البرنوس الأبيض على البدلة الأوروبية، ووضع الشاشية على الرأس. وفي السنة الموالية عقد لافيجري على خمسة أزواج آخرين، وهكذا. وكل زوجين كان يعطيهما مفتاح البيت عن طريق القرعة، وكان هناك حوالي ٢٥٠ مسكنا. ورغم تعرض المشروع للخطر نتيجة قلة المساعدات، فإن البرلمان الفرنسي قد صوت لصالح ٧٥ الف فرنك سنة ١٨٧٦ مساعدة لمشاريع لافيجري (١).
ولم يكن الوضع في القريتين مشجعا. فرغم وجود عقد ينص على التحلي بالأخلاق الفاضلة والعمل الجدي وعدم انتزاع الملكية، فإن أحداثا وقعت خلال أربعين سنة أدت إلى زعزعة التجربة، بعد وفاة لافيجري. فقد طردت ثلاث عائلات من أجل السلوك المشين للزوجة، وأربع عائلات أخرى لجريمة القتل، وكذلك حدثت منازعات أخرى لا نهاية لها. وجملة العائلات التي أصبحت تعتبر مالكة حقيقة هي ٥٨ عائلة فقط. وكانت النتائج غير مشجعة أيضا. فإثنان من أولئك الضحايا أصبحوا من دعاة التنصير، واثنان حصلا على الدكتوراه في الطب بجامعة ليل. ودخل بعضهم سلك التعليم. ولكن الكنيسة الافريقية لم تبعث فيها الحياة والاسلام لم يتراجع بين السكان.
حقيقة أن جماعة لافيجري قد انتقلت إلى مناطق أخرى مثل زواوة التي عاد وركز عليها رجال الادارة من جهة ورجال الدين من جهة أخرى لإخراجها من ربقة الاسلام والعربية. ففي سنة ١٨٧٢ أعلن الآباء البيض تعهداتهم أمام لافيجري. ثم ذهبوا إلى تاغمونت عزوز. ومنع عليهم الحديث عن الدين مطلقا إلى السكان، وكان مشروعهم هذه المرة يختلف عن مشروع كروزا. فالطريقة هذه المرة هي التغلغل التدريجي في الجماهير الريفية بزواوة عن طريق المدارس والمستوصفات والورشات والتمهين لإقامة مراكز للارساليات التنصيرية (٢). ومن بين المهام المكلفين بها محاولة تمييز السكان
стр. 2697
هناك عن بقية المواطنين كالتركيز على الأصول العرقية والتشابه بينهم وبين الفرنسيين والرومان، واقترابهم العملي والسياسي من الفرنسيين، الخ. وهم يسمون ذلك التخفيف من حدة التعصب.
ولكن في سنوات الثمانينات أصبح في إمكان كبار الزوار من الساسة والعلماء أن يتجولوا في زواوة، مثل جول فيري وديبورجوا، وماسكري. وفتحت المدارس الفرنسية الأولى الإجبارية هناك قبل فتحها في جهات أخرى من القطر، كما ذكرنا في فصل التعليم. وجرى سنة ١٨٨٨ حفل تغطيس بعض الشبان الذين أصبحوا (مطورنين) بين السكان، ولكن حياتهم أصبحت لا تطاق، فكان عليهم أن يخرجوا من زواوة بل من الجزائر كلها، وقد رجع بعضهم إلى الاسلام. وكان رجال لافيجري ينسقون هناك مع نسائه (الأخوات). وقد سمحوا للمرأة الزواوية بالمحافظة على لباسها حتى لا تقتلع من جذورها، وحتى تظل على صلة واختلاط مع السكان، وحتى لا تتعرض للاهانة. وقد علم لافيجري رجاله أن يعرفوا كف يسكتون أمام الاسلام (١) كما يتخاذل الجبان أمام الشجاع.
ومثل هذا النشاط في الشمال - الشلف وزواوة .. - شهدته أيضا بعض مناطق الجنوب، فمنذ ١٨٥٤ كان الجنوب في حالة من الثورة والاضطراب، دون أن نتحدث عن عقد الخمسينات الذي عرف أيضا، ثورة شريف ورقلة (إبراهيم بن فارس) وناصر بن شهرة، وقد انتهت هذه الثورات جميعا. بالفشل واحتلال أجزاء كثيرة من الجنوب والتوغل الاستعماري نحو غرب افريقية والسودان، تحت غطاء الاكتشافات والبعثات العلمية والرحلات والتعاون مع بعض الطرق الصوفية. ونحن لا يهمنا ذلك هنا، ولكن انتصاب رجال الكنيسة الكاثوليكية ونسائها في مناطق عديدة من الجنوب مثل غرداية والأغواط وبسكرة وورقلة وتمنراست.
لقد قيل عن شارل لافيجري إنه كان يؤمن بفتح الصحراء في وجه
стр. 2698
فرنسا، وكان مقتنعا بضرورة ضم السودان إلى فرنسا لأنه منطقة غنية ومكملة للجزائر في نظره. ورأى لافيجري أن أكبر عائق في وجه فرنسا هناك هو الاسلام. ولذلك ألف الارساليات التنصيرية التي كان هدفها نشر المسيحية وتسهيل مهمة فرنسا في الاستيلاء على المناطق الصحراوية الشاسعة. وهنا بدأت تظهر له فكرة إنشاء جمعية الآباء البيض للصحراء، وبذلك سبق جنود المسيح جنود الحكومة الفرنسية، كما يقول الجنرال مينييه (١). تأسست مركزية لهؤلاء الآباء في ورقلة منذ ١٨٧٣، وبقيت هناك إلى ١٨٨١ عند ثورة بوعمامة. ولم ترجع إليها إلا بعد ١٨٩١. وكان لهذه المركزية أربعة من الآباء (القساوسة)، وكانت تملك دارا للأيتام ومدرسة يتردد عليها سبعون تلميذا وعدد من الكبار، وكان لها أيضا مصحة وورشة للنسيج، وأخرى آلية للتريكو، وثالثة للنجارة، ومنشأة للاسمنت. وقد تطورت المركزية مع الأيام فأصبح لها ندوات أسبوعية سينمائية للتعليم والتوجيه والترفيه. وكان الآباء يملكون في الناحية النخيل والبساتين، وقد حفروا بوسائلهم بئرا ارتوازية تمد منطقة ورقلة بالماء الصالح للشرب. وأخذوا يتوسعون فحصلوا على امتياز في بامنديل لغراسة النخيل وحفر الآبار (٢). وكانت الحكومة تحميهم وتمدهم بالمساعدات، وهم يفتحون لها الطريق ويقدمون لها المعلومات الضرورية عن القوافل والثورات والزوار وغير ذلك من التحركات في المنطقة.
أما الأخوات البيض فقد أنشأن في ورقلة أيضا مشاريع لجلب النساء والتغلغل في المجتمع الصحراوي. وكانت لهن مدرسة - ورشة تأوي ٢٠٠ تلميذة لنسج الزرابي من الصوف والوبر. وكانت لهذه الزرابي سمعة تجارية رائجة حتى خارج حدود الجزائر. وكانت الورشة النسوية تصنع أيضا المخدات والبرانيس وغيرها. وفي وقت متأخر فتحن مدرسة - ورشة للنساء المتزوجات، ومصحة. وفي ١٩٣١ كان رئيس المركز الكاثوليكي في ورقلة هو الأب روبان. وكان النموذج الموجود في ورقلة هو نفسه الموجود في
стр. 2699
غيرها من المناطق: مصحة ومدرسة وورشة ومصنوعات محلية وتوزيع أغذية وملابس باسم الأعمال الخيرية. ووراء ذلك يجري التجسس على الناس والتعرف على أنماط تفكيرهم وعقائدهم وعلاقاتهم للاستحواذ عليهم، وتمهيد الطريق للاستحواذ.
وكل ذلك كان تحت شعار الدعوة إلى المسيحية وإخراج السكان من التخلف وربطهم بالثقافة الفرنسية. ويقول العقيد دي بورث دانيللي عن دور الآباء والأخوات البيض في الجنوب إنه يشبه دور الجامعة اليسوعية في بيروت (١).
وكما قاوم أهل زواوة إرساليات لافيجري، في شخص كروزا وغيره، قاوم أهل الصحراء الآباء والأخوات اليسوعيين. ويعزو الجنرال مينييه هذه المقاومة في الجنوب إلى (المرابطين)، وبإمكاننا أن نقول إن المرابطين، والمواطنين معهم، هم الذين قاوموا أيضا في زواوة وغيرها. ويسمى الجنرال مينييه الثوار الذين قتلوا الآباء البيض أمثال بولمييه ومينوري وبوشار، في حاسي ايفيل، (نهابين) وقطاع طرق مدفوعين بتعاليم المرابطين. كما اغتيل الأب ريشار والأب كيرمابون. ومن جهة أخرى قتل ثوار الناحية ضباط البعثات منذ الثمانينات مثل العقيد فلاترز. ويقول نفس الجنرال المعجب كثيرا بدور لافيجري ورجاله ونسائه في الصحراء: إن الذين ورثوا لافيجري قد استفادوا من أخطاء الماضي واهتموا بموضوعات تهم الناحية مثل التعليم الزراعي والمهني، ومكافحة بيع الرقيق، والقيام بأعمال البر. ولذلك حصل الآباء والأخوات البيض، حسب قوله، على تقدير الادارة الاستعمارية (٢). وقد ارتكز العمل الكنسي في غرداية أيضا حيث نشأت مدرسة للطرز يشرف عليها الآباء البيض ومدرسة للنسيج تشرف عليها الأخوات البيض.
стр. 2700
وقد كانت السلطات الفرنسية تتغاضى عن أعمال الجزويت في الجزائر حتى بعد منعهم من العمل بفرنسا. فقد رأينا نشاطهم خلال المجاعة أي أثناء عهد الامبراطورية. وبعد سقوط هذه وظهور الفكر الليبرالي ومضادة الكليرجية في فرنسا خلال الثمانينات وما بعدها، بقي للجزويت مدارسهم ونشاطهم، كما لاحظنا. وكانوا أولا تحت حماية الكاردينال لافيجري ثم خلفائه: دوسير، وأوري، وكومبس، ويقول السيد قوانار: إن هؤلاء شهدوا الموجة التي أدت إلى غلق مدارسهم وحلقات دروسهم وبيع أراضيهم في عنابة وقسنطينة وبسكرة منذ ١٩٠٣. (بعد فصل الدين عن الدولة). ولكن منذ ١٩١٧ استرجعت الكنيسة الكاثوليكية أنفاسها وسطوتها على يد الأسقف بيكمال، وبعده بولون ثم لينو (أي من ١٩١٧ إلى ١٨٥٣) (١).
وقد علق الشيخ محمد بيرم الخامس على موقف الحكومة الفرنسية من الجزويت فقال إنهم كانوا طليقي الأيدي أيام المجاعة فجمعوا الأطفال العرب ونصروهم، وحين كبروا فر بعضهم إلى ذويهم. ولما منعت الدولة الجزويت من التعليم في فرنسا سنة ١٨٨١ عممت ذلك في الجزائر، ونفتهم من كل ممالكها (مستعمراتها؟)، غير أنها سمحت لهم بالعمل في الممالك الاسلامية، وكانت تحميهم ضد أي اعتداء في هذه الممالك مع أنها لا تحميهم في فرنسا ولا في الممالك الأوروية (٢). ويفهم من هذا أن الجزائر ليست من المناطق التي تحمي فيها فرنسا الجزويت، وهو غير صحيح، لأن السلطات الفرنسية ظلت تحمي الجزويت إلى بداية هذا القرن، ثم منذ ١٩١٧. ومن هذه الناحية كانت الجزائر تعتبر (مملكة إسلامية) على الأقل بالنسبة للتعامل مع الجزويت.
مات لافيجري بالجزائر في ٢٦ نوفمبر ١٨٩٢ عن ٦٧ سنة. وحضر جنازته الحاكم العام جول كامبون الذي أشاد بخصاله ودوره. وقد نعته
стр. 2701
الصحف والدوائر الدينية والاستعمارية لأنها خسرت به بطلا من أبطالها. وقالت عنه (افريقية الفرنسية) إنه قاد نوعا من الحملة الصليبية داخل افريقية عندما أسس جماعة (الأخوة المسلحون في الصحراء). كما نوهت بمشروعه الناجح في نظرها وبالآباء والأخوات البيض، لأنهم هم الذين حملوا تعليماته الدينية، ومبادئ الحضار الفرنسية إلى المناطق الأكثر بعدا في القارة الإفريقية (١). وقد عرفنا أنهم انطلقوا من الجزائر التي جعلوها حقل تجارب في إحياء الكنيسة القديمة ومهاجمة الإسلام.
شارل دي فوكو:
لم يبلغ شارل دي فوكو درجة شارل لافيجري في المنصب الديني الرسمي، ولكنه بلغ درجته في الشهرة والخدمات التي أداها للكنيسة من جهة والإدارة الاستعمارية من جهة أخرى. وحياة دي فوكو صورة للمغامر الرومانتيكي والجاسوس المخلص والفرنسي المضحي بالغالي والرخيص في سبيل بلاده. عاش حياة شبيهة في جزء منها بحياة لافيجري، سيما ما يتصل بالاخلاص للكنيسة وعلاقته بالشرق وبالاسلام. ولكنه كان يختلف عنه في المغامرة وتعلم اللغات والتنقل هنا وهناك والجمع بين الخدمة العسكرية والدينية. أما هدفهما فيكاد يكون واحدا، وهو خدمة المسيحية ونشر التأثير الفرنسي في منطقة المغرب العربي وافريقية السودانية.
ولد دي فوكو في ستراسبورغ ١٥ سبتمبر ١٨٥٨. وبعد النشأة دخل الجيش الفرنسي (الافريقي)، ووصل إلى رتبة ملازم أول. وعمل في أنحاء الجزائر: تلمسان وعنابة وسطيف، الخ. وكان قد تخزج من مدرسة سان سير. واشتهر عنه أنه رجل (فضائح)، فقد كان يعيش مع سيدة مدة طويلة حتى لامه عقيده كثيرا. واختار الخروج من الجيش ثم رجع إليه عند ثورة بوعمامة، ثم خرج منه ثانية. ودرس اللغة العربية. وتعرف على مسالك الصحراء وسكانها منذ وقت مبكر من حياته. كما اهتم بالمغرب الأقصى
стр. 2702
عندما كانت فرنسا تبث عيونها وخبراءها فيه للتعرف على دواخله والتمهيد لاحتلاله. بدأ رحلته إلى المغرب الأقصى في يونيو ١٨٨٣ متنكرا في زي يهودي من يهود المغرب حتى لا يتعرف المغاربة على هويته. وقد عين له زميله الجغرافي مكارثي، يهوديا من يهود الجزائر، إسمه مردوشين، ليرافقه ويغطيه. وانطلقا معا من وهران، وسجل دي فوكو ملاحظاته الفلكية ويومياته، وكان يتجول في الأسواق على رجليه أو على حمار. وبعد ذلك أصدر كتابه (معرفة المغرب).
وبعد رجوعه إلى الجزائر تجول في الصحراء من جديد، فزار الأغواط وغرداية وواحات ميزاب الأخرى والقليعة (المنيعة) وورقلة وتقرت. وقد تخلى عن الجيش نهائيا. ثم أرسلوه في مهمة إلى سوريا. ودخل في جمعية الطرابست في أرمينية، وعزم على زيارة بيت المقدس سنة ١٨٨٨. وفي ١٨٩٠ دخل في جمعية أخرى لآسيا الصغرى. وطاف بالاسكندرون عندما كانت تابعة لسوريا. ومعنى هذا أنه كان داخلا في النشاط الديني - الماسوني في المشرق والمغرب، وأنه كان يفعل ذلك أثناء حياة الكاردينال لافيجري. ولعل الثقة كانت وثيقة بين الطرفين. وفي ١٨٩٧ وجدناه في رومة، ثم غادرها إلى سوريا من جديد. وزار الناصرة أيضا تحت غطاء الجمعيات الدينية. ثم عاد إلى الجزائر ونسق نشاطه مع رجال لافيجري - الآباء البيض - وأخذ في تعلم اللهجة التارقية وأصدر معجما عنها. وكان يتجول في الصحراء مستكشفا وليس كرجل دين. وكما كان دي فوكو معروفا للسفارات والقنصليات الفرنسية في المشرق والمغرب الأقصى كان أيضا معروفا للمكاتب العربية والمراكز العسكرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية. وكان يجلب إليه الأهالي عن طريق المداواة والصدقات ومعرفة لغتهم. وكان دي فوكو صديقا لكل من المارشال ليوتي والجنرال لابرين.
كان هذا الجنرال (لابرين) قد وصل إلى تمبكتو. وكان يدرك مدى معرفة دي فوكو لعادات الصحراويين ولهجة الطوارق وقدرته على كسب النفوذ لفرنسا والتجسس لحسابها. لذلك طلب الجنرال من (الأب) دي فوكو
стр. 2703
أن يقبل بالاقامة الدائمة في الهقار ليكون هو الصلة بين السلطات الفرنسية والأحداث هناك. وقول عنه الجنرال مينييه إن كان (دائما فرنسيا عظيما وجنديا متميزا، بالرحمة الإنسانية). كما كان داعية ناجحا. وأضاف مينييه عن غيرته الفرنسية بأن مراسلاته تكشف عن ذلك لأنه كان دائما يلح على نشر النفوذ الفرنسي في منطقة الهقار وخدمة مصلحة بلاده ومراقبة الحركات الدينية والسياسية في المنطقة كنشاط السنوسيين. كان دي فوكو في تمنراست على اتصال دائم ومباشر مع أعيان وأشراف الهقار ولا سيما زعيمهم موسى آل امسطان، وكذلك مع الحراثين والأتباع. وكلما مر ضابط فرنسي من هناك أقام له دي فوكو حفلة تارقية يحضرها النساء ويكون فيها الغناء والطرب، ويستقبل هو ذلك الضابط بأذرع مفتوحة. وقد كتب عدة مؤلفات عن مجتمع الهقار ولغته، وكان يوقعها بتوقيع أحد زملائه تواضعا منه (١).
يتهم الفرنسيون عملاء العمثانيين والالمان بقتل دي فوكو. فقد كان على الفرنسيين أن يخفضوا من وجودهم العسكري في الجزائر أثناء الحرب العالمية الأولى. وكانت لهم حامية ببرج موتيلانسكي القريب من تامنراست (٥٠ كلم عنها) فلم يبق إلا نصفها، وهم يروون أن كوكبة من الفرسان تتألف من حوالي عشرين شخصا، (يسمونهم فلاقة) جاؤوا بحثا عن (المرابط الرومي). وفي الكوكبة شخص اسمه المدني، يقولون عنه إنه من الحراثين. وفي هذه الظروف قتل دي فوكو برصاصة من حارسه، سنة ١٩١٦ (٢). ويشاع
стр. 2704
أن قاتله كان من أتباع السنوسيين، والواقع أن الذي لا يخبر عنه الفرنسيون هو أن دي فوكو قد اكتشف الناس حقيقته في المنطقة، فهو يتخذ الدين والاحسان والعلم مطية للوصول إلى أهداف سياسية استعمارية. وقد كان الجنرال مينييه صادقا في وصف دوره، فهو رجل فرنسا، ورجل الكنيسة. ولم يكن مثل الآباء البيض الآخرين يعمل في الظاهر والباطن، ولكنه كان يعمل في الباطن فقط، متخذا الغموض والتمويه أسلوبا مع الجهلة والعامة وأشباههم.
من حق فرنسا أن تقيم تمثالا لدي فوكو كما أقامت تمثالا للافيجري. ولكن ليس من حقها أن تقدمه للناس على أنه قديس يعمل لخير الانسانية. لقد عمل مع صديقه المارشال ليوتي في عين الصفراء، وسبقه إلى المغرب ليتجسس عليه ويرسم خريطته التي استفاد منها ليوتي عند احتلال المغرب، ولبس هناك لباس اليهود للوصول إلى هدفه. ومهد دي فوكو للسياسة البربرية الفرنسية، وتمزيق السكان بإعلانه أن البربر أقرب إلى الفرنسيين من العرب، وأنهم مستعدون في نظره لتقبل الروح اللاتينية التي انتموا إليها في العصور الغابرة، وأنهم إذا دخلوا المسيحية فسيتبعهم العرب مكرهين لا محالة. وقد سار المارشال ليوتي في المغرب والآباء البيض في الجزائر على خط دي فوكو. وظهر ذلك في السياسة الفرنسية أثناء الاحتفال بالاحتلال في الجزائر، وفي الظهير البربري في المغرب، وفي المؤتمر الافخارستي (١) في تونس ١٩٣٠ وفي الجزائر ١٩٣٩.
стр. 2705
النشاط التنصيري منذ ١٩٣٠:
فبعد الاحتفال المئوى بالاحتلال ١٩٣٠، والاحتفال بمرور قرن على احتلال قسنطينة سنة ١٩٣٧، انعقد في الجزائر احتفال آخر بمناسبة مرور قرن على إنشاء الأسقفية الكاثوليكية في الجزائر، سنة ١٩٣٨. وقد اختيرت المناسبة لعقد المؤتمر الافخارستي سنة ١٩٣٩. وهو المؤتمر الذي حضره أسقف باريس (فيردييه) ممثلا للبابا، كما حضره أسقف الجزائر الذي كان من قدماء المتعاونين مع لافيجري. وأعلنت الجرائد أيضا حضور مسيحيين ومسلمين ويهود، وأخبرت أنهم جميعا أكدوا إيمانهم وإخلاصهم لفرنسا والدولة الفرنسية. وفي هذه المناسبة أوضح أسقف باريس أهمية المؤتمر فقال إنها ترجع إلى ثلاثة أسباب:
١ - ان الكاثوليك في الجزائر سيظهرون ان (شمالنا) الافريقي هو امتداد بسيط لفرنسا، وإن فرنسا في الجزائر إنما هي في بلادها لأن الجزائر، حسب الأسقف، مثل بوردو وبيزنسون.
٢ - إن انعقاد المؤتمر يتوافق مع مرور قرن على إنشاء أسقفية الجزائر.
٣ - إن انعقاده بالجزائر يعتبر اعترافا بالجميل لأولئك الذين ساهموا في الاحتلال سنة ١٨٣٠ وضحوا بحياتهم سواء كانوا عسكريين أو مدنيين.
ثم أعلن عن احتفالات واستقبالات رافقت عقد هذا المؤتمر، منها ذلك الذي كان في مقر الآباء البيض بالسيدة الافريقية، وبلديات مدينتي الجزائر وسانت اوجين (بلكين)، والحكومة العامة، وكذلك تكريم مفتي الجزائر وحبر اليهود للمؤتمرين (١).
وتبين المصاريف التى كانت الدولة تنفقها على الكنيسة ورجالها مدى الدعم الذي تحصل عليه والانسجام والتوافق بين الطرفين، سواء قبل قانون
стр. 2706
فصل الدين عن الدولة أو بعده. ففي سنة ١٨٨٤ (عهد لافيجري) كان عدد النصارى في الجزائر ٣١٧، ٥٠٠ نسمة وعدد المسلمين ٢، ٨٤٢، ٤٩٧ نسمة، حسب الاحصاء الرسمي. ولكن عند توزيع المصاريف من ميزانية الدولة فإن النصارى حصلوا على ١، ٠٠٣، ٢٠٠ فرنك بينما حصل المسلمون على ٢١٦، ٣٤٠ فرنك فقط (١). وبعد ١٩٠٥ أي بعد فصل الدين عن الدولة، كان عدد النصارى ٦٢٣، ٠٠٠ نسمة والمسلمون ٤، ٥٠٠، ٠٠٠ نسمة، وكان النصارى قد حصلوا على نفقات قدرها ٨٨٤، ٠٠٠ فرنك بينما حصل المسلمون على ٣٣٧، ٠٠٠ فرنك فقط، رغم فارق عدد السكان (٢). وهذا الدعم المادي من الإدارة والحكومة ومن الجمعيات هو الذي جعل الكنيسة تزدهر وتنشط ذلك النشاط الذي جعلها تتوغل في الجبال والصحارى وتدخل البيوت والخيام، وتتحدى المشاعر والعقائد، وتقوم بدور الواعظ الديني، والمستكشف الجغرافي، والطبيب، وفاعل الخير، والمعلم، والجاسوس، الخ. وحوالي مدار القرن وصلت الكنائس في الجزائر إلى ثلاث كاتيدراليات، ومائتي كنيسة ومعبد، وحلقتي درس (٣)، بالإضافة إلى عدد من الملاجئ ونحوها. بينما كانت المساجد تهدم والزوايا والمدارس الاسلامية تندثر.
حقيقة إن الإدارة في الجزائر كانت تتفادى المجاهرة بدعم حركة التنصير، ولكن كل مشاريعها تقريبا كانت تصب في نفس الاتجاه الذي تسعى إليه الكنيسة، وهو نشر التأثير الفرنسي واستعادة الرومنة والمسيحية، وتحقيق اندماج الجزائريين في البوتقة الفرنسية عن طريق اللغة والثقافة والقضاء والإدارة والجيش ونحوها. فالهدف إذن واحد ولكن الوسائل والممثلين مختلفون.
كانت (المبشر) وهي الجريدة الرسمية للادارة الفرنسية والي من
стр. 2707
خلالها تخاطب الجزائريين، تتفادى الحديث عن الكنيسة ونشاطها والتنصير الجاري في مختلف أجزاء البلاد خلال عهد دوبوشں وبافي ولافيجري. وكانت لا تتحدث، إذا لزم الأمر، إلا عن العلاج والملاجئ وأعمال الاحسان. مثلا في أوج المجاعة سنة ١٨٦٨ قالت إن مطران الجزائر (تقصد لافيجري) قد أحدث عدة ملاجئ للأيتام في ابن سحنون (ابن عكنون)، والقبة والحراش وزغارة. وإن الملجأ الأول قد ضم ألف غلام عربي، وإن ملجأ القبة كان خاصا بالبنات (١). ومن الملاحظ أن الجريدة قد ذكرت ذلك سنة ١٨٦٩ أي بعد عام من قيام لافيجري بتجربته وبعد انهاء الأزمة، وكذلك قالت عنه انه تكفل بجميع المصاريف على تلك الملاجئ، مما يوحي للناس بأن الدولة الفرنسية لا دخل لها في موضوع الكنيسة ونشاط المطران الخيري.
لقد عارض الجزائريون حركة التبشير منذ البداية ورأوا فيها خطرا على هويتهم ودينهم. تحصنوا أولاد في بيوتهم فلم يرسلوا بأولادهم إلى مدارس الإدارة الفرنسية خوفا عليهم من التنصير والفرنسة المتلازمين. واحتجوا على تحويل المساجد إلى كنائس. وحين انتقل العمل الديني الفرنسي من المدن إلى الأرياف رأينا ردود فعل المناطق المعنية مثل زواوة والشلف والأغواط وورقلة. وكانت ثورة ١٨٦٤ ثم ١٨٧١ ترجعان جزئيا إلى توغل حركة التنصير وتحديها لمشاعر المسلمين. فقد لجأت هذه الحركة إلى استخدام وسائل الإغراء مستغلة حاجة السكان إلى العلاج والمساعدت الخيرية والتعليم، فنصبت الورشات والمصحات وبعض المدارس التي كانت مفيدة للأهالي. ولكنها كانت أفخاخا لاصطياد الضحايا الذين كانوا قلة من الناس. وكان رجال الكنيسة أنفسهم قد اعترفوا أن الناس كانوا يأخذون منهم دون أن يقعوا في حبائلهم. وكان للمرابطين ورجال الزوايا دور في رفض التنصير وابعاد اتباعهم، فكان المتصلون منهم بالسلطة الفرنسية يحتجون لديها وينذرونها بسوء العواقب، مثل ما فعل ابن علي الشريف. وأما غير المتصلين
стр. 2708
بالسلطة فكانوا يقاومون بوسائلهم الخاصة بتنبيه الغافلين ووعظ الناس عن طريق المقدمين والاخوان. وقد وصلت المقاومة إلى العنف ضد القساوسة والتخلص من بعضهم جسديا في الصحراء، مثل مقتل دي فوكو.
وحين ظهرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قاومت التنصير وهاجمته بقوة، وسخرت صحفها ودروس المساجد إلى كشف مخططاته. وكان كتابها يتصدون أيضا للمنحرفين الذين وقعوا ضحية التجنس. فوقفوا ضد لحمق، وبيلاح، وسعدي اواكيلي، والزناتي وغيرهم. وهاجمت جريدة (الشريعة) ما قام به الآباء البيض سنة ١٩٣٣ حين استعرضوا المتنصرين الجزائريين بلباسهم المحلي وسط العاصمة، ومعظمهم كانوا من أطفال العائلات الفقيرة. واعتبرت الجريدة ذلك إهانة لمشاعر المسلمين وتحديا لها. كما هاجمت ما كانت تكتبه وسائل إعلام الكنيسة من التفريق بين المسلمين الجزائريين وادعاء (مجلة المغرب الكاثوليكي) من أن البربر قريبون من الانجيل وأنهم لذلك يقتربون من أخلاق الفرنسيين (١).
стр. 2709
الفصل الثاني
الترجمة وظهور النخبة الاندماجية
стр. 2710
نتناول في هذا الفصل الترجمة سواء كانت من العربية إلى الفرنسية أو العكس. وقد كان للترجمة دور فعال في حياة الجزائر الثقافية منذ الاحتلال. وكان لها فرقة كبيرة موزعة بين المترجمين القضائيين والعسكريين والإداريين. وظهرت الترجمة في ميدان الصحافة والأدب والعلوم الأخرى. وسنذكر نماذج من المترجمين. وكان لجريدة المبشر أهمية خاصة في تنشيط الترجمة من الفرنسية إلى العربية قبل ظهور الصحافة المستقلة التي أصبحت تترجم عن مختلف المصادر الفرنسية.
ومن جهة أخرى نتناول في هذا الفصل ظهور النخبة الاندماجية. فقد سعى الفرنسيون منذ أول وهلة إلى سحر بعض الجزائريين بحضارتهم ولغتهم. وعملوا على تكوين فئة قابلة للاندماج والذوبان في فرنسا ومنقطعة عن ماضيها وتراثها اللغوي والديني. وهذه الفئة هي التي أصبحت تعرف (بالنخبة) الاندماجية. وهي فئة قليلة تعلمت، في أغلب الأحيان، في المدارس الفرنسية الخاصة (بالأهالي)، وكانت غالبا من أبناء الموظفين لدى الإدارة الفرنسية، وقد مسخت هذه الفئة مسخا وتجنس أكثرها بالجنسية الفرنسية أو (طورنت) كما يطلق عليها شعبيا. كما تزوج بعض أفرادها من فرنسيات، وأصبحوا منقطعين عن المجتمع الجزائري. وكان أوائل هذه الفئة قد خطفهم الفرنسيون خطفا واعتبروهم رهائن، ثم أخذوهم من الجزائر إلى فرنسا وأدخلوا بعضهم إلى مدرسة خاصة في باريس. وبعد غسل أمخاخهم أدخلوهم في الجيش وفي فرق الترجمة وفي الإدارة. وهكذا أصبحوا هم نواة النخبة الاندماجية. ثم تلاحق العدد فكان أولاد الموظفين في الإدارة، ثم جاء الجيل الثاني والثالث حتى أصبح العدد معتبرا وأصبح للنخبة صوت في الحياة السياسية منذ أوائل هذا القرن. وقد كان للمدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث
стр. 2711
أيضا دور في تكوين هذه النخبة، ولكن بعض خريجيها سيكونون في صف الهوية الوطنية لأنهم كانوا على صلة بالقضاء الإسلامي والاتصال الدائم بالمواطنين. ومما يذكر أن النخبة كانت أيضا نتاج مدرسة الآداب (كلية) والجامعة في عمومها، ونتاج التعليم الكنسي أو التنصيري.
وسيضم الفصل أيضا مجموعة من الأفراد المنتمين للنخبة، وستلاحظ أن حماسهم للاندماج كان متفاوتا، وأن بعض أعيانهم كانوا أحيانا في صف الانتماء الوطني - مثل محمد بن رحال والحكيم ابن العربي وابن علي فخار. كما ستلاحظ أن أمثال المجاوي وابن السادات والزقاي ومحمود بن الشيخ علي وابن الحاج حمو لم يكونوا من النخبة الاندماجية ولكنهم استعملوا من قبل الإدارة لنفس الغرض أحيانا، ومع ذلك كان هؤلاء ومن سار على دربهم مثل حميدة بن باديس وابن سماية (الابن) ومحمد بن مصطفى خوجة وعمر بن قدور، هم الحصن الذي وقف ضد تيار الاندماج قبل ظهور الحركة الإصلاحية والتيار الاستقلالي بين الحربين.
مترجمو الحملة وغداتها
كانت الترجمة وسيلة أساسية للفرنسيين في الجزائر، ونعني بذلك الترجمة من العربية إلى الفرنسية، وهذا يتضمن نقل الوثائق المكتوبة، من رسائل وعقود ملكية وكراء وأوقاف وعرائض، ثم الكتب والمصادر المكتوبة عموما. كما يتضمن الترجمة الشفوية في الاتصال اليومي في المكاتب العربية والأسواق والمحاكم والمعسكرات. فالترجمة هنا تعني النقل الكتابي والشفوي من العربية المكتوبة (الفصحى أو غيرها) والدارجة الشفوية فقط. ومنذ بدأ المستشرقون نشاطهم جمعوا بين العامية والفصحى، ولكن أغلب دروسهم ومؤلفاتهم كانت عن العامية ونقلها إلى الفرنسية. ومنذ آخر القرن الماضي جاءت العناية من قبلهم باللهجات العربية واللهجات البربرية، سيما عشية احتلال المغرب الأقصى والتوغل في الصحراء. ولم تكن العربية الفصحى مترجمة إلا من الكتب التراثية لأنها ذات أهمية خاصة للمستشرقين
стр. 2712
والإدارة الفرنسية. وكانت هذه العملية قد راجت بالخصوص بعد إنشاء المدارس العليا، ومنها مدرسة الآداب.
أول من فتح عهد الترجمة هم رجال الحملة الفرنسية (١)، ولقد استعان قادتها بعدد من التراجمة الذين كانوا في فرنسا عندئذ، سواء كانوا فرنسيين، وهم قلة، أو كانوا من عرب المشرق ويهوده الذين ارتبطوا بالفرنسيين بعد حملتهم على مصر. فقد وفرت مدرسة اللغات الشرقية الفرنسية عددا من المترجمين الذين كانوا في الحملة الفرنسية على مصر. وأورد شارل فيرو وغيره أسماء بعض الذين جندهم الجيش الفرنسي لحسابه ليشاركوا في حملة الجزائر وما بعدها، ومنهم:
١ - جورج غروي: وهو من مواليد دمشق، وكان يتكلم العربية بطلاقة. ولا ندري متى ارتبط بالفرنسيين ولا كيف. ونحن نعرف أنه كان يعمل أمينا لمالية باشا (والي) دمشق. عرض غروي خدماته على بورمون، قائد الحملة، ورافقه إلى الجزائر. وعندما وصلت السفن إلى سيدي فرج، نزل إلى البر وأخذ يوزع البيان الذي أعده الفرنسيون بالعربية ووجهوه للجزائريين، وكان غروي يطلب من الجزائريين التفاوض مع الفرنسيين. ويقول فيرو إن غروي كان بذلك يغامر بحياته. وتذهب بعض الروايات إلى أنه اعتقل وقيد إلى الداي بالقصبة. وتقول أخرى إنه ذهب إليه مبعوثا من قبل قائد الحملة. ومهما كان الأمر، فإن غروي حاول إقناع الداي بالتفاوض وأظهر له قوة الحملة، وطلب منه الاستسلام، وقيل إن الداي قتله، وهو أمر مستغرب لأن المبعوثين عادة لا يقتلون، ولعله قتل في الطريق.
٢ - جان شارل زكار: ولد أيضا في سورية سنة ١٧٨٩. وانتقل إلى
стр. 2713
فرنسا دون أن ندري متى ولا كيف. وأصبح قسا في كنيسة القديس نقولا في مرسيليا. وقد قام بترجمة البيان الفرنسي المذكور إلى العربية بالتعاون مع المستشرق البارز سيلفستر دي ساسي وبيانشي. ويقول بيروني إن زكار كان المحرر الرئيسي للبيان. ودون أن يتخلى عن مهمة التبشير، كما يقول فيرو، سمي مترجما للحملة. وبعد الاحتلال لم يرجع زكار إلى مرسيليا بل بقي ملحقا بشخص الحكام الفرنسيين الذين تعاقبوا على الجزائر منذ بورمون إلى بوجو (وعددهم سبعة). ويعتبر زكار أول المبشرين في الجزائر في هذا العهد. وبعد إنشاء الأسقفية الفرنسية ١٨٣٨ وضع زكار تحت تصرفها سنة ١٨٤٥. ولا شك أنه بهذه الصفة كان له دور في هدم المساجد الأولى، مثل جامع السيدة، والبنايات الدينية الأخرى، واختيار جامع كتشاوة ليكون الكاتيدرالية الكاثوليكية. والمعروف أن زكار هو أول من ألقى القداس الديني بعد نجاح الحملة أمام الضباط الفرنسيين برئاسة بورمون في أول يوم أحد لهم بالجزائر. وكان الفرنسيون قد أرسلوه ثلاث مرات إلى الأمير عبد القادر، وسقطت عدة أحصنة تحته. ومن أعمال زكار أيضا أنه ظل ثلاث سنوات يلقي درسا بالعربية في الجزائر (١) على الفرنسيين. وتوفي سنة ١٨٥٢، وهو في حالة فقر مدقع.
٣ - أبراهام دنينوس: كان من مواليد الجزائر سنة ١٧٩٧. ولعله من نسل إغريقي أو يوناني. وقد تجنس بالجنسية الفرنسية قبل الاحتلال، وأصبح يشغل وظيفة مترجم في محكمة التجارة في باريس، وسبق أن كتب معجما بالعربية والفرنسية، وزعه المسؤولون على ضباط الجيش في الجزائر. ولمعرفته بالبلاد سمي (المترجم الدليل) للحملة سنة ١٨٣٠. ويقول فيرو إن الفرنسيين قد استفادوا منه معلومات عن الجزائر أثناء نزول الحملة بسيدي فرج، وهو الذي قاد السفن عند النزول. وقد بقي دنينوس في الجزائر بعد نجاح الحملة، فكان هو المترجم للجنة الإفريقية التي جاءت للتحقيق في خريف ١٨٣٣. وعندما سافر المولود بن عراش إلى فرنسا سنة ١٨٣٨ ليطلب
стр. 2714
تدخل الملك الفرنسي في قضية الخلاف بين الأمير عبد القادر والمارشال فاليه (الحاكم العام) حول تفسير بعض بنود معاهدة التافنة من أقليم قسنطينة، سافر معه دنينوس. ويبدو أنه بقي بالجزائر إلى وفاته بها سنة ١٨٧٢ (١).
٤ - ليون إياس (أو عياش AYAS): الذي كان من مواليد دمشق أيضا، وشارك في الحملة من مرسيليا. ومنذ معركة اسطاويلي كان يخرج للجزائريين طالبا منهم التفاوض مع الفرنسيين. ويقول بيروني إنه كان أسعد حظا من زميله غروي الذي قتل، وقد تعلم ليون العربية من التجار واليهود وغيرهم. وجرح أثناء عدة معارك. وتوفي سنة ١٨٤٦ بطلقة من الرصاص أثناء معركة ضد بومعزة (محمد بن عبد الله).
٥ - جوني فرعون: سبق الحديث عنه في فصل الاستشراق. وكان أيضا ملحقا ومترجما لقادة الاحتلال (ومنهم دو روفيقو)، ومن مترجمي اللجنة الافريقية. وهو الذي افتتح دروس اللغة العربية (العامية) للفرنسيين، ونشر أول كتاب تعليمي في المطبعة الحكومية الجديدة (٢). وهناك فلورين فرعون المولود سنة ١٨٢٩ وقد تولى أيضا الترجمة وله تآليف عن الجزائر. واستقال سنة ١٨٥٧.
٦ - شوصبوا: من المترجمين الذين التحقوا بالفرنسيين سنة ١٨٣٧، وإسمه الكامل فريدريك نقولا شوصبوا، وهو من الدنمارك. وكان أبوه قنصلا لبلاده في طنجة. وقد ولد فريدريك في هذه المدينة وتربى فيها. وتعلم فيها العربية والفرنسية. وكان والده عالما نباتيا وطبيعيا أيضا. وبعد انضمامه للفرنسيين في الجزائر أصبح من المترجمين لمختلف الجنرالات. ويبدو أنه
стр. 2715
بدأ عمله كعضو في فرقة اللفيف الأجنبي التي كونها الفرنسيون سنة ١٨٣٤ لتضم، في معظم الأحيان، المغضوب عليهم والمحكوم عليهم بالإعدام أو الهاربين من العدالة من الأوروبيين. وقد تحصل على الجنسية الفرنسية، ورافق مختلف الحملات الفرنسية ضد الجزائريين، باعتباره مترجما. وعمل في الحكومة العامة (الإدارة) أكثر من خمسة وعشرين سنة. وتقاعد سنة ١٨٧٢، وعند وفاته سنة ١٨٧٦، أبنه شارل فيرو، كبير المترجمين العسكريين عندئذ. وحضر جنازته الحاكم العام، شانزي.
ومما يذكر بشأن شوصبوا أن لاموريسيير اختاره لمرافقة الأمير عبد القادر بعد هزيمته سنة ١٨٤٧. وقد أمره أن لا يفارقه ولا يتركه يغيب عن عينيه حتى يركب البحر إلى فرنسا. كما نعرف أن شوصبوا قد حل في الحكومة العامة (الإدارة) محل ليون روش، سنة ١٨٤٨. وكان روش قد أصبح قنصلا (وزيرا) لبلاده في طنجة بعد قيامه بدوره المحكم ضد الأمير. وبالإضافة إلى دوره في الترجمة العامة قام شوصبوا بالترجمة الخاصة حين أصبح كاتبا مترجما للجنة العلمية (لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر) سنة ١٨٣٩، وقد بقي في هذا المنصب فترة طويلة. وكان تأثيره واضحا لمعرفته أحوال البلاد الاجتماعية والثقافية. وفي ١٨٥٦ أنشأ مع معاصريه المستشرقين: بيربروجر وبرينيه، الجمعية التاريخية الجزائرية التي أصدرت المجلة الأفريقية. ويبدو أنه كان مكرسا حياته لخدمة المصلحة الفرنسية العامة، ولم يجمع مالا ولا بنين. إذ يقول عنه فيرو: إنه عاش فقيرا ومات فقيرا لا يملك حتى القبر الذي دفن فيه (١). ولا نعرف أن له أعمالا مكتوبة هامة في ميدان البحث والدراسة.
٧ - مترجمون آخرون: وبالإضافة إلى هؤلاء نذكر مجموعة أخرى من المترجمين باختصار: منهم روزيتي، وهو ابن قنصل توسكانيا في مصر. ولد بالقاهرة وأصبح مملوكا في عهد نابليون، ثم مترجما في الجزائر بين ١٨٣٠ -
стр. 2716
١٨٦٣. وأنجب إبنين أصبحا مثله من المترجمين، أحدهما قتل في معركة إيزلي (إيسلي) ضد الجيش المغربي ١٨٤٤، والآخر قتل أثناء معركة الزعاطشة ١٨٤٩. ومنهم دبوسي الذي ولد أيضا بالقاهرة وكان من المماليك، وأثناء عمله مترجما في الجزائر جرح عدة مرات، ومات سنة ١٨٤٠. وأما يعقوب حبيبي فقد كان مملوكا قديما. ولعله من مواليد مصر، وأصبح من المترجمين الرئيسين في جيش الحملة، ثم رجع إلى فرنسا بعدها. وهناك أيضا داود حبيبي (ولعله أخ الأول)، وقد قام بنفس الدور. ونذكر منهم لويس دي براسفيتش الذي ولد في راقوس حوالي ١٧٧٢، وكان مترجما للجيش الفرنسي في مصر، وقيل إنه رافق الحملة ضد الجزائر، وفاوض الداي وتعرض للخطر، ومات في ١٩ يوليو ١٨٣٠ ودفن في باب الواد. ولا ندري إن كان قد مات مقتولا.
وهناك عدد ممن كانوا يعرفون العربية ولهم علاقة بالمشرق، ثم تولوا الترجمة وأمورا إدارية أخرى بعد نجاح الحملة، ومنهم جيراردان، وريمبير Raimbert ودوبينيوس. فهؤلاء الفرنسيون الثلاثة تعلموا اللغة العربية، وأرسلتهم حكومتهم إلى تونس لتأمين حياد حكومتي المغرب وتونس عند الهجوم على الجزائر، وتوفير التموين، والتأثير على السكان، وكذلك التأثير على الوضع في قسنطينة من تونس، وفي وهران، والعمل على فصل قضية الجزائر (حكومة الداي) عن بقية أجزاء البلاد والجيران. وكان جيراردان يعرف الجزائر جيدا حسب الذين ترجموا له، ولذلك عينه قائد الحملة مديرا للدومين (مصلحة أملاك الدولة) حيث بقي في المنصب إلى ١٨٣٣. وبعد ذلك عين مديرا للبريد بمدينة الاسكندرية (مصر). وأما دوبينيوس فقد كانت حكومته قد أرسلته في عدة مهمات إلى الشرق الأدنى، وكتب عدة مذكرات عن الجزائر وقدمها إلى بورمون. وبعد نجاح الحملة سماه هذا قائدا للشرطة في العاصمة. وقد أساء دوره وسلطته، وظن أنه يحسن التصرف. وكتب عن تجربته في الجزائر بعد أن رجع إلى بلاده سنة ١٨٣٢. وكان من المتهمين بالاختلاس من خزينة الدولة الجزائرية. وأما الثالث ريمبير فقد تعين على
стр. 2717
إدارة المركز التجاري الفرنسي بالقالة (١). وهو مركز كان لفرنسا فيه امتياز تجاري قبل الاحتلال. وكان استرجاع الجزائر له من أسباب التوتر بين الدولتين.
ومن المترجمين أيضا ديلابورت الذي تولى في الجزائر عدة وظائف رئيسية بصفته مستعربا. ولد سنة ١٧٧٧، ودرس في مدرسة اللغات الشرقية، واتبع حملة نابليون على مصر، وعمل في سلك القنصليات، ومنها قنصليتا طرابلس وطنجة قبل أن يحل بالجزائر سنة ١٨٣٢. وفيها أصبح مديرا للشؤون الأهلية التي منها الإشراف على رجال الدين والأوقاف. وقد وجدنا اسمه في عدد من مراسلات السلك الديني. وكان مترجما رئيسيا، وهو الذي نظم فرقة المترجمين في المرحلة الأولى. ودرس كذلك اللغة البربرية. وبعد رجوعه إلى فرنسا سنة ١٨٤١ درس أيضا القبطية. وقد مات سنة ١٨٦١ وترك ثلاثة أبناء اتبعوا سيرته في الترجمة وتعلم اللغات الشرقية (٢).
وظهر مترجمون آخرون بعضهم رافقوا الحملة وبعضهم جاء إلى الجزائر بعدها. فمن المشارقة في الأصل نذكر: براهمشة، وهو من سورية ومن رجال الدين (قس) مثل شارل زكار. وقد استعمله الفرنسيون في الترجمة وفي المفاوضات السياسية. وعبد الله دزبون الذي كان رئيسا لفرقة المماليك (وهي عندئذ نوع من اللفيف الأجنبي - المشرقي). وقد عينه الفرنسيون سنة ١٨٣٧ قنصلا لدى الأمير عبد القادر في معسكر. وتوماس أوربان (إسماعيل عربان بعد إسلامه)، الذي عاش في مصر ثم حل بالجزائر، وتولى الترجمة والكتابة منذ ١٨٣٧. وقد تناولناه في مكان آخر (٣). وعبد المالك، وهو من مصر، ودخل في خدمة الفرنسيين منذ مارس ١٨٣٠ (أثناء الاستعداد للحملة على الجزائر)، وكان أيضا من المماليك. وأصبح
стр. 2718
دليلا ومترجما في الحملة، وأظهر شجاعة ضد الجزائريين استحق عليها وساما سنة ١٨٣٣، ومات في عنابة سنة ١٨٤٥. وسالم، وهو سوري، دخل أيضا في خدمة الفرنسيين منذ مارس ١٨٣٠ (١). وكان مثل عبد المالك من المماليك. وسبق له العمل في الترجمة الفورية. وأصبح مترجما ودليلا في الحملة سنة ١٨٣٠. ثم دخل فرقة تسمى بالدرك الحضري، وأصبح ضابطا في الصبائحية. وشبيه به سليمان الذي كان أيضا سوريا. والتحق بالفرنسيين في مارس ١٨٣٠، وكان أيضا من الممالك، وتدرج في العمل على نفس خطى زميله سالم.
أما غبريال زكار فقد ولد بالاسكندرية سنة ١٨١٠، ورافق عمه (أو خاله) القس شارل زكار إلى الجزائر. وأصبح مترجما سنة ١٨٣٠، وقد أرسله الفرنسيون إلى مدينة معسكر بتلك الصفة (مترجما،). وفي أكتوبر ١٨٣٧ قتله رئيس مكتبه الذي قيل إنه أصبح مجنونا (٢). ولا نعرف الآن هوية طابوني، ولكننا نعرف أنه تولى الترجمة في بجاية مع سلمون دي موزيس سنة ١٨٣٢. وقد قتل في ٤ غشت سنة ١٨٣٦ كما قتل رئيسه في نفس الوقت من قبل المقاومين. ويبدو أن المترجم كوهين كان من يهود الجزائر (وقد يكون من غيرها). والملاحظ أنه أصبح سنة ١٨٣٣ مترجما ملحقا بالجنرال براي Barail في مستغانم. وقد قتل بدوره تحت أسوار هذه المدينة سنة ١٨٣٣ (٣ غشت).
ولا بد من ذكر اثنين آخرين كان لهما دور في الترجمة والحرب، وهما يوسف وعبد العال. أما يوسف فهو اللقيط الذي ادعى للفرنسيين أنه ابن غير شرعي لنابليون الأول، فأدخلوه الجيش ورقوه حتى وصل إلى رتبة جنرال، وعينه كلوزيل (بايا) على قسنطينة ليزعج به الحاج أحمد. وقد خاض اللقيط يوسف حروبا طاحنة ضد الجزائريين خلال النصف الأول من القرن الماضي.
стр. 2719
وتناولنا ذلك في مكان آخر (١). وأما عبد العال فقد وصل أيضا إلى رتبة جنرال، ولكنه بدأ حياته مترجما وهو في سن الخامسة عشر. وقيل إنه ابن لعبد العال آغا، وأنه ولد بمرسيليا سنة ١٨١٥، ولا ندري الآن أصوله. وشارك في الحملة ضد الجزائر باعتباره مترجما عسكريا (؟)، وفي ١٨٣١ سمي مترجما من الطبقة الثالثة. وتطوع سنة ١٨٣٧ في فرقة الصبائحية وأصبح سنة ١٨٤٠ ضابطا (أهليا) ثم في ١٨٤٤ أصبح ضابطا فرنسيا. ومنذئذ أخذ يترقى إلى أن وصل إلى رتبة جنرال (٢).
ومن تونس نجد أحمد بن محمد، فقد ولد بها سنة ١٨٢٠، وعمل فارسا في الجيش منذ ١٨٤٩، ثم مترجما منذ ١٨٥٣. والتحق بمصلحة الشؤون الأهلية التي كلف فيها بمهمات متنوعة، ومنها الاهتمام باللغة والمسائل الزواوية. وقد عمل في سطيف ١٨٧٨ (٣). وفي سنة ١٨٨٠ نشر كراسة عن أسباب عدم الأمن في الجزائر ووسائل استبابه، وهي في ١٦ صفحة. وقبله جاء أحمد الانبيري من تونس أيضا. وهو من أصل يوناني أو ألباني. وعمل في الترجمة وألف كتابا في تاريخ قسنطينة، تناولناه في غير هذا الكتاب (٤).
أما من لبنان فقد ذكرت المراجع الفرنسية جان الشدياق، المولود سنة ١٨٢١، ولعله من عائلة أحمد فارس الشدياق الذي اعتنق الإسلام وأصبح من أعيان الشعراء والمؤلفين والصحافيين في الدولة العثمانية خلال القرن الماضي. أصبح جان من المترجمين في الجيش الفرنسي، وحصل على
стр. 2720
وسام منه سنة ١٨٦١. وقام بمهمات عديدة لصالحه، وقد تقاعد سنة ١٨٦٧.
وهكذا ترى أن الحملة قد جلبت إليها المترجمين من مختلف الأصول والأجناس والكفاءات. وكانت فرصة للمغامرين المدنيين والعسكريين. وكل ذلك يبرهن على أن الشعب الجزائري قد عانى من هؤلاء (المترجمين) الذين كان أغلبهم، سيما في البداية، غير مؤهلين، كما شهدت على ذلك دراسة فيرو، وملاحظات برينييه. لقد كانت الجزائر بالنسبة إليهم حقلا من التجارب والمغامرات.
وهناك مترجمون آخرون لا ندري إن كانوا قد رافقوا الحملة من أولها أو التحقوا بها، ومنهم بنجامين فانسان الذي كان من رجال القانون، وكان قد عين قاضيا في أكتوبر ١٨٣٠، ثم أصبح أول رئيس لمحكمة الاستئناف في الجزائر. وهو خرج مدرسة اللغات الشرقية. أما أوسيد دي صال، فقد كان طبيبا وتخرج أيضا من مدرسة اللغات الشرقية، وتولى تدريس اللغة العربية في مرسيليا. وكلاهما (فانسان (١) ودي صال) تولى الترجمة. وهناك مجموعة من اليهود استعان بهم الفرنسيون أيضا، مثل أسرة أبوقية (وهم ثلاثة بهذا الاسم) ويوسف عمار، وصمويل بن باروخ. والملاحظ أن معظم المترجمين الأولين كانوا من مواليد بلدان مختلفة، سورية ومصر وتونس وطنجة، ومالطة وفرنسا.
أما من المترجمين الجزائريين فالذي تفاوض مع الفرنسيين لمعرفته لغتهم هو أحمد بوضربة. وكان بوضربة قد عاش في فرنسا وتاجر في مرسيليا، وكان من المعجبين بالفرنسيين وثقافتهم ولغتهم، وكان متزوجا من فرنسية. وقيل إنه كان يمثل تجارة الداي في مرسيليا. وقد حضر معه حسن بن حمدان خوجة الذي كان يعرف الفرنسية، ربما بحكم التجارة أيضا. ولكن الجزائريين
стр. 2721
لم يكونوا مترجمين بالمعنى الدقيق للكلمة، إنما كانوا مفاوضين لمعرفتهم اللغة الفرنسية والعربية. وكان تأثير بوضربة على سير المفاوضات واضحا، ثم إنه بسبب هذا الماضي عينه الفرنسيون على رأس بلدية الجزائر قبل أن يسخطوا عليه، كما فعلوا مع غيره في مواقع ومدن أخرى.
إذن لعبت الترجمة دورا مهما في هذه المرحلة الأولى بين الجزائريين والفرنسيين. وكانت القواميس توزع على ضباط الجيش لمعرفة مبادئ العامية، مثل معجم دنينوس المذكور، ومعجم المستشرق جان جوزيف مارسيل إلى (المعجم الفرنسي - العربي للهجات العامية الافريقية في الجزائر وتونس ومراكش ومصر) (١) بالإضافة إلى تأليف جوني فرعون في اللغة العربية بمدينة الجزائر.
تنظيم فرقة المترجمين
وبعد نجاح الحملة رجع بعض المترجمين إلى فرنسا، ولكن الآخرين التحقوا بمختلف المصالح، كما رأيا في حالة زكار وفرعون ودنينوس. وظلت الترجمة غير دقيقة وغير منظمة، فكل من يعرف قليلا من العربية والفرنسية يعد نفسه مترجما. وكانت الإدارة الجديدة في حاجة إلى هذا الجهاز لكي تتصل بالشعب وتربط علاقات مع قادة وتدرس أوضاع المحاكم والأسواق والأملاك وغيرها. وقد ظهر أن كثيرا من حالات الغش وسوء التفاهم كانت بسبب سوء الترجمة عمدا أو عجزا. وأحس القادة الفرنسيون أن نجاحهم في الجزائر يتوقف على حسن الترجمة ووجود مترجمين أكفاء. فاتهموا المترجمين الضعفاء بأنهم شلوا التأثير الفرنسي بين السكان وعرقلوا المخططات بسبب جهلهم في حين أن على المسؤول الفرنسي، مهما كان، الاعتماد على جهاز المترجمين. ويقول شارل فيرو معتذار ومبينا الحاجة التي
стр. 2722
كانت تدعو إلى تنظيم هذا الجهاز (مهما كانت عبقرية المسؤول (الفرنسي) في بلد أجنبي، فإن عليه أن يعتمد على كاتبه (سكرتيره) المترجم الذي يمتاز بالذكاء والموهبة والتجربة والشعور القومي). وقد نعت برينيه المترجمين بأنهم كانوا سيئي السمعة ولا يشرفون المهنة إلا نادرا.
ولكن هذا النقد كان موجها عادة إلى من سموا بالمترجمين (الاحتياطيين)، وهم غير الفرنسيين. ويقول فيرو إنه أثناء الاستعداد للحملة في طولون اعتمد الفرنسيون على أي شخص يعرف قليلا من العربية والفرنسية. وبعد ذلك اعتمد الفرنسيون أيضا على الأهالي الذين يعرفون قليلا من الفرنسية. ولعله يعني بذلك اليهود خاصة، لأنهم هم الذين كانوا يعرفون من الفرنسية ما يكفيهم للتجارة، أما الجزائريون المسلمون فمعرفتهم للفرنسية قليلة. ومهما كان الأمر فإن اسم (المترجم) أصبح، كما يقول فيرو، إسما مرفوضا من الرأي العام الذي لم يعد يعرف الفرق بين المترجم الرسمي، وبين المترجم الاحتياطي. ومن ثمة جاءت الدعوة إلى ضرورة تصنيف المترجمين حسب سلم ودراسة بعد مسابقات محددة ليترتب على ذلك نظام شامل لمرتبات المترجمين وترقيتهم وتقاعدهم (١).
ابتدأ الفرنسيون بتنظيم جهاز القضاء بعد نجاح الحملة. فالقضاء كان الميدان الأكثر إلحاحا عليهم من غيره لاتصاله بالأملاك والجنايات ونحوها. ولذلك كلفوا جوني فرعون بوضع تقرير عن المصطلحات القضائية في الجزائر والفروق بينها وبين مصطلحات القضاء في فرنسا. كان ذلك سنة ١٨٣٤. وقد بين فرعون في تقريره الاستعمالات العربية في هذا الميدان وكيفية تحرير الأحكام في المحاكم، وترجمتها. وبعد ذلك صدر مرسوم ينص أولا على تنظيم القضاء، كما ينص على إنشاء فرقة من المترجمين المحلفين ليكونوا في خدمة المحاكم بصفتهم موظفين ملحقين بها. وقد أنشئت هذه الفرقة في فبراير ١٨٣٥، وهي الفرقة التي كان لها دور بارز في
стр. 2723
الترجمة في المحاكم، سلبا وإيجابا، ولا سيما بعد أن استولى القضاء الفرنسي على القضاء الإسلامي، وتولت المحاكم الفرنسية جميع صلاحيات المحاكم الشرعية الاسلامية بالتدرج ابتداء من الخمسينات. وكان المترجمون يؤثرون في الأحكام الصادرة عن القضاة لأن بأيديهم أداة التعبير بين المتخاصمين. وقد أعطانا محمد بيرم الخامس صورة عن ذلك (١).
ونحن لا يهمنا هنا الجانب السياسي أو الديني من فرقة المترجمين القضائيين، ولكن يهمنا منها الجانب اللغوي والمعرفي. فقد كان هؤلاء مطلعين، في أغلب الأحوال، على الشؤون الثقافية والتاريخية للمواطنين، وكانوا يعرفون المصطلحات الواردة في اللغة القضائية، كما يعرفها اليوم المحامون والموثقون، بالإضافة إلى معرفتهم للمصطلحات الفرنسية. وقد قام بعضهم بترجمة النصوص أيضا، ودخلوا بذلك ميدان الاستشراق أو الاستعراب. وكانوا يخضعون في قبولهم وترقيتهم وتقاعدهم إلى تنظيم دقيق في العموم. وكانت المسابقات هي الطريق إلى ذلك.
أما المترجمون العسكريون فأول تنظيم جرى لهم كان سنة ١٨٤٢ (عهد بوجو) ففي هذا التاريخ تبين المسؤولون الخلل الذي أصاب هذه الفرقة التي كان ينتمي إليها كل من هب ودب. وكان النظام كله عسكريا، كما نعرف. وتألفت لجنة للاستماع إلى شكاوي المترجمين العاملين. ويقول فيرو إن اللجنة انتهت إلى (تطهير) الفرقة من العناصر غير الكفأة. وكذلك تحددت طريقة إجراء المسابقة لاختيار الأكفاء. ووضعت اللجنة برنامجا للامتحان ومشروعا كاملا للترقية. ولم ينفذ المشروع دفعة واحدة، بل على مراحل. كانت اللجنة برئاسة العقيد (يوجين دوماس)، وكان الكاتب للجنة هو لويس برينيه المستشرق المعروف (ورئيس حلقة اللغة العربية) ومن أعضائها أدريان بيربروجر وليون روش. وظلت اللجنة تواصل السهر على تنفيذ مشروعها خلال سنوات، فصدر في ١٨٤٥ قرار وزاري يوافق على عملها، ثم عدل
стр. 2724
بقرارات أخرى صادرة سنة ١٨٤٨، ١٨٥٤، ثم ١٨٦٢. وكانت اللغة العربية قد جعلت ضرورية للتوظيف منذ ١٨٣٨ بقرار من الحاكم العام (فاليه)، ويعني بذلك الموظفين الفرنسيين. ثم جعلت العربية إجبارية أيضا ابتداء من فاتح ١٨٤٧. وكان معظم المترشحين في المسابقات هم تلاميذ برينيه. ولذلك كان برينيه من المساهمين في تكوين فرقتي المترجمين سواء في القضاء أو الجيش. وكان يساهم في ذلك رغم أن القرار الوزاري كان متأخرا (١). ومنذ الأربعينات تولى أساتذة آخرون حلقتي اللغة العربية في وهران وقسنطينة، وساهموا أيضا في تكوين المترجمين وغيرهم، بالإضافة إلى برينيه. وقد درسنا ذلك من قبل في (حلقات اللغة العربية).
ويبدو أن قانون الدخول إلى فرقة المترجمين العسكريين بالذات كان صارما ودقيقا جدا. ذلك أن شخصا مثل رينيه الذي قضى وقتا طويلا في تدريس العربية وفي تكوين جيل من المترجمين لم يسمح له سنة ١٨٥٥ أن يشارك في امتحان الترشح لهذه الفرقة. فقد طلب ذلك في رسالته إلى لجنة الامتحان، ولكنها لم تسمح له، لأنه لم يكن حاصلا على الرتبة المؤهلة للمشاركة وذلك ما جعله يبقى في درجة ثانوية بالنسبة لتلاميذه الذين كان يتمنى أن يكون فقط واحدا مثلهم. ومع ذلك استمر في دروسه وتأليفه إلى وفاته (٢).
المترجمون الجزائريون
وهناك فرقة ثالثة في ميدان الترجمة تسمى فرقة المترجمين الاحتياطيين. وهي الفرقة المخصصة عادة للجزائريين الذين تعلموا الفرنسية.
стр. 2725
وكان الفرنسيون يميزون بين الجزائري المسلم وغيره. فهم لا يسمحون للجزائريين بتولي نفس الوظائف التي للفرنسيين، سواء في الجيش أو في الإدارة أو في التعليم أو في القضاء. والفرقة الاحتياطية هي التي يسمح فيها للجزائريين بالدخول. وكان بعض الجزائريين الذين دخلوا ميدان الترجمة من المتجنسين أيضا. وقد ذكر فيرو عددا منهم. والتحق آخرون بميدان الترجمة بعد تأليف كتابه (أي فيرو). والتجنس بالجنسية الفرنسية لم يجعل هؤلاء الجزائريين مع ذلك على قدم المساواة مع الفرنسيين.
وقد ذكر فيرو ثلاثة من المتجنسين (١)، وهم: أحمد بن الفكون، وموسى الشرقي، وفرج نقاش. ومن بين هؤلاء واحد فقط معروف العائلة والنسب وهو ابن الفكون. أما الآخران فلا ندري أصلهما العائلي. وأما ابن الفكون فسنتحدث عنه في فقرة أخرى ضمن الذين ترجموا من الفرنسية إلى العربية. وأما فرج نقاش فقد قال عنه فيرو إنه من مواليد قسنطينة سنة ١٨٢٢ وأصبح مترجما عسكريا منذ ١٨٤٣، وعمل في فرقة الصبائحية، ثم تقاعد سنة ١٨٧٣. ووصفه فيرو بأنه كان فارسا مغوارا، وجرح في الحرب وحصل على وسام. وذلك يدل على أنه حارب مع الفرنسيين ضد المقاومة. وأما موسى الشرقي فقد ولد بالجزائر سنة ١٨٢٠، وحصل على الجنسية الفرنسية سنة ١٨٦٠، أي قبل صدور القانون المشيخي الخاص بذلك سنة ١٨٦٥. وأصبح مترجما مند ١٨٤٦، وكان ما يزال حيا عند نشر فيرو لكتابه (سنة ١٨٧٦) (٢).
ومن جهة أخرى هناك مترجمون ذكرهم فيرو ولم يتحدث عن تجنسهم بالجنسية الفرنسية، وهم إسماعيل بن مهدي البجائي وحسن بن محمد الجزائري (مدينة الجزائر)، والطاهر بن النقاد القسنطيني. فقد وصف إسماعيل بن المهدي بأنه مترجم عسكري احتياطي سنة ١٨٧٠، ولكنه استقال من ذلك بعد أربع سنوات، وكان سنة ١٨٧٦ مترجما قضائيا. ونحن نفهم أنه
стр. 2726
خرج من فرقة الترجمة العسكرية إلى فرقة المترجمين القضائيين (١). ووصف فيرو السيد حسن بن محمد بأنه من مواليد ١٨١٠، ونفهم من حديث فيرو عنه أنه توظف في الترجمة العسكرية كاحتياطي، وأصبح سنة ١٨٤٠ من الطبقة الثالثة فيها، ثم أصبح سنة ١٨٧٦ من المتقاعدين. وكان فيرو قد اختصر عنه الحديث كعادته بالنسبة للجزائريين. أما الطاهر بن النقاد فقد كان من المترجمين من الفرنسية إلى العربية، ولذلك سنذكره في الفقرة الخاصة بذلك.
وتحضرنا أسماء أخرى من المترجمين الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي وغيره من المصالح. وكان الفرنسيون إما أرغموهم على تعلم الفرنسية وهم صغار، مثل أحمد بن رويلة وعلي الشريف (الزهار)، اطري وآخرين. وسنذكر ابن رويلة وعلي الشريف أثناء حديثنا عن أخذ الأطفال إلى فرنسا كرهائن ومحاولة تكوين فئة متميزة منهم وزرعها في الأوساط الجزائرية والاستفادة من خبراتها.
وكان علي بن محمد من المترجمين العسكريين، ولد بالجزائر سنة ١٨١٨. واعتبره فيرو من أوائل المترجمين الجزائريين، إذ أنه سمى مترجما احتياطيا في ٢٦ مايو، ١٨٣٩. واعتبره في مكان آخر من الأوائل الذين تعلموا الفرنسية. جرح علي بن محمد (ونحن لا نعرف أصل عائلته) في معركة بوادي العلايق (الحجوط) بين الفرنسيين والجزائريين خلال ديسمبر ١٨٣٩. وعاش إلى ١٨٦٨، وتوفي، كما يقول فيرو، بضربة شمس في غشت من نفس العام أثناء سباق جرى في الضاية DAYA (؟) (٢) .
ومنهم أحمد خاطري الذي يبدو أنه خدم الفرنسيين خدمة مخلصة كمترجم وكجندي. ولد خاطري في بجاية سنة ١٨٢٥، وتعلم بها. ثم أصبح
стр. 2727
موظفا. في المكتب العربي (العسكري) فيها كدليل وفارس، ابتداء من ١٨٤٧. ثم مترجما في اللغة البربرية سنة ١٨٥٣. ثم استقال من هذه الوظيفة سنة ١٨٦٨. وبعدها دخل الحياة المدنية، وأثناء وظيفه في بجاية كان دليلا لبوجو عندما هاجم وادي الساحل سنة ١٨٤٧، ولعب دورا ضد ثورة بوبغلة فوقف ضد هجومه على بجاية ١٨٥١ وعلى البابور ١٨٥٣، وجرجرة ١٨٥٤. وقال عنه فيرو إنه كان فارسا أكثر منه مترجما، ووصفه بأنه قدم خدمة كبيرة للفرنسيين نظرا لمعرفته بالمنطقة، وقد جرح هو وحصانه في عدة معارك، وكان حاضرا أيضا لثورة جرت بالمنطقة سنة ١٨٦٥. وقد تحصل، جزاء خدماته، على الصليب من يدي نابليون الثالث في جوان من هذه السنة ببجاية. وعند هجوم الرحمانيين على بجاية بقيادة عبد العزيز الحداد، سنة ١٨٧١، ركب أحمد خاطري جواده من جديد ووقف ضد هذا الهجوم (١).
ولنذكر أيضا عددا آخر من المترجمين الذين نشأوا في عهد الاحتلال وتعلموا الفرنسية في المدارس الأولى التي أنشأها الفرنسيون. وكان بعض هؤلاء قد ساهموا في الحياة الثقافية مثل ابن سديرة وحسن بن بريهمات، واكتفى بعضهم بمستوى بسيط يكفيهم للخدمة في الجيش الفرنسي والترجمة له أو في المحاكم والمكاتب العربية. ومن الصنف الأخير نذكر إبراهيم بن حسن بن بريهمات، الذي ولد في العاصمة سنة ١٨٤٨ ودرس بها في مدرسة الجزائر الرسمية (الشرعية) أو في المعهد السلطاني، وأصبح من المترجمين. وتولى مهمات عديدة للفرنسيين ثم ترك الشؤون الأهلية سنة ١٨٧٥، ولكنه سقط عن حصانه في ١٤ مايو من نفس العام فمات (٢). ومنهم عمر بن عبد الله الذي لا نعرف عنه الكثير سوى أنه ولد ببسكرة في تاريخ نجهله، ثم دخل الخدمة (؟) في سنة ١٨٦٥، ولم يسجل له من ذكروه أي دور خاص (٣).
стр. 2728
وكذلك التومي بن أحمد، وهو من بني سليمان (قرب العاصمة)، ولد بالجزائر، سنة ١٨٣٠، وأصبح من العسكريين سنة ١٨٥٠، وتولى القيادة في الجلفة سنة ١٨٦٣، ثم في سور الغزلان سنة ١٨٧٦. وقد غادر الخدمة سنة بعد ذلك.
ومن نواحي قسنطينة ظهر عدد من هؤلاء المترجمين. منهم محمد (أو أحمد؟) بن حسين. ولد بعنابة دون تاريخ معروف، ودخل الخدمة العسكرية والشؤون الأهلية (المكتب العربي؟) في مايو ١٨٧٢. وقد عمل في سور الغزلان وبسكرة ثم وادي سوف ١٨٩٠ - ١٨٩٧. وأثناء ذلك كلفه الفرنسيون بالقيام بمهمة خاصة في الصحراء (سنة ١٨٩٣)، ولا ندري ما هي، ولكن من المعروف أن تلك الفترة شهدت نشاطا فرنسيا كبيرا في الجنوب. وقيل إن محمد بن حسين قد غادر الخدمة سنة ١٨٩٨ (١). وكذلك بكير خوجة الذي يظهر من اسمه أنه من بقايا العائلات العثمانية. ولد في قسنطينة سنة ١٨٥٦، وعين مترجما. سنة ١٨٧٩، وقد ظل في الخدمة إلى سنة ١٩١٣ حين تقاعد عشية الحرب العالمية. وقد نشر سنة ١٩٠٨ قاموسا عربيا. - فرنسيا (٢). وكان ميدان خدماته واسعا، إذ أنه شمل المسيلة وسطيف وبني منصور وبسكرة وبوسعادة وقسنطينة وورقلة والأغواط، والعاصمة، بالإضافة إلى تونس (٣). أما عبد الكريم بن أحمد الفكون (لعله ابن أحمد الفكون الذي سنتحدث عنه) فقد ولد في باتنة سنة ١٨٦٤، وعمل في الترجمة منذ ١٨٨٢، وشمل نشاطه في ذلك باتنة وتقرت وسعيدة والعين الصفراء وتكوت وورقلة وعين صالح، كما عمل في تونس. وتوفي سنة ١٩٢١.
ومن أبرز الذين دخلوا مبكرا في الخدمة العسكرية الفرنسية محمد بن داود. كان أصله من عرب الدوائر والزمالة القاطنين سهول وهران. وانضموا للفرنسيين منذ ١٨٣٥ باتفاق الكرمة. وكان ابن داود (الأب) قد جاء العاصمة
стр. 2729
وعرض خدماته على كلوزليل. وقدم وثيقة عن الكيفية المثلى لحكم الأهالي في نظره. وكان رجلا متعلما وطموحا. استخدمه الفرنسيون في مصلحة الشؤون الأهلية في وهران، ثم عينوه آغا على الدوائر. أما ابنه فقد دخل المعهد الامبريالي (المدرسة السلطانية) المخصص لأبناء الموظفين العرب. فتعلم تعليما مزدوجا. ثم أرسل إلى مدرسة سان سير العسكرية (فرنسا). ثم تدرج في الوظيف العسكري حتى وصل إلى رتبة (عقيد)، وظل الوحيد في هذه الرتبة إلى عهد طويل. وقد تجنس بالجنسية الفرنسية بتاريخ ٢٦ أكتوبر ١٨٥٨ عندما كان سنه ٢١ سنة (ولد سنة ١٨٣٧) (١). وشارك في حملات الجيش الفرنسي في أفريقية وأوروبا. وكانت له ثروة كبيرة، وعندما تقاعد من الجيش تفرغ لخدمة أملاكه الزراعية. يقول عنه زميله إسماعيل حامد الذي عرفه عن كثب إنه كان الرجل المثال الكامل (للمسلم الفرنسي) وإن تاريخ حياته عبرة للمسلمين والأورويين. وكان لبس اللباس الوطني واللباس العسكري الفرنسي. وقد توفي ابن داود سنة ١٩١٢. ولا نعرف أن له عملا مكتوبا أو مترجما ولا كونه عمل في سلك الترجمة العسكرية. ولكن اسم ابن داود (لعله من أسرته) ظهر بعد الحرب الأولى عندما اشترك مع أحمد لعيمش في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية. وقد تناولنا ذلك في مكانه من الجزء السابع (٢).
والجزائريون الذين خدموا في الجيش الفرنسي كمترجمين يصعب حصرهم. وقد وجدنا منهم عددا آخر جندوا في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن لخدمة البعثات الفرنسية إلى مناطق أخرى كالمغرب وافريقية. ومن الذين وظفهم الفرنسيون في المغرب قدور بن غبريط، ومحمد نهليل ومحمد المعمري. والمعروف أن الخدمة في الجيش الفرنسي كانت طوعية بين
стр. 2730
الجزائريين إلى ١٩١٢ حين أصبحت إلزامية. فهذا السيد أحمد بن مجقان (مجقم؟) (١) قد ساهم كمترجم في حملة عسكرية فرنسية ضد أعالي نهر البانو (نيجيريا اليوم) سنة ١٨٩٢ - ١٨٩٣. وسعى جهده للحصول على معاهدة للفرنسيين من أمير يولا المسلم (YOLA). ورغم انسحاب الحملة الفرنسية بعد اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية، سنة ١٨٩٣. فإن ابن مجقان بقي هناك إلى أكتوبر ١٨٩٥ مع فرقة صغيرة من الرماة السينيغاليين، وربط ابن مجقان علاقات وطيدة مع علماء المسلمين بالمنطقة، رغم أن الناس هناك كانوا يعتبرونه من النصارى الفرنسيين ربما لأفعاله ولبياض بشرته، حتى بعد أن حلف لهم على المصحف عشر مرات بأنه مسلم. وكان قد بدأ حياته مترجما في الجيش الفرنسي.
وحين جرى ترشيحه لعضوية جمعية جغرافية الجزائر وشمال افريقيا عند تأسيسها سنة ١٨٩٦، وصفه المرشحون له في تزكيتهم، بأنه كان مترجما في بعثة ميزون (Mizon) الفرنسية. وظل خلال سنتين (١٨٩٣ - ١٨٩٥) رئيسا لمركز يولا على نهر البنوي، وهو أحد فروع النيجر. وقد نال ابن مجقان وسام جوقة الشرف على خدماته في هذه البعثة. كما التحق ببعثة الكونغو كمترجم. وحظي بالعضوية في الجمعية المذكورة التي كان رئيسها الشرفي هو الحاكم العام جول كامبون (٢). وقد تمنت الجمعية أن تحصل منه على مراسلات من أفريقية. أما ديبون وكوبولاني فقد ذكرا أن أحمد بن مجقان أصله من تيزي وزو، وأنه عندئذ كان في الكونغو، وذكرا أنه قدم لهما مخطوطا عربيا (٣). ويذكر مصدر آخر أن ابن مجقان كان قد توفي في حدود
стр. 2731
١٩٠٠ بالجزائر بعد معاناة من أمراض المناطق الاستوائية، ولكن هذا المصدر لم يحدد بالضبط تاريخ وفاته، إنما ساق خبرا يفهم منه ذلك، وهو أن الإنكليز قد أخبروا أن أحمد بن مجقان قد قتل سنة ١٩٠٠ بعد صدام مع قوات رابح في باجيرمي (التشاد). ويشكك المصدر في أن الإنكليز قد يكونون أذاعوا ذلك عنه استنادا إلى خبر خاطئ أو يتعلق الأمر بمترجم جزائري آخر.
ومهما كان الأمر فإن أعمال ابن مجقان كانت في ميدان الترجمة الشفوية والعمليات العسكرية لصالح الفرنسيين. وليس لدينا ما يدل على أنه كتب مذكرات أو رحلة، رغم أن المجلة المذكورة تمنت أن يراسلها من أفريقية. ويظهر أنه كان متعلما حاذقا وشجاعا ومخلصا لقضية أخرى غير قضية بلاده. وقد وظف كل طاقته لها. ويذكر السيد كريستلو، الذي عرف المنطقة التي عمل فيها ابن مجقان في افريقية، أن أهل يولا ما يزالون إلى اليوم يذكرون باندهاش قصة ابن مجقان بينهم (١).
ومن المترجمين العسكريين السيد رجم، الذي لا نعرف سوى أنه كان من قسنطينة، من عائلة شهيرة بها، وأنه كان حائزا على الباكلوريا في الآداب والعلوم، وكان يحسن العربية والفرنسية، وكان مترجما للضابط الفرنسي، جنتيل Gentil، في باجيرمي نواحي تشاد. وقد اتهم رجم بالتدخل في الشؤون السياسية المحلية، كما يقول كريستلو. ويبدو أنه رجع إلى نشاط الطريقة السنوسية، إذ زار زاويتها في بئر علالي مع الضابط المذكور فقبض عليه وسجن، ولا ندري الآن مصيره بعد ذلك (٢).
وقد أثار أحد هؤلاء المترجمين ضجة في آخر القرن الماضي، وهو
стр. 2732
مسعود الجباري. فهو مثل أحمد بن مجقان، من خريجي مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال). وكان يمتاز بالذكاء وازدواجية اللغة والطموح. ولد بنواحي عنابة، وبعد حصوله على الشهادة وظفه الفرنسيون في فرقة الخيالة وأصبح من المترجمين بعد ذلك في الترجمة العسكرية. ثم تولى الترجمة في ميدان القضاء منذ ١٨٨٧. وتجنس أيضا وشارك في أعمال الترجمة بتونس بعد احتلالها. وكان ظهوره قد صادف اهتمام الفرنسيين بالصحراء وعبورها إلى افريقية حيث السودان القديم. ولمؤهلاته جندته الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس للقيام بمهمة بأفريقية سنة ١٨٩٢. فتوجه إلى هناك متنكرا في زي خطاط الرمل وكاتب الحروز (الأحجبة).
وقد تجول الجباري في افريقية وبقي هناك حوالي سنتين بين لاقوس وأعالي النيجر. وادعى أنه جمع معلومات حيوية للجمعية وطالبها بدفع تكاليف أدلائه الأفريقيين ولكنها رفضت ذلك. وقيل إنه مرض وحاول الانتحار، وقضى أسابيع في أحد المستشفيات يتداوى من جروحه قبل رجوعه إلى تونس (مايو ١٨٩٤). وفي التقرير الذي كتبه ادعى للفرنسيين أنه أسس جمعية دينية سرية تمتد اثارها من السينيغال إلى أثيوبيا، وأنه عثر على قبر المستكشف كرمبل، وتعرف على أربعة أوروبيين مسجونين عند التوارق من بينهم فلاترز. وألقى الجباري محاضرة في معهد قرطاج (تونس) أعلن فيها هذه الأخبار المثيرة. فصدقه البعض وكذبه آخرون.
وبعد أن ذهب إلى الجزائر توجه منها إلى باريس. وفي باريس ألقى محاضرات أمام آلاف المهتمين عن بعثته المثيرة وعن مشاهداته فأثار العجب. وعينت الجهات الفرنسية بعثة أخرى لكي تتحقق من معلوماته سيما فيما يخص فلاترز. وكان الجباري صاحب قلم ولسان فصيحين. فأثر على الجمهور الباريسي بمنطقه. وكتب مقالات في بعض الجرائد وقدم أحاديث إلى أخرى، وذلك في خريف ١٨٩٥. وقد تبنت آراءه صحيفة (لوجور). واهتزت الحكومة العامة في الجزائر فأمر جول كامبون بفتح ملف للتحقيق في مسألة فلاترز. وأجرى الجباري مقالمة مع صحيفة (لو جورنال) وبعث برسالة
стр. 2733
إلى صحيفة (الأخبار)، ثم ألف كتابا صغيرا سماه (الناجون من بعثة فلاترز)، ونشره في تونس سنة ١٨٩٥. ونحن لا ندري إن كان الجباري قد كتب أو ترجم أعمالا أخرى، أو ترك مذكرات وتقاييد سواء عن افريية أو عن حياته الخاصة. ولكنه كان على كل حال من فئة النخبة المتجنسة التي تعاطت الترجمة والعسكرية، ومع ذلك لا نعرف آراءه في الاندماج والحضور الفرنسي في بلاده (١).
وهناك مترجمون آخرون ساهموا في هذه البعثات الفرنسية نحو افريقية في آخر القرن الماضي. منهم الفقيه عبدالقادر بن الحاج البوسعادي، والطبيب محمد بن السعيد مقبل، والإداري ميلود بن عبد السلام، والمغامر قدور بن العربي (المملوك). وقد تناولنا هؤلاء بشيء من التفصيل في بحثنا الخاص بهم (٢).
ولنشر أيضا إلى السيد العلمي عليش الذي استعان به الصحفي الفرنسي، جورج ريمون، أثناء حرب طرابلس ١٩١١ - ١٩١٢، فقد اصطحب معه هذا المترجم الجزائري لأن ريمون كان لا يعرف العربية ولا التركية. ولا ندري الآن هل كان عليش من العسكريين العاملين في الجيش الفرنسي أيضا أو أنه كان مجرد مترجم حر أو عارف بالعربية والفرنسية (٣).
بعد أن استتب الأمر للفرنسيين ونظموا فرق المترجمين في مختلف
стр. 2734
الميادين، ظهر عدد من المترجمين في الإدارة والجيش (المكاتب العربية بالخصوص)، والاستشراق، والقضاء. وقد ساهمت المدارس الشرعية الثلاث ومدرسة الآداب (الكلية) أيضا في تكوين جيش من المترجمين. وتنافس بعض المترجمين في إصدار الكتب والنصوص في مختلف التخصصات. وكان أفضلهم أولئك الذين عملوا في التعليم والإدارة (سيما الأهلية) والجيش. أما القضاء فكان حظ المترجمين للنصوص فيه ضعيفا نسبيا. وكثير من رؤساء المكاتب العربية والبلديات الكاملة أو المختلطة قد ألفوا أعمالا تنم عن معرفتهم للعربية الفصحى والاستفادة من نصوصها وليس مجرد معرفة الدارجة. أما المستشرقون فقد كانوا بالطبع أبرع من غيرهم في ترجمة النصوص والاستفادة من المصادر. وقد وظفوا مواهبهم في ترجمة النصوص من اللهجات العامية والبربرية أيضا وما كانوا يسمونه بالفولكلور. ونحن لو عدنا إلى المجلة الأفريقية أو مجلة الجمعية الجغرافية وغيرهما لعثرنا على أسماء كثيرة في ميدان الترجمة الكتابية. ومعظم أصحابها من الفرنسيين واليهود الذين تجنسوا بالجنسية الفرنسية ..
ولعل من بين هؤلاء (اليهود) موريس بن حزيرة، الذي يوصف بأنه ضابط مترجم. فقد قام سنة ١٩٠٥ بدراسة مطولة عن منطقة الطوارق - الهقار -. وكان الجنرال (لابرين) قد كلفه بدراسة المنطقة. وقد تعلم لهجة التماشق (ويسميها التماهق) وكان يعرف العربية (١).
كانت الترجمة في البداية عند الفرنسيين وسيلة فهم واتصال مع الجزائريين، ثم أصبحت وسيلة تسلط وإنتاج. يقول فيرو إن الفرنسيين قد فهموا مدى أهمية اللغة العربية وأنها واسعة الانتشار بين الأهالي. ورغم عدم مبالاة الفرنسيين باللغات الأجنبية فقد اضطروا إلى دراسة العربية الدارجة، كما أن البعض قد درس المكتوبة أيضا. ويضيف: ها نحن نرى (سنة ١٨٧٦)
стр. 2735
لغة محمد ﷺ تدرس في ليسيه الجزائر وفي الكوليجات (المتوسطات) البلدية، وفي المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث. وفي نفس الوقت أصدر بعض الأساتذة الفرنسيين معاجم وكتبا في النحو ومجموعة من المؤلفات التعليمية. لقد كان القداس الأول في الجزائر قد ألقاه المترجم العسكري القس شارل زكار، ثم جاء مترجم آخر ليفتتح أول درس بالعربية للفرنسيين، ثم توارد على الجزائر برينية وشيربونو، وكلاهما من مدرسة اللغات الشرقية بباريس، وفي الخمسينات جاء الدكتور بيرون ليتولى إدارة المعهد (الكوليج) العربي - الفرنسي، ثم توالى المترجمون في مختلف المجالات بعد ذلك (١).
هكذا صور شارل فيرو مسيرة حركة الترجمة في الجزائر، وهي الحركة التي بدأها شذاذ من كل جنس ودين، وطورها مستشرقون عسكريون، كرسوا حياتهم لخدمة السلطة الاستعمارية ووظفوا لذلك عددا من الجزائريين. فاستفادت اللغة الفرنسية ولم تستفد اللغة العربة أي شيء، بل كانت تموت بالتدرج كما خطط لها أنصار الترجمة من العربية إلى الفرنسية فقط. لقد كانت العربية هي الخاسرة لهذه الأسباب:
١ - سيطرة اللغة الفرنسية في الإدارة والقضاء والصحافة والجيش ثم الشارع، سيما في المدن الرئيسية.
٢ - تدريس اللهجات العربية للفرنسيين والأوروبيين وحتى للجزائريين في المدارس.
٣ - تدريس بعض اللهجات البربرية منذ أواخر القرن الماضي، ثم تسييس تعلمها وجعلها منافسة للعامية والفصحى.
٤ - مهاجمة الإسلام والقرآن من قبل رجال الكنيسة والتقاء آراء هؤلاء مع آراء المستشرقين في كثير من الوجوه.
٥ - اعتبار اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة واللغة العربية لغة أجنبية.