الكبيرة كالإفتاء والقضاء. وفي هذه الحالة يصبحون هم كبار الأساتذة في البلاد لأنهم في الغالب من ذوي الخبرة والتبحر في المسائل العلمية. ولذلك يصبح التعليم الذي ينشرونه نوعا من التعليم العالي، رغم أنه لم يكن يسمى كذلك، وكانت حلقات درسهم موئل الطلبة والعلماء الآخرين الذين يرغبون في زيادة معارفهم ونيل الإجازات بعد ختمة البرنامج، وكانت شهرة الأستاذ وتخصصه في فرع معين وفصاحة لسانه هي التي تجلب إليه الطلبة حتى تتضخم الحلقة التي يتصدرها في الجامع فيغطي بذلك على بعض زملائه ويسكت خصومه، وكان هذا المستوى من التعليم يعطى في الجوامع الكبيرة الموجودة في كل مدينة، أما في الأرياف فموضعها هو الزوايا، وأساتذتها أحرار كما أسلفنا لا يخضعون لتسمية المسؤولين، وغالبا ما يكون أساتذة الزوايا من المرابطين الذين تفرغوا لنشر التعليم على طريقتهم.
وقد اشتهر في كل عصر وفي كل مدينة عدد من المدرسين والأساتذة، وسجلت كتب السيرة أخبارهم وأخبار من أخذ عنهم ومدى سمعتهم بين الناس وبين أهل السلطة، ونحن لا نريد أن نكرر أسماءهم هنا وحسبنا أن نحيل على بعض الكتب التي تتناول الكثير منهم مثل (البستان) لابن مريم و (مطلب الفوز والفلاح) للبطيوي، و (منشور الهداية) للفكون، ورحلة الورتلاني، ورحلة أبي راس، وتاريخ ابن المفتي. ونحب أن ننبه إلى أن بعض هؤلاء المؤلفين قد بالغ في وصف الأساتذة وخلط بين قدرتهم على التدريس وبين تصوفهم، ولكن مؤلفاتهم على كل حال تظل مصدرا أساسيا لدراسة مشاهير الأساتذة في الجزائر في العهد العثماني على طوله. ولنشر إلى أنه قد زار الجزائر في القرن الحادي عشر (١٧ م) العالم التونسي أحمد بن مصطفى برناز وقرأ على بعض أساتذتها فذكر أن ممن درس عليهم في عنابة الشيخ أحمد بن ساسي البوني والشيخ المفتي الصديقي. وفي قسنطينة الشيخ المفتي بركات بن باديس والشيخ علي الكماد والشيخ عبد اللطيف الكماد، وفي مدينة الجزائر قرأ على الشيوخ رمضان بن مصطفى
стр. 317
العنابي (١)، وعلي بن خليل، ومحمد بن سعيد قدورة (٢) وفي زواوة قال إنه قرأ على الشيوخ الغربي الفاسي، وعبد القادر بن الموهوب، وأحمد بن عبد العظيم، (الذي سماه القطب)، ومحمد بن صولة الشهير بتدريس القراءات السبع، وأحمد بن مزيان الزواوي (٣)، وأحمد البصير البرغوثي الذي قال عنه إنه قد ناف على المائة سنة (٤).
وقد يشتهر المدرسون في وقت واحد ويتنافسون فيما بينهم فتنتج من ذلك حركة تعليمية مفيدة ويجد الطلاب مجالا للاختيار والحكم على أساتذتهم. فقد كان في الجامع الكبير بالعاصمة حوالي تسعة عشر أستاذا ومدرسا. وشهدت مراكز التعليم بمعسكر في آخر القرن الثاني عشر (١٨ م) حركة نشيطة شارك فيها أبو راس وبوجلال والطاهر بن حوا ومحمد بن زرفة ومحمد الشارف. واجتمع في قسنطينة، حوالي نفس الوقت، مدرسون وأساتذة أمثال المفتي عبد القادر الراشدي وأحمد العباسي، قاضي المالكية، وشعبان بن جلول، قاضي الحنفية، وعمار الغربي ومحمد العربي بن عيسى.
وكان جامع القيطنة في بداية القرن الثالث عشر يضم حوالي سبع حلقات تدريس على رأس كل منها مدرس. ومن أشهر المدرسين في غير المدن أيضا خليفة بن حسن القماري بوادي سوف ومحمد بن عبد الكريم التواتي في توات، وهلم جرا. وقد عرفنا أن بعض العلماء لم ينقطعوا عن التدريس حتى
стр. 318
في أحرج الظروف وفي أخطر الأماكن. ومن هؤلاء الشيخ مصطفى الرماصي الذي كان يسكن بأهله بيوت الشعر في رأس أحد الجبال أيام الفتح الأول لوهران. ومع ذلك لم يتوقف عن التدريس. وكذلك كان الأساتذة الذين حملهم الباي محمد الكبير على التدريس في جبل المائدة قرب وهران عند الفتح الثاني لها.
وقد روى ابن مريم أن الشيخ علي بن يحيى السلكسيني، وهو في نظره من الأولياء المتصوفين، كان محققا في الفرائض والحساب والرسالة ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومختصر خليل وعقائد السنوسي وأحكام القرآن وأنه كان يظل نهاره صائما يدرس العلم في جامع أغادير بتلمسان ولا ينقطع عن التدريس إلا وقت الصلاة والأذان. وكان من حرصه على الدرس أنه لا ينقطع عنه حتى عند توجهه للأذان أو أدائه عملا آخر. فقد كان إذا خرج إلى ضيعته يرافقه القراء إليها في الذهاب والإياب، وهو على ظهر دابته يدرس لهم. ولم يكن يسمح لأحد بمساعدته على خدمة الأرض التي كان يحرثها بنفسه (١). ولا شك أن هذا المثال يتكرر. وروي أن الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي، شيخ عبد العزيز الثميني، كان منقطعا للتدريس في بني ميزاب (٢). فقد كان التعليم عند بعض رجال التصوف، وخصوصا في الريف، نوعا من العبادة والجهاد أيضا. وسيمر بنا أن الشيخ عمر الوزان في قسنطينة قد اعتذر لأصحاب السلطة عن قبول وظيفة القضاء وتمسك بوظيفة التدريس.
٢ - أجور المعلمين:
ولكن ليس كل المؤدبين والمدرسين والأساتذة متصوفة لا ينتظرون من تعليمهم جزاء ولا شكورا. فقد كان معظمهم، على عكس ذلك، حريصين كل الحرص على تأمين قوتهم وكسب معاشهم سواء عن طريق الأوقاف أو
стр. 319
عن طريق الأجور الشهرية التي يدفعها الأهالي أو عن طريق الهدايا والعطايا التي تجود بها أيدي المحسنين من وقت لآخر. فما هي إذن أجور المعلمين؟ الواقع أن هناك غموضا كبيرا حول هذه النقطة. فليس هناك قوانين أو تقاليد ثابتة نرجع إليها في هذه القضية. ذلك أن بعض الباحثين قد تحدث عن كون الأوقاف هي كل شيء وكون الدين هو المتولي للنفقة على التعليم. ومنهم من رأى أن نفقات التعليم الابتدائي كانت هينة جدا لا تكلف الدولة شيئا ولا تكلف الآباء أيضا إلا مبلغا زهيدا. ومنهم من تحدث على أن التعليم في الجزائر العثمانية كان مجانيا وحرا وأنه كان نموذجا للمشاريع الاجتماعية والعلمية التي تتم بأبسط النفقات.
فإذا عدنا إلى وثائق الوقف وجدناها، كما عرفنا، تنص على تخصيص مبالغ للمعلمين إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسة للتعليم، كما كانت تنص على توفير السكن لعدد من الطلبة الدارسين والطلبة العلماء الذين لا سكن لهم أو الذين كانوا فقراء. فهذه زاوية القشاش قد نصت وقفيتها على تخصيص مال لأستاذ مكلف بتدريس الشريعة والتوحيد إلى جانب عشرة قراء في مختلف العلوم. ونصت وقفية جامع عبدي باشا على صرف خمسة ريالات فضية لأستاذ ملحق بالجامع وصرف ريال لمساعده أو مسمعه. وحين ألحق الباشا محمد بن بكير مدرسة بالجامع المذكور نص في وقفها على تخصيص مبلغ لأستاذ ملحق بالمدرسة. وكانت أوقاف سبل الخيرات تنفق بسخاء على مدرسي وأساتذة الجامع الجديد، كما كانت أوقاف الجامع الكبير بالعاصمة تكفي مؤونة مدرس الفقه المالكي وأربعة دنانير لمساعده أو مسمعه. ولما أسس الحاج محمد خوجة المكتابجي زاويته المعروفة باسم زاوية شيخ البلاد نص في الوقفية (وعددها ألف قطعة سلطاني ذهبا) على تخصيص محبوب منها لأستاذ يتولى فيها تدريس العلوم النظرية والعلمية والأصول والفروع والآداب والجدل إذا وجد من يجمع كل هذه العلوم وإلا فمن يحذق بعضها.
وقد أجرى صالح باي في قسنطينة على الأستاذ الذي يتولى التدريس في مدرسته ثلاثين ريالا شهريا. وثبت من السجل الذي أمر به لضبط
стр. 320
مصاريف الجامع الكبير بقسنطينة أن أستاذ المدرسة الملحقة بالجامع كان يتقاضى ثمانية وأربعين ريالا شهريا, ويبدو أن الباي محمد الكبير قد قام بمحاولة فريدة من نوعها، وهي تخصيص رواتب شهرية للأساتذة بقطع النظر عن الأوقاف. فبعد أن بنى مدرسة وجامعا في معسكر وأوقف عليهما الأوقاف خصص مبالغ مالية شهرية من ميزانية الولاية للمدرسين والمسمعين والطلبة. ورغم أن عبارة ابن سحنون الذي جاء بهذا الخبر غامضة فإنها تدل على أن الباي قد حرر العلماء من التقتير الذي كانت تجود به الأوقاف. وهذه هي عبارة ابن سحنون في هذا الصدد (أنه رتب المدرسين في الجوامع بوظائف يأخذونها من الأحباس (بيت المال؟) بعد أن كان العلماء لا ينتفعون من ناحية المخزن (الدولة) بشيء إلا من كان متوليا لخطة أو مستعملا في خدمة) وبذلك ازدهر التعليم وانبسطت رقعة الرزق أمام المدرسين وأقبلوا على القراءة بعد خمول وكثر الطلبة، كما يقول ابن سحنون، (وتشوق كل أحد للتدريس) بعد أن كان المدرسون قد اشتغلوا بالتجارة عن التدريس لقلة جدواه. وبذلك أيضا أزال الباي المذكور اختصاص بعض المغاربة (علماء المغرب الأقصى) المتقدمين في باب التدريس (١). ويبدو أن هذا كان شأن الدولة السابقة للعثمانيين في الجزائر. فقد أثبت الحسن الوزان أنه كان لمدرسي تلمسان على عهده (القرن العاشر) جرايات قارة، رغم أنه حكم كما عرفنا، بأن المدرسين كانوا من أفقر طبقات المجتمع.
وبالإضافة إلى ذلك كان المدرسون يتلقون مبالغ مالية أخرى في شكل هدايا أو عطايا في مناسبات معينة. وأهم هذه المناسبات هي شهر رمضان والعيدان (عيد الفطر وعيد الأضحى). فقد جاء في (التشريفات) أن الطلبة (العلماء) كانوا يتلقون في الحفلات حوالي مائة محبوب (٢). كما جاء في فيها أن القاضي الحنفي والمفتي المالكي كان كل منهما يأخذ شهريا خمسين
стр. 321
صاغة من ضريبة مفروضة على اليهود. أما المفتي الحنفي فلقد كان يأخذ من نفس الضريبة ثمانين صاغة (١). وقد نصت وقفية زاوية شيخ البلاد المشار إليها سابقا على أن يشتري الوكيل في نهاية كل شهر ربع قنطار من الزلابية لتوزيعها على موظفي الجامع وعلى الطلبة الساكنين بالزاوية وتخصيص ريال دراهم صغار شهريا لمساعدة الأستاذ المكلف بالتدريس في جامع الزاوية، وكان الباي محمد الكبير يوزع على الأئمة والخطباء والمدرسين والمؤدبين أثناء المواسم والأعياد بعض المال اهتماما بهم. وكان هذا المال يتراوح بين الدينار الواحد والثلاثة دنانير لكل منهم.
ولم يكن هذا هو كل ما كان يجنيه المدرس والأستاذ من فوائد مادية. فبالإضافة إلى ما ذكرناه، هناك السكن وبعض الامتيازات الأخرى. فحين بنى صالح باي مدرسة جعل وقفها ينص على تخصيص خمس غرف للطلبة والأساتذة. وكانت زاوية الجامع الكبير بالعاصمة تحتوي على طابقين من الغرف المخصصة لسكنى العلماء والفقراء والغرباء، وقد نزل في هذه الزاوية بعض العلماء الضيوف كأحمد الورززي المغربي خلال القرن الثاني عشر (١٨ م). وكانت الوقفيات تنص على شراء الزيت للإضاءة وتوفير الماء للشرب والطهارة، وأجرة المنظفين وغير ذلك من توابع السكن. وكانت زاوية شيخ البلاد تحتوي أيضا على خمس غرف لسكنى الطلبة والمدرسين وإلى جانبها جامع للصلاة وبئر للشرب والطهارة وميضات ونحو ذلك. وكان بعض المدرسين والأساتذة يتولون أيضا وظائف أخرى كوكالة الوقف والإمامة والخطابة والقضاء ونحوها. وكانوا يجنون من ذلك أموالا هامة كما كان معظم المدرسين والأساتذة يحصلون على الحلوى يوميا خلال شهر رمضان والملابس أثناء عيد الأضحى. وتتراوح رواتبهم السنوية من الأوقاف بين مائة ومائتي فرنك (٢).
стр. 322
أما أجور المؤدبين فقد كانت أكثر غموضا من أجور المدرسين والأساتذة. ومن المؤكد أن أغلبها يأتي من الأهالي لا من الوقف (١). وبناء على بعض التقديرات فقد كان المؤدب يأخذ حوالي ثلاثين فرنكا شهريا على كل طفل موزعة كما يلي: أربعة عشر أجرة، خمسة في شكل هدايا في الأعياد، وإحدى عشر عطايا خلال مراحل تعلم الطفل مثل مناسبة حفظ القرآن. وكان لكل مؤدب بين عشرين وثلاثين طفلا فيكون معدل دخل المؤدب اليومي حوالي فرنكين. ويضاف إلى ذلك مدخول المنح الاستثنائية والوظائف الأخرى كالإمامة والأذان. ولذلك فإن المؤدب لم يكن يشكو ماديا، فقد كان عيشه رغدا نوعا ما كما كان محل احترام معنوي (٢). وقد ذكر باحث آخر أن المؤدب كان يأخذ ما يعادل (بيني) إنكليزي أسبوعيا (٣). وذكر آخر أن التلميذ كان يدفع ربع بوجو شهريا (٤). ولم يحدد أحدهم مقدار ما يدفعه التلميذ في عهده ولكنه قال إن تكاليف التعليم الابتدائي أو القرآني كانت هينة جدا، وأقر بأن هناك تكاليف يتحملها الآباء.
ومهما حاولنا التوصل إلى معرفة تكاليف التعليم لكل أسرة لها أطفال في التعليم الابتدائي فإننا لا نستطيع لأن الأمر يختلف من فترة إلى أخرى ولأنه كان يتوقف على أحوال الأسرة فقرا وغنى، في الريف أو في المدينة. ومن الواضح أن تكاليف التعليم الابتدائي لم تكن كلها في شكل نقود
стр. 323
أسبوعية أو شهرية للمؤدب فقد كان آباء التلاميذ يرسلون أشياء أخرى غير مالية إلى المؤدب كالثياب والحطب والزيت والحلويات والقمح واللحم والزيتون ونحوها. وهذا كله يتوقف على وضع العائلة ومكانها في الريف أو المدينة، كما أنه يشير إلى الأمور الظاهرة والمتعارف عليها بين الناس. ولكن هناك أمور أخرى بين المؤدب والآباء لا يعلمها إلا الله وأصحابها. فبعض الناس كانوا يعولون المؤدبين خفية محتسبين ذلك عند الله، فكانوا يرسلون إليه العشاء كل ليلة ويدفعون إليه مالا كل يوم جمعة أو آخر كل شهر.
ولكن إذا كانت أجور المؤدبين وافرة ومستقرة نسبيا فإن مرتب المدرس والأستاذ كان غير مستقر وغير مضمون. فالوقف قد ينضب وقد لا يكفي حاجة الجامع والزاوية. والهدايا قد لا تأتي في مناسبتها لأنها مرتبطة بأمزجة أصحابها وظروف العائلات وكرم الحكام. وما دام المدرس والأستاذ لا يشعر بالأمن في رزقه، لأنه لم يكن يتمتع بأجر ثابت من بيت المال، فإن التعليم في الحقيقة كان هو الضحية. وقد اضطرت الحياة الاقتصادية عددا من خيرة الطلبة والأساتذة إلى الهجرة إما لطلب المزيد من العلم وإما لطلب العيش في ظروف أفضل. وكان ضيق مجال العمل أمام المتعلمين سببا آخر في نفور المعلمين من البقاء في الجزائر. فإذا تحدثنا عن انتشار التعليم في الجزائر العثمانية فلنتذكر بأنه كان في جملته تعليما ضعيفا لا يقدم كثيرا للأمة ولا يحرك آمال الشباب ولا يثير فضولهم ولا يفتح أعينهم وعقولهم على عوالم جديدة وأفكار حرة وغريبة عنهم. وقد سبق أن قلنا إن أساس التعليم كان الدين لا الدنيا أو الجمع بينهما. وقد روي عن أحد مشجعي التعليم في القرن الثاني عشر أنه كان يطوف المدارس وينصح الطلبة بالعمل مرددا هذا البيت:
وارغب لكفك أن تخط بنانها ... خيرا تخلفه بدار غرور (١)
стр. 324
٣ - التلاميذ:
عرفنا أن أعمار التلاميذ المترددين على الكتاتيب كانت تتراوح بين السادسة والرابعة عشرة، وفي السن الأخيرة يكون التلميذ النابه قد ختم القرآن الكريم مرة أو عدة مرات وتعلم القراءة والكتابة وقواعد الدين وأوليات الحساب. وقد يصبح في السنتين الأخيرتين مساعدا للمؤدب في تعليم الأطفال الأصغر منه سنا. وهو في هذه المرحلة يسكن عند أهله ويغدو ويروح على الكتاب الذي يكون عادة قريبا من منزله. غير أنه يلاحظ أن بعض سكان الريف كانوا يرسلون أبناءهم إلى المدينة للتعليم. وفي هذه الحالة يسكن التلاميذ عند أصدقاء أو أقارب العائلة وتكون إقامتهم مجانا.
وكل أسرة يتقدم أطفالها في تعليمهم تعتبر محظوظة وسعيدة. وهي تعبر عن فرحتها وسعادتها بالاحتفال بالطفل عند ختمه القرآن فتقيم مأدبة تدعو إليها الأطفال الآخرين كما يشترك الجيران في تبادل التهاني والأفراح. وتكون المأدبة بالنسبة للآخرين مناسبة غبطة وتنافس وتحريض للأطفال على تحقيق ما حقق زميلهم. ومن عادات الحضر في مدينة الجزائر في هذه المناسبة أن يركب الطفل على حصان مزين يقوده زملاؤه في الكتاب ويطوفون به شوارع المدينة معلنين نجاحه وتهنتئه في أصوات مطربة. كما يجتمع الأهل والجيران لتحية الطفل وتهنئته ويقدمون إليه الهدايا (١). ومن عاداتهم في ذلك أيضا أن يلبس الأطفال الملابس الجديدة لأن تلك المناسبة تعتبر تحقيقا لأمل كبير للأسرة وهو حصول ابنها على لقب (طالب). ومنذ هذه المناسبة يدخل (الطالب) حياة جديدة، فهو إما أن ينخرط في سلك الطلبة ويتابع دراسته الثانوية. وإما أن يصبح بدوره مؤدبا، وإما أن يدخل ميدان التجارة مع أهله، وإما أن ينضم، بعد فترة، إلى الجيش. غير أنه ليس كل طفل كان قادرا على مواصلة تعليمه، فأبناء الأغنياء هم عادة الذين يواصلون تعليمهم. ومن جهة أخرى فإنه منذئذ يبدأ والدا الطفل، وخصوصا
стр. 325
أمه، يفكران جديا في تزويجه وتحميله مسؤولية الحياة وحفظ أخلاقه وجسمه من الانحراف.
وكان عدد التلاميذ في كل كتاب يتراوح بين العشرين والثلاثين كما أسلفنا. ويتوقف هذا العدد على كثافة سكان الحي وعلى نجاح المؤدب وسمعته. ولا توجد إحصاءات دقيقة وشاملة لعدد التلاميذ ولا لعدد الكتاتيب. وكل الإحصاءات في هذا الشأن تقريبية. ومن ذلك أن الخمسين مدرسة أو كتاب في تلمسان كانت تحتوي على نحو ألفي (٢٠٠٠) تلميذ (١). وأن التسعين مدرسة ابتدائية التي في قسنطينة كانت تضم حوالي ألف وثلاثمائة وخمسين تلميذًا (٢). ويدل ذلك، كما لاحظ بعضهم، على أن كل الأطفال الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والعاشرة كان لهم مكان في المدرسة بمدينة قسنطينة. ولا شك أن مدارس مدينة الجزائر الابتدائية كانت تضم حوالي ألفي (٢٠٠٠) تلميذ إذا قارنا عدد المدارس بعدد السكان فيها، كما أن أهلها كانوا حريصين على تعليم أطفالهم في المرحلة الابتدائية.
أما التعليم الثانوي والعالي فأمره يختلف. فهو أساسا تعليم مجاني، أي أن الطالب لا يدير شيئا مقابل تعليمه. بل إن الطالب هو المدفوع له في هذه الحالة. فهو يحصل على السكنى والماء والزيت والحلوى والأكل، كما كان يتقاضى أحيانا مبلغا نقديا. وكان على الطالب أن يدرس وأن يتقدم في دراسته. وتشهد الإحصاءات على أن مائة وخمسين طالبا في قسنطينة من جملة سبعمائة كانوا يحصلون من الوقف على منحة سنوية مقدارها ست وثلاثون فرنكا. وكان حوالي ثلثي هذا العدد من طلبة الأرياف. وكانت سكناهم في الزوايا المعدة لذلك الغرض. أما الدراسة فقد كانت في المساجد والمدارس. وقد سبق أن أشرنا إلى أن طلبة التعليم الثانوي في قسنطينة كانوا
стр. 326
يجدون السكن في ست عشرة زاوية (١).
ولكن مصدر التعليم الثانوي ليس دائما متوفرا. فقد كان أساسا من الأوقاف التي كان يعتريها الخلل وعدم الاستقرار من تهاون الوكلاء وكثرة المستفيدين منها أو تحويلها إلى أغراض أخرى. ومن جهة أخرى كان عدد الطلبة يزداد. ولذلك كان الواقفون في أغلب الأحيان يحددون عدد المستفيدين من الوقف، وهو عدد لا يدل على اتساع حركة التعليم لأنه بالنسبة لعدد السكان كان ضئيلا جدا (٢). فقد اشترط وقف مدرسة صالح باي بقسنطينة قبول ثمانية طلاب فقط في النظام الداخلي على أن يسكن كل طالبين في غرفة واحدة (٣)، كما أنه قد نص في وقف زاوية شيخ البلاد بالعاصمة على أن يكون الطلبة من الأتراك (٤)، وكانت غرفها لا تتجاوز خمسة على كل حال. وكذلك الشأن في طلاب جامع سوق الغزل ومدرسته في قسنطينة، فإن عددهم كان اثني عشر طالبا ويحصلون على مائة وأربعة وأربعين ريالا (٥) فالطلاب هنا كانوا في حالة جيدة نسبيا إذا سمحت لهم ظروف الأسرة بمواصلة التعلم.
وتختلف أعداد الطلبة في المدارس الثانوية من عهد إلى آخر أيضا، كما أن إحصاءاتها غير دقيقة. وما دامت الدراسة في هذا المستوى تابعة للأوقاف فإن خط سيرها كان غير مستقر أيضا. لذلك يجب الحذر من الحكم القائل بازدهار التعليم في عهد الباي فلان مثلا لأن ذلك الحكم قد يكون صادرا عن
стр. 327
كاتب متحمس أو شاعر مادح. ذلك أن شروط نجاح التعليم قد لا تكون دائما متوفرة، ومن بينها الميزانية الدائمة واستقرار الأوضاع السياسية وحالة الأسرة. وعلى أية حال فإن بعض الإحصاءات تشير إلى أن زاوية القيطنة وحدها (وهي من المؤسسات المتأخرة في تكوينها) كانت تضم، قبل الاحتلال، بين خمسمائة وستمائة طالب (١). وقد قدر بعضهم أن التعليم الثانوي كان يمنح لعدد يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف طالب في كل إقليم من الأقاليم الثلاثة، أي بين ستة وتسعة آلاف طالب في القطر كله.
وقد عرفنا أنه لم يكن للجزائر في هذا العهد مؤسسة خاصة للتعليم العالي. لذلك كان يقع الخلط بين مستوى التعليم الثانوي والعالي حتى يصعب تحديد الفاصل بينهما. ورغم وصف بعض المدارس التي أشرنا إليها (بالعالية) فإنها كانت أبعد ما تكون عن نشر التعليم العالي المتداول مثلا آنذاك في جامع القرويين أو جامع الزيتونة. ففي ذلك الوصف إذن تجوز كبير. وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض الزوايا، فإنها لم تكن تنشر سوى التعليم المتوسط والثانوي. ويمكن أن نلحظ بدايات التعليم العالي في بعض الدروس التي كانت تلقى بالجامع الكبير بالعاصمة ومثله في تلمسان وقسنطينة، وفي مدارس وزوايا ابن علي الشريف والقيطنة والقليعة والخنقة ومازونة، بالإضافة إلى جامع عنابة في عهد أحمد بن ساسي البوني. ولكنها بدايات كانت مرهونة بسمعة الأستاذ والظروف السياسية ولم تكن تخضع لقواعد أو برامج معينة. ولا شك أن هذا من نقاط الضعف الأساسية في التعليم خلال العهد المدروس. فالطلاب الذين كانوا ينهون المرحلة الثانوية ويرغبون في المزيد من التعليم كثيرا ما كانت آمالهم تخيب فيركنون إلى الخمول ويكتفون بالقليل. ولكن القليل منهم فقط هم الذين كانوا يضربون بطون الإبل أو شراع السفن باحثين عن العلم في البلدان الإسلامية، وقد لا يعودون إلى بلادهم.
стр. 328
وكان أستاذ التعليم العالي في العادة يلقي ثلاثة دروس يوميا، واحد في الصباح وثان بين الظهر والعصر وثالث بين العصر والمغرب. وكل درس كان يستغرق من ساعتين إلى ساعتين ونصف. وكان لكل أستاذ مسمع أو ممل. وكانت حلقة الدرس مفتوحة للجميع. وتثبت بعض الإحصاءات أن المراكز التي أشرنا إليها كانت تستقبل بين ستمائة وثمانمائة طالب في كل إقليم، أي بين ألف وثمانمائة وألفين وأربعمائة طالب في القطر كله (١).
٤ - تعليم المرأة:
ولعل من سيئات العهد العثماني أيضا عدم إعطاء المرأة نصيبا من التعليم. ورغم أن هذه المسألة ليست خاصة بالجزائر فالظاهر أنها كانت فيها أكثر حدة. ذلك أن المرأة الجزائرية المسلمة كأنها كانت غائبة طيلة هذا العهد على المسرح الرسمي. فلا أميرات ولا سيدات مجتمع يشاركن في الحياة العامة ويكن قدوة للأخريات، ولا شواعر أو كواتب يسهمن في الحياة الثقافية وترقية الذوق الاجتماعي. فالمجتمع الجزائري من هذه الناحية كان أشل. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الحكام كانوا غالبا من العزاب والمغامرين. وكان ما يشغل وقتهم هو جمع المال والبقاء في الحكم، فإذا اهتموا بالمرأة فإنه لا يعنيهم منها دينها ولغتها وتعلمها ومكانتها الاجتماعية ولكن كونها من الجواري والأسيرات المسيحيات بالدرجة الأولى. وقد بالغوا في ذلك حتى اعتبروا الزواج من المرأة المسلمة مذلة وحطة من شأنهم، وجعلوا أبناءهم منها في درجة العبيد بينما أبناؤهم من الجواري والبايا المسيحيات أحرارا يحكمون ويرثون وظائف آبائهم. ومن ثمة لم يهتموا بتعليم المرأة المسلمة، كما أن معظم الحضر وسكان الريف قد أهملوا هذا الموضوع على قاعدة (الناس على دين ملوكهم) وغيرة على بناتهم في مجتمع لا تكاد المرأة تظهر فيه حتى يعتدى عليه (٢).
стр. 329
ومع ذلك فإن المرأة المتعلمة في هذا العهد لم تكن كبيض الأنوق: فنحن لا نتصور أن مجتمعا فيه أهل الأندلس وفيه مثقفون درسوا التاريخ الإسلامي ودور المرأة فيه يبخلون بتعليم بناتهم ولو تعليما متواضعا يفقههن في الدين ويدخلهن إلى قواعد اللغة. فنحن نتصور، لأن الوثاتق قليلة، أن بعض الآباء قد علموا بناتهم القراءة والكتابة وبعض القرآن الكريم وقواعد الدين ومبادئ اللغة، وهناك بعض النصوص المؤيدة لما ذهبنا إليه. فقد ذكر ابن مريم أن سليمان بن أبي سماحة قد اختصر صغرى محمد السنوسي في التوحيد للنستاء والعامة (١). كما ذكر محمد بن سليمان أن العالم الصوفي عبد الوهاب بن حميدة كان شيخا لأمه (٢). وأخبر أبو راس أن أمه كانت كرابعة العدوية علما وتقوى (٣). أما الورتلاني الذي طالما هاجم سفور المرأة حتى الريفية، كما فعل مع نساء زمورة، فقد ذكر أن إحدى زوجاته كانت تحفظ ربع القرآن والوظيفة الزروقية وأجزاء من رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وأن زوجته الأخرى كانت تنسخ الكتب، وأشار إلى أنه كان لجده بنتان كل منهما قد نسخت كتاب (التوضيح) (٤).
ولا شك أن كلام الورثلاتي المتصوف المحافظ يخالف ما نسب إلى الأمير عبد القادر من قوله بأن المسلمين لا يعلمون بناتهم مخافة أن تراسل الفتاة من تحبه بالرسائل الغرامية (٥)، فالتعليم كان قبل كل شيء لرفع الأمية واستجابة لدعوة الدين في طلب العلم ومعرفة الفروض وليس لأغراض أدبية
стр. 330
واجتماعية. وقد ذكر السيد شيلر الذي عاش في مدينة الجزائر أكثر من خمس عشرة سنة أن فيها مدارس خاصة لتعليم البنات لم يشهدها هو ولكن الناس حدثوه عنها، وأن النساء هن اللائي كن يدرن هذه المدارس (١)، وقد شمل تيار تعليم المرأة حتى بعض الرسميين، ذلك أنه ورد في بعض الوثائق أن وزير البحرية (وكيل الحرج) قد جاء بمعلم العربية إلى داره ليعلم بنتيه فكانت واحدة منهما قد حفظت ثلث القرآن وتعلمت القراءة والكتابة وعمرها لا يزيد عن أربع عشرة سنة (٢). أما المرأة الريفية فقد كانت أكثر ظهورا من المرأة الحضرية، وكانت تقوم بدورها الاجتماعي والاقتصادي بدون تحرج في حدود البيئة والتقاليد والدين، ولا شك أنها أيضا كانت تتلقى في صباها قواعد الدين ومبادئ القراءة على يد والديها إذا كانا من المتعلمين أو على يد مؤدب خاص أحيانا.
٥ - الكتب:
ومن أهم وسائل التعليم أيضا الكتب والمكتبات وقد تحدثنا عن المكتبات فيما مضى، وسنذكر في حديثنا عن الأساتذة أنهم كانوا يلجأون إلى توفير الإملاءات لطلابهم فنتج من ذلك عدد من التقاييد والحواشي والشروح، وهي جميعا تتحول إلى تآليف في مختلف الفروع. فالتعليم إذن كان باعثا على التأليف (٣).
المناهج
١ - في التعليم الابتدائي:
منذ كتب محمد بن أبي جمعة الوهراني رسالته (جامع جوامع الاختصار والتبيان فيما بين المعلمين وآباء الصبيان) أوائل القرن العاشر لا
стр. 331
نعلم أن مؤلفا آخر قد تناول قواعد التعليم والتربية أو مناهج التدريس في الجزائر خلال العهد الثاني، وقد كانت طريقة التعليم الابتدائي بسيطة بساطة التعليم نفسه: فالمؤدب كان يجلس عادة في صدر الكتاب متربعا على حصير أو نحوه، مسندا ظهره إلى الجدار، مرتديا عمامة وجبة وفوقها أحيانا برنس، وبيده عصا طويلة تصل إلى أبعد تلميذ عند الحاجة، وكان يلتفت يمنة ويسرة يراقب حركات التلاميذ وأداءهم لواجبهم. وعندما يحين وقت الإملاء يملي المؤدب بصوت عال على من يسأله من التلاميذ، وأحيانا ينهر تلميذا آخر يراه عابثا أو ضاحكا، وهو يحرك رأسه آذنا لمن يسأله الدخول أو الخروج.
وكان التلاميذ يتحلقون حول المؤدب في نصف دائرة وإذا كثروا تتعدد الدائرة، وهم أيضا كانوا يجلسون متربعين على حصير أو نحوه قبالة المؤدب، وبيد كل واحد منهم لوحة كبيرة أو صغيرة حسب إمكانيات التلميذ وعمره، وعلى اللوحة البيضاء والملساء من تمرير الطين عليها، كتب درسان (آيات من القرآن الكريم)، فعلى الوجه الأول درس الأمس وعلى الوجه الثاني درس اليوم، وإذا حفظ التلميذ درس الأمس واستظهره على المؤدب أجاز له محوه وكتابة درس جديد، وبذلك يحل درس اليوم محل درس الأمس، وهكذا إلى أن يأتي التلميذ على القرآن كله كتابة وحفظا، وكان كل تلميذ يمسك بلوحته بيديه إما من جانبيها وإما من خيط مثبت في أعلى وسطها. وهو في جلسته يتحرك بجسمه ورأسه أماما وخلفا وأحيانا يمينا وشمالا، وهو يقرأ الآيات المكتوبة بصوت عال، ويشترك جميع التلاميذ في ذلك إلى أن تحدث جلبة وضجيج وتختلط الأصوات، فلا تعود تسمع آيات القرآن وإنما مجموعة من الأصوات المدوية المبعثرة التي تتمازج فيها آيات القرآن. وكان مداد الكتابة هو السمق الأسود المستخرج من صوف الضأن والمصبوب بعد حرقه في الدواة، أما الأقلام فأغلبها من القصب، ولا نظن أن الأطفال كانوا، كما قال بعضهم، يكتبون ألواحهم بالطباشير (١). ولم يكن
стр. 332
الأطفال في هذه المرحلة يستعملون الورق للكتابة.
ويذهب التلاميذ إلى الكتاب مرتين في اليوم، صباحا ومساء، وفي كل مرة يبقون في الكتاب حوالي ساعتين. وقد جرت العادة أن الجلسة الصباحية هي المهمة لأن الاستظهار والمحو والكتابة من جديد تتم خلالها. فالتلميذ يغدو صباحا عند طلوع الشمس صافي الذهن فيأخذ لوحته ويقرأ فيها بعض الوقت ويستظهر درسه بنفسه أو بمعاونة زميله، فإذا وثق من أنه قد حفظ الدرس تقدم من المؤدب واستظهره (أو عرضه كما يقال في بعض الجهات) عليه، فإذا شعر المؤدب أن التلميذ قد تمكن من الحفظ أذن له بمحوه، ويذهب الأطفال الواحد بعد الآخر لمحو ألواحهم وتجفيفها في الشمس والهواء أو عند المدفأة، ثم يعودون بها مصقولة جافة ويجلسون بالقرب من المؤدب في غير نظام ويكتبون آخر الآية الموجودة في درس الأمس كبداية للدرس الجديد، ثم يستملون المؤدب بالنطق بتلك الآية بصوت عال فيكمل هو ويواصل الإملاء تلقائيا إلى أن يشير على التلميذ بالتوقف عندما يدرك أن ما كتبه يكفيه بناء على مستواه وسنه، وأحيانا يتوقف التلميذ نفسه عندما يأتي بالكتابة على آخر اللوحة، وعندما ينتهي التلميذ من مرحلة الإملاء يتراجع ويأخذ مكانه في الحلقة ويشرع في قراءة الدرس القديم. فإذا انتهى الجميع من الكتابة تحلقوا حول المؤدب، يكون الوقت الصباحي قد أوشك على الانقضاء ثم يبقى التلاميذ في انتظار الإشارة من المؤدب بالسراح، وذلك بضرب الحائط بالعصا مرتين أو ثلاثا. أما جلسة المساء فهي في الغالب بالحفظ بالطريقة التي وصفناها، في الدرس القديم استعدادا لاستظهاره ومحوه في صباح اليوم التالي، وهكذا. أما العطلة فقد كانت يومي الاثنين والجمعة.
وأخف أنواع العقوبة على التلميذ في هذه المرحلة هو التأنيب بالكلام وأقساها تسليط (الفلاقة) عليه، فالمؤدب قد يؤنب الطفل بكلمات جافة أو ينهره بقوة، وقد يضربه بعصاه على أصابع يده أو حتى على رأسه، وقد يكون المؤدب غير متوازن فيضرب التلميذ ضربا مبرحا أو عشوائيا فيرمي العصا في وجهه فيفقده عينا أو سنا أو نحو ذلك، وأغلب الآباء كانوا يرضون بتصرف
стр. 333
المؤدب، لأنه موضع ثقتهم، ويوجهون اللوم إلى التلميذ، وقد يقولون للمؤدب (العصا لمن عصى)، وهم يعنون بذلك أن الذي يستحق العقوبة هو العاصي أو المتمرد، ومن ثمة يستحق الضرب بالعصا، ولكن اللجوء إلى هذه المعاملة نادر جدا، وهو أساسا يعود إلى مزاج المؤدب، فإذا تكرر منه ذلك وكثرت ضده الشكاوي يعفيه الآباء من مهمته، كما سبق، كما أن اللجوء إلى الفلاقة لا يكون إلا في الأحوال النادرة حين يرتكب التلميذ خطأ كبيرا كالسرقة ونحوها، وتكون الفلاقة بوضع قدمي الطفل بين حبلين ممسوكين بعصا والضغط على القدمين بالحبلين حتى لا تنفلتان، ثم توقيع الضرب عليهما عشرا أو عشرين مرة أو أكثر وأحيانا حتى تدمى القدمان، ولا يستطيع المؤدب أن يقوم بهذه العملية وحده ولذلك يلجأ إلى كبار التلاميذ ليساعدوه عليها، وكثيرا ما أدت الفلاقة وقسوة المعاملة إلى هروب التلاميذ من الكتاب وانقطاعهم مؤقتا أو دائما عن التعليم في هذه المرحلة.
ومع ذلك فإن عددا من المؤلفين قد أشاد بالطريقة البيداغوجية الجيدة التي كانت متبعة في هذا المستوى من التعليم (١) فالعصا أساسا كانت تستعمل لإبقاء النظام وجلب الانتباه وليست للعقوبة وكانت العلاقة جيدة بين التلميذ والمؤدب، وهي تقوم على مبدأ احترام الصغير للكبير القائم عليه المجتمع كله، وعلى مبدأ آخر وهو احترام حفظة القرآن ورجال العلم من الجميع أيضا، وكان الآباء ينقلون، بالتقاليد، هذين المبدئين للأبناء، وتظل هذه العلاقة بين التلميذ والمؤدب محفوظة حتى عندما يصبح التلميذ رجلا مسؤولا فهو دائما ينظر إلى مؤدبه (أو شيخه) نظرة تجلة واحترام، يحييه ويقوم له في المجلس ويستشيره في الملمات، ويدعوه في المناسبات، ويذكره بعد الوفاة بعاطفة وتأثر. فهو حسب التقاليد، والده الروحي.
ويعتمد التعليم الابتدائي على الحفظ، فالتلميذ الذكي قد يختم القرآن حفظا وهو دون العاشرة. غير أن معدل سن حفظه كله هو الثانية عشرة
стр. 334
ويقضي التلميذ بقية السنوات (في العادة إلى الرابعة عشر أو أكثر) في تكرير القرآن على شيخه برواية ورش وقالون وغيرهما .. ومساعدته على التلاميذ الصغار، كما أنه يأخذ في إتقان الكتابة والقراءة وتعلم مبادئ الحساب وقواعد الدين وحفظ بعض المتون التي ستكون أساس تعلمه الثانوي، وخلال هذه المرحلة أيضا (الابتدائية) يتعلم التلميذ الخط ويجوده (١) وكان بعض المؤدبين يسلكون مع تلاميذهم مسلكا تربويا جيدا فيشاطرونهم ألعابهم ونحو ذلك، فقد روى محمد بن سليمان أن مؤدبه، وهو عمر بن يوسف، كان يخرج مع الطلبة يوم الخميس إلى المرجع خارج تلمسان ويلعب معهم الكرة (٢).
ولولا الاحتفالات التي أشرنا إليها والتي تكون عند ختم القرآن أو عدة أحزاب منه لكان هذا التعلم مملا، فقد كانت تلك المناسبات الاجتماعية تخفف على التلاميذ، وعلى المؤدب أيضا، بعض الملل والرتابة، ذلك أن التلاميذ كانوا ينطلقون في شوارع الحي أو طرقات القرية في براءة ونشاط معلنين نجاح زميلهم ومرددين عبارات البشائر والتهاني، ثم يذهبون إلى منزله ليأكلوا ما أعدته لهم أمه وأهله الفرحون بالنجاح. ويشترك معهم في ذلك أهل الحي أو القرية، وقد تتهاطل الهدايا على المؤدب الذي بفضله نجح التلميذ، وكثيرا ما كانت الأمهات تفاخر بهذا الحادث وتنشد له الترنيمات والأغنيات فرحا بمستقبل أبنائهن.
ولم يكن الانتقال من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي يتم بطريقة منتظمة، فكثير من التلاميذ كانوا ينقطعون، ولا سيما أولاد الفقراء كما سبق
стр. 335
أن أشرنا، عن الدراسة تماما، ثم يستأنفونها وهم كبار في المدارس والمساجد، وخلال هذا الانقطاع كان التلميذ ينسى معلوماته، وقد ينسى معظم القرآن الذي حفظه إذا لم يتعهده بالتكرار وصلاة التراويح به خلال شهر رمضان. كما أن بعض التلاميذ قد يدخلون ميدان التجارة أو الفلاحة (إذا كانوا من أهل الريف)، وقد ينخطرون في الجيش، إلى غير ذلك من شؤون الحياة الأخرى، والسبب في هذا الانقطاع الاضطراري للراغبين في مواصلة التعلم هو عدم وجود سلم تربوي ينتقل بمقتضاه التلميذ من مرحلة إلى أخرى. ذلك أن الغالب فيمن يذهب إلى المدارس والمساجد أن يكون رجلا ناضجا لا مراهقا في الرابعة عشر، والحق أن طلاب الثانوي، إذا استثنينا بعض طلاب زوايا الأرياف، كانوا في العادة آباء أو في درجة الآباء.
٢ - في التعليم الثانوي:
يلتحق الطالب بعد ذلك الانقطاع بالمسجد أو المدرسة ليتابع دراسته المتوسطة والثانوية. فإذا كان فقيرا أو قادما من مكان بعيد أعطى سكنا في الزاوية المعدة لاستقبال الطلبة الفقراء والغرباء، وقد لا يجد السكن في الزاوية ولكنه يجد فيها الطعام. كما أنه قد لا يجد فيها الطعام وإنما يجد السكن لأن كل ذلك خاضع لنصوص الوقف وإمكانياته وخاضع أيضا لإمكانيات الزاوية من هدايا الناس إليها ومداخيلها. ومن عادة الطلبة أنهم لا يدرسون في مدنهم أو جهاتهم بل يبتعدون عن مواطنهم فيقصدون المساجد والزوايا البعيدة التي اشتهر فيها بعض المدرسين أو اشتهرت هي بأنها قد أخرجت عددا من العلماء مثل مدرسة مازونة وزاوية ابن علي الشريف والجامع الكبير بالعاصمة.
يدخل الطالب إذن مكان الدرس فيجد المدرس أو المدرسين وحولهم الطلاب في حلق أو نصف دوائر، وكل مدرس يتناول مسألة أو كتابا معينا، فإذا كان الطالب قد كون فكرة واضحة عن مدرس بعينه قبل مجيئه فإنه يقصده مباشرة ويجلس إلى حلقته ويتابع دراسته معه في المادة التي يدرسها أو
стр. 336
المواد، (إذ أن بعضهم كان يدرس أكثر من مادة واحدة ولكنه قد يشتهر بواحدة كما سنرى)، أما إذا جاء الطالب وهو لا يدري عمن سيدرس فإنه يجلس إلى المدرسين عدة مرات حتى يستقر رأيه على واحد منهم أو أكثر.
والمدرس حر في وضع البرنامج الدراسي وفي تحديد أوقات التدريس في الغالب، فبعضهم كان يعد دروسه في الصيف ويلقيها في الشتاء (١)، وبعضهم كان يلقي دروسه ثلاث مرات في اليوم الواحد (٢)، كما أن بعضهم كان يلقيها في الصباح فقط أو بعد الظهر فقط، أو مرتين في النهار وقد لا ينقطع بعض المدرسين عن التدريس طول النهار (٣)، ومهما كان الأمر فإن معظم الدروس كانت، كما ذكرنا آنفا، في الصباح وبعد الظهر وبعد العصر. وبالتدرج ترتبط علاقة وطيدة بين الطالب والمدرس، ذلك أن المدرس هو الذي ينصح تلميذه بكيفية القراءة، وبالكتب التي عليه أن يدرسها وبطريقة تحضير الدرس، وبالمتون التي عليه حفظها، ونحو ذلك مما له علاقة ببرنامج التدريس. وكان الفرق بين مدرس وآخر، في نظر الطالب، بالإضافة إلى العامل النفسي، هو سيطرة المدرس على مادته ومدى حفظه لها ولفروعها وفصاحة لسانه وقوة شخصيته وإخلاصه في مهنته، وفي ضوء هذا كله كان الطالب يقرر الاستمرار مع المدرس أو الانتقال عنه إلى مدرس آخر أو حتى إلى مؤسسة أخرى. وما دام البرنامج شخصيا فإن الاستمرار فيه أمر شخصي أيضا، وكثير من الطلاب كانوا يغيرون وجهتهم بعد وفاة مدرسهم أو هجرته كما فعل سعيد قدروة بعد وفاة شيخه ابهلول المجاجي، وكما فعل عيسى الثعالبي عند وفاة شيخه علي بن عبد الواحد الأنصاري، فقد كانت الرابطة قوية جدا بين الطالب والأستاذ لدرجة أنها
стр. 337
أحيانا تغير مجرى حياة الطالب وتؤثر على مستقبله.
كانت ميزة الدروس في التعليم الثانوي (والعالي أيضا) هي الشرح والإملاء. فقد كان لكل مدرس مسمع يقرأ له النص أو جزءا من الكتاب المدروس، ثم يأخذ المدرس في شرح المسألة وتوضيحها والاستشهاد لها من محفوظه ومعقوله أو من (المنقول والمعقول)، وقد لا ينهي المدرس المسألة في نفس الجلسة، فإن ميزة المدرس الناجح هي الخوض في الجزئية الواحدة عدة مرات ومن عدة وجوه، وكلما أطال المدرس في المسألة وأفاض فيها كلما كان ذلك من ميزات نجاحه، وهو يختم درسه في العادة بإملاء خلاصات على الطلاب فينسخونها بحذق وعناية كما أن الطلاب أنفسهم يسجلون الدرس كله إذا كان المدرس واسع العلم غير متقيد بالمنقول والمسموع من المسائل، فإن الطلاب في هذه الحالة يصبحون حريصين على ألا تفوتهم شاردة ولا واردة من درس شيخهم. وبذلك يسهمون بدورهم في حركة التأليف التي كانت ممدوحة حينئذ (١).
كما أن الشيخ كان يسهم في حركة التدوين بوضع شروح على المسائل التي عالجها لطلابه أو يضع حواشي وتقاييد وتعاليق، بعضها عميق ومفيد تستفيد منه الأجيال اللاحقة، وبعضها كان مجرد تكرار لما سبقه أو اختصار للمطولات، وعلى كل حال فإن بعض التآليف المنسوبة إلى عدد من المدرسين والتي سنعالجها في الجزء الثاني كانت لا تخرج عن هذه الخاصية، ونعني بها الإملاءات والشروح والحواشي ونحوها، كما أن بعض المدرسين كانوا لا يهتمون بوضع الشروح والإسهام في حركة التأليف وتدوين العلم، أما مكان الدرس فأغلبه الجامع، كما عرفنا، وكان بعض المدرسين لا يتقيدون بمكان ولا حالة، فقد ثبت أن بعضهم كان يدرس وهو ماش إلى حقله أو هو صاعد إلى الصومعة للأذان، كما أن المسمع والطالب الجاد لا
стр. 338
يفارق شيخه حتى عندما يركب دابته، فهو يسير (عن يمينه أو شماله) (١) متلقيا عنه ما يفوه به من مسائل وآراء.
أبرز ميزة في المدرس أو الأستاذ هي الحفظ والرواية. فالمدرس الكفء (والعالم عموما) هو الحافظ لعدة علوم مع أسانيدها، وليس المراد حفظ المتون ونحوها بل حفظ بعض الكتب كاملة كشرح خليل والرسالة وابن الحاجب وغيرها من الكتب والشروح، وكانت ملكة الحفظ متوفرة وقوية حقا، فأهل المغرب، والعرب عموما كانوا يمتازون بالحفظ وكثير منهم كانوا يحفظون القصيدة أو القطعة ونحوها من سماعها الأول، ولذلك نجد المترجمين لأهل العلم في الجزائر خلال العهد المدروس (والذي قبله طبعا) يكثرون من عبارة (الحافظ) لعدة علوم. ففي (البستان) لابن مريم و (مطلب الفوز) للبطيوي وغيرهما كثير من ذلك، وقد قال أبو حامد المشرفي عن شيخه عبد الله سقط إنه (الحافظ الحجة التابع لجادة المحجة) وعن شيخه الثاني محمد بن مصطفى أنه كان يحفظ الخرشي على خليل ويمليه في الدرس، حفظا كما يحفظ أحدنا القرآن (٢) وقد وصف ابن زاكور المغربي شيخه ابن الكماد القسنطيني بأنه (العلامة الحافظ الدراكة ..) (٣) وقيل في ترجمة ابن الكماد أيضا (اجتمعت الكلمة على أنه أحفظ علماء عصره، بل ظهر من حفظه ما بهر العقول) (٤) كما وصف بالحفظ أبو راس وأحمد بن عمار وغيرهما.
وكانت ميزة الجمع بين عدة علوم أيضا من الميزات الهامة في الأستاذ الكفء وقد قيل عن ابن الكماد الذي سبق ذكره أنه كان يحسن اثني عشر علما، فإذا جمع المدرس إلى ذلك حذق الدرس بمفهومه ومنطوقه فهو صاحب (المفهوم والمنطوق) وهي أيضا من التعابير الشائعة عند العلماء في
стр. 339
هذا العهد. ومن جهة أخرى كانت الرواية، ولا سيما رواية علوم الحديث، مظهرا من مظاهر الثقافة عندئذ عند المدرسين. فالطالب كان يروي علومه عن شيخه وهذا عن شيخه وهكذا إلى أن يصل الطالب بالمسألة العلمية إلى صاحبها الأول عن طريق الرواية. فإذا كان الموضوع في الحديث النبوي فالرواية تعني الوصول به إلى النبي ﷺ ، وهو ما يعرف عندهم بالسلسلة وأحيانا يعرف بالسند أو الإسناد. وقد ألف الجزائريون في ذلك عدة تآليف وأشادوا بالحفظة والمسندين والرواة، ولهم في ذلك طرق معهودة وصيغ محفوظة. ومن أشهر من ترك آثارا في هذه النقطة (التي سنعود إليها في الجزء الثاني) أحمد بن عمار وعيسى الثعالبي وأبو راس وابن العنابي.
وبالإضافة إلى علوم الحديث كانوا أيضا يهتمون بالرواية في العلوم النقلية الأخرى كالتفسير والفقه. وقد قيل عن الأمير عبد القادر أنه أخذ التفسير والحديث والفقه والنحو وأصول الدين عن والده، كما أخذ والده هذه العلوم عن شيخه عبد القادر المشرفي، إلى آخر السند. ووصف لنا ابن حمادوش في رحلته طريقتهم في علاج درس البخاري بالجامع الكبير بالعاصمة على عهده.
ولا شك أن الملل كان يرافق جميع الدروس باستثناء تلك التي كان يلقيها مدرسون جمعوا إلى التعمق في المعرفة قوة الشخصية والسيطرة على اهتمام الطلاب. وكما اهتم المدرسون بالرواية اهتماما بالغا اهتموا أيضا بالدراية، وهي إدراك المسائل عقليا بعد تعلمها بالنقل، ولكن اهتمام علماء هذا الوقت كان بالرواية أكثر، ولذلك غلب النقل على العقل عندهم ومنطوق العلوم على مفهومها ذلك أن إدراك العلوم بطريقة عقلية كان يصل بهم إلى الاجتهاد واستعمال النظر أو ما نسميه اليوم حرية الفكر وهم لا يريدونه لأنهم لم يكونوا يثقون في علمهم ولأن ادعاء بعض المدرسين الاجتهاد كان يؤدي بهم إلى عواقب وخيمة كالاتهام بالزندقة والإلحاد والكفر ونحو ذلك.
وتنتهي علاقة الطالب بأستاذه لعدة اعتبارات. منها وفاة الأستاذ كما
стр. 340
أشرنا، ومنها انقطاع الطالب عن الدراسة لظروف خارجة عن إرادته، وكذلك انتهاء الأستاذ من المادة التي يدرسها ورغبة الطالب في متابعة دروسه في مستويات أخرى قد تكون خارج الجزائر. وكثير من الطلاب كانوا لا يصلون بدراستهم إلى نهايتها. ذلك أن البرنامج نفسه، كما أشرنا، غير محدد، ومن جهة أخرى فليس كل الطلاب في الدرس الواحد كانوا في مستوى واحد من العلم. فليس هناك تدرج محكم في التعليم يراعي مستوى الطلبة وقواهم العقلية، فقد يحضر في الدرس، الصغير مع الكبير والذكي مع الغبي والذي قضى فترة في التلقي مع الذي جاء لتوه. كما أن هذا النوع من التعليم لا ينتهي بشهادة أو نحوها، وأقصى ما يطمح إليه الطالب المجتهد والطموح هو حصوله على إجازة شفوية من أستاذه. وهي تسريحه ورضاه عنه.
وقد كانت الإجازة المكتوبة في البداية محددة ومقننة، فلا يعطاها أي طالب. ولكن بتوالي الزمن وضعف التعليم والتعلم وتدهور الحياة العقلية بصفة عامة أصبح منح الإجازات سهلا وشائعا، وكثيرا ما كان يمنح الطالب الإجازة سواء كان يستحقها أو لا يستحقها، أي من جلس للدرس وتتلمذ، ومن كان عابر سبيل، بل أصبحت الإجازة تعطى عن طريق المراسلة دون أن يرى الطالب المدرس أو يأخذ عنه شيئا، وبعد أن كانت الإجازة مقيدة بعلم أو كتاب بعينه أصبحت مطلقة غير مقيدة، وقد اشتهر بعض المدرسين بمنح الإجازات في الجزائر كعلي بن عبد القادر بن الأمين الذي قال عنه تلميذه محمد بن العنابي بأنه (قد أجاز كل من أدرك حياته)، وقد قلده ابن العنابي في ذلك أيضا، وهكذا. ومهما كان الأمر فإن الشهادة أو الإجازة هي آخر علاقة بين الطالب والمدرس، غير أن ولاء الطالب لأستاذه يظل قائما معبرا عليه بعبارة (شيخنا) ونحوها في كتابات الطالب.
ومن الملاحظ أن هناك فرقا في مستوى التعليم بين أساتذة وطلاب الحواضر والبوادي، ذلك أن الأولين، بحكم وفرة الكتب وحركة العلماء
стр. 341
وتعارضهم وكثرة الاختلاط والتنافس على الوظائف، كانوا أقوى عارضة وأنفذ حيلة وأوسع أفقا، وقد عرفنا شيئا من أوصاف الفكون لفئة من العلماء في قسنطينة وهو في الواقع يطلقها على جميع أهل الحواضر، ونجد في رحلة ابن حمادوش حوادث من هذا النوع أيضا حيث تهكم بطلاب البادية واعتبر طلاب الحاضرة أشد ذكاء وأغزر علما منهم (١). وكان أبو راس قد عاد من الريف إلى معسكر لأن التعليم فيها كان أقوى منه في الريف الذي لم يجد فيه ضالته، بل كاد يقتل فيه موهبته، وقد لاحظ الورتلاني أنه لقي في جامع بسكرة من يقرأ اللوحة بلا أدب ولا استقامة (٢). وعرفنا أن العياشي قد وصف فقهاء تقرت بأوصاف غير حميدة. وتضاءلت الحاجة إلى العلم حتى أصبح كل من يقرأ بعض القرآن ويفهم بعض المسائل الفقهية يعتبر من أهل العلم، فهذا الورتلاني كان يكفيه من قرية سيدي بهلول أنه وجد فيها من يقرأ القرآن. ويفهم العلم (٣)، ولا شك أن مستوى التعليم في الحاضرة لم يكن في درجة عالية أيضا، ولكن الأمور تقاس بنسبتها إلى غيرها.
ومن المدرسين والأساتذة من كان كثير التأليف ومنهم من كان قليل أو لم يؤلف شيئا على الإطلاق. فقد كان بعض المدرسين صاحب ذاكرة وقلم ولسان في نفس الوقت. وهؤلاء قد تركوا بعض التآليف في مختلف العلوم التي درسوها لطلابهم في شكل شروح أو ملخصات أو في شكل كتب ودواوين مستقلة. فأحمد المقري مثلا كان كثير التأليف وكذلك أبو راس ولكن معظم المدرسين لم يتركوا إلا ملخصات لدروسهم وبعض الحواشي والتقاييد، ولعل بعضهم لم يترك شيئا جديرا بالاعتبار في هذا الميدان، ومع ذلك كانت شهرته في التدريس تغطي الآفاق، فسعيد المقري وسعيد قدورة وعمر الوزان وأحمد العباسي وغيرهم قد جاءت شهرتهم من الدرس لا من التأليف، وظل تلاميذهم يذكرونهم جيلا بعد جيل، بل كان لبعض الناس
стр. 342
عقائد غامضة فيهم تشبه العقائد في الأولياء والصالحين، وقد قيل عن ابن الكماد إنه كان أحق بالتآليف لكثرة علومه لولا كثرة التدريس، وقيل عن سعيد المقري شبه ذلك.
وكان بعض المدرسين قد اشتهروا بتدريس مادة معينة كالفقه أو النحو، وبعضهم كان يجمع في دروسه عدة علوم، وقد كان الغالب عليهم الجمع بين علوم مختلفة، فنحن نجد مثلا في ترجمة أحمد الزكوطي المعروف بابركان أنه كان يقرئ تلاميذه في تلمسان حوالي ثمانية علوم من رسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه، إلى ألفية ابن مالك في النحو، إلى السلم المرونق في المنطق للأخضري، إلى حكم ابن عطاء الله في التصوف. وكان الشيخ محمد التواتي بقسنطينة يقرئ تلاميذه النحو الذي اشتهر به وعقائد محمد السنوسي في التوحيد وغير ذلك، وكان بعض المدرسين قد عرفوا بعلوم معينة كالعلوم الدينية مثل سعيد قدورة في مدينة الجزائر، وبعضهم قد اشتهر (بالعلوم العقلية) كعبد الكريم الفكون في قسنطينة الذي اشتهر بالخصوص في علوم النحو والصرف والبلاغة وأمثالها، ونتيجة لذلك اشتهرت أيضا بعض المدارس بعلوم معينة، فقد عرفت مدرسة مازونة بالفقه وبعض زوايا زواوة بالقراءات ومدرسة قسنطينة والخنقة بالنحو، وهكذا، ولكن بعض المدرسين قد برزوا في علم واحد حتى أصبحوا عند المعاصرين لهم كأنه علم عليهم، فهذا الفكون قد ظهر في النحو، وهذا ابن عمار قد اشتهر بالأدب والبلاغة.
٣ - المواد المدروسة:
وقد تقلصت المواد الرياضية والطبية من البرامج الثانوية والعالية واقتصرت العلوم المدروسة على العلوم الدينية واللغوية وبعض كتب التاريخ والسيرة وقانون ابن سينا في الطب، وهذه قائمة بالعلوم الدينية الشائعة عندئذ والتي كانت كملح الطعام في كل مجلس علم:
- تفسير القرآن الكريم بعدة كتب منها تفسير الثعالبي وتفسير السيوطي.
- الحديث الشريف، وخصوصا صحيح البخاري الذي كاد يقرأ أكثر من
стр. 343
القرآن، ومختصر ابن أبي جمرة، وكتاب الشفاء للقاضي عياض.
- مصطلح الحديث بألفية العراقي.
- الفقه المالكى برسالة ابن أبي زيد القيروانى، ومختصر ابن الحاجب الفرعي.
- الفقه الحنفي بكتب مختلفة وأساسية في المذهب.
- التوحيد أو علم الكلام بالمنظومة الجزائرية وعقائد السنوسي الثلاث.
- أصول الفقه وأصول الدين بجمع الجوامع للسبكي ومختصر ابن الحاجب الأصلي.
- القراءات بمنظومة الجزري والخراز وابن بري والشاطبيتين الصغرى والكبرى.
- التصوف بدراسة حكم ابن عطاء الله وكتاب إسقاط التدبير له أيضا.
وليس معنى هذا أن جميع الدروس كانت تشتمل على هذه العلوم، فقد عرفنا أن بعض المجالس كانت مقتصرة على علوم خاصة. كما أن طريقة تدريس كل علم كان لها دخل في تحبيبه إلى الطلاب أو إبعادهم عنه. وقد عرفنا أيضا أن بعض الكتب الدينية المشبعة بالأفكار والأوراد قد شاعت شيوعا خاصا خلال هذا العهد مثل (دلائل الخيرات) و (تنبيه الأنام)، ولكن خارج حلقات الدرس.
أما العلوم اللغوية ونحوها فقد كانت لا تخرج أيضا عن المواد التقليدية، يضاف إلى ذلك هبوط مستوى التحليل والاستنتاج وشيوع روح التصوف لدى مدرسيها أيضا، وهذه أهم هذه العلوم:
- النحو بالأجرومية وألفية ابن مالك وشروحها كالمكودي.
- الصرف بلامية ابن مالك في التصريف.
- فقه اللغة.
- البلاغة بجوهرة الأخضري وحواشي السعد التفتزاني ومتنه وتلخيص المفتاح.
стр. 344
- العروض بالخزرجية مع شرحها للشريف الغرناطي.
- المنطق بالسلم المرونق للأخضري وتهذيب السعد والجمل للخونجي ومختصر السنوسي.
- الخط.
- السير والأخبار.
ورغم سيطرة العلوم الدينية واللغوية فإن بعض المدرسين كانوا يهتمون بالعلوم (المحضة) ولكن عدد مدرسي هذه العلوم كانوا قلة، وتدريس هذه العلوم عندهم كان لا فائدة منه عمليا. ثم ان دراسة هذه العلوم لم تكن متطورة. فالحساب كان لفهم العمليات الأربع وممارسة التجارة، والفرائض كانت لمعرفة قسمة التركات ونحوها، وكذلك الأمر بالنسبة لعلم الوثائق وعلم الوضع، أما الفلك فقد كان يدرس لمعرفة الزوال وأوقات الصلاة والهلال ونحو ذلك، وليس للملاحة ونحوها، ومهما كان الأمر فهذه هي العلوم المحضة التي كانت متداولة في العهد العثماني ولو بشكل محدود.
- الحساب.
- الفرائض.
- الوثائق.
- علم الوضع.
- علم الفلك لأبي مقرع بالسراج للأخضري.
- الطب والصيدلة.
- ولعل الفرائض والوثائق كانت من أهم هذه العلوم استعمالا، وقد برع فيها عدد من المدرسين والعلماء حتى أصبح يشار إليهم، كما في تراجم الفكون. وقد اشتهر ابن حمادوش في أكثر هذه العلوم لأنه من غير المتصوفين، وهو الذي حكى كيف كان يحاول إقناع أحد الطلبة بتعلم الحساب بتذكيره بأن أهل تونس وأهل الأندلس كانوا أول ما يعلمون أولادهم
стр. 345
الحساب والنحو (ليذوقوا لذة العلم) (١).
وقد فرق بعضهم بين العلوم التي تبذل لطالبيها والعلوم التي تمنع عنهم. فأما علوم التوحيد والشريعة فيجب بذلها لطالبها، وأما علوم الصنائع والقضاء وأسرار الحروف فيجب، في نظرهم، التفرس في طالبها، فإن كان ورعا لا يخدم بها السلطان ولا يتعملها في أغراض سافلة فيعطاها وإلا كتمت عنه، ولا شك أن هذا هو رأي المتصوفة أو من يقرب منهم، فقد قال محمد بن سليمان ان (العلوم التي يجب بذلها إن تعينت ويندب إن لم تتعين إنما هي علوم التوحيد والشرائع العينية ومعاملة العبد مع مولاه التي لا يستغنى عنها. فمن كتمها عن سائلها ناله وعيد قوله ﷺ من سئل عن علم نافع فكتمه ألجم بلجام من نار. وأما العلوم الكفائية كالأحكام والقضاء والصنائع والحرف التي لم يكلف الله بها إلا من قام بها من الآحاد، وكذا حكم الله وأسراره في آياته وأسمائه، وكذا الجدول وأسرار الحرف، إلى غير هذا من الدعوات، فتنظر لطالبها فإن توسمت فيه خيرا وصلاحا وورعا يحجزه عن أن يتوصل بذلك إلى الأغراض الفاسدة كخدمة السلاطين. فهو كالأول وإلا فيحرم بذله له. وأسرار الله لا تبث إلا للخواص، أهل القلوب الصافية والفطر (السليمة). وهو يقصد بأسرار الله علوم التصوف ومعارفه، وهي صنف ثالث من أصناف العلوم إلى جانب ما سماه بالعلوم الشرعية والعلوم الكفائية (أو الدنيوية) (٢). وقد عاش ابن سليمان في منتصف القرن الحادي عشر (١٧ م). ويبدو أن معظم العلماء كانوا في عهده يطبقون هذه النظرية في بث العلوم، ولذلك ضعفت العناية بالعلوم الدنيوية التي ذكرها، ليس كتمانا لها ولكن جهلا بها.
ولم تكن العلوم التجريبية والتاريخية تدرس في الجزائر خلال العهد العثماني، فلا نعرف أن أحد المدرسين قد عرف بتدريس الطب مثلا كما كان
стр. 346
مدرسو تلمسان أيام بني زيان (١)، رغم وجود بعض المتطببين والصيادلة، كما لا نعرف من اشتهر بتدريس علوم النبات والحيوان أو الرياضيات أو الكيمياء أو علم الملاحة، ومن العلوم التي كان الحديث يكثر فيها، علم الجغرافية والتاريخ والتراجم (المناقب) وهناك من ألف طبعا في هذه العلوم الثلاثة، ولكننا لا ندري من برز في تدريسها من الأساتذة. ونحب أن نلاحظ أن التاريخ كان في جميع أنحاء العالم عندئذ ما يزال فرعا من فروع الأدب. وكان يروى في شكل أخبار عامة فيها الصدق والكذب والمبالغات العجيبة والحكايات الغريبة. وممن اشتهر برواية الأخبار والتواريخ محمد بن عبد الكريم الجزائري وأبو راس وأحمد المقري. أما الجغرافية فالظاهر أن المعرفة بها كانت لا تعدو معرفة بعض مواقع الأقاليم والطرق والعواصم الإسلامية وبعض الخرائط. وقد ألف بعض الجزائريين عددا من الرحلات التي تدخل عادة ضمن علم الجغرافية. وأما الطب فقد كان يتعلم بالعادة والممارسة لا بالتدريس والتحصيل كما أسلفنا.
ولعل عدم تدريس الجزائريين للعلوم المحضة وممارستها هو ما جعل بعض الملاحظين الأجانب يهاجمون بشدة التعليم الجزائري عندئذ، ولا شك أن هجومهم فيه كثير من الحقيقة. فالجهل بالعلوم التجريبية وهي التي كانت شائعة في العصور الإسلامية الزاهرة والتي ألف فيها أكبر علماء المسلمين، كان غير مغتفر لمدرسي وعلماء الجزائر، كما أن إحلال التصوف محل الفلسفة (رأس الحكمة وأمها) ومدارسة العلوم الدينية والأدبية وحدها كان جناية على العقل الإنساني اشترك فيها المسؤولون والمدرسون على السواء. فقد قال الطبيب الإنكليزي شو إنه حاول عندما وصل إلى الجزائر أن يلتقي بالعلماء فعثر على أكبر عالم في الفلك فكان هو الذي يشرف على أوقات الصلاة ولكنه كان غير قادر حتى على إدارة عدال الشمس (المزولة)، ولعل في هذا القول بعض المبالغة ولكن فيه كثير من
стр. 347
الحق (١)، ولم يجد شو عند علماء الجزائر معرفة بعلم الملاحة ولا بعلم الكيميا، الذي كان محببا، كما قال، إلى أجدادهم، والذي أصبح عند علماء الجزائر متمثلا في صناعة ماء الورد فقط، ولا بعلم الطب الذي ألف فيه ومارسه الرازي وابن رشد وابن سينا وغيرهم، وقال شو ان علماء الجزائر إذا اعتنوا بالنباتات والحيوانات فإنهم يكتفون بالعناية بأشكالها وليس بأوصافها وخصائصها (٢). وقد أبدى شو أيضا ملاحظات مشابهة عن معرفة علماء الجزائر في وقته (القرن ١٨ م) لعلم التاريخ والجغرافية. وبالغ بعض الأوروبيين فحكم على أن علماء الجزائر لا يكادون يفقهون شيئا عن الفلك والمنطق والرياضيات ونحوها من الفنون والعلوم، وأضاف بأن جميع معارفهم كانت تقوم في هذا الباب على ما يسميه بالسحر (٣) وهو بدون شك يقصد الشعوذة والخرافة التي كان يقوم بها أشباه العلماء عندئذ.
٤ - حوافز التعليم وأهدافه:
وإذا كان التعليم لا حدود له زمانية أو مكانية فإن له حوافز تدفع بالمتعلمين إلى المزيد منه وإتقانه. فما هي الحوافز التي كانت للتعليم خلال العهد العثماني؟ وما هي الأهداف منه؟ إن الحافز الأول كان بالطبع هو الدين وليس الدنيا، كما أشرنا. فمعظم المتعلمين كانوا يستزيدون علما استكمالا لدينهم وفهما لمبادئه وحدوده. فليس هناك أهداف سياسية أو اقتصادية يحمل عليها المتعلم دون الجاهل عندئذ. بل لعل العكس هو الصحيح. فقد كان الجهال والمغامرون، وخصوصا في ميدان السياسة، هم الذين لهم الغلبة والكلمة الأخيرة، كما عرفنا. ومن جهة أخرى فقد كان المتعلم مدفوعا إلى العلم بدافع ذاتي، ذلك أن العلم كان قبل كل شيء لذة وهواية. فالطالب كان يعرف مقدما أن حرفة العلوم غير مربحة دنيويا، ومع ذلك كان يقدم على التعليم لرغبة ملحة وتضحية كبيرة لأنه يجد فيه لذته وإشباع ميوله الشخصية.
стр. 348
وهناك من كانت تدفعه إلى طلب العلم تقاليد الأسرة، فإذا كان الوالد من العلماء فالغالب أن ابنه سيقلده في ذلك، وبوحي منه في أغلب الأحيان، والتعلم في هذه الحالة يصبح وراثة. وقد كانت بعض الأسر تتوارث العلوم، كما كانت أسر أخرى تتوارث التجارة والمهن الأخرى.
ولعل من سيئات التعليم في العهد العثماني كون المتعلم لا يجد بعد تحصيله ما يفعل به. وإذا تخرج المتعلم يظل غالبا بدون عمل يناسب علمه. وخلال ذلك قد ينسى ما تعلمه وأفتى عليه فصلا طويلا من حياته، فإذا كان محظوظا نال به وظيفة الإمامة أو الخطابة في أحد الجوامع أو القضاء أو وكالة وقف من الأوقاف، وهناك بالطبع بعض الوظائف الأخرى مثل الكتابة في بعض المصالح الإدارية ولكنها وظائف محدودة جدا لأن من شروط التوظف فيها كون طالبها من الأتراك ولأن معظم المعاملات في الإدارة كانت باللغة التركية. ولم يكن الكتاب الإداريون في حاجة إلى ثقافة عالية، بل كانت تكفي فيهم الموهبة الأدبية وحسن الخط ودقة النسخ, كما أن الحكام العثمانيين قد عملوا على توظيف بعض المشارقة والمغاربة (أي غير الجزائريين) في بعض الوظاف الإدارية وحتى الدينية بينما كان بعض علماء الجزائر يعيشون بعلمهم خارج بلادهم كما سنرى.
وما دام العلم لا يؤهل لأعمال اجتماعية وسياسية واقتصادية بارزة فإن أصحابه كانوا يكتفون منه أحيانا بما حصلوا عليه، فتضمر مواهبهم وينضب معينهم ويتجهون وجهات أخرى في الحياة لا تحتاج إلى غزارة العلم أصلا.
بعض كبار المدرسين
أشرنا إلى أن بعض العلماء اشتهروا بالتدريس أكثر مما اشتهروا بالتأليف. وإذا كانت شهرة المؤلف بكتبه وآرائه وموضوعه وأسلوبه فإن شهرة المدرس بطريقته وتلاميذه وفصاحة لسانه واطلاعه الواسع على الموضوع الذي يعالجه. وقلما كان العالم يجمع بين التأليف والتدريس. ومن الذين جمعوا
стр. 349
بين الاثنين أبو راس وأحمد المقري والفكون. غير أن هؤلاء لم يكونوا في توازن في الجمع بين الخطتين. فالأول مثلا قد غلب عليه التدريس رغم كثرة تآليفه والثاني قد غلب عليه التأليف رغم كثرة تدريسه، وهناك مدرسون لم يتركوا إلا قليلا من التأليف كمحمد التواتي (١) وعمر الوزان وسعيد المقري (٢). وهناك من ترك بعض الشروح والحواشي والتعاليق ك سعيد قدورة .
١ - سعيد قدورة:
بلغ نفود عائلة قدورة في الجزائر أنها تولت الإفتاء المالكي بالجامع الكبير بالعاصمة أكثر من قرن بدون انقطاع. وكان مؤسس هذه الأسرة علميا هو الشيخ سعيد بن إبراهيم قدورة الذي تولى الإفتاء سنة ١٠٢٨ واستمر فيه إلى وفاته سنة ١٠٦٦. ثم تولاه ابنه محمد من ذلك التاريخ إلى وفاته أيضا سنة ١١٠٧، ثم خلفه أخوه أحمد الذي استمر في الإفتاء من هذا التاريخ إلى مقتله سنة ١١١٨. وبعد انقطاع قصير تولى الفتوى أيضا سعيد بن أحمد قدورة من سنة ١١٢٢ إلى سنة ١١٢٩. كما تولى الإفتاء آخرون يتصلون بعائلة قدورة بالمصاهرة مثل عبد الرحمن المرتضى (٣) الذي كان ابن أخت أحمد قدورة. وإذا كانت بداية هذه الأسرة في وظيفة الإفتاء سعيدة فإن نهايتها كانت مأساة. فقد لعبت السياسة لعبتها القذرة واتهم أحمد بن سعيد قدورة بمعاداته للباشا محمد بكداش فحكم عليه بالسجن ثم بالموت خنقا فمات موتة حزينة (٤) ولكن هذه لم تكن كل النهاية لهذه الأسرة التي لعبت
стр. 350
دورا بارزا في شؤون الجزائر السياسية والعلمية والدينية.
ولا ندري بالضبط متى ولا أين ولد سعيد قدورة، فهو لم يذكر ذلك في ترجمة حياته التي سنتعرض لها، وابن المفتي الذي كان معجبا بفضله (ولم يكن معاصرا له وإنما كان معاصرا لأبنائه وأحفاده). لم يجزم في الموضوع. فقد قال مرة ان سعيد قدورة قد ولد لوالديه بمدينة الجزائر بعد انتقالهم إليها من قدورة، القريبة من جزيرة جربة على ساحل تونس، وقال مرة أخرى انه ولد لأبويه في قدورة ثم جاء به أبوه إلى مدينة الجزائر وهو صغير السن. ومهما كان الأمر فإن نسبه هو سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن. وشهرته قدورة، وقد اشتهر أيضا بنسبته (الجزائري) (١). ولا ندري ما كانت صناعة والده قبل قدومه إلى الجزائر ولا سبب مجيئه إليها غير أننا نعلم من بعض المصادر أنه أصبح فيها فرانا أو خبازا. وهي حرفة لا علاقة لها بحرفة المتعلمين. ولعل تعلق قدورة فيما بعد بالتجارة قد ورثه من والده ومن تقاليد أهل جربة.
ويحدثنا سعيد قدورة عن ثقافته الأولى في أوراق كتبها بنفسه. فيقول إنه كان بمدينة الجزائر عندما كانت سمعة الشيخ محمد بن أبي القاسم المطماطي (٢) كبيرة، ولم يقل إنه أخذ العلم على المطماطي عندئذ، ولكنه ذكر أن الشيخ قد ذهب إلى الحج مع أبي علي بن آبهلول المجاجي سنة ٩٩٣. والظاهر أن سعيد قدورة كان في هذا التاريخ (أي سنة ٩٩٣) في سن المراهقة. فقد ذكر أن والديه قد توفيا سنة ١٠٠١ أو ١٠٠٢ في وقت واحد تقريبا إذ لم يفصل تاريخ وفاتهما سوى نحو الأسبوع. وقد بقي بعدهما ثلاث سنوات في مدينة الجزائر، لعله كان خلالها يحضر دروس المطماطي في الجامع الكبير. ولكن الطلاب في هذه السن كانوا كما لاحظنا، لا يستقرون في دراستهم على شيخ واحد، بل كانوا يحبون السفر والتغرب في طلب العلم
стр. 351
ويعدون ذلك فضيلة وجهادا، وكذلك كان شأن سعيد قدورة. فقد بدأ تغربه وجهاده في طلب العلم بالسفر إلى زاوية الشيخ (العارف بالله) محمد وأخيه أبي علي بن آبهلول الواقعة قرب تنس، ولا ندري لماذا اختار قدورة هذه الزاوية بالذات. فهل كانت شهرة آبهلول في العلم كبيرة عندئذ؟ أو هل كانت حجة شيخه المطماطي مع الشيخ آبهلول سنة ٩٩٣ لها علاقة بسفر قدورة إلى الزاوية المذكورة سنة ١٠٠٤ أو ١٠٠٥؟ والغالب أنهما الأمران معا. فقدورة يؤكد أن ابني آبهلول (محمدا وأبا علي) (كانا شديدي الاعتناء بالعلم وفنونه كالتفسير والحديث والأصول والمنطق والبيان بعد الفقه والتوحيد وغيرهما). وكان الشيخ محمد بن علي مشهورا في التفسير خصوصا. وقد انتهى فيه قبل وفاته إلى سورة الإسراء (١).
ولم تكن الظروف قد واتت سعيد قدورة في زاوية آبهلول كل المواتاة. فبعد حوالي ثلاث سنوات من التتلمذ هناك، قتل شيخه محمد آبهلول قتلة شنيعة سنة ١٠٠٨ حين طعنه بعضهم بخنجر طعنة ظل بعدها حيا بعض الساعات فقط ثم لفظ أنفاسه الأخيرة. وقد تأثر قدورة بما حدث لشيخه فرثاه واعتبره (شهيدا) وصلى عليه مع أخ الفقيد. وتعتبر مرثيته فيه من الشعر المتوسط في ذلك الوقت (٢)، وقد جرى الحادث أمامه وهو ما يزال يافعا،
стр. 352
بالإضافة إلى فقد والديه دفعة واحدة. فلم يلبث بعد ذلك إلا حوالي سنة في هذه الزاوية دارسا فيها على أخ الفقيد الشيخ أبي علي آبهلول وغيره، قبل أن يعود إلى الجزائر، وهو يخبرنا أنه قد وجد هناك شيخه المطماطي قد تولى وظيفة الفتوى والإمامة بالجامع الكبير، وكان المطماطي مدرسا أيضا بنفس الجامع، لذلك عكف الشاب سعيد قدورة يدرس على الشيخ المطماطي جملة من العلوم منها مختصر خليل وابن الحاجب في الفقه وكذلك الفرائض والتوحيد، وكأنه كان في نفس الوقت يتدرب على المسرح الذي سيمثل عليه هو نفس الدور بعد بضع سنوات.
وكعادة الطلاب الطموحين الراغبين في الاستزادة من العلوم المهمة سافر سعيد قدورة بعد ذلك إلى تلمسان حوالي سنة ١٠١٢، أي بعد إقامة حوالي ثلاث سنوات بمدينة الجزائر، وكانت شهرة سعيد المقري بتلمسان عندئذ قد بلغت القاصي والداني، وخصوصا في العلوم العقلية. فقصده قدورة وتتلمذ عليه في الحديث والمنطق والبيان وغيرها. وكانت دروس المقري بالجامع الكبير بتلمسان. وقبل أن نعرف المدة التي قضاها قدورة في تلمسان وأثر المقري فيه سافر إلى صحراء فجيج وتافيلالت وسجلماسة ولقي في هذه النواحي بعض العلماء أمثال أحمد بن عبد الله السجلماسي الشاعر والكاتب والمتصوف الذي ثار واستولى على سجلماسة ودرعة ومراكش. وتقول بعض المصادر أن قدورة قد ذهب إلى الشيخ أحمد السجلماسي، (المعروف أيضا بابن أبي محلى)، مع وفد تلمسان والراشدية لتهنئته على دعوته وثورته (١) ولا ريب أنه ذهب أيضا إلى فاس التي كانت مقصد الراغبين في الدراسات العالية. وقد أطال قدورة الإقامة في الغربة، بحثا عن العلم، إذ
стр. 353
أنه لم يعد إلى مدينة الجزائر إلا سنة ١٠١٩، أي بعد حوالي سبع سنوات، وكأنه كان على موعد في الجزائر مع شيخه المطماطي ليودعه الوداع الأخير، ذلك أنه بعد أن لقيه فيها ثانية بوقت قصير توفي المطماطي في نفس السنة (أي ١٠١٩). ولا نعرف أن قدورة قد رثاه أو تأثر لوفاته كما رثى وتأثر لوفاة شيخه محمد آبهلول، كما أنه لم يهتم بوفاة شيخيه الآخرين، أبي علي آبهلول وسعيد المقري إذ أنه اكتفى بالقول في الأوراق التي لدينا أن الشيخ أبا علي قد توفي بعد المطماطي ببعض سنين، وكذا (شيخنا سيدي سعيد المقري فيما
بلغنا) (١).
وقد قلنا إن قدورة كان على موعد مع أستاذه المطماطي لأن نشاطه العلمي قد بدأ بوفاة شيخه، ذلك أن المصادر تتحدث عن تداول الإفتاء المالكي بينه وبين أحمد زروق بن عمار بن داود. وأثناء تولي أحمد بن داود لوظيفة الإمامة والتدريس بالجامع الكبير كان قدورة متوليا إمامة جامع البلاط والخطابة في جامع سيدي رمضان. ولا ريب أن قدورة كان أثناء ذلك يدرس أيضا في أحد هذين الجامعين. ومهما يكن من أمر فإنه قد انفرد بالإفتاء أواسط سنة ١٠٢٨ حين عزل عنه أحمد زروق بن داود (٢)، وقد ظل قدورة في هذا المنصب الخطير إلى وفاته سنة ١٠٦٦، ولعله هو الذي سعى إلى هذا المنصب الذي كان يتهيأ له منذ عاد من زاوية آبهلول وبالتأكيد منذ عاد من رحلته في تلمسان والمغرب. فقد كان مثل هذا المنصب محركا لتنافس كبير بين العلماء، إذ فيه الجاه العريض والمال الغزير، وتدرج قدورة في الوظائف فهو إمام جامع البلاط وخطيب جامع سيدي رمضان ثم هو إمام وخطيب ومدرس الجامع الكبير، بالإضافة إلى كونه مفتي المالكية ووكيل أوقاف
стр. 354
الجامع الأخير. وبذلك يكون قد وصل إلى قمة السلم الوظيفي والعلمي. وهو ما يزال في مقتبل العمر. وقد عرفنا أن الباشا هو الذي كان يعين في الوظائف المذكورة.
وأهم ما كان يستدعي التنافس الشديد بين العلماء على وظائف الجامع الكبير هو الأوقاف الطائلة التي كان يتمتع بها. فقد عرفنا أنها كانت من أغنى مصادر الوقف في الجزائر. ولم يكن قدورة بالرجل السهل. فقد كان ذكيا غاية الذكاء طموحا أقصى الطموح عارفا بأحوال العصر وأهله. وتذكر المصادر أنه كان غنيا أيضا حتى أنه كان يتاجر بأمواله مع بعض كبار التجار، كما كانت له أرض حراثة. والمعروف أن القرن الحادي عشر (١٧ م) كان العصر الذهبي للتجارة ووفرة غنائم البحر ورواج السلع والدراهم في الجزائر. ولهل سعيد قدورة كان يستعمل ما له في هذه الأمور التي كانت تدر عليه أموالا طائلة. وقد كثرت أشغاله وارتفعت قيمته حتى أصبح يقدم عنه أربعة من النواب. (ومنهم الشاعر ابن رأس العين) لينوبوا عنه في الخطابة ويدفع إليهم من ماله الخاص. وأخيرا جرؤ على تقديم ابنه محمد بدله في الفتوى والتدريس والخطابة بالجامع الكبير، وهو عمل قل من يجرؤ عليه، لأن الوظيفة شخصية وليست وراثية أو حرة. ولكن قدورة الذي خبر الناس في عصره وعرف كيف يوقف تدخلهم تمكن من كل ذلك دون معارض (١).
ورغم أن المعجبين به، كابن المفتي، يقولون إن سعيد قدورة كان
стр. 355
يدفع من جيبه الخاص إلى من ينيبهم عنه فإن أوقاف الجامع الكبير في عهده لم تكن محصنة كل التحصين. فابنه محمد، وهو من أكبر العلماء في عصره، كان يتقاضى حقه في الأوقاف أثناء حياة والده لأنه كان ينوب عنه رسميا بخلاف الأربعة الآخرين. وقد استطاع قدورة أن يتفق على الجامع وأن يوفر أموالا اشترى بها كتبا لمكتبة الجامع، كما شيد زاوية قرب الجامع أصبحت فيما بعد تعرف باسم زاوية الجامع الكبير. وكذلك شيد مدرسة لفقراء الطلبة والغرباء منهم، كل ذلك من فائض أوقاف الجامع الكبير. ورغم أن الرأي العام هو الذي كان يتحكم في مصير وكيل الوقف عموما فالظاهر أن الإشاعات كانت تحوم حول تصرفات قدورة في الأوقاف. وبعد ثماني سنوات من توليه طالبه الناس بتقديم الحساب على أموال الجامع التي بلغ فائضها وحده عند توليته اثني عشر ألف ريال بوجو. وقد أبى في البداية أن يوضع في موضع الاتهام، ولكنه رضي عند إصرارهم على ذلك، فأخرج لهم الوثائق التي تثبت عدم تبذيره والتي تحصي كل ما اشتراه سواء للمكتبة أو لإصلاح الجامع. وكلها كانت وثائق بأقلام وأختام العدول ويقول المعجبون به ان حساده قد خاب ظنهم وبطلت خططهم. ولعل تسرب الكتب الذي أشرنا إليه في مكتبة الجامع الكبير قد بدأ أثناء حياته هو (١).
وبلغت من قيمة سعيد قدورة عند الباشوات أنهم كانوا يقفون له إجلالا ويقبلون يده. ولا ريب أنه عرف كيف يحافظ على مكانته العلمية بينهم وكيف يحتفظ برضاهم عنه أيضا. فخلال الفترة الطويلة التي تولاها تداول على الجزائر عدد من الباشوات وحدثت اضطرابات وثورات (٢) وكان هناك الخصوم والأصدقاء. ومع ذلك فقد حافظ قدورة على توازن السفينة في وسط بحر هائج. ولقد بلغ من حرمته، على ما تذكر الروايات، أنهم كانوا يعتقدون فيه النفع والضر والبركات والكرامات. ومعنى هذا أنه لم يكن في نظرهم