وغيره من رجال المكاتب العربية. وكان يرى أن الفلاح الحقيقي هو الجزائري الذي يعرف قيمة الأرض وأن الأوروبي عليه أن يهتم بالصناعة ليحدث التوازن الحضاري بين الطرفين. ودعا إلى تعليم عربي - فرنسي يتناسب مع عقلية الجزائريين ويستجيب للحاجة المهنية، كما رأى أن على الأوروبيين أن يتعلموا عن الحضارة العربية. ودخل عربان الكفاح السياسي سنة ١٨٦٨ بكتابه (الجزائر للجزائريين) الذي وقعه باسم جورج فوازان. وقد حذر فيه من سياسة ما سمي بالاستعمار الصغير، وهي التي تقوم على انتزاع الأرض من الجزائريين وتمليكها للكولون عن طريق حق الدولة في الأرض وتجميع الأهالي في (محتشدات).
ومن رأى عربان أن الدين الإسلامي دين متسامح جدا، وأن المسيحية هي التي جعلته دينا، مناضلا من أجل البقاء. ورأى أن ما كان يسميه بعض الفرنسيين بالتعصب الإسلامي عند العرب ما هو إلا شكل من أشكال الوطنية (١) Patriotisme . ورفض عربان فكرة إدماج الأهالي في الحضارة الفرنسية، بل إنه كان يؤمن بفشل دمج الأعراق في بعضها، وكذلك دمج العادات والمذاهب الدينية. وكان يرى أن ما يمكن أن يأخذه العرب من الفرنسيين هو التنظيم الإداري الملائم للتطور الصناعي والتجاري الذي يفتقرون إليه. بالإضافة إلى تنظيم العدالة والتعليم العمومي، وإقامة بعض المؤسسات الخيرية. وبذلك يكون عربان قد دعا إلي تمهيد التقارب في المصالح المشتركة بين الجزائريين والفرنسيين. وكان قد تعاون مع أونفنتان نفسه في كتابه (استعمار الجزائر) الذي سبق ذكره، كان أونفنتان قد دعا إلى إقامة حكم فرنسي مباشر للقبائل العربية عن طريق العسكريين. وفي ١٨٤٧ كتب عربان عن حكومة القبائل العربية وعن المسلمين والمسيحيين، ودعا إلى إبقاء السلطة في يد الرؤساء العرب التقليديين ولكن تحت رقابة المكاتب العربية - العسكرية.
стр. 3012
وقال عربان على لسان الجزائري مخاطبا للفرنسيين: (إنكم تريدون مني أن أكون شبيها بكم، وتجعلونني أتنكر لذاتي بتنكري لآبائي. إنني لن أتبعكم في ذلك. لأنني أريد فقط أن أشابهكم كتابع وفي نفس الوقت أريد أن أبقى وفيا لذاتي). لذلك طالب عربان بأن تعمل فرنسا على تمدين الأهالي وذلك بحمايتهم والاحتفاظ لهم بأراضيهم مع تنمية غريزة الملكية الفردية عندهم. ووعد بأن الجزائري سيتطور وأنه سيأتي اليوم الذي يقبل فيه بالأفكار العلمانية والفردية. ومن أقواله في ذلك أنه لا يوجد ما يمنع من التفاهم بين الأهالي والفرنسيين، غير أنه ليس من حق أي شخص ان يقول إن قانوني السياسي وتنظيمي الاجتماعي وتقاليدي تمثل آخر تعبير للتقدم من أجل الإنسانية. ووقف ضد ما سمي (بالجزائر الافريقية) التي كان يحلم بها الكولون إذ كانوا يريدون إجبار الأهالي على ترك أرضهم للمهاجرين الفرنسيين والأوروبيين.
ولكن آراء عربان وكتاباته وجدت معارضة شديدة من الكولون ومن الحكام العامين في ذلك الوقت (١٨٦٠ - ١٨٧٠)، وحتى من بعض زملائه السانسيمونيين وغيرهم من الكتاب والساسة. فهذا وارنييه كان يهاجمه بطريقة غير مباشرة وكان يصفه بالمرتد والملون، وبأنه يريد فرض أفكاره الضيقة رغم أنه شخص من الدرجة الثانية، ومن رأي وارنييه أن عدم اللجوء إلى الحشر والحشد للقبائل العربية سيؤدي إلى تكريس البربارية وتقلص الحضارة المسيحية وطرد الفرنسيين من البلاد، ونادى وارنييه بضرورة الاندماج الكلي للمؤسسات الجزائرية في المؤسسات المماثلة لها في فرنسا، كما دعا إلى ضرورة القضاء على الشريعة الإسلامية ونظام القضاء الإسلامي (المحاكم) وفرض التجنس بالقوة على العرب وفرنسة الأرض الأهلية لتصبح الجزائر مثل كورسيكا. وطالب بيليسييه (الحاكم العام) بإبعاد عربان من الجزائر وإعطائه وظيفة قنصل في بلد ما. ورأى بول بير P. Bert (إجبار هذا الشعب (الأهالي) على التفتت والتحلل الذاتي، وقال آخر يجب وضع الإنسان الأهلي بين اختيارين لا ثالث لهما: الاندماج أو الفناء. ولكن بعض الفرنسيين
стр. 3013
اللاحقين تبينوا ريادة آراء عربان وتبين لهم صوابها ولكن بعد فوات الوقت، مثل ماسكري والمارشال ليوتي، والبان روزي، ولوروا بوليو. وفيكتور باروكان. وهناك آخرون ظلوا بالطبع مضادين لآرائه إلى آخر رمق (١).
ومنذ ١٨٤٨ كتب فريدريك أنجلز عن الجزائر وهزيمة الأمير عبد القادر وعن سجنه في فرنسا. وكان إنجلز يراسل جريدة (النجم الشمالي - N. Star) الإنكليزية من باريس (٢). وقد حبذ القضاء على مقاومة الأمير لأن ذلك سيفسح المجال في نظره لتمدين الشعب الجزائري (البرباري). وكان ذلك في عام صدور البيان الشيوعي المشهور، وثورة ١٨٤٨ الفرنسية والأوروبية، التي قامت بها التيارات اليسارية، كالاشتراكية والرومانتيكية والليبرالية في المجتمع الغربي.
وبعد حوالي عشر سنوات تبين إنجلز أن الفرنسيين لم يأتوا إلى الجزائر للتمدين وإنما للتخريب والتسلط. ووصف الفرنسيين بالغزاة الذين قاموا بحرب بربارية. وكتب مقالة بعد ثورة زواوة سنة ١٨٥٧ وما تلاها من حرق المداشر (القرى) وتشريد السكان، في عهد المارشال راندون. وقد حكم أنجلز على الاستعمار الفرنسي بالفشل الذريع، رغم الإعلانات المتفائلة بنجاحه، ورغم ما تقوله الصحافة الفرنسية في الموضوع. وكان الرأي العام الفرنسي عندئذ مأخوذا بحادثة الضابط (دوانو) رئيس المكتب العربي في تلمسان والفضيحة التي انجرت عن محاكمته والفساد المستشري في الإدارة الفرنسية في الجزائر. وقد رأى بعض الكتاب الفرنسيين المتأخرين. أن موقف إنجلز كان معادي لهم، ولكنهم يذكرونه للأمانة والموضوعية (٣).
стр. 3014
وقبل وفاته بحوالي سنة زار كارل ماركس الجزائر زيارة قصيرة. ولم تكن الزيارة للاطلاع على آثار الاستعمار أو إذا شئت آثار التمدين الفرنسي فيها، وإنما جاء للعلاج من مرضه ووحدته، بعد وفاة زوجه وابنته. ولذلك خاب ظن كل من كان يرغب في حكم ماركس على الاستعمار عن كثب. فقد كانت الجزائر نموذجا لتكالب رأس المال والاستغلال والاستيطان في ذلك الوقت، وكان الشعب الأهلي مسحوقا لا حراك له ولا صوت. ومنذ وضع ماركس قدمه في مدينة الجزائر في ٢٠ فبراير ١٨٨٢ لم يغادرها وظل حبيس جدرانها، وزادته رداءة الطقس انحباسا في مكانه. ونزل في فندق الشرق ثم تحول منه إلى فندق فيكتوريا العائلي (بنسيون). وكان قد جاء من مرسيليا على ظهر باخرة اسمها (سعيد). ووجد بريده عند صديق له يدعى فيرمي Ferme، وكان فيرمي ممن شملهم النفي من فرنسا باعتباره من المعارضة، وقد أصبح قاضيا في إحدى المحاكم المدنية بالجزائر. وهو الذي قدم لماركس تفاصيل عن الاستعمار الفرنسي. يقول عنها بوسكي إنها تفاصيل غير باهرة.
