بالدرجات في المدرسة من سنة إلى أخرى، فهذا ما لم يحصل إلا في المدارس الأهلية الفرنسية منذ حوالي ١٩٢٠ فقط، وقد تناولنا ذلك في غير هذا المكان. ونفهم من بعض القصص هنا وهناك أن التعلم لم يكن محرما ولا مفقودا في بعض العائلات والمناطق، ولكنه كان تعلما استماعيا في معظمه، وكان يقوم على الحفظ والذاكرة على عادة العرب القدماء، وقلما وجدنا المرأة التي تكتب أو تؤلف أو تعبر عن علمها بقلمها. ولا شك أن النسوة كن يستمعن إلى الدروس ويستوعبن المواعظ والأحكام الشرعية شفويا، ثم ينشرن ذلك بين النساء الأخريات، وهكذا. وقد روي عن الشيخ محمد بن يوسف أطفيش أنه كان يعظ النساء في دروس مخصصة، وكان يعلمهن شفويا تعاليم الإسلام وأحكام شريعته. وممن نبغت على يدي السيدة عائشة بنت ناصر التي أصبحت متعلمة كما أصبحت بدورها واعظة للأخريات، وكانت تفصل في القضايا بين المتخاصمين (١). وكان ابن باديس ورجال جمعية العلماء قد اتبعوا منهج الوعظ والإرشاد وتعليم المرأة أيضا بالطريقة الشفوية، ثم فتحوا المدارس أيضا لتعليم البنات بالطريقة الحديثة.
ويذكر بعض الكتاب أن المرأة في زواوة قلما تعلم لأن التعلم في الزوايا والمدارس القرآنية كان مقصورا على البنين، ومن النادر أن تجد غير ذلك (٢). ومن هذا النادر ما حكاه الشيخ علي أمقران عن السيدة ذهبية بنت محمد بن يحيى، أحد شيوخ زاوية اليلولي. فقد كانت ذهبية متعلمة وكانت لا تكف عن المطالعة في كتب أبيها أثناء هرمها (٣). وكانت السيدة زهراء بنت العربي بن أبي داود معروفة بالصلاح والحكمة حتى أنهم كانوا يشاورونها في أمور الدين والدنيا، وهي من شواعر اللغة القبائلية (٤). وذكر
стр. 2907
الشيخ عاشور الخنقي أن زوجته، وهي باية (بية) بنت أحمد حسان، كانت قارئة للقرآن (وعالمة بعدة علوم على غاية الاتقان والإحسان)، وكانت قد أخذت الطريقة الرحمانية على الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي وأدخلت عند أهل الشيخ وعند ابنته زينب التي تولت بعد أبيها القيادة الروحية للزاوية (١).
وكانت زينب هذه من النساء اللواتي حظين بدراسات وأوصاف قلما حظيت بها امرأة معاصرة في الجزائر. فأبوها هو شيخ زاوية الهامل. وكانت زينب الابنة الوحيدة والوريثة له. وقد ولدت في حدود الخمسينات من القرن الماضي. ورباها أبوها وعلمها لكي تساعده في الزاوية وتخلفه بعد وفاته. وكانت متعلمة إلى أن أصبحت قادرة على الاستفادة من مخطوطات المكتبة. وكانت هي الحافظة لسجلات أملاك الزاوية. وقد بلغت مداخيلها حوالي مليونين ونصف من الفرنكات أوائل هذا القرن، كما بلغت الأراضي المزروعة التابعة للزاوية ٩٠٠ هكتار في بوسعادة وحدها. وكانت الزاوية في عهد أبيها محل الزيارات والضيفان والطلبة، وقيل إن عدد هؤلاء (الطلبة) كان يتراوح بين ٧٠٠ و ٨٠٠ في السنة. وحين تغلبت زينب على ابن عمها في إرث بركة الزاوية تلقت أيضا زيارات عديدة، منها زيارة الفنان الفرنسي (قيومي)، والمغامرة الأديبة إيزابيل إيبرهارد، والرحالة بامبر. وكانت زينب، حسب وصف مشاهديها منقطعة للعبادة. وشهدت الزاوية في عهد والدها وعهدها هي أحداثا هامة وكانت لها مواقف، منها احتضانها (أي الزاوية) لأسرة المقراني بعد ١٨٧١، وموقفها من ثورات الجنوب، وتدريس الشيخين محمد بن عبد الرحمن الديسي وعاشور الخنقي فيها، وزيارات ناصر الدين ديني، الرسام المعروف، لها. وكانت زينب معاصرة لكل ذلك وواقفة على سير الزاوية في أحرج الظروف (٢).
стр. 2908
وكان للنساء أدوار في الحياة السياسية والعسكرية أيضا. وقد برزت أثناء حياة الأمير عبد القادر امرأتان: أمه لاله زهرة (الزهراء) وزوجته لاله خيرة. وكانت أمه ذات مكانة خاصة في قومه حتى كان يدعى أحيانا، سيما عند البيعة، بابن السيدة الزهرة. وكان الأمير كثيرا ما يشاورها ويتبع نصائحها. وبعد معاهدة التافنة ظهر على الأمير بعض الراحة وتلقي الهدايا، فذكرته أمه بما يجب للرجل البسيط، رجل الدين والتقشف، فكان لا يلبس إلا الصوف البيضاء دون زخرفة. ولما كان في تاكدامت سمع بأمه مريضة، وهي في مليانة، فبادر إلى زيارتها قاطعا على ظهر الحصان ١٦٠ كلم في خمس عشرة ساعة. وكانت أمه وزوجه في الزمالة سنة ١٨٤٣ فهربهما مولود بن عراش بحراسة أربعين فارسا حتى لا تقعان في قبضة الفرنسيين. ولما وصل الجيش الفرنسي إلى موقع الزمالة دارت معركة حامية حول الخيمة التي كانت تضم السيدتين ودافع عنها فريق من الجيش النظامي حتى قتل دونها، لتمكين السيدتين من الهروب الذي لم يعلم به الفرنسيون. ثم إن لاله زهرة هي التي استقبلت الأسرى الفرنسيين سنة ١٨٤٥ بعد معركة سيدي إبراهيم. وقيل إنها هي التي نصحت ابنها الأمير سنة ١٨٤٧ بتوقيف الحرب بعد مقتل البوحميدي في المغرب وفقدان الأمل في الهروب إلى الصحراء، ومحاصرة الفرنسيين لهم. وقد عانت لاله زهرة أيضا من السجن عند الفرنسيين بفرنسا حوالي خمس سنوات. وكذلك لاله خيرة وأطفالها (١).
стр. 2909
وأثناء ثورة الزعاطشة (١٨٤٩) لبست النساء لباس الأعراس والأعياد، وتخلين عن لباس الحزن والحداد، وعبرن عن فرحتهن بمن سقطوا مجاهدين من عائلاتهن. وقد دام ذلك خلال فترة الحصار الضيق الذي نصبه الفرنسيون على الواحة (١). فالمرأة كانت حاضرة في المقاومة بأفعالها ورموزها.
إن هناك نساء كثيرات في حياة الجزائر وزعمائها خلال الاحتلال. فمن أولاد سيدي الشيخ، ومن زواوة، ومن الأوراس ومن معسكر والشلف، ثم من الصحراء. لقد كانت المرأة حاضرة في المدن والأرياف. ولم تكن تنتظر النجدة من الأخوات البيض حاملات الصليب، ولا أفكار سان سيمون، لتحريرها وإنقاذها. لقد نفتها فرنسا وحدها أو مع الرجال إلى كايان وكاليدونيا، وعانت في المحتشدات التي أقامها بوجو وسانطارنو وبيليسييه. وغنت للحرية التي كانت تحوم فوق رأسها، وبكت زوجها وأبناءها يوم وصلها خبر استشهادهم في المعارك. فهذه فاطمة نسومر التي قاومت حتى ألقي عليها القبض وتوفيت في سجنها بمرض السل، وهذه زوج بوشوشة التي حال الفرنسيون بينها وبينه عندما هربوها إلى أهلها في البيض ثم قتلوه هو رميا بالرصاص في سجن قسنطينة. وهذه عيشوش التي كانت تدبر شؤون الحكم في تقرت، وتلك زينب التي كانت تدير زاوية الهامل أثناء حياة أبيها وبعده.
وحين توفي الخليفة حمزة، زعيم أولاد سيدي الشيخ، عند الفرنسيين، اتهم هؤلاء إحدى زوجاته بتسميمه لأنها لم تغفر له استسلامه المطلق للفرنسيين. كما اتهموا الطليعة بنت رابح بوضع السم لزوجها القايد جلول بن حمزة لإخلاصه لفرنسا، أما رقية بنت الحرمة فقد قيل عنها إنها
стр. 2910
ربت ابنها سليمان بن حمزة على كره الفرنسيين وغذته بالطموح والكبرياء (١).
بل هناك حتى النساء المتمردات على العادات والتقاليد الاجتماعية والإسلامية. فهذه حليمة بنت محمد بن يوسف الزياني قد اشتهرت في وهران ونواحيها بالخروج عن التقاليد. فكانت تخرج سافرة وتفلح الأرض لأسرتها، وكانت تركب الخيل وتشارك في الفروسية التي تنتظم من وقت إلى آخر، كما كانت تستقبل الوفود التي تزور زوجها الذي كان يتولى وظيفة إدارية للفرنسيين، وتحضر الحفلات التي يقيمها المسؤولون الفرنسيون لأعيان الموظفين الجزائريين. واشتهرت بلقب (القايدة حليمة). وقد قيل إنها ذهبت إلى الحج قبل وفاتها واستبدلت لقب القايدة بلقب الحاجة. وتوفيت خلال الحرب العالمية الثانية (٢).
وكم من قصص تروى عن النساء الجزائريات خلال هذا العهد. ففي المدن كن لا يخرجن إلا إلى الحمام حيث يلتقين ببعضهن ويتخذن ذلك ذريعة للاطلاع على الأحوال، والاستماع إلى الأخبار من كل نوع، وذريعة لتفريج الكرب والترويح عن النفس. وكثير من الحمامات كانت تتحول إلى مغنى ومرقص ومعرض للزينات والجواهر، وأسواق للبيع والشراء. والمناسبة الأخرى التي كانت المرأة تخرج فيها في المدينة هي شهر رمضان حين يطول الليل ويخرج الرجال والأطفال، ويكسو الظلام الشوارع فلا يعرف المارة إلا أن الملفوف بالحائك هو امرأة أو حرمة. وغالبا ما كانت النساء تخرج في رمضان ومعهن أطفالهن. كما كن يخرجن يوم العيد لزيارة المقابر والجيران والأقارب. وفي يوم العيد كن يتخذن الزينة ويلبس الجليد من الثياب والأحذية الملونة والمطرزة بالذهب والفضة. وفي عيد الأضحى كن يتخذن الدفوف ويرقصن ويغنين. ولكن الفرنسيات لا يعجبهن كل ذلك، إنهن يردن المرأة المسلمة أن تفعل ما يفعلنه، وإلا فهي متخلفة ومسكينة. ولم تعجبهن
стр. 2911
موسيقاها ولا زغاريدها، وقد بلغت الوقاحة بإحداهن أن شبهت الزغاريد بنباح الكلاب (١).
وقد سال حبر كثير عن تعدد الزوجات وحقوق الزوجة الواحدة، واعتبر الفرنسيون أنفسهم من المنقذين هنا أيضا. وربط معظم الذين تناولوا هذا الموضوع بين الجانب الاقتصادي والشريعة الإسلامية والقوانين الفرنسية. وبنهاية القرن الماضي سجلوا أن تعدد الزوجات بين المسلمين كان يقل في المناطق المدنية حيث انتشر الفرنسيون، وأن التعدد كان ما يزال شائعا فقط لدى بعض العائلات الغنية، وإنه ظاهرة تختفي بالتدرج. ونادى بعضهم بتوفير الحاجات المادية للرجل وعندئذ سوف لا يتزوج إلا واحدة. ولاحظوا أن التعدد لا يكاد يذكر في زواوة وفي بعض المناطق الفقيرة الأخرى، لأن الطبقات الفقيرة عامة لا تعرف تعدد الزوجات. ذلك أن التعدد لا يرجع إلى الشهوة الجنسية ولكن إلى دوافع اقتصادية وإلى الفخفخة وحب الظهور وكثرة الأولاد. وأخبر الضابط شارل ريشار الذي قضى مدة طويلة وهو رئيس لمكتب عربي عسكري، وكان عارفا بأحوال الأهالي في نواحي الشلف: إن تعدد الزوجات راجع إلى أسباب مادية، فالمرأة كانت تقوم بالطحن والعجن، والطبخ، وكانت تقوم بترتيب البيت وتزيينه، وكانت تنسج الحائك والبرنس، وتعد الحلوى، وتخيط الملابس وتصنع قماش الخيام، ومن ثمة كانت تشارك في البناء المنزلي. فالمرأة على هذا المنوال كانت توفر للرجل: الغذاء والكساء والسكن (٢).
стр. 2912
ورأى بول بوليو عدم المبالغة في دور المرأة الاقتصادي، رغم أنه يعترف بأن عليها يتوقف نظام المنزل وأملاكه وحسن سير المداخيل والتوفير. وإن العمل المنزلي هو مجال الزوجة الوحيدة والكفأة. وقال إن المسألة ليست في كثرة القوانين والإجراءات، ولكن في فهم عقائد المسلمين وتقاليدهم. ويكفي في نظره أن تعدد الزوجات يجعل التواصل غير ممكن بين الأوروبيين والجزائريين، وله عواقب وخيمة. وقد دلت الإحصاءات على أنه قد انحصر في بعض العائلات الغنية، كما ذكرنا. وحكم التاريخ يقتضي إذن إعطاء العربي ما قدمه له المرأة من مادة: وهي الغذاء والكساء والخياطة والبناء، الخ. وإذا توفر له ذلك فإن التعدد سيختفي من تلقاء نفسه.
ومن جهته نصح جول دوفال بمنع الموظفين الجزائريين في الإدارة الفرنسية من تعدد الزوجات، وبعدم حضور الفرنسيين حفلات الزواج الثاني إذا دعاهم الأهالي إليها، وبمقاطعتهم لزيارة أي بيت فيه أكثر من زوجة، كما طالب بامتناع الفرنسيات من الدخول على بيت فيه حريم (أكثر من زوجة). ثم رجع بوليو إلى الحديث عن بعض العراقيل التي وضعها القانون الفرنسي لمنع تعدد الزوجات، ومنها، في نظره، الإرث المتساوي بين الرجل والمرأة، والزواج المؤبد حسب القانون (الفرنسي)، وكذلك إنشاء الحالة المدنية التي رأى فيها بوليو وسيلة لإخراج الجزائريين من (نصف حضارتهم) (١).
ونحن لا نفهم من هذه الملاحظات والنصائح دفاعا عن المرأة المسلمة أو غيرة على حقوقها الإنسانية، ولكن دعوة لإدماج الجزائريين في المجتمع الفرنسي، والتخلص من العراقيل التي تحول دون ذلك. أما تعدد الزوجات في الشريعة فله شروطه المنصوص عليها، وليس مجرد شهوة أو حاجة اقتصادية أو قضية ثروة وتباه.
ومن العراقيل التي وضعها القانون الفرنسي أن الزوجة المسلمة المتوفى
стр. 2913
عنها زوجها لا حق لها في النفقة من زوجها أو من الدولة إلا إذا كان الزواج قد عقد طبقا للقانون الفرنسي، أي إذا كان الزوج قد تخلى عن أحواله الشخصية الإسلامية. فقد طالبت امرأة محمد بوكنية الذي توفي في معركة ضد العدو (؟) - حسب تعبير جريدة (المبشر) - بالنفقة من السلطات الفرنسية، ولكن هذه السلطات أجابتها بأنه لا حق لها في ذلك لأن زواجها منه كان طبقا للشريعة الإسلامية (١).
وقد كثرت شكاوى النساء الجزائريات خلال الاحتلال الذي زعم قادته أنهم كانوا يرثون لحالهن ومآلهن. والأمثلة على ذلك كثيرة. فهذه زوجة مصطفى، خوجة الخيل على عهد الداي حسين باشا. لقد نفاها الفرنسيون مع زوجها وأطفالها الثلاثة عشر، واستولوا على أرزاقهم وأراضيهم. وعاشوا فترة في الإسكندرية، ثم توفي الزوج وبقيت هي مع العيال. ثم تذكرت الأرملة أن لهم أملاكا في الجزائر فطلبت السماح لها بالعودة والإقامة، فسمح الفرنسيون لها بالرجوع، وقد تجاوزت الستين سنة، ولكن أملاكها لم ترجع إليها، ولم يدفعوا لها الكراء على ما فات من السنين، فكتبت رسالة شكوى إلى زوجة نابليون تستغيث بها وتطلب منها التدخل لجبر الحالة وتخصيص شهرية لكي تستعين بها على حياتها، والنظر إليها (بعين الشفقة والرحمة بحق من أعطاكم هذه الحرمة وأولاكم النعمة .. ولا يخفاكم حال أولاد الدار الكبيرة إذا سقط حالهم وصعبت معيشتهم) (٢).
وأسوأ ما كانت تتعرض إليه المرأة هو النفي عن أهلها وموطنها. وقد ذكرنا أن الجزائريات عانين كالرجال، من المنفى البعيد، ولا سيما في عهد بوجو. والغريب أن إحداهن قد وطنت نفسها على الإقامة في المنفى الذي هو (كايان) الفرنسية، وكتبت إلى الجزائريات أمثالها ترغبهن في القدوم إلى هذا المنفى البعيد والتزوج بالمسلمين الجزائريين الذين حكم عليهم الاستعمار
стр. 2914
بالعيش بعيدا عن وطنهم. كما ذكرت لهن أسماء هؤلاء الجزائريين (١) الذين قد يكونون من ضحايا قمع ثورة ١٨٧١.
ولكن الحياة في الجزائر ظلت تسير، مع ذلك، فهناك الخريجات من ورشات ابن عابن، ومن بعض الورشات التي فتحت في العاصمة ووهران وقسنطينة، وأهم المدن التابعة لها، سواء تلك الورشات الخاصة أو الكنسية أو التابعة للحكومة. ومن الصنف الأخير سبعة مراكز في إقليم قسنطينة بين ١٨٩٥ و ١٩١٠، وكانت تضم حوالي ٥٣٩ تلميذة. وسبعة مراكز في إقليم وهران بين ١٩٠٦ - ١٩١٠، وكانت تضم حوالي ٦٧٤ تلميذة. أو في إقليم العاصمة بين ١٩٠٣ - ١٩٠٩ حيث ستة مراكز، وكانت تضم حوالي ٥٢٦ تلميذة. وقد اختصت هذه المراكز بأنواع معينة من الزرابي الإيرانية والتركية والمغربية والتونسية، بالإضافة إلى الأنواع المحلية مثل زرابي جبل عمور والقلعة والطرز العربي والبربري، إلخ. وكان الهدف من هذه الورشات ليس تثقيف البنت المسلمة وإخراجها من ظلمات الجهل، كما يزعمون، ولكن جعلها وسيلة إنتاج تجارية لتبادل المنسوجات والمطروزات التقليدية مع أوروبا وعرضها في المعارض على أنها إنتاجات (فرنسية). ومن جهة أخرى كان الهدف هو دمج المرأة الجزائرية في الحياة الأوروبية، وخاصة الاقتصادية، وإخراجها من بيتها بشتى الوسائل. كما أن التجربة كانت تتماشى مع رغبة شارل جونار في استعادة وجه الجزائر العربي الإسلامي أو البربري التقليدي، حتى يحصل التناقض بين المجتمع المتخلف والمجتمع المتحضر وتكثر العقد ومركبات النقص. ويذهب من درس هذه الظاهرة عندئذ إلى أن البنات سرعان ما كن ينسين ما تعلمنه لأنه لا توجد إمكانات المواصلة. ثم إن المستفيدات لا يتجاوز عددهن ١٧٣٩ تلميذة من بين حوالي خمسمائة ألف تلميذة في سن التعليم (٢).
стр. 2915
إن أصوات الباكين على المرأة كثيرة، ولكن ما صنع الفرنسيون طيلة أكثر من قرن نحو المرأة البائسة في نظرهم؟ فحالات الولادة العسيرة لم تكن غالبا محل اعتبار عندهم. وكل شيء كان متروكا للطبيعة تقريبا. وكان البعض مثل السيدة بكيرو، قد نبه منذ السبعينات إلى بؤس الحالة عند الولادة. وكانت جهود الفرنسيين منصبة على تدليل الكولون وصرف الميزانية التي تجمع من الضرائب العربية ومن الغرامات الثقيلة المفروضة على الأهالي لصالح الكولون وحدهم. وعشية مغادرته الجزائر أعلن الحاكم العام جول كامبون بأنه شاور بعض أعيان الجزائر لأخذ رأيهم في تخصيص قوابل أوروبيات (فرنسيات) لمساعدة المرأة على الولادة، وأن بعضهم قد وافقه على ذلك. وأعلن أنه قد خصص (بعثات نسائية) لمنطقة الأوراس والقنطرة وسيدي عيسى لهذا الغرض. وهذا لا يعني أن بعض المدن والمناطق الأخرى لم تتوفر لها هذه (البعثات) (١).
إن هناك عدة دراسات قد ظهرت عن المرأة الجزائرية منذ آخر القرن الماضي. ولن نتناول المؤلفات والبحوث التي عالجها الجزائريون هنا، وسنعود إليها عند دراسة الإنتاج في جزء آخر. وحسبنا أن نقول الآن إن التحديات الفرنسية قد أدت بالجزائريين إلى كتابة (ردود) عنها دفاعا عن المرأة المسلمة وعن موقف الشريعة منها، وتوضيحا لموقف الدين والمجتمع، وتبيانا للوجوه الشرعية في الصداق وتعدد الزوجات والبرقع، ونحو ذلك مما كان موضع جدل. وكان بعض الفرنسيين يثيرون ذلك لكي يطعنوا في التقاليد وفي الشرسة ويحكموا على أن الأعراف المنحرفة هي نفسها التعاليم الدينية.
ومن الكتب الفرنسية تأليف أرنست ميرسييه (حالة المرأة المسلمة في
стр. 2916
الشمال الإفريقي) الذي ظهر سنة ١٨٩٥. وقد أخذ منه وناقشه إسماعيل حامد في بحثه عن المرأة. وبعد كتاب ميرسييه بسنة واحدة ظهر كتاب صغير ومفيد ألفه محمد بن مصطفى خوجة وترجمة إلى الفرنسية السيد آرنو. وعنوانه (الاكتراث بحقوق الإناث). وقد راجعته الصحف الفرنسية واستحسنته على أنه صادر من رجل مسلم متفتح وملتزم في نفس الوقت بالدين الإسلامي. وقد تحدث فيه عن وضع المرأة في العائلة، وحقوقها وواجباتها، ولم ينف أو يستنكر تعدد الزوجات واستند في ذلك إلى القرآن والسنة. وأثبت المؤلف حسب المراجعين للكتاب، عدم تعصبه الديني، ودعا إلى التعلم (١). كما أن عبد الحليم بن سماية ألف كتابا تعرض فيه إلى وضع المرأة في الأحوال الشخصية، مثل تعدد الزوجات والطلاق والإرث والحجاب (٢).
وبعد زيارة الشيخ محمد عبده (١٩٠٣) وانعقاد مؤتمر المستشرقين (١٩٠٥) ظهرت عدة مقالات ومؤلفات أيضا تتناول موضوع المرأة الجزائرية. كان الشيخ سلطان محمد الذي مثل مصر في المؤتمر قد ألقى فيه بحثا عن المرأة في الإسلام وفي مصر. وقارن بين المرأة في الجاهلية والإسلام، وموقف القرآن والسنة، والمرأة المتعلمة والجاهلة، وذكر أن مصر بنت المدارس للفتيات، واستشهد بالمتعلمات من نساء الرسول ﷺ وشهيرات النساء العربيات. ويبدو أنه كان لكلمته صدى واسع في الأوساط المحبذة لتعلم المرأة في الجزائر (٣). وعقب ذلك ظهر كتاب آخر لمحمد بن مصطفى خوجة سماه (اللباب في أحكام الزينة واللباس والاحتجاب)، وتولت
стр. 2917
نشره الحكومة العامة. ولم يخرج المؤلف عن نفس الخط في كتابه الأول من حيث الموقف الديني من المرأة، ولكنه عالج أيضا موضوعات متصلة بها مثل التزين بالجواهر والملابس الحريرية، والحجاب الذي كان من موضوعات الساعة في المشرق. وقد ظهر الشيخ محمد بن مصطفى خوجة محافظا في نظر المراجعين الفرنسيين لكتابه، لأنه كان يتماشى مع قواعد الشريعة الإسلامية (١).
وفي نفس السنة (١٩٠٧) وما بعدها نشر محمد بن أبي شنب مقالة عنوانها ملفت للنظر وهو (الحياة المدنية الإسلامية في مدينة الجزائر - حالة المرأة بناء على القرآن والسنة). وفي مقدمة دراسته ذكر أنه لن يكتب دراسة عميقة عن حالة المرأة المسلمة في مدينة الجزائر وأنه لم يأت ليناهض الأحكام المسبقة التي يستنكرها الشرع الإسلامي، ولكنه جاء فقط ليكتب حياة المرأة من ميلادها وزواجها إلى وفاتها. ولذلك خصص قسطا من مقالاته الثلاث لكل طور. وقد اطلعنا على هذه الدراسة فوجدناها وصفية وشرعية، ولكنها لا تعرض الآراء الاجتماعية ولا تصارعها. والمعروف أن ابن شنب يعتبر من المحافظين رغم معرفته الفرنسية جيدا والحياة الفرنسية بصفة عامة (٢). ولم يذهب ابن شنب في ذلك مذهب الإندماجيين أمثال إسماعيل حامد الذي دافع عن المرأة المسلمة أيضا بناء على الشريعة ولكنه ركز (أي حامد) على أن وجود الاندماجيين (النخبة) والزواج المختلط وتعليم المرأة المسلمة هي شروط الاندماج الحقيقي، لأن دمج الأعراق أو السلالات غير ممكن في نظره (٣).
وتطور الاهتمام بالمرأة بعد الحرب العالمية الأولى أيضا بتطور الأفكار، فقد انتشر التعليم بين الجنسين، واهتمت الحركة الإصلاحية بالمرأة
стр. 2918
باعتبارها ظلت مهملة وباعتبارها عضواه أساسيا في إصلاح المجتمع. وكانت دروس ابن باديس العامة منذ البداية موزعة بين الرجال والنساء، وقد أعطى هو المثل والقدوة في ذلك. وفي مجلة (الشهاب) التي أنشأها ابن باديس، باب خاص بالحديث عن المرأة في الشريعة والتاريخ الإسلامي، مع ربط ذلك بالواقع في الجزائر. ثم أصبحت لا تكاد تصدر جريدة إصلاحية دون الحديث عن المرأة ومكانتها الاجتماعية والدينية. ومن الذين خصوا المرأة بتأليف أيضا أبو يعلى الزواوي الذي كتب (مرآة المرأة المسلمة). وهذا من الكتب التي لم نطلع عليها، غير أن أبا يعلى أشار إليه في كتابه (الإسلام الصحيح) الذي يعتبر من الكتب المبكرة، والذي نشره في دمشق (؟) سنة ١٩٢٤. وفي الكتاب الأخير عبر أبو يعلى (السعيد بن محمد الشريف الزواوي) عن رأيه في عمل المرأة وتعلمها ورؤية الخاطب لها، وخلص إلى القول إنه (لا يليق أن تكون المرأة عضوا أشل في الهيئة الاجتماعية الإسلامية) (١).
وقد أورد الشيخ سعيد الزاهري سنة ١٣٤٧ هـ قصة حول المرأة، بعضها خيالي وبعضها حقيقي، ونشرها في مجلة مشرقية هي (الحديقة) وربما نشرها أيضا في كتابه (الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير). ذكر الزاهري قصة رد فيها ردا غير مباشر على مستشرقة فرنسية - ربما كان يقصد ماري بوجيجا - التي قال عنها إنها كتبت كتابا عن تحرير المرأة المسلمة وذهبت تقرأه على النساء المسلمات في بيوتهن. وعالجت فيه مسألة الحجاب. وذكر الزاهري أن المرأة المسلمة ردت عليها بما يقنع أن الحجاب رمز العفاف والأنوثة، وأن المرأة الحضرية (ساكنة المدينة) راضية بخدمة المنزل والأولاد وشؤون الزوج، وأما المرأة البدوية (الريفية) فهي التي تخرج سافرة، وأنها فاقدة للأنوثة تقريبا (؟). وثم تبين للمرأة المسلمة أن المستشرقة الفرنسية غير متزوجة، ومن ثمة فهي غير كاملة الأنوثة في نظرها. وبعد أن انهزمت المستشرقة - حسب رواية الزاهري - راحت تتخلص من كتابها ومالت إلى
стр. 2919
الإسلام، وشرعت تفكر في تأليف كتاب عن الحجاب (١).
وقد لاحظنا أن الاهتمام كان بالمرأة الجزائرية المسلمة عموما. ولكن بعض الفرنسيين والفرنسيات ركزوا، ولأسباب أشرنا إلى بعضها، على المرأة الزواوية (القبائلية). فقد نظر بعضهم إليها على أنها محرومة نتيجة تطبيق العرف عليها، وبعضهم رآها ذات قابلية أكثر للاندماج الذي كان ينشده الفرنسيون. ولذلك كثرت الكتابات عن المرأة الزواوية سيما خلال العشرينات. كانت رائدة هذه الكتابات هي ماري بوجيجا، وهي زوجة إيمانويل بوجيجا الذي قضى معظم حياته متوليا للإدارة البلدية في زواوة، وكلاهما (الزوج والزوجة) ترك مؤلفات موجهة وملغومة عن تجربتهما هناك. والسيدة بوجيجا قد اشتهرت بكتابها الذي سمته (أخواتنا المسلمات) والذي شنت فيه الغارة على التقاليد البائدة، في نظرها، تلك التقاليد التي تركت (أختها) المسلمة في الحضيض بينما هي وأمثالها في القمة.
وركزت بوجيجا على الجانب الاجتماعي في دراستها للمرأة الجزائرية، واستشهدت بالمحاولات (التقدمية) في مصر التي نادت بتحرير المرأة والخروج من ركام التقاليد. وكانت بوجيجا تنشط في الصحافة والنوادي، وكانت أعمالها تجد صدى وتشجيعا من إدارة الشؤون الأهلية بقيادة جان ميرانت. وكانت تلقي المحاضرات، فتنشرها الصحف والمجلات، وتقوم بالزيارات القريبة والبعيدة، وتراسل داخل الجزائر وخارجها (٢). وكانت على اطلاع واسع بتاريخ المرأة العربية والإسلامية، ولا سيما حالة المرأة في زواوة. وقد أعجبت بوجيجا بكلمة الشيخ سلطان محمد المصري التي ألقاها في مؤتمر المستشرقين بالجزائر سنة ١٩٠٥ فراحت تستشهد بها.
стр. 2920
ولكن الجديد الذي تبنته ماري بوجيجا وسعت إلى إنجاحه هو عقد مؤتمر نساء البحر الأبيض المتوسط في قسنطينة، سنة ١٩٣٢. ويهمنا حضور المؤتمر وتوصياته. أما الحضور فقد قيل إن ٣١ امرأة جاءت المؤتمر من أنحاء أوروبا. كما ألقيت في المؤتمر رسالة باسم السيدة الصغير الحسن، وهي زوجة قائد سيقوس. كما حضرها بعض الرجال الذين منهم: عبد القادر فكري وأحمد الأرقش. وألقيت في المؤتمر عدة تقارير عن وضع المرأة المسلمة (لأن المرأة الأوروبية ربما لا تحتاج إلى ذلك رغم أن عنوان المؤتمر يشملها) وعبر فيها أصحابها عن مأساتها في نظرهم، واقترحوا الحلول للخروج من ذلك الوضع. وشمل الحديث تاريخ المرأة المسلمة ومكانتها في القرآن ومسألة تعدد الزوجات، ووجهة نظر المرأة القبائلية خاصة. وقد عبرت السيدة الصغير الحسن على أن المرأة في الريف وغيره بدأت تفكر كالفرنسية (!) أما التوصية الأخيرة فكانت عن اللغة الفرنسية التي قيل عنها إنها هي التي ستوحد الشعبين (كذا) المختلفين في الأصل، ولذلك طالب المؤتمرون بضرورة تعليم اللغة الفرنسية للمرأة المسلمة (١). وبذلك انكشف المخطط الذي كانت تعمل داخله السيدة بوجيجا لإنقاذ المرأة المسلمة بالتعاون مع إدارة الشؤون الأهلية بزعامة ميرانت.
وفي سياق شبيه بسياق ماري بوجيجا التي قدمت نفسها على أنها (أخت) للمسلمات، كتبت إحدى المنصرات (المبشرات) وهي الراهبة روش، ووصفت المرأة الجزائرية بأنها ترسف في أغلال التقاليد، ومنها ضيق المنزل (أو السجن) وغلظة الرجل. وتأسفت على أنه لم يكن للمرأة تنظيم
стр. 2921
ولا قيادة. ولكنها قالت إن الفتيات يذهبن إلى المدارس سافرات وهن يلبسن اللباس الأوروبي. وللكاتبة صداقة مع بعض النساء المسلمات. وقالت إن بعضهن لا يدركن عواقب ثورتهن على التقاليد. وهي كمنصرة كانت متفائلة لأنها لاحظت أن بعض النسوة يؤمن بالمسيحية سرا في بيوتهن وأن بعضهن قد وجدن أزواجا مسيحيين. وتنبأت أنه سيأتي يوم تصبح فيه المرأة المسلمة مؤمنة بالمسيح (١). ولعل الراهبة روش لا تعرف أن كل المسلمين يؤمنون بالمسيح ﵇ ولكن ليس كإيمانها هي به. فالخط الذي كانت تسير فيه روش كان يشبه الخط الذي تسير فيه بوجيجا. هذه كانت تدعو إلى اللغة الفرنسية والحضارة الأوروبية (وهي مسيحية الأصل)، والأخرى كانت تدعو إلى المسيحية أو على الأقل تحكم على الآخرين من خلالها.
ومن الملاحظ أن روش أوردت أيضا كتابات بعض المتجنسين الجزائريين حول المرأة المسلمة. ومنها ما كتبه ربيع الزناتي في (لافوا أند جين) عن تخلف المرأة المسلمة وتناقض التقاليد والواقع عندها. ثم مقالة المنور قلال في جريدة الكولون المعروفة وهي (لاديباش ألجيريان)، وهي مقالة حول موقف الشباب الإندماجي من الزواج بالمرأة المسلمة (الجاهلة). وبناء على السيد قلال، فإن هذا الشباب (المثقف) سيبحث له عن امرأة تناسبه ولا يرضى لنفسه بشريكة حياة متخلفة عنه. والأمر كذلك عنده بالنسبة للجندي الجزائري الذي خدم في الجيش الفرنسي وشاهد وعاش مظاهر الحضارة الأوربية، فهو أيضا سيبحث له عن امرأة (مناسبة). ويبدو أن الموجة خلال الثلاثينات كانت تندفع في هذا التيار. فقد كتب آخرون حول هذا الموضوع، ومن ذلك مقالة ابن حوراء في الجريدة نفسها (لاديباش) عن الإصلاح الإسلامي وتحرير الفرد (٢). وكانت جرائد جمعية العلماء وجرائد الإصلاح
стр. 2922
عموما تخوض في هذه الموضوعات محبذة أو ناقدة، كما رأينا في كتابات محمد سعيد الزاهري.
ولكن المرأة الجزائرية الحقيقية كانت كالمرجانة الصافية تنتظر الخلاص على أيدي الحركة الوطنية وليس على أيدي الليكس وابن عابن وبوجيجا وروش. وقد جاءها الخلاص يوم أن خرج المرجان من أصدافه طاهرا طهورا مع فجر ثورة نوفمبر. وعندئذ كشفت المرأة الجزائرية عن هويتها ففاجأت كل الباكين عليها بكاء التماسيح.
الهجرة أو البقاء
سال حبر كثير حول وجوب الهجرة من الجزائر أو عدمه بعد تغلب الفرنسيين (الكفار) على المسلمين فيها. وقد انقسم أهل العلم والرأي في ذلك ثلاثة أقسام على الأقل: من يقول بوجوب الهجرة مطلقا لعدم وجود الحكومة الإسلامية، ومن يقول بعدم الهجرة ما دام الفرنسيون قد سمحوا بإقامة الشعائر الإسلامية، ومن يفصل ويقول إن الهجرة واجبة على المستطيع سواء منع الفرنسيون إقامة الشعائر أو سمحوا بها، ولكن بعد تصفية الديون وترتيب حياة العائلات وبيع العقار، أي أن النية في الهجرة والإقامة مؤقتة فقط.
والواقع أن الهجرة الجماعية من المدن التي احتلها الفرنسيون أول مرة، كالعاصمة ووهران وتلمسان ومعسكر وعناية وبجاية، لم ينتظر أصحابها فتوى العلماء ولا حكم الشريعة. لقد حمل القادرون أولادهم وأرزاقهم التي خفت وارتحلوا برا وبحرا، وشرقا وغربا، كما يقول محمد بن الشاهد. وقد هاموا على وجوههم حتى لا تحكمهم قوانين الفرنسيين ولا يخضعون لأحكامهم. وقد نقص عدد سكان العاصمة وحدها بحوالي الثلثين، وفيهم أصحاب الثروة والحرف والعلم. ويقول اس الشاهد (١) الذي
стр. 2923
عجز عن الارتحال، وأصيب بالعمى وكبر السن، وكان من الشعراء البارزين وأصحاب الفتوى: أن (الحل الكثير من ذوي الأموال سافر من هذه البلدة (الجزائر) براء وبحرا، شرقا وغربا، كما هو مشاهد محسوس لكل أحد). أما الباقون فاختلفت أسباب عدم هجرتهم. وقد فرغت مدن كاملة من سكانها مثل وهران وبجاية وعنابة عند الاحتلال، ومع ذلك زعم الفرنسيون فيما بعد أن الجزائر كانت بدون سكان مدن.
إن العلماء الذين أفتوا بالهجرة من البلاد التي تغلب عليها الفرنسيون استندوا إلى آيات وأحاديث ووقائع تاريخية، كهجرة الرسول ﷺ وأصحابه، وهجرة أهل الأندلس، والتجارة في بلاد غير المسلمين (دار الحرب). وهناك حجج لهم يستندون إليها. ونود أن نذكر أن المقصود بالهجرة عندما طرحت خلال الثلاثينات من القرن الماضي، هو الخروج من المنطقة التي تغلب عليها الفرنسيون إلى منطقة أخرى ما تزال تحت الحكم الإسلامي، كالمناطق الواقعة تحت حكم الأمير عبد القادر. وقد جعل الأمير حماية المسلمين من الأحكام الصارمة في كل معاملاته مع المسلمين ومع الفرنسيين، وطبق الأحكام الإسلامية وقوانين الحرب على رعاياه من جهة وعلى المسلمين الواقعين تحت حكم الفرنسيين من جهة أخرى. وكان على هؤلاء المسلمين في نظره أن يخرجوا من ربقة الفرنسية لكين يكون هو الحامي الوحيد لهم. وكان هدفه أيضا هو عزل الفرنسيين وقطع المسلمين التعامل معه إلا بتعليماته، إضعافا لهم وإكراههم على الخروج من الجزائر أو إقامة العلاقات معه والاعتراف به هو كسلطة إسلامية وحيدة في البلاد.
والجدل الذي نشأ حول الهجرة بين بعض العلماء عندئذ إنما مصدره هذه الفكرة، وهي تجمع المسلمين تحت راية الأمير ورفض الحكم الفرنسي وتوحيد الصف، وليس المقصود به مغادرة القطر الجزائري إلى بلدان أمامية
стр. 2924
أخرى. والمعروف أن عددا، من أعيان وعلماء الجزائر قد (هاجروا) إلى حكم الأمير من مختلف أنحاء الجزائر، ولاسيما من العاصمة. ومن هؤلاء قدور بن رويلة وصهره علي بن الحفاف. ومن العلماء الذين بقوا في الجزائر عندئذ المفتي مصطفى بن الكبابطي ومحمد بن الشاهد. ويبدو أن الجدل الذي دار بين هؤلاء كان قبيل معاهدة التافنة (١٨٣٧). ولعل كاتب الأمير، ابن رويلة، هو الذي فجر الموضوع بدعوى العلماء للهجرة واحتجاجه بفتوى أحمد الونشريسي في كتاب المعيار، والمعروفة بعنوانها (أسنى المتاجر). والغالب على الظن أن ابن رويلة لم يكتب ما كتب إلا بموافقة الأمير. وقد تولى المفتي الكبابطي الرد عليه وتبرير عدم الهجرة بكون الفرنسيين لم يمنعوا المسلمين من العبادة وكون العامة في حاجة إلى العلماء ليعلموهم مبادئ الدين.
دارت عدة مراسلات في هذا الشأن بين الطرفين، ووصلت أحيانا، إلى حد الاتهامات الشخصية بدل الاحتجاج الديني. وتدل المراسلات على معرفة سابقة بين المفتي الكبابطي وابن رويلة. وهذا ليس غريبا. لأن الكبابطي كان قاضيا ثم مفتيا منذ الاحتلال، وكان معروفا لابن روميلة قبل التحاقه (ابن رويلة) بخدمة الأمير. ومن ذلك التنابز أن المفتي عاتب ابن رويلة على استعماله عبارة (المعظم الأمجد) في مخاطبة رؤساء الفرنسيين. وقد رد ابن رويلة على ذلك بأنه فعلا كان يكتب ذلك قبل أربع سنوات، وكان يكتب ما كتب باسم الأمير، إلى أن نهاه الأمير عن استعمال عبارات مثل هذه في مراسلات، (فتاب) ولم يرجع إليها، وتحداه أن يجد عنده عبارة أخرى غير (إلى عظيم الجنرالات ..) منذ ذلك الحين (١). وقد رد ابن رويلة بعد ذلك على لائميه ردا حاسما بذكره عشرة نقاط كل واحدة منها تدل على خضوع العلماء، أمثال الكبابطي، للفرنسيين مما كان يؤدي في نظره إلى الكفر، ومنها توديع جيوشهم عند خروجهم لمحاربة المسلمين، واستقبالها بعد
стр. 2925
رجوعها ظافرة، والتهنئة بمواليدهم، وحضور حفلاتهم، وتقديم البلغة الصفراء لهم عند دخولهم المساجد .. أما عن الهجرة فقد قال ابن رويلة مخاطبا المفتي الكبابطي: لعلكم ظننتم أن الله لا يعبد إذا خرجتم من الجزائر وأن شريعته لا تطبق (١).
ورغم تمسك الكبابطي بعدم الهجرة فإنه قد وجد نفسه مجبرا عليها سنة ١٨٤٣، أي بعد حوالي سبع سنوات من دفاعه القوي على البقاء ما دام الفرنسيون قد سمحوا بالعبادة. ويبدو أنه كان مقتنعا بالبقاء والمقاومة بمختلف الوسائل، وكان يعرف ما حصل لأهل الأندلس، وهو منهم، الذين لم يهاجروا. وأثناء مقاومته لتدخلات الفرنسيين في الشؤون الدينية واستيلائهم على الأحباس وإدخالهم اللغة الفرنسية في الكتاتيب القرآنية، اصطدم مع إدارة المارشال بوجو، فحكم عليه بالنفي إلى جزيرة سان مرغريت (فرنسا)، ثم سمح له بالإقامة في مصر، حيت توفي بالا، سكندرية (٢). من عجائب الزمن أن ابن رويلة أيضا. قد مات في المنفى، وأن ابنه الذي خطفه الفرنسيون، قد
قتل في ثورة أولاد سيدي الشيخ (سنة ١٨٦٤).
وقد انتصر علي بن الحفاف لصهره ابن رويلة أثناء هذه الخصومة. ونحن نعرف أن ابن الحفاف هذا قد رجع إلى الجزائر وأعيدت إليه بعض أملاكه ووظفه الفرنسيون على أساس أنه من أعيان العلماء، بناء على فكرة وهي أن من جاءهم طائعا من الجزائريين سيخلص في خدمته فهو أفضل من غيره، رغم أنهم أقروا بعداوته لهم. والغريب أيضا أن ابن الحفاف الذي تولى القضاء والفتوى وحج بيت الله، قد ظل يحلم بالهجرة من الجزائر ولم تطب نفسه للإقامة بها تحت الفرنسيين حتى بعد أن طال مكثه في الوظيفة. وقد صارح بذلك الشيخ محمد بيرم الخامس عند زيارته الجزائر
стр. 2926
حوالي ١٨٧٨، فنصحه بيروم بالبقاء خدمة للدين والعامة، وقد توفي في الجزائر سنة ١٣٠٧ هـ (١).
أما محمد بن الشاهد فقد فصل القول في قضية الهجرة، وكان يرد على صاحب رسالة غير مذكور، ولكننا نرجح أنه هو قدور بن رويلة أيضا. وخلاصة رأي ابن الشاهد أن الهجرة المطلقة إنما هي واجبة على من لم يتمكن من إقامة شعائر دينه وكان قادرا على الهجرة، أما العاجز عنها بدنيا أو ماليا فلا تجب عليه. وأورد أدلة عديدة، منها أقوال بعض المفسرين، وحكم الفقهاء بكراهية التجارة في دار الحرب دون التحريم، وذكر هجرة الصحابة إلى الحبشة، وهي دار حرب عندئذ، لتمكنهم من العبادة فيها. وذكر أن علماء الأزهر الشريف لم يهاجروا عندما استولى الفرنسيون (الكفار) أنفسهم على مصر سنة ١٧٩٨. ولو هاجر العلماء وهم أطباء الأديان، لبقى العامة بدون مرشدين.
واعترف ابن الشاهد بأن كل الظروف كانت تجبر على الهجرة، ولكن وقتها لم يحن بعد بالنسبة للبعض. فالفرنسيون قد هدموا المساجد وبعثروا المقابر واستولوا على الأحباس. ولكنه صرح بأن المساجد ليست هي الدين، وأن العبادة ممكنة في أي مكان مناسب. ثم إن البقاء مع الكفار لا يعني الرضى بحكمهم وإنما العجز هو الذي فرض ذلك. وقال قولته الشهيرة: (كيف يتصور في أذهانكم أننا نرضى بالكفر ونحب معاشرة أهله، وقد غلت أسعارنا، وتقطعت صنائعنا، وانهدمت حوانيتنا، وتعسرت مكاسبنا، وحفرت مقابرنا، ونبشت ضرائح أوليائنا، وما حصلت هذه الأشياء إلا بسبب دخوله؟ وأي عز لنا في هذه الأشياء حتى نرضى بها؟ والله الذي لا إله إلا هو: نحن إذا أصبحنا لا نريد أن يمسي معنا، وإذا أمسينا لا نرد أن يصبح معنا).
إن الناس فئات. والطلبة (العلماء) الذين ذكرهم صاحب الرسالة، ليس لهم مال يهاجرون به. لأن موردهم الأساسي هو الأحباس. وقل من له دار أو
стр. 2927
حانوت، ولا يعدو دخلهم بضع دينارات لا تكفي لعيشهم، فما بالك بالهجرة. وعامة الناس حكمهم حكم الطلبة أيضا، فهم فقراء أو عاجزون. وأما من له مال وبقي إلى الآن فأسباب بقائه مختلفة، فإما كان له عقار يريد بيعه ولم يتيسر له ذلك، وإما له ديون يريد تحصيلها قبل الهجرة، وإما له عائلات كبيرة ينتظر الوقت لتنظيم أمورها. ثم إن هجرة الرسول ﷺ لم تحدث دفعة واحدة. ويفهم من هذا الكلام أن ابن الشاهد وأمثاله الباقين تحت حكم الفرنسيين أنهم جميعا كانوا على أهبة الهجرة، ولكنها مسألة وقت فقط، فهو يقول: (الناس قاطبة على نية الارتحال والخروج. كل يتربص وينتظر الوقت ... هذا حاصل مكثنا في هذه البلدة) (١)، ورغم هذه النية، فإن ابن الشاهد قد أدركه الموت قبل تحقيقها. ومن العائلات التي هاجرت بعد ذلك إلى بلاد الشام عائلة مصطفى بن المرابط المذكورة.
وفي رسالته المعنونة (حسام الدين لقطع شبه المرتدين) أجاب الأمير عبد القادر إجابة صريحة بوجوب الهجرة من البلد الذي غلب عليه الفرنسيون. ويقصد الهجرة أو الخروج إلى المناطق التي كانت تحت سلطته. وقد كتب الرسالة المذكورة سنة ١٨٤٣، والغالب على الظن أنها كانت قبل الاستيلاء على الزمالة في نفس السنة. وقد عزز رأيه أيضا بآراء المفسرين وبالأحاديث وأقوال المغيلي وابن الحاج والونشريسي. ورد الأمير اعتذارات المعتذرين بعدم الهجرة مهما كانت الأسباب، بما في ذلك الخوف علن العائلة والرزق، والخوف من الجوع. واعتبر الأمير أن مال المسلم المقيم مع الكفار مال مباح لأنه ليس ماله. ورد على العلماء الجهلة في نظره القائلين (بمهادنة) العدو، لأن المهادنة في الحقيقة مخصوصة بالإمام أو نائبه وليس لعامة الناس، لأن أحكام العدو سارية على المسلمين، فكيف يهادنونه (٢)؟
стр. 2928
ويذكر مترجمو الأمير أنه فكر في حمل جميع المسلمين في الجزائر على الهجرة نحو البقاع المقدسة (١).
رغم أن كثيرا من العلماء ورجال الدين قد اختاروا الهجرة نحو المشرق، سيما بعد هزيمة الأمير عبد القادر، ثم في عهود متوالية، فإن هناك من كان منهم ضد الهجرة مهما كانت الأسباب. ومن هؤلاء بعض المتصوفة وعلماء الأرياف. ومنهم من هاجر ثم رجع زائرا أو مقيما وتولى الوظائف للفرنسيين أنفسهم. وقد ذكرنا ذلك في تراجم بعضهم. ويذكر أحد الكتاب أن الحاج البشير بن حواء الغريسي (معسكر) أحد تلاميذ الشيخ عدة بن غلام الله، قد استشاره بعض أقاربه في الهجرة إلى الشام فثبطهم ورغبهم في البقاء، وأورد لهم حكاية محتواها أنه إذا كان الملك في الشام وابنته في معسكر وهجم العدو على ابنته فهل الأفضل لسكان معسكر الدفاع عن ابنة الملك وتخليصها من العدو أو الهرب بأنفسهم إلى بلاد الملك (يقصد بالملك الرسول، والبنت هي الشريعة الإسلامية) (٢).
ويرى أحد المتصوفة، وهو الشيخ الحبيب بن سيدي موسى العامري - من بني عامر - أن الهجرة الصورية (البدنية) قد انقطعت ولم تعد واجبة، أما الهجرة الروحية فهي باقية بقاء الدنيا. وكان الشيخ الحبيب من رجال التصريف، كما قيل، وحبذ الخروج إلى سبخة وهران عند هجرة قبيلته الشهيرة، بني عامر، إلى المغرب الأقصى. ولما رجعت القبيلة بعد هزيمة الأمير عبد القادر رجع هو أيضا واجتمع الشمل. وقد توفي الشيخ الحبيب سنة ١٢٨٧ هـ (٣).
ويبدو أن الأمير عبد القادر قد غير موقفه بعد هزيمته وسجنه وإقامته في
стр. 2929
المهاجر. فلا نعلم أنه شجع على الهجرة بعد ١٨٤٧. بالعكس فقد وجدنا بعض أفراد عائلته كالطيب بن المختار، وآل طالب، قد رجعوا إلى الجزائر بعد أن هاجروا منها. وكان رجوع بعضهم بنصيحة منه. ونسب إليه أنه نصح، وهو بالشام، أحد الأصدقاء الذي سأله عن الهجرة بأن (لا تسمع لقول من يقول: اذهب إلى القدس تقدسك، فاعلم أن الرجال تقدس البقاع، وليست البقاع تقدس الرجال) (١).
وعندما كان كتاب الأمير يدعون المسلمين، ولا سيما العلماء والطلبة، إلى الهجرة من المناطق التي استولى عليها الفرنسيون، كان ليون روش، الذي كان يتجسس على الأمير، يتابع المراسلات ويطلع على ردود الأفعال. وعند استئناف الحرب مع الفرنسيين (١٨٣٩) وجد ليون روش الفرصة للهروب من حاشية الأمير إلى الماريشال بوجو. وقد كشف له في تقاريره عن عورات المسلمين ولا سيما مخططات الأمير وأسراره. ومن ذلك أن المسلمين كانوا يعتبرون الأرض الواقعة تحت الإدارة الفرنسية دار حرب يجب الخروج منها. وكان ذلك هو أساس حركة الجهاد عندهم. ولمقاومة هذه الحركة صاغ الفرنسيون (فتوى) وحملها ليون روش نفسه إلى علماء المسلمين ليفتوا الجزائريين بناء عليها، ومفادها أن الجزائر لا تعتبر دار حرب ولا تستوجب الجهاد ما دام المسلمون قد بذلوا الجهد في الدفاع عنها وعن الإسلام ثم عجزوا عن طرد الكافر، ثم إن هذا الكافر نفسه قد ترك لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية. فعليهم إذن أن يرضوا بحكم النصارى وأن يمارسوا الإسلام، طبقا لأحكام الشريعة نفسها.
هذه (الفتوى) الغريبة حررها بعض الموالين لفرنسا من شيوخ التصوف، ومنهم، كما جاء في (مجلة العالم الإسلامي) الشيخ محمد التجاني، ومقدم الزاوية الطيبية، ثم أعدت السلطات الفرنسية بعثة فيها هؤلاء الشيوخ أو نوابهم، ورافقوا سنة ١٨٤١، ليون روش الذي غير اسمه ليصبح
стр. 2930
(الحاج عمر) وتوجهوا أولا إلى القيروان فوافق عليها مفتي الجامع الكبير هناك، ثم القاهرة، حيث وافق عليها بعض شيوخ الأزهر الشرف، ثم مكة المكرمة حيث وافق عليها مجلس العلماء، الذي انعقد في الطائف تحت رعاية شريف مكة. وقد وافق هؤلاء العلماء، كما جاء في كتاب ليون روش، على أن الجهاد لم يعد واجبا على مسلمي الجزائر، لأنه من باب إلقاء بالنفس إلى التهلكة (١). ونعلم أن السلطات الفرنسية قد روجت لهذه الفتوى في الجزائر كسلاح ضد المقاومة وحركة الجهاد، فقد وزعت نسخا منها على الموظفين ورجال الدين وعلقتها على جدران المساجد، ونشرتها في الصحف، ولعلها جعلتها تقرأ في الخطب المنبرية أيضا، ومع ذلك لا نعلم إلى أي حد كان ليون روش صادقا، في روايته وأخذه موافقة علماء المسلمين على نص فتواه. فنحن نعلم أيضا أن الأمير عبد القادر كتب رسالته (حسام الدين) في هذه الأثناء، وكأننا به كان يرد بها على مثل هذه الفتوى المشبوهة (٢).
ولم تكن هذه هي المحاولة الدينية الوحيدة التي حارب بها الفرنسيون هجرة الجزائريين. ففي سنة ١٨٩٣ حاول الحاكم العام جول كامبون صياغة فتوى أخرى شبيهة بالأولى لكي يمنع بها هجرة الجزائريين المتكاثرة ويهدئ بها المناطق التي كانت فرنسا تعتزم احتلالها في الصحراء، والتمهيد لاحتلال المغرب الأقصى. وكان الإنكليز قد استصدروا فتوى من علماء مكة تذهب إلى أن الهند بلاد إسلامية رغم احتلالها من قبلهم. فلماذا لا يفعل كامبون مثلهم؟ لقد صاغ كامبون فتواه على النحو التالي: إن الجزائر رغم احتلال
стр. 2931
الفرنسيين لها، تبقى بلادا إسلامية. كما أن كل بلاد إسلامية يحتلها الكفار تبقى بلادا إسلامية إذا سمحوا لأهلها بإقامة شعائرهم، وليس على هؤلاء المسلمين إذن واجب الجهاد، لأن بلادهم، والحالة هذه، لم تعد دار حرب، إذا كانوا عاجزين على تحقيق الانتصار.
وتتكون فتوى كامبون من مقدمة وثلاثة أسئلة. أما المقدمة فهي: إذا كان الكفار (الفرنسيون) قد احتلوا أرضا إسلامية، ولكنهم لم يضعوا أية عراقيل لممارسة المسلمين ديانتهم - بل هم يشجعونهم على القيام بشعائرهم الدينية، ويعينون القاضي منهم لينفذ أحكام الشريعة، ويخصصون لهذا القاضي راتبا شهريا، فهل يجب على المسلمين:
١) أن يهاجروا أو لا؟ ٢) هل يدخلون في حرب ضد الكفار لينتزعوا منهم السلطة، ولو كانوا غير متأكدين من أنهم يملكون القوة لتحقيق الانتصار عليهم؟ ٣) هل المكان المحتل من قبل الكفار يعتبر أرضا إسلامية أو أرض حرب؟
وتزعم المصالح الفرنسية أن المفتين بالمذاهب الثلاثة في مكة المكرمة: الشافعي والحنفي والمالكي قد أجابوا بما يرضي الفرنسيين، وهو أن الأرض المذكورة (الجزائر) لم تعد دار حرب. وأن الجهاد أصبح غير واجب على أهلها ما داموا غير قادرين على تحقيق الانتصار على عدوهم وما دام العدو نفسه قد ترك لهم حرية العبادة. وقد علق ديبون وكوبولاني على الفتوى بأنها ذات قيمة كبيرة لأنها سمحت لفرنسا باستعمال الجزرة والعصا، كما أن النص المطاط قد أعطى لفرنسا حججا يمكنها استعمالها لصالحها (١). ونحن لا ندري كيف اطلع علماء مكة على الفتوى؟ هل وجد جول كامبون شخصية أخرى كشخصية الجاسوس ليون روش؟ أو استعمل بعض الحجاج الجزائريين فقاموا له بالمهمة؟ (٢).
стр. 2932
أما القول بأن الفرنسيين قد سمحوا للجزائريين بالحرية الدينية ففيه تمويه كبير. والذي يطلع على ما فعلوه في المساجد والأضرحة والزوايا، ومع الاحباس ورجال العلم والدين، ومع الطرق الصوفية، وتشجيع الخرافات ومنع تفسير القرآن، وتحريم أبواب من الفقه على المدرسين (١) ... يعرف أن تلك الحرية غير موجودة. كما أن الحج كان ممنوعا في كثير من المواسم، وأن الأعياد الدينية كانت غير رسمية وغير شرعية، عدا عيدي الفطر والأضحى، ولكن أي عيد؟ أما القضاة المسلمون فقد انتزع القضاة الفرنسيون صلاحياتهم ما عدا الأحوال الشخصية.
ومنذ هذه الفترة (حوالي ١٨٩٣) ظلت حدود الجزائر مغلقة في وجه الهجرة نحو الشرق. لقد ارتاع الفرنسيون من كثرة المهاجرين من إقليم قسنطينة عندئذ. فاستصدروا الفتوى المذكورة وأغلقوا الحدود ومنعوا الحج إلا استثناء، خوفا فيما يبدو من حركة الجامعة الإسلامية ودعاية السلطان عبد الحميد في أوساط المهاجرين. ونحن وإن كنا سنعرض للهجرة نحو المشرق في فصل آخر (٢)، فإننا نذكر أن فكرة الهجرة ظلت حية عند الجزائريين رغم كل القيود والفتاوى. ولذلك كتب ألفريد لوشاتلييه سنة ١٩٠٧ مستنكرا سياسة بلاده هذه قائلا إن هناك (سياسة سرية) تقوم على التوازن السياسي للجزائر الأهلية بإبقاء حدودها مغلقة مع العالم الخارجي. وحذر من أن الشعوب تحتاج إلى الهواء وأن فرنسا قد خرجت من الباستيل. وكان من رأى لوشاتلييه أن على فرنسا أن تستعمل المهاجرين الجزائريين (وعددهم حوالي خمسين ألفا، كما قال) في المغرب وسورية لصالحها (٣). وكأن هذا الكاتب كان يتنبأ، لأن سنة ١٩١٠ و ١٩١١ قد شهدت هجرات
стр. 2933
جماعية من الجزائر. وقد أعطى أوغسطين بيرك تواريخ بارزة للهجرة إلى الشرق. وكانت الأسباب ترجع في نظره إلى الغيرة والخوف على الدين، والغضب من القضاء على الصناعات المحلية وطغيان الصناعات الأوروبية، والخوف من فرض التجنيد، الخ (١).
أما الهجرة إلى فرنسا فتاريخها يرجع إلى أوائل القرن العشرين فقط، وكان منطلقها في البداية هو زواوة، وأسبابها، كما يقول الفرنسيون ديموغرافية، واقتصادية، بخلاف الهجرة نحو المشرق فأسبابها، كما عرفنا، كانت سيكولوجية واقتصادية ودينية. ففي آخر القرن الماضي زاد عدد السكان الجزائريين كما زاد عدد المهاجرين إلى المدن من الأرياف، فوجدوا نقصا في المواد الصناعية والاقتصادية والاجتماعية لاستقبالهم. فقصد بعضهم جنوب فرنسا، ثم رجعوا إلى الجزائر يقصون مشاهداتهم على الآخرين، فأخذ العدد يتكاثر كل سنة بين ١٩٠٦ و ١٩١٤ حتى كانت الحرب العالمية فجندت فرنسا كثيرا من العمال ونقلتهم إلى الجبهة الأوروبية. وهكذا، فمن حوالي خمسة آلاف عامل مهاجر سنة ١٩١٢ إلى أكثر من ٧٨ ألف عامل مهاجر سنة ١٩١٨ (٢). ولكن مسألة الهجرة إلى فرنسا لا تهمنا هنا رغم عواقبها السياسية والاقتصادية والثقافية.
ومنذ أوائل هذا القرن أصبح بعض الجزائريين يهاجرون من أجل العلم ثم العودة في غالب الأحيان. لقد لاحظ محمد بيرم خلال السبعينات أن طلب العلم كان أحد أسباب الهجرة التي لا يعود أصحابها بعدها إلى الجزائر. أما المهاجرون في طلب العلم منذ القرن العشرين فكانوا غالبا
стр. 2934
يغيبون مؤقتا ثم يعودون بعلمهم. وأما العمال الذين كانوا يذهبون إلى فرنسا فقد كانوا في البداية يترددون على الجزائر، ثم أصبحوا يطيلون الإقامة ويستقرون في فرنسا. ومهما كان الأمر فإن الهجرة لم تعد تثير الجدل القديم بين العلماء حول وجوبها أو عدمه، وأصبحت هجرة في أغلبها من أجل العلم والعمل والحرية السياسية (١).
الاندماج، التجنس، النخبة
كثر الحديث عن الاندماج أثناء الاحتلال حتى كادت الكلمة تفقد مدلولها بل غاب معناها عن الأذهان أحيانا. فما هو الاندماج وهل تطور معناه؟
ترددت الكلمة كثيرا خلال القرن ١٩ في الصحف والنشرات والخطب الفرنسية. وكان المقصود بها عندئذ تطبيق النظم الفرنسية على فرنسي الجزائر من إدارة وتعليم وقوانين وانتخابات، وما إلى ذلك، بحيث يشعر الفرنسي في الجزائر كأنه في فرنسا نفسها. وبمعنى آخر دمج الفرنسيين (والمتجنسين الأوروبيين بالجنسية الفرنسية) في مجتمعهم الفرنسي بكل ما عليه وكل ما فيه. ولذلك بادرت الجمهورية الثانية (١٨٤٨) إلى ربط المصالح الإدارية في الجزائر بمثيلاتها في فرنسا بالنسبة للفرنسيين فقط، فإدارة الداخلية في الجزائر أصبحت تابعة لوزارة الداخلية في فرنسا، وإدارة التعليم تابعة لوزارة التعليم، وهكذا. أما بالنسبة للجزائريين فقد بقي الأمر على ما هو عليه، فكانت تحكمهم إدارة عسكرية تابعة مباشرة لوزارة الحربية بفرنسا.
وكان مصدر التوتر الذي حدث بين المدنيين والعسكريين الفرنسيين، هو أن الحكم الفرنسي كان عسكريا منذ الاحتلال. فالحكم كان في يد الحاكم العسكري وكان يساعده حكام الأقاليم، وهم عسكريون، وتحتهم المكاتب العربية وهى عسكرية. وتبعا لذلك كانت المحاكم عسكرية ومدنية،
стр. 2935
والضرائب تجبى بطريقة عسكرية، والقوانين كلها تنفذ تحت إشراف الحاكم العام. وكانت الجزائر في حالة حرب مستمرة. وقد أحس المدنيون الفرنسيون (الكولون) أنهم بذلك كانوا يعاملون معاملة (الأندجين) أو الأهالي، فأخذوا يطالبون بتطبيق القوانين المدنية عليهم وخضوعهم لما يخضع له مواطنوهم الفرنسيون في بلادهم، وفصلهم في المعاملة عن الأهالي. ويعتبر موقف الجمهورية الثانية المذكور تنازلا كبيرا لهم، وهو الأول من نوعه. وبعد عشر سنوات (١٨٥٨) وقع تنازل آخر أو تجربة أخرى حين جرب نابليون طريقة الحكم المباشر للجزائر فألغي منصب الحاكم العام وأنشأ وزارة مدنية في حكومته، وأنشأ في الجزائر مجالس الولايات، ولكن التجربة لم تدم سوى سنتين ثم أعاد منصب الحاكم العام العسكري وأبقى على مجالس الولايات. ولكن الكولون ظلوا في صراع مع الجنرالات، وازداد الصراع حدة حين كثر الحديث عن مشروع المملكة العربية أو إعطاء الجزائريين (ذاتية عربية) رشح لها نظريا الأمير عبد القادر.
وقد انتهى الصراع لصالح المدنيين على إثر سقوط نابليون وتغيير النظام إلى جمهوري. فمنذ ١٨٧٠ حصل (الاندماج) الكلي بين الجزائر وفرنسا بالنسبة للكولون، فقد أصبحت مصالحهم مرتبطة مباشرة بالوزارات المعنية في بلادهم، وأصبح لهم نوابهم في البرلمان كمواطنيهم، وخضعوا لكل ما خضع له هؤلاء من قوانين. فكانت عملية الاندماج كاملة، وقد أطلق عليها أحيانا، (خلال الثمانيات) اسم (الإلحاق) ثم كللت عملية الاندماج هذه سنة ١٨٩٨ بإنشاء الحكم الذاتي المالي. أما الجزائريون فقد اختلف وضعهم، ففي المناطق المدنية حيث الفرنسيون والنظام البلدي، خضعوا لقانون الأندجينا، وفي المناطق المسماة مختلطة أو عسكرية، كان الحكم في يد المكاتب العربية كالسابق.
وفي هذه الأثناء - بعد السبعينات - بدأ الحديث عن (إدماج) الجزائريين في المجتمع الفرنسي: هل هو ممكن؟ وبأية وسائل؟ بعضهم ظهر له أن الجزائريين لا يمكن دمجهم لاختلاف العادات والتقاليد وللأصول والدين
стр. 2936
وكونهم، عند البعض، غير قابلين للتعلم والتقدم والتمدن. وظهرت عندئذ نظريات تقول إن الجزائريين ليسوا سواء في ذلك، فمنهم من هو قريب من الفرنسيين وله قابلية الاندماج معهم، مثل الزواوة. وقد عاشت هذه النظرية بعض الوقت، ثم بدأت تختفي على أساس أن الدين الإسلامي قد وحد بين الجزائريين، وهو يجعلهم غير قابلين للاندماج، مهما كان أصلهم (١). وكان الرأي الآخر يقول بإمكان دمج الجزائريين بطرق عديدة، ولكن ببطء، وذلك عن طريق المدرسة الفرنسية، وتغيير الحالة المدنية، وإلغاء النظام القبلي، والتنصير إذا اقتضى الأمر، والزواج المختلط، والتجنس، والخدمة العسكرية، والهجرة إلى فرنسا، وغير ذلك من الطرق. ولكن المؤمنين بالرأي الأخير (إمكانية الإدماج) يرون أنه لا يمكن دمج كل الجزائريين بالمراسيم كما حدث في تجنيس اليهود سنة ١٨٧٠، ولا بإعطاء الجزائريين حق الانتخاب العام والتمثيل النيابي، بل لا بد من المرور بفئة قليلة وبالتدرج وهي فئة النخبة المتخرجة من المدرسة الفرنسية والقريبة في تفكيرها ونمط عيشها من الفرنسيين. وهناك رأي ثالث كان يقول بضرورة إبعاد الجزائريين جميعا عن المناطق التي يسكنها الفرنسيون وحصرهم في مناطق معينة في اتجاه الصحراء وفي نوع من المعسكرات أو المحتشدات أو المراكز السكنية حيث يظلون على نمط عيشهم القديم، على هامش الحضارة.
ويمكن القول إن الحديث عن إمكانية (الاندماج) الخاص بالجزائريين قد ظهر منذ ١٨٩١ على إثر زيارة لجنة التحقيق بقيادة جول فيري. فقد لاحظ وجود عناصر جزائرية بدأت تطالب بالحقوق وتؤمن بالتقارب مع الفرنسيين والاندماج في مجتمعهم. وهذه العناصر هي ما اصطلح على تسميته بالنسبة، ونحن نسميهم هنا (بالاندماجيين). وبينما كان أعيان المدن عندئذ يطالبون باحترام العادات والتقاليد الجزائرية، واسترجاع الأحكام للقضاة المسلمين، وتعليم اللغة العربية، وغير ذلك من المطالب التي كانت تهدف إلى الإبقاء
стр. 2937
على الهوية الوطنية موازاة مع الهوية الفرنسية، كان الاندماجيون يكتبون عن إمكانات الاندماج مع الفرنسيين ويبحثون عن طرق التقارب بين الفرنسيين والجزائريين على أساس المستقبل الواحد والوطن الواحد. نجد ذلك في كتابات أحمد بن بريهمات والطيب مرسلي ولويس خوجة، خلال التسعينات (١)، ثم توسعت الدائرة وظهر فيها أمثال إسماعيل حامد، وأحمد بوضربة (الحفيد) وبلقاسم بن التهامي، والشريف بن حبيلس، وطالب عبد السلام وعباس بن حمانة (٢). ثم جيل كامل من النخبة المتفرنسة.
إن الاندماج هنا ليس هو بالطبع الاندماج الذي كان يتحدث عنه الكولون خلال القرن الماضي. إن ذلك النوع من الاندماج قد تحقق لهم كما أرادوا وأصبحت الجزائر (فرنسية) على مقاسهم. ولكن الذي لم يتحقق رغم إلحاح المنادين به، هو إدماج النخبة الاندماجية وبواسطتها، كما كانت تظن، كل المجتمع الجزائري بعد أن يصل، كما وصلت، إلى درجة النخبوية. وكانت قمة التعلق بهذا الاندماج هو مشروع فيوليت سنة ١٩٣٦، وهو المشروع الذي أدى فشله إلى خيبة أمل الاندماجيين وفشلهم أيضا. فقد رجع بعده بعضهم (إلى الشعب) مثل فرحات عباس ومن شايعه، وظل بعضهم متعلقا بالأوهام مثل ربيع الزناتي وابن جلول. ودخل بعضهم في الأحزاب
стр. 2938
الفرنسية ليندمجوا من خلالها، كالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، بل إن بعضهم دخل في الحزب الفاشيستي.
وقد وقفت جمعية العلماء ضد هذا النوع من الاندماج، وكان لموقفها صدى واسع وعواقب كبيرة لصالح الحركة الوطنية. فعندما نفى فرحات عباس وجود أمة جزائرية أجابه ابن باديس بعبارات زعزعت من كانوا يعتقدون أن هذه الأمة قد اندثرت فعلا، وبنوا على ذلك أوهام الاندماج في أمة أخرى. (ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية [كما قال] ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها، وهي لا تريد أن تندمج) (١). ثم عرضت مجلة (الشهاب) بالتفصيل العوامل التي تجعل دمج الجزائر في فرنسا من المستحيل عمليا. وفي عدد لاحق نشر الشهاب قوله إنه (معتز بخطته، ثابت على مبادئه، وهو يتشرف بأن يكون ممثلا للقومية الإسلامية الجزائرية .. التي لن تفنى ولن تزول .. هي حركة أمة تريد أن تحفظ لنفسها وتصون ذكرى أسلافها وتحتفظ بمميزاتها وتراثها العتيق) (٢).
وفي نفس الاتجاه كتب الشيخ أبو يعلى الزواوي في جريدة البصائر يستنكر الفرنسة والتنصير والتجنس. ورأى أن استعمال الأيتام والصبيان لنشر الفرنسية والتنصير بينهم وتحضيرهم للتجنس سيجعلهم (منبوذين) فلا هم نصارى
стр. 2939
ولا هم مسلمون. واعتبر الحكومة الاستعمارية حكومة (مبيدة ومهلكة)، لأن (العرب الأهالي مجردون من كل سلاح مادي وأدبي، ومنعوا من خصائص الإنسانية من الاجتماع والنطق والكتابة، ولا حرية لهم في ذلك) (١).
إن الفكر الاندماجي لم يمت عند بعض الجزائريين فقد بقي حتى بعد الاستقلال ولكنه اتخذ غطاء آخر كالتمسك باللغة الفرنسية وعملية التثاقف المستمرة عن طريق الزيارات ووسائل الإعلام والزواج والبحث العلمي.
...
وهناك علاقة بين التجنس والاندماج. وقد كان الجزائريون قبل ١٨٦٥ محتلين تعترف لهم الدولة المحتلة بدينهم وعاداتهم، لكنها لم تكن تعترف لهم بجنسية ولا يتمتعون عندها بحق المواطنة. وفي ١٨٦٥ صدر مرسوم ينص على أن الجزائريين رعايا فرنسيون يدينون بالإسلام، ولكن ليس لهم حقوق في المواطنة الفرنسية. ومن ثمة لا يتمتعون بالحقوق المدنية كحرية الاجتماع والصحافة والتعبير، ولا بالحقوق السياسية كالانتخاب والترشح للوظائف السامية. ذلك أن المواطنة الفرنسية في نظر الفرنسيين غير متلائمة مع الشريعة الإسلامية، والمسلم الذي تحكمه الشريعة لا حق له في المواطنة سواء كان مثقفا أو جاهلا، غنيا أو فقيرا. ولكن يمكنه أن يصبح مواطنا فرنسيا إذا ما تخلى طواعية عن أحكام الشريعة الإسلامية ودخل تحت طائلة القانون الفرنسي، ولا سيما في أحكام الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والإرث والوصايا. ورغم ما يبدو في هذا المرسوم من إغراء بالتمتع بالحريات المدنية والسياسية والمواطنة، فإن الجزائريين فضلوا البقاء على حالة الرعية تحت أحكام الشريعة الإسلامية مع الحرمان من تلك الحقوق ومع تعسفات قانون الأهالي التي لا وصف لها، لأن التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية كان يعني الخروج عن الدين، وهو الردة والكفر عند المسلمين، وهو (التجنس) في مصطلح ذلك الوقت.
وإذا كان التجنس قد رفضه المسلمون عموما فقد كان غير محبب عند
стр. 2940
الكولون أيضا. ذلك أنه يعني عندهم منافسة (الأهالي) لهم في حقوقهم الكثيرة، ويعني ذلك أيضا أن ثلاثة ملايين من الأهالي (سنة ١٨٦٥) سيطغون على حوالي خمسمائة ألف من الأوروبيين (نصفهم من الفرنسيين) وبذلك سترجع الجزائر إلى الأهالي بحكم الأغلبية والمواطنة. فكانت معارضة الكولون شديدة للتجنس الفردي للمسلمين، وكانت أشد من ذلك بالنسبة لتجنسهم الجماعي. وكانت هذه من القضايا التي التقي فيها رفض الجزائريين ورفض الكولون، ولكن لدوافع مختلفة.
غير أن التجنس الفردي، قد حدث. وكانت له شروط ضيقة لا تسمح لكل راغب أن يحصل عليه. وأهم الشروط هي الولاء المطلق لفرنسا وخدمتها والتثقف بلغتها، وحيازة الملكية، وحسن السيرة والسلوك في نظر الفرنسيين. وبناء على ذلك لم يتقدم أو بالأحرى لم يحصل على المواطنة الفرنسية إلا عدد ضئيل جدا بين ١٨٦٥ و ١٩١٤ (١). وإلى جانب الشروط القانونية، ومعارضة الكولون، هناك معارضة الرأي العام الجزائري للتجنس أيضا. فقد كان الرأي العام يسمى المتجنس (المطورني) أو المرتد عن دينه، وكان المتجنسون منبوذين في المجتمع المسلم، سيما وأن الذين تجنسوا كانوا من صف معين في الغالب، وهم أولئك الذين خدموا في الجيش الفرنسي، أو عملوا في مصالح الترجمة في الإدارة أو الجيش أو المحاكم، أو من الذين تخرجوا من مدارس الآباء البيض.
وبعد ضغط الرأي العام ضد التجنس وظهور حركة الأمير خالد التي بنت مطالبها على نيل الحقوق السياسية (المواطنة) دون التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية، تراجع التجنس أيضا، وأصبح الذين يرغبون فيه يشترطون عدم مطالبتهم بالتخلي عن الشريعة أسوة باليهود الذين حصلوا على التجنس
стр. 2941
بالجنسية الفرنسية أو المواطنة دون شروط. ومن جهة أخرى كان الكولون، كما ذكرنا، يخشون من التجنس الجماعي للمسلمين لأنه يحرمهم (الكولون) من امتيازاتهم كأقلية محظوظة، ولذلك استمروا في معارضتهم الشديدة له. وكان لهم دور في إفشال مشروع فيوليت الذي قام على إعطاء المواطنة الفرنسية للنخبة فقط دون مطالبتهم بالتخلي عن الشريعة الإسلامية.
وخلال الثلاثينات وقف زعماء جمعية العلماء ضد التجنس مطلقا سواء للنخبة فقط أو لكل الجزائريين. وقد اشترك في ذلك الشيوخ: ابن باديس والإبراهيمي والعقبى والميلي والتبسي وغيرهم. وهاجموا أيضا، محاولات التأثير على علماء تونس ليفتوا بإباحة التجنس، مثل الشيخ الطاهر بن عاشور الذي قيل إنه مال إلى ذلك، وقد اشترك في الهجوم عليه ابن باديس والإبراهيمي والعقبى. وظهرت ردود ضد التجنس من علماء الزيتونة وعلماء القرويين. وقد أفتى هؤلاء جميعا بأن المتجنس مرتد عن دينه، وأن حكم المرتد هو الكفر، ومن ثمة لا يمكن للمتجنس أن يرث أو يدفن في مقابر المسلمين ولا أن يتزوج على طريقتهم، وإن ذلك يسري على أولاده، وإذا أراد التوبة فعليه أن يخرج من البلاد التي دخل في قوانينها وأن يعلن توبته صراحة.
وبالطبع لم ترض هذه الفتوى التي اشتهر بها ابن باديس (سنة ١٩٣٨) الفرنسيين ولا الراغبين في التجنس. فقد ثارت ثورتهم ضد ابن باديس وضد جمعية العلماء، واعتبروا المسألة سياسية. وأطلقوا العنان لصحفهم ضد الفتوى وصاحبها. وكان ابن باديس فيما يبدو يقصد ذلك، أي أنه كان يعلن عن موقف سياسي/ ديني يحفظ للجزائر هويتها. وقد صدرت تلك الفتوى في وقت كانت فيه فرنسا تجمع شتاتها وتجند أتباعها لمواجهة الموقف الدولي المنذر بالحرب. ولذلك اتهمت حتى جمعية العلماء بأنها كان تعمل لحساب الفاشيست والدول الخارجية (١).
стр. 2942
وقد سلطت فرنسا مختلف الوسائل ضد الجمعية ورجالها الذين أفتوا ضد التجنس والاندماج. وحركت ضدها بعض المتجنسين أيضا. وقام الحاكم العام (لوبو) سنة ١٩٣٧ بعزل إمام جامع دلس، لأنه رفض الصلاة على أحد المتجنسين، (واسمه أوسعدة)، فجاء رئيس جمعية المتجنسين في الجزائر، ويدعى سعدى أوأكلى، ليؤيد الحاكم العام في ذلك، ويعلن أن أمثال هذا الإمام كان يؤمن بوطنية بعيدة عن الجزائر، وهي الحركة الإسلامية، وأعلن أواكلي أن أوسعدة كان شاوشا في بلدية دلس وأنه قد خدم فرنسا بإخلاص (١). وكتب السيد مهندس يستنكر أعمال (جمعية العلماء التخريبية) وقال إنها انقسمت بين المتطرفين المتعصبين بقيادة ابن باديس والواقعيين العقلاء بقيادة العقبى (انظر مسألة البرقية)، وأن ابن باديس وأنصاره لم يحركوا ساكنا أمام الخطر الذي كان يهدد الحضارة العالمية (يعني الوقوف ضد هتلر وموسوليني) وأنهم ظلوا متمسكين بفكرة الجهاد الذي يعني في الجزائر الحرب الأهلية (٢). وبعد سنة، بل عشية الحرب (يونيو ١٩٣٩) كتبت نفس المجلة بأن جمعية العلماء والحركة المصالية هما العدوان الحقيقيان لفرنسا في شمال إفريقية. لقد أكدت كتابات ابن باديس أن الجزائر لن تكون فرنسا وأن المتجنسين خارجون عن الدين. وهاهم (أنصار ابن باديس) ينادون يوميا بالثأر للإسلام (٣).
ومهما كان الأمر فإن قانون التجنيس المشروط بالتخلي عن الشريعة الإسلامية قد ألغى سنة ١٩٤٧، وجاء في القانون الجديد أن الجزائري مواطن فرنسي مع المحافظة على الحالة المدنية الإسلامية، وأصبح الجزائري منذ ١٩٤٧ يدعى (فرنسي مسلم) بدل (رعية فرنسي). ولا شك أن ذلك يعتبر
стр. 2943
هزيمة لأنصار الاندماج عن طريق التجنس وانتصارا لأنصار الهوية الوطنية والمحافظة على الذاتية الإسلامية، كما يسميها ابن باديس.
ومع ذلك فإن الإحصاءات تدل على (تقدم) التجنس بل ومضاعفة عدد المتجنسين بين الحربين. وإليك ما نشره علي مراد في الموضوع بين ١٩٢٠ - ١٩٣٨ (١):
السنة ... عدد المتنجنسين
١٩٢٠ ... ١٧
١٩٣٠ ... ١٥٢
١٩٢٢ ... ٥٦
١٩٣٢ ... ١٢٧
١٩٢٤ ... ٢٩
١٩٣٤ ... ١٥٥
١٩٢٦ ... ٦٧
١٩٣٦ ... ١٤٢
١٩٢٨ ... ٣٨
١٩٣٨ ... ١٩٠
...
أما الزواج المختلط فقد كان موجودا، كما عرفنا، ولكنه كان محدودا، فقد وجد بين الجزائريين والفرنسيات حتى قبل الاحتلال، كما رأينا في حالة أحمد بوضربة. وبعد الاحتلال بدأ يشيع بين الذين وظفهم الفرنسيون من الحضر، مثل مصطفى بن عمر وحمدان بوركايب. ثم أخذ يشيع بين بعض القادة الدينيين مثل زواج أحمد التجاني من أوريلي بيكار، وزواج الآغا
стр. 2944
حمزة بن بو بكر من أولاد سيدي الشيخ من فيري FERET ابنة قائد مشاة فرنسي. وزواج عبد القادر بن داود (زعيم الدوائر) من تيريز ماس (١). وبالطبع هناك فئة الاندماجيين الذين تزوجوا في أغلبهم من فرنسيات أمثال ابن التهامي، وبوضربة (الحفيد) ومرسلي. وقد ذكرنا ذلك في محله. ومنذ الحرب العالمية الأولى شاع الزواج المختلط أيضا بين الطلبة الدارسين في فرنسا والفرنسيات والعمال العاملين هناك، ومنهم فرحات عباس ومصالي الحاج وابن نبي وسعدان. وفي نفس الوقت تزوج الفرنسيون بعض المسلمات، ومنهم من أسلم من أجل الزواج منهن، ولكن بعضهم تزوج مسلمات دون أن يتخلى عن دينه. ومن الصف الأول توماس (إسماعيل) عربان الذي تزوج امرأة مسلمة من قسنطينة، وكان قد اعتنق الإسلام في مصر. وقد قيل إن العقيدين: بيليسيه، ودي نوفو، قد تزوجا من مسلمتين. وتدل الإحصاءات المتأخرة على أن الزواج بين المدنيين الفرنسيين والمسلمات كان شائعا أيضا.
وإليك بعض الإحصاءات:
١) بين المسلمين والفرنسيات هناك ٤٨٣ حالة خلال سنوات ١٩٣٠ - ١٩٥٣، موزعة هكذا: عنابة ٩٦ حالة، قسنطينة ٨٣ حالة ما بين ١٩٣٢ - ١٩٥٣؛ ووهران ٧٥ حالة خلال سنوات ١٩٣٩ - ١٩٥٣، والعاصمة ٢٢٩ حالة خلال نفس المدة.
٢) بالنسبة لزواج المسلمات بالفرنسيين هناك مجموع ٢٥٠ حالة منها ٢٨ في عنابة خلال ١٩٣٠ - ١٩٥٣، و ٣٠ حالة في قسنطينة خلال ١٩٣٢ - ١٩٥٣، و ٣٩ في وهران خلال ١٩٣٩ - ١٩٥٣، و ٥٣ حالة في العاصمة خلال نفس الفترة.
стр. 2945
٣) أما في فرنسا فهناك حوالي ٤٠٠ حالة زواج مختلط و ٥٠٠٠ معاشرة حرة (خليلات) بين المسلمين والفرنسيات.
وبناء على صاحب الإحصاء فإن من بين (عراقيل) الزواج المختلط وجود التعصب الديني، ويسميه الكاتب العنصرية الدينية. كما أبدى ملاحظة أخرى وهي أن أطفال الزواج المختلط يتمتعون بذكاء أكبر وبصحة أجود من غيرهم (١).
هناك علاقة وطيدة بين التجنس والمدرسة الفرنسية، وبين الزواج المختلط والتجنس، وبين هذه جميعا والاندماج، ونعني بذلك الاندماج كما أصبح معروفا عند الفئة المعروفة بالنخبة. أما الاندماج الذي سعى إليه الكولون فقد فازوا به كما ذكرنا، وهو الذي جعل (الجزائر الفرنسية) تعيش عندهم إلى سنة ١٩٦٢.
الجزائر في الكتابات الفرنسية
الفرنسيون لم يكتشفوا الجزائر سنة ١٨٣٠، فقد كتبوا عنها قبل ذلك في عدة مناسبات. وكانت بينها وبينهم معاهدات، وتبادل أسرى، وجوسسة، وتقارير قناصل، ورحلات. ولكن معظمها كانت علاقات من جانب واحد. فالفرنسيون هم الذين كانوا يكتبون (عدا المعاهدات)، أما الجزائريون فلا يكادون يتركون أثرا لأسراهم ولا لرحلاتهم، وليس لهم قناصل في فرنسا، وقلما تطلق فرنسا أسراهم ليقصوا ما حدث لهم. فالكتابات الجزائرية عن فرنسا تكاد تكون معدومة قبل ١٨٣٠ بينما كتابات الفرنسيين عن الجزائر متوفرة. وهي كتابات تمثل عنها صورة غامضة ومشوهة، فهي مستوحاة من معاداة الغرب للشرق والتعصب الديني والتفوق المادي.
ومنذ الحملة انفسح المجال أمام الكتاب والفنانين والمؤرخين