← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

هو الشيخ حسن بو الحبال (١). جمع الشيخ علي البوديلمي إلى نشاطه المذكور نشاطه في الصحافة أيضا. فقد كان من جهة مدرسا، كما تقتضي وظيفته الرسمية، ولكنه أسس أيضا زوايا تقوم بنشر التعليم العربي، إما قناعة منه وإما منافسة لمدارس جمعية العلماء، وكذلك كان مديرا لمدرسة سيدي بومدين. ونشر البوديلمي صحيفة بعنوان (الذكرى) في تلمسان لا ندري كم دامت. وأثناء هذا النشاط، وربما أثناء إلقائه دروس الوعظ والإرشاد في الجامع الأعظم ختم الشيخ تفسير القرآن، حسبما ترجم له عبد الغني خطاب ونقل ذلك عنه الشيخ الهاشمي بكار. وقيل إن حفلا كبيرا أقيم بهذه المناسبة ألقيت فيه الخطب والقصائد. وربما يوجد في الصحف المعاصرة وصف لهذا الحفل، ووصف لمنهج التفسير الذي سار عليه الشيخ. ومهما كان الأمر فان هذا الختم كان شفويا وليس كتابيا، أي أنه نتيجة دروس كان الشيخ يلقيها مدة طويلة، إذ قيل ان وجوده في المهنة قد دام أكثر من ربع قرن (٢). ولا ندري هل تأثر الشيخ البوديلمي في تفسيره بشيخه ابن باديس وبعض شيوخ الزيتونة والقرويين، أو تأثر بشيخه ابن عليوة وبعض شيوخ الزوايا الآخرين. وربما يكون في صحيفة (الذكرى) أو غيرها بعض نماذج من تفسيره. وفي (المرآة الجلية) بعض التفاصيل عن حياة البوديلمي نذكر منها أن والده كان من أتباع الرحمانية ومن تلاميذ عبد القادر المجاوي في العلم، وقرأ في بجاية على السعيد الحريزي (الاحريزي)، واختلف إلى زوايا ومعاهد

стр. 3047

زواوة، منها معهد اليلولي ومعهد أحمد بن يحيى، وسافر (أي الوالد) إلى المشرق وتجول فيه، وتوفي سنة ١٩٤٣ عن ٩٦ سنة. كما أن والدة علي البوديلمي كانت من أصول صوفية إذ ترجع إلى سيدي علي الطيار بقرب برج بوعريريج. وكان والده مدرسا في زاويتهم بالمسيلة قرابة أربعين سنة، وكان له معاونون من العلماء والمرشدين. أما علي البوديلمي نفسه فقد درس في زاوية أبيه بالمسيلة، ثم رحل إلى زاوية الهامل فقسنطينة حيث درس على ابن باديس والحبيباتني والطاهر زقوطة ويحيى الدراجي وغيرهم. ثم قصد تونس فدرس على مشائخ الزيتونة أمثال معاوية التميمي وأبي الحسن النجار، والطاهر بن عاشور. كما زار المغرب وأخذ علم الحديث هناك، وحصل على إجازات من شيوخه سواء في قسنطينة أو تونس أو في المغرب. وبعد رجوعه إلى زاويتهم بالمسيلة تولى التدريس بها ثم في غيرها مثل زاوية بوجملين، والجعافرة بزواوة، ثم اتجه غربا نحو غيليزان ثم مستغانم حيث درس وتتلمذ على الشيخ ابن عليوة الذي كان شاذليا - درقاويا. ولم يتفاهم مع خلفاء هذا الشيخ بعد وفاته سنة ١٩٣٤، ولذلك أسس البوديلمي زاوية خاصة به في تلمسان، وجعلها للتدريس والتصوف، كما فتح زوايا أخرى في غير تلمسان ومنها واحدة في وهران. وكان فتح الزوايا لا يتم إلا بموافقة السلطات الفرنسية طبعا! وقد كان الشيخ البوديلمي موظفا رسميا عندها منذ ١٩٤٢، كما ذكرنا. ولعل اهتمامه بالتصوف وقبوله الوظيف الرسمي هما اللذان حالا دونه ودون الانضمام إلى جمعية العلماء وبرنامجها الإصلاحي والتعليمي. ولنا أن نتصور أن الشيخ البوديلمي كان، رغم علمه، من خصوم جمعية العلماء. وقد كان نشاطه في تلمسان في الوقت الذي كان فيه الشيخ الإبراهيمي هناك ممثلا للجمعية (١). ولا نحسب أنهما كانا على وفاق، رغم أنهما من جهة واحدة.

стр. 3048

كان البوديلمي يلقي دروسه في التفسير والحديث بالجامع الأعظم بتلمسان. ويهمنا الآن تفسيره للقرآن في دروسه. ولا نعرف أن تفسيره كان مكتوبا. وكان يخلط الدرس ربما بآرائه في التصوف، وكانت تعقد احتفالات سنوية يحضرها تلاميذه وأنصاره وأشباهه من العلماء. وقد عبر عنها صاحب (المرآة الجلية) بأنها نوع من سوق عكاظ حيث ففي الشعر والخطب. ومما يدل على الخلط بين العلم والتصوف أن ابن عبد الحكم يقول إن الاحتفال يشبه ما كان يقيمه ابن عليوة أثناء حياته. وقد نوه أحد رحالة المغرب، وهو الشيخ الوارزقي بدروس البوديلمي في الجامع الأعظم في الأخلاق والدين، وأخبر أن الناس كانوا يحترمونه ويلتفون حوله لتقبيل رأسه ويده. ولا شك أن هذا أيضا من تقاليد المتصوفين (١). وللبوديلمي عدد من المؤلفات لم نطلع عليها، وليس منها عنوان في تفسير القرآن الكريم، وقد ذكرها له صاحب (المرآة الجلية) (٢). أما المفتي الحنفي محمد العاصمي فقد كان يلخص تفسيره لبعض الآيات في مجلة (صوت المسجد)، ولعله كان يلقي دروسا في الجامع

стр. 3049

الجديد، حيث مقر المفتي الحنفي. وكان العاصمي من العلماء الأدباء، وقد تناولناه في مناسبة أخرى عندما كان يكتب المقالات الصحفية ويستنهض الهمم في العشرينات والثلاثينات. ويبدو أنه لم يبق على ذلك التيار الفكري بعد أن أصبح من الموظفين الرسميين. ومهما كان الأمر، فقد لاحظنا أنه كان يعرض لبعض الآيات ويفسرها تفسيرا ملخصا موجزا بعبارات بسيطة كأنها موجهة للعامة وللمبتدئين، ومعظمها في معاني دينية وأخلاقية. ونعترف بأننا لم نطلع على كل ما لخصه من التفسير في المجلة المذكورة. ولا ندري متى تولى الفتوى وأخذ في التدريس في علم التفسير، ولكن المجلة ظهرت في خريف ١٩٤٨ لتعبر على حال (رجال الديانة الإسلامية) الموظفين لدى الإدارة الفرنسية. واستمرت بضع سنوات. وقد وصلتنا أعداد من (صوت المسجد) من سنة ١٩٤٩ - ١٩٥١، فوجدنا افتتاحياتها تحمل هذا العنوان الطويل: (عرض وتلخيص واستنتاج من تفسير الذكر الحكيم) بقلم محمد العاصمي. وطريقة ذلك أنه يذكر آية ثم يعرض معناها ويلخصه ويستنتج منه باختصار، وليس في (الاستنتاج)، بمعنى الاستنباط، ما يذكر هنا. فالمساحة لكل ذلك عبارة عن صفحة. وقلما يسقط معنى الآية على الأوضاع الحاضرة، ورغم بساطة الأسلوب فإن المعنى يظل بعيدا عن الواقع. ومهما كان الأمر فان ما كتبه العاصمي في هذا الصدد لا يخرج عن مهنة الوعظ والإرشاد التي كان يقوم بها في حدود ما تسمح به الظروف الإدارية. وقد أفادنا بعض الشيوخ (١) أن العلماء الآتية أسماؤهم قد مارسوا التفسير في دروسهم أيضا - دون التأليف - وهم: ١ - محمد المولود بن الموهوب، أحد علماء قسنطينة في أول هذا القرن (توفي ١٩٣٩). ٢ - الهاشمي بن الحاج اليعلاوي.

стр. 3050

٣ - الفضيل إسكندر، أحد علماء المدية. ورغم إمكانات العقبي والإبراهيمي العلمية فاننا لا نعرف أنهما وضعا مشروعا لتفسير القرآن الكريم. كان كل منهما منهمكا في تكوين الجيل والتلاميذ ومحاربة خصوم الإصلاح والتمهيد للنهضة الوطنية. وكان الإبراهيمي بالخصوص قد تولى قيادة جمعية العلماء في مرحلة صعبة، منذ ١٩٤٠، وعاش خلال ذلك عدم الاستقرار الجسماني والنفساني: الاعتقال، وأحداث مايو ١٩٤٥، والسهر على معهد ابن باديس والمدارس الابتدائية، وإدارة البصائر، ومواجهة الهجمة الاستعمارية المتمثلة في قانون الجزائر (سنة ١٩٤٧)، ولعبة الأحزاب وتزوير الانتخابات، ثم حان وقت خروجه إلى المشرق وقيام الثورة. ونظن أنه لو استقر ووطن نفسه على كتابة تفسير للقرآن لكان بإمكانه ذلك. على أنه مثل عدد من زملائه كان يتناول تفسير الآيات في الدروس الشفوية وفي المقالات المكتوبة. وكان ربما أقدرهم على تشقيق المعاني وتوليد الأفكار والتطبيق على الحاضر، بطريقة لا تختلف كثيرا عن منهج ابن باديس ورشيد رضا. ٨ - من بين الكتب التي جمعت بين التفسير والدراسة للقرآن الكريم كتاب (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي. صدر هذا الكتاب بالفرنسية في الجزائر سنة ٦ ١٩٤. وربما كان هو أول كتاب للمؤلف - بعد رواية لبيك (١) - وقد تناول فيه القرآن الكريم وإعجازه، وعلامات النبوة، ودرس فيه أيضا علاقة الدين بالنفس الإنسانية والغريزة، ونبه فيه الشباب الإسلامي، لا سيما المتعلم في البلدان الغربية، إلى تفادي الأخطاء التي يقع فيها المستشرقون أو دسائسهم أحيانا. ويعتبر كتاب (الظاهرة القرآنية) جديدا في بابه، كما لاحظ

