافي في تنصير المسلمين في المدن اتجه نحو المناطق النائية والمعزولة. وطلب من الحكومة إرسال رجال الجزويت إليه (٢). ويبدو أن الحكومة لم تشجعه على ذلك في أول الأمر، فاعتمد على وسائله الخاصة. وفي سنة ١٨٥٣ أخذ بافي نفسه يهاجم الاسلام ونبي الاسلام. فقال عن القرآن الكريم إنه عاجز عن تلبية حاجات الانسان، واتهم الرسول ﷺ بالكذب والاختلاق، وبتقليد المسيح ﵇ وتحريف الانجيل. ويقول مارسيل ايمريت إن الحكومة خشيت من عواقب الصراع بين العرب والكولون فطلبت من بافي أن يكون معتدلا في هجومه على الاسلام. ثم اعترف بافي بفشله في حملته هذه أيضا. ولذلك ركز نشاطه على المراكز الاستيطانية الجديدة، وكان عددها ٤٢ مركزا. وقد طلبت منه الحكومة محاربة الأفكار الاشتراكية بين الكولون والعمال الذين جاؤوا من باريس حاملين تلك الأفكار. فأخذ بافي يقول: إن هناك ما هو أسوأ من الدين الاسلامي، وهو وجود أناس بدون إله.
وقد التجاء بافي إلى نفس الوسيلة التي لجأ إليها لافيجري في وقت لاحق، وهي كسب المستوطنين (الكولون) إلى جانبه ضد العسكريين الذين
стр. 2686
كان يعتقد أنهم يقفون في طريق تنصير المسلمين. وحانت الساعة بإعلان نابليون عن مشروع المملكة العربية في رسالته إلى المارشال بيليسييه، الحاكم العام، سنة ١٨٦٠. وكان المستوطنون ومؤيدوهم قد قاموا بحملة مسعورة ضد هذا المشروع، فقد رأوا فيه مخططا لرجوع الأمير عبد القادر والاستقلال الذاتي للجزائر تحت الحماية الفرنسية، كما رأوا فيه فشل مخطط الاندماج الذي كانوا يسعون إليه. فأرسلوا الوفود إلى فرنسا، وكتبوا الكتب والعرائض والرسائل والمقالات في الصحف. كل ذلك في غياب الأصوات الجزائرية. وعرض بافي على الكولون أن يكون هو المتكلم باسمهم. وكتب منشورا إلى القساوسة التابعين له جاء فيه أن رسالة فرنسا في الجزائر رسالة حضارية مقدسة، وإن قضية الكولون قضية عادلة. وأخذ بافي يركز على تكوين الموظفين للكنيسة وعلى أعمال الجمعيات الخيرية، أمام فشل الجزويت (اليسوعيين) الذين أرسلهم إلى زواوة (١).
وفي نهاية عهده سعى بافي إلى الحصول على فتح أسقفيتي وهران وقسنطينة. وقيل إن المارشال بيليسييه لم يؤيده في ذلك، لأن ثورة أولاد سيدي الشيخ كانت قائمة في الجهة الغربية منذ ١٨٦٤. كما كانت الجزائر تعيش مضاعفات مرسوم ١٨٦٣ الخاص بالأرض وانتزاعها من يد الأعراش وتمليكها للأفراد. لكن وفاة بيليسييه في السنة نفسها ١٨٦٤ جعلت بافي يغتنم فرصة زيارة نابليون الثانية للجزائر سنة ١٨٦٥ ويثير معه موضوع الأسقفية في وهران وقسنطينة. وكان البابا قد منح موافقته قبل ذلك. فوافق نابليون كذلك على طلب بافي يرفع مستوى الأسقفية، وحدثت أزمة دبلوماسية بين فرنسا والفاتيكان حول طلب بافي وموافقة البابا قبل موافقة الحكومة الفرنسية. ولكن موت بافي المفاجئ أنهى الأزمة. وترشح لمنصبه بعض القساوسة، منهم كلود بافي، أخو السابق، ولكنه أحرز على أقلية من الأصوات، وحصل قاستلتي على الأغلبية، لكن ظلت المنازعات بينهما، إلى
стр. 2687
أن اقترح المارشال ماكماهون، الحاكم العام للجزائر، اسم شارل لافيجري ، سنة ١٨٦٧.
لافيجري:
كان لافيجري عندئذ هو قس مدينة نانسي بفرنسا (ولد في بايون ١٨٢٥). وقد عرفه ماكماهون عندما كان قائدا عسكريا لهذه المنطقة، وربط معه علاقات ودية. ووافق وزير الحربية على اقتراح ماكماهون دون تفكير في العواقب، أما وزير الأديان ونابليون نفسه فقد أبديا تحفظهما على إسم لافيجري. كان هذا أستاذا للتاريخ الديني بالكلية الدينية بباريس. وقد شارك في توزيع المساعدات على النصارى أثناء أحداث سورية ١٨٦٠، وعمل على توسيع النشاط الكاثوليكي في المشرق حتى قيل إن الحكومة الفرنسية عجزت عن الحد من نشاطه الديني هناك، وقد كون مع غيره سلسلة من المدارس تسمى (مدارس الشرق)، وظل على صلة بها حتى بعد أن أصبح أسقفا للجزائر.
وصل لافيجري إلى الجزائر أثناء المجاعة المشهورة التي حلت بها. ووجد أسقفية الجزائر (الارشفيشي) تضم ٨٣ فرعا (برواس) فيها ١٠٤ من دعاة التنصير. وهم ليسوا كهنة من حيث العنوان. وكانوا يخضعون خضوعا تاما لإرادة لافيجري، وكان بعضهم مطرودا من فرعه بفرنسا، وفيهم من كان يكثر من شرب الخمر (١). وتساءل لافيجري منذ البداية (كيف تظل فرنسا في الجزائر أربعين سنة دون أن تنجح في تنصير المسلمين! ومنذ البداية أيضا شعر ماكماهون بالحرج مع لا فيجري. فقد أخذ هذا يتدخل في شؤون الإدارة والعلاقات مع المسلمين، كما أن زوجة ماكماهون كانت هي المتولية للإشراف على الأعمال الخيرية، فأراد لافيجري الاستيلاء على ما بيدها فرفضت فهددها بالطرد من الكنيسة. وإلى جانب نتائج الجوائح التي كانت تعرفها البلاد، كانت الدعاية الفرنسية تعمل بطريق جريدة المبشر وغيرها،
стр. 2688
على جلب الأطفال العرب للمدارس الفرنسية - العربية، مطمئنة الأهالي بأنه لا خوف على أولادهم من التنصير وله لا وجود لرسم الصليب في الأقسام (الفصول) الدراسية ولا ذكر للانجيل فيها، الخ. كما دخل لافيجري (الذي استغرب من سياسة الإدارة) في خصام مع رئيس بلدية الجزائر الذي اعتبره لائكيا (علمانيا).
أما علاقة لافيجري برجاله في المناطق البعيدة، فقد كانت على غير ما يرام أيضا. كان اليسوعي كروزا في زواوة منذ عهد بافي، حيث بقي خمس سنوات دون أن يحقق الهدف، رغم المصاريف الكثيرة. وحل محله يسوعي آخر اسمه، فانسان، ففشل أيضا. ولكن كروزا حصل على دعم لافيجري فعاد إلى مقره القديم بنفس الروح والحماس. وحذر الضابط هانوتو، الذي كان رئيس المكتب العربي بذراع الميزان، بأنه من الجنون الادعاء بأن أهل زواوة غير مسلمين عن حقيقة، كما كتب ابن علي الشريف إلى السلطات الفرنسية ضد النشاط التنصيري في المنطقة (١). وقد أرسل لافيجري بعثة من الجزويت إلى زواوة لفتح مدرسة وتقديم المساعدات الغذائية والطبية، فاستقبلهم الأهالي هناك بالاحتجاج (٢)، كما تعين الأب كالو على كنيسة وهران، والأب لاسكاز على كنيسة قسنطينة. ولكن علاقة لافيجري بكل منهما لم تكن على ما يرام. فقد توفي كالو سنة ١٨٧٥ متهما من قبل لافيجري
стр. 2689
بالغش في الحسابات المصرفية، وأما لاسكاز فقد أعلن لافيجري سنة ١٨٧٢ أنه أصبح مجنونا، وحصل منه على رسالة استقالة.
انطلق شارل لافيجري في مشروعه التنصيري - الاستعماري الضخم تسانده البابوية والجمعيات التي يسمونها الخيرية، وكذلك السلطات التي كانت تتغاضى عنه وتحميه وتقدم إليه المساعدات المادية والمعنوية، ولا سيما بعد حرب ١٨٧٠. فقد أنشأ لافيجري (مؤسسة القديس اوغسطين لبعث الدين المسيحي). وكان الهدف منها نشر النصرانية بين المسلمين. وقد جاءه تأييد من البابا على ذلك، فنشر لافيجري رسالة بحروف بارزة ووزعها على الفروع في الولايات الجزائرية الثلاث. اعتقد لافيجري العقيدة التي بدأت تظهر خلال الستينات على يد الدكتور وارنييه وجماعته، وهي أن زواوة خير هدف للتنصير، لأن أهلها في نظره، كانوا رقيقي الدين ومن السهل حينئذ أن يتخلوا عن الاسلام ويعتنقوا النصرانية. وادعى لافيجري أنه اتصل برسائل من (جماعات) هناك يطالبون فيها بإنشاء المدارس الدينية في ناحيتهم (١). وكان هؤلاء، كما قال ايمريت، إنما يطالبون بمدارس فرنسية للتعليم العام، وكانوا مستعدين لدفع نفقاتها. لكن لافيجري أنشأ في قرية (الواضية) مدرسة دينية. وطلب لها المعلمين والموظفين من مؤسسة مدارس الشرق Oevres des Ecoles D'orient التي شارك في تأسيسها قبل تعيينه في الجزائر.
وبناء على ذلك رجع الأب كروزا إلى نشاطه في زواوة، واستقر في برج نابليون. وقام في يونيو (جوان) ١٨٦٨ بتوزيع المواد الغذائية والملابس والأدوية على الأهالي هناك، وظن أنه استولى بذلك على قلوب الناس وحاز ثقتهم. فأخذ يحدثهم في شؤون الدين المسيحي، لكنهم كانوا، كما يقول ايمريت، يأخذون منه ويضحكون عليه وعلى سذاجته. ولما أحس ببعض الرضى منهم رأى أن قبيلة بني فرح مستعدة لاعتناق النصرانية، فطلب منها أن
стр. 2690
تسمح له بالاقامة فيها فقبلت. وظن أن باب التنصير قد انفتح له. فجاء معه برئيسه، لورنسو، رئيس جماعة الجزويت، وجلسا معا في جماعة من الناس. فإذا بالدخان يتصاعد بالقرب من السجادة التي يجلسان عليها. فغادرا المكان على الفور، واشتكيا إلى رئيس المكتب العربي في الناحية، وهو الضابط مارتن، فقام هذا بمعاقبة أربعة ممن حضروا حتى يظهر لبني فرح سطوة الفرنسيين وقوتهم، وأدخلهم السجن، ثم طلب من كروزا أن يعفو هو عنهم حتى تكون له المزية عليهم وعلى القبيلة كلها. وتم ذلك فعلا.
لكن كروزا لم يصدق فشله. وظل يكرر أن أقلية فقط من بني فرح هي التي تفسد مشروعه، وهي أقلية مستبدة في نظره كانت تمنع القبيلة كلها من اعتناق النصرانية. فجمع له الضابط مارتن أهل القبيلة عن طريق الأمين (أمين الجماعة) وطلب منهم أن يقولوا رأيهم بصراحة في الموضوع، وسألهم: هل ترغبون في اعتناق الكاثوليكية؟ وهل ترضون أن يقيم الأب كروزا بينكم؟ نعم أو لا؟ عندئذ ساد الصمت الرهيب جميع الحاضرين واندهشوا من هذا السؤال. ثم سالت دموعهم مدرارا وانخفضت أصواتهم، فلم يحر أحد منهم الجواب. وبعد برهة أجابوا بصوت واحد وأكيد: إذا كنا أحرارا في التصرف حسب ما تمليه علينا مشاعرنا، فإننا لن نتخلى أبدا عن ديننا ولن نعتنق دينكم أبدا، بل إننا نفضل الموت على تغيير ديننا! وأمام هذا الموقف الرافض بصراحة لمحاولات التنصير، ابتعد كروزا عن بني فرح، وأخذ يحاول في مناطق أخرى محاولات مشابهة، عند بني بودره (بوذراع؟)، وبني يني. غير أن هؤلاء كتبوا إلى الحكومة الفرنسية يقولون إنه إذا استمرت الدعاية الدينية لجماعة الجزويت التي يقودها كروزا، فإنهم لا يضمنون الأمن في المنطقة (١). ونحن نعلم أن زواوة كانت قد عرفت ثورة ١٨٧١ العارمة
стр. 2691
وسحقت المحاولات التنصيرية، وخيبت أحلام لافيجري.
وفي زواوة أيضا جرت أحداث أخرى ضد التنصير. منها الهيجان الذي وقع سنة ١٨٦٨ في بني منقلات ضد نشاط الجزويت. وفي ١٨٧٠ جرى اختطاف بنتين من بني بادين من قبل هؤلاء الجزويت. وقد ثار الناس ضد هذه العملية المخزية. فقد أخبر العقيد هانوتو أن الاختطاف قد وقع على يد أخوات المذهب المسيحي، وأن البنتين حملتا، رغم معارضة عائلتيهما، إلى مركز الأيتام بالعاصمة. ولدهشة الجميع سمع المسلمون، وهم يعضون أناملهم من الغيظ، إن البنتين قد احتفل بتعميدهما في رومة في نفس السنة (١). وهذه الحادثة تذكرنا بما وقع للمرأة عائشة بنت محمد سنة ١٨٣٤ إذ هربها رجال الدين والعقيد دي رونو أيضا إلى مرسيليا، بعد تعميدها، رغم احتجاج عائلتها وزوجها والقضاة المسلمين. وكانت السلطات الفرنسية على ما يبدو متورطة في كلتا الحالتين.
اغتنم لافيجري فرصة المجاعة القاتلة التي حلت بالجزائر في الستينات وأطلق العنان لليسوعيين لنشر النصرانية بين الأطفال. فقد أخذ يجمع الأيتام الذين تركهم أولياؤهم، في ملاجئ بسانت أوجين والأبيار وابن عكنون. وكتب رسائل إلى أوروبا لتقرأ في الكنائس (فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، بريطانيا، الخ). فأرسل إليه البابا حوالي (٥٠٠٠) فرنك. وجمع قساوسة لافيجري المال أيضا عندما جابوا المدن الجزائرية. وأنشأ لجانا لجمع التبرعات والتصرف فيها. وقيل إن هذه اللجان قد صرفت مبلغ ٣٠٠ ألف فرنك. وقد ضم ملجأ ابن عكنون وحده ١٧٥٣ طفلا بين الثامنة والعاشرة من السنين. وكان يسهر عليهم حوالي خمسين شخصا. وأرسل إليه الجيش بعض الجنود ليساعدوه في التنظيف، وأرسلوا إليه أيضا الخيام والأغطية. ولكن
стр. 2692
الأطفال كانوا يموتون بكثرة بمعدل عشرة أو خمسة عشر نتيجة الأوبئة المنتشرة. وفتح في الملاجئ بعض الورشات ليعلم البنات الخياطة والتدبير المنزلي واللغة الفرنسية، أما الأولاد فكانوا يتعلمون الأعمال اليدوية. وقد أرسل حوالي ٣٠٠ منهم إلى مرسيليا أيضا.
ثم حدث الخلاف على مصير الأطفال الأيتام. كان مخطط لافيجري هو تنصيرهم وإبقاءهم عنده أو تحت إشراف كنيسته وإقامة قرى خاصة بهم تسمى (القرى العربية/ المسيحية) على غرار ما عاشه هو في المشرق. وفي هذه القرى تتكون أسر جديدة من جيل هو من صنع لافيجري، حيث يقع تزويج البنات والبنين، وتتكون نواة لجالية يسوعية جزائرية تحت المظلة الفرنسية على غرار ما وقع في لبنان. لكن المسؤولين السياسيين كانوا ينظرون إلى أن ما قام به لافيجري أثناء المجاعة إنما يدخل في باب الخدمات الخيرية والأعمال الانسانية. وكان أقارب أولئك الأيتام يطالبون بعودتهم إلى قبائلهم وذويهم. ولكن لافيجري كان يتحدى الجميع وينفذ مشروعه.
وجرت مراسلات لا نطيل بذكرها بين الحاكم العام (ماكماهون) ولافيجري من جهة والسلطات الفرنسية من جهة أخرى. فكتب ماكماهون رسالة إلى مجلس الدولة أعلمه فيها أن لافيجري أصبح يهدد مصالح فرنسا لأن الجزائريين ستثيرهم دعايته الدينية، وإن ادعاءه بأنه هو الذي أنقذ الناس من المجاعة غير صحيح لأن المكاتب العربية والإدارة الصحية والجنود قد ساهموا في ذلك أيضا (١). وقال ماكماهون إننا في الجزائر في حاجة إلى رجل حكيم وليس إلى رجل متنبي. ومن جهته كتب لافيجري رسالة يقول فيها إن العرب لم تعد لديهم القوة للثورة. واتهم لافيجري إدارة ماكماهون بأنها تخفي الحقيقة عن نابليون. ويبدو أن رد نابليون كان في صالح ماكماهون إذ قال للافيجري: عليك بتربية ووعظ الأوروبيين، أما العرب
стр. 2693
فاتركهم للحاكم العام يعودهم على الهيمنة الفرنسية (١). ولكن هذا الجواب لم يكون حاسما، إذ سرعان ما جاء الضوء الأخضر من نابليون إلى لافيجري أيضا.
أما رد لافيجري على الجزائريين المطالبين بأبنائهم وأقاربهم فكان ردا عنيفا. فقد قال إنه يريد تنصير كل افريقية. ثم أخذ يهاجم، كسلفه، بافي، الاسلام، معتبرا إياه المسؤول الأول على البؤس الذي كان يعانيه الشعب الجزائري ماديا ومعنويا. وقد أرسل رسالة إلى مدير مدارس الشرق، قال فيها يجب تخليص هذا الشعب، ويجب التوقف على إبقائه في قرآنه كما كان الحال في الماضي، وهو ما يزال معمولا به إلى اليوم في مملكة عربية مزعومة (٢). وقال لافيجري يجب على فرنسا أن تترك الحرية للمنصرين ليدمجوا الشعب الجزائري في حياة الفرنسيين أو أن تطرد هذا الشعب نحو الصحراء بعيدا عن العالم المتحضر. ولم تكن هذه الرسالة من لافيجري رسالة عادية، بل إن الصحف المحلية قد نشرتها، وتعرف الجزائريون على الجواب منها فيما يتعلق بهم وبأبنائهم. وقد حدثت بعد ذلك مبادلات كلامية بين ماكماهون ولافيجري حول أثر هذه الرسالة على السكان المسلمين (٣).
قلنا إن تدخل نابليون بين ماكماهون ولافيجري لم يكن حاسما. ذلك أن الأخير لم تثنه رسالة نابليون التي قال له فيها عليك بترك العرب للحاكم العام والعناية فقط بالأوروبيين ووعظهم. فقد ذهب لافيجري شخصيا إلى باريس وقابل الامبراطور، وترك هذا لافيجري يفهم أنه ليس ضد مشاريعه في الجزائر، وإن ذلك يعني تأييد نابليون له. ونفس الموقف أبداه منه وزير الحربية المارشال نيل. ونحن هنا أمام غموض ما مثله غموض، فالكتاب
стр. 2694
يقولون إن نابليون لم يكن راضيا على أعمال لافيجري منذ البداية ولا حتى على تسميته، ومع ذلك لم يردعه عندما جاءه شاكيا، وكان الوزير (نيل) كذلك غامضا معه، كما قيل، فهو في الظاهر يؤيده وفي الخفاء كان ضده. فأي سياسة هذه؟
ومهما كان الأمر فإن لافيجري قد رجع إلى الجزائر بتأييد الامبراطور والوزير والحاشية. وأيضا أيده خمسون على الأقل من قساوسة فرنسا. ثم ذهب إلى البابا فنال بركاته وتأييده أيضا، وكذلك بركات رئيس مؤسسة مدارس الشرق. وهكذا رجع لافيجري مدعوما قريبا من الجميع. ولماذا لا؟ فأخذ منذ ١٨٦٩ ينشئ المؤسسات الجديدة لبعث ونشر المسيحية في افريقية والصحراء. من ذلك مؤسسة (الآباء والأخوات البيض). وتبدو التسمية في حد ذاتها، كما تلاحظ، عنصرية، ولا تليق بدور رجل الدين الانساني بقطع النظر عن الألوان البشرية. وحتى ماكماهون تراجع عن موقفه نحوه وأخذ يقدم له المال والرعاية للأيتام وغيرهم. وبلغت مساعداته حوالي ٤٥ ألف فرنك، دون النقود التي قدمت إلى مشاريع الأيام وغيرهم من الخواص المكلفين بجمع الأطفال والعناية بهم. ومن ذلك ٦٠٠٠ فرنك لجمعية الأخوات (سان فانسان دي بول) اليسوعية (١). وهكذا ساندت سلطات باريس والجزائر مشروع لافيجري لبعث الكنيسة الافريقية، ذلك المشروع الذي بدأه دوبوش منذ ١٨٣٨.
ولكن حكم ماكماهون انتهى من الجزائر سنة ١٨٧٠ وسقطت الامبراطورية، وخلا الجو للافيجري مع صعود المدنيين الذين وقف إلى جانبهم عند صمودهم ضد سياسة نابليون في الجزائر. لم يكن الكولون من المؤمنين بالدين عن حقيقة، ولكنهم تحالفوا مع الكنيسة، برئاسة لافيجري، ضد سياسة المملكة العربية (المزعومة) كما قال هذا عنها، وضد المكاتب
стр. 2695
العربية التي كان يتولاها العسكريون. وكان الكولون ينادون بالاندماج، كما ذكرنا. وكانت صحفهم، مثل (الأخبار) و (صدى وهران) تهاجم العسكريين وتحبذ دعوة لافيجري لنشر المسيحية باعتبارها وسيلة لدمج الجزائريين إذ لا يمكن دمج هؤلاء وهم على إسلامهم. وكان الكولون يظنون أن لافيجري سيعطيهم الأطفال العرب ليعملوا عندهم بأثمان بخسة، على أن يقوم القساوسة بتدريبهم على الطاعة والاستسلام للكولون. وهكذا نشأ التحالف بين الكنيسة والكولون. فقد هاجم النائب تومسون، ممثل الكولون، القرآن الكريم في جريدة (الأخبار) وأعلن أن المسيحية مفضلة على تعاليم الاسلام غير الاخلاقية بل الوحشية. وخرج الصحفي ديفيرنوا يهاجم المتعلمين (الطلبة) الجزائريين متهما إياهم بالجهل والتعصب. وطالب الكولولون بمنع تعليم القرآن في الزوايا لأنه يقف دون مخطط الاندماج. وهاجموا أيضا نابليون لأنه في نظرهم قد ترك المسلمين بسياسته العربية يتعلمون اللغة العربية ويهتمون بالأعياد الاسلامية، وذهب وفد منهم يحمل العرائض إلى باريس ضد المكاتب العربية. وكان لافيجري بالطبع يؤيد مطالبهم باسم الكنيسة، لأنه كان يعتقد أن أفضل طريقة لفرنسة الجزائريين هي تنصيرهم.
لكن لكل تحالف نهاية. ونهاية هذا التحالف كانت عندما أعلن لافيجري أنه سيحتفظ بالأطفال الأيتام العرب ويكونهم تكوينا مسيحيا. فقد اشترى أرضا واسعة في سهل الشلف منذ ١٨٦٨ بين مليانة وأم السنام (الأصنام). وأقام عليها مستوطنتين عربيتين أطلق على إحداهما إسم (سان سيبريان) وعلى الأخرى اسم (سان مونيك). وفي ٢ يوليو، ١٨٧٢ احتفل لافيجري بأول زواج بين الشباب الذي كونه وعمده أو غطسه، كما يقول القدماء. وكان لافيجري يحتفظ بالأسماء القديمة لهؤلاء الشباب، ويضيف إليهم أسماء جديدة، وذلك أصبح فرنسوا بن عيسى متزوجا من بنيامين حليمة، وجان الشريف متزوجا من كارولين زهرة. وحضر الحفل الأول ٣٠٠ مدعو من المتفرجين من أجل الدعاية وإشاعة الاندماج والمسخ. وكان المتزوجون الجدد يجمعون بين اللباس الأروبي واللباس العربي، بوضع
стр. 2696
البرنوس الأبيض على البدلة الأوروبية، ووضع الشاشية على الرأس. وفي السنة الموالية عقد لافيجري على خمسة أزواج آخرين، وهكذا. وكل زوجين كان يعطيهما مفتاح البيت عن طريق القرعة، وكان هناك حوالي ٢٥٠ مسكنا. ورغم تعرض المشروع للخطر نتيجة قلة المساعدات، فإن البرلمان الفرنسي قد صوت لصالح ٧٥ الف فرنك سنة ١٨٧٦ مساعدة لمشاريع لافيجري (١).
ولم يكن الوضع في القريتين مشجعا. فرغم وجود عقد ينص على التحلي بالأخلاق الفاضلة والعمل الجدي وعدم انتزاع الملكية، فإن أحداثا وقعت خلال أربعين سنة أدت إلى زعزعة التجربة، بعد وفاة لافيجري. فقد طردت ثلاث عائلات من أجل السلوك المشين للزوجة، وأربع عائلات أخرى لجريمة القتل، وكذلك حدثت منازعات أخرى لا نهاية لها. وجملة العائلات التي أصبحت تعتبر مالكة حقيقة هي ٥٨ عائلة فقط. وكانت النتائج غير مشجعة أيضا. فإثنان من أولئك الضحايا أصبحوا من دعاة التنصير، واثنان حصلا على الدكتوراه في الطب بجامعة ليل. ودخل بعضهم سلك التعليم. ولكن الكنيسة الافريقية لم تبعث فيها الحياة والاسلام لم يتراجع بين السكان.
حقيقة أن جماعة لافيجري قد انتقلت إلى مناطق أخرى مثل زواوة التي عاد وركز عليها رجال الادارة من جهة ورجال الدين من جهة أخرى لإخراجها من ربقة الاسلام والعربية. ففي سنة ١٨٧٢ أعلن الآباء البيض تعهداتهم أمام لافيجري. ثم ذهبوا إلى تاغمونت عزوز. ومنع عليهم الحديث عن الدين مطلقا إلى السكان، وكان مشروعهم هذه المرة يختلف عن مشروع كروزا. فالطريقة هذه المرة هي التغلغل التدريجي في الجماهير الريفية بزواوة عن طريق المدارس والمستوصفات والورشات والتمهين لإقامة مراكز للارساليات التنصيرية (٢). ومن بين المهام المكلفين بها محاولة تمييز السكان
стр. 2697
هناك عن بقية المواطنين كالتركيز على الأصول العرقية والتشابه بينهم وبين الفرنسيين والرومان، واقترابهم العملي والسياسي من الفرنسيين، الخ. وهم يسمون ذلك التخفيف من حدة التعصب.
ولكن في سنوات الثمانينات أصبح في إمكان كبار الزوار من الساسة والعلماء أن يتجولوا في زواوة، مثل جول فيري وديبورجوا، وماسكري. وفتحت المدارس الفرنسية الأولى الإجبارية هناك قبل فتحها في جهات أخرى من القطر، كما ذكرنا في فصل التعليم. وجرى سنة ١٨٨٨ حفل تغطيس بعض الشبان الذين أصبحوا (مطورنين) بين السكان، ولكن حياتهم أصبحت لا تطاق، فكان عليهم أن يخرجوا من زواوة بل من الجزائر كلها، وقد رجع بعضهم إلى الاسلام. وكان رجال لافيجري ينسقون هناك مع نسائه (الأخوات). وقد سمحوا للمرأة الزواوية بالمحافظة على لباسها حتى لا تقتلع من جذورها، وحتى تظل على صلة واختلاط مع السكان، وحتى لا تتعرض للاهانة. وقد علم لافيجري رجاله أن يعرفوا كف يسكتون أمام الاسلام (١) كما يتخاذل الجبان أمام الشجاع.
ومثل هذا النشاط في الشمال - الشلف وزواوة .. - شهدته أيضا بعض مناطق الجنوب، فمنذ ١٨٥٤ كان الجنوب في حالة من الثورة والاضطراب، دون أن نتحدث عن عقد الخمسينات الذي عرف أيضا، ثورة شريف ورقلة (إبراهيم بن فارس) وناصر بن شهرة، وقد انتهت هذه الثورات جميعا. بالفشل واحتلال أجزاء كثيرة من الجنوب والتوغل الاستعماري نحو غرب افريقية والسودان، تحت غطاء الاكتشافات والبعثات العلمية والرحلات والتعاون مع بعض الطرق الصوفية. ونحن لا يهمنا ذلك هنا، ولكن انتصاب رجال الكنيسة الكاثوليكية ونسائها في مناطق عديدة من الجنوب مثل غرداية والأغواط وبسكرة وورقلة وتمنراست.
لقد قيل عن شارل لافيجري إنه كان يؤمن بفتح الصحراء في وجه
стр. 2698
فرنسا، وكان مقتنعا بضرورة ضم السودان إلى فرنسا لأنه منطقة غنية ومكملة للجزائر في نظره. ورأى لافيجري أن أكبر عائق في وجه فرنسا هناك هو الاسلام. ولذلك ألف الارساليات التنصيرية التي كان هدفها نشر المسيحية وتسهيل مهمة فرنسا في الاستيلاء على المناطق الصحراوية الشاسعة. وهنا بدأت تظهر له فكرة إنشاء جمعية الآباء البيض للصحراء، وبذلك سبق جنود المسيح جنود الحكومة الفرنسية، كما يقول الجنرال مينييه (١). تأسست مركزية لهؤلاء الآباء في ورقلة منذ ١٨٧٣، وبقيت هناك إلى ١٨٨١ عند ثورة بوعمامة. ولم ترجع إليها إلا بعد ١٨٩١. وكان لهذه المركزية أربعة من الآباء (القساوسة)، وكانت تملك دارا للأيتام ومدرسة يتردد عليها سبعون تلميذا وعدد من الكبار، وكان لها أيضا مصحة وورشة للنسيج، وأخرى آلية للتريكو، وثالثة للنجارة، ومنشأة للاسمنت. وقد تطورت المركزية مع الأيام فأصبح لها ندوات أسبوعية سينمائية للتعليم والتوجيه والترفيه. وكان الآباء يملكون في الناحية النخيل والبساتين، وقد حفروا بوسائلهم بئرا ارتوازية تمد منطقة ورقلة بالماء الصالح للشرب. وأخذوا يتوسعون فحصلوا على امتياز في بامنديل لغراسة النخيل وحفر الآبار (٢). وكانت الحكومة تحميهم وتمدهم بالمساعدات، وهم يفتحون لها الطريق ويقدمون لها المعلومات الضرورية عن القوافل والثورات والزوار وغير ذلك من التحركات في المنطقة.
أما الأخوات البيض فقد أنشأن في ورقلة أيضا مشاريع لجلب النساء والتغلغل في المجتمع الصحراوي. وكانت لهن مدرسة - ورشة تأوي ٢٠٠ تلميذة لنسج الزرابي من الصوف والوبر. وكانت لهذه الزرابي سمعة تجارية رائجة حتى خارج حدود الجزائر. وكانت الورشة النسوية تصنع أيضا المخدات والبرانيس وغيرها. وفي وقت متأخر فتحن مدرسة - ورشة للنساء المتزوجات، ومصحة. وفي ١٩٣١ كان رئيس المركز الكاثوليكي في ورقلة هو الأب روبان. وكان النموذج الموجود في ورقلة هو نفسه الموجود في
стр. 2699
غيرها من المناطق: مصحة ومدرسة وورشة ومصنوعات محلية وتوزيع أغذية وملابس باسم الأعمال الخيرية. ووراء ذلك يجري التجسس على الناس والتعرف على أنماط تفكيرهم وعقائدهم وعلاقاتهم للاستحواذ عليهم، وتمهيد الطريق للاستحواذ.
وكل ذلك كان تحت شعار الدعوة إلى المسيحية وإخراج السكان من التخلف وربطهم بالثقافة الفرنسية. ويقول العقيد دي بورث دانيللي عن دور الآباء والأخوات البيض في الجنوب إنه يشبه دور الجامعة اليسوعية في بيروت (١).
وكما قاوم أهل زواوة إرساليات لافيجري، في شخص كروزا وغيره، قاوم أهل الصحراء الآباء والأخوات اليسوعيين. ويعزو الجنرال مينييه هذه المقاومة في الجنوب إلى (المرابطين)، وبإمكاننا أن نقول إن المرابطين، والمواطنين معهم، هم الذين قاوموا أيضا في زواوة وغيرها. ويسمى الجنرال مينييه الثوار الذين قتلوا الآباء البيض أمثال بولمييه ومينوري وبوشار، في حاسي ايفيل، (نهابين) وقطاع طرق مدفوعين بتعاليم المرابطين. كما اغتيل الأب ريشار والأب كيرمابون. ومن جهة أخرى قتل ثوار الناحية ضباط البعثات منذ الثمانينات مثل العقيد فلاترز. ويقول نفس الجنرال المعجب كثيرا بدور لافيجري ورجاله ونسائه في الصحراء: إن الذين ورثوا لافيجري قد استفادوا من أخطاء الماضي واهتموا بموضوعات تهم الناحية مثل التعليم الزراعي والمهني، ومكافحة بيع الرقيق، والقيام بأعمال البر. ولذلك حصل الآباء والأخوات البيض، حسب قوله، على تقدير الادارة الاستعمارية (٢). وقد ارتكز العمل الكنسي في غرداية أيضا حيث نشأت مدرسة للطرز يشرف عليها الآباء البيض ومدرسة للنسيج تشرف عليها الأخوات البيض.
стр. 2700
وقد كانت السلطات الفرنسية تتغاضى عن أعمال الجزويت في الجزائر حتى بعد منعهم من العمل بفرنسا. فقد رأينا نشاطهم خلال المجاعة أي أثناء عهد الامبراطورية. وبعد سقوط هذه وظهور الفكر الليبرالي ومضادة الكليرجية في فرنسا خلال الثمانينات وما بعدها، بقي للجزويت مدارسهم ونشاطهم، كما لاحظنا. وكانوا أولا تحت حماية الكاردينال لافيجري ثم خلفائه: دوسير، وأوري، وكومبس، ويقول السيد قوانار: إن هؤلاء شهدوا الموجة التي أدت إلى غلق مدارسهم وحلقات دروسهم وبيع أراضيهم في عنابة وقسنطينة وبسكرة منذ ١٩٠٣. (بعد فصل الدين عن الدولة). ولكن منذ ١٩١٧ استرجعت الكنيسة الكاثوليكية أنفاسها وسطوتها على يد الأسقف بيكمال، وبعده بولون ثم لينو (أي من ١٩١٧ إلى ١٨٥٣) (١).
وقد علق الشيخ محمد بيرم الخامس على موقف الحكومة الفرنسية من الجزويت فقال إنهم كانوا طليقي الأيدي أيام المجاعة فجمعوا الأطفال العرب ونصروهم، وحين كبروا فر بعضهم إلى ذويهم. ولما منعت الدولة الجزويت من التعليم في فرنسا سنة ١٨٨١ عممت ذلك في الجزائر، ونفتهم من كل ممالكها (مستعمراتها؟)، غير أنها سمحت لهم بالعمل في الممالك الاسلامية، وكانت تحميهم ضد أي اعتداء في هذه الممالك مع أنها لا تحميهم في فرنسا ولا في الممالك الأوروية (٢). ويفهم من هذا أن الجزائر ليست من المناطق التي تحمي فيها فرنسا الجزويت، وهو غير صحيح، لأن السلطات الفرنسية ظلت تحمي الجزويت إلى بداية هذا القرن، ثم منذ ١٩١٧. ومن هذه الناحية كانت الجزائر تعتبر (مملكة إسلامية) على الأقل بالنسبة للتعامل مع الجزويت.
مات لافيجري بالجزائر في ٢٦ نوفمبر ١٨٩٢ عن ٦٧ سنة. وحضر جنازته الحاكم العام جول كامبون الذي أشاد بخصاله ودوره. وقد نعته