ولم نعرف عن هذه التفاصيل السوداء من مقالة بوسكي إلا القليل جدا. فقد كتب عنها كارل ماركس إلى أنجلز، وأخبره أن الشرطة الفرنسية كانت تعذب الجزائريين لتحصل منهم على ما ترغب فيه من المعلومات. وكانت العدالة تغمض عينيها على أنها لا تعرف. وإذا ارتكب العرب بعض الجرائم في الدماء وعوقبوا عليها بالإعدام، فإن ذلك لا يكفي لإشباع حقد الكولون بل إنهم كانوا يشترطون ملاحقة آخرين يصل عددهم إلى حوالي ستة على الأقل من العرب الأبرياء، فيعاقبونهم بدورهم. حقيقة أن محاكم الاستئناف كانت تعارض ذلك، حسب رواية ماركس، ولكن القضاة في المناطق النائية خاضعون لضغوط قوية جدا. ومع ذلك حكم ماركس بأن الإنكليز والهولنديين قد فاقوا الفرنسيين فى الجبروت والقسوة الدموية.
стр. 3015
وعالج ماركس صحته في الجزائر حيث بقي عند الدكتور ستيفان إلى الثاني من شهر مايو ١٨٨٢. ولكن الطقس كان رديئا معظم الرحلة. وعندما رجع إلى مرسيليا وجد الأمطار أيضا تتهاطل وكذلك كان الحال في نيس. ونعرف من أخباره أنه كان يكره اللغات السامية. ولذلك لم يتعلم العربية عندما عزم على تعلم اللغات الشرقية وأخذ بدلها اللغة الفارسية، ولكن حروفها العربية عقدته فاكتفى بلعنها (١). ولا ندري كيف يؤمن كارل ماركس بالعنصرية في اللغات ويعمل على أن يكون فكره غير عنصري على المستوى العالمي، وهو الذي قيل عنه إنه من أصل يهودي - سامي!
ومهما كان الأمر فإن الذين درسوا رحلة ماركس إلى الجزائر أخبرونا أنه اكتفى بالحديث عن المناظر الطبيعية الجميلة، ولم يتعرض إلى حياة الجزائريين، وعلاقتهم بالأوروبيين ومستوى ما وصلت إليه (الرسالة التمدينية) الفرنسية هناك. ويبدو أنه رجع من الجزائر كما جاءها جاهلا عنها كل شيء عدا المناظر الخلابة وما حدثه به القاضي فيرمي عن قانون الأهالي ووحشية الأحكام القضائية وتعذيب الجزائريين على أيدي الشرطة وشهوة الانتقام عند الكولون (٢).
وفي هذه الأثناء كان صوت الاشتراكيين الفرنسيين يمثله جان جوريس.
стр. 3016
وليس من غرضنا تتبع حياته وإنجازاته، وإنما الإشارة إلى أنه كان من أوائل المنادين بمنح التمثيل النيابي للجزائريين في البرلمان الفرنسي لكي يسمعوا صوتهم ويعرف النواب حقيقة ما يجري في الجزائر. ولم يكن جوريس وحده في ذلك ولا كان هو الأول. فقد كان هناك تيار اشتراكي كامل مثله هو وغيره (١). ولكن الاشتراكيين الفرنسيين تخلوا عن رسالتهم وساندوا الحرب العالمية وأيدوا استغلال الشعوب والاستعمار، وهم في أوروبا غيرهم في الجزائر والمستعمرات، وفي المبادئ غيرهم في التطبيق. فكانوا وبالا على الشعب الجزائري، ولا سيما منذ انفصالهم عن الشيوعيين غداة الحرب العالمية الأولى. وقد كان منهم موريس فيوليت، صاحب المشروع الاندماجي الخطير بين الحربين، ثم منهم قي موليه ولاكوست وميتران، زعماء حرب إبادة الجزائر (الذين آلوا على أنفسهم أن يحتفظوا بالجزائر الفرنسية) إلى الأبد.
ولم يختلف عنهم زملاؤهم الشيوعيون كثيرا إلا في التفاصيل. فرغم أن هؤلاء تشجعوا بالثورة الروسية ومبادئ تقرير المصير، وتغيير وجه العالم بين الحربين، فإنهم ظلوا بصفة عامة مع الامبراطورية الفرنسية وضد استقلال الجزائر. وساهموا في إبقاء الجزائر ممزقة بالمفهوم الفرنسي - شعوبا وقبائل لتنافروا - وظلوا ينفون وجود (الأمة الجزائرية)، لأن ما عانته الجزائر من دعوات جهوية وصيحات باسم (الثقافات) المحلية إنما هو من نسيج هذه المدرسة الاستعمارية التي لم يتخل عنها الشيوعيون. وقد حاول هؤلاء دمج الجزائريين في التيار الشيوعي العالمي لا أن يعترفوا بحقهم في الحرية والاستقلال كشعب واحد له هوية خاصة، ورغم تعديل مواقفهم ومواقعهم بعد الحرب العالمية الثانية فإنهم ظلوا بعيدين عن المفهوم الوطني وانتماء الشعب الجزائري للحضارة العربية الإسلامية. ومع ذلك يجب القول إن المدرسة الشيوعية عموما قد أخرجت عناصر جزائرية معادية للاستعمار،
стр. 3017
وساهمت في تنوير الرأي العام وتجنيد الشباب ضد الاستغلال والامبريالية (١).
وقد أعجب عدد من الجزائريين بالفكر الاشتراكي كما أعجب بعضهم بالفكر الشيوعي. وإذا كان أنصار الفكر الثاني قد ظهروا في شخص وكتابات عمار أوزقان وبشير الحاج علي وغيرهما، فإننا لا نكاد نجد من رسخ الفكر الاشتراكي بمعناه الكلاسيكي. حقيقة أن هناك معجبين بفكرة المشاركة في الملكية ومحاربة الإفراط الطبقي، ولكن هذا لا يكاد يخرج عن موقف المعجبين بالعدالة الإسلامية وسماحة الإسلام. وكانت الاشتراكية الكلاسيكية ما تزال تعيش في النظريات، ولم يكن الجزائريون في أوائل هذا القرن يذكرون أن مدرسة أونفنتان هي التي شجعت على الاستعمار والحكم العسكري البغيض وإرساء قواعد التمدين الفرنسي. ومن هؤلاء المعجبين المبكرين نجد عمر راسم. فقد كتب معبرا عن ذلك في جريدته (ذو الفقار) سنة ١٩١٤. ولعله كان يتابع أفكار جان جوريس من الصحافة الفرنسية. وقد جعل عنوان مقالته (صيحة اجتماعية) مما يبرهن على أن نظرته للاشتراكية إنما كانت نظرة عدالة اجتماعية لإنصاف المحرومين من الظالمين، كما كان حال الجزائريين.
وفي نظر عمر راسم أن الاشتراكية قد أصبحت تهز العالم الأوروبي. فهي التي ترتعد منها أجسام أصحاب الثروة الطائلة هناك. ولا ندري لماذا خص أوروبا بالثراء بينما الكولون في الجزائر يشربون عرق مواطنيه وقد استثروا على حسابهم. فهل كان راسم فقط يتفادى المواجهة والرقابة حتى يمرر (صيحته) إلى هؤلاء المواطنين؟ وقد اعتبر راسم الاشتراكية حركة المستقبل للشعوب المتمدنة. وأين التمدن من الجزائر؟ ويقول إن الاشتراكية
стр. 3018
هي لغز التمدن، ومعجزة الأمم حين تصل إلى درجة عالية من الحضارة. وهو لغز عجز عن حله الفلاسفة وعلماء الاقتصاد السياسي. واعتبرها كذلك (حركة مباركة) كما اعتبر ألمانيا هي (مبعث الاشتراك) ومنها انطلقت إلى سائر الأمم (الأوروبية) حيث استفادت منها الطبقات العاملة، كما انتشرت في المدن الصناعية الآهلة بالعمال الذين اتخذوا من الاشتراكية مذهبا لهم في الحياة. وهو يسميها أحيانا، (مذهب الاشتراك) الذي أنصف الفقراء والمحتاجين والعمال وحتى (عقلاء الأمم الأحرار)، لا سيما أولئك الذين كانوا يعملون على المساواة بين الناس. وربما يفهم البعض أن الاشتراكية كانت معادية للدين، فبادر عمر راسم إلى حديث شريف نسبه للرسول ﷺ ، وهو حديث يذكر بالمساواة أمام الله وبأن التفاضل عنده إنما هو بالعمل الصالح والنافع للناس وليس بالمال والثروة، ونصه (لا فضل لعجمي على عربي ولا عربي على عجمي إلا بالتقوى) (١).
وقد تبنى عدد من الجزائريين المذهب الاشتراكي والمذهب الشيوعي. واعتقد بعضهم أن هناك فرقا بين الشيوعية والاشتراكية. وظهرت أول منظمة سياسية (النجم) داخل الحزب الشيوعي الفرنسي. وكان زعيمها هو الحاج علي عبد القادر. ورغم أن مصالي لم يكن شيوعيا فإن عددا من أعضاء حزبه كانوا (اشتراكيين) بالمعنى الذي يقربهم من الشيوعية. وتبنى حزب الشعب المذهب الاشتراكي صراحة بينما كان يناصب الشيوعية العداء، وهو موقف لم يكن واضحا منذ البداية. وظهر زعماء شيوعيون من أمثال علي بوقرط والعربي البوهالي وعمار أوزقان. ومن الكتاب أمثال البشير حاج علي وكاتب ياسين. وكان لجريدة (هيومانيتي) الفرنسية و (الصراع الطبقي)
стр. 3019
و (الجزائر الجمهورية) تأثير على شريحة من النشطين الجزائريين قبل الثورة. وكان الضغط الاستعماري قد جعل عددا من العناصر (الوطنية) في حزب الشعب تنحاز أكثر فأكثر إلى المعسكر الاشتراكي الشيوعي. وقد ظهر ذلك جليا في برنامج طرابلس ١٩٦٢ وفي ميثاق الجزائر ١٩٦٤، وفيما تلا ذلك من أوراق نظرية وممارسات عملية.
انتهى الجزء السادس
ويليه الجزء السابع
стр. 3020
المحتوى
стр. 3021
_________
الفصل الثاني: الترجمة وظهور النخبة الإندماجية .................. ١٤١
مترجمو الحملة وغداتها ........................................... ١٤٤
تنظيم فرقة المترجمين ........................................... ١٥٤
المترجمون الجزائريون ........................................... ١٥٧
تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة ................... ١٦٩
الترجمة إلى العربية ............................................ ١٨١
الاتجاه الإندماجي - الاستغرابي ................................ ١٩٧
الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي ................... ٢٠٠
أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا ................................ ٢٠٤
دعاة التعليم باللغة الفرنسية الأوائل ............................ ٢٠٩
نماذج من المثقفين الإندماجيين ................................ ٢٢٣
ابن رحال - ابن العربي - بوضر بة - مرسلي -
حامد - فخار - عطشي - ابن حمودة - بريهمات -
ابن قلفاط - الزناتي - الفاسي -صوالح ...
الفصل الثالث: مذاهب وتيارات ................................ ٢٦٧
(نعمة) الاحتلال .............................................. ٢٧٠
رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل ............................ ٢٨٠
رأي لافيجري، ولويس فينيون، وآخرين ......................... ٢٨٥
(فرق تسد) ................................................... ٣٩٩
معاداة العرب ................................................ ٣١١
ومعاداة البربر ............................................... ٣١٥
التآمر على زواوة ........................................... ٣٢١
الدعوة إلى تعلم اللغة الفرنسية والتعليم عموما ................ ٣٢٨
وضع المرأة ................................................ ٣٣٧
الهجرة أو البقاء ............................................ ٣٥٦
الإندماج، التجنس، النخبة ................................. ٣٦٨
стр. 3022
_________
الجزائر في الكتابات الفرنسية .......................... ٣٧٩
اليهودية والصهيونية ................................ ٣٩١
الماسونية ........................................... ٤٠٧
الإسلام ووحدة الأديان ............................... ٤٢٤
المثالية والاشتراكية ................................ ٤٣٧
стр. 3023
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الجيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود
تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١: Tel / خلوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair
فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ يروت، لبنان
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم: ٣٣٧/ ٢٠٠٠/ ١١/ ١٩٩٨
التنضيد: كومبيوتايب - بيروت
الطباعة: دار صادر، ص. ب , ١٠ - بيروت
стр. 3024
HISTOIRE CULTURELLE
DE
L' ALGERIE
PAR
Professeur Aboul Kacem Saadallah Université d'Alger
Tome ٦
١٩٥٤ - ١٨٣٠
DAR AL-GHARB AL-ISLAIMI
стр. 3025
الدكتور أبو القاسم سعد الله
تاريخ الجزائر الثقافي
الجزء السابع
(١٨٣٠ - ١٩٥٤)
دار الغرب الإسلامي
стр. 3026
١٩٩٨ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه فى نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستانة، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 3027
تاريخ الجزائر الثقافي
стр. 3028
الفصل الأول
العلوم الدينية
стр. 3029
تمهيد
نخصص هذا الفصل لعلوم التفسير والحديث والفقه، وكذلك الأثبات أو الأسانيد، والإجازات سواء كانت علمية أو صوفية، وستلاحظ أن التأليف في تفسير القرآن الكريم كان قليلا، وكذلك في الحديث الشريف. وتبعا لذلك ضعفت دراسة الفقه والتأليف فيه أيضا. ولسنا في حاجة، ربما، إلى القول إن ضعف التأليف في هذه المواد يرجع إلى ضعف الدراسات القرآنية والشرعية عموما، وهي تابعة إلى ضعف الثقافة العربية والإسلامية. وأنت إذا رجعت إلى فصول التعليم والثقافة ستكتشف أن ما خططه الفرنسيون منذ الاحتلال كان يرمي إلى قتل هذه الدراسات العربية والإسلامية وما ينجر عنها من تأليف وإنتاج وبحث. وقد تحقق هدفهم في ذلك إلى حد بعيد بالنسبة للتأليف في علوم التفسير والحديث والفقه والعلوم الدينية عموما.
يحتاج التأليف في علوم القرآن إلى ثقافة واسعة معاصرة وتراثية، وفهم عميق لأسرار اللغة وأسرار الإعجاز القرآني، وكذلك إلى ثقافة تاريخية كبيرة، وكل ذلك لا تقوم به إلا المؤسسات العريقة والتقاليد العلمية الراسخة. وقد لاحظنا أن التأليف في العلوم القرآنية كان ضعيفا حتى في العهد العثماني وأرجعنا ذلك إلى أسباب ذكرناها، منها غياب جامعة إسلامية ذات تقاليد راسخة في الثقافة العربية، كالأزهر والزيتونة والقرويين، ومنها هجرة العلماء الأعلام إلى البلدان الإسلامية بحثا عن العلم والسمعة والرزق. وقد استمر الوضع كذلك في العهد الفرنسي مع التدخل المباشر والمقصود من أجل فرض الجهل وطمس اللغة العربية وثقافتها وإحلال اللغة الفرنسية وثقافتها محلها. كما أن روح الجمود قد ازدادت انقباضا وانكماشا أمام الهجمة الفكرية الاستعمارية، فكان الهروب إلى الزوايا والتصوف من جهة،
стр. 3030
وكان النسيان والاندماج في ثقافة المحتل من جهة أخرى.
حقيقة أن القرنسيين قد أسسوا ثلاث مدارس شرعية لتدريس العلوم الدينية، بما فيها الفقه، منذ ١٨٥٠، وقد أسندوا إدارة كل منها إلى شيخ من شيوخ العلم المتوسطين. ثم وضعوها منذ السبعينات تحت إدارة مستشرقين وفرنسوا برامجها. وذكرنا أن سمة هذه المدارس كان تخريج الأيمة والقضاة للإدارة الفرنسية. وكان القاضي يتلقى معارف دينية وثقافة شرعية ومبادئ لغوية. وقد بلغ بعضهم درجة طيبة من العلم جعلته يشارك بالرأي والكتابة أحيانا في الحياة العامة. فكان منهم أعضاء في اللجان الرسمية، والمجالس الفقهية، وإصلاح القضاء، والترجمة وتدوين الفقه الإسلامي. وكان منهم بعض المدرسين اللامعين في الفقه وعلم الكلام. ولكن التفسير والحديث وعلومهما لم تكن من بين مواد الدراسة ولا من موضوعات الدروس العامة. ويتبع ذلك إبعاد القراءات وعلم التجويد والترتيل، وشروح الحديث.
لكن هناك مواد أخرى استمرت كما كانت قبل الاحتلال لأنها لا تتصل بالرأي وإصدار الأحكام، ولكنها تعبير عن التواصل بين العلماء، ونعني بذلك تداول الأثبات والإجازات. وقد عرفنا من العهد العثماني أن هذا النوع من الانتاج كان في أغلبه علامة على ضعف الثقافة وليس على قوتها. كان تسجيل الثبت أو الفهرس أو البرنامج- حسب المناطق - يقصد به المدون إثبات ما تلقاه من علوم وتسجيل أسماء الذين تلقاها منهم، والكتب التي درسها بها. وهو عمل جيد في حد ذاته، ولكنه أصبح تجارة وإشهارا عند بعض العلماء المتأخرين. فهم يرون أن تدوين أسماء شيوخهم والكتب الدراسية غاية في نفسها. وسنرى أن بعض الأثبات والأسانيد كانت تتعلق بعلم الحديث بالذات وانتقاله بالرواية والتواتر إلى الجيل الحاضر. أما الإجازات فقد أصبحت سلعة بائرة، متداولة بين علماء العصر ومقدمي الطرق الصوفية، وهي تعني جمع شهادات من هنا وهناك، دون مراعاة الشروط الضرورية كالحضور الشخصي والتحصيل والتأهل. فكان الذي يمنح الإجازة كالذي يتلقاها منه، كلاهما يقصد المباهاة وتكثير الأتباع وترويج السمعة دون
стр. 3031
علم حقيقي. وكانت الإجازات مستعملة بين العلماء فأصبحت مستعملة أيضا بين المتصوفة.
التفسير والدراسات القرآنية
قلنا إن التأليف في التفسير خلال العهد الفرنسي كان قليلا، ولكن التفسير الشفوي كان متوفرا. وسنحاول أن نقول كلمة عن التفسير الشفوي قبل الحديث عن التفسير المكتوب. إلى عهد محمد بن يوسف أطفيش (حوالي الثمانينات من القرن الماضي)، كان التفسير مقصورا، على الدروس المسجدية أو في الزوايا أو في الخطب الجمعية والأعياد. فالعالم كان يختار آية من القرآن الكريم، عادة مما تسمح به الإدارة الاستعمارية، ويناسب موضوع الدرس أو الخطبة، ثم يأخذ في بيانها ومعانيها، حسب طاقته اللغوية والثقافية وحسب إدراكه لمحتوى المعاني. ونحن نقرأ في كتب السير والتراجم أن فلانا قد اشتهر بالتفسير. فيجب ألا نفهم من ذلك أنه ألف فيه أو وضع كراسا أو منهجا فيه، وإما المقصود أنه اشتهر بين المواطنين والمعاصرين بأنه يتناول في دروسه وخطبه الآيات القرآنية وليس الأحاديث أو الموضوعات الأخرى، وأنه كان صاحب صيت في ذلك، لأن علم التفسير لا يتعاطاه كل مدرس ولا كل خطيب.
ولنبدأ بالأمير عبد القادر، فهو لم يترك لنا تفسيرا مكتوبا، مهما صغر (١)، ولكنه كان يلقي دروس التفسير أثناء راحته وأمام جنوده، وكان يختار آيات الجهاد والصبر ووصف المعارك وحياة الرسول ﷺ ، ويستخلص منها العبر والمواعظ. وكان بيانه وحماسه يساعدانه على بلوغ قلوب المستمعين. وقد استمر على ذلك في سجن امبواز بفرنسا، ثم في بلاد الشام. ولكننا لا نعرف أنه قد ترك تفسيرا مكتوبا، كما ذكرنا. وفي قسنطينة
стр. 3032
اشتهر الشيخ أحمد العباسي بدروس التفسير قبل احتلال قسنطينة، وكان من قضاة الحاج أحمد وعلماء الوقت. وكذلك محمد ابن العنابي، صاحب (السعي المحمود) قبل نفيه من الجزائر سنة ١٨٣٠. وقد استمر على ذلك بعد نفيه إلى مصر أيضا. وتشهد مؤلفاته في غير التفسير أنه كان قادرا على وضع تفسير جامع لأن استشهاداته بالقرآن كثيرة وثقافته الدينية عميقة، وقد كان جده أحد الذين تركوا تفسيرا مكتوبا خلال العهد العثماني، هؤلاء هم بعض المخضرمين من علماء الجزائر الذين درسوا التفسير ولم يؤلفوا فيه.
ثم ظهر جيل نما في عهد الاحتلال أو رجع من هجرته إلى الوطن في هذا العهد. ومع ذلك لا نجده قد مارس التأليف في التفسير وإنما اقتصر على سعة المعرفة في كتب التفسير والتدريس في بعض آيات القرآن الكريم، ولا ندري إن كان عدم التأليف فيه يرجع إلى ضعف ثقافة هذا الجيل فقط، كما ذكرنا، أو إلى القيود التي كانت الإدارة تضعها على تناول الموضوعات المستمدة من القرآن وتفسيرها بما يناسب مع روح العصر وحاجة الناس. ومن الذين تحدثت الوثائق عن اهتمامهم وقدرتهم على تعاطي التفسير الشفوي: حميدة العمالي، مفتي المذهب المالكي بالعاصمة خلال الستينات، وعبد القادر المجاوي، وحمدان الونيسي. ومحمد الصالح بن مهنة وعبد الحليم بن سماية وشعيب الجليلي ومحمد بن عبد الرحمن الديسي، بالإضافة إلى بعض شيوخ العلم والتصوف (الأحرار) أمثال بلقاسم الهاملي وبلقاسم البوجليلي ومصطفى بن عزوز البرجي (النفطي).
ومنذ ١٩٢٠ اتسعت قائمة العلماء الأحرار، ورجع عدد من العلماء المهاجرين، وتضخم حجم الجمهور المثقف بالعربية وازداد الحماس للإصلاح والتغيير. وعرف الناس ما أطلق عليه اسم الدروس الحرة في المساجد الحرة، فكان (العلماء) ينطلقون عادة من آية قرآنية على منبر من المنابر أو في حفل ديني أو تعليمي، ومنها يحللون الأفكار وينقدون الأوضاع ويدعون إلى التغيير. كان هذا دأب دروس عدد من رجال الاصلاح الذين غطوا بنشاطهم في هذا المجال على نشاط رجال الدين الرسميين والمتصوفة
стр. 3033
التقليديين. ولكن دروسهم لم تكتب ولم تنشر. ولا وضعوا منهاجا لتفسير كل القرآن أو جزء منه على نحو معين (وسنتكلم على من حاول ذلك منهم بعد قليل). إن ما نريد الإلحاح عليه هنا هو أن تفسير القرآن شفويا كان حجر الزاوية والمنطلق لمعظم دروس العلماء الأحرار خلال هذه الفترة. وكما كان الجيل الذي قبلهم يتفادى التفسير المنظم ويكتفي بدروس الفقه خوفا أو عجزا، كان هذا الجيل من العلماء الأحرار أكثر جرأة متخذين من تفسير القرآن غطاء دينيا لإبعاد أنظار السلطات الفرنسية عنهم. كما أنهم كانوا ربما أوسع ثقافة من زملائهم السابقين، فكانت جرأتهم لا تتمثل فقط في الدعوة إلى الاصلاح ومهاجمة الخصوم ولكن في اعتزازهم الثقافي وتمكنهم من التراث واتقان اللغة التي حرم منها زملاؤهم.
غير أن التفسير لم يكن مقبولا عند كل العلماء، فبعض هؤلاء كانوا يفضلون دروس الفقه والتوحيد على دروس التفسير. ذلك أن كتب الفقه والتوحيد تضع لهم منهاجا لا يخرجون عنه. والحكومة الفرنسية قد سمحت لهم بذلك لتعليم العامة قواعد العبادات وصفات الله. أما تفسير الآيات من القرآن الكريم فهو يحتاج إلى رخصة رسمية، وعلى المدرس أن يختار الآيات التي تناسب المقام، وأن يتقيد بالمرخص فيه في الرأي والاستنتاج. ثم إن التفسير ليس مؤطرا كالفقه والتوحيد، بل يحتاج إلى (اجتهاد) المدرس إلى حد كبير، وذلك لم يكن متوفرا لفئة العلماء الرسميين إلا ما ندر منهم.
ولذلك نقرأ في (رسالة الشرك) لمبارك الميلي أخبارا غريبة عن موقف بعض الكتاب والمدرسين من التفسير. فقد قال الميلي إن بعض العلماء والمتصوفة قد عارضوا دروس التفسير بدعوى أن صوابه خطأ وأن خطأه كفر. ونادى بعضهم بالاكتفاء بما ألف الأوائل من تفاسير، وكانوا يخافون من (الاجتهاد) في هذا المجال. ومما يذكر أن بعضهم قد كتب في جريدة (النجاح) ان الرجوع إلى الكتاب والسنة ضلال مبين وخسارة كبيرة!. وعارضت بعض الزوايا دروس التفسير في المساجد، وهي الدروس التي كان
стр. 3034
يقوم بها العلماء الأحرار. وأثناء إلقاء ابن باديس درسا في التفسير بجامع سيدي عقبة قام له أحد المدرسين وأحدث ضجة وأعلن أنه لا فائدة من التفسير، والأولى منه درس في مختصر الشيخ خليل بن إسحاق في الفقه (١).
ولكن هذا الرأي لم يكن هو الأساس دائما، فقد وجدنا بعض العلماء الرسميين والمتصوفة قد فسروا آيات من القرآن الكريم بطريقتهم وحسب فهمهم. ولا شك أن ظهور الحركة الإصلاحية ونمو التيار الوطني السياسي، قد شجعا هؤلاء على الخوض في التفسير أيضا. كما أن الحكومة الفرنسية قد تغاضت عن ذلك حتى تترك للمناقشة طريقها، لأن نشاط علماء الاصلاح قد أظهر عجز علماء الإدارة ورجال التصوف عن مواكبة الركب السياسي والثقافي.
يذكر بعض مؤرخي الثقافة أن محمد معنصر الميلي بدأ تدريس التفسير سنة ١٩١٨ في الجامع الكبير بميلة، مبتدئا من سورة الفاتحة والبقرة. وكان له جمهور كيف. وكان هو من مزدوجي اللغة، ولكن ثقافته العربية كانت أقوى فيما يبدو، وقد درس في مسقط رأسه ثم قسنطينة، وتوظف رسميا، ثم ترك ذلك الوظيف واشتغل بالتدريس الحر، مكرسا جهده لتفسير القرآن الكريم. وقد قيل إنه كان ينزع إلى استخراج المعاني الجديدة من الآيات التي يفسرها، ويتعمد ذكر الأمراض الاجتماعية. ولكننا لا نعرف عنه ذلك إلا من خلال وصف تلاميذه وبعض معاصريه، أما الحقيقة فاننا لا نعرف طريقته ولا أسلوبه في التفسير، ولا أين انتهى فيه (٢).
جمهور هذا النوع من المفسرين كان من العامة في أغلب الأحيان. إنه جمهور التجار والفلاحين، وبعض المتعلمين والطلبة، ولذلك كان عليم أن يتبسطوا في اللغة والمعاني، وأن يتناولوا موضوعات ذات صلة بهذا الجمهور مثل العقائد المزيفة والأمراض الاجتماعية والمعاملات. ولا ظن أنهم كانوا
стр. 3035
يلقون بالعربية الفصيحة ولكن بالعربية المتفاصحة. ولو كان تفسيرا للقرآن بالفصيح وبالأسلوب العالي ربما لم يتابعهم فيه إلا القليل. ولكننا كباحثين عن الدليل لا نستطيع أن نحكم على قيمة هذا الجهد، لأن النص المكتوب يعوزنا. حقيقة أن هذا الجيل من المفسرين الشفويين قد أدى دوره وبلغ رسالته عن طريق الكلمة الناطقة، وكون شبابا وبعث شعبا كاملا بوسائله البيانية غير القلم، ولكن تجربته ستظل محدودة في الزمن، لأنها توقف بتوقف اللسان عن البيان.
كان الشيخ العربي التبسي من هؤلاء المفسرين أيضا. بدأ ذلك بعد رجوعه من دراسته في الأزهر الشريف. كانت دروسه في الجامع الكبير بتسبة. وقيل إنه بدأ التفسير للعامة ولمن حضره من الخاصة، من السور القصار وتنقل منها إلى البقرة. وكانت ثقافته الدينية الواسعة تؤهله لهذه المهمة، فقد كان مطلعا على التفاسير وعارفا بأحوال العصر ومقتنعا بدور العالم في هذا المجال. فكان يتخذ من التفسير وسيلة للدعوة إلى التقدم والنهوض، لأن القرآن في أساسه يدعو إلى ذلك. وكان يعتمد منهجا معينا، يقوم على شرح الألفاظ واستخراج المعاني وتطبيقها على الواقع. ولذلك كانت الدعوة إلى الاتحاد والتقدم واليقظة هي الغاية، وكذلك الدعوة إلى نبذ البدع، والعمل بما جاء به القرآن. إن التبسي لم يستمر في مكان واحد، فقد تنقل من تبسة إلى غيرها من مدن الغرب ثم قسنطينة ثم العاصمة. ولكنه لم ينفك عن إلقاء دروس التفسير ومواصلة ما بدأه إلى أن ختمه في آخر سنة ١٩٥٦. وكان ذلك قبل استشهاده ببضعة أشهر فقط. وقيل إن تدريسه للتفسير دام اثنين وعشرين سنة (١).
وخلافا لبعض معاصريه كان الشيخ العربي التبسي يكتب أيضا في البصائر وغيرها. وكان يتناول في دروسه الوعظية وفي خطبه الدينية آيات من
стр. 3036
القرآن الكريم، ولا ندري الآن ما إذا كان من بين ما نشر ما يدل على طريقته في تناول التفسير.
وأحمد سحنون كان كذلك يجمع بين الدرس الشفوي في التفسير والمقال الصحفي الذي يستخرج فيه معاني بعض الآيات. وقد استمر على ذلك فترة طويلة، وكان ينشر إنتاجه على صفحات البصائر في باب دائم وخاص، ولكن هذا النوع لا يدخل أيضا في ما نحن فيه. إن الشيخ سحنون لم يسلك منهاجا في التفسير سار عليه خلال جزء أو أجزاء من القرآن الكريم، لنعرف منه، شفويا أو كتابيا، ما كان يرمي إليه وما أوجه مخالفته أو موافقته للمفسرين السابقين. وقد استمر الشيخ سحنون على طريقته المذكورة إلى ما بعد الاستقلال. واستطاع أن يؤثر في جيل من الشباب المتعلم - بعد الاستقلال - بأسلوبه الهادئ والأدبي والمستمد من القرآن الكريم (١).
أما التفسير المكتوب فلم يصلنا منه بالرؤية أو بالرواية، إلا عدد ضئيل، كما ذكرنا، وقد بقى بعضه مخطوطا بينما أصبح بعضه مطبوعا متداولا. وسنذكر هنا المؤلفات سواء كانت لمقيمين أو لمهاجرين. وسنتبع في ذلك ترتيبا زمنيا:
١ - تحفة الأحباب في تفسير قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾. وهو لعلي بن محمد الميلي الجمالي. قيل إنه من ميلة، واستوطن مصر، وبها توفي. وربما جاء مصر حاجا فأقام، أو جاءها متعلما أو مهاجرا. وله عدة مؤلفات أخرى سنذكرها في مكانها. ومن الواضح أن هذا التأليف لا يخص إلا أية واحدة. فنحن لسنا أمام كتاب في تفسير القرآن كله أو حتى جزء منه. ولم نطلع على هذا التألف ولم نر من وصفه (٢).
стр. 3037
٢ - تفسير ﴿إذا الشمس كورت﴾ للأمير عبد القادر، ولا ندري هل هو تفسير للسورة أو للآية (١).
٣ - التيسير في التفسير، ط. مسقط، سنة ١٣٢٥، وهو في سبعة أجزاء.
٤ - داعي الأمل ليوم العمل، ط. مسقط، في أربعة أجزاء. وهو من سورة الرحمن إلى سورة الناس. وقيل إن المؤلف كان ينوي مواصلة هذا التفسير إلى أن يصل التأليف إلى ٣٢ جزءا، ولكن توفي قبل إتمامه.
٥ - هميان الزاد ليوم المعاد. مطبوع في زنجبار، سنة ١٨٨٨، وهو في أربعة عشر جزءا، وشمل تفسير القرآن كله.
هذه المؤلفات أو التفاسير الأخيرة الثلاثة هي للشيخ محمد بن يوسف أطفيثس المعروف بالقطب (٢). وقد كان في زمنه من أبرز العلماء العاملين بعلمهم. تكون في فترة (الحماية) الفرنسية على ميزاب (١٨٥٣ - ١٨٨٢) ثم أخذ ينشر علمه ويطبع تأليفه في الجزائر وغيرها، ومنها مؤلفاته في تفسير القرآن الكريم. وقد كان الوحيد عندئذ الذي ألف في هذا العلم على ما نعرف. وكانت له من الإمكانات الأدبية واللغوية والمواهب العقلية ما أهله لخوض هذا البحر. فقد كان ولوعا بالأدب واللغة والتاريخ والبلاغة والحديث، وله اطلاع واسع على الحضارات ومساهمات الشعوب. وكان بالطبع طموحا وذكيا ويملك زمام القيادة الروحية والفكرية في ميزاب. كما كان من العلماء المستقلين عن الإدارة الفرنسية، أي أنه لم يكن موظفا يتقاضى أجره من هذه الإدارة التي كانت تسيطر على الشؤون الدينية وغيرها مما يتعلق بالجزائريين. وقد كانت له علاقات مع بعض علماء الفرنسيين الذين كانوا يستميلونه للحصول منه على معلومات في تاريخ المنطقة. فلم يكن الشيخ أطفيش معزولا في صومعة عن العالم من حوله، بل كان فعالا متحركا مشاركا. وقد سافر وارتحل، وراسل الأعيان عدة مرات.
стр. 3038
أما تفسيره للقرآن فهو، كما لاحظنا، على عدة مستويات. والظاهر أنه لم ينطلق من مخطط واضح منذ البداية: هل يكتب تفسيرا ميسرا أو تفسيرا مطولا. فكان تفسيره المختصر (هميان الزاد) الذي ألفه وهو في العقد الثالث من عمره و (التيسير). ثم بدا له أن يضع تفسيرا مطولا وجامعا يكون عمدة التفاسير، فكان (داعي الأمل) الذي لم يتمه لسوء الحظ. ومن مميزات تفاسير الشيخ أطفيش أنها مطبوعة، وهو ما لم يتيسر لبعض علماء الجزائر الآخرين الذين ربما كتبوا ولم يطبعوا كتبهم.
اطلعنا من تفسير القطب على أجزاء من تيسير التفسير، فوجدناه طويلا في مخططه، لأنه انتهى في السادس منه إلى سورة (النحل) من قوله تعالى: ﴿وقال الله لا تتخذوا الهين اثنين إنما هو إله واحد﴾ ولا ندري هل أتمه، والظاهر أنه لم يفعل لأن بطاقات مكتبته في بني يزقن لا تذكر ذلك. أما الأجزاء التي ظهرت منه (من واحد إلى السادس) فقد طبعت بسلطنة عمان سنة ١٣٢٥ (١).
وجاء في خطبة هذا التفسير، وهي مختصرة، إنه كان قد ألف في التفسير وهو في الخامسة والعشرين من عمره، كتابا سماه (هميان الزاد إلى دار المعاد). والظاهر أنه أحس بأن (هميان الزاد) كان دون ما كان يريد بعد أن تقدمت به السن، فأراد أن يضع تفسيرا جديدا يصب فيه أفكاره بعد أن نضج سنا وفكرا. كما أن تفسيره الآخر الذي سماه (داعي الأمل ليوم العمل) فقد كان متوسعا على من يريد الاختصار فخشي أن يتكاسل القراء عنه لتفاصيله. وأمام كل ذلك عزم على وضع تفسير جديد وهو الذي سماه (التيسير)، وتمنى على الله أن يجعله مما يغتبط به ولا يمله القارئ، كما تمنى عليه أن يوفقه لإكماله. ونبه إلى أنه وضعه على حرف نافع واتبع فيه مصحف عثمان (٢).
стр. 3039
يقع الجزآن اللذان اطلعنا عليهما في حوالي ألف صفحة (٤٩٨ و ٥١١). واستغرق الأول سورة البقرة، وابتدأ الثاني من سورة آل عمران. وبداية الأول تفسير البسملة والتبرك بها في كل مباح وما هو للعبادة. وقال إن البسملة لا تكتب في أول دواوين الشعر إلا إذا كان موعظة أو علما، أو فيما هو غير ممنوع شرعا، ثم فسر سورة الفاتحة. وهكذا، وقد اهتم فيه بتفسير اللغة والمعاني والنحو، واستشهد بالحديث وبالشعر أحيانا .. ولكن باختصار، ولم يذكر مصادره، وإنما هي تبدو غزيرة من الإحالات عليها، وأول الجزء الثاني هو تفسير سورة آل عمران، وآخره هو قوله تعالى من سورة النساء: ﴿فللذكر مثل حظ الأنثيين، يبن الله لكم أن تضلوا، والله بكل شيء عليم﴾ ويبدو أن المطبوع لا يساير المخطوط، لأن نسخة مكتبة بني يزقن تختلف في بدايتها عن ذلك.
سبق أن أول تفسير للشيخ أطفيش هو (هميان الزاد). وقد طبع سنة ١٨٨٨ في زنجبار في أربعة عشر جزءا. وكان الشيخ عندئذ في أوج قوته الفكرية شبابه. ولا ندري مدى رواج هذا التفسير عندئذ. غير أن الطباعة في حد ذاتها قد ساهمت في التعريف به وبصاحبه. وكان نشره عشية ميلاد ابن باديس، وفي وقت كادت تتوقف فيه عجلة التاريخ الثقافي في الجزائر، ويكفي أن تعرف أنه هو وقت لويس تيرمان، الذي كان حاكما للجزائر، وكان من أظلم العهود في مجال التعليم على الخصوص، وكانت ميزاب، حيث الشيخ أطفيش، قد احتلت خلال هذا العهد أيضا. ويفهم من إشارات وجدناها في بطاقات مكتبة القطب أن أجزاء من هميان الزاد تحمل تاريخ شهر رمضان سنة ١٢٧١ وهي بخط المؤلف. وجاء في إحدى المراسلات أن الشيخ أطفيش قد انتهى منه في شهور سنة ١٣٠٦ (١)، وهو بعيد مما ذكرنا من بطاقات المكتبة. ولم نطلع على الطبعة الجديدة من (هميان الزاد) التي يقول الشيخ شريفي إنه اتصل منها بالجزء الخامس وآخره سورة المائدة، وأنه أعيد
стр. 3040
طبعه سنة ١٤٠٦? ١٩٨٦. ويذهب أحد الباحثين المعاصرين إلى أن الشيخ أقد تأسف على انتشار- الهميان - لما تضمنه من أخبار وآراء ظهر له عدم صحتها وبعدها عن الموضوعية، مع تقدم السن، وتمنى لو أمكنه جمع نسخ الكتاب لإتلافها) (١).
أما تفسير الشيخ أطفيش الآخر، وهو (داعي الأمل)، فهو تفسير جزئي، بدأه بسورة (الرحمن) ولم يتمه أيضا. وقد وصل فيه إلى سورة (المزمل) عند قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾. وأوله هو قول الشيخ: (قد علمت أن ترتيب السور والآي توقيف في الدرس والمصاحف ولو خالف ترتيب النزول. فهذه السورة (تأتي) بعد سورة ﴿اقتربت الساعة﴾. أما آخر الكتاب أو الموجود منه فهو قوله: (وليس بالكثير، وذلك أمر بترتيل القرآن في الليل وغيره، وليست الآية في قيام الليل). أما حجم هذا الكتاب فلا ندري بالضبط. ففي رسالة الشيخ شريفي أن عدد أوراقه ٣٢٢، وفي بحث السيد بوتردين أنه يقع في جزئين كبيرين، ولا نعرف إن كان (داعي الأمل) قد طبع حتى الآن.
مما اطلعنا عليه من تفسير الشيخ أطفيش نفهم أن صاحبه مهتم بتقريب المعاني القرآنية إلى أذهان قرائه في عصره وبأسلوبه المباشر والوعظي. ويبدو أن تفسيره يمثل خلاصات دروس كان يلقيها أو يمليها على تلاميذه، وربما على جمهور المساجد أيضا. ولذلك جاء تفسيره خاليا من الاستنباط العقلي الهادف إلى مطابقة القرآن لروح الزمان أو العصر الذي كان يؤلف فيه الشيخ، وهي الطريقة التي حاول أن يسلكها الشيوخ محمد عبده ورشيد ورضا وعبد الحميد بن باديس. ذلك أن هؤلاء جميعا قد عاصروا تحديات الاستعمار والمستشرقين والعلمانيين المسلمين الذين أخذوا يقولون أن القرآن لم يعد
стр. 3041
صالحا للعصر الحاضر أو أنه هو سبب تخلف المسلمين، وأنه سبب العداء بينهم وبين غيرهم. ولعل عيشة الشيخ أطفيش بعيدا عن المراكز الحضرية والصراعات الفكرية قد جعلت تفسيره كأنه يرجع إلى عصور خالية من حيث روحه وأهدافه. وقد نقول إن إقدامه على التفسير كان بدافع الخدمة الدينية والأدبية أكثر مما هو بدافع الخدمة العقلية والسياسية. فإذا كان هدفه هو ذلك فقد نجح نجاحا كبيرا. على أننا يجب ألا ننسى ما ذكرناه من أن زمن الإقدام على التفسير كان أثناء عهد تيرمان وما بعده، وفي ذلك تحد كبير للمخطط الاستعماري نحو الثقافة العربية - الإسلامية.
وربما أقيم للشيخ أطفيش حفل عند ختمه تفسير القرآن. فنحن لا نجد فيما لدينا من وثائق أن ذلك قد حصل. ولكن العادة قد جرت منذ القديم أن ختم القرآن درسا أو تأليفا يستحق صاحبه التكريم والتعظيم. وقد نال الشيخ حظوة كبيرة بتآليفه العديدة ودروسه ودوره الديني والاجتماعي. أما مناسبة ختم القرآن، إن كانت، فنحن نجهلها الآن.
لقد ظل تفسير الشيخ أطفيش هو الوحيد في الميدان، ولا نعرف أن عالما آخر، مستقلا أو موظفا، قد ألف في التفسير بعده إلى ظهور الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقد بدأ ابن باديس دروسه في التفسير منذ سنة ١٩٢٩، وكان يلقيها وينشرها تباعا في مجلته (الشهاب) تحت عنوان (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير وحديث البشير النذير)، وفي ١٩٣٩ ختم الشيخ ابن باديس القرآن الكريم، وأقيم له حفل يليق بمقامه العلمي وبإنجازه الكبير. وكان الاعتقاد عندئذ أن ختم القرآن هو عمل ديني قبل كل شيء. أما الجانب العلمي والأدبي فهو غائب أو ثانوي. وقد شارك المشاركون عندئذ في مدح الشيخ والإشادة بما قدمه للجزائر عموما وما قدمه للإسلام. وكان الشيخ الإبراهيمي هو الذي أشرف على الحفل الذي تبارى فيه الخطباء والشعراء، ولا نعرف أن عالما آخر ختم القرآن واحتفل به بمثل هذا الاحتفال في الجزائر. على أنه جرى مثل هذا الاحتفال بعد عدة عقود في ميزاب عندما
стр. 3042
ختم الشيخ إبراهيم بيوض تفسير القرآن أيضا (١).
ظهر تفسير ابن باديس في عدة طبعات وأشكال، منها ما طبعته الشهاب، كما ذكرنا، ومنه ما جمعه وأصدره الشيخ محمد الصالح رمضان وتوفيق محمد شاهين بعد الاستقلال (١٩٦٤)(٢). ثم ما أصدرته وزارة الشؤون الدينية في الثمانينات. وهو من حيث الحجم لا يمثل عملا ضخما موسعا، في حجم أحد تفاسير الشيخ أطفيش. ولكنه من حيث القيمة يظهر عظيما، ويرجع ذلك إلى اهتمام ابن باديس بالربط بين معاني القرآن والحياة المعاصرة. ويمكن أن نسمي ذلك توليد المعاني من القرآن لكي تناسب دعوته إلى النهضة والأخذ بأسباب الحياة. فتفسيره ليس لفظيا قائما على بيان اللغة والدين والأدبيات القرآنية، ولا على ما ورد في القرآن من آثار وأخبار ومواعظ، وإنما هو تفسير لهداية المسلمين المعاصرين إلى ما في القرآن من حث على العمل والنهوض والاستعداد للتقدم والحياة المثلى في الدنيا والآخرة.
٥ - يذهب علي مراد الذي خص تفسير ابن باديس - بدراسة نقدية، أن هذا التفسير كان قد نشره ابن باديس في شكل مقالات في (الشهاب) خلال عشر سنوات، وكان توجهه فيه سلفيا، سار فيه على طريقة الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، وكان ابن باديس يهتم بإظهار الأصالة الإسلامية. وقد تميز تفسير ابن باديس بخصائص: منها أنه تجاوز فيه تقاليد الإسلام في بلدان المغرب العربي، تلك التقاليد القائمة على الطقوسية والحياة الشرعية والأحكام الفقهية بأسلوب جاف، وهو ما نجده عند الشيخ محمد بن يوسف أطفيش من المتأخرين. أما ابن باديس فكان يبحث، كما يقول علي مراد، عن حلول إسلامية للمجتمع الاسلامي أمام الغزو الغربي. وتشمل هذه الحلول الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية، ولذلك فإن تفسير ابن
стр. 3043
باديس يدخل في نطاق مسألة الأفكار وصراعها مع الحياة المعاصرة في الجزائر.
لم يسر ابن باديس في تفسيره على الطريقة التقليدية، أي كان تفسيرا منتظما شاملا، ولكنه اقتصر فيه على أجزاء متفرقة، فهو تفسير جزئي. ولكنه اتخذ من القرآن وسيلة لتوضيح الأفكار المعاصرة من أجل بناء مجتمع إسلامي في نطاق المدنية الإسلامية المتلائمة مع روح العصر والوفية لروح الإسلام نفسه. وإذا نظرنا إلى حجم تفسير ابن باديس فإننا نجده يمثل أكبر قدر من كتاباته الفكرية. وقد ظهر فيه ابن باديس باحثا ناقدا موازنا وليس صحفيا يكتب بسرعة ليرد على رأي أو ليعالج مسألة آنية. ان ابن باديس قد ظهر فيه معلما رزينا ومستنطبا حكيما، خائضا في مسائل العقائد الإسلامية والأفكار المعاصرة، وهكذا يصبح تفسير ابن باديس مصدرا أساسيا للفكر الإصلاحي في الجزائر ولما سماه بعضهم بمدرسة (الشهاب)، وربما مصدرا أساسيا للفكر الاصلاحي الحديث عموما. ولذلك يحتفظ هذا التفسير بقيمته الخاصة رغم ما قد يوجه إليه من نقد أحيانا.
إن ابن باديس يظل في تفسيره متمسكا بالمذهب المالكي ومتحذرا في معالجة مسائل العقائد، فهو محافظ في نظر بعض المعاصرين ومن جاء بعدهم. ورأى علي مراد أن ابن باديس لم يخرج على التيار الفكري العام، كما خرج بعض العلماء المسلمين مثل مصطفى عبد الرازق المصري الذي عالج مسألة (الإسلام وأصول الحكم) سنة ١٩٢٥. ولا مثل الطاهر الحداد التونسي الذي ألف كتابه المعروف (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) سنة ١٩٣٠. وربما كان لابن باديس هدف آخر من التفسير، وهو عند علي مراد، أن يظهر للمواطنين الجزائريين أن العلم الإسلامي غير مقصور على دراسة المنطق والفقه والنحو والأسلوب، وقد يكون أراد أيضا أن يفسر القرآن في الجزائر ليبين أن هذا الموضوع غير مقتصر على المشارقة، وأن بإمكان المغاربة أن يتفوقوا في هذا الباب. ولعله كان بإمكانه أن يفسر القرآن بطريقة الشيخ أطفيش أو البيضاوي أو الثعالبى. ولكنه اختار طريقة الشيخ عبده.
стр. 3044
وهو معالجة الأفكار الأساسية في ضوء حاجات ومصالح العصر. وقد قلنا إن تأثر أيضا بتفسير رشيد رضا، وإنه، كما لاحظ علي مراد، اعتبر نفسه مسخرا من القدر لمواصلة رسالة رشيد رضا بعد وفاته سنة ١٩٣٥ (١).
وقد سبقت الإشارة إلى أن الذي تولى جمع المقالات الأساسية لتفسير ابن باديس كما ظهرت في مجلة الشهاب، هو الشيخ محمد الصالح رمضان وزميله المصري توفيق محمد شاهين في منتصف الستينات. ويذهب علي مراد أن كتاب الشيخين المذكورين قد تصرف في المقالات الباديسية بالتقدم والتأخير والحذف. كما وقع التصرف في وضع العناوين. وقال أيضا إن الكتاب لم يتضمن تحلية ونقدا وإنما اكتفى بالجمع، وأن فيه أخطاء إملائية ولغوية (٢).
ومهما كان الأمر، فإن تفسير ابن باديس، رغم أنه جزئ وأنه ظهر في شكل مقالات افتتاحية لمجلة الشهاب، قد تضمن منهجا لدراسة القرآن وفهمه وتقديمه للجمهور الإسلامي، متعلما وغير متعلم، وربما لو عاش ابن باديس طويلا لتفرغ لكتابة تفسير آخر شامل للقرآن كله، وبأسلوبه المذكور، لأن الوفاة قد أدركته وهو في أوج العطاء الفكري، على أنه يكفيه أنه قد وضع العلامات في الطريق.
٦ - وقد نسبت بعض الكتب إلى الشيخ أحمد بن عليوة تفسيرا لبعض
стр. 3045
الآيات والسور، فقد ذكر الباحث الإنكليزي (مارتن لانغز) الذي أصبح من أتباع الشيخ ابن عليوة، أن هذا فسر آيات من سورة (البقر) ووصل إلى الآية الأربعين منها. وقال (لانغز) إن هذا التفسير لم يطبع وأن مخطوطته الوحيدة موجودة في زاوية مستغانم العليوية. كما ذكر لانغز أن ابن عليوة قد فسر سورة (والعصر) تفسيرا فيه تصوف، ومن ذلك أنه فسر معنى (الخسر) بأنه (إشارة إلى حالة الإنسان البدنية على الأرض بالقياس إلى حالته الروحية الصرف في السماء بعد خلقه، ولكن قبل تصويره). وهناك إشارة ثالثة إلى اهتمام ابن عليوة بالتفسير إذ نسب إليه لانغز أيضا كتابا بعنوان (لباب العلم في سورة النجم) كتبه سنة ١٩١٥ (١).
وبقطع النظر عن روح التصوف التي تشيع في مؤلفات وآراء الشيخ أحمد بن عليوة، فإن ما نسبه له مارتن لانغز ليس تفسيرا بالمعنى الدقيق للكلمة، سواء بمنهج القدماء أو بمنهج المحدثين. وإنما هو فهم وتدريس وبيان لمعاني بعض الآيات من هذه السورة أو تلك. ولو اطلعنا على المخطوط الذي أشار إليه لانغز لعرفنا منه طريقة ابن عليوة في تناول بعض آيات سورة البقرة. وربما كان قد كتب مقدمة لهذا المخطوط يذكر فيها دوافعه وأهدافه ومنهجه من التفسير.
٧ - وهناك شيخ آخر قيل إنه ختم تفسير القرآن الكريم بالجامع الأعظم بتلمسان. ولا ندري متى كان ذلك بالضبط. ومهما كان الأمر فان هذا الشيخ هو علي البوديلمي بن محمد، وهو من الذين جمعوا بين العلم والتصوف. فقد درس على ابن باديس في قسنطينة، ثم توجه إلى جامع الزيتونة بتونس، ثم إلى القرويين بالمغرب، وتحصل على شهادات في العلوم الإسلامية وفي الحديث بالخصوص، وكان هذا الشيخ رحماني الطريقة، ثم مال إلى العليوية (الشاذلية). وتوظف عند الإدارة الفرنسية إذ ولته وظيفة مدرس بجامع تلمسان، بعد مسابقة جرت في وهران سنة ١٩٤٢. وكان مفتي وهران عندئذ
стр. 3046
هو الشيخ حسن بو الحبال (١).
جمع الشيخ علي البوديلمي إلى نشاطه المذكور نشاطه في الصحافة أيضا. فقد كان من جهة مدرسا، كما تقتضي وظيفته الرسمية، ولكنه أسس أيضا زوايا تقوم بنشر التعليم العربي، إما قناعة منه وإما منافسة لمدارس جمعية العلماء، وكذلك كان مديرا لمدرسة سيدي بومدين. ونشر البوديلمي صحيفة بعنوان (الذكرى) في تلمسان لا ندري كم دامت. وأثناء هذا النشاط، وربما أثناء إلقائه دروس الوعظ والإرشاد في الجامع الأعظم ختم الشيخ تفسير القرآن، حسبما ترجم له عبد الغني خطاب ونقل ذلك عنه الشيخ الهاشمي بكار. وقيل إن حفلا كبيرا أقيم بهذه المناسبة ألقيت فيه الخطب والقصائد. وربما يوجد في الصحف المعاصرة وصف لهذا الحفل، ووصف لمنهج التفسير الذي سار عليه الشيخ. ومهما كان الأمر فان هذا الختم كان شفويا وليس كتابيا، أي أنه نتيجة دروس كان الشيخ يلقيها مدة طويلة، إذ قيل ان وجوده في المهنة قد دام أكثر من ربع قرن (٢). ولا ندري هل تأثر الشيخ البوديلمي في تفسيره بشيخه ابن باديس وبعض شيوخ الزيتونة والقرويين، أو تأثر بشيخه ابن عليوة وبعض شيوخ الزوايا الآخرين. وربما يكون في صحيفة (الذكرى) أو غيرها بعض نماذج من تفسيره.
وفي (المرآة الجلية) بعض التفاصيل عن حياة البوديلمي نذكر منها أن والده كان من أتباع الرحمانية ومن تلاميذ عبد القادر المجاوي في العلم، وقرأ في بجاية على السعيد الحريزي (الاحريزي)، واختلف إلى زوايا ومعاهد
стр. 3047
زواوة، منها معهد اليلولي ومعهد أحمد بن يحيى، وسافر (أي الوالد) إلى المشرق وتجول فيه، وتوفي سنة ١٩٤٣ عن ٩٦ سنة. كما أن والدة علي البوديلمي كانت من أصول صوفية إذ ترجع إلى سيدي علي الطيار بقرب برج بوعريريج. وكان والده مدرسا في زاويتهم بالمسيلة قرابة أربعين سنة، وكان له معاونون من العلماء والمرشدين.
أما علي البوديلمي نفسه فقد درس في زاوية أبيه بالمسيلة، ثم رحل إلى زاوية الهامل فقسنطينة حيث درس على ابن باديس والحبيباتني والطاهر زقوطة ويحيى الدراجي وغيرهم. ثم قصد تونس فدرس على مشائخ الزيتونة أمثال معاوية التميمي وأبي الحسن النجار، والطاهر بن عاشور. كما زار المغرب وأخذ علم الحديث هناك، وحصل على إجازات من شيوخه سواء في قسنطينة أو تونس أو في المغرب. وبعد رجوعه إلى زاويتهم بالمسيلة تولى التدريس بها ثم في غيرها مثل زاوية بوجملين، والجعافرة بزواوة، ثم اتجه غربا نحو غيليزان ثم مستغانم حيث درس وتتلمذ على الشيخ ابن عليوة الذي كان شاذليا - درقاويا. ولم يتفاهم مع خلفاء هذا الشيخ بعد وفاته سنة ١٩٣٤، ولذلك أسس البوديلمي زاوية خاصة به في تلمسان، وجعلها للتدريس والتصوف، كما فتح زوايا أخرى في غير تلمسان ومنها واحدة في وهران. وكان فتح الزوايا لا يتم إلا بموافقة السلطات الفرنسية طبعا! وقد كان الشيخ البوديلمي موظفا رسميا عندها منذ ١٩٤٢، كما ذكرنا. ولعل اهتمامه بالتصوف وقبوله الوظيف الرسمي هما اللذان حالا دونه ودون الانضمام إلى جمعية العلماء وبرنامجها الإصلاحي والتعليمي. ولنا أن نتصور أن الشيخ البوديلمي كان، رغم علمه، من خصوم جمعية العلماء. وقد كان نشاطه في تلمسان في الوقت الذي كان فيه الشيخ الإبراهيمي هناك ممثلا للجمعية (١). ولا نحسب أنهما كانا على وفاق، رغم أنهما من جهة واحدة.
стр. 3048
كان البوديلمي يلقي دروسه في التفسير والحديث بالجامع الأعظم بتلمسان. ويهمنا الآن تفسيره للقرآن في دروسه. ولا نعرف أن تفسيره كان مكتوبا. وكان يخلط الدرس ربما بآرائه في التصوف، وكانت تعقد احتفالات سنوية يحضرها تلاميذه وأنصاره وأشباهه من العلماء. وقد عبر عنها صاحب (المرآة الجلية) بأنها نوع من سوق عكاظ حيث ففي الشعر والخطب. ومما يدل على الخلط بين العلم والتصوف أن ابن عبد الحكم يقول إن الاحتفال يشبه ما كان يقيمه ابن عليوة أثناء حياته. وقد نوه أحد رحالة المغرب، وهو الشيخ الوارزقي بدروس البوديلمي في الجامع الأعظم في الأخلاق والدين، وأخبر أن الناس كانوا يحترمونه ويلتفون حوله لتقبيل رأسه ويده. ولا شك أن هذا أيضا من تقاليد المتصوفين (١).
وللبوديلمي عدد من المؤلفات لم نطلع عليها، وليس منها عنوان في تفسير القرآن الكريم، وقد ذكرها له صاحب (المرآة الجلية) (٢).
أما المفتي الحنفي محمد العاصمي فقد كان يلخص تفسيره لبعض الآيات في مجلة (صوت المسجد)، ولعله كان يلقي دروسا في الجامع
стр. 3049
الجديد، حيث مقر المفتي الحنفي. وكان العاصمي من العلماء الأدباء، وقد تناولناه في مناسبة أخرى عندما كان يكتب المقالات الصحفية ويستنهض الهمم في العشرينات والثلاثينات. ويبدو أنه لم يبق على ذلك التيار الفكري بعد أن أصبح من الموظفين الرسميين. ومهما كان الأمر، فقد لاحظنا أنه كان يعرض لبعض الآيات ويفسرها تفسيرا ملخصا موجزا بعبارات بسيطة كأنها موجهة للعامة وللمبتدئين، ومعظمها في معاني دينية وأخلاقية. ونعترف بأننا لم نطلع على كل ما لخصه من التفسير في المجلة المذكورة. ولا ندري متى تولى الفتوى وأخذ في التدريس في علم التفسير، ولكن المجلة ظهرت في خريف ١٩٤٨ لتعبر على حال (رجال الديانة الإسلامية) الموظفين لدى الإدارة الفرنسية. واستمرت بضع سنوات.
وقد وصلتنا أعداد من (صوت المسجد) من سنة ١٩٤٩ - ١٩٥١، فوجدنا افتتاحياتها تحمل هذا العنوان الطويل: (عرض وتلخيص واستنتاج من تفسير الذكر الحكيم) بقلم محمد العاصمي. وطريقة ذلك أنه يذكر آية ثم يعرض معناها ويلخصه ويستنتج منه باختصار، وليس في (الاستنتاج)، بمعنى الاستنباط، ما يذكر هنا. فالمساحة لكل ذلك عبارة عن صفحة. وقلما يسقط معنى الآية على الأوضاع الحاضرة، ورغم بساطة الأسلوب فإن المعنى يظل بعيدا عن الواقع. ومهما كان الأمر فان ما كتبه العاصمي في هذا الصدد لا يخرج عن مهنة الوعظ والإرشاد التي كان يقوم بها في حدود ما تسمح به الظروف الإدارية.
وقد أفادنا بعض الشيوخ (١) أن العلماء الآتية أسماؤهم قد مارسوا التفسير في دروسهم أيضا - دون التأليف - وهم:
١ - محمد المولود بن الموهوب، أحد علماء قسنطينة في أول هذا القرن (توفي ١٩٣٩).
٢ - الهاشمي بن الحاج اليعلاوي.
стр. 3050
٣ - الفضيل إسكندر، أحد علماء المدية.
ورغم إمكانات العقبي والإبراهيمي العلمية فاننا لا نعرف أنهما وضعا مشروعا لتفسير القرآن الكريم. كان كل منهما منهمكا في تكوين الجيل والتلاميذ ومحاربة خصوم الإصلاح والتمهيد للنهضة الوطنية. وكان الإبراهيمي بالخصوص قد تولى قيادة جمعية العلماء في مرحلة صعبة، منذ ١٩٤٠، وعاش خلال ذلك عدم الاستقرار الجسماني والنفساني: الاعتقال، وأحداث مايو ١٩٤٥، والسهر على معهد ابن باديس والمدارس الابتدائية، وإدارة البصائر، ومواجهة الهجمة الاستعمارية المتمثلة في قانون الجزائر (سنة ١٩٤٧)، ولعبة الأحزاب وتزوير الانتخابات، ثم حان وقت خروجه إلى المشرق وقيام الثورة. ونظن أنه لو استقر ووطن نفسه على كتابة تفسير للقرآن لكان بإمكانه ذلك. على أنه مثل عدد من زملائه كان يتناول تفسير الآيات في الدروس الشفوية وفي المقالات المكتوبة. وكان ربما أقدرهم على تشقيق المعاني وتوليد الأفكار والتطبيق على الحاضر، بطريقة لا تختلف كثيرا عن منهج ابن باديس ورشيد رضا.
٨ - من بين الكتب التي جمعت بين التفسير والدراسة للقرآن الكريم كتاب (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي. صدر هذا الكتاب بالفرنسية في الجزائر سنة ٦ ١٩٤. وربما كان هو أول كتاب للمؤلف - بعد رواية لبيك (١) - وقد تناول فيه القرآن الكريم وإعجازه، وعلامات النبوة، ودرس فيه أيضا علاقة الدين بالنفس الإنسانية والغريزة، ونبه فيه الشباب الإسلامي، لا سيما المتعلم في البلدان الغربية، إلى تفادي الأخطاء التي يقع فيها المستشرقون أو دسائسهم أحيانا. ويعتبر كتاب (الظاهرة القرآنية) جديدا في بابه، كما لاحظ