стр. 3051

على ذلك الشيخ محمود شاكر الذي قدمه. ترجم الظاهرة القرآنية إلى العربية عبد الصبور شاهين وطبعه في مصر سنة ١٩٦١. وكتب ابن نبي للترجمة مدخلا جديدا، قال فيه إنه أعاد تأليف الكتاب من أصوله بعد أن (أحرقت في ظروف خاصة). ونحن لا ندري ما (الأصول) التي أحرقت، هل يقصد بذلك الطبعة الفرنسية، أو يقصد مسودات الكتاب قبل ظهور الطبعة الفرنسية؟ ومهما كان الأمر فإن ابن نبي قد رأى أن الكتاب غير كاف لتوضيح رأيه في علاج ما أسماه مشكلة الظاهرة القرآنية. وقد أخبرنا وهو يكتب المدخل للطبعة العربية بعد نزوحه إلى مصر سنة ١٩٥٦، أنه جمع ما بقي عنده من قصاصات مكتوبة وتسجيلات الذاكرة، وبذلك (أنقذنا ... جوهر الموضوع، وهو الاهتمام بتحقيق منهج تحليلي في دراسة الظاهرة القرآنية) (١). وفي المقدمة التي كتبها عبد العزيز الخالدي لكتاب (شروط النهضة) قال عن (الظاهرة القرآنية) إن ابن نبي قد (حشد فيه مشاكل وجاء فيه بطريقة جديدة في تفسير القرآن للمرة الأولى). وبناء على الخالدي فإن ابن نبي قد تأثر في الظاهرة القرآنية) بمشهد شباب الإسلام الذين استهوتهم المناقشة الخطيرة بين العلم والدين: فاستنتج من ذلك نتانج (أراد تبليغها للضمائر الأخرى) (٢). ومن الواضح أن الظاهرة القرآنية في طبعته العربية قد تطور وأضيف إليه وابتعد كثيرا عن الطبعة الفرنسية. وذلك بعد الإضافات والتنقيحات وإعادة الترتيب. فنحن إذن في الطبعة العربية الثالثة أمام كتاب جديد تقريبا. وقد نوه به وبطريقة مؤلفه عدد من الباحثين في أساليب وتفسير القرآن، ومنهم الشيخ

стр. 3052

محمود شاكر. وأخبرنا هذا أنه كان قد وقع في ما وقع فيه مالك بن نبي من القلق، وأنه فكر في نفس المنهج، ولكن ابن نبي استطاع أن يعبر عن قلقه وأن يصدر كتابه بمنهج جديد، بينما بقي شاكر في حيرته إلى أن اطلع على هذا الكتاب. يقول شاكر إنه بعد قراءته للظاهرة القرآنية وجد نفسه (يسير في دروب قد طال عهدي بها). وفي نظره أن ابن نبي لم يؤلف الكتاب (إلا بعد أن سقط في مثل الفتن التي سقطت فيها من قبل، ثم أقال الله عثرته بالهداية، فكان طريقه إلى المذهب الصحيح هو ما ضمنه كتابه من بعض دلائل إثبات إعجاز القرآن وأنه كتاب منزل). وفي نظر الشيخ شاكر أن المنهج الذي سلكه ابن نبي يستمد أصوله من تأمل عميق في طبيعة النفس البشرية وفي غريزة التدين عند الانسان وفي تاريخ المذاهب والعقائد التي توصف بالتناقض أحيانا. ومن جهة أخرى استمد منهج ابن نبي أصوله من الفحص الدائم في تاريخ النبوة وخصائصها وفي سيرة الرسول ﷺ ، ثم في القرآن الكريم على أنه كلام الله وليس من كلام البشر. إن معركة الدين والعلم، والعقل والشك، وصراع الثقافات والأفكار ليست جديدة، فقد جربها علماء الإسلام منذ عهود غابرة. وقد شهد عصر ابن نبي حرب الثقافات. وإذا كانت حروب الاستعمار بطريق الغزو والغلبة قد انتهت أو خفت، فإن حرب الثقافات أو ما يسميه ابن نبي (صراع الأفكار) ما يزال على أشده. (وهو أخطر المعركتين وأبعدهما أثرا، على تقويض الحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. كما استنتج الشيخ شاكر. ويتجه الاهتمام بدور التكوين في الجامعات الأجنبية وتأثير الدراسات ووسائل الإعلام الغربية وأعمال المستشرقين على شباب العالم الإسلامي، وإخراج نماذج منهم جنودا لهم في هذا الميدان، يعملون عن علم أو جهل على تعتيم الحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. ومن ذلك إدخال المستشرقين الشك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة إعجاز القرآن وتدمير الوسائل الصحيحة للتوصل إلى ذلك. فهل نفهم من هذا أن كتاب الظاهرة القرآنية هو إثبات إعجاز القرآن

стр. 3053

والدفاع عن ظاهرة النبوة والرد على المستشرقين ومن سار في ركابهم، مثل طه حسين، حين شككوا في الشعر الجاهلي؟ إن الظاهرة القرآنية يتعرض لهذه القضية بوضوح. وهو يذكر مارجليوث وطه حسين بالإسم، ويقول الشيخ شاكر إن ابن نبي قد خرج من هذه القضية الأدبية - التاريخية إلى قضية تفسير القرآن نفسه. وقارن الأسلوب القرآني بأسلوب الأدب الجاهلي، وأوضح تفوق كلام الله (القرآن) في ذلك. ولو طبق المنهج الذي جاء به مرجليوث لانهار الدليل على تفوق القرآن وإعجازه. لكن من رأى شاكر أن هذه المسألة (المقارنة) خارجة عن إعجاز القرآن. ذلك أن غاية علم التفسير إنما هي (بيان معاني ألفاظ (القرآن) مفردة، وجملة مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني، سواء في ذلك آيات الخبر والقصص، وآيات الأدب، وآيات الأحكام، وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن. وهو أمر عن إعجاز القرآن بمعزل). وإذن ما هو إعجاز القرآن وكيف نتوصل إليه؟ يقول الشيخ شاكر: أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي، أو بقضايا الشعر جميعا، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية وأساليب العربية وغير العربية، ومقارنتها بأسلوب القرآن، فهو علم إعجاز القرآن ثم علم البلاغة (١). عالج مالك بن نبي في (الظاهرة القرآنية) عدة قضايا، منها، كما قلنا، دلائل النبوة، وعلم التفسير، ومسألة إعجاز القرآن، ومقارنة النصوص القرآنية ببعض نصوص الكتب المقدسة الأخرى. ورد ابن نبي على بعض آراء المستشرقين في مسألة الأصول النفسية والأدبية للتراث العربي قبل الإسلام وصلته بالقرآن وإعجازه. واعتمد على بعض النظريات الحديثة وثقافته العلمية الواسعة وعلى بعض المذاهب النفسية والأدبية التي ظهرت منذ الحرب العالمية الأولى، من أجل إثبات نظريته في إعجاز القرآن ودلائل النبوة. وإذا نظرنا إلى كتاب (الظاهرة القرآنية) على أنه أول تأليف له ضمن سلسلة من

стр. 3054

المؤلفات اللاحقة، علمنا الأساس الذي انطلق منه ابن نبي في اتجاهه الفكري، وهو تنوير الشباب الإسلامي وربط الحاضر بعهد النهضة الإسلامية الأولى، وبث روح الأمل والانطلاق نحو نهضة إسلامية جديدة (١). ... وهناك إنتاج آخر متصل بالقرآن قام به بعض الجزائريين، ونعتقد أن هنا مجال الحديث عنه. ونقصد بذلك ترجمة القرآن وبعض الدراسات المستمدة منه. أما الترجمة فقد قام بها جزائريان وهما: أحمد لعيمش ومحمد بن داود. الأول كان قاضيا ومتخصصا في الفقه والدين والتوثيق، والثاني كان ضابطا، في الجيش الفرنسي مدة حياته. وقد ظهرت الترجمة الفرنسية سنة ١٩٣٣، كما نفهم من تعليق المعلقين عليها (٢). وكانت الترجمة إلى الفرنسية محتكرة في الماضي للعلماء الفرنسيين. ويبدو من تعليق السيد كنار أنه إذا كانت ترجمات المستشرقين تفتقر إلى الدقة أحيانا وإلى عدم الإلمام بكل الجوانب التاريخية واللغوية، فان الترجمة الجزائرية لم تخل أيضا من المآخذ. ومن ذلك ترجمة الآية ﴿لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ بالتعود على الهجرة، بينما هي، حسب رأي كنار، تعني القافلة التجارية. وانتقد المترجمين على جهلهما معنى (إيلاف) التي تعني عنده عهد الأمان والرخصة التي كانت قريش تحصل عليها من ملوك الفرس والروم لكي يتاجروا دون إزعاج من الدولتين المتحاربتين. وكلمة إيلاف قد شرحها المسعودي في المروج وفسرها بالأمان وكذلك الطبري. كما انتقد كنار ترجمة لعيمش وابن داود على افتقارها للتعاليق والتوضيحات لأن القرآن لا يفهم وحده بنصه فقط، سيما عند القارئ العادي. كما انتقد كثرة الأخطاء

