وهناك من ادعى أن أول اجتماع ماسوني عقد في الجزائر كان في سيدي فرج سنة ١٨٣٠، وأن الذين حضروه من الجيش كانوا أعضاء في الحركة الماسونية. ومنهم الجراح الرسمي للجيش والمتصرف (دينييه) الذي قيل إنه دخل الماسونية سنة ١٨١٠. لكن السيد ياكونو يشك في عقد هذا الاجتماع الماسوني المبكر لأن الوثائق المعاصرة مثل جريدة (الاسطافيت) التي كانت الجريدة الأولى التي طبعت في سيدي فرج، لم تذكر شيئا عنه.
وأول نشاط ماسوني لا غبار عليه كان في دالي إبراهيم (ضاحية بالعصمة)، وقد قام به محفل سيرنوس الكورسيكي سنة ١٨٣١ - ١٨٣٢، وهو محفل قديم كان الكورسيكيون قد أسسوه في جزيتهم في العشرينات من القرن الماضي. وكان مؤسسو محفل الجزائر الفرعي من العسكريين الكورسيكيين، وقد وسعوا نشاطهم ليشمل غير دالي إبراهيم أيضا. ثم غادرت فرقتهم العسكرية الجزائر سنة ١٨٣٦ ولكن آثارها الماسونية بقيت بعدها.
أما المحفل الذي دام مدة طويلة وكان (جزائري) المنشأ فهو محفل بيليزير، وهو الفرع الرئيسي لمحفل الشرق الفرنسي، ففي ١٦ فبراير ١٨٣٢ اجتمع أربعة عشر من الأعضاء الماسونيين في الجزائر وكانوا ينتمون إلى مختلف المحافل الفرنسية، اجتمعوا لإنشاء ورشة ماسونية، وانتخبوا (أخاهم) دانليون ليكون الرئيس الشرفي المحترم مدى الحياة (حسب تقاليدهم) وكان دانليون رجلا عسكريا برتبة جنرال. واختاروا أيضا اسما للورشة أو المحفل الجديد، وهو (بيليزير) ذلك الجنرال البيزنطي الذي نسبوا إليه كل الفضائل، كما قال ياكونو، وهو ما أثار استغراب البعض. أما الرجل الذي رأس المحفل عمليا، فهو (شيفرو chevrau)، وكان جراحا في الجيش. وعندما توفي دفنوه في ضاحية بئر مراد رايس.
بدأ هذا المحفل (بيليزير) إذن بالعسكريين، لكن كان فيه بعض التجار أيضا. وطلبوا الترخيص من محفل الشرق بإنشاء الفرع والقيام بالنشاط، فأذن
стр. 2977
لهم وبارك عملهم، وعقدوا من أجل ذلك اجتماعا عاما في ٢٢ مايو ١٨٣٣ في العاصمة، حضره أكثر من ٤٦ عضوا منهم عشرون عسكريا والباقون ينتمون إلى التجارة والمهن الحرة والوظائف. وكان نائب الرئيس هو الطبيب جيراردان. وليس من بين أعضائه جزائريون، بمن فيهم اليهود. وسرعان ما توسع نشاط محفل بيليزير، فبعد سنة واحدة وصل عدد أعضائه إلى ٧٣ عضوا وكان فيهم من هو خارج العاصمة وضواحيها كوهران. ولكن شيفرو مات سنة ١٨٣٤ فانتخبوا خليفته المسمى جاك ديسكو (أو ديكو) الذي دام في رئاسة المحفل إلى ١٨٧٠ حين مات (١).
قام هذا المحفل بنشاط في صالح الاستعمار، رغم المبادئ والتعاليم المذكورة في بنود قانونه. فقد عمل على جزأرة نفسه باعتباره محفلا يعيش على الأرض الجزائرية، وكان وضعه يذكرنا بفرع الحزب الشيوعي الفرنسي في الجزائر خلال العشرينات والثلاثينات من حيث التبعية لغيره. وقد اعتبر المحفل الجنود الفرنسيين الذين سقطوا أمام أسوار قسنطينة في الحملتين (١٨٣٦، ١٨٣٧) جنودا سقطوا من أجل الشرف ومن أجل سعادة فرنسا. واستمع الأعضاء إلى دعوة زميلهم (أخيهم، حسب مصطلحاتهم) للاعتراف بجميل أولئك الجنود (الشجعان). وعند تأسيس المستعمرات الفلاحية أبدى المحفل ارتياحه وتأييده معتبرا ذلك عملا خيريا من حكومة الجمهورية الثانية (كان ذلك سنة ١٨٤٨ - ١٨٤٩) لصالح الجزائر (الفرنسية). وفي نظر الماسونيين ليس هناك تناقض بين الدفاع عن الاستعمار والدفاع عن الأهالي. فقد كانوا ينظرون إلى الجزائريين، كما أشرنا، على أنهم (برابرة) لم يذوقوا في حياتهم طعم الحرية ولم يمارسوا الانفتاح على الفلسفة، بل كانوا يعيشون في حالة جهل وعبودية. وقد أخبرهم شيفرو قبل وفاته أن الأرض الجزائرية بقيت في نظره خلال مدة طويلة في ظلام كثيف، (وهو رأي رجال الكنيسة أيضا) ولكنها تحتوي على عناصر ثمينة قابلة للتلقيح، وقد (جئتم أنتم
стр. 2978
لإخصابها)! وقد طلب منهم العمل من أجل توجيه الأهالي نحو محفل الشرق الماسوني حتى يقع تمدينهم، لأن مهمة المحفل هي جلب سكان الجزائر (البرابرة) والمتعصبين إلى الحضارة وإدماجهم فيها. وكذلك دعا أحدهم، وهو لوازي Lowazy منذ ١٨٣٣، إلى العمل على دمج المنتصرين والمنهزمين (١) (الفرنسيين والجزائريين) في بوتقة واحدة.
فكيف، مع هذا الأسلوب في المعاملة، سيدخل الجزائريون في المحفل الماسوني؟ يقول ياكونو إن الماسونيين لاحظوا أن العرب كانوا يبتعدون عنهم، كما لاحظوا أنهم كانوا يخشون بعضهم بعضا. ويبدو أن الماسونيين لم يفهموا نفسية الجزائريين، بمن فيهم المثقفون والتجار الذين حاربهم الفرنسيون بلا هوادة. إن هؤلاء هم الذين وقفوا في وجه الغزو الحضاري الذي يبشر به الماسونيون علنا، والذي يسمونه اندماجا وقضاء على حضارة المنهزمين. ولكي يسهل الماسونيون على الجزائريين الدخول في محفل (بيليزير) اقترح أحدهم (سنة ١٨٣٩) أن يتاح للعرب الدخول في المحفل إذا وجد منهم من يعرف إلى جانب العربية والبربرية لغة أوروبية واحدة، وهي الفرنسية، أو الإنكليزية، أو الألمانية أو الإسبانية أو الإيطالية، وكانت له، مع ذلك، مؤهلات أخلاقية، وطلب صاحب هذا الاقتراح إعفاء العرب من الالتزامات الأخرى كدفع الاشتراك أثناء المراحل الأولى من دخول المحفل، على أن يصبحوا مثل بقية الأعضاء في وقت لاحق. لكن اقتراحه لم يتحقق، لأن الحرب اندلعت من جديد بين الجزائريين والفرنسيين (نوفمبر ١٨٣٩)، وتبخرت الأوهام. وقد لاحظ ياكونو أن الماسونيين كانوا يتوجهون إلى الخاصة من الجزائريين وليس إلى العامة.
وفي سنة ١٨٤٦ تقدم عضو آخر، وهو العقيد طاردو Tardo، بمشروع جديد لتسهيل إدخال الجزائريين في الماسونية. ويقوم اقتراحه على أن لا يطلب من المترشح الأهلي للعضوية سوى معرفة اللغتين العربية والفرنسية.
стр. 2979
فإذا أصبح عددهم كبيرا يكونون محفلأ خاصا بهم ولكن تحت إشراف محفل بيليزير. لكن وفاة هذا العقيد دفنت الاقتراح معه (١). وها نحن في أوائل الاحتلال مع الماسونية كما نحن بين الحربين مع الشيوعية تقريبا بالنسبة لوضع الجزائريين (٢).
ولم تتحدث المصادر عن وجود جزائريين في محفل بيليزير سوى سنة ١٨٤٨ أي في عهد الجمهورية الثانية، وبعد هزيمة الأمير عبد القادر. ففي جلسة ٢٢ نوفمبر من هذه السنة حضر خمسة من الزوار وفيهم جزائري واحد من بجاية (لم يذكروا اسمه). وبين ١٨٤٨ - ١٨٥٠، استقبلت محافل فرنسا الماسونية عددا من الأعضاء المسلمين غير الجزائريين، وقد اعتبر ذلك فشلا لمحفل بيليزير (٣)، لأن ما سمي (بالماسونية الإفريقية) لم تحقق هدفها، وربما بقي الحال كذلك حتى خلال القرن العشرين. ولعل ارتباط الماسونية بالاستعمار ومناهضة الحضارة الإسلامية له هو السبب في هذا الفشل.
وهناك من ادعى أن جزائريين قد دخلوا الماسونية قبل الاحتلال الفرنسي. وهم يشيرون إلى تجار (زاروا) بعض محافل فرنسا سنة ١٧٨٥، ١٧٨٦، كما وقع في محفل الشرق بمدية نانت. وقد قيل إن المدعو محمد
стр. 2980
شلبي الجزائري قد قبل في ذلك المحفل وأن توقيعه موجود على المحضر، ولكنهم لم يسمحوا له بالدخول معهم لاختلاف الدين (١). وفي ١٧٨٧ ذكروا أن المدعو إبراهيم قلنقو التركي والمدعو إبراهيم بكير الجزائري قد قبلا أيضا في محفل الشرق بفرنسا. وقيل إنهم قد جمعوا لهما النقود للعيش في فرنسا والعودة إلى بلادهما، وكانت لديهما أيضا شهادات الانتماء إلى محفل لندن ودبلن. وقد جاء ياكونو بصور لتوقيعات هذين الرجلين اللذين لا نعرف لهما هوية واللذين قيل فيهما أثناء جمع التبرعات لهما: لعل وقتا سيأتي فيه الماسونيون الفرنسيون إلى الجزائر فيجدون المقابل منهما هناك. ويوحي كلام ياكونو أن هناك تخطيطا مسبقا لدخول الماسونية الجزائر حتى قبل الاحتلال بنصف قرن، وذلك عن طريق التبرعات المالية لأعضاء كانوا يمارسون التجارة وفي نفس الوقت كان يعوزهم المال اللازم للإقامة والسفر. فهل هناك قدرية لازمة (جدلية) بين المال (الديون) والاستعمار؟ ويقترح ياكونو أن هناك جزائريين آخرين قد يكونون انضموا أيضا إلى محافل إيطاليا ولندن ولكن بأعداد ضئيلة، كما هو الحال في فرنسا أيضا، ثم إن القائمة منحصرة في بعض التجار. ولا شك أن أعيانا من يهود الجزائر قد دخلوا (الماسونية الإفريقية) في إيطاليا ولندن، وعلى رأسهم ابن دوران، ولا ندري، ما إذا كان ذلك قبل سنة ١٨٣٠ أو بعدها. ومهما كان الأمر فإن الدلائل تدل على أن عدد الذين دخلوا الماسونية قبل الاحتلال كان قليلا جدا. (٢).
ورغم ما لاحظناه عن مسألة الانتماء إلى الماسونية قبل الاحتلال، فإن مجلة (الماسونية الإفريقية) التي ظهرت سنة ١٨٤٩ قد ذكرت أن الماسونية قد انتشرت في الجزائر قبل ذلك، معتبرة بعض الطرق الصوفية (تسميها الجمعيات السرية) شكلا من أشكال الماسونية، وأن (الإخوان) في هذه الطرق هم أعضاء في (الماسونية العربية). واستدلوا على ذلك بأن الماسونية
стр. 2981
هي دين كل العصور وكل البلدان. وفي عدد لاحق من المجلة نفسها ذكروا أن بعض عبارات الماسونية العربية (الطرق الصوفية) تتفق مع مصطلحات الماسونية الأوروبية أيضا. والغريب أن الكاتب وجد التشابه اللفظي بين كلمة (الورد) عند الصوفية وكلمة (أوردر) الفرنسية والإنكليزية، وقال إنهما تستعملان في نفس المعنى، وهو ما يتلقاه المريد في الجمعيات السرية (الصوفية) وفي الماسونية، وكذلك كلمة (إخوان) في الصوفية وكلمة (كوان Cowan) في الإنكليزية التي قيل إنها تعني كلمة (الأخ) التي تعطي للعضو الأجنبي في الماسونية، وربما كان ياكونو صادقا، عندما اعتبر ذلك التمحل من الخيالات التي يرفضها التاريخ (١). ويبدو أن الماسونيين بعد أن رأوا فشلهم في جلب الجزائريين رجعوا إلى اعتبار الطرق الصوفية ماسونية عربية ودليلا على انتشار الماسونية واعتبارها دين كل العصور وكل البلدان، في زعمهم.
ومهما كان الأمر، فقد عاش محفل بيليزو العهد الاستعماري وفي ظل الإدارة الفرنسية، مؤيدا لها ومباركا أعمالها، وداعيا للاندماج بين الفرنسيين والجزائريين والقضاء على الروح العربية والإسلامية. وأصبح المحفل في أغلبه من البرجوازية، وكان أعضاؤه من سكان المدن طبعا. وقد دخله بعض اليهود الجزائريين أمثال طاما ايلي، واليزار، وكلاهما كان في الهيئة الدينية الإسرائيلية (كونسيستوار)، كما دخل المحفل بعض رجال الدين الفرنسيين مثل الأسقف دوبوش، رغم أن المحفل الماسوني على العموم مضاد للكنيسة في نظر البعض. وقد سيطر بعض رجال الماسونية على النواحي الاقتصادية والمالية واستغلال الأرض (الاستعمار) في الجزائر مثل دي فيالار، كما كان من بينهم السياسيون والكتاب والشعراء. ولكن دراسة ياكونو التي تنتهي سنة ١٨٥٠، لا تحدثنا عن دخول مسلمين جزائريين في محفل بيليزير، ولا في المحفل المنشق عنه والمسمى (التجديد الإفريقي) الذي أنشئ حوالي سنة
стр. 2982
١٨٤١. وكان سبب الانشقاق هو الخلاف بين الأعضاء في المسائل الدينية واستعمال الغموض والسرية واللجوء إلى الخطب المرتجلة. لكن هذا المحفل المنشق لم يعمر سوى حوالي عشر سنوات (١).
والواقع أن ما يهمنا من الماسونية هو انتشارها في الجزائر ودخول بعض الجزائريين فيها. كما يهمنا نشاطها وتأثيراتها على الحياة السياسية والفكرية.
يقول أحد الكتاب الفرنسيين إن كل الحكام العامين الذين تداولوا على حكم الجزائر باسم فرنسا كانوا ماسونيين عدا واحدا هو المارشال ماكماهون. وقد لاحظنا أن بداية الماسونية كانت في قادة الحملة الفرنسية أنفسهم. فقائد الأسطول الأميرال دينييه كان ماسونيا. ولا ندري ميول دي بورمون الآن. أما الضباط الذين أرسوا قواعد الإدارة والسلطة الفرنسية في الجزائر فقد كانوا بدورهم ماسونيين صراحة، ومنهم بيليسييه دي رينو الذي ترأس مكتب الشؤون العربية في الجزائر وكتب تاريخ الحملة والإدارة الفرنسية الأولى في كتابه المعروف باسم (الحوليات الجزائرية). وكان دارماندي ماسونيا أيضا، وهو الذي كان يعرف الشرق ويحذق الفارسية وكان قنصلا لبلاده في جدة، ثم كان من أوائل الضباط الذين احتلوا عنابة ١٨٣٢. وعلى رأس الضباط الأولين الذين آمنوا بالماسونية الجنرال دي ميشيل الذي حكم وهران في أول الاحتلال والذي اتربط اسمه بـ (معاهدة دي ميشيل) التي وقعها مع الأمير عبد القادر سنة ١٨٣٤. ثم المارشال بوجو الذي وقع مع الأمير معاهدة التافنة سنة ١٨٣٧، وتولى حكم الجزائر وأعلن الحرب الشاملة ضد المقاومة إلى استقالته في أوائل صيف ١٨٤٧، قبل هزيمة الأمير ببضعة شهور فقط، فقد كان أيضا ماسونيا.
وهناك ضباط وشخصيات إدارية وسياسية أخرى ارتبط اسمها بالماسونية. ومن هؤلاء اللقيط يوسف الذي أصبح جنرالا في الجيش الفرنسي. وكان قد هرب من تونس وادعى للفرنسيين أنه ابن غير شرعي
стр. 2983
لنابليون الأول. ودوره في الحرب المبيدة ضد المقاومة مبسوط في غير هذا المكان (١). ومنهم عبد الله دزبون المملوكي الذي أرسلته فرنسا في مهمات إلى ناحية معسكر. وكان الجاسوس ليون روش ماسونيا، أيضا، وقد بدأ حياته في خدمة الجيش الفرنسي وأرسلته المخابرات العسكرية لكي يتجسس على الأمير عدة سنوات، فادعى أنه اعتنق الإسلام وغير اسمه إلى (عمر) وتزوج من مسلمة وألف كتابا، سجل فيه مغامراته في القيروان ومصر والحجاز للحصول على فتوى من علماء المسلمين ضد حركة الجهاد في الجزائر. كما تولى الشؤون القنصلية لبلاده في عدة بلدان مجاورة كالمغرب وتونس، بل وفي اليابان.
وانتشرت الماسونية بين أعيان الكولون أيضا. فكان نوابهم مثل تومسون، وايتيان، وتريل، وكذلك فيورموز الذي برز أثناء أحداث ١٨٧٠ - ١٨٧١ في الجزائر، وربما الدكتور وارنييه، كلهم كانوا من رجال الماسونية. وكان شارل ليتو الذي تولى حكومة الجزائر بين ١٩١٣ - ١٩١٨ من أبرز أعضائها. وقد عمل جهده على إزالة الإسلام واللغة العربية من الجزائر. وهو أصلا من الكولون، مثل خلفه بعد سنوات بيير بورد. ولا نستبعد أن يكون شارل جونار من أعيانها أيضا. ومن أبرز الصحفيين الفرنسيين دعاة الماسونية والمعارضين للإسلام نذكر أندري سيرفييه محرر جريدة (لاديباش القسنطينية)، فقد كان على رأس محفل في قسنطينة يسمى (سيرتا)، وهو محفل ماسوني كان يعمل على تجنيد (المتطوعين) الجزائريين للمحفل والدخول في الماسونية، وهو الذي أطلق اسم (الشبان الأتراك) على الاندماجيين الجزائريين (النخبة)، كما ألف كتابا هاجم فيه الإسلام بشدة تحت عنوان (خطر المستقبل ...) (٢) ولا ندري من الذين جندهم سيرفييه
стр. 2984
لمحفله، ولكننا لا نستبعد أن يكون من بينهم بعض المتجنسين وحتى بعض رجال الدين.
من الناحية التاريخية يذكر الكتاب الفرنسيون عهدين طويلين لانتشار الحركة الماسونية في الجزائر ونشاطها السري والعلني وموقفها من الإسلام والمسلمين. العهد الأول من ١٨٣٠ إلى ١٨٧٠، والثاني منذ ١٨٧١. وخلال العهد الأول (وهو يشمل بالنسبة للفرنسيين ثلاثة أنظمة: ملكية وجمهورية وامبراطورية) فإن زعماء الماسونية اكتفوا بتعميق عقائدهم ومبادئهم في جمعيات سرية كانت متناسبة مع قناعاتهم الذاتية، وهي تقوم على أن الماسونية هي (دين الأديان) في نظرهم، فلا دن يعلو عليها (١). وقد تعرضنا إلى ذلك.
أما خلال العهد الثاني (منذ ١٨٧١) أو عهد الجمهورية الثالثة الذي دشن اللائكية (العلمانية) في التعليم وشهد فصل الدين عن الدولة في الحكم وجاء بقانون الأندجينا للجزائريين، فإن زعمان وأعضاء الماسونية قد استعملوها لأهداف أخرى كالصهيونية، ومعاداة العرب والمسلمين، ولكنها أصبحت على العموم حركة معادية للدين مهما كان، رغم أن زعماءها وأعضاءها احتفظوا بمثاليتهم الفلسفية والمسيحية والإنسانية في دعواهم.
ففي مؤتمر تيزي وزو سنة ١٩٠٣ أعلن الماسونيون ضرورة فصل الأطفال عن تعليم القرآن وإبعادهم عن الزوايا والتربية الدينية (الإسلامية). ومن الملاحظ أن يهود الجزائر قد دخلوا الماسونية في أعداد كبيرة بعد تجنسهم سنة ١٨٧٠. وكان الماسونيون يعقدون المؤتمرات العلنية والسرية. فبين ١٩٠٥ و ١٩٣٨ عقدوا حوالي اثني عشر مؤتمرا بعضها كان خاصا بناحية في الجزائر وبعضها كان يشمل المغرب العربي (شمال إفريقية) بل إن بعضها كان يشمل المستعمرات الفرنسية. وكانت بعض المؤتمرات تتناول قضايا
стр. 2985
معينة مثل الاشتراكية وحقوق الإنسان ومسألة الأديان ومعاداة السامية واللائكية وحقوق المرأة. وكان بعضها متعلقا بقضايا اليهود، مثل حادثة دريفوس (فرنسا)، وحادثة غشت ١٩٣٤ (قسنطينة) وقرار كريميو، الخ. مما يدل على العلاقة الوطيدة بين الماسونية والصهيونية. وكانت محافل الشرق الجزائري تعقد اجتماعات سرية، ربما لنشاط اليهود فيها، وقد قامت حكومة فيشي بحل الجمعيات السرية، ومنها الماسونية، في غشت ١٩٤٠. وطلبت من كل عضو يعمل في الإدارة أن يعلن عن انتمائه. وكانت العقوبات تتضمن السجن والغرامة المالية والفصل. وكانت حكومة فيشي قد ألغت أيضا قرار كريميو بضغط من ألمانيا. ولكن الحلفاء ولجنة فرنسا الحرة أعادت هذا القرار، بضغط من أمريكا ويهودها، كما أعادت الشرعية للجمعيات السرية ومنها الماسونية، بعد الحرب.
وكان لكل محفل رمزه. والرموز هي نجمة داود، والخنجر، والسيف، وهيكل سليمان، والمثلث المتساوي الأضلاع، والسنبلة، والنجمة الخماسية، والعين، والهلال، واليدان المتصافحتان، والشمس المشرقة على رأس الإنسان، وراحة اليد، وغيرها من الرموز، مثل حرف v المنصوب والمقلوب. كما أن أسماء المحافل ترجع إلى آثار أو معالم قديمة وشخصيات، مثل سيرتا وقرطاجنة وهيبون ونوميديا والأوراس والساحل، وكذلك بيليزير وجان جوريس وأطفال مارس (١).
وكان لمحفل (بيليزير) نفوذ ونشاط علني في العاصمة. وله أتباع من الفرنسيين وحتى من بعض الجزائريين المتجنسين مثل الطبيب بلقاسم بن التهامي، والمحامي عمر بوضربة. ولا ندري إن كان محمد صوالح وتامزالي من أعضائه أيضا، ويقول آجرون عنهما إنهما كانا غير مرتبطين بالدين الإسلامي بصراحة. ويقول عن ابن التهامي وبوضربة إنهما لائكيان جدا (٢).
стр. 2986
وقد عرفنا أن محفل بيليزير قديم النشأة.
أما في قسنطينة فالمحفل الرئيسي اختاروا له اسم (سان فانسان دي بول)، وهو اسم يحمل دلالة خاصة عند الفرنسيين وعند رجال الدين. ونلاحظ أنه بالرغم من القول إن الماسونية أصبحت معادية للدين فإن اتخاذها اسم هذا (القديس المشبوه) يدل على الخلط في المبادئ والأهداف. وقد ذكرنا أن هناك محفلا آخر باسم (سيرتا) كان سيرفييه من أعضائه. وتذكر المصادر أن معظم الجزائريين الذين دخلوا الماسونية كانوا من المنطقة الشرقية، ولا سيما مدينة عنابة، وبلغ عددهم الإجمالي ٣٧ فردا. ولا ندري الآن منهم أحدا، ولكن في الإمكان التكهن ببعضهم إذا طبقنا الآية الكريمة التي تقول ﴿سيماهم في وجوههم﴾ وفي تصريحاتهم وكتاباتهم. ولكننا لن نرجم أحدا بالغيب.
وفي الغرب الجزائري كان محفل (الاتحاد الإفريقي) الذي كان مقره مدينة وهران. ولا شك أن هناك محافل أخرى قد ظهرت هناك. وليس لدينا فكرة عن عدد الذين دخلوا في الماسونية من الجزائريين في الناحية الغربية. وقد كان فرع تلمسان نشيطا، وفيها عائلات حضرية ودينية وتعليمية لا نستبعد أن بعضها قد دخل الماسونية عن وعي أو عن غير وعي. وكانت مدرسة تلمسان الشرعية - الرسمية إحدى البؤر للحركة الماسونية، ولا سيما في عهد ألفريد بيل.
كانت سياسة زعماء الماسونية في الجزائر هي تبني الاندماج، كما ذكرنا، وذلك هو دورهم في التأثير على الإدارة العليا. فقد كان لهم نفوذ قوي في مجلس الحكومة والبرلمان والصحافة. وكانت تأثيراتهم تذهب في هذا الاتجاه، وهو إزالة الإسلام (Deislamisation) من الجزائر، وقد برزوا بالخصوص أثناء حكم شارل ليتو (١). وكان (الشبان الجزائريون) يسيرون في هذا الخط أيضا، ولذلك سميناهم بالاندماجيين. ويقول آجرون إن (عميد)
стр. 2987
الشبان الجزائريين هو محمد بن رحال (١)، ولكن اندماجية ابن رحال كانت تختلف عن الاندماجية التي دعا إليها أمثال محمد صوالح وإسماعيل حامد وأحمد بن بريهمات وتامزالي وابن التهامي، بل كانت تشبه الدعوة إلى (المساواة) التي دعا إليها الأمير خالد فيما بعد. وكان منهم في نظر آجرون، عباس بن حمانة الذي وصفه بالبرجوازي الليبرالي المؤيد للتجنيد الإجباري. ولكن عباس بن حمانة كان قد أسس مدرسة قرآنية عصرية سنة ١٩١٣ لتدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ومن ثمة فقد كان ضد الاندماج بمفهوم (الشبان الجزائريين) وكان في ذلك يلتقي مع محمد بن رحال في بعض النواحي (٢). وربما ستكشف الوثائق عن تقديرات خاطئة لدور رواد الاندماج الجزائريين.
والمعروف أن الأمير عبد القادر قد ارتبط اسمه في بعض الكتابات باسم الحركة الماسونية، وكذلك اسم الشيخ طاهر الجزائري. ولكن بعضهم ينفي انتماء الأمير إلى الماسونية. وقد دار جدل في الموضوع بين ياكونو ومحفوظ قداش ومحمد الشريف ساحلي حول ذلك. ويبدو أن الجدل سيستمر لأن الوثائق القاطعة غير متوفرة. وهناك فقط تخمينات واستنتاجات. فالماسونية كانت متوارية، وكانت تقدم نفسها على أنها (دين الأديان) وأنها دين الحرية والتسامح، وأنها تدعو إلى الأخوة الإنسانية. وقد انجذب إليها عدد من أعيان المفكرين في الغرب والشرق. وكانت تصطاد هؤلاء الأعيان وأصحاب النفوذ والأذكياء في كل جيل وتمنحهم (بركتها) كما تفعل بض الطرق الصوفية عندنا. والماسونية تنظيم أو جمعية سرية لها طقوسها ومراحل للتدرج فيها، وليست زاوية خيرية مفتوحة للغرباء والسابلة. وقد انخدع بشعاراتها البراقة
стр. 2988
في الحرية والإنسانية والتسامح والأخوة عدد من أعيان الشرق، نذكر منهم جمال الدين الأفغاني وخيرالدين التونسي، ومدحت باشا، وربما الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا. وليس كل من دخلها عن حسن نية قبل أوائل هذا القرن كان متهما في دينه أو مدخولا في وطنيته، لأننا رأينا أن الماسونية قد غيرت جلدها عدة مرات، ورفعت عدة شعارات، وأصبحت تسير صراحة في ركاب الاستعمار والصهيونية، وتقف ضد الأديان وتخدم مصالح وأهدافا غير إنسانية وبعيدة عن شعاراتها البراقة المعلنة.
لذلك يمكننا القول إن اسم الأمير قد استعمل منذ حوالي ١٨٦٤ بطريقة مغلفة لتجنيد الأعضاء في الماسونية. فالغرب كان واعيا والشرق كان غافلا. وقد حصل الأمير على أوسمة وبراءات ورسائل الشكر من قادة الدول المسيحية على إثر تدخله الإسلامي والإنساني في حوادث الشام سنة ١٨٦٠، وقد فسروا ذلك التدخل على أنه كان بدافع التسامح الديني مما يتماشى مع شعارات الماسونية نفسها. فاغتنم قادة الماسونية فرصة عودة الأمير من الحج ومروره بمصر سنة ١٨٦٤ ودعوه إلى محفل الإسكندرية، كما قيل، وسلموا إليه براءة، وربما سلموه أيضا إثباتا بعضوية شرفية - من يدري؟ - في ذلك المحفل. ولكن هل كانت هذه العضوية كاملة بكل تبعاتها؟ أو هي مجرد تشريف واحتفاء وشكر له على فعله الإنساني؟ أو هي خدعة وقع الأمير في فخها، ثم انتبه فلم يعد للموضوع بقية حياته، إذ لا نجد أية إشارة إليه بعد ذلك؟ إن ذلك سيظل محل تساؤلات وتخمينات، ولا نملك له الجواب الشافي الآن.
ومن الملفت للنظر أن ابن الأمير في (تحفة الزائر) لم يشر إلى مسألة الماسونية، واكتفى بقوله إن والده قد مر في عودته من الحج بمصر وزار أرض بوبلح التي أهدتها إليه شركة السويس وأقام أياما في ضيافة الشركة بمنطقة السويس، أما الإسكندرية فقد قال إنه بقي فيها حوالي خمسة أيام ثم ركب منها إلى بيروت. وقد أورد ابن الأمير الرسائل والأشعار التي قيلت في
стр. 2989
والده بعد رجوعه من الحج وليس منها، على حد علمنا، ما تعرض إلى مسألة الماسونية (١).
وبينما سكت صاحب (التحفة) تماما عن هذه المسألة نجده قد ذكر أن الجمعية الماسونية الفرنسية قد كتبت إليه رسالة شكر ومدح على تدخله لإطفاء فتنة الشام ونوهت بانتصاره للتمدن والإنسانية، واعتبرته (العربي الوحيد) الجدير بهذا الاسم، واعترفت أن أوروبا قد أخذت الكثير عن (الجنس العربي) الذي هو اليوم نائم، وتنبأت بأن العرب سيستيقظون. وقالت إنها إذ تبعث إليه بالرسالة فإنما تعتبرها إشارة رمزية فقط لأنها في الحقيقة لا تساوي شيئا إزاء خصاله (٢). وليس هناك أيضا إشارة إلى محفل الشرق ولا اسم الاسكندرية ولا تاريخ ١٨٦٤. ولا نظن أن موضوع الماسونية قد بقي (سرا) عند الأمير، فقد ترك الأمير أوراقه جميعا لابنه. وكان هنري تشرشل قد ذكر الموضوع أثناء حياة الأمير نفسه - انتهى من كتابه سنة ١٨٦٧ - . إن سكوت صاحب التحفة عنه وسكوت المادحين للأمير يدل على أن انتماء الأمير للماسونية قد يكون فقط من الإشاعات، مثل ترشيح الأمير للإمارة العربية (٣).
أما الشيخ طاهر الجزائري الذي أصبح علما يشار إليه في العلوم العربية والإسلامية، وكان من قادة الرأي والفكر في بلاد الشام وفي مصر والعراق،
стр. 2990
فقد كان عضوا في حزب اللامركزية الذي عارض الحركة الطورانية التي جاءت مع لجنة الاتحاد والترقي في تركيا. وكان الشيخ طاهر من أنصار القومية العربية. وكانت علاقته بالسيدة بيل الانكليزية المتنفذة في أحوال العالم العربي قد أدت به كما قيل، إلى الدخول في الماسونية بعد اقتناعه بشعاراتها الإنسانية الظاهرية (١).
وقد يكون من بين الجزائريين الآخرين، في المشرق والمغرب، من دخل في الماسوبة. وربما ستكشف الأيام عن أسماء بعضهم.
الإسلام ووحدة الأديان
شارك الفرنسيون ببحوث كثيرة عن الإسلام منذ احتلالهم للجزائر. وظهرت دراسات لهم فردية وجماعية. وتحدثوا فيها عن مختلف الموضوعات التي تمس تاريخ الإسلام وعقيدته وسيرة رجاله وموقفه من التمدن ومن النصرانية. كما تناولوا موضوعات خاصة منه كالجهاد والملكية والسلم والهجرة والمرأة والحكم. وقد حاولوا فهم الإسلام ليفسروه تفسيرا يليق بمصالحهم. ووصل بهم الأمر أن أصبحوا يلقون عليه عبارات لا تليق ومثل الإسلام الجزائري، والإسلام الأسود (يقصدون الإسلام في إفريقية) وما إلى ذلك. واختص المستشرقون منهم بجوانب فيه كالتصوف، والفقه والتاريخ، الخ.
وبين مرحلة وأخرى كانت الحكومة الفرنسية توجه الخبراء لدراسة ظاهرة معينة وتسليط الأضواء عليها محليا ودوليا لتستفيد من ذلك تفادي الأخطاء والتوجه الصحيح في التعامل مع العالم الإسلامي. ومن ذلك مثلا دراسة أنشطة الطرق الصوفية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. ودراسة أوضاع الإسلام والمسلمين في فاتح هذا القرن. وقد كنا
стр. 2991
تناولنا الدراسة الأولى في حديثنا عن الطرق الصوفية، ونريد الآن أن نكتب قليلا عن النقطة الثانية. لقد كان المقصود منها هو البحث في مستقبل الإسلام وموقف فرنسا خلال القرن العشرين. وقامت بنشر التحقيق الواسع مجلة (المسائل الدبلوماسية) سنة ١٩٠١ تحت إشراف ادمون فازي Fazy . وقد شارك في التحقيق علماء وباحثون من أوروبا وحتى بعض الآسيويين مثل وزير إيران في رومة، وهو ماكوم خان، وكذلك مستشار السلطان عبد الحميد الثاني، وهو موزدروس باي. وقد اشترك فيه من الجزائر محمد بن رحال. وبالإضافة إلى خبراء فرنسا اشترك في التحقيق المستشرق الإنكليزي براوني، والمجري غولد زيهر، وآخر من هولندا. وأعطيت التوجيهات لدراسة حالة الإسلام والمسلمين وقوة المسلمين وضعفهم وانتشارهم في العالم، وكيف سيكون عليه حالهم خلال القرن العشرين. ولم يهمل الدارسون علاقة الإسلام بالغرب، والوجود الإسلامي في إفريقية. أما من الفرنسيين فقد شارك رينيه باصيه، وادمون دوتيه، وويليام مارسيه، وغيرهم (١).
ونريد أن نتعرض لرأي باصيه وابن رحال فقط، الأول لأنه كان يمثل قمة الاستشراق الفرنسي، وكان مطلعا من خلال تلاميذه الجزائريين وزملائه وتلاميذه الفرنسيين في المغرب العربي والسينيغال والمشرق، على أحوال العالم الإسلامي. والثاني باعتباره من أوائل المثقفين الجزائريين الذين كتبوا عن الإسلام في مواجهة الغرب وتعاملوا مع رجال الفكر والإدارة الفرنسيين وخرجوا من الصراع المحلي - الإسلام الجزائري - إلى الصراع العالمي بين الحضارات.
стр. 2992
ومن رأي باصيه أن بلاده بقيت تجهل الإسلام والمسلمين منذ الحملة على مصر ثم الحملة على الجزائر. وعليها أن تفرق في معاملتها بين الإسلام في المغرب العربي (شمال إفريقية) والإسلام في إفريقية والسودان. ففي المغرب العربي حيث يسود الإسلام لا يمكن حصول التنصير التطوعي. ولذلك لجأت الإرساليات الكاثوليكية وغيرها إلى الوسائل الخيرية فى التنصير واستعمال المدرسة التي قال إنها (محايدة). ونصح بالربط بين الاحتلال والمصالح المادية للمسلمين، وبعدم مدح الإسلام أمام الأهالي لأنهم سيزدادون تعصبا إذ سيقولون إن (الكفار) مدحوه، كما نصح بالإبقاء على نظام الديانة الإسلامية تحت رقابة الإدارة، لأن هيئة رجال الدين متعاونة مع الإدارة، وهي (الهيئة) وسيلة لتسريب التعليم الرسمي في المجتمع الأهلي. ورأى ضرورة الإبقاء على المدارس الرسمية الثلاث بشرط توجيه تعليمها توجيها أوروبيا. وأوصى بالتعامل الحذر مع الطرق الصوفية، وكذلك الحذر من دعاية الجامعة الإسلامية القادمة من الشرق، ومراقبة طريق الحج لأنه وسيلة لتوريد الأفكار. وفي نظر باصيه أن الأمر يختلف مع اسلام في إفريقية، لأن الوثنية منتشرة فيها. ويجب عدم الاطمئنان إلى الوثنيين المتنصرين أيضا لأنهم قد يتغيرون (١). فأنت ترى أن باصيه كان حذرا جدا في تعامله مع الإسلام والمسلمين، وأنه نصح بلاده بأن تكون كذلك حذرة سواء تعلق الأمر بالإسلام في المغرب العربي، ومع كل الفصائل، أو في إفريقية ولو مع الوثنيين المتنصرين.
أما محمد بن رحال فقد تحدث عن الإسلام في مناسبتين قريبتين من بعضهما، الأولى عند انعقاد مؤتمر المستشرقين في باريس سنة ١٨٩٧، والثانية عند مشاركته في التحقيق المذكور سنة ١٩٠١. وفي المناسبة الأولى تحدث إلى العلماء الفرنسيين وغيرهم عن الإسلام في الجزائر، ووصف المسلمين بالتخلف التقني والتعليمي، ولكنه انتقد فرنسا والغرب على فساد
стр. 2993
الأخلاق وانتشار الخمر والزنى والمراباة، وقد تساءل ما إذا كان المسيحي سيلجأ في النهاية إلى الإسلام كآخر ملجإ له. وقد لام ابن رحال الذين كانوا يرمون الإسلام وأهله بشتى أنواع التهم، ومدح الذين فهموه وعرفوا رسالته، وتمنى أن يدعو علماء الغرب إلى تغيير المفاهيم حول الإسلام والدخول في حوار مع العالم الإسلامي. وقرر ابن رحال شيئا كان موجودا وهو أن الجزائر هي مفتاح إفريقية، وأشار إلى الرابطة التي كانت بين فرنسا والإسلام في القارة السوداء. ولكنه حذر من عواقب الاحتلال وتفقير الأهالي، وحذر المؤتمرين بصراحة متناهية، فقال إن جماهير المسلمين ستتحدى إذا رأوا تسلط الأجانب مهما كان جهدهم عظيما، وأن القرن العشرين سيحل مشاكله إما بالطرق السلمية وإما بمواجهة النكبات، ومن النكبات في رأيه بقاء المسيحية على عدائها للإسلام، ومن رأيه أن العالم الإسلامي سيدخل عهد التمدن سواء بواسطة فرنسا أو بدونها (١).
وقد انطلق ابن رحال في بحثه حول مستقبل الإسلام من بحثه الذي ألقاه في مؤتمر المستشرقين، وكان يكرر في الثاني ما ذكره في الأول. ونظر في بحثه سنة ١٩٠١ إلى الإسلام الواحد أو الشامل في مختلف الأصقاع. وذهب إلى أن الإسلام يتبع نبض الحضارة العالمية في كل شيء ما عدا العقيدة والأخلاق والأسرة. ونوه بالمسلمين القدماء الذين خدموا الحضارة وقدموها صائغة إلى أوروبا، وأنه بإمكان المسلمين أن يأخذوا مكانهم من جديد إذا سمحت لهم الظروف. وقال إن المسلم يملك طاقة جبارة للمقاومة وهي التي تمده بالقدرة على الانتظار دون المدافعة ودون الموت.
واعترف ابن رحال أن دول العالم الإسلامي متخلفة ومنقسمة على
стр. 2994
نفسها، ولكن التعليم حسب رأيه، سيجعلها تستعيد مكانها في العالم، كما أن عداوة المسيحية لها ستجعلها تتوحد. ولذلك قال إن مصلحة الغرب المتحضر هي في الارتباط بالإسلام وفي تقديم المساعدات له، ويمكن التفاهم بين الطرفين في نظر ابن رحال، بعمل مزدوج وهو: معرفة العالم المسيحي للإسلام ومعرفة العالم الإسلامي للحضارة الغربية. وطالب بنبذ الأحكام المسبقة وبمد الأيدي الغربية نحو المسلمين الحقيقيين (النخبة؟) ذوي الاستعداد للتفهم والتضحية. وكرر مقولته بأن على فرنسا أن تساعد إفريقية لأنها إذا لم تساعدها فإنها ستتقدم بدون فرنسا، وقال إن إفريقية مسكونة بالبربر والزنوج، أما العرب فعددهم قليل، وأن البربري متمسك بدينه وأرضه وتقاليده، وأنه في ذلك مثل العربي البدوي. ووصف الزنوج بأنهم بدائيون ويمثلون لوحة عذراء يمكن الكتابة عليها دون خوف من محو أي شيء فيها، وهم يمثلون أيضا أرضا خصبة للإسلام (١).
ونعني بوحدة الأديان الدعوة التي ظهرت في الجزائر بين الحربين تقريبا لتبشر بالعناصر المشتركة في الأديان الثلاثة، وهي الإسلام والمسيحية واليهودية. ولا ندري دوافع هذه الدعوة بالضبط هل هي بديلة للحركة الوطنية التي ظهرت في هذه الأثناء لتضعفها؟ وهل هي جزء من فلسفة الاندماج الحضاري الذي كانت (النخبة) تدعو إليه، وكذلك بعض القادة الفرنسيين أمثال موريس فيوليت، وهو الاندماج الذي كانت تسعى إليه الماسونية أيضا؟ وهل هي دعوة ظهرت مع ظهور الحركة الصهيونية في المشرق، تمهيدا لقبول اليهودية والوطن القومي في فلسطين؟ وأخيرا لعل وحدة الأديان فكرة بديلة لحركة التنصير التي فشلت فشلا ذريعا بعد الجهد الذي بذله آباء لافيجري وأخوات.
والحديث عن وحدة الأديان غير جديد في الجزائر. فقد نسبوا إلى
стр. 2995
الأمير عبد القادر قوله (وهو قول مشكوك فيه): لو أن المسلمين والمسيحيين استمعوا إلي لأنهيت الخلاف بينهم، ولأصبحوا إخوة في الظاهر والباطن. وقالوا إن الأمير كان يعيش مسلما ومتصوفا. وفسروا تدخله في حوادث الشام على أنه من قناعته في التسامح الديني لأنه وهو مسلم ومجاهد، تدخل لإنقاذ آلاف المسيحيين. وكان الأمير قد عبر في الجزائر للأسقف دوبوش عن احترامه للدين، وعن عقيدته في أن الدين واحد، وأنه عندما أصبح متصوفا كان يبحث عن الوحدة الداخلية أو الباطنية. وبناء على ذلك فالأمير كان غير متعصب في نظرهم (١). ونسب هنري دوفيرييه إلى الحاج عثمان بن الحاج البكري، أحد مقدمي التجانية في الطوارق، أثناء زيارته لفرنسا سنة ١٨٦٢، أنه أعلن للفرنسيين عندئذ: أن كل دين يمكن أن يقال عنه أنه أفضل من غيره. ونحن المسلمين نقول: إن القرآن قد أكمل الإنجيل والتوراة. ولكن لا أحد ينكر أن الله اختص المسيحيين بمؤهلات بدنية وأخلاقية عظيمة (٢).
وفي سنة ١٩٠٥ قدم عبد الحليم بن سماية بحثا إلى مؤتمر المستشرقين بالجزائر قال فيه إن الإسلام يتلخص في الثلاثية المعروفة، وهي الحرية والإخاء والمساواة (شعار الماسونية والثورة الفرنسية). كما أنه نوه بما في الإسلام من الالتزام بالصدق والإخلاص والمروءة والعدل والتواضع واحترام الجار، وغيرها من الفضائل.
وظاهرة عدم التعصب عند المسلمين قد لاحظها الكتاب الفرنسيون في
стр. 2996
غير ما مرة، رغم أنهم استعملوا وصف (المتعمب) لكل ثائر ضدهم. وكلمة (فانتيك) التي تعني المتعصب كانوا يرمون بها الثائرين والسياسيين أكثر مما كانوا يرمون بها رجال الدين أو المواطنين العاديين. وقد اندهش الفرنسيون من استسلام الجزائريين للأمر الواقع عندما أخذ الفرنسيون فؤوسهم ومعاولهم وأسقطوا جامع السيدة بالعاصمة، وكانوا يرددون همسا، كلمة (مكتوب). وكذلك كان رد فعل الجزائريين عندما حول الفرنسيون جامع كتشاوة إلى كنيسة. وقالوا إن القسيس (سوشي) قد قدم إليه الأهالي الكرسي والزربية عندما حول جامع سوق الغزل إلى كنيسة في قسنطينة. كل هذه وغيرها دليل في نظر هؤلاء الكتاب على (تسامح) الجزائريين. وهو في الواقع خضوع للقوة والجبروت فقط وليس تسامحا ورضى بالاغتصاب والقهر.
وفي هذه الحالة يصبح المتعصبون هم الفرنسيين. فهم الذين اعتدوا على حرمات المساجد رغم تعهدهم الرسمي باحترام الدين الإسلامي. وقد نصبوا كنيستهم في قلب أحد المساجد بالعاصمة. ونادوا باستعادة الكنيسة الإفريقية القديمة. وأخذوا ينصرون السكان بكل قواهم وإمكاناتهم. وكانوا يتعرضون بالأذى والشتم للإسلام ولنبيه وقرآنه. رغم أنهم كانوا يقولون إنهم متحضرون بينما الجزائريون غارقون في البداوة وفي حاجة إلى جهود لإدخالهم في الحضارة. والغريب أن أحد كتابهم يقول: إن الآباء النصرانيين والقساوسة كانوا لا يتدخلون في شؤون المسلمين إلا عن طريق أفعال الخير (؟) وتمتين الصداقة مع الأيمة والمفتين. أما محاولة فصل البربر ومباركة تزوج رجال الدين المسلمين بفرنسيات، كما فعل لافيجري مع أوريلي التجاني، فذلك في نظر هذا الكاتب من أفعال الخير.
وقد وجدنا جزائريين اعتنقوا المسيحية بينما لا نكاد نجد من اعتنق الإسلام من الفرنسيين. فهل هذا راجع أيضا إلى التسامح الإسلامي أو إلى أفعال الخير التي كان يقوم بها رجال وأخوات الكاردينال لافيجري؟ من الجزائريين الذين اعتنقوا المسيحية أفراد نشأوا أيتاما نتيجة المجاعة التي حدثت في آخر الستينات من القرن الماضي. وقد تعرضنا إلى ذلك في فصل
стр. 2997
آخر (١). ومنهم أفراد أصبحوا معلمين بعد تخرجهم من مدارس الآباء البيض أو من مدرسة النورمال. وتذكر المصادر الفرنسية منهم: ولد عودية، وجوزيف زنتار، وأوغسطين إيبازيزن. واعتبر بعض الفرنسيين وجود هؤلاء علامة على نجاح التنصير في البربر. وقد تزوج أولئك النفر من فرنسيات. ووصلوا، كما يقولون، إلى درجات عليا في السلم الإداري والمهن الحرة. وأصدر أحدهم، وهو جوزيف زنتار، مجلة سماها (المطورني)، كما أصدر الأب جيو كوبيتي نشرة سماها (الاتحاد الكاثوليكي - الأهلي)، وأعلن إيبازيزن أنه اختار لنفسه اسم أوغسطين المسيحي لأنه يجعله يرجع إلى دين أجداده! وهاجم بعضهم الإسلام كما فعل حسني لحمق (٢).
أما الفرنسيون الذين اعتنقوا الإسلام فلا نكاد نجد لهم ذكرا، رغم الدعوة إلى التسامح ووحدة الأديان والتسامي الحضاري. ويبدو أن قانون تقليد المغلوب للغالب قد انطبق حتى على الأديان في الجزائر. فالإسلام الذي اعتنقه ملايين البشر في أوروبا وآسيا وإفريقيا لم يعتنقه إلا فرنسي ونصف طيلة قرن وربع من الحكم الفرنسي للجزائر. أما الفرنسي الذي قيل إنه اعتنقه فهو إيتيان دينيه الذي سمى نفسه ناصر الدين. وقد أدى فريضة الحج في آخر حياته، وألف كتابا عن حياة الرسول ﷺ بالمشاركة مع أحد الجزائريين وهو سليمان بن إبراهيم، بناء على المصادر الإسلامية وليس على مصادر المستشرقين المغرضة (٣). ولكن لوحات إيتيان دينيه الفنية عن الحياة في الصحراء، وعن المرأة بالذات، لا تدل على تقيده بالقواعد الإسلامية. ولا ندري هل تقمص دينيه شخصية شارل دي فوكو أو كان مخلصا في دينيه.
стр. 2998
فذلك سر لا يعلمه إلا الله الذي ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ (١). ومهما كان الأمر فإن دينيه قد توفي في فرنسا، ودفن في بوسعادة سنة ١٩٣٠. وحضر تأبينه أعيان المسلمين، ومنهم الطيبب العقبي وأحمد توفيق المدني. ويعتقد فيه الناس عقائد مختلفة.
وأما نصف الفرنسي الذي اعتنق الإسلام فهو توماس أوربان الذي تسمى (إسماعيل عربان). وكان من أتباع مذهب سان سيمون. وقد ذهب إلى مصر قبل الجزائر، واطلع على حياة الشرق واعتنق هناك الإسلام. ثم جاء إلى الجزائر وأصبح من المترجمين البارزين في الإدارة الفرنسية، وارتقى حتى أصبح مترجم الامبراطور نابليون الثالث. وألف عدة كتب ومقالات ودافع عن الجزائريين ضد الاستغلال الفاحش، ولكنه لم يعارض الاستعمار كوسيلة حضارية. وكان عربان هجينا من أب فرنسي وأم أهلية من كايان حيث ولد. وفي الجزائر تزوج عربان من امرأة مسلمة من قسنطينة. وعاش معها طويلا وأنجب منها بنتا. وقد مرضت زوجته وهي عنده ثم توفيت. ثم ظهر له الزواج من امرأة فرنسية فاشترطت عليه الرجوع إلى المسيحية فرجع وتزوجها في مراحل حياته الأخيرة. ولذلك قلنا إنه كان نصف مسلم.
ولكن أمثال ليون روش في الإسلام كانوا موجودين. فقد ادعى روش للأمير والجزائريين أنه اعتنق الإسلام، كما ذكرنا، فانخدعوا فيه. واعتبروه منهم لتسامحهم الطبيعي الساذج. ويذكر ادريان بيربروجر أنه عندما قابل الأمير في نهاية سنة ١٨٣٧ في برج حمزة طلب منه إعادة الشاب الهارب إليه (يقصد ليون روش) لأن والده حزين عليه، فرفض الأمير بصلابة أن يسلم مسلما هرب إليه وهو يقول (لا إله إلا الله)، لأن ذلك مخالف للشريعة الإسلامية (٢). ولم يبق روش بعد ذلك سوى سنة ونصف أخرى، ثم هرب من عند الأمير، ورجع إلى قومه بعد أن أدى دوره باتقان. وثمة جنود فرنسيون اعتنقوا الإسلام لينتقموا من بعض كبارهم، كما حدث للجندي
стр. 2999
الذي فر إلى الحجوط، وتمكن من قتل غريمه، ثم قبض عليه الفرنسيون وأعدموه. وأمثال هذه الأحداث موجودة، وكذلك النطق بالشهادة من الفرنسيين المقبوض عليهم لينجوا من القتل، ونحو ذلك. وهذا النوع لا يدخل في اعتناق الإسلام عن طواعية وقناعة. وقد قيل إن محمد الشريف جوكلاري الذي ظهر اسمه في الصحف (مثلا المرصاد؟) في الثلاثينات، كان فرنسيا رضي بالإسلام واختار اسم محمد الشريف (١).
أما الأوروبيون (الفرنسيون) الذين تأثروا بالإسلام وروحانيته دون أن يعتنقوه فكانوا نادرين، وقد عبروا عن آراء فلسفية أو ميتافيزيقية جديرة بالدراسة. ونحن لا نتحدث إلا عن فرنسي الجزائر أو من كان لهم أثر عليهم مثل المستشرق ماسينيون. وقد اعتنى بعض الدارسين بالزوايا والحياة الصوفية في الجزائر، مثل لويس رين والاسكندر جولي وألفريد بيل، دون أن يتأثروا بها أو ينجذبوا إليها، بل على العكس كانوا خصوما لها، أو كانوا ضد الدين من حيث هو مثل لويس رين. ولكن شخصا مثل شوون Schuon قد دخل في الزاوية العليوية بمستغانم، وألف كتابا سماه (الوحدة السامية للأديان). وكان ذلك على عهد الشيخ أحمد بن المصطفى بن عليوة مؤسس الزاوية. كما ألف شوون عدة كتب أخرى في التصوف، وهو من تلاميذ رينيه غينون R. Guenon الذي ألف كتابا في أجزاء عن التقارب بين التقاليد الدينية على المستوى الميتافيزيقي، وأحدث بذلك تيارا جديدا في ميدان الفكر الديني.
وقد سلطت وسائل الإعلام الفرنسية وكذلك الإعلام الديني الكنسي، الأضواء على شخصية الشيخ ابن عليوة خلال العشرينات وبداية الثلاثينات. وخصه بعضهم بالدراسة ووصفه بأوصاف غير عادية مثل المرابط المجدد. كما نسبوا إليه القول بالتثليث - أي وحدة الأديان الثلاثة. ويبدو أن ذلك جاء بالضبط في وقت ظهور الدعوة لوحدة الأديان التي نحن بصددها. وقد سافر الشيخ ابن عليوة بحرا إلى فرنسا لحضور حفل افتتاح جامع باريس ورافقه في
стр. 3000
الرحلة القس جيوكوبيتي. ودار بينهما نقاش حول العقائد في الأديان الثلاثة. وكان هذا القس مستعربا وداعية دينيا. وقد انتقده البعض بأنه اكتفى في حواره مع الشيخ ابن عليوة بالجوانب الجافة من العقائد. وأن نقاشهما لم يتحول إلى حوار ودي وتعاطف ديني (١). وكان بعض الفرنسيين يعالجون ابن عليوة ويناقشونه في المسائل الصوفية، وربما كانوا يؤثرون عليه لأغراض خاصة.
ويذكرون ملاقاة أخرى (ودية) نشأت بين الأستاذ هنري جاهبيي Jahbier والشيخ نور الدين عبد القادر. وكان جاهبيي مستعربا ورئيسا لجمعية القديس لوقا الطبية. ويبدو أن صداقته للشيخ عبد القادر قد أنتجت ثمارها. فقد فاجأ (جاهبي) الرأي العام الفرنسي بحديث عما في القرآن الكريم من أخبار عن السيدة مريم وعيسى ﵇. وكذلك اشترك الاثنان في إصدار قصيدة ابن سينا في الطب (٢).
ويدخل الزواج المختلط في هذا التقارب الودي بين الأديان أيضا. فزواج امرأة فرنسية مسيحية من شيخ الطريقة التجانية فسره أصحاب هذه الدعوى لصالحهم. ذلك ان زواج أوريلي بيكار من الشاب أحمد التجاني سنة ١٨٧٢ في بوردو، قد عارضه الرسميون وباركته الكنيسة وعلى رأسها لافيجري. وقد قيل عندئذ ان أوريلي قد تعهدت بتطوير الطريقة وازدهارها وتنظيمها دون اعتناق الإسلام فيما يبدو، ويقول قوانار إنها ماتت وهي مطلوبة من الطريقة ومن القس بي Py، داعية إفريقية، وهي حاملة معها أسرارها إلى قبرها (٣).
стр. 3001
ومن المسلمين الذين تأثروا بالإسلام أرنست بيشاري، حفيد أرنست رينان الشهير. وقد وصف في كتابه (رحلة السنتوريون) الأثر الذي تركه عنده الهدوء والوحدة في الصحراء، كما وصف درجة الإيمان عند المسلمين عندما قال له أحدهم (أنتم لكم الدنيا ونحن لنا الآخرة). وقد تأثر بيشاري كثيرا بهذا الجو. ويذكر بعض الفرنسيين أن شارل دي فوكو قد بقي سنة كاملة في زاوية الأبيض سيدي الشيخ وتأثر بالأجواء الصوفية وروحانية الإسلام. ومع ذلك حارب هذا الراهب - الجندي (شارل دي فوكو) بوعمامة، وساعد صديقه المارشال ليوتي على احتلال المغرب الأقصى. كما أنه استدرج أهل الطوارق لاعتناق المسيحية.
وزعم لويس ماسينيون أن الإسلام يتماشى مع (التيار الجديد) الذي أحدثه كتاب رينيه قينون - وهو (التقارب بين الأديان) - فركز ماسينيون أيضا على ذلك واهتم بالتصوف الإسلامي أو بنوع خاص منه وهو المغرق في الغموض والحلول مثل تصوف أبي منصور الحلاج، ونشر ديوان (الطواسين) الذي قيل إن ماسينيون قد فتح به للمسيحية المغلفة مغلقات العالم الروحاني الآخر. ودعا ماسينيون أيضا، إلى التقارب بين الأديان، وكون تلاميذ يؤمنون بهذا التيار، ومنهم ديرمنغام الذي تولى إدارة مكتبة قصر الحكومة في الجزائر، وأصدر عدة أعمال حول التصوف المسيحي، كما درس خصائص التصوف الإسلامي في المغرب العربي متماشيا في ذلك مع نفس المنظور، وهو التقارب بين الأديان وانفتاح بعضها على بعض.
أما الإسلام واليهودية، فقد ذكرنا سابقا أنهما تعايشا منذ قرون دون أن يضطهد أحدهما الآخر. فالإسلام يعترف بوجود الأديان، أديان أهل الكتاب، ويحفظ لها ولأهلها الكرامة والممارسة الحرة لشعائرها. وما وقع أحيانا بين المسلمين واليهود إنما حدث في عهد الاحتلال لأن الإدارة نفسها ساعدت على خلق التوتر بين السكان عامة. ومن جهة أخرى فإن ما حدث لم يكن بين الأديان وإنما بين السكان لأسباب اجتماعية واقتصادية وليست دينية فيما
стр. 3002
يبدو. ولم تظهر فكرة معاداة السامية إلا في العهد الاستعماري، وبين الفرنسيين والأوروبيين. وكانت غير معروفة في المصطلحات الجزائرية. ولكن الحركة الصهيونية سيست العلاقة بين المسلمين واليهود، فأصبح اليهودي ليس هو مجرد الإنسان الذي يدين باليهودية، وإنما هو ذلك الذي يعمل على انتزاع أرض فلسطين وإقامة وطن قومي غريب فيها. والغريب أن أحداث قسنطينة سنة ١٩٣٤ قد فسرها بعض الكتاب الفرنسيين على أنها من صنع جمعية العلماء ضد الصهيونية (١)، بينما هي في أغلب التقديرات كانت رد فعل المسلمين على الاعتداء على حرمة أحد مساجدهم من جهة واستفزاز الجالية اليهودية (وهي فرنسية) التي أطلق أفرادها النار على المسلمين المتجمهرين. وتتهم صحف جمعية العلماء وتصريحات رجالها السلطة المحلية نفسها بخلق التوتر لضرب أهداف معينة في التيار الوطني، كما حدث سنة ١٩٣٦ عندما ضربت حركة المؤتمر الإسلامي وجمعية العلماء باعتقال الشيخ العقبي.
وفي السنة التي توفي فيها الشيخ ابن عليوة (١٩٣٤) انعقد في لندن (مؤتمر الأديان الثلاثة)، ولا ندري من حضره من الجزائريين. وبعده بحوالي عشر سنوات (١٩٤٦) ظهرت جمعية مماثلة في باريس، بل هي فرع عن المؤتمر المذكور الذي سمي بمؤتمر المؤمنين. وفي ١٩٥٩ ظهرت في بوفاريك بالجزائر (جمعية توحيد الأديان الثلاثة) التي تدعو إلى احترام هذه الأديان وإلى الأخوة بين أهلها (٢).
إن التقارب بين الأديان فكرة قديمة عند الفلاسفة المسلمين، وكان
стр. 3003
الحكام المسلمون في مختلف عهودهم غالبا متسامحين، ما عدا النادر الذي لا يقاس عليه، مع الأديان والطوائف الأخرى. ولكن ضعف المسلمين وارتباط هذه الطوائف بالدول الكبرى الغازية، ثم وقوع العالم الإسلامي نفسه لقمة في فم تلك الدول، قد جعل الحديث عن التقارب والتسامح كحديث الطرشان. فالتسامح مثل العفو والصفح، لا يكون إلا عند المقدرة. أما المغلوب على أمره فتسامحه إنما هو زيادة في إضاعة حقوقه التي استولى عليها الغالب، وهو دليل أيضا على بلادته.
المثالية والاشتراكية
ظهرت السانسيمونية أوائل القرن الماضي في فرنسا وفي غيرها من البلدان الأوروبية، على يد سان سيمون. لقد جاءت لتساهم في حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الأوروبي من جراء الاختلال في التوازن الطبقي واختلال العدل الاجتماعي في توزيع الثروات. وكان هناك خوف كبير لدى المفكرين من أن ذلك الاختلال سيؤدي إلى البغضاء والثورة.
لذلك ظهر السانسيمونيون بأفكارهم المثالية، وبشروا بمجتمع يسوده العدل والنظام والانسجام، عن طريق التشارك والعمل الجماعي الذي يؤدي بدوره إلى التشارك في الثروة والربح عن طريق حماية الدولة. فتدخل الدولة ضروري عندهم لضمان بقاء وسير الوحدات الإنتاجية الجماعية وتوفير الوسائل المنتجة. وقد أسسوا أجهزة للإعلام والإشهار، وأخرى لاستقطاب العمال وتوفير الأرض التي تقوم عليها الوحدات الإنتاجية، وأخذوا يجربون أفكارهم في الميدان دون أن يصطدموا بالواقع، بعيدا عن الغوغائية.
وبينما كان السانسيمونيون يبحثون عن الميادين لإقامة تجاربهم النموذجية في التشارك المنتج، وقع احتلال الجزائر. وبعد السنوات الأربع الأولى التي كان الحديث خلالها يدور حول البقاء فيها أو الجلاء عنها،
стр. 3004
تغلبت كفة البقاء، ومن ثمة تولدت فكرة استعمارها (تعميرها) باعتبارها نموذجا من الأرض الصالحة لإقامة التجارب النموذجية التي يدعون إليها (١). وكان عدد من قادة الجيش الفرنسي من المنتمين إلى الحركة السانسيمونية، كما كان عدد من المدنيين والصحفيين والنواب. وكانت الجزائر تمثل في نظرهم (المجتمع البدائي) الذي يمكن إجراء التجارب الناجحة عليه. لقد جربوا حظهم في مصر في البعثة التي قادها أونفتان Enfentain سنة ١٨٣٣. ولكنهم فشلوا، فالجزائر إذن تمثل منتهى طموحهم لوجود الجيش والإدارة ووسائل الإعلام الأوروبية من جهة، والمجتمع الأهلي المؤهل لإجراء التجارب عليه من جهة أخرى. وفوق ذلك كله كانت ملكية الأرض في الجزائر من الأساس جماعية (شيوعية)، فهي ملك للقبيلة والعرش والجماعة وليست للفرد. وفيها أيضا نظام إقطاعي - ارستقراطي صالح لتطبيق التجربة.
وهكذا دخل السانسيمونيون ميدان النشاط في الجزائر وعلى جميع المستويات. وكان أونفنتان هو أب هذا النشاط، وهم حقا يسمونه (الأب). وقد أثروا بالخصوص أثناء سنوات ١٨٥٠ - ١٨٧٠، فهم الذين كانوا وراء المشاريع الاقتصادية الكبرى في الجزائر. وقد تأثر بهم نابليون الثالث الذي كان أيضا سانسيمونيا مثلهم، وكان مشتركا في جريدتهم المسماة (الورشة). ومن كتابهم في الجزائر توماس أوربان والدكتور وارنييه، رغم الاختلاف الكبير بهما ..
جاء أونفنتان إلى الجزائر سنة ١٨٤٣، وبعد ذلك أصدر كتابا بعنوان (استعمار الجزائر). وقد وضع فيه خطة لتطبيق المشروع السانسيموني، واعتبره البعض كتابا جيدا وضع فيه المؤلف أسس نظام جديد للاستعمار في الجزائر. لقد جاء الكتاب على أثر تجربة المارشال بوجو فيما سمي
стр. 3005
بالاستعمار العسكري الجماعي، أي إقامة مستوطنات من الجنود وليس من المدنيين. وقد صدر كتاب أونفنتان في نفس الوقت (١٨٤٣) فأقام نظرية الاستعمار الجماعي بأسلوب جديد. درس أونفنتان نظام الأملاك العقارية عند الجزائريين وقارنها بمثيلاتها في فرنسا، واستخلص الفروق. وبدا له أن الجزائر صالحة لتطبيق مبدإ إقامة التجمعات المجهولة لحل المشكل السياسي لتنظيم العمل، لأن مبدإ التجمع الصناعي ما هو، في نظره، إلا العنصر الخلاق بالنسبة لعلاقات الملكية. وقد نادى أونفنتان بضرورة تدخل الدولة بقوة في تشكيل الملكية في الجزائر. فالجيش الفرنسي يقوم فيها بأعمال الهدم، ومن ثمة يمكن للدولة أن تقوم بتنظيم البناء والعمل المنتج بواسطة الصناعة. ورأى أونفنتان أن استعمال الجيش في الأشغال العمومية هو استعمال انتقالي فقط لأن الدولة هي التي ستنشئ أجهزتها الخاصة بالأشغال العامة، وهي أجهزة دائمة.
ومن المبادئ التي توصل إليها أونفنتان أنه لا يمكن نقل نظام الملكية الفرنسي بحذافيره إلى الجزائر لاختلاف النظامين. ولكنه آمن بضرورة تولي الدولة في الجزائر شؤون الإدارة والحكم وتوجيه العمل. كما أنه لا يمكن، في نظره، الإبقاء على النظام الأهلي في الملكية بدون مساس، ولا توريد النظام الفرنسي للأروبيين في الجزائر. ومن ثمة قال بضرورة إحداث نظام جديد يقوم على مصادرة أملاك الأهالي من الأراضي، مع تعويضهم (؟)، مقترحا أن يكون النظام الجديد شبيها بنظام القبيلة العربية أكثر مما هو شبيه بنظام القرية الفرنسية. فقد لاحظ أن (الدوار) الأهلي يمثل النموذج التقريبي في إدارة الأملاك والحياة الاجتماعية التي يسعى إليها السانسيمونيون. ولذلك اقترح أن يكون المركز الجديد قائم الذات إداريا، على أن يضم العناصر الأساسية: من الشيخ إلى القاضي إلى الماء والسوق ... ويسمى أونفنتان ذلك بالقرية الحقيقية أو المثالية التي تعمل في تشارك والتي تختفي فيها آثار الفردية. وكان أونفنتان قد عينته الحكومة منذ ١٨٣٩ في (اللجنة العلمية) التي
стр. 3006
كانت مهمتها دراسة أوضاع الجزائر (واكتشافها) من جميع النواحي (١). وكان المطلوب من الأعضاء تقديم تقرير عن الجانب الذي اختاره كل منهم بعد أن يكون قد أقام فيها وعاين أوضاعها. وقد قبل أونفنتان المشاركة في اللجنة، وذهب إلى الجزائر وأطال الإقامة فيها أكثر من غيره حيث مكث سنتين. ويقال عنه إنه كان يعتقد أنه بإطالة الإقامة وتقديم عمل شامل ومفصل عن مشروعه سيغري الحكومة بتعيينه في منصب عام يحقق من خلاله مشاريعه الاشتراكية أو التشاركية. وكانت حصيلة إقامته الطويلة في الجزائر ونشاطه (العلمي) فيها هو كتاب سابق الذكر (استعمار الجزائر).
ورغم رجوعه إلى فرنسا فإن تلاميذه قد واصلوا مهمته في الجزائر. وكان له منهم الكثير. وكانوا ينشرون الكتيبات والمقالات في الصحف حول استعمار الجزائر، ومنهم فورنيل، وتوماس أوربان، وماصول، وبراكس، ولاشيفر ... وكان بعضهم من العسكريين (مثل بيقو Bigot ومرنقو، ولامورسيير، ولوفران، ولاباسيه، وريشار الخ). أو من العاملين في المشاريع الكبرى (مثل المهندس بوريل الذي بنى المول (المرسى) القديم عند العاصمة، والجيولوجي هنري فورنيل سابق الذكر، والأخوة طالابو في ميدان الأشغال العامة والمناجم) أو من رجال المالية (مثل إيميل روبير مؤسس بنك الجزائر الفلاحي سنة ١٨٦١)، أو المكتشفين (مثل العقيد كاريت ودوفيريه). فهؤلاء وغيرهم هم تلاميذ أونفنتان في الجزائر. بالإضافة إلى عدد من الفنانين والأطباء والتجار وتلاميذ مدرسة الصنائع/ البوليتكنيك). وفي بعض الأحيان أصبح السانسيمونيون يسيطرون على الإدارة في الجزائر أيضا. فقد كان ثلاثة ولاة منهم في وقت واحد (د. وارنييه في وهران، والعقيد كاريت في قسنطينة، والصحفي لاكروا في الجزائر)، وكان ذلك في نهاية الأربعينات.
إن حاشية الامبراطور نفسه كانت منهم. فالجنرال فلوري كان
стр. 3007
سانسيمونيا، وكذلك البارون جيروم دفيد الذي عاش تسع سنوات في الجزائر ضابطا في المكاتب العربية. ومن آثاره (بحوث حول الملكية عند العرب)، وكان البارون دفيد ضد عملية تحشيد أو حشر (الكانتونمان) القبائل العربية، وكان يقول مثل عربان: إن (الجزائر للجزائريين) (١). إضافة إلى إسماعيل عربان (توماس أوربان) الذي اقترب من نابليون منذ زيارته الأولى للجزائر ١٨٦٠. وقد أعجب الامبراطور بأفكاره المنشورة في الكتب والصحف. والغريب أن السانسيمونيين قد ساندوا مرسوم الأرض لسنة ١٨٦٣ الذي اعترف بالملكية القبلية (الجماعية) للجزائريين، وفي نفس الوقت كان يهدف إلى إنشاء الملكية الفردية وانتزاع الأرض في النهاية من أهلها عن طريق حرية الشراء وإعطائها للكولون. فالسانسيمونيون إذن كانوا من هذه الناحية هم المحرضين على الاستعمار وكانوا هم الأدوات لتنفيذه. وقد نسب إليهم مارسيل إيمريت في كتاب عن السانسيمونية، المشاريع الاقتصادية الكبرى، واكتشاف الصحراء، وركز على دور إسماعيل عربان ولاباسيه، وكان الأخير متأثرا بأفكار فورييه (٢). وتمثل حياة إسماعيل عربان نموذجا لهذا التذبذب الخطير في نظرية هذه المدرسة التشاركية - المثالية (الاستعمارية؟).
إسماعيل عربان:
من الشخصيات التي تركت بصماتها على تاريخ الاستعمار في الجزائر، إسماعيل عربان (توماس أوربان). وهو فرنسي من مواليد كايان، أبوه فرنسي من تجار مرسيليا، وأمه من كايان، وكانت هي أيضا مهجنة من والدين مختلطين. وكان ميلاده غير الشرعي قد ظل ينغص على إسماعيل عربان كل حياته، حسب الدراسة التي خصه بها شارل روبير آجرون. وباعتباره رجلا ملونا، كان عربان
стр. 3008
دخيلا على المجتمع الفرنسي المؤمن ببياض البشرة والتفوق العرقي والحضاري. أما عدم الشرعية في الميلاد فلعلها لم تكن على درجة كبيرة من الأهمية في ذلك المجتمع الذي هزته الثورة وقضت فيه على مقاييس النبل والأصالة. وقد درس إسماعيل في أحد ليسيات فرنسا، ولم يرجع إلى كايان إلا مرة واحدة بعد إنهاء الدراسة الثانوية. ومنذ العشرين من عمره اعتنق إسماعيل مبدأ السانسيمونية وتأثر بالحركة الرومانتيكية التي كانت تسيطر على الرأي العام الفرنسي.
وفي سنة ١٨٣٣ رافق أونفنتان إلى مصر لإقامة التجارب التشاركية التي يؤمن بها السانسيمونيون في المجتمعات المتخلفة. وقد تعرف على بعض الأصدقاء في مصر التي كان النفوذ الفرنسي فيها قويا أيام حكم محمد علي. واكتشف الإسلام هناك واعتنقه. وكان يؤمن ربما بأن السانسيمونية ستحقق له الربط بين الغرب والشرق، وأنها ستؤدي إلى التوفيق بين المسيحية والإسلام. ولما فشلت مهمة أونتان في مصر رجع (الجماعة) كل إلى ميدانه، فتوجه أصدقاء عربان إلى الجزائر ليحققوا فيها عن طريق الجيش الفرنسي ما عجزوا عن تحقيقه في مصر، لأن الجيش كان أداة هدم، وهم سيكونون أدوات بناء، في نظر (أبيهم) أونفنتان. أما عربان فقد بقي رجلا بسيطا (محقورا)، ومجرد مترجم عسكري بسيط. وتولى الكتابة لعدد من الجنرالات الذين وعدوه بالترقيات والمناصب العليا، ولكنهم لم يوفوا. وكان صاحب قلم سيال وأفكار واضحة، شارك بها في الصحف والتحقيقات التي أجراها، في الواحات والتيطري وقسنطينة. فكان الجنرالات وغيرهم (دوماس، الدوق دومال، بيدو) يوقعون على ما يكتبه عربان وينسبونه لأنفسهم.
كان إسماعيل عربان ربما هو أقرب الفرنسيين إلى المجتمع الجزائري. فهو بحكم اعتناقه لإسلام ومعرفته اللغة العربية، قد جعل نفسه واحدا من هذا المجتمع يحس بإحساسه ويفهم تقاليده، وهو من جهة أخرى سانسيموني، يؤمن بترقية المجتمع الأهلي وإخراجه من التخلف مع المحافظة على بعض قيمه في وجه الغزو الذي يتعرض له. وفي سنة ١٨٤٠ تزوج عربان من امرأة عربية من قسنطينة اسمها (جرمونة) وعاش معها فترة طويلة في
стр. 3009
الجزائر العاصمة وأنجب منها بنتا سماها (باية). وكان زواجه على يد القاضي المسلم، وعاش حياته مسلم العقيدة عربي المظهر واللسان. وكان محل تقدير الجزائريين، كما كان رؤساؤه الفرنسيون يحترمونه ويحتاجونه، ولكن بعضهم كانوا يسيئون إليه ويحتقرونه لاعتناقه الإسلام ولزواجه من عربية، ولون بشرته وميلاده غير الشرعي. ويبدو أنه ظل على إسلامه إلى أن أراد الزواج من امرأة فرنسية فكان عليه أن يعود إلى المسيحية ويتزوجها، وكان عمره إذاك خمسة وخمسين سنة. وقيل إنه أدخل ابنته في المسيحية أيضا (١).
شارك إسماعيل عربان في مختلف أوجه الحياة بالجزائر وفي فرنسا. وبالإضافة إلى الكتابات والترجمة. فإنه منذ ١٨٤١ عينوه مديرا للشؤون الجزائرية في باريس، ثم اشترك سنوات ١٨٤٢ - ١٨٤٥ في الحملات القامعة للمقاومة، ثم كلفوه بالشؤون العربية بوزارة الحربية سنة ١٨٤٥. ورغم ظهوره كليبرالي أثناء ثورة ١٨٤٨ الفرنسية، فإن بعض رؤسائه عاقه عن الترقي وتحقيق طموحه. وفي سنة ١٨٥٨ عينوه في وظيف بسيط - رئيس مكتب - بوزارة الجزائر عند إنشائها في باريس لأول مرة، ثم أصبح مستشارا ومقررا في مجلس الدولة سنة ١٨٦٠ وذلك هو أعلى منصب وصل إليه. وقد رافق الامبراطور في هذه السنة إلى الجزائر كمترجم. وكان هو صاحب الأفكار التي وردت في رسالة نابليون إلى الحاكم العام بيليسييه حول حكم الجزائر والعلاقة مع العرب، ثم رسالة نابليون إلى الحاكم العام ماكماهون بعد ذلك. ومن ثمة كان كل من يكره سياسة نابليون في الجزائر يصب جام غضبه على إسماعيل عربان، لأنهم لا يستطيعون مهاجمة الامبراطور مباشرة. ومن الذين هاجموا عربان بشدة د. وارنييه وكذلك بيليسييه وماكماهون، ولكنه كان لا يهاجم خصومه لأنه كان، كما يقول آخرون، معقدا من ميلاده ولونه، فكان يشعر بالوحدة وخيبة الأمل في طموحاته الشرعية. وقد توقع عربان ثورة
стр. 3010
العرب عند تغيير النظام سنة ١٨٧٠ وخشي أن يتهمه خصومه بالتورط فيها فغادر الجزائر سنة ١٨٧١، وكان يمني نفسه بالرجوع إليها، وكان يتابع أخبارها عن طريق أصدقائه، ومنهم فيتال وديشتال، وقد برهنت الثورة المذكورة (ثورة ١٨٧١ وثورة ١٨٨١) على صدق تنبؤاته، وقد توفي في فرنسا وهو حزين، سنة ١٨٨٤.
ويقول إيميل ماسكري ان عربان قد توفي في الوقت الذي أخذ فيه الفرنسيون يستيقظون على أخطائهم في الجزائر ويرجعون إلى آرائه في السياسة التي كانت على فرنسا أن تعمل بها تجاه الأهالي. فما هي أهم أفكار إسماعيل عربان؟ لقد حضر عربان وأصدقاؤه (السانسيمونيون) لمرسوم ١٨٦٣ حول اعتراف الدولة بملكية الأرض الجماعية للقبائل العربية. وقد عارض الكولون ذلك وانضموا إلى المعارضة السياسية العامة للامبراطور نابليون (التي كان يمثلها الليبراليون والجمهوريون)، كما عارض بيليسييه ثم ماكماهون ذلك المرسوم. وأمام ذلك عاود نابليون الزيارة للجزائر (١٨٦٥) وبقي بها مدة أطول من السابقة (حوالي خمسة أسابيع) واستمع إلى عربان وعلق على صدره وساما، ولما رجع نابليون إلى فرنسا أرسل رسالته الشهيرة بعنوان (سياسة فرنسا في الجزائر) وكانت تتألف من ثمانية وثمانين (٨٨) صفحة. ومن جهة أخرى سعى عربان إلى إطلاع نابليون على أثر المجاعة على الجزائريين لأن الحاكم العام ماكماهون حاول إخفاء ذلك الأثر، وهي المجاعة التي ذهب ضحيتها في بضعة أشهر (إبريل ١٨٦٧ - إلى نهاية ١٨٦٨) ثلاثمائة ألف نسمة على الأقل. أما المعارضة فقد حملت مسؤولية المجاعة لسياسة المملكة العربية التي اتبعها نابليون. وأعلنت (لجنة لوهون سنة ١٨٦٨) التي جاءت لتحقق في أسباب المجاعة أن مسؤوليتها ترجع إلى الشيوعية العربية (أي الملكية الجماعية)، وطالبت بضرورة العمل بالملكية الفردية وتوسيع الاستعمار.
ومن جهة أخرى عارض عربان النظام المدني لأنه في نظره سيجعل من الكولون هم السادة والأهالي هم العبيد. وقد أيده في ذلك الجنرال هانوتو
стр. 3011
وغيره من رجال المكاتب العربية. وكان يرى أن الفلاح الحقيقي هو الجزائري الذي يعرف قيمة الأرض وأن الأوروبي عليه أن يهتم بالصناعة ليحدث التوازن الحضاري بين الطرفين. ودعا إلى تعليم عربي - فرنسي يتناسب مع عقلية الجزائريين ويستجيب للحاجة المهنية، كما رأى أن على الأوروبيين أن يتعلموا عن الحضارة العربية. ودخل عربان الكفاح السياسي سنة ١٨٦٨ بكتابه (الجزائر للجزائريين) الذي وقعه باسم جورج فوازان. وقد حذر فيه من سياسة ما سمي بالاستعمار الصغير، وهي التي تقوم على انتزاع الأرض من الجزائريين وتمليكها للكولون عن طريق حق الدولة في الأرض وتجميع الأهالي في (محتشدات).
ومن رأى عربان أن الدين الإسلامي دين متسامح جدا، وأن المسيحية هي التي جعلته دينا، مناضلا من أجل البقاء. ورأى أن ما كان يسميه بعض الفرنسيين بالتعصب الإسلامي عند العرب ما هو إلا شكل من أشكال الوطنية (١) Patriotisme . ورفض عربان فكرة إدماج الأهالي في الحضارة الفرنسية، بل إنه كان يؤمن بفشل دمج الأعراق في بعضها، وكذلك دمج العادات والمذاهب الدينية. وكان يرى أن ما يمكن أن يأخذه العرب من الفرنسيين هو التنظيم الإداري الملائم للتطور الصناعي والتجاري الذي يفتقرون إليه. بالإضافة إلى تنظيم العدالة والتعليم العمومي، وإقامة بعض المؤسسات الخيرية. وبذلك يكون عربان قد دعا إلي تمهيد التقارب في المصالح المشتركة بين الجزائريين والفرنسيين. وكان قد تعاون مع أونفنتان نفسه في كتابه (استعمار الجزائر) الذي سبق ذكره، كان أونفنتان قد دعا إلى إقامة حكم فرنسي مباشر للقبائل العربية عن طريق العسكريين. وفي ١٨٤٧ كتب عربان عن حكومة القبائل العربية وعن المسلمين والمسيحيين، ودعا إلى إبقاء السلطة في يد الرؤساء العرب التقليديين ولكن تحت رقابة المكاتب العربية - العسكرية.
стр. 3012
وقال عربان على لسان الجزائري مخاطبا للفرنسيين: (إنكم تريدون مني أن أكون شبيها بكم، وتجعلونني أتنكر لذاتي بتنكري لآبائي. إنني لن أتبعكم في ذلك. لأنني أريد فقط أن أشابهكم كتابع وفي نفس الوقت أريد أن أبقى وفيا لذاتي). لذلك طالب عربان بأن تعمل فرنسا على تمدين الأهالي وذلك بحمايتهم والاحتفاظ لهم بأراضيهم مع تنمية غريزة الملكية الفردية عندهم. ووعد بأن الجزائري سيتطور وأنه سيأتي اليوم الذي يقبل فيه بالأفكار العلمانية والفردية. ومن أقواله في ذلك أنه لا يوجد ما يمنع من التفاهم بين الأهالي والفرنسيين، غير أنه ليس من حق أي شخص ان يقول إن قانوني السياسي وتنظيمي الاجتماعي وتقاليدي تمثل آخر تعبير للتقدم من أجل الإنسانية. ووقف ضد ما سمي (بالجزائر الافريقية) التي كان يحلم بها الكولون إذ كانوا يريدون إجبار الأهالي على ترك أرضهم للمهاجرين الفرنسيين والأوروبيين.
ولكن آراء عربان وكتاباته وجدت معارضة شديدة من الكولون ومن الحكام العامين في ذلك الوقت (١٨٦٠ - ١٨٧٠)، وحتى من بعض زملائه السانسيمونيين وغيرهم من الكتاب والساسة. فهذا وارنييه كان يهاجمه بطريقة غير مباشرة وكان يصفه بالمرتد والملون، وبأنه يريد فرض أفكاره الضيقة رغم أنه شخص من الدرجة الثانية، ومن رأي وارنييه أن عدم اللجوء إلى الحشر والحشد للقبائل العربية سيؤدي إلى تكريس البربارية وتقلص الحضارة المسيحية وطرد الفرنسيين من البلاد، ونادى وارنييه بضرورة الاندماج الكلي للمؤسسات الجزائرية في المؤسسات المماثلة لها في فرنسا، كما دعا إلى ضرورة القضاء على الشريعة الإسلامية ونظام القضاء الإسلامي (المحاكم) وفرض التجنس بالقوة على العرب وفرنسة الأرض الأهلية لتصبح الجزائر مثل كورسيكا. وطالب بيليسييه (الحاكم العام) بإبعاد عربان من الجزائر وإعطائه وظيفة قنصل في بلد ما. ورأى بول بير P. Bert (إجبار هذا الشعب (الأهالي) على التفتت والتحلل الذاتي، وقال آخر يجب وضع الإنسان الأهلي بين اختيارين لا ثالث لهما: الاندماج أو الفناء. ولكن بعض الفرنسيين
стр. 3013
اللاحقين تبينوا ريادة آراء عربان وتبين لهم صوابها ولكن بعد فوات الوقت، مثل ماسكري والمارشال ليوتي، والبان روزي، ولوروا بوليو. وفيكتور باروكان. وهناك آخرون ظلوا بالطبع مضادين لآرائه إلى آخر رمق (١).
ومنذ ١٨٤٨ كتب فريدريك أنجلز عن الجزائر وهزيمة الأمير عبد القادر وعن سجنه في فرنسا. وكان إنجلز يراسل جريدة (النجم الشمالي - N. Star) الإنكليزية من باريس (٢). وقد حبذ القضاء على مقاومة الأمير لأن ذلك سيفسح المجال في نظره لتمدين الشعب الجزائري (البرباري). وكان ذلك في عام صدور البيان الشيوعي المشهور، وثورة ١٨٤٨ الفرنسية والأوروبية، التي قامت بها التيارات اليسارية، كالاشتراكية والرومانتيكية والليبرالية في المجتمع الغربي.
وبعد حوالي عشر سنوات تبين إنجلز أن الفرنسيين لم يأتوا إلى الجزائر للتمدين وإنما للتخريب والتسلط. ووصف الفرنسيين بالغزاة الذين قاموا بحرب بربارية. وكتب مقالة بعد ثورة زواوة سنة ١٨٥٧ وما تلاها من حرق المداشر (القرى) وتشريد السكان، في عهد المارشال راندون. وقد حكم أنجلز على الاستعمار الفرنسي بالفشل الذريع، رغم الإعلانات المتفائلة بنجاحه، ورغم ما تقوله الصحافة الفرنسية في الموضوع. وكان الرأي العام الفرنسي عندئذ مأخوذا بحادثة الضابط (دوانو) رئيس المكتب العربي في تلمسان والفضيحة التي انجرت عن محاكمته والفساد المستشري في الإدارة الفرنسية في الجزائر. وقد رأى بعض الكتاب الفرنسيين المتأخرين. أن موقف إنجلز كان معادي لهم، ولكنهم يذكرونه للأمانة والموضوعية (٣).
стр. 3014
وقبل وفاته بحوالي سنة زار كارل ماركس الجزائر زيارة قصيرة. ولم تكن الزيارة للاطلاع على آثار الاستعمار أو إذا شئت آثار التمدين الفرنسي فيها، وإنما جاء للعلاج من مرضه ووحدته، بعد وفاة زوجه وابنته. ولذلك خاب ظن كل من كان يرغب في حكم ماركس على الاستعمار عن كثب. فقد كانت الجزائر نموذجا لتكالب رأس المال والاستغلال والاستيطان في ذلك الوقت، وكان الشعب الأهلي مسحوقا لا حراك له ولا صوت. ومنذ وضع ماركس قدمه في مدينة الجزائر في ٢٠ فبراير ١٨٨٢ لم يغادرها وظل حبيس جدرانها، وزادته رداءة الطقس انحباسا في مكانه. ونزل في فندق الشرق ثم تحول منه إلى فندق فيكتوريا العائلي (بنسيون). وكان قد جاء من مرسيليا على ظهر باخرة اسمها (سعيد). ووجد بريده عند صديق له يدعى فيرمي Ferme، وكان فيرمي ممن شملهم النفي من فرنسا باعتباره من المعارضة، وقد أصبح قاضيا في إحدى المحاكم المدنية بالجزائر. وهو الذي قدم لماركس تفاصيل عن الاستعمار الفرنسي. يقول عنها بوسكي إنها تفاصيل غير باهرة.
ولم نعرف عن هذه التفاصيل السوداء من مقالة بوسكي إلا القليل جدا. فقد كتب عنها كارل ماركس إلى أنجلز، وأخبره أن الشرطة الفرنسية كانت تعذب الجزائريين لتحصل منهم على ما ترغب فيه من المعلومات. وكانت العدالة تغمض عينيها على أنها لا تعرف. وإذا ارتكب العرب بعض الجرائم في الدماء وعوقبوا عليها بالإعدام، فإن ذلك لا يكفي لإشباع حقد الكولون بل إنهم كانوا يشترطون ملاحقة آخرين يصل عددهم إلى حوالي ستة على الأقل من العرب الأبرياء، فيعاقبونهم بدورهم. حقيقة أن محاكم الاستئناف كانت تعارض ذلك، حسب رواية ماركس، ولكن القضاة في المناطق النائية خاضعون لضغوط قوية جدا. ومع ذلك حكم ماركس بأن الإنكليز والهولنديين قد فاقوا الفرنسيين فى الجبروت والقسوة الدموية.
стр. 3015
وعالج ماركس صحته في الجزائر حيث بقي عند الدكتور ستيفان إلى الثاني من شهر مايو ١٨٨٢. ولكن الطقس كان رديئا معظم الرحلة. وعندما رجع إلى مرسيليا وجد الأمطار أيضا تتهاطل وكذلك كان الحال في نيس. ونعرف من أخباره أنه كان يكره اللغات السامية. ولذلك لم يتعلم العربية عندما عزم على تعلم اللغات الشرقية وأخذ بدلها اللغة الفارسية، ولكن حروفها العربية عقدته فاكتفى بلعنها (١). ولا ندري كيف يؤمن كارل ماركس بالعنصرية في اللغات ويعمل على أن يكون فكره غير عنصري على المستوى العالمي، وهو الذي قيل عنه إنه من أصل يهودي - سامي!
ومهما كان الأمر فإن الذين درسوا رحلة ماركس إلى الجزائر أخبرونا أنه اكتفى بالحديث عن المناظر الطبيعية الجميلة، ولم يتعرض إلى حياة الجزائريين، وعلاقتهم بالأوروبيين ومستوى ما وصلت إليه (الرسالة التمدينية) الفرنسية هناك. ويبدو أنه رجع من الجزائر كما جاءها جاهلا عنها كل شيء عدا المناظر الخلابة وما حدثه به القاضي فيرمي عن قانون الأهالي ووحشية الأحكام القضائية وتعذيب الجزائريين على أيدي الشرطة وشهوة الانتقام عند الكولون (٢).
وفي هذه الأثناء كان صوت الاشتراكيين الفرنسيين يمثله جان جوريس.