← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

بالجنسية الفرنسية أو المواطنة دون شروط. ومن جهة أخرى كان الكولون، كما ذكرنا، يخشون من التجنس الجماعي للمسلمين لأنه يحرمهم (الكولون) من امتيازاتهم كأقلية محظوظة، ولذلك استمروا في معارضتهم الشديدة له. وكان لهم دور في إفشال مشروع فيوليت الذي قام على إعطاء المواطنة الفرنسية للنخبة فقط دون مطالبتهم بالتخلي عن الشريعة الإسلامية. وخلال الثلاثينات وقف زعماء جمعية العلماء ضد التجنس مطلقا سواء للنخبة فقط أو لكل الجزائريين. وقد اشترك في ذلك الشيوخ: ابن باديس والإبراهيمي والعقبى والميلي والتبسي وغيرهم. وهاجموا أيضا، محاولات التأثير على علماء تونس ليفتوا بإباحة التجنس، مثل الشيخ الطاهر بن عاشور الذي قيل إنه مال إلى ذلك، وقد اشترك في الهجوم عليه ابن باديس والإبراهيمي والعقبى. وظهرت ردود ضد التجنس من علماء الزيتونة وعلماء القرويين. وقد أفتى هؤلاء جميعا بأن المتجنس مرتد عن دينه، وأن حكم المرتد هو الكفر، ومن ثمة لا يمكن للمتجنس أن يرث أو يدفن في مقابر المسلمين ولا أن يتزوج على طريقتهم، وإن ذلك يسري على أولاده، وإذا أراد التوبة فعليه أن يخرج من البلاد التي دخل في قوانينها وأن يعلن توبته صراحة. وبالطبع لم ترض هذه الفتوى التي اشتهر بها ابن باديس (سنة ١٩٣٨) الفرنسيين ولا الراغبين في التجنس. فقد ثارت ثورتهم ضد ابن باديس وضد جمعية العلماء، واعتبروا المسألة سياسية. وأطلقوا العنان لصحفهم ضد الفتوى وصاحبها. وكان ابن باديس فيما يبدو يقصد ذلك، أي أنه كان يعلن عن موقف سياسي/ ديني يحفظ للجزائر هويتها. وقد صدرت تلك الفتوى في وقت كانت فيه فرنسا تجمع شتاتها وتجند أتباعها لمواجهة الموقف الدولي المنذر بالحرب. ولذلك اتهمت حتى جمعية العلماء بأنها كان تعمل لحساب الفاشيست والدول الخارجية (١).

стр. 2942

وقد سلطت فرنسا مختلف الوسائل ضد الجمعية ورجالها الذين أفتوا ضد التجنس والاندماج. وحركت ضدها بعض المتجنسين أيضا. وقام الحاكم العام (لوبو) سنة ١٩٣٧ بعزل إمام جامع دلس، لأنه رفض الصلاة على أحد المتجنسين، (واسمه أوسعدة)، فجاء رئيس جمعية المتجنسين في الجزائر، ويدعى سعدى أوأكلى، ليؤيد الحاكم العام في ذلك، ويعلن أن أمثال هذا الإمام كان يؤمن بوطنية بعيدة عن الجزائر، وهي الحركة الإسلامية، وأعلن أواكلي أن أوسعدة كان شاوشا في بلدية دلس وأنه قد خدم فرنسا بإخلاص (١). وكتب السيد مهندس يستنكر أعمال (جمعية العلماء التخريبية) وقال إنها انقسمت بين المتطرفين المتعصبين بقيادة ابن باديس والواقعيين العقلاء بقيادة العقبى (انظر مسألة البرقية)، وأن ابن باديس وأنصاره لم يحركوا ساكنا أمام الخطر الذي كان يهدد الحضارة العالمية (يعني الوقوف ضد هتلر وموسوليني) وأنهم ظلوا متمسكين بفكرة الجهاد الذي يعني في الجزائر الحرب الأهلية (٢). وبعد سنة، بل عشية الحرب (يونيو ١٩٣٩) كتبت نفس المجلة بأن جمعية العلماء والحركة المصالية هما العدوان الحقيقيان لفرنسا في شمال إفريقية. لقد أكدت كتابات ابن باديس أن الجزائر لن تكون فرنسا وأن المتجنسين خارجون عن الدين. وهاهم (أنصار ابن باديس) ينادون يوميا بالثأر للإسلام (٣). ومهما كان الأمر فإن قانون التجنيس المشروط بالتخلي عن الشريعة الإسلامية قد ألغى سنة ١٩٤٧، وجاء في القانون الجديد أن الجزائري مواطن فرنسي مع المحافظة على الحالة المدنية الإسلامية، وأصبح الجزائري منذ ١٩٤٧ يدعى (فرنسي مسلم) بدل (رعية فرنسي). ولا شك أن ذلك يعتبر

стр. 2943

هزيمة لأنصار الاندماج عن طريق التجنس وانتصارا لأنصار الهوية الوطنية والمحافظة على الذاتية الإسلامية، كما يسميها ابن باديس. ومع ذلك فإن الإحصاءات تدل على (تقدم) التجنس بل ومضاعفة عدد المتجنسين بين الحربين. وإليك ما نشره علي مراد في الموضوع بين ١٩٢٠ - ١٩٣٨ (١): السنة ... عدد المتنجنسين ١٩٢٠ ... ١٧ ١٩٣٠ ... ١٥٢ ١٩٢٢ ... ٥٦ ١٩٣٢ ... ١٢٧ ١٩٢٤ ... ٢٩ ١٩٣٤ ... ١٥٥ ١٩٢٦ ... ٦٧ ١٩٣٦ ... ١٤٢ ١٩٢٨ ... ٣٨ ١٩٣٨ ... ١٩٠ ... أما الزواج المختلط فقد كان موجودا، كما عرفنا، ولكنه كان محدودا، فقد وجد بين الجزائريين والفرنسيات حتى قبل الاحتلال، كما رأينا في حالة أحمد بوضربة. وبعد الاحتلال بدأ يشيع بين الذين وظفهم الفرنسيون من الحضر، مثل مصطفى بن عمر وحمدان بوركايب. ثم أخذ يشيع بين بعض القادة الدينيين مثل زواج أحمد التجاني من أوريلي بيكار، وزواج الآغا

стр. 2944

حمزة بن بو بكر من أولاد سيدي الشيخ من فيري FERET ابنة قائد مشاة فرنسي. وزواج عبد القادر بن داود (زعيم الدوائر) من تيريز ماس (١). وبالطبع هناك فئة الاندماجيين الذين تزوجوا في أغلبهم من فرنسيات أمثال ابن التهامي، وبوضربة (الحفيد) ومرسلي. وقد ذكرنا ذلك في محله. ومنذ الحرب العالمية الأولى شاع الزواج المختلط أيضا بين الطلبة الدارسين في فرنسا والفرنسيات والعمال العاملين هناك، ومنهم فرحات عباس ومصالي الحاج وابن نبي وسعدان. وفي نفس الوقت تزوج الفرنسيون بعض المسلمات، ومنهم من أسلم من أجل الزواج منهن، ولكن بعضهم تزوج مسلمات دون أن يتخلى عن دينه. ومن الصف الأول توماس (إسماعيل) عربان الذي تزوج امرأة مسلمة من قسنطينة، وكان قد اعتنق الإسلام في مصر. وقد قيل إن العقيدين: بيليسيه، ودي نوفو، قد تزوجا من مسلمتين. وتدل الإحصاءات المتأخرة على أن الزواج بين المدنيين الفرنسيين والمسلمات كان شائعا أيضا. وإليك بعض الإحصاءات: ١) بين المسلمين والفرنسيات هناك ٤٨٣ حالة خلال سنوات ١٩٣٠ - ١٩٥٣، موزعة هكذا: عنابة ٩٦ حالة، قسنطينة ٨٣ حالة ما بين ١٩٣٢ - ١٩٥٣؛ ووهران ٧٥ حالة خلال سنوات ١٩٣٩ - ١٩٥٣، والعاصمة ٢٢٩ حالة خلال نفس المدة. ٢) بالنسبة لزواج المسلمات بالفرنسيين هناك مجموع ٢٥٠ حالة منها ٢٨ في عنابة خلال ١٩٣٠ - ١٩٥٣، و ٣٠ حالة في قسنطينة خلال ١٩٣٢ - ١٩٥٣، و ٣٩ في وهران خلال ١٩٣٩ - ١٩٥٣، و ٥٣ حالة في العاصمة خلال نفس الفترة.

стр. 2945

٣) أما في فرنسا فهناك حوالي ٤٠٠ حالة زواج مختلط و ٥٠٠٠ معاشرة حرة (خليلات) بين المسلمين والفرنسيات. وبناء على صاحب الإحصاء فإن من بين (عراقيل) الزواج المختلط وجود التعصب الديني، ويسميه الكاتب العنصرية الدينية. كما أبدى ملاحظة أخرى وهي أن أطفال الزواج المختلط يتمتعون بذكاء أكبر وبصحة أجود من غيرهم (١). هناك علاقة وطيدة بين التجنس والمدرسة الفرنسية، وبين الزواج المختلط والتجنس، وبين هذه جميعا والاندماج، ونعني بذلك الاندماج كما أصبح معروفا عند الفئة المعروفة بالنخبة. أما الاندماج الذي سعى إليه الكولون فقد فازوا به كما ذكرنا، وهو الذي جعل (الجزائر الفرنسية) تعيش عندهم إلى سنة ١٩٦٢. الجزائر في الكتابات الفرنسية الفرنسيون لم يكتشفوا الجزائر سنة ١٨٣٠، فقد كتبوا عنها قبل ذلك في عدة مناسبات. وكانت بينها وبينهم معاهدات، وتبادل أسرى، وجوسسة، وتقارير قناصل، ورحلات. ولكن معظمها كانت علاقات من جانب واحد. فالفرنسيون هم الذين كانوا يكتبون (عدا المعاهدات)، أما الجزائريون فلا يكادون يتركون أثرا لأسراهم ولا لرحلاتهم، وليس لهم قناصل في فرنسا، وقلما تطلق فرنسا أسراهم ليقصوا ما حدث لهم. فالكتابات الجزائرية عن فرنسا تكاد تكون معدومة قبل ١٨٣٠ بينما كتابات الفرنسيين عن الجزائر متوفرة. وهي كتابات تمثل عنها صورة غامضة ومشوهة، فهي مستوحاة من معاداة الغرب للشرق والتعصب الديني والتفوق المادي. ومنذ الحملة انفسح المجال أمام الكتاب والفنانين والمؤرخين

стр. 2946

الفرنسيين ليكتبوا عن الجزائر، ولكن من وجهة نظر الغالب عن المغلوب، والمنتقم عن خصمه. وقد انكشف السر الجزائري الذي كان يحير الفرنسيين (والأوروبيين عامة) بعد سقوط الدولة وانتهاك البيوت وفتح الخزائن والاطلاع على العادات والتقاليد، ونمط العيش، والأسواق والطرقات، والمعاملات بشتى أنواعها. فنحن هنا لا نتوقع ولا نتحدث عن الموضوعية، ولكن عن الجزائر كموضوع للكتابة والإثارة والبحث. ومن المكابرة أن نقول إن الجزائريين كانوا في حالة يقظة وتقدم، فالحقيقة أن المفاجأة كانت متبادلة بين الفرنسيين والجزائريين، فلم يكن هؤلاء يتوقعون أن يحتل الفرنسيون بلادهم وأن يكشفوا عوراتهم ويعرفوا أسرار حياتهم، كما أن الفرنسيين فوجئوا بانتصارهم السهل على جيش الداي حسين وانفتاح أبواب القصبة في وجوههم، ووضع الخزينة بين أيديهم، وانسحاب الحراس من القلاع، وهروب السكان من بيوتهم. ومن حق الفرنسيين أن يتحدثوا عندئذ عن نشوة الانتصار وانكشاف الأسرار. ولنقل منذ البداية أيضا بأن احتلال الجزائر تصادف مع عنفوان الحركة الرومانتيكية في أوروبا وفرنسا. تلك الحركة التي بنت للناس عالما من الخيال وجعلتهم يعيشون بعيدا عن الواقع القاسي الذي ولد مع الآلة والمصانع ورأس المال، وظلت الحركة مؤثرة إلى نهاية الامبراطورية بل كل القرن التاسع عشر. فأصبح هناك رومانتيكيون في كل المجالات في السياسة والاقتصاد والمشاريع والفنون والآداب. فقد أصبح الإنسان يعيش أو يموت من أجل حجر أو أثر بعيد. لقد أصبح ينشد عوالم غريبة عن طريق الأحلام. وكثير من المثقفين الفرنسيين الذين جاؤوا إلى الجزائر كانوا من هذا الصنف، بل حتى بعض قادة الجيش ورواد الإستيطان (١). وقد وصف نابليون الثالث بأنه رجل رومانتيكي. وليس من مهمة هذا الكتاب البحث في جميع الكتابات الفرنسية ومدى

стр. 2947

صدقها وحجمها وأثر الجزائر فيها، فذلك له مجال آخر. وغرضنا هنا هو تسليط الضوء ولفت النظر إلى أنواع الكتابات الفرنسية ذات الطابع الثقافي العام ومدى علاقتها بالواقع الجزائري. وقد عالج الفرنسيون أنفسهم هذا الموضوع بتوسع، وفي مختلف التخصصات: من الفن إلى الإدارة، ومن الشعر إلى التاريخ، ومن العلوم إلى التجارة. ونذكر هنا أن المدارس الفكرية التي ظهرت في فرنسا وأوروبا والتي كان لها صدى في الجزائر كثيرة، وقد أثر كل منها في مجموعة من الكتاب والفنانين، ولكنها قلما أثرت على الجزائريين إلا منذ أوائل هذا القرن. فقد كانت النظريات الاجتماعية والأنثربولوجية والأثنولوجية والدينية تجد صداها في الجزائر عند كتاب مرحلة اليقظة مثل ابن رحال، وابن الخوجة وابن سماية وابن بريهمات وعمر راسم. يقول شارل تيار الذي عالج موضوع الجزائر في الكتابات الفرنسية، إن كتب الانطباعات كانت أول ما ظهر عن الجزائر. ويعني بذلك الكتب التي تتناول السكان وأنماط حياتهم وملابسهم وعاداتهم وأخلاقهم، والأحياء السكنية، وتناقضات الطبيعة في نظر الكتاب، وفتنة السماء والبحر، واختلاف المناظر (الإفريقية) عن المناظر الأوروبية. وقد راجت بعد ذلك الكتب التي تشرح للسواح طريقة الحياة في الجزائر والطقس ووسائل النقل والإقامة، وهي المعروفة بكتب (الدليل)، فلا أحد يزور الجزائر من الفرنسيين (والأوروبيين) دون أن يحمل في يده (دليلا) يرشده، وقد زار الجزائر بعض كبار الكتاب والأدباء أمثال فرومنتان، وت. غوتتيه، وقونكور، وفلوبير، ودودييه، وفيديو، وبول بورد، وموباسان، وجان لوران، وغيرهم. وبعضهم اتخذ الجزائر مقاما دائما، وبعضهم زارها لسحرها الشرقي ثم عاد مبهورا، وبعضهم جاء على نفقة الحكومة الفرنسية ليكتب بعد ذلك عن مشاهداته ويرغب الناس في الهجرة إليها، مثل الإسكندر دوما، وفيديو، والفنان فيرني، وبعضهم جاء الجزائر للفضول الأدبي والفني، سيما في فترة الحركة الرومانتيكية، أو للعلاج الصحي والنفسي، وأخيرا نذكر أن بعضهم قد جاءها

стр. 2948

منفيا مثل المعارضين للجمهورية الثانية. جاء يوجين فرومنتان الجزائر سنة ١٨٤٨. وزار الساحل والصحراء (١). وذهب خصوصا إلى بسكرة والأغواط. وأعجب بمضيق القنطرة حيث توقف معجبا بالشمس وليمتع نظره بالطبيعة الخلابة، وكان النسيم العليل يروح عنه ضوء الشمس. وألف بعد ذلك كتابه الشهير (صيف في الصحراء). وقد استعار منه أحد ناشري الأدلة وطبع صفحة جميلة مليئة بالضوء من كتابه في وصف واحة القنطرة. وكان وصفه للصحراء عامة، سيما بسكرة والأغواط من آيات الأدب الفرنسي في ذلك العهد. ومن الكتاب أيضا لويس بيرتراند ذلك الرجل المتحمس جدا للاستعمار والمسيحية والرومنة، والذي يعتبره الفرنسيون مؤسسا لمدرسة الجزائر الأدبية (الفرنسية)، لقد كتب أيضا صفحات أدبية مشرقة عن واحة القنطرة في كتابه (بستان الموت)، وكذلك خلدها الأديب الشهير أندري جيد في زيارته لها ولبسكرة. ويقول الدارسون إن ذلك كان بفضل وصف فرومنتان للقنطرة وصفحة الدليل المطبوعة عنها (٢). وقد أثرت الجزائر كثيرا في فرومنتان حتى أنه بعد أن رجع إلى الجزائر (العاصمة) وسكن قصرا بناحية مصطفى باشا (أول مايو اليوم) صاح قائلا إنه (مغمور بالألوان). وقد كتب أيضا وصفا شيقا للقصبة. ولم يكن في ذلك وحده، فقد سحرت الجزائر بجمالها الطبيعي كثيرا من الكتاب، بالظلال والألوان والهواء والشمس واختلاف المناظر. ومن أبرز الكتاب الذين تغنوا بهذا السحر ألبير كامو صاحب رواية (الغريب) وغيرها من الروايات والأعمال الأدبية والفلسفية. أما إيميل ماسكري فقد استوطن الجزائر منذ السبعينات وزار مختلف مناطقها وتولى عدة وظائف فيها، ومنها مدير مدرسة الآداب، قبل أن تتحول

стр. 2949

إلى كلية. وقد زار أيضا الصحراء وجبل الأوراس، وزواوة، وعرف الحياة البدوية والعادات التي لا تكاد تظهر إلا لمن دقق النظر وأكثر المعاشرة: الحفلات، والثارات، والأساطير، والألغاز، والأمثال، ونحو ذلك. وهو من الأوائل الذين كتبوا عن قبائل البربر في الأوراس ولباسهم ولهجاتهم وبقايا الآثار والتاريخ هناك. كما اهتم بالحياة الداخلية لسكان زواوة. وكان ينشر مقالاته في (المجلة الإفريقية) وفي (المراسل الإفريقي) وفي مجلة المناقشات (الديبا). ومن أبرز كتبه (ذكريات ورؤى إفريقية) الذي يعتبر من المؤلفات الأدبية الكلاسيكية اليوم في الأدب الفرنسي، وهم يقارنونه بفرومنتان (١). وقد كتب ماسكرى أيضا، عن الأغواط والقصبة والجلفة وعين ماضي وسوف والصحراء عموما. ومن الموضوعات التي شغلت هؤلاء الكتاب، المرأة والعادات. فقد تحدثوا عن وضع المرأة الاجتماعي، وخلقتها ولباسها وأعمالها وأوقات فراغها، واهتموا بما أسموه بالحياة الريفية من فروسية ومرابطية وصفوف (عداوات). وألف يوجين دوماس كتابا. كاملا عن (المرأة العربية) وآخر عن (الخيول العربية)، وقد جمع وثائقهما أثناء شغله لوظيفة رئيس المكتب العربي المركزي أو إدارة الشؤون الأهلية، في عهد بوجو. كما وصفوا عادات البربر في الجبال، وأشغال المرأة ومنظرها والأعراف السائدة والتطور الاجتماعي، وسجلوا انطباعهم عن الإنسان الحضري والبدوي. وكانوا في البداية معجبين بالإنسان البدوي (المتوحش)، والبربري (الخشن)، لأنهما في نظرهم قابلان للحضارة، وهما النموذجان اللذان يبحث عنهما علماء السلالات وأدباء الرومانتيكية، ثم تحول ذلك الإعجاب وأصبح النظر إليهما على أنهما نموذجان أهليان (أندجين) غير قابلين للتمدن وعدوين للفرنسيين بحكم التعصب الديني. واهتم الكتاب كذلك بالقهوة العربية والملابس والبازارات،

стр. 2950

والأعياد الإسلامية والمواسم، مثل شهر رمضان، والدين الإسلامي، وزيارات القبور عند المسلمين وحياة الزوايا. ووصل الأمر بهم أن كانوا يقلدون حياة الحضر في اللباس وتدخين الغليون الطويل والشيشة التركية، والاسترخاء على الأرائك. من الشعراء المعاصرين للحملة الفرنسية نذكر فيكتور هوقو، ولامارتين، وفينيه، وقد ظلوا صامتين عن أعمال الجيش في الجزائر والاستعمار، لأن فظايع الحملة كانت غير معروفة كثيرا للرأي العام الفرنسي. فقد كانت مشروعا ملكيا (شارل العاشر وحاشيته)، وقد عارضها الليبراليون في البداية، ثم انطلقوا في تأييدها بعد قيام مملكة جويلية بزعامة لويس فيليب ونجاح الحملة والتأكد من عدم التدخل الخارجي. ويقول بعض الكتاب إن الحركة الرومانتيكية تركت كل واحد غارقا في التأمل سابحا في الخيال. والحملة لم تكن مشروعا قوميا عند الفرنسيين، فلم يستقبل الجميع خبر الانتصار على الداي حسين بنفس الحماس، بل كانت هناك فترة تردد وتساؤل. ثم اندفع الأدباء جميعا في حملة عاطفية تشبه الحملة العسكرية. ويعني ذلك تأييدا للحكومة والجيش والاستعمار في الجزائر. وقد رجعوا إلى الماضي وتذكروا الحملات الفاشلة التي قام بها لويس ١٤ وشارلكان والإنكليز ضد الجزائر. وتذكروا الحروب الصليبية، ورجعوا إلى الكاثوليكية القديمة (الإفريقية)، وكانت وسائل الإعلام تنشر الوقائع والانتصارات على الجزائريين (العرب المسلمين)، وعلى الأتراك القراصنة الذين استرقوا الأسرى المسيحيين ووضعوا القساوسة في فوهات المدافع وأطلقوها. وأعيد طبع الكتب القديمة، وترجمت أخرى عن لغات أوروبية، وتحركت الغرائز والانتقام، وتجند الرأي العام مع الحكومة والجيش، وتلاشى صوت المعارضين للحملة والاستعمار. وكان الشعر الفرنسي، مثل كتب الوصف والانطباع (١)، قد سجل أيضا

стр. 2951

حياة الشرق، وسجل بطولات الأبطال، ضد العرب وضد الهلال. وتابع الشعراء سير الحملات والمعارك في مختلف المواقع: سيدي إبراهيم، ايسلى، حياة الأمير عبد القادر، حياة العرب، القصبة، والمناظر الطبيعية، وسجن الأمير في أمبواز. وقد أخبر ايسكير أن أول شعر فرنسي كان يوم ١١ يوليو ١٨٣٠، أي ستة أيام بعد احتلال العاصمة. ثم أصبح هناك شعراء فرنسيون من مواليد الجزائر، ولهم دواوين ونقاد اهتموا بهم. أما الرواية والقصة وما يشبههما فقد سجل الدارسون حوالي ٢٠٠ رواية وقصة نشرت في الجرائد والمجلات إلى سنة ١٩٢٥. وفي رأي هؤلاء الدارسين أن ذلك يشكل فقراء كبيرا، ولا يعتبرونه في مستوى الحدث الذي دام قرابة القرن. وفي نظر بعض النقاد أن الجزائر كانت ميدانا فسيحا للروائيين ولكنهم لم يستغلوه، فلم تظهر لهم أعمال خالدة عبر التاريخ، وإنما كانت أعمالهم تسجيلات لبعض الأحداث العابرة والعواطف الساخنة في وقتها، كما لاحظنا في المسرحيات التي عالجت موضوعات ترجع إلى العهد العثماني أو عهد الأمير عبد القادر. وكان بالإمكان إنتاج روايات تاريخية، وأخرى شعبية، ورومانتيكية، ونفسية. غير أن الإنتاج الذي أحصوه لا يدل على هذا التنوع والثراء ولا على حسن الاختيار للموضوعات. أما الموضوعات نفسها فيذكر الدارسون أن الكتاب قد رجعوا إلى الشخصيات التاريخية مثل سانت أوغسطين، وإلى الكنيسة الإفريقية، كما استوحوا موضوعات من العهد العثماني (١). ومن الإنتاج الروائي ما كتبه (هوق لورو) بعنوان (رجل الساعة)، وهو يعني به الباشاغا الحاج محمد المقراني، وموضوع الرواية هو ثورة ١٨٧١، وشخصياتها كانت من وحي الوقت، وهي رواية تسخر من رجال الدين الجزائريين ومن الثوار، فقد خطفت بنت فرنسية هي ابنة شيخ البلدية، خطفها أحد المقدمين (مرابط)، وكان له تعليم مزدوج عربي/ فرنسي، وكان خلاص

стр. 2952

البنت على يد فحام فرنسي وكاهن. وأما إطار الرواية فكله جزائري، لأن المؤلف نفسه كان من الكولون، وقد استغل حياة الريف، فالرواية لها نكهة الحياة الاجتماعية المحلية، وكانت الفرقة الفرنسية العسكرية نازلة في أيشريضن في ٢٤ جوان ١٨٧١، وهناك لوحة عن استشهاد المقراني، ولوحة أخرى عن انعقاد مؤتمر للثوار، وغيرها. وعندما قدمتها المجلة الإفريقية قالت إنها رواية تجمع بين الحقائق التاريخية بأسلوب وتوليف أدبي مما جعلها رواية تاريخية وأدبية معا (١). كما كان للحملة الفرنسية مؤرخوها. حقيقة أن بعض الكتاب أخذ يكتب عن الجزائر منذ أقدم العصور في شكل لوحات معتمة. وكان الرأي العام لا يسأل عن الحقائق بقدر ما يهتم بالعجائب والأقاصيص. ويعتبر بيليسييه دي رينو أول من اهتم وأرخ ودقق في سير الحملة وما بعدها. ويعتبر كتابه (الحوليات الجزائرية) عند الدارسين محاولة (موضوعية) لتاريخ العشرين سنة الأولى من الاحتلال. وقد تمكن بيليسييه من الوثائق بحكم معاصرته للأحداث وتوليه المكتب العربي وقربه من مصدر القرار، وكذلك ساعده حسه التاريخي، وكان ضابطا في قيادة الأركان للجيش، وعضوا في اللجنة العلمية، كما تولى قنصلية بلاده في تونس وطرابلس. وقد عاش في الجزائر اثني عشر سنة (١٨٣٠ - ١٨٤٢)، ويقال إنه عامل في كتابته ضباط الحملة لا على أنهم أبطال ولكن على أنهم بشر يخطئون ويصيبون. وكان له أيضا أحكام على الجزائريين الذين اتصلوا أو عملوا مع الفرنسيين، وله بعض المواقف المشبوهة في حادثة تنصير المرأة عائشة بنت محمد سنة ١٨٣٤، وإهانة المحكمة الإسلامية. ويعتبر من السان سيمونيين، وقد قيل إنه تزوج من جزائرية (٢). وفي نفس الفترة ألف كميل روسيه تاريخا عن الجزائر. ويسمونه في

стр. 2953

زمنه مؤرخ الجزائر. ويقول نقاده إنه أخذ أفكاره عن غيره وهي أفكار جاهزة، بل أخذ نصوصا كاملة، وإنه أخفى مراجعة المطبوعة فلم يشر إليها. وكان روسيه قد بدأ بنشر كتابه في مجلة (العالمين). ثم ألف ألفريد نيتمون تاريخ احتلال الجزائر، ثم (طابلو) عن الاحتلال أيضا، إلى ١٨٤٨، اختصر فيه الكتاب الأول تقريبا. كما أخذ بعضهم جوائز على التأريخ للجزائر والحملة. ومنهم أيضا ثورو- دانجون الذي أرخ لمملكة جويلية، ثم توالت كتب (التاريخ) الفرنسية في عهد نابليون الثالث. وتولى العسكريون في أول الأمر مسؤولية الكتابة، ثم جاء المدنيون مع تأسيس نواة الجامعة في الثمانينات. ومن أبرزهم في القرن العشرين: ايسكير، وايمريت، وايفير، وأزان (وهو عسكري)، وغزال، وجوليان، إضافة إلى من أرخ للجزائر في مختلف العصور (١). أما ما يسمى (بالتاريخ الشعبي) فهو غزير، وكان مطلوبا للرأي العام الفرنسي الذي كان يتطلع إلى المعرفة، فألفت له كتب عن بوجو والأمير وأخرى عن المعارك والتهدئة، وبعضها عن الطرق الصوفية، وأخرى عن القبائل العربية والبربرية، والحضارات القديمة، وعن الإسلام، ثم عن الاستعمار وأنصاره من كلوزيل إلى بوجو، إلى ليوتي (٢). أما الشعب الجزائري فقد كان غائبا في الكتابات الفرنسية، فهو موضوع ولكنه غير مخاطب بأي خطاب، فكان الحديث عنه وليس له. كنا تحدثنا عن إيزابيل ايبرهارد في مناسبات أخرى مثل الطرق الصوفية، وذلك لعلاقتها بالقادرية أوائل هذا القرن. وكان مجيئها إلى الجزائر يغطيه غبار كثيف، هل هو للجوسسة لصالح ألمانية كما أشارت الأجهزة الفرنسية؟ هل هو لمعرفة قتلة الماركيز دي موريس Morres؟ هل هو للشهوة الجنسية والمغامرة؟

стр. 2954

لكننا نذكرها هنا باعتبارها من الأديبات غير الفرنسيات اللائي كتبن بالفرنسية وتأثرن بالجزائر والإسلام غاية التأثر أول هذا القرن. وقد نشرت كتابا عن الإسلام ومقالات في جريدة الأخبار وغيرها، وكانت حياتها، رغم جوانبها الغريبة، مأساة مما جعلها موضوعا للأدب والأدباء والمهتمين بالصحراء والمخاطرة وبالطرق الصوفية ومؤامراتها. وكان الفرنسيون وراءها خطوة بخطوة حيثما حلت، وسواء لبست لباس الفتيان أو لباس الفتيات، وسواء كانت عاقلة أو مجنونة، في الصحراء أو في المدن (١). ولدت إيزابيل في جنيف (سويسرا) من أصول ألمانية وروسية، سنة ١٨٧٨. وسكنت باريس، وحملت جواز سفر روسيا صادرا من موسكو. وكانت قضية دي موريس طاغية على أخبار فرنسا (٢)، واعتقد البعض أن المعادين للسامية كانوا وراء السكوت عن قتلته. فأبدت إيزابيل استعدادها لمساعدة أنصار موريس في البحث عنه. وكانت تعرف العربية، وأعلنت أنها صحفية، ونزلت في تونس، ولبست الحائك البدوي ثم ارتدت لباس الفتيان، وامتطت الحصان، وظهرت كأنها فارس عربي شاب. وتثبت بعض الوثائق الفرنسية أنها جاءت من العاصمة إلى بسكرة ثم منها إلى تقرت، ونزلت فندق الواحات سنة ١٨٩٩، وكان عمرها عندئذ اثنين وعشرين سنة. ومن هناك ذهبت إلى وادي سوف في قمة الصيف والحر، ٣١ يوليو من نفس العام، (وفي وثيقة أخرى في ٣١ يوليو ١٩٠٠). وفي رسالة لها إلى (لاديباشں ألجيريان) بتاريخ ٢٩ يناير ١٩٠١ نشرت في ٤ جوان (يونيو) من نفس السنة، أنها اعتنقت الإسلام، وزارت الوادي لأول مرة في صيف ١٨٩٩، وكانت عندئذ تجوب الصحراء جنوب شرقي

стр. 2955

قسنطينة واحتفظت بذكرياتها، ثم حلت بالوادي مرة أخرى سنة ١٩٠٠ بنية الاستقرار فيه، وقد سمته بلاد الكثبان الرملية والنخيل الظليل. ودخلت عندئذ في الطريقة القادرية، وتظاهرت بالإسلام، لأن تصرفاتها الاخلاقية لا علاقة لها بالإسلام. وكان شيخ القادرية عندئذ هو الهاشمي بن إبراهيم الذي كانت له زاوية في تقرت وأخرى في عميش، وهو من مواليد توزر بتونس حيث كان والده إبراهيم شيخا للقادرية هناك (١). وكان للشيخ الهاشمي إخوة موزعين بين ورقلة وسوف وتقرت (بالإضافة إلى الزاوية الأم في توزر). وقد أنشأوا زوايا قادرية، كل على حسب قدره ونشاطه وتسهيل السلطات الفرنسية له. وترددت إيزابيل على الزوايا الثلاث في وادي سوف ونالت رضى شيوخها، وحامت الشبهات الفرنسية حول علاقتها الخاصة بالشيخ الهاشمي. وفي ٢٧ يناير ١٩٠١ كان هذا الشيخ متوجها في ميعاد إلى نفطة لزيارة ضريح والده، فنزل بلدة البهيمة (عبد الكريم حساني اليوم) وكانت إيزابيل في رفقته، وكان عليها أن تعود بعد البهيمة إلى الوادي مع خادمها. وبينما كانت تقرأ برقية لأحد التجار، تقدم منها شخص يدعى عبد الله بن محمد بن الأخضر وضربها بسيف على أم رأسها (٢)، ولكن الضربة لم تكن قاتلة، وشاع أن المعتدي كان من أتباع التجانية المنافسة للقادرية - كما كان يريد الفرنسيون. وقد عولجت إيزابيل في المستشفى العسكري بالوادي حوالي شهر، ونقل المعتدي إلى قسنطينة وحوكم أمام المجلس الحربي المنصوب دائما للجزائريين، وحضرت إيزابيل المحكمة، كما حضرها الشيخ الهاشمي. ولكن المعتدي لم يعترف بمن حرضه على محاولة القتل، أو هكذا أرادت السلطات الفرنسية حتى تترك الحكم في يدها. وفي الوادي وجدت إيزابيل ايبرهارد رئيس الملحقية الضابط كوفي

стр. 2956

الذي وصفته بـ (المثقف). وقالت إن بالوادي عندئذ بناءات رئيسية فرنسية هي: المكتب العربي، والثكنة، والبريد، والمدرسة، والديوانة. وأخبرت أن أهل الوادي كلهم من العرب، وأن عليهم قائدين واحد على الأعشاش وواحد على المصاعبة. أما البنايات الإسلامية فهي المحكمة ومساجد العزازلة، وأولاد خليفة، والمصاعبة الغرابة، وسيدي سالم، وأولاد أحمد، وزاوية سيدي عبد القادر. وأن للوادي سوقا كبيرة مغطاة يأتيها بالإضافة إلى أهل المنطقة قبائل الشعانبة، والطوارق، بل حتى من السودان (١). أما الضابط كوفي فقد ترك إيزابيل تغامر ما شاءت لها المغامرة، وكان فقط يتتبع أخبارها من جواسيسه، ولم ير فيما جاءت به شيئا يشكل خطرا على الوجود الفرنسي. ولكن حين جاءته التعليمات بإخراجها من سوف مع عشيقها والتفريق بينهما، لم يسعه إلا السمع والطاعة. وانتقل العاشق الذي كان من فرسان الصبايحية، إلى باتنة، وانتقلت هي إلى تنس وغيرها. وبعد مغامرات أخرى في فرنسا ثم الجزائر، وزيارات لبوسعادة، والعين الصفراء، كانت نهايتها هي الغرق المفاجئ في مياه الوادي الذي يمر بالعين الصفراء في صيف سنة ١٩٠٤. كتبت إيزابيل كثيرا من الرسائل والمقالات. وصادقت فيكتور باروكان مدير جريدة (الأخبار) الفرنسية الذي نشر أخبارها وأعجب بها. وذكرت في كتاباتها أنها كانت تجتمع بالمتعلمين (الطلبة) والمرابطين في الجزائر، وأنها خرجت إلى الصيد مع إخوان القادرية بالوادي، وأنها كانت صديقة لزينب بنت الشيخ محمد بن بلقاسم شيخ زاوية الهامل الرحمانية. وقد نشرت كتابها عن الإسلام مسلسلا في جريدة (الأخبار). وكل أحكامها ومغامراتها وعلاقاتها ما تزال محل شك ودراسات قابلة للطعن. غير أن قلمها وأدبها لا غبار عليهما، وأثر الجزائر فيها لا يختلف فيه اثنان، سيما الأجواء الدينية والاجتماعية في الواحات، وظاهرة الاضطهاد تحت النير الفرنسي (٢).

стр. 2957

اليهودية والصهيونية مسألة اليهود الجزائريين تناولها كتاب كثيرون، ومنهم ايزنباخ وشوراقي ومارتن وكوهين. وكان اليهود يقطنون مختلف المدن الجزائرية، ومنها العاصمة، حيث تساكنوا وتعايشوا مع الجزائريين المسلمين في السراء والضراء منذ قرون، وتكونت بينهم رابطة خاصة من التضامن بعد الطرد الإسباني للمسلمين واليهود على حد سواء. وأصبح اليهود متميزين بأحيائهم الشعبية ومدارسهم وبيعهم (جمع بيعة) ومهنهم التي كانت لا تخرج عن المتاجرة في الحلي من الذهب والفضة، وكذلك خياطة الأقمشة. كما كانوا يتاجرون في العملة بالقروض وتصريف الأموال التي نسميها اليوم نظام البنوك. وفي العهد العثماني الأخير برز اليهود في ناحيتين على مستوى السلطة، الأولى هي الترجمة بين أرباب الدولة والقناصل الأجانب (وكذلك بين التجار المسلمين وغيرهم)، والثانية هي احتكار التجارة الخارجية للجزائر وإقامة شركات ودور تجارية في ليفورنيا ومحطات في الجزائر ومرسيليا. ويعني ذلك دخولهم في تجارة ومشاركة واسعة مع أرباب السلطة أنفسهم، كالدايات والوزراء والبايات. وقد صعدت عائلة بكري وعائلة بوشناق في آخر القرن ١٨ نتيجة هذه العلاقة، وانتهت بالتدرج إلى سوء التفاهم بين فرنسا والجزائر وإلى تأزم الموقف ثم الحملة فالاحتلال (١).

стр. 2958

تاريخيا، كانت معاملة اليهود عموما معاملة حسنة من قبل السكان ومن أرباب الدولة. حقيقة أن المشاعر الدينية وتقوقع اليهود، كأقلية، واستغلالهم الاقتصادي للسكان مثل التعامل بالربا، كان يؤدي أحيانا إلى نظرة احتقار نحوهم. فالمسلم كان يشعر بالتفوق الديني على اليهودي انطلاقا. من حكم القرآن نفسه الذي يصف اليهود بأنهم عصوا الله بعد أن مكن لهم في الأرض. ولكن العلاقات الاجتماعية كانت في الحدود الشرعية وما يقتضيه تبادل المنافع. وكان الأطفال المسلمون أحيانا يعتدون بالكلام وأحيانا حتى بالإيذاء البدني على الأطفال اليهود، وفي بعض الأحيان حتى على الكبار منهم. ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان أيضا شائعا، وقلما يتسامح المسلم في إيذاء جاره أو يجاوز حدود الأدب والشريعة إلا إذا كان مسلما سفيها. أما معاملة أرباب السلطة لليهود فكانت غير مستقرة. كانت المنافع متبادلة بينهم كما قلنا، وكان اليهود يتدخلون عن طريق الهدايا والرشاوى في الأمور السياسية الداخلية أيضا، كتبديل البايات وعزل الوزراء ومهاداة النساء للتأثير بهن على قرارات الدولة. وفي مقابل ذلك كان اليهود يحصلون على امتيازات ضخمة في التجارة الخارجية، كما قلنا، ثم التجارة الداخلية، حيث أصبحوا يتحكمون في الطرقات والأسواق ويشترون البضائع من أهل الريف والبادية بأثمان بخسة، ثم يتصرفون فيها فينالون منها أرباحا طائلة وهي ما تزال في داخل البلاد. وكان اليهود هم خبراء المسالك وأنواع البضائع المتداولة في الجزائر وإفريقية مع أوروبا. وكانت مبالغة اليهود في الثراء على حساب السكان، وسيطرتهم وشحهم في مقاسمة الأموال مع السلطة التي تحميهم، قد أدت إلى ضربهم أحيانا بقسوة كما حدث زمن الداي مصطفى باشا (ت. ١٨٠٥). وكان ضربهم هذا وسيلة لتهدئة الغضب الشعبي وشراء

стр. 2959

سكوت الانكشارية التي كانت تهدد بالثورة. ومن جهة أخرى فقد ثبت للسلطات الجزائرية أن اليهود كانوا يعملون لحساب دول أوروبية أيضا مثل فرنسا، ذلك أن (تاليراند) وزير الخارجية، كان يحمي مصالح اليهود في أوروبا لأغراض سياسية واقتصادية لمصالح فرنسا. ولعل ما يكشف عن توغل اليهود في شؤون الجزائر هو رقابتهم لأنواع العملة الداخلة إلى خزانة الدولة، فقد كانوا في العهد العثماني هم الذين يزنونها ويفحصونها ويحكمون بزيفها أو أصالتها، سواء كانت ذهبية أو فضية. ومن ثمة كانوا على علم بكميتها وقيمتها في الصعود والهبوط، حسب الأسواق الدولية. وقد ظلوا يتمتعون بهذه الثقة حتى عندما كانت تحدث الأزمة بينهم وبين بعض الدايات. وكان الذي رشحهم إلى هذه المهنة الدقيقة جدا، هو خبرتهم بالعملات من جهة، وكونهم في نظر السلطة لا يشكلون خطرا من جهة أخرى، إذ هم كأقلية لا يهددون بثورة أو طموح في حكم. ولكنهم كانوا غالبا محل رقابة شديدة. ومع ذلك فمن قال إنهم كانوا في منتهى النزاهة والأمانة والخبرة؟ والمعروف أن الأمير عبد القادر كان يستعمل عددا من أعيان اليهود في مختلف شؤونه، ومنها الترجمة، والنيابة عنه في التفاوض مع الفرنسيين والجوسسة والتجارة، وغيرها. وتوجد عدة مراجع تحدث عن ذلك. ورغم هذه (الحظوة) التي كان اليهود يحظون بها في الجزائر على المستوى الرسمي وحتى الشعبي، فإنهم بادروا إلى الترحيب بالفرنسيين وسارعوا إلى التعامل مع رجال السلطة الجديدة، مظهرين الاستعداد لكشف أسرار المسلمين والفرح بزوال حكم الترك، حسب التعبير الشائع عندئذ، رغم أن قضية ديون اليهود مع فرنسا هي التي كانت السبب المباشر في الاحتلال، كما أشرنا. كما أظهر اليهود التشفي بالمسلمين على إثر الانتقامات التي ارتكبها الفرنسيون ضدهم كاغتصاب المنازل والقصور، والاعتداء على المساجد والمقابر، ونفي الأعيان من البلاد. وقد ظهر اليهود في هذه الأثناء على أنهم هم الخبراء (الوسطاء) بين المسلمين والفرنسيين، فكانوا هم التراجمة والتجار والأدلاء. وقد عاملهم الفرنسيون على قدر استعدادهم أيضا،

стр. 2960

فأظهروا لهم العطف ومكنوهم من المعاملة وقربوهم إليهم في كل ما أحدثوه، ورفعوا عنهم الضيم، وشاوروهم في الأمور، وأصبح منهم أعضاء في كل مجلس وكل لجنة وكل محكمة كعنصر لا غنى عنه في المجتمع. ويجب القول هنا إن اليهود لم يكونوا على رأي واحد في هذا التصرف، ولكننا نتكلم هنا على سير الأحداث العامة. كما يجب القول إن الفرنسيين لم يكونوا أيضا مخلصين في معاملتهم لليهود، ولكنهم كانوا في أشد الحاجة إلى جهة وسيطة وهي الجهة التي كانت في نظرهم (مضطهدة) في العهد التركي، واعتقدوا أنها ستخلص لهم وتمحضهم النصيحة. كان عدد اليهود قليلا ولكنهم كانوا نشطين وفعالين، ففي مدينة الجزائر كان عددهم حوالي أربعة آلاف، عند الاحتلال. وقد بلغ أكثر من ستة آلاف (٦,٦٥٥) سنة ١٨٣٨. وخلال العشرية الأولى للاحتلال كان عددهم غير متوازن في المدن، لا سيما تلك التي جرت فيها المعارك وانسحب منها المسلمون كعادتهم. فبينما ذكر أن عدد اليهود في وهران عند الاحتلال كان ضئيلا (حوالي ألف) وجدنا العدد قد ارتفع بعد استقرارها في يد الفرنسيين إلى أكثر من ثلاثة آلاف (٣، ٣٦٤) سنة ١٨٣٠. وفي عنابة كان عدد اليهود في هذه السنة ٤٢١ فقط، بينما لم يكن في مستغانم وبجاية يهود على نفس العهد (١). كما كان اليهود في العهد العثماني يتمتعون بنظامهم الديني والاجتماعي. وكانوا يتحدثون العربية الدارجة، ولهم مدارسهم الخاصة التي تعلم العبرية، وكانت لهم محاكمهم وربيوهم، ولباسهم وتقاليدهم ومواسمهم الدينية المعترف بها كأهل كتاب. ويقول أحد المعاصرين إن اليهود سنة ١٨٣٠ كانوا (عربفون) أي يتحدثون العربية، ويظهر عليهم الطابع

стр. 2961

البربري القوي، وكانت لهم الميول الحضرية، ويظهر ذلك في حفلاتهم ومناسباتهم، وفي رقصهم وموسيقاهم. وكانوا مختلفين جدا عن يهود الأشكينازي الذين يعيشون في أوروبا الوسطى. فيهود الجزائر كانوا يقدسون بعض الشخصيات (الأولياء) الذين هاجروا من الأندلس في القرن ١٤، ويذهب الزوار منهم إلى قبور هؤلاء الأولياء ويوقدون عندهم الشموع ويعطون الصدقات. وكانت لهم مقبرة في باب الواد. وكان لهم في تلمسان ولي يدعى (راب إفرائيم انكاوة) توفي سنة ١٣٩٢ م. ولهم زعماء في العاصمة، مثل سيمون بن دوران (١). ولكن الفرنسيين أخذوا يميزون اليهود عن المسلمين كما ذكرنا. يقول حمدان خوجة إن الفرنسيين قد عاملوا اليهود معاملة حسنة خلافا للمسلمين، فأعفوهم من سوء المعاملة التي خضع لها المسلمون في أملاكهم ومساجدهم. وأصبح اليهود، كما يقول خوجة، يتجاسرون على المسلمين، سيما أهل الريف (البدو)، ولم يعاقبهم الجيش الفرنسي على ذلك التجاسر، مع أنه قد ترتبت عليهم غيرة وأنفة، أي محاسدة ومباغضة من الجانبين. فاليهود (لم يحفر لهم قبر، ولم يهدم لهم ملك (٢)، ولم تؤخذ لهم شنوغة (بيعة) بل شنوغاتهم اليوم أزيد من جوامعنا الباقية بأيدينا، والشنوغات وإن كانت داخلة في الشروط (اتفاق ١٨٣٠) إلا أنها ضمنا ومساجدنا صارحة (كذا)) (٣). وحمدان خوجة الذي كان من بين من حث على الاستسلام (المشروط) يحتج بأن المساجد التي نصت عليها الشروط قد هدمها الفرنسيون وأهانوها، بينما بيع اليهود التي لم تنص عليها الشروط قد أبقاها الفرنسيون واحترموها وزادوا منها. ومن هذه المراعاة الفرنسية الموقف من المدارس. لقد كان اليهود في

стр. 2962

البداية متحفظين كالمسلمين من إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية. إذ كان هدف الفرنسيين هو نشر اللغة الفرنسية بين أطفال المسلمين واليهود. ويقول جان ميرانت إن الفرنسيين لم يتمكنوا من جمع التلاميذ عند معلم واحد مسلم أو يهودي للعداء الذي كان بينهم، (وهو عداء ربما كان في ذهن الفرنسيين فقط). لذلك لجأ الفرنسيون إلى ما أسموه بالمدارس الخاصة، أي مدرسة فرنسية للمسلمين ومدرسة مثلها لليهود. ونظرا للتقارب الجديد بين الفرنسيين واليهود، فإن أول مدرسة فرنسية كانت لأبناء اليهود في العاصمة أحدثت سنة ١٨٣٢، بينما لم تحدث المدرسة الفرنسية الموجهة للمسلمين (الحضر) سوى سنة ١٨٣٦. وفي هذه السنة استحدث الفرنسيون مدرسة لبنات اليهود أيضا. ثم في سنة ١٨٥٥ استحدثوا لهم معهدين (متوسطتين) فرنسيين في العاصمة. أما في وهران فأول مدرسة فرنسية لليهود (البنين) كانت سنة ١٨٣٣، وفي عنابة سنة ١٨٣٧ (١). وصدر سنة ١٨٤٥ مرسوم ملكي فرنسي ينظم الديانة اليهودية في الجزائر. كما نظم المرسوم طريقة إنشاء وتسيير المدارس. وتكفلت الإدارة الفرنسية بمنح الأماكن للملاجئ اليهودية وإنشاء المدارس للجنسين منهم. وكانت هذه المدارس تعتمد على المعونات من الجمعيات الدينية وعلى ما يدفعه الأطفال أنفسهم، ثم المساعدات الحكومية. وقد وضعت هذه المنشآت تحت رقابة الإدارة الفرنسية، ولكنها كانت تستشير الجمعيات الدينية لليهود، وهي السلطات الروحية (الكونسيستوار) فيما يتعلق بتعيين أو عزل المعلمين وإجراءات الانضباط، وكذلك ما يتعلق بمواد الدراسة ولجان المدارس. وكان التعليم في المدارس اليهودية يشمل الدروس الدينية واللغة الفرنسية، كما تكفل الربيون بمراقبة المدارس والمعلمين. وفي مدارس البنين كان المعلمون اليهود يتكفلون بالمواد الدينية، أما المعلمون الفرنسيون فيتكفلون بتعليم القراءة والكتابة والحساب باللغة الفرنسية. وأما مدارس

стр. 2963

البنات اليهوديات فكانت تديرها نساء يهوديات. وهذا النوع من المدارس الفرنسية - اليهودية الذي كان يشبه المدارس الفرنسية الشرعية الموجهة للمسلمين بعد التسعينات، كان غير متطور في نظر الفرنسيين. فالبنات بدأن سنة ١٨٣٦ بعشرين تلميذة ووصلن بعد ذلك إلى ٨٠، ولكن لم يسجل سنة ١٨٤٣ سوى ست عشرة بنتا. كما أن البنين من اليهود لم يكونوا يواظبون أكثر من سنتين، كما جاء في تقرير رسمي سنة ١٨٤٣. فقد لوحظ أنهم بمجرد تعلمهم القراءة والكتابة والحساب (المواد الفرنسية) يغادرون المدرسة. ووصل الأمر إلى أن طالب أحد المعلمين بإغلاق مدرسة وهران سنة ١٨٦٥ لأن التلاميذ لا ينصفون المدرسة ولا يقدمون عنها صورة صحيحة. ولاحظ الفرنسيون أن ذلك راجع إلى كون التلاميذ يفضلون المدارس الفرنسية، وهم (أي الفرنسيين) يسمون ذلك مدارس التعليم المشترك (موتويل). فقد كان عدد التلاميذ اليهود في هذه المدارس أكثر من عدد تلاميذ المدارس المسماة الخاصة باليهود، سواء في ذلك البنون والبنات. وحسب بعض الإحصاءات فقد كانت مؤسسات التعليم العمومي الفرنسية سنة ١٨٣٨، تضم ١٤٥ طفلا و ٨٥ طفلة من اليهود. وحوالي نفس العدد كان في المدارس اليهودية أو الخاصة، بنين وبناتا. وكان إحصاء ١٨٦٣ قد أثبت وجود ٢,٩٧٣ تلميذا، يهوديا في التعليم العمومي الفرنسي، منهم ٥٩٧ تلميذة (١). وكان اليهود، رغم المعاملة الخاصة، يعتبرون (أهالي) أو أندجين، في نظر القانون الفرنسي، مثلهم في ذلك مثل المسلمين. وكانت القوانين الرسمية لا تمنحهم حق المواطنة الفرنسية لأنهم (أهالي) فهم أيضا رعايا فرنسيون. ومرسوم ١٨٦٥ الخاص بالجنسية الفرنسية أو التجنس بشروط، منها التخلي عن الأحوال الشخصية، غير خاص بالمسلمين بل كان يشمل الأهالي جميعا، بمن فيهم اليهود. ولم يمض على صدور هذا المرسوم

стр. 2964

خمس سنوات حتى صدر قرار أدولف كريميو بتجنيس يهود الجزائر دفعة واحدة. وكان كريميو يهوديا ووزيرا للداخلية في حكومة بوردو سنة ١٨٧٠، وطالما طالب سابقا، وهو خارج الحكومة، بتجنيس اليهود، وكذلك بادر كوزير إلى إنقاذ أهل دينه، في نظره، بمنحهم الجنسية والمواطنة الفرنسية التي تعطيهم كامل الحقوق السياسية والمدنية. وبينما كانت المستعمرات، ومنها الجزائر، تعاني من ويلات الاستعمار الذي انطلق منذئذ في قمع الشعوب بقسوة ونجا يهود الجزائر (الأندجين) سابقا من ذلك القمع، بل وارتفعوا إلى حالة المواطنة وأصبحوا فئة محظوظة وسط الأهالي الآخرين، بل أصبحوا في نظر بقية السكان (مستعمرين) كالفرنسيين تماما، وأصبحوا حكاما مطاعين، بيدهم الحل والعقد، والأمر والنهي، والسياسة والاقتصاد. والمثل يقول: ويحك من الضعيف إذا عز! لم يرحب كل اليهود بقرار كريميو بالتجنس الجماعي الذي لم يستشاروا فيه. ولكن أغلبيتهم رضيت به، ورأته وسيلة للسلطة والملك ورفع الرأس والتحرر والخروج من المعاملة الخاصة. وربما لم يفكر هؤلاء عندئذ في الحركة الصهيونية ولا نشأة إسرائيل ولا في ظهور هتلر ولا ثورة الجزائر. ذلك أن الغيب لا يعلمه إلا الله، ولا يتكهن به إلا قليل من العباقرة، ولكن سنن الطبيعة كانت تقتضي أن دوام الحال من المحال وأن العاقل من فكر في البعيد لا في القريب. وحتى اليهود الذين تحفظوا أول مرة من قرار كريميو رضوا به بعد ذلك ورأوه فرصة ذهبية يجب اغتنامها. وهكذا أصبح الفرنسيون في الجزائر واليهود متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون، وبقي المسلمون وحدهم في الدرك الأسفل، رعايا فرنسيين، محرومين محتقرين مستغلين أبشع استغلال، تحكم عليهم محاكم الصلح الجائرة طبقا لقانون الأندجينا وتسلط عليهم سياط المتصرفين الإداريين في البلديات المختلطة. واستقبل الرأي العام الفرنسي في الجزائر قرار كريميو بمشاعر مختلطة. بعضهم قبله كأمر واقع، وبعضهم نظر إليه على أنه ضربة لمصالحهم الاقتصادية والسياسية. حقيقة أن يهود الجزائر لن يشكلوا خطرا سياسيا على

стр. 2965

التوازن بين الأوروبيين، ولكنهم سيلعبون ورقتهم كحزب مرجح في الانتخابات في مختلف المستويات، وبذلك يصبحون قوة كبيرة ضاغطة. وكان دور اليهود الاقتصادي في الجزائر وارتباطاتهم بيهود فرنسا وأوروبا عموما قد جعلهم خطرين في هذا الميدان بالنسبة لفرنسي الجزائر. وقد أثبتوا من قبل معرفتهم بالبلاد وبأسواقها وعاداتها ولغتها. ولذلك وقع التململ الشديد ضدهم في الأوساط الفرنسية. ويقول شارل أندري جوليان إن الضغط كان شديدا على حكومة بوردو لإلغاء قرار كريميو حتى أن تيير Thier (رئيس الجمهورية) كان سيتراجع عنه. ولكن حاجته إلى دعم الثري اليهودي، ألفونس دي روتشيلد، صاحب البنوك والأموال، لكي يقدم قرضا تدفعه فرنسا لتحريرها من ألمانيا نتيجة حرب السبعين، هي التي جعلته يتمسك بقرار كريميو. وكان الكثير من فرنسيي الجزائر مستعدين لرؤية اليهود (الإسرائيليين) يتعاطون التجارة والحرف، ولكنهم كانوا ينظرون إليهم بعين السخط بالنسبة للمهن الحرة وبعين التقزز والامتعاض بخصوص التعليم، لأنهم كانوا يعتبرون اليهود سلالة دنيا. أما المجال السياسي، فهو، كما يقول جوليان، مرفوض لليهود نظرا لتأثير المنشآت الدينية (الكونسيستوار) عندهم على الجماهير (١). وقد حاول البعض أن يربط بين تجنيس اليهود الجماعي وثورة ١٨٧١ ورأوا أن من أسبابها اشمئزاز المسلمين من حكم اليهود، وشعورهم بالنقص مما قلب الأوضاع السياسية التي كانت سائدة. وقد يكون لقرار كريميو دور في الثورة ولكن بوجه آخر، وهو أنه كان يدل على ضعف فرنسا الذي ظهر في الهزيمة نفسها، فالقرار ماهو إلا متابعة للهزيمة العسكرية الفرنسية وسقوط نابليون واحتلال باريس، وتغيير الحكم في الجزائر إلى حكم مدني وتمكين اليهود من رقاب المسلمين. أما الشعور العام لدى المسلمين فهو احتقارهم لليهود لأنهم قد غيروا دينهم (وطورنوا)،

стр. 2966

حسب التعبير العشبي. فالمسلمون لم يحسدوا اليهود على نعمتهم بل رثوا لحالهم، وتأكد لديهم (حرص اليهود على الدنيا) ولو على حساب دينهم (١). ويمكننا القول إن المسلمين قد ازدادوا قناعة، في ضوء ما وقع لليهود خلال عقدي الثمانيات والتسعينات مع الكولون، بأنهم كانوا على حق عندما رفضوا عرض نابليون التجنس بشروط، وازدادوا اعتزازا وتمسكا بدينهم الذي كان يمثل (هويتهم). وسرعان ما بدأ التوتر بين الفرنسيين الأوروبيين واليهود الأهالي عند إجراء أول انتخابات في الجزائر. وظهرت (معاداة السامية) مكشوفة، كلما حدثت معركة انتخابية. ويقول جوليان إن (درومون) الذي ألف كتابا، بعنوان (فرنسا اليهودية) والذي نسب فيه كل المساوئ التي حدثت في فرنسا إلى أعمال اليهود، هو الذي فاز فوزا ساحقا بمدينة الجزائر في انتخابات سنة ١٨٩٧. وقد ظهرت معاداة السامية على أشدها عندما أصبح رئيس الحزب المعادي لليهود، وهو ماكس ريجس، رئيسا لبلدية الجزائر. كان ريجس لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره عندئذ، ويقولون إنه كان من المتجنسين حديثا بالجنسية الفرنسية ومن أصل إيطالي. وفاز معه معاونه أيضا، على نفس البرنامج الذي يتلخص في ضرورة تركيع اليهود والقضاء عليهم. وكان هذا الحزب يطالب بإلغاء قرار كريميو، ودخل مع اليهود في معارك جرت في مدينة الجزائر وفي غيرها، وحاول جر المسلمين إلى هذه اللعبة ولكنه فشل ليقظتهم لعواقبها. وكادت (فرنسا الجزائرية) تدخل في حرب أهلية عمياء لولا السياسة التي اتبعها والدك روسو، رئيس الحكومة الفرنسية، والحاكم العام لافيريير. فقد ألغى هذا الحاكم الانتخابات البلدية واتبع سياسة الصرامة والتدخل الإداري. ولم تفشل الحركة المعادية للسامية، رغم أنها لم تنل مطلوبها، إذ بقيت إلى الحرب

стр. 2967

العالمية الثانية توالي ضغطها حتى حكم لها نظام فيشي، أي بإلغاء قرار كريميو، سنة ١٩٤١. قلنا إن معاداة اليهود لم تنقطع بعزل ماكس ريجس وإنما تحولت إلى نوع من التهدئة والتوافق. وقد ظهرت صحف عديدة تتحدث عن معاداة السامية واليهود خلال العشرية الأولى من هذا القرن (١). ويقول أحد الكتاب إن الاضطهاد قد نشط العقيدة الدينية عند يهود أوروبا، ولذلك بدأت حركة ريجس في الجزائر شاذة عن القاعدة، لأنها ليست، في نظر هذا الكاتب، حركة مضطهدة دينيا. وكذلك كان إجراء حكومة فيشي ضد اليهود، فهو إنما جاء نتيجة لمعاداة السامية. وكانت الضجة التي فجرتها حادثة (دريفوس) في فرنسا ما تزال تهز المجتمع عندما قامت حركة ريجس في الجزائر. ولذلك حاول رئيس الحكومة الفرنسية (والدك روسو) أن يطفئ النار قبل استشرائها. ويذهب جوليان إلى أن المشاعر المعادية لليهود ظلت كالنار في الرماد بين الفرنسيين إلى أن ظهر هتلر، وكره الفرنسيون الجبهة الشعبية، لأن رئيسها (ليون بلوم) يهودي، وهي الكراهية التي أدت إلى أن يدخل حزبان (الحزب الاجتماعي والحزب الشعبي) في دعاية قوية لتجنيد الأوروبيين وحتى العرب في صفوفه بالجزائر. وقد تزعم (دوريو) المناداة بإلغاء قرار كريميو أيضا. سنة ١٩٣٨ وأصبح ذلك هو كلمة السر في الموضوع. وقد تحقق ذلك في عهد فيشي، كما قلنا (٢). كان يهود الجزائر من الفرع المعروف بالصفرديين. وقد حافظوا على تقاليدهم الاجتماعية والدينية في وجه الحضارة الأوروبية. وظلوا على نظامهم الأبوي، فالأب هو رئيس العائلة وهو الذي يتصدر المائدة ويقرأ الدعاء بالشكر والحمد، وهو يصلي الصلوات اليومية ويذهب إلى البيعة كل سبت، ويحتفل بالمواسم الدينية. وليس ضروريا أن يكون الأب

стр. 2968

عالما دينيا. وقد ألف بعض علماء اليهود إرشادات لتربية وتوجيه الجيل الجديد مثل (مواعظ هلاخيك) التي ألفها داود كوهين سكالي سنة ١٨٦١ وهو من مواليد وهران. وقد راجت مواعظه بين يهود شمال وافريقية. وفي سنة ١٨٦٥ نشر الأخوان حاييم ويعقوب كوهين سلال (هقادة دي بيسه) بالحروف العبرية. وكان على الأولاد اليهود أن يحفظوا (التوراة) كما يحفظ المسلمون القرآن الكريم، وهم يستعملون مع الأطفال طريقة الضرب أحيانا. وبعد حفظ التوراة كان الأولاد يحفظون التلمود. وكانت المرأة عندهم لا تتعلم مثل الرجل، ولكنها كانت حرة في دخول البيعة. وقد طبق عليهم الفرنسيون النظام الذي سنه نابليون الأول (١٨٠٨) ليهود فرنسا. فأنشأت لهم فرنسا هيئة (الكونسيستوار)، وهي هيئة مركزية مقرها الجزائر، ولها فرعان أحدهما في وهران والآخر في قسنطينة. وإلى جانب ذلك عينت عليهم فرنسا ربيين غير جزائريين بناء على اقتراح تقدم به يهود باريس (؟) فالربي يجب ألا يكون من أهل البلاد، فكان الربيون (ومنهم فيل weil، وقوقنهايم، وشارلفيل، وايزنباخ) كانوا لا يصلون بهم بالطريقة المعهودة عندهم، وكان تكوينهم مختلفا عنهم، ولذلك كان يهود الجزائر يصدمون من بعض تصرفات ربييهم، كالصراخ وبعض الممارسات الغريبة الصادرة عنهم. وقد بنى اليهود لأنفسهم، كما بنت لهم فرنسا، البيع (المعابد) حتى بلغت ١١٢ في الجملة، ووصلت المعابد الكبيرة إلى خمسة، وكان أكبرها هو معبد وهران. ونشطت حول هذه البيع الجمعيات الرياضية والثقافية وكذلك التعاضديات والكشافة. وكان هناك أيضا (الاتحاد الإسرائيلي العالمي) الذي أنشئ في آخر القرن الماضي. وكان اليهود قد عرفوا أيضا الاتجاه المحافظ والاتجاد الليبرالي في تفكيرهم. وتراوحوا بين التعليم الديني والتعليم اللائكي الذي فرضته فرنسا منذ الثمانينات من القرن الماضي. وقد ثبت لليهود أن تلاميذهم لا يرغبون في المدارس الدينية التي كانت تنافسها مدارس الحكومة، فخسروا تلاميذهم كما خسر الاتحاد الإسرائيلي المذكور تلاميذه لصالح التعليم اللائكي، ولم يعد التلاميذ

стр. 2969

المراهقون يهتمون بالتوراة والتلمود (١). وليس لدينا دراسة شاملة ودقيقة عن تجنيد الحركة الصهيونية ليهود الجزائر. فلا نعلم متى بدأ تغلغلها بينهم، ولا متى بدأت نشاطها ولا مدى نجاحها أو فشلها. وهناك مسألتان نذكرهما هنا، الأولى هي صلة الماسونية بالصهيونية. والثانية وجود نشاط صهيوني بارز خلال الثلاثينات في الجزائر. أما المسألة الأولى فلا نطيل فيها لأنها أصبحت معروفة ومدروسة، وإنما نريد أن نذكر أن الماسونية قديمة في الجزائر قدم الاحتلال، إن لم تكن قد سبقته. ذلك أن بعض قادة الجيش الفرنسي وبعض السياسيين الذين نفتهم الحكومة الفرنسية كانوا أعضاء في الماسونية. وقد تأسست محافل وفروع ورموز لهذه الجمعية (أو التنظيم) السرية منذ أوائل الاحتلال، وتطورت وتشعبت كلما تطورت المدن وتمركز السكان وظهرت الصحف والنوادي والجمعيات، وانتشر التعليم. أما المسألة الثانية فنقول عنها إن الحركة الصهيونية التي تشكلت رسميا في آخر القرن الماضي، قد تسربت إلى الجزائر عن طريق أجهزة الإعلام وتكوين العملاء في مختلف المدن والنوادي، وربما لم تجد الطريق ممهدة كما في فرنسا وأوروبا، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تبني جسورا بينها وبين اليهود في الجزائر كما فعلت مع اليهود في فرنسا. ولا نعرف الآن ما موقف السلطة الفرنسية المحلية منها، لأن السياسة الفرنسية عادة تختلف في الأرض الفرنسية عنها في المستعمرات. ويقول السيد قوانار: إن الحركة الصهيونية هي التي نشطت اليهودية إذ حققت لليهود اعتزازهم بذاتهم، وزادتهم حرب الجزائر، حسب تعبيره، حماسا، وهي الحرب التي أدت إلى هجرتهم الجماعية. وهو يقول إن مدرسة الربيين كانت مفتوحة في بوزريعة قبل الهجرة اليهودية من الجزائر. والواقع أن (حرب الجزائر) لم تؤد إلى هجرة اليهود

стр. 2970

وإنما الذي أدى إلى هجرتهم هو قبولهم بالتجنس الفرنسي سنة ١٨٧٠ فعاملهم الجزائريون معاملة الفرنسيين (١). والمقصود (بالهجرة) هنا الهجرة إلى فرنسا وليس إلى فلسطين. ولكن الحركة الصهيونية أدت إلى هجرة الكثير من اليهود الجزائريين إلى فلسطين منذ ١٨٤٨، وهذه الهجرة لم يتحدث عنها (قوانار) (٢). فقد فرغت القرى والمدن الصغيرة من الجاليات اليهودية على إثر قيام دولة إسرائيل. ويعرف رجال الحركة الوطنية بعض أعيان الحركة الصهيونية في الجزائر، سواء الظاهرين منهم أو المتخفين تحت أسماء النوادي الماسونية وغيرها. وكانوا منزرعين في مختلف أنحاء البلاد. ومن أبرزهم في الثلاثينات، حسب بعض المعاصرين، الدكتور لوفراني والجنرال ويس. وكان الدكتور لوفراني بالذات ملازما لنادي الترقي في العاصمة حيث الفكر الإصلاحي والتيار العربي المعادي للصهيونية ولاستيطان اليهود في فلسطين. ومن أبرز المنشطين لهذا التيار كان الشيخ الطيب العقبي، مدرس النادي المذكور وخطيبه. وكان الشيخ العقبي معروفا بمواقفه المدافعة عن حق العرب والمسلمين في فلسطين ومن المتصلين الدائمين بالمشرق العربي وقضاياه. وقد نشطت الحركة العربية المعادية لدعوى اليهود والصهيونية في العودة إلى فلسطين منذ مؤتمر القدس ١٩٣١، وقامت المظاهرات والثورات في فلسطين وعلى رأسها: عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني، وحدثت معركة القسطل وغيرها. ومن جهة أخرى حدثت في قسنطينة فتنة بين المسلمين واليهود في غشت ١٩٣٤. وقد فسرها البعض تفسيرا قوميا ودينيا، أي بين قوميتين ودينين. وكانت أحداث فلسطين والنشاط الصهيوني يجد صداه في الصحف الإصلاحية والوطنية عامة. وقد عزا بعضهم اتهام العقبي بالتحريض على قتل الشيخ كحول بأنه من آثار هذه اللعبة السياسية، وأن

стр. 2971

العقبي كان ضحية، إذ الهدف هو إسكات صوته المضاد للصهيونية. والغريب أن الذي قام يدافع عنه بعد اعتقاله هو الدكتور لوفراني نفسه. وقد أخبرني المرحوم الشيخ المهدي البوعبدلي في إحدى رسائله أن نادي الترقي ظل (يسيره) الدكتور لوفراني (عدة سنوات). وهو الذي كان في ذلك العهد رئيسا لفرع الجزائر للحركة الصهيونية. أما المشرف العام على نشاط هذه الحركة في شمال إفريقية فهو الجنرال ويس الذي كان قائد الطيران أثناء حوادث ٨ مايو ١٩٤٥. وأضاف الشيخ البوعبدلي أن المرحوم الشاذلي المكي قد أكد له ذلك بمصر، وأن (مأساة) وقعت له هو (المكي) شخصيا بنادي الترقي مع لوفراني. ونحن نعتقد أن هذا الكلام فيه غموض ويحتاج إلى دقة: فما معنى أن (يسير) لوفراني نادي الترقي، وكانت للنادي لجنته ومسيروه المسلمون؟ وما (المأساة) التي تعرض لها الشاذلي المكي في النادي؟ وهل صحيح أن الجنرال ويس هو قائد الطيران الفرنسي سنة ١٩٤٥؟ وقد أحالني الشيخ البوعبدلي على المرحوم الشيخ حمزة بوكوشة الذي قال عنه إنه (أكثر المعاصرين اطلاعا) على بعض الخبايا، ومنها قضية تسيير النادي (١). وقد أكد لي الشيخ البوعبدلي ذلك مرة أخرى في بطيوة بداره (زاوية العائلة) في ٢٣ يونيو، ١٩٨٨ إذ قال إن الشيخ العقبي كان (محاصرا) من الدكتور لوفراني اليهودي الذي كان ملازما لنادي الترقي، وكان رئيسا للحركة الصهيونية في الجزائر. ومن المحتمل القول إنه لو بقي اليهود على أهليتهم (أندجين) ولم يتجنسوا سنة ١٨٧٠ لوجدت الحركة الصهيونية ربما صعوبة في التسرب إليهم. ذلك أن تمتعهم بكل حقوق المواطن الفرنسي قد منحهم حق الانتماء إلى مختلف الحركات وإصدار الصحف والتعبير الحر والتجمع. وقد شعر الجزائريون بحكم اتصالهم المبكر بالفرنسيين والرأي العام الأوروبي بالخطر الصهيوني، ولكن وسائلهم كانت محدودة، وكان قانون (الأندجينا) سيفا

стр. 2972

مسلولا على رؤوسهم، ووسائل الاتصال مع المشرق محدودة. ومع ذلك نبه بعض الجزائريين منذ ١٩١٤ إلى خطورة الحركة الصهيونية، على مستقبل العرب والمسلمين. فقد نشرت مجلة (المنار) التي كان يصدرها الشيخ رشيد رضا من مصر، خبرا خيرت فيه العرب والمسلمين بين الاتفاق مع الصهيونيين أو مقاومتهم بكل الوسائل، بما فيها حرب العصابات. وجعلت العنوان هو (المسألة الصهيونية). فعلقت جريدة (ذو الفقار) التي كان يصدرها عمر راسم، على ذلك بقولها إن على زعماء العرب والمسلمين مقاومة الصهيونية. ومن رأي عمر راسم أن (اتفاق زعماء العرب ... مع زعماء اليهود مستحيل، لأنه اعتراف بزعامة اليهود ورضا بمشاركة هؤلاء الأجانب في بلاد اشترتها آباؤهم (أي العرب والمسلمين) بدمائهم الطاهرة. فلا يحق لغير العرب ... أن يملك تلك الأرض ولا غير راية الإسلام أن تخفق عليها ما دام في عرق العرب دم وفي أجسام المسلمين روح). وتحدث مقال (ذو الفقار) عن انقسام الدولة العثمانية (وقد تسربت إليها الحركة الصهيونية، كما أصبح معروفاه الآن)، كما تحدث عن نشاط اليهود في فلسطين وعن دعم أوروبا لهم، وهو لا يقصد كل أوروبا بالطبع. وتنبأ عمر راسم بأن بقاء القيادة التركية التي باعت طرابلس (مثل جاويد وحقي وكاسو) سيوقع الدولة العثمانية نفسها لا محالة (في مخالب اليهود يوما ما) (١). ولم تكن صيحة عمر راسم هي الوحيدة الصادرة من الجزائر، ولكنها كانت هي الصيحة المبكرة والواضحة. وفي كتابات ابن باديس والإبراهيمي والمدني والعقبى وأضرابهم صيحات وإنذارات أخرى في أوقات لاحقة. ولكن ذلك كان لا يجدي أمام الدعم السياسي الإنكليزي والدعم المالي

стр. 2973

والإعلامي الأوروبي (١)، وأمام الضعف والانقسام العربي والتخلف العلمي وقلة الوعي بالمستقبل عند المسلمين. وماذا يجدي تسجيل المواقف والكتابات والآراء والحال في هذه السنة (١٩٩٤) يكاد يكون هو الحال سنة ١٩١٤ عند العرب وعند المسلمين على السواء. وقد وقعوا جميعا (في مخالف اليهود) كما تنبأ عمر راسم؟. الماسونية قد يبدو غريبا عليك أن تعرف أن بعض الجزائريين دخلوا الماسونية قبل الاحتلال الفرنسي وأن البعض قد ادعى أن هناك (ماسونية عربية) في الجزائر قبل الاحتلال أيضا. ولكن دعنا قبل كل شيء نتحدث عن مبادئ الماسونية، وعن محفل الشرق الفرنسي الذي كان له دور في نشر الماسونية في الجزائر. والواقع أن الماسونية كانت لها محافلها في عواصم أوروبا، مثل لندن ودبلن وروما وباريس. وكانت محافلها (ورشاتها) سرية. وبالنسبة لفرنسا فقد قيل إن نابليون الأول لم يلغ الورشات أو يحل المحافل الماسونية، ولكنه جعل عليها رقابة مشددة. وكان يهدف إلى الاستفادة منها في مشاريعه في التوسع والهيمنة ومراقبة نشاط الكنيسة الكاثوليكية. ومن أعظم المحافل الأوروبية (محفل الشرق) الذي نشط في مصر والجزائر. وكان شعاره هو شعار الثورة الفرنسية. وهو الحرية والأخوة والمساواة، مع تمجيد المسيحية والتقدم والتسامح. وقد نص البند الأول من قانونه الأساسي على أن الماسونية مؤسسة خيرية وفلسفية وتقدمية، تقوم على وجود الله وخلود الروح، وتعمل على ممارسة العمل الخيري ودراسة الأخلاق والعلوم

стр. 2974

والفنون، وممارسة الفضائل. وجاء في بند آخر أن على الأعضاء الالتزام بالأخلاق الكريمة والعقلنة من أجل السعادة البشرية. ونص أحد البنود أيضا على أن الوصول إلى ذلك يستلزم احترام الضمير الفردي وتوظيف الدعاية السلمية من أجل إضاءة الروح والانسجام القلبي. ويدعى أحد البنود أيضا أن الماسونية لا تحاسب العضو فيها على قناعته حول الأديان بل إنها تمنع في اجتماعاتها النقاش في المسائل الدينية منعا باتا. وسنرى أن هذا الموقف غير صحيح دائما. كما يدعي أن الماسونية لا تسمح بمناقشة المسائل السياسية في اجتماعاتها، ولا تتدخل مباشرة في تطبيق النظريات السياسية وأشكال الحكومات المختلفة وتأثيرها على الأوضاع القائمة. والماسونية تطلب، حسب بعض بنودها، من المنتمين إليها احترام القوانين السائدة في البلدان التي يقطنونها. كما تلزم الماسونية أيضا أعضاءها بالعمل، كل حسب طاقته، لأنها تعتبر العمل من واجبات القوانين الإنسانية. والمطلوب من كل عضو ماسوني أن يقدم لغيره المساعدة في مختلف المناسبات. هذه مبادئ وتعاليم عامة للماسونية، وهي تبدو إنسانية، ومن ثمة فهي لا تختلف كثيرا في المعاملات عن تعاليم الأديان. وتبدو الماسونية في هذا الشكل مغرية للفئات المؤمنة بالحرية والأخلاق والإنسانية وحرية الضمير الفردي والتسامي في الفضائل والعمل من أجل السعادة العظمى في هذه الدار. ورأينا أن الماسونية تقطع كل عرق للخلافات المفرقة بين الأعضاء كالنقاش الديني والسياسي. وهذا أيضا وجه آخر من أوجه الانسجام والأخوة. غير أن الماسونية النظرية غير الماسونية العملية. ذلك أنها من الناحية العملية كانت لا تختلف عن بعض النظريات والمذاهب الأخرى كالرومانتيكية والمثالية (السانسيمونية) والحركة الإنسية وحتى الليبرالية. فقد كان أعضاؤها يؤمنون بالاستعمار ويزكونه وينتصرون إليه، وما رأيك في أن المارشال بوجو كان عضوا شرفيا في الماسونية. وأن الاستعماري الكبير البارون دي فيالار كان عضوا بارزا فيها. وهناك الكثير من الأعضاء كانوا في الإدارة الاستعمارية والبلديات والتجارة والجيش، بل إن معظم المؤسسين لفرع الجزائر

стр. 2975

الماسوني، كما سنرى، كانوا من الضباط البارزين في الجيش الفرنسي، ثم تغلب الأعضاء البرجوازيون في المحفل على عدد العسكريين. ومن جهة أخرى كانت الماسونية نسخة وفية من بعض الأديان ومن المسيحية وتعاليمها الفاضلة، كما قيل. وقد خاطب عضو بارز في (محفل بيليزير) الذي سنتحدث عنه، زملاءه قائلا: (إن الماسونية ليست سوى التطبيق الفعلي لتعاليم المسيح ﵇ الفاضلة: (إن كلكم أخوة والله هو خالقكم). وقد علق السيد ياكونو بأن الماسونية كانت تريد أن تكون مدرسة للأخلاق في الأساس، ولكنها أخلاق دينية، وبالضبط هي الأخلاق المسيحية (١). ويبدو لنا أن الماسونية، وإن كانت في ظاهرها مسيحية فإنها مؤسسة على تعاليم أخرى ومنها اليهودية، ولكنها كانت مغلفة في المسيحية لأنها كانت هي الدين المقبول في أوروبا عندئذ. ومنذ توطنت الماسونية في الجزائر عملت، كغيرها من المؤسسات الاستعمارية، على محو الحضارة العربية الإسلامية وتذويب القيم الشعبية في الحضارة الأوروبية (الفرنسية)، وأقامت دعوتها، كغيرها أيضا من التيارات الواردة، على أن الجزائريين كانوا برابرة متوحشين، وأن أمامها هي مسؤولية عظيمة، وهي دمج المنهزمين (الجزائريين) في المنتصرين. وقد اعتبر الماسونيون أن الحملة الفرنسية نفسها بركة وسعادة، وأنها قد نزلت على الأرض البربرية باسم الحضارة والتقدم والتسامح (٢).

стр. 2976

وهناك من ادعى أن أول اجتماع ماسوني عقد في الجزائر كان في سيدي فرج سنة ١٨٣٠، وأن الذين حضروه من الجيش كانوا أعضاء في الحركة الماسونية. ومنهم الجراح الرسمي للجيش والمتصرف (دينييه) الذي قيل إنه دخل الماسونية سنة ١٨١٠. لكن السيد ياكونو يشك في عقد هذا الاجتماع الماسوني المبكر لأن الوثائق المعاصرة مثل جريدة (الاسطافيت) التي كانت الجريدة الأولى التي طبعت في سيدي فرج، لم تذكر شيئا عنه. وأول نشاط ماسوني لا غبار عليه كان في دالي إبراهيم (ضاحية بالعصمة)، وقد قام به محفل سيرنوس الكورسيكي سنة ١٨٣١ - ١٨٣٢، وهو محفل قديم كان الكورسيكيون قد أسسوه في جزيتهم في العشرينات من القرن الماضي. وكان مؤسسو محفل الجزائر الفرعي من العسكريين الكورسيكيين، وقد وسعوا نشاطهم ليشمل غير دالي إبراهيم أيضا. ثم غادرت فرقتهم العسكرية الجزائر سنة ١٨٣٦ ولكن آثارها الماسونية بقيت بعدها. أما المحفل الذي دام مدة طويلة وكان (جزائري) المنشأ فهو محفل بيليزير، وهو الفرع الرئيسي لمحفل الشرق الفرنسي، ففي ١٦ فبراير ١٨٣٢ اجتمع أربعة عشر من الأعضاء الماسونيين في الجزائر وكانوا ينتمون إلى مختلف المحافل الفرنسية، اجتمعوا لإنشاء ورشة ماسونية، وانتخبوا (أخاهم) دانليون ليكون الرئيس الشرفي المحترم مدى الحياة (حسب تقاليدهم) وكان دانليون رجلا عسكريا برتبة جنرال. واختاروا أيضا اسما للورشة أو المحفل الجديد، وهو (بيليزير) ذلك الجنرال البيزنطي الذي نسبوا إليه كل الفضائل، كما قال ياكونو، وهو ما أثار استغراب البعض. أما الرجل الذي رأس المحفل عمليا، فهو (شيفرو chevrau)، وكان جراحا في الجيش. وعندما توفي دفنوه في ضاحية بئر مراد رايس. بدأ هذا المحفل (بيليزير) إذن بالعسكريين، لكن كان فيه بعض التجار أيضا. وطلبوا الترخيص من محفل الشرق بإنشاء الفرع والقيام بالنشاط، فأذن

стр. 2977

لهم وبارك عملهم، وعقدوا من أجل ذلك اجتماعا عاما في ٢٢ مايو ١٨٣٣ في العاصمة، حضره أكثر من ٤٦ عضوا منهم عشرون عسكريا والباقون ينتمون إلى التجارة والمهن الحرة والوظائف. وكان نائب الرئيس هو الطبيب جيراردان. وليس من بين أعضائه جزائريون، بمن فيهم اليهود. وسرعان ما توسع نشاط محفل بيليزير، فبعد سنة واحدة وصل عدد أعضائه إلى ٧٣ عضوا وكان فيهم من هو خارج العاصمة وضواحيها كوهران. ولكن شيفرو مات سنة ١٨٣٤ فانتخبوا خليفته المسمى جاك ديسكو (أو ديكو) الذي دام في رئاسة المحفل إلى ١٨٧٠ حين مات (١). قام هذا المحفل بنشاط في صالح الاستعمار، رغم المبادئ والتعاليم المذكورة في بنود قانونه. فقد عمل على جزأرة نفسه باعتباره محفلا يعيش على الأرض الجزائرية، وكان وضعه يذكرنا بفرع الحزب الشيوعي الفرنسي في الجزائر خلال العشرينات والثلاثينات من حيث التبعية لغيره. وقد اعتبر المحفل الجنود الفرنسيين الذين سقطوا أمام أسوار قسنطينة في الحملتين (١٨٣٦، ١٨٣٧) جنودا سقطوا من أجل الشرف ومن أجل سعادة فرنسا. واستمع الأعضاء إلى دعوة زميلهم (أخيهم، حسب مصطلحاتهم) للاعتراف بجميل أولئك الجنود (الشجعان). وعند تأسيس المستعمرات الفلاحية أبدى المحفل ارتياحه وتأييده معتبرا ذلك عملا خيريا من حكومة الجمهورية الثانية (كان ذلك سنة ١٨٤٨ - ١٨٤٩) لصالح الجزائر (الفرنسية). وفي نظر الماسونيين ليس هناك تناقض بين الدفاع عن الاستعمار والدفاع عن الأهالي. فقد كانوا ينظرون إلى الجزائريين، كما أشرنا، على أنهم (برابرة) لم يذوقوا في حياتهم طعم الحرية ولم يمارسوا الانفتاح على الفلسفة، بل كانوا يعيشون في حالة جهل وعبودية. وقد أخبرهم شيفرو قبل وفاته أن الأرض الجزائرية بقيت في نظره خلال مدة طويلة في ظلام كثيف، (وهو رأي رجال الكنيسة أيضا) ولكنها تحتوي على عناصر ثمينة قابلة للتلقيح، وقد (جئتم أنتم

стр. 2978

لإخصابها)! وقد طلب منهم العمل من أجل توجيه الأهالي نحو محفل الشرق الماسوني حتى يقع تمدينهم، لأن مهمة المحفل هي جلب سكان الجزائر (البرابرة) والمتعصبين إلى الحضارة وإدماجهم فيها. وكذلك دعا أحدهم، وهو لوازي Lowazy منذ ١٨٣٣، إلى العمل على دمج المنتصرين والمنهزمين (١) (الفرنسيين والجزائريين) في بوتقة واحدة. فكيف، مع هذا الأسلوب في المعاملة، سيدخل الجزائريون في المحفل الماسوني؟ يقول ياكونو إن الماسونيين لاحظوا أن العرب كانوا يبتعدون عنهم، كما لاحظوا أنهم كانوا يخشون بعضهم بعضا. ويبدو أن الماسونيين لم يفهموا نفسية الجزائريين، بمن فيهم المثقفون والتجار الذين حاربهم الفرنسيون بلا هوادة. إن هؤلاء هم الذين وقفوا في وجه الغزو الحضاري الذي يبشر به الماسونيون علنا، والذي يسمونه اندماجا وقضاء على حضارة المنهزمين. ولكي يسهل الماسونيون على الجزائريين الدخول في محفل (بيليزير) اقترح أحدهم (سنة ١٨٣٩) أن يتاح للعرب الدخول في المحفل إذا وجد منهم من يعرف إلى جانب العربية والبربرية لغة أوروبية واحدة، وهي الفرنسية، أو الإنكليزية، أو الألمانية أو الإسبانية أو الإيطالية، وكانت له، مع ذلك، مؤهلات أخلاقية، وطلب صاحب هذا الاقتراح إعفاء العرب من الالتزامات الأخرى كدفع الاشتراك أثناء المراحل الأولى من دخول المحفل، على أن يصبحوا مثل بقية الأعضاء في وقت لاحق. لكن اقتراحه لم يتحقق، لأن الحرب اندلعت من جديد بين الجزائريين والفرنسيين (نوفمبر ١٨٣٩)، وتبخرت الأوهام. وقد لاحظ ياكونو أن الماسونيين كانوا يتوجهون إلى الخاصة من الجزائريين وليس إلى العامة. وفي سنة ١٨٤٦ تقدم عضو آخر، وهو العقيد طاردو Tardo، بمشروع جديد لتسهيل إدخال الجزائريين في الماسونية. ويقوم اقتراحه على أن لا يطلب من المترشح الأهلي للعضوية سوى معرفة اللغتين العربية والفرنسية.

стр. 2979

فإذا أصبح عددهم كبيرا يكونون محفلأ خاصا بهم ولكن تحت إشراف محفل بيليزير. لكن وفاة هذا العقيد دفنت الاقتراح معه (١). وها نحن في أوائل الاحتلال مع الماسونية كما نحن بين الحربين مع الشيوعية تقريبا بالنسبة لوضع الجزائريين (٢). ولم تتحدث المصادر عن وجود جزائريين في محفل بيليزير سوى سنة ١٨٤٨ أي في عهد الجمهورية الثانية، وبعد هزيمة الأمير عبد القادر. ففي جلسة ٢٢ نوفمبر من هذه السنة حضر خمسة من الزوار وفيهم جزائري واحد من بجاية (لم يذكروا اسمه). وبين ١٨٤٨ - ١٨٥٠، استقبلت محافل فرنسا الماسونية عددا من الأعضاء المسلمين غير الجزائريين، وقد اعتبر ذلك فشلا لمحفل بيليزير (٣)، لأن ما سمي (بالماسونية الإفريقية) لم تحقق هدفها، وربما بقي الحال كذلك حتى خلال القرن العشرين. ولعل ارتباط الماسونية بالاستعمار ومناهضة الحضارة الإسلامية له هو السبب في هذا الفشل. وهناك من ادعى أن جزائريين قد دخلوا الماسونية قبل الاحتلال الفرنسي. وهم يشيرون إلى تجار (زاروا) بعض محافل فرنسا سنة ١٧٨٥، ١٧٨٦، كما وقع في محفل الشرق بمدية نانت. وقد قيل إن المدعو محمد

стр. 2980

شلبي الجزائري قد قبل في ذلك المحفل وأن توقيعه موجود على المحضر، ولكنهم لم يسمحوا له بالدخول معهم لاختلاف الدين (١). وفي ١٧٨٧ ذكروا أن المدعو إبراهيم قلنقو التركي والمدعو إبراهيم بكير الجزائري قد قبلا أيضا في محفل الشرق بفرنسا. وقيل إنهم قد جمعوا لهما النقود للعيش في فرنسا والعودة إلى بلادهما، وكانت لديهما أيضا شهادات الانتماء إلى محفل لندن ودبلن. وقد جاء ياكونو بصور لتوقيعات هذين الرجلين اللذين لا نعرف لهما هوية واللذين قيل فيهما أثناء جمع التبرعات لهما: لعل وقتا سيأتي فيه الماسونيون الفرنسيون إلى الجزائر فيجدون المقابل منهما هناك. ويوحي كلام ياكونو أن هناك تخطيطا مسبقا لدخول الماسونية الجزائر حتى قبل الاحتلال بنصف قرن، وذلك عن طريق التبرعات المالية لأعضاء كانوا يمارسون التجارة وفي نفس الوقت كان يعوزهم المال اللازم للإقامة والسفر. فهل هناك قدرية لازمة (جدلية) بين المال (الديون) والاستعمار؟ ويقترح ياكونو أن هناك جزائريين آخرين قد يكونون انضموا أيضا إلى محافل إيطاليا ولندن ولكن بأعداد ضئيلة، كما هو الحال في فرنسا أيضا، ثم إن القائمة منحصرة في بعض التجار. ولا شك أن أعيانا من يهود الجزائر قد دخلوا (الماسونية الإفريقية) في إيطاليا ولندن، وعلى رأسهم ابن دوران، ولا ندري، ما إذا كان ذلك قبل سنة ١٨٣٠ أو بعدها. ومهما كان الأمر فإن الدلائل تدل على أن عدد الذين دخلوا الماسونية قبل الاحتلال كان قليلا جدا. (٢). ورغم ما لاحظناه عن مسألة الانتماء إلى الماسونية قبل الاحتلال، فإن مجلة (الماسونية الإفريقية) التي ظهرت سنة ١٨٤٩ قد ذكرت أن الماسونية قد انتشرت في الجزائر قبل ذلك، معتبرة بعض الطرق الصوفية (تسميها الجمعيات السرية) شكلا من أشكال الماسونية، وأن (الإخوان) في هذه الطرق هم أعضاء في (الماسونية العربية). واستدلوا على ذلك بأن الماسونية
следующие страницы →