стр. 3055

اللغوية والتعبيرية. ولكن كنار أشاد بالترجمة من جهة أخرى وهي أنها تعبر عن إخلاص المترجمين وحماسهما، وأنها جاءت من مسلمين وليس من مستشرقين (١). ٩ - في سنة ١٩٥٤ صدر إعلان عن قرب صدور كتاب بعنوان (مقاصد القرآن) للشيخ محمد الصالح الصديق (٢). وقد صدر منه جزء في آخر هذه السنة. وكان صاحبه يخطط لوضع أجزاء لما اختاره من موضوعات في مقاصد القرآن، ولكن أحداث الثورة والوضع المادي له جعله يجمد المشروع إلى سنة ١٩٨٢ حين أعاد طبع الأول وأضاف إليه جزءا ثانيا (٣). قال عنه أحد المراجعين للكتاب انه (تفسير توجيهي) لبعض آيات القرآن الكريم. وقد شملت الموضوعات قضايا دينية وفكرية واجتماعية. ونحن إذ نتحدث عن الطبعة الثانية نلاحظ أنها تضمنت ثمانية أبواب وفي كل باب فصول، وفي كل فصل تفسير آية معينة. وتضمن التفسير العناية بالتوضيح اللفظي والشرح المعنوي، أي المعنى الإجمالي للآية وإسناد ذلك بالبراهين من الحديث والآيات وآراء بعض العلماء. وفي ذكر عناوين الأبواب بيان لمحتوى الكتاب فهي: التوحيد، والعقائد والدين، والتشريع، والعبادات، والقصص، وإعجاز القرآن، وأصول المثل الأعلى، والنظم الاجتماعية. وبعض الأبواب قد شملت أكثر من عشرين فصلا، ولكن بعضها لا يضم سوى فصل واحد مثل فصل إعجاز القرآن. وهذا التناول داخل في الدراسات القرآنية أكثر مما هو في تفسير القرآن. ولكنا ذكرناه هنا لأن مؤلفه ركز كثيرا على إيراد الآيات وشرحها شرحا يدعم المقصد الذي يرمي إليه. والشيخ الصديق أديب وفقيه وله فكر

стр. 3056

نير، فانسجم عنده فهم القرآن مع أفكار العصر، ولا ندري مدى تأثره بأسلوب ابن باديس ورشيد رضا في تناول موضوعات كتابه، ولكنه درس على بعض شيوخ الزيتونة المتنورين. وهكذا فان تناوله للآيات القرآنية ليس تناولا تقليديا جامدا، وإنما هو تناول يسير في نظرنا في تيار الاصلاح الذي نادى به ابن باديس. ١٠ - وآخر ما نشير إليه هو الكتيب الذي أصدره محبوب محمد بن بلقاسم سنة ١٩٥٦ تحت عنوان (تمرد القرآن على العصور). وهو ليس في موضوع التفسير نفسه ولكنه محاولة لفهم القرآن فهما أدبيا خاصا. ويبدو أن المؤلف كان من الشباب الثائر المتحمس الذي تظهره الصورة حاسر الرأس وبلباسه الأروبي. وجاء في (المقصد) أن القرآن الكريم تطرق إلى جميع المواضيع التي تتصل بالحياة البشرية، ثم رأى أن القرآن ليس خاصا بجيل دون آخر، ولا بزمن محدود وأنه كتاب مليء بالأسرار التي يكتشفها كل جيل حسب إمكاناته. ورأى في (المقدمة) أن تفسير القرآن حق مشاع بشرط ألا يتنافى تأويله مع القواعد اللغوية. وقام المؤلف الشاب ضد الذل احتكروا تفسير القرآن!، ورأى أن القرآن ليس كتاب عبادة ودين فقط، ولكنه كتاب أدب وتاريخ وقانون، الخ. ومن الموضوعات التي طرقها المؤلف في فهمه وتأويله للقرآن هذه العناوين: القرآن والاختراع، القرآن والمأساة، القرآن والمنكوبون في الحب، القرآن والمذنبون، والدبلوماسية في القرآن. وقد ضاق المؤلف، فيما يبدو، باحتكار فهم القرآن للفقهاء فقط، فرأى أن يسجل رأيه بحرية ويحاول فهم القرآن فهما مباشرا بنفسه. ولكنه لا يذكر مراجع ولا يحيل على تفاسير أخرى (١).

стр. 3057

القراءات ورسم القرآن وعلم القراءات ذو صلة وطيدة بالقرآن وفهمه ودراسته. وقد عرفه بعضهم بأنه علم يبحث في الكيفية التي تنطبق بها كلمات القرآن الكريم، وطريقة أدائها اتفاقا واختلافا، مع نسبة كل وجه من القراءة إلى ناقله (١). وهو علم قديم لدى الجزائريين برع فيه بعضهم، وتكونت لهم فيه مدارس خاصة، ولا سيما في زواوة. وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء الثاني، ولهم فيه أسانيد موثقة يتوارثونها. ومن ذلك أسانيد أبي القاسم البوجليلي التي سجلها في كتابه التبصرة. ولعلم القراءات مراجع أساسية كانت متداولة مثل حرز الأماني للشاطبي، وسراج القارئ للناصح، وغيث النفع للنوري. وقد درس الشيخ المهدي البوعبدلي أسانيد البوجليلي في القراءات وقدم ذلك في دراسة هامة إلى ملتقى الفكر الإسلامي الخامس عشر. وكنا قد ترجمنا للبوجليلي في غير هذا المكان (٢). فهو من علماء القرن الماضي المتنورين ثقافيا وصوفيا وسياسيا. وكان الوريث الطبيعي في قيادة الطريقة الرحمانية بعد الشيخ الحداد، لولا ما حدث في آخر لحظة - كما يقال - من منح البركة إلى الشيخ ابن الحملاوي، لأسباب ما تزال مجهولة. وللبوجليلي عدة تآليف في النحو والقراءات والفقه. وقد روى عن شيخه الحداد أن النحو فرض عين، وأنه ضروري لتعاطي التفسير وفهم القرآن، والنحو كذلك ضروري للقراءات والتجويد وإدراك معاني المقروء. وكتاب التبصرة في القراءات بالروايات العشر، مقسم إلى مقدمة وتضم خمس فوائد، منها إسناد قراءته، وتواريخ وفاة بعض شيوخه، ومنها ذكر فضائل القرآن الكريم، وتسمية الرواة وترتيب القراء. ثم شمل الكتاب أنواع القراءات وسرد الآيات والسور. وقد بدأه بقوله: وبعد، فهذه تبصرة لما

стр. 3058

قرأناه في روايات العشر عن أساتذتنا المشائخ الأعلام. وقال إنه بدأ القراءة عن والده صغيرا، ثم انتقل إلى زاوية عبد الرحمن اليلولي عام ١٢٦١ وقرأ على الشيخ العربي الإخداشي برواية قالون، وعلى معمر الطاهر الجنادي، ومحمد بن علي بن مالك برواية قالون وغيره. وقد مكث الشيخ البوجليلي في الزاوية المذكورة سنوات طويلة - نحو ثلاثين سنة -. وكان الجنادي قد أخذ عن محمد بن يحيى اليراثني. وذكر من شيوخه كذلك الشيخ محمد الحداد الذي أخذ عنه المنطق من السلم، والاستعارات من السمرقندية، وكذلك الفقه والنحو، والبلاغة على الجوهر المكون للأخضري (المعاني والبيان) (١). وسند البوجليلي في القراءات يمكن اختصاره فيما يلي: فمن شيوخه محمد بن يحيى اليراثني المذكور، عن محمد بن بسعي، عن عبد الله بن خراط. ومن شيوخه العربي الأخداشي المذكور، وقد أخذ عن صالح بأولاد أعمر وازقان. ومن شيوخه كذلك محمد بن علي بن مالك، وهذا عن أحمد بن بدير الشملالي، عن ابن تغريت، عن الحسين بن قري اليعلوي، عن محمد بن عنتر البتروني، عن عبد الرحمن اليلولي، عن امحمد السعد الدلسي، عن عبد الرحمن الفاسي، عن عبد الواحد بن عاشر شارح كتاب (مورد الظمآن في علم رسم القرآن). وكان لكل من محمد بن بسعى ومحمد بن عنتر تقاييد في علم القراءات (٢). وقد توفي البوجليلي سنة ١٨٩٥. ومن علماء القراءات علي بن عبد الرحمن الحفاف، مفتي المالكية في

стр. 3059

وقته، والمتوفى سنة ١٣٠٧ (١٨٩٠). فهو والبوجليلي متعاصران وربما لم تكن هناك صلة بينهما، لأن أحدهما من العلماء المستقلين والآخر من العلماء الموظفين ولكن مشربهما واحد. فقد كان ابن الحفاف من الذين ضاقوا ذرعا بالاحتلال، وانضم للأمير عبد القادر، ثم عاد إلى العاصمة وإلى عائلته بعد فشل المقاومة ووظفه الفرنسيون قصدا لأنه كان ضدهم. وظل يتدرج في الوظيف إلى تعيينه مفتيا، كما ذكرنا. وقد أدى فريضة الحج سنة ١٢٨٠ والتقى ببعض شيوخ المشرق، منهم الشيخ أحمد دحلان، في الحرمين، وتناقش معه في مسألة قراءة البسملة في الصلاة. وقد أوحى ذلك النقاش إلى ابن الحفاف برسالة في هذا المعنى وسنعرض إليها. وكان ابن الحفاف متبرما بالبقاء في الجزائر ويهم بالهجرة لولا أن الشيخ بيرم الخامس نصحه سنة ١٨٧٨ بالبقاء والصبر لهداية عامة الناس والمشاركة ولو بأضعف الإيمان في خدمة الدين. وقد تعرضنا إلى أطوار حياة ابن الحفاف في غير هذا المكان (١). ألف علي بن الحفاف رسالة باسم (الدقائق المفصلة في تحرير آية البسملة)، وهي نتيجة حديثه مع الشيخ دحلان مفتي الشافعية بمكة المكرمة. وكان تاريخ تأليف الرسالة هو ١٢٨٦ هد. ويقول الشيخ المهدي البوعبدلي ان ابن الحفاف قد ذيل رسالته برد على رسالة كتبها في نفس الموضوع الشيخ محمد عليش شيخ المذهب المالكي بالأزهر أيد فيها نظرية الشيخ دحلان. وقال ابن الحفاف انه اتصل برد الشيخ عليش ولم يقبله. (وذيلت الدقائق المفصلة ... بما ورد علي من بعض فضلاء مصر، وهو العلامة الشيخ محمد عليش الذي استدل بكلام الشيخ (محمد) الأمير المنقول من تأليفه (ضوء الشموع على شرح المجموع). أما التأليف الخاص بعلم القراءات فهو (منة المتعال في تكميل

стр. 3060

الاستدلال) في القراءات السبع. ألفه علي بن الحفاف في آخر عمره، وقد أتمه رغم ضخامة حجمه، وأصبح الكتاب متداولا بين أيدي الطلاب والقراء عموما. ولكننا لا نعرف أنه طبع. ولعل هذا التأليف جاء نتيجة تدريسه علم القراءات والتجويد في الجامع الكبير. ونحن نعرف أنه بدأ حياته حزابا هناك، وكانت لأسرته تقاليد موروثة في هذه الوظائف. ونفهم من المقدمة دوافعه إلى هذا التأليف والمراجع التي استقى منها. يقول: (الحمد لله الذي شرفنا بتلاوة كتابه، وتفضل علينا بخدمته وفهم خطابه ... وبعد ... لما كان النفع (أي الغيث النافع) للشيخ سيدي علي النوري خاليا من الاستدلال بكلام الإمام أبي القاسم الشاطبي، وكان (إنشاد الشريد) للشيخ سيدي محمد بن غازي مقتصرا على خوالي القصيد، أردت أن أجعل تأليفا مشتملا على تمام الاستدلال بما في المحل من زيادة ما يسره الله، قاصدا وجه الله لنفع الإخوان، معترفا بأني لست من فرسان الميدان، مرتكبا طريقة سيدي علي النوري، مشيرا باللام للإمالة، وبالصاد للإدغام الصغير، وبالكاف للكبير، وسميته منة المتعال ...). وأشار في نهاية العمل إلى أنه قد انتهى منه (١). وقد نظم الشيخ أطفيش (محمد بن يوسف) أيضا أرجوزة في القراءات والتجويد طبعت على الحجر. ولم نطلع عليها ولا على وصف لها. ولأحمد بن عبد الله دغمان القماري المتوفى سنة ١٣٠٩ (١٨٩١) رسالة في الموضوع سماها (الإجابة بحسم خلاف أساؤوا السؤى في الكتابة). وكان الشيخ دغمان من قضاة وقراء الوقت. وله أشعار وفتاوى، وقد درس في الزيتونة، وتوظف في عدة أماكن كالوادي وقمار والكاف (تونس) (٢).

стр. 3061

وهناك أرجوزة طويلة في رسم القرآن أيضا وطريقة التجويد والقراءة من نظم الشيخ أحمد بن رابح. وهو من نواحي ندرومة. والنظم ما يزال مخطوطا، حسب علمنا ولا نعرف له عنوانا (١). ومن تآليف إدريس بن محفوظ الدلسي في القراءات والتجويد والرسم نذكر: (الدرر الحسان في الرسم والتعليم وتلاوة القرآن)، وكذلك (إتحاف الإخوان في القرآن). وفي نظرنا أن هناك آخرين تناولوا علم القراءات تأليفا ونظما خلال العهد المدروس، ولكن لم تصل إلينا بعد أخبارهم. فهو علم ليس بالصعوبة التي عليها تفسير القرآن الكريم مثلا (٢). الحديث الشريف بالقياس إلى العناية ببعض العلوم الأخرى وإلى شهرة كتب الحديث عندهم في الماضي، فان علماء الجزائر لم يتركوا عملا مهما في علم الحديث خلال العهد الفرنسي. كانت الصحاح الستة موضوع عناية أجدادهم، ولا سيما الصحيحان البخاري ومسلم. وقد علق أحدهم ذات يوم بأن صحيح البخاري كان لدى الجزائريين أكثر شهرة من القرآن الكريم، وقد اشتهر بعض المحدثين والحفاظ في العهد السابق للاحتلال. غير أن هذا العلم تضاءلت معارفه منذ ١٨٣٠، وقل رواته والمؤلفون فيه حتى كدنا لا نجد فيه مؤلفا واحدا له قيمة خلال أكثر من مائة سنة. لماذا هذه الظاهرة؟ هل ذلك يرجع

стр. 3062

إلى أن علم الحديث يقوم على الرواية والدراية والحفظ بينما ذهب كل ذلك تقريبا مع اضمحلال المدارس والتعليم وهجرة الأكفاء من العلماء؟ أو هناك سر آخر، قد يكون هو طغيان التصوف على حياة الناس؟. ولقد عثرنا في التراجم على بعض الإشارات إلى وجود شروح في الحديث النبوي، وبعض المؤلفات أو التقاييد حول صحيح البخاري وصحيح مسلم. ولكنها إشارات خاطفة وعناوين مجردة لا تدل على الجهد الذي يستحقه عمل في هذا المجال. وهكذا وجدنا إشارات في ترجمة أحمد العباسي، ومحمد بن يوسف أطفيش، ومحمد بن علي السنوسي، وأضرابهم. ويبدو لنا أن العناية بالحديث قد انقطعت أو كادت منذ الشيخ أبوراس الناصر، ولم تستأنف إلا على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس. وظلت مع ذلك مبالغة بعض الرحالة تؤكد أن علماء الجزائر مشهورون برواية الحديث .. وإقامة المولد النبوي مثل ما كان في القدم (١). وكان هذا الوصف قد صدر سنة ١٨٧٧. وكثيرا ما أطلق عبد الحي الكتاني وأمثاله من المهتمين بالأسانيد والإجازات أن فلانا كان (محدثا) وأنه يروى عن سلسلة طويلة. وعلى ذكر هذه السلاسل نقول إن رجال التصوف قد اعتنوا بالرواية أيضا في هذا المجال، وكان لكل منهم سلسلته النسبية (الشرف) والطرقية. وربما اختلط على بعض المستعجلين أمر رواية الحديث وتصحيحها وإسنادها بأمر رواية الأنساب الصوفية ووارثي بركاتها. ولحاجة ما كان هناك تنافس بين رجال الحديث ورجال التصوف. ومن كبار المحدثين عبد الله سقاط وهو حفيد عبد القادر المشرفي. وذكره الطيب بن المختار في (القول الأعم) ووصفه بـ (إمام الحديث). ثم أضاف أنه كان عالما بالعربية والتاريخ، وأنه تولى القضاء في العهد العثماني وفي عهد الأمير عبد القادر. وكان سقاط (ينطق أيضا سقط) قد أوفده الأمير إلى سلطان المغرب ونجح في وفادته، ولما وقعت كارثة الزمالة (١٨٤٣)

стр. 3063

هاجر بعائلته وعائلة الأمير إلى المغرب، وتوفي في الطريق بين فاس ومكناس. ورغم أننا لا نعرف لعبد الله سقاط المشرفي أي تأليف في الحديث، فإن علماء الأسانيد ذكروه من رجالها المعدودين (١). وكان سقاط المشرفي قد حظى بجاه عظيم لدى السلطان عبد الرحمن بن هشام، وهذا السلطان هو الذي أعفى المشارف (الأشراف) كلهم من دفع الضرائب. أما عبد الحي الكتاني فقد أطنب في وصف سقاط. وهو عنده زين العابدين عبد القادر عرف بن عبد الله بن مصطفى بن محمد بن عبد القادر بن عبد الله المشرفي. وقال عنه انه (مسند المغرب الأوسط في وسط القرن المنصرم) (أي القرن ١٣). وقد حصل سقاط على عدة إجازات من المشرق والمغرب. ولكن الكتاني يقول ان قومه قد ضيعوه لأنهم لا يحفظون له الآن من شيوخه سوى أبي رأس الناصر. وممن ترجم لسقاط أيضا أبو حامد المشرفي في كتابه ياقوتة النسب. فقد قال عنه انه كان حافظا حجة في السيرة النبوية وكان يحفظ البخاري متنا وإسنادا، وكذلك كان يفعل مع صحيح مسلم. وأكد المشرفي ما قلناه من أن سقاط كان أيضا من علماء التاريخ والأنساب والمذهب المالكي. وقد كان سقاط قد أدى فريضة الحج ولقى شيوخا أخذوا عنه وأخذ عنهم. وله فهرسة (ثبت) تشهد بذلك. وقد ذكر الكتاني أن لديه عددا من إجازات العلماء لسقاط، ومنهم علي بن محمد الميلي، الذي أشرنا إليه، ومرتضى الزبيدي، وعددا من شيوخ مصر والحجاز. وله أيضا شيوخ جزائريون أجازوه، منهم محمد الطاهر بن عبد القادر المشرفي، وعبد القادر بن محمد السنوسي المعروف بابن زرفة، وعلي بن الأمين. وقد أكد الكتاني ما قلناه عن سقاط من كونه وفد على سلطان المغرب، ثم

стр. 3064

حل بالمغرب بعد ١٨٤٣، وكان السلطان يحضر مجلسه في صحيح البخاري. وقد مدح السلطان بقصيدة نوه فيها بمدينة فاس فاستحق عليها مكافأة، ومنها: إن المليحة فاس لا يقاس بها ... إيوان كسرى ولا صرح لذي سرج وقد عاش بعد ذلك أكثر من عشر سنوات، ومنح الإجازة لعدد من علماء المغرب ذكرهم عبد الحي الكتاني. وربما كان قربه من السلطان مثار حسد أيضا. وربما لعبت السياسة لعبتها جد هزيمة الأمير وتغير سياسة السلطان نحو بطل المقاومة. فقد ذكر الكتاني أن سقاط كان في طريقه إلى مكناس فأدركه الموت، قيل مسموما وقيل مخنوقا، سنة (١٢٧٠) (١٨٥٤). وقد دفن بعد ذلك في ضريح الشيخ محمد بن عيسى في مكناس، وابن عيسى هو مؤسس الطريقة العيساوية الشهيرة. ونحن نعرف أن سقاط لم يكن الأول في هذا الموت المشبوه، فقد سبقه إليه محمد البوحميدي الولهاصي مبعوث الأمير إلى السلطان أيضا في نوفمبر ١٨٤٧ في آخر محاولة للأمير لإصلاح العلاقات مع السلطان، ولكن البوحميدي لم يرجع وكان مصيره الموت وهو في ريعان الفتوة والاستعداد لمواصلة المقاومة. ويروى الكتاني عن سقاط بطرق منها: علي بن ظاهر المدني الوتري عن شيوخ المغرب الذين أجازهم سقاط مثل أحمد الأزدي وعلي الشدادي. ويروى عنه إجازة عن أحمد بن البشير المختار التلمساني عن شيخه حسن بن محمد الشريقي. كما أن الكتاني يروى سماعا عن سقاط من قبل الطيب بن المختار عن الشيخين المذكورين: المختار والشريقي. وقد اطلع محمد المنوني على مجموع إجازات الشيخ بن عبد الله سقاط. وهي تضم خمس عشرة إجازة من أعلام الجزائر والمشرق. ولا ندري إن كان الكتاني قد حصل على هذه الإجازات، وربما تكون هي التي يشير إليها بالفهرسة (١).

стр. 3065

والوصف الذي أطلق على سقاط في إمامة الحديث قد أطلق على غيره أيضا، ولكن الأدلة تعوزنا. ولذلك سنكتفي بذكر العناوين التي عثرنا عليها. ١ - بغية السول في الاجتهاد والعمل بحديث الرسول: لمحمد بن علي السنوسي، مؤسس الطريقة السنوسية. وهو من تلاميذ أبي راس الناصر في الحديث، وقد قال عنه انه ناهز التسعين سنة. وكان السنوسي، رغم عنايته بالتصوف، قد التزم بالعمل بالحديث، واعتمد في دعوته على نوع من السلفية المعتدلة. وقد خالف في ذلك الكثير من رجال الطرق. ٢ - إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن: وقد قيل انه طبع بالجزائر. وهو دليل آخر على أن السنوسي كان له اجتهاده الخاص في الاهتمام بعلم الحديث والعمل به. وهو ما جعل طريقته أقرب إلى المعاصرة من جهة وإلى الدعوة السلفية من جهة أخرى. ٣ - تقاييد على صحيح مسلم: وضعها أحمد بن سعيد العباسي، قاضي أحمد باي، والمتوفى في قسنطينة سنة ١٨٣٦ هـ غير أنه لم يتم عمله. ولا يدل العنوان على مشروع كتاب وإنما على تعاليق وبعض الآراء حول أحد الصحيحين الشهيرين. وقد كان العباسي من علماء اللغة والأدب والبلاغة أيضا. وكان يجمع إلى ذلك علوم المنطق والكلام والتاريخ (١). ٤ - شرح على صحيح البخاري: بدأه الحاج الداودي التلمساني المتوفى سنة ١٨٥٤. وقد نشأ في تلمسان ثم ساح في الأرض، فذهب إلى فاس والقاهرة والحجاز، ثم رجع إلى تلمسان. ويبدو أن ذلك كان في عهد

стр. 3066

المقاومة حيث هاجر العديد من المتعلمين. وقد تولى بعد رجوعه القضاء وتوفي بتلمسان. وكان الحاج الداودي قد اعتنى بحياة الرسول ﷺ فشرح قصيدتي البوصيري البردة والهمزية أيضا. كما أنه وضع حاشية على شرح السعد في البلاغة. ويدل ذلك على اهتمامه بالحديث والأدب (١). ٥ - شرح صحيح البخاري لعلي الونيسي. وقد توفي هذا عن ٩٢ سنة. وقيل ان الشرح قد وصل إلى إثني عشر جزءا. ولكننا لا ندري طريقته في ذلك. ولا دوافعه، ولا في أي شيء اختلف شرحه عن شروح البخاري الأخرى. على أن جهده يدل على تمكنه من ثقافة أدبية ودينية عميقة. وللونيسي مؤلفات أخرى (٢)، منها ختمات كثيرة في كتب الحديث مثل الصحيحين والموطأ والشفا. ٦ - وفاء الضمانة في أداء الأمانة، لمحمد بن يوسف أطفيش، وهو كتاب في جزئين ومطبوع. ولأطفيش مؤلفات أخرى في الحديث أيضا منها (جامع الشمل) وهو في جزء واحد، و (ترتيب الترتيب) في جزء أيضا. ولا ندري إن كانا مطبوعين. وجاء في خطبة (وفاء الضمانة) (٣) قول مؤلفه: (وبعد، فهذا كتاب في أحاديث ترويها الصحابة ﵃ مما له سند عند العلماء، ووصلنا من لدنهم، وسميته ... يشتمل على مقدمة وأربعين حدين من كل فن، وقد تتم بالموقوف الذي كالمتصل المألوف). وقد خص المقدمة بفصلين، أولهما طويل، وهو في أنواع الحديث الصحيح، وعرفه بأنه هو الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم من شذوذ العلة (٤). وليس للفصل الثاني

стр. 3067

عنوان خاص وهو قصير. وبعد المقدمة أخذ المؤلف في ذكر أربعين حديثا لكل فن أو موضوع، وهكذا جاء بأربعين حديثا في توحيد الله، ثم أربعين أخرى في الطهارة والنجاسة، وسار على هذا النسق، في الفقه، وفي المعاملات، وفي العبادات، وليس هناك تبويب لهذه الموضوعات، والالتزام الوحيد هو ذكر أربعين حديثا لكل موضوع مع تدخل قليل لشرح أو ربط حديث بآخر أو بحادثة ما، فدور المؤلف في معظم الأحيان هو جمع المادة وترتيها. ورغم أن أنواع الحديث ودرجاته معروفة ومؤلف فيها، فإن الفصل الأول من المقدمة يعتبر على غاية من الأهمية لتدخل المؤلف وبيان أنواع الحديث بطريقته وأسلوبه. وطريقة أطفيش في تفسير الأحاديث في (وفاء الضمانة) تشبه طريقته في تفسير القرآن في (تيسير التفسير). فهو في كلا الحالتين لا يتدخل لإعطاء رأيه في المسائل المعاصرة، وربط الحديث أو الآية بواقع المسلمين. ٧ - غنية القاري في ثلاثيات البخاري: كتاب مذكور في ترجمة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي، تلميذ محمد بن عزوز في الطريقة الرحمانية. وكان من علماء الوقت عندما وقع الاحتلال سنة ١٨٣٠. وقد ذكرنا هذا الشيخ في عدة مناسبات (١). ٨ - اعتنى الأمير عبد القادر كثيرا بعلم الحديث بعد نفيه إلى بلاد الشام. ويذكر ابنه في (التحفة) أن والده كان يدرب الكتب التالية: الإتقان في علوم القرآن للوسيطي، وكتاب الإبريز في مناقب سيدي عبد العزيز لأحمد المبارك، وذلك في المدرسة الجقمقية، ثم كتاب الشفا للقاضي عياض والعقائد النسفية وصحيح مسلم، في المشهد الحسيني والمشهد السفرجلاني من جامع سيدي يحيى، وذكر صاحب (التحفة) أن الأمير كان قد اعتكف سنين في جامع سيدي يحيى في شهر رمضان، وذلك قبل حجة الثاني سنة ١٨٦٤، أما بعد حجه فقد كان يدرس في منزل الضيوف من داره. وهذا يدل

стр. 3068

على عناية الأمير بكتب الحديث. وكان الأمير معتنيا أيضا بصحيح البخاري، وكان تدريسه له في المدرسة الأشرفية المعروفة بدار الحديث النووية بسورية. وكان يدرس الحديث رواية بحضور جمع من العلماء بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر. وقد ختم البخاري وأقيم لذلك حفل ضخم وزعت فيه الإجازات العلمية، وأنشدت فيه القصائد (١). ولا ندري إن كان الأمير قد ترك تأليفا كاملا في علم الحديث. ويجب أن نذكر أيضا أن بعض الجزائريين قام بترجمة (البيقونية) في علم الحديث إلى الفرنسية، ونشر ذلك سنة ١٩٠٨. وتقع الترجمة في ٢٤ صفحة. أما الذي قام بذلك فهو أبو بكر عبد السلام ابن شعيب، وهو أحد خريجي المدارس الرسمية الثلاث وابن قاضي تلمسان شعيب بن علي. ومن المعروف أن ابن باديس قد نشر حلقات في (الشهاب) بعنوان دائم يشرح فيه الحديث الشريف، وهو (مجالس التذكير) الذي سبق ذكره. وطريقة ابن باديس في شرح الحديث تشبه طريقته في تفسير القرآن، فهو يتناول الحديث ليستنتج منه نتائج وعبرا حول الحاضر والظروف السياسية والثقافية التي يعيشها العالم الإسلامي والجزائر. وإلى الآن لم تفسر طريقته ولم تجمع نصوص شرحه للأحاديث كما فعل الباحثون مع تفسيره للقرآن (٢). وهناك غير ابن باديس في هذا المجال. فقد كان بعض العلماء، أحرارا ورسميين، يتولون تفسير الأحاديث النبوية بطريقة الوعظ والإرشاد سواء في شكل دروس في المساجد أو الاجتماعات أو مناسبات رمضان أو في شكل تحارير يكتبونها لبعض الصحف والمجلات. ومن هؤلاء الشيخ أبو يعلى الزواوي والطيب العقبي وأحمد سحنون ومحمد العاصمي في هذا القرن.

стр. 3069

وربما فعل ذلك سلفهم أمثال العمالي وابن الموهوب وابن سماية ومحمد بن مصطفى خوجة. ومما يذكر أن محمد العاصمي كان ينشر في مجلة (صوت المسجد) الرسمية مقالة رئيسية بعنوان (عرض وتلخيص واستنتاج من شرح الحديث الشريف) (١). أما أحمد سحنون فقد كان له ركن بجريدة (البصائر) عنوانه (منبر الوعظ والإرشاد) (٢). فدراسة وتدريس الحديث الشريف لم تكن منظمة ولا مبوبة وإنما كانت تأتي في شكل مختارات من الأفكار للمناسبات، ثم أن تقديم النصوص يقوم على قدرة الدارسين في الاستنباط والفهم، وهم في ذلك درجات متباعدة أحيانا. تأليف في الحديث والوعظ، وضعه محمد وعلي السحنوني. وقيل إن هذا التقييد كان موجودا إلى سنة ١٩٥٨. أما مؤلفه فهو من أهل القرن الماضي ومن شيوخ الطريقة الرحمانية ومجاهدي ثورة ١٨٧١. وقد نفي إلى إحدى المستعمرات الفرنسية، ولكنه فر منها إلى الحجاز حيث قضى بقية حياته (٣). وبالنسبة لرواية الحديث ذكر أن محمد بن أبي شنب قدم دراسة سنة ١٩٠٥ إلى مؤتمر المستشرقين بالجزائر. وقد تناول فيها كيف انتقل صحيح البخاري إلى الجزائريين وكيف ظلوا على روايته وسنده عبر العقود (٤). ومن هذه الدراسة نعلم تاريخ إسناد الحديث في الجزائر. وقد كان للإسناد رجاله، ومنهم أحمد بن عمار، وتلاميذه هم الذين عاصروا الاحتلال. وقد انتقل بعضهم إلى مصر مثل ابن العنابي والكبابطي، وبقي آخرون أمثال مصطفى الحرار وعبد الرحمن بن الحفاف، والد المفتي علي بن الحفاف الذي سبق ذكره في القراءات.

стр. 3070

ذكر عبد الحي الكتاني أن أحمد بن محمد بوقندورة الذي كان من علماء العصر وتولى الفتوى الحنفية وأصبح من المعمرين النساك، كان يروى الحديث عن علي بن الحفاف عن أبيه عن جده عن أحمد بن عمار. وقد أخذ الكتاني عن بوقندورة هذا، ورغم أن لدينا ملاحظات ذكرناها في مكانها عن هذا الشيخ (بوقندورة) فان ذلك لا ينقص من علمه في هذا المجال (١). الأثبات الثبت أو الفهرس هو سجل الشيوخ الذين درس عليهم الطالب، ويتضمن عادة أسماء شيوخهم أيضا، وهكذا؛ كما يتضمن أسماء الكتب التي درسوها وأخذها عنهم الطالب. وذلك هو ما يعرف بالسند والأسانيد. وتكون الأسانيد في العلوم، وقد تكون في الطريق الصوفي. ولكن المنهج واحد، وهو حفظ العلم والدين والشرف والنسب من الضياع. وهو الطريقة المثلى في تواتر الأجيال والرواة، ودقة الحديث والرواية. وإذا انقطعت الأسانيد اختلت المعرفة ودخل الزيف. هكذا كانوا يعتقدون، ولذلك كان أغلب أهل العلم والدين يحافظون على سجلاتهم أو فهارسهم التي نسميها هنا أثباتا. وهي تتضمن اسماء الكتب المدرسية واسماء الشيوخ ووفياتهم وأماكنهم وغير ذلك من المعلومات (٢) إنها نوع من الشهادات التي يحصل عليها الطلاب اليوم. مضافا إليها الدقة والتوثيق، في الأصل على الأقل. ولكن هذه الشهادات قد دخلها أيضا الزيف والرياء على مر العصور. وأصبحت بالتدرج تجمع للمباهاة والشهرة، عندما كانت الدفاتر والفهارس

стр. 3071

تنسخ في لحظات، والمجالسة للعلم قد لا تدوم أكثر من ساعات، بل انها تحولت إلى مراسلات وسماعات. فكان ذلك من أسباب ضعف هذه الوسيلة التي كانت من أنبل الوسائل في تبادل المعرفة وتوثيقها. ولا شك أن ذلك راجع في أساسه إلى ضعف مستوى العلم بصفة عامة، واختفاء فحوله الغيورين عليه وعلى سمعتهم، وإلى ضعف الضمائر والركون إلى المجاملات وطلب السمعة (١). وليست مهمتنا هنا نقد الطريقة ولكن وصفها. ولذلك فإننا سنواصل حديثنا عن الأثبات بذكر نماذج منها. ١ - ثبت العباسي: وهو أحمد بن سعيد العباسي، عالم قسنطينة الذي سبقت إليه الإشارة. وثبته هذا يجمع أسانيده في الكتب الصحاح الستة. وقد جمعه له تلميذه الشيخ عبد الحميد الصائغ الحركاتي. ويرويه الكتاني من عدة طرق (٢). ولكننا نعرف أنه كان للشيخ العباسي ولد اسمه محمد، تولى الوظائف الدينية والتعليمية في العهد الفرنسي، وكان للمستشرق شيربونو، فلماذا لا يكون ثبت العباسي عند ولده؟. ٢ - ثبت التواتي البجائي: وهو البشير التواتي البجائي الذي استوطن تونس. وكان عالما بالقراءات التي أخذها في تونس وفي مراكش، كما يقول الكتاني. غير أن هذا العلم كان شائعا وراسخا في الجزائر أيضا، سيما بلاد زواوة. وللشيخ التواتي ثبت اشتمل على أسانيده في القراءات. ولم نطلع عليه لنعرف إن كان منهم بعض الشيوخ الجزائريين. وقد توفي الشيخ التواتي سنة ١٣١١ وفي هذا العهد كان من أبرز شيوخ القراءات، كما عرفنا، هو الشيخ علي بن الحفاف، وأبو القاسم البوجليلي. ولعل اسم (التواتي) يرجع إلى العالم الصالح محمد التواتي دفين بجاية الشهير وصاحب الزاوية بها والذي كان يعيش في أول القرن ١٦ ميلادي. ومهما كان الأمر فان الكتاني يروى ثبت

стр. 3072

التواتي في القراءات عن الشيخ محمد المكي بن عزوز الذي يرويه عن صاحبه (١). ٣ - ثبت ابن السادات: وهو مصطفى بن أحمد بن السادات القسنطيني. وكان هذا يروى عن الشيخ محمد المكي البوطالبي الذي تولى التدريس في المدرسة الكتانية بقسنطينة، وكذلك تولى القضاء، وقد عاصر الاحتلال واختلط بالفرنسيين. وتوفى سنة ١٢٨١. ومصطفى بن السادات كان في آخر عمره عندما روى عنه الكتاني كراسة الإجازة التي تركها أحمد زروق البوني. فكان ابن السادات ناضجا في الستينات من القرن الماضي حين كتب سنة ١٨٦٧ في جريدة المبشر يحث على التعلم ودخول المدرسة الفرنسية بقسنطينة. وقد ذكرناه في مكانه. ولا ندري كيف انتقلت كراسة البوني إلى البوطالبي، لأن الكتاني لم يكمل السلسلة. كما أننا نتساءل ماذا روى الكتاني عن مصطفى بن السادات في ثبته، لأننا إلى الآن نجهل شيوخ ابن السادات (٢). ٤ - ثبت السنوسي: وهو محمد بن علي السنوسي. وقد ترجمنا له في فصل التصوف. وللسنوسي عدة أثبات في الواقع، بعضها مطول وبعضها مختصر. وربما كان أشهرها الثبت المسمى (السلسبيل المعين في السلاسل الأربعين). ويقول الكتاني إنه لخص فيه رسالة العجيمي في الطرق الأربعين وان السنوسي وصل سلاسله (أسانيده) بها من طريقه وزاد عليها بعض أسانيد مشائخه. ويقع هذا الثبت في نحو ست كراريس. وقد رآه الكتاني في كل من زاوية بقيرات من ضواحي مستغانم وفي المكتبة العامة بطنجة. وهو يرويه عن محمد بن محمد سر الختم الميرغني الإسكندري، عن غيره (؟) إلى المؤلف (٣). وقد اطلعت منه على نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية في باب التصوف، فوجدناه ذكر فيه عددا من الطرق الصوفية وحث المريدين

стр. 3073

على الأخذ بعدد كبير منها (١). ويغلب على الظن أن (السلسبيل) هو نفسه الذي وصفه (لويس رين) في كتابه (مرابطون وإخوان) إذ ترجمه الفرنسيون واستفادوا منه لمعرفة مخططات وأفكار السنوسي والطريقة السنوسية عموما. وقال رين: ان السنوسي ذكر في هذا الثبت شيوخه ورحلته وأسانيده. أما الرحلة فقد ذكرها في المقدمة، والمقصود بها رحلته من الجزائر إلى المشرق على إثر الاحتلال الفرنسي. ويصف رين الفهرس أو الثبت بأنه صغير الحجم، وهو لا يتناسب مع وصف الكتاني بأنه يبلغ ست كراسات. وذكر رين أن الثبت قد احتوى على ١٥٠ كتابا بأسانيدها وكلها متصلة بعلوم الشريعة أو علم الظاهر. ولكن الكتاب يضم أيضا مجموعة من أسماء الطرق الصوفية التي أخذها أو تأثر بها والتي تمثل علوم الحقيقة أو الباطن. وروى السنوسي في هذا الكتاب (الثبت) أنه تنقل من مكان إلى آخر لطلب العلم وملاقاة الشيوخ المشاهير. وقد رأى منهم من كان يطمح إلى الوصول إلى ملك الملوك في التصوف، وبعضهم كان يكتفي بنيل الإجازة. ومن الأماكن التي ذكرها وهو راحل: الأعراض والجريد، وطرابلس الغرب، وسلاوة تونس وبرقة ومصر، وكذلك عدد من الأماكن النائية في الصحارى للوصول إلى الشيوخ الذين يريد، وقد ارتبط ببعضهم بصداقة متينة وتواصوا على العمل المشترك (٢). ٥ - المنهل الروي للسنوسي أيضا: وعنوانه الكامل هو (المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق). وقد قيل انه ثبت أو فهرس مختصر تحدث فيه السنوسي عن عدد من شيوخه (٣).

стр. 3074

٦ - الشموس الشارقة للسنوسي أيضا: وعنوانه هو (الشموس الشارقة في أسانيد بعض شيوخنا المغاربة والمشارقة): وهو في مجلدين. وواضح أنه كتاب مطول في مرويات الشيخ السنوسي. ولم نعرف أنه طبع، وكان الكتاني قد حصل على وصف للكتاب من حفيد المؤلف، أحمد الشريف السنوسي، وقد أخبره أنه ما يزال في مبيضته. ٧ - البدور السافرة في عوالي الأسانيد الفاخرة للسنوسي أيضا. وهو ملخص لكتابه السابق (الشموس الشارقة). وذكر الكتاني أن البدور اشتمل على ذكر من لقيهم السنوسي من الشيوخ وأجازوه. وقد رتب الكتاب على مقدمة وثلاثة أبواب. فالمقدمة تضمنت حياته من النشأة إلى البلوغ. وشمل الباب الأول ذكر بعض الشيوخ، وفيه سبعة فصول. أما الباب الثاني فقد تحدث فيه عن العلوم الشرعية التي تحصل عليها. وأما الثالث فقد ضمنه ما وصل إليه من طريق الإجازة العامة، وفيه فصلان وتكملة. وانتهى الكتاب بخاتمة. وقد حصل الكتاني على نحو الكراستين من البدور السافرة (١). ٨ - الكواكب الدرية في أوائل الكتب الأثرية للسنوسي أيضا: وهو من المؤلفات الإسنادية الهامة، وقد اشتمل على عدة أبواب اختص كل باب منه بـ (أوائل) ما فيه وأشهره. مثلا أوائل بعض كتب الأيمة العشرة، موطأ الإمام مالك، ومسانيد الأيمة الثلاثة والكتب الستة في الحديث. وهذا هو الباب الأول منه. وضم الباب الثاني أوائل بعض مشاهير السنن، وهي عشرة. ثم الباب الثالث في أوائل بعض مشاهير المسانيد وهي عشرة. وهكذا إلى الاثنى عشر بابا. وقد جعل الخاتمة في أربعين طريقة من الطرق الصوفية. وقال الكتاني ان هذا (ترتيب عجيب وأسلوب غريب بين كتب الأوائل والأثبات) (٢). ٩ - التحفة في أوائل الكتب الشريفة للسنوسي أيضا: ويرويه الكتاني

стр. 3075

عن الشيخ عاشور الخنقي، صاحب كتاب منار الإشراف. وكان الخنقي قد أخذه عن شيخه في زاوية نفطة محمد المدني بن عزوز عن المؤلف السنوسي (١). وللسنوسي فهارس أخرى ذكرها الكتاني وذكر أنه يرويها عنه بطرق مختلفة. منها سوابغ الأيد في مرويات أبي زيد، والمسلسلات العشرة المنتخبة من فهرس أبي سالم العياشي. وكل ذلك يدل على أن السنوسي لم يكن فقط مؤسس زاوية وطريقة وباعث فكرة هزت مدة طويلة أركان الغرب في افريقية، ولكنه كان مؤلفا كثير التآليف، وعالما غزير العلم، راويا لكتب الحديث وأمهات الطرق الصوفية والأسانيد الموصلة إلى العلوم سواء كانت ظاهرية أو باطنية. وربما لا نجد من يشبهه في هذا المنهج سوى شيخه أبي راس الناصر. رغم أن أبا راس كان مكرسا حياته للتدريس والتأليف ولم يؤسس طريقة صوفية. والمعروف أن الشيخ السنوسي قد توفى سنة ١٨٥٩. ١٠ - الكوكب الثابت في أسانيد الشيخ أبي طالب: (محمد بن علي المازوني - أبو طالب)، تأليف عبد القادر بن المختار الخطابي. وربما يكون هذا المؤلف من العائلة السنوسية أيضا لأنها تنتسب - كما يقولون- إلى الخليفة عمر بن الخطاب. والشيخ عبد القادر هذا نجهل حياته الأولى، ولا نعرف الآن سوى أنه هاجر إلى مصر وتوفى بها سنة ١٩١٦ (١٣٣٦). وقيل ان ثبته يقع في مجلد وسط. ولم يذكر الكتاني أنه اطلع عليه أو حصل منه على نسخة كعادته (٢). ١١ - ثبت الحرار: وهو مصطفى بن الحاج محمد الحرار. كتب الثبت باسم صهره حسن بن إبراهيم المعروف بريهمات. وهو ثبت سجل فيه مروياته عن شيوخه الجزائريين وكذلك الشيخ محمد الصالح الرضوي البخاري عندما زار الجزائر سنة ١٢٦١. وقد روى الكتاني هذا الثبت من عدة طرق، منها

стр. 3076

طريق علي بن الحاج موسى مكاتبة عنه. وقد توفي الشيخ الحرار سنة ١٢٧٢. وبناء على هذا الثبت فإن مشائخ الحرار الجزائريين هم: علي المانجلاتي، ومحمد بن إبراهيم بن موسى، ومصطفى الكبابطي، وعلي بن الأمين، وأحمد بن الكاهية، ومحمد واعزيز، وحمودة المقايسي. أما من غير الجزائريين فقد ذكر منهم محمد الصالح الرضوي. وكل هؤلاء أجازوه. وقد روى الحرار في إجازته لابن بريهمات تفاصيل عن دراسته وعن إجازة الرضوى له، وعن زيارة هذا للجزائر وإجازته لعدد من شيوخها. والحرار نسبة لصناعة الحرير وقد كانت في عائلته أمانة الحرارين. وقد رأى الكتاني إجازة الرضوي للحرار بخطه، وهي إجازة عامة أي في كل الكتب والعلوم (١). والإجازة منشورة في تعريف الخلف في بضع صفحات (١٢١ - ١٢٥) والغالب أن ذلك هو ما يعنيه الكتاني بالثبت. ١٢ - ثبت المكي بن عزوز: ويسمى (عمدة الأثبات). وله مؤلفات أخرى في الأسانيد والأثبات، ومنها الثبت الجامع. الإجازات الإجازة هي شهادة يمنحها شيخ لتلميذه وتكون عادة بطلب منه وتسمى في المصطلح استدعاء. وقد يكون الاستدعاء شعرا أو نثرا أو هما معا. والشيخ قد يكون عالما وقد يكون مرابطا. أما التلميذ فقد استعملناه بالمعنى العام لأن الآخذ قد يكون ندا للمانح، وإنما جرت العادة أن (يتبادل) الأنداد من العلماء والمرابطين الإجازات أيضا. ولكن الغالب هو أن الشيخ يجيز تلميذه بعد القراءة عليه وحضور درسه أو دروسه مدة طويلة أو قليلة، وقد يدوم ذلك جلسة واحدة وقد يصل إلى عدة سنوات. كما أن شيوخ التصوف

стр. 3077

يجيزون تلاميذهم الذين سيصبحون (مقدمين) عنهم بعد الملازمة والاطمئنان إلى جدارتهم في تمثيل الطريقة. هذا من الناحية النظرية التقليدية. ولكن من الناحية العملية، فان هذه الشروط قد اختلت في معظمها. فقد أصبحت الإجازة تمنح بدون شروط الحضور والملازمة والجدارة، بل كانت تمنح بالمراسلة والسماع. وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء الثاني. وكذلك ضعفت عارضة العلماء واكتفى الطلبة بالأسماء والأوراق دون العلم نفسه. واستكثروا السفر وتحمل المشاق في سبيله. كما أن العلماء والمتصوفة أصبحوا يبحثون عن السمعة وتكثير السواد، وقل منهم من يلتزمون بالشروط العلمية والأخلاقية المطلوبة في تلاميذهم. والإجازات التي نريد تناولها كثيرة ومتنوعة. منها ما تبادله الجزائريون فيما بينهم، ومنها طبعا الإجازات العلمية والإجازات الصوفية. كما أن هناك الإجازات التي منحها جزائريون لغيرهم والتي منحها غيرهم لهم. وكثير من نصوص الاجازات تعوزنا، وهي وإن توفرت لا تدل على باع طويل في هذا العلم وإنما هي في أغلبها كلمات قصيرة وعبارات متكررة. وقد اختفى منها الأسلوب القديم الذي ظهر عند بعض المجيزين عندما كانوا يجتهدون ويتفردون في تنميق إجازتهم حتى تصبح قطعة أدبية راقية، بالإضافة إلى فائدتها العلمية والتاريخية. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن ضعف الأساليب يرجع إلى ضعف التعليم والثقافة، كما أن كرة الإجازات يدل على ابتذالها. وقد يستغرب المرء كيف نتحدث عن الإجازات العلمية والصوفية والحال أن إطارات العلم قد انقرضت أو كادت وأن المؤسسات التي تخرج العلماء قد هدمت أو غيرت. والواقع أن ذلك أمر ملفت للنظر حقا. ولعل ضعف الثقافة ومحاربة اللغة العربية هو الذي جعل من بقي في الحياة العلمية والصوفية ينشدون الدعم من غيرهم عن طريق الإجازات. فقد كان

стр. 3078

الجزائريون يجرون وراء ذلك من بعضهم أولا، ومن غيرهم ثانيا، عن طريق المراسلة في أغلب الأحيان، لأن السفر كان محدودا ومراقبا. وإذا زار بعض المشارقة الجزائر، مثل الشيخ الرضوى (١) والشيخ ظاهر المدني الوتري، أو شيوخ كانوا أصلا من الجزائر وعاشوا بالخارج ثم جاؤوا للزيارة، مثل الطيب بن المختار وأبي حامد المشرفي والمكي بن عزوز، التف حولهم العلماء والمتصوفة واستدعوهم للإجازة، كما سنرى. أما الجزائريون الذين خرجوا إلى المعاهد والمدن الإسلامية فقد حظوا بالإجازات سواء بقوا في الخارج أو رجعوا إلى وطنهم. وسنذكر منهم البعض أيضا. ولنبدأ بإجازات الجزائريين لبعضهم: ١ - إجازة مصطفى الحرار: وهي إجازة لصهره حسن بن بريهمات سنة ١٢٧٢. وهي مطلقة وقد خضعت لشروط الإجازة ومنها الحضور والمواظبة على الدروس والتلقي. وجاء فيها: (قد لزم دروسنا سنين، فحمل عنا من العلوم العقلية والنقلية ما فاق فيه كثيرا من معاصريه ... ولما كان الإسناد حبل الشريعة الممدود، وبابه لطالبيه غير مسدود، إذ هو من خصائص هذه الأمة، ولم تزل الإجازة عادة الأجلة من الأيمة، أوصلته بما أوصلني به مشائخي، وأجزته بما أجازوني به في سائر العلوم العقلية والنقلية، وأذنته أن يروى عني جمع مروياتي ومسموعاتي على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها، إجازة مطلقة عامة، بشرطها المعروف، وسننها المألوف، حسبما تلقيت ذلك). ثم ذكر مشائخه الذين تلقى عنهم العلم، وهم الذين أتينا على ذكرهم سابقا (انظر الأثبات). كما خص إجازته التي تلقاها من الشيخ الرضوي ببعض التفصيل. والمعروف أن حسن بن بريهمات قد أصبح من أعيان علماء الجزائر في القرن الماضي. وقد تحدثنا عنه في غير هذا. وكان له أولاد

стр. 3079

وأحفاد قلدوا سيرته دون أن يصلوا إلى درجته. ٢ - إجازة مصطفى بن عزوز: لعاشور الخنقي سنة ١٢٨٥. وكان ابن عزوز هو مؤسس زاوية نفطة بعد هجرته من الجزائر إثر الاحتلال الفرنسي. وكان من شيوخ الزاوية جزائريون وتونسيون، منهم محمد المدني بن عزوز ابن عم مصطفى المذكور، وإبراهيم بن صمادح النفطي، وبعد أن درس الخنقي في الزاوية أكثر من عشر سنوات أجازه شيخه مصطفى في العلوم التي تلقاها والتي قال انها بلغت قرابة عشرين علما (؟). ومما طلبه منه شيخه أن يكف عن التعلم ويبدأ في التعليم، وأن لا يقبل الوظيف (وهي وصية عامة لكل تلاميذه) (حتى لا يتلوث علمي بما يقتضيه هذا الوقت السخيف، ولا سيما أنتم وطلبة الغرب (الجزائر)، فإياكم وطلب الوظيف على البعد والقرب. وأستحفظكم دينكم وأمانتكم وخواتم عملكم وهذا الكلام). تلك هي وصية الشيخ مصطفى بن عزوز لتلاميذه، ومنهم عاشور الحنقي. وهي تذكرنا أيضا بوصية حمدان الونيسي لتلميذه عبد الحميد بن باديس. وكان مصطفى بن عزوز قد أخذ العلوم عن عدة مشائخ منهم محمد الأمير صاحب الثبت الشهير وأحد شيوخ الأزهر في وقته، وإبراهيم الباجوري المصري، ومحمد بن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية. وهو بدوره أجاز بالعلوم التي تلقاها عنهم وأسانيدهم وأثباتهم، الشيخ عاشور الخنقي. وكان الخنقي ممن روى عنهم الكتاني، كما ذكرنا. أما الطريقة الخلوتية فقد تلقاها الشيخ عاشور عن مصطفى بن عزوز عن شيخه عبد الحفيظ بن محمد (الخنقي؟). ثم تلقى عاشور الخنقي عن الشيخ محمد الحداد الصدوقي أثناء سجنه في قسنطينة وقبيل وفاته سنة ١٨٧٣ (١).

стр. 3080

٣ - إجازة الخنقي للزموري: وهو عبد القادر بن داود الزموري. أجازه شعرا في أبيات وردت في قصيدة عاشور الخنقي صغرى الصغرى، وقد أنشأها سنة ١٣٢٨. وجاء في آخرها: ومن أجل بني الأشراف آونة ... من آل داود في زمورة الوزر الأروع الشيخ عبد القادر ابن فتى ... داود أفضل ما أهدى لها القدر العالم العامل النور المضيء لها ... وجه الصواب إذا ما ضلت الفكر لله درك عبد القادر اتصلت ... بنا قصيدتك التسي لها بهر إلى الإجازة في نشر العلوم دعت ... لاكن على الرمز والمفهوم يعتبر لقد أجزتك في نشر العلوم كما ... أجازنا مطلقا أشياخنا النشر على شريعة تقوى الله والدعوا ... ت للمشائخ حتى يكمل العمر (١) وأوضح أن الزموري قد استدعى أو استجاز الشيخ الخنقي بقصيدة فأجازه. وكان ذلك حوالي ١٩٠٩. ٤ - إجازة القاضي شعيب لعبد الحليم بن سماية. وقد جاء فيها أن ابن سماية اشتغل بسند رواية العلم ودرايته، وأنه طلب الإجازة فيه من مختلف العلماء فأجازوه، ومنهم القاضي شعيب. وكان هذا من وجوه تلمسان في أول هذا القرن، وقد ترجمنا له في غير هذا المكان. أما ابن سماية فهو من أعيان علماء العاصمة ومن أساتذة مدرسة الجزائر (الثعالبية) وكان من النشطين الذين عارضوا التجنيد الإجباري سنة ١٩١٢. وقد أجازه القاضي شعيب (بكل ما تصح له روايته أو تنسب إليه درايته من مقروء ومسموع ومؤلف وموضوع ومفرق ومجموع). وكان ابن سماية قد ذهب بنفسه إلى تلمسان لطلب الإجازة وزيارة الشيخ. وقد شملت الإجازة أيضا حديث الرحمن (الراحمون يرحمهم الرحمن ... ارحموا من في الأرض يرحمكم مين في السماء). وذكر الشيخ شعيب أنه يرويه عن عبد الكبير الكتاني

стр. 3081

الفاسي (١). والإجازة تقع في ورقة ونصف، وكانت عام ١٣٢٩. ٥ - إجازة الزقاي: وغيره لمحمد بن أبي سيف البحيري. والزقاي هو محمد بن عبد الله الذي عاش في منتصف القرن الماضي، وتلقى العلم في الأزهر الشريف بمصر ثم رجع إلى الجزائر وتولى عدة وظائف منها إدارة مدرسة تلمسان الرسمية وعضوية المجلس الفقهي والكتابة الصحفية أحيانا. وقد أجاز غير واحد من معاصريه. أما البحيري فهو حسب ما جاء في تعريف الخلف: محمد بن علي بن أبي يوسف البحيري الصابري أصلا العبادي دارا (٢). ونفهم من تعريف الخلف أن البحيري أصبح أيضا من مدرسي مدرسة تلمسان الرسمية، ربما في عهد إدارة الزقاي لها. وأن البحيري بلغ من العلم شأوا أهله للإفتاء أيضا. ومن شيوخه والده الذي حفظ القرآن على يديه في وهران، كما درس عليه علوم اللغة العربية. ومن وهران انتقل إلى زاويتهم بالعين الكبيرة من جبل اترار بولهاصة، وكانت الزاوية على اسم عمه، وهو أبو العباس أحمد بن أبي سيف. ومن هناك توجه للدراسة على أحمد بن هني بمازونة وحصل منه على إجازة أيضا. ثم درس بمعسكر على أعيان المشارف. وبعد أن نال قسطا من التعلم عاد إلى زاويتهم وتولى بها التدريس، ولا ندري تاريخ ذلك، كما لا ندري متى حج وجاور. فقد قيل انه حج أربع مرات وجاور أربع سنوات. وكانت له في ذلك فرصة للدراسة أيضا على مشائخ الحرمين، ومنهم سراج الدين المدني ومحمد بن علي السنوسي. ونفهم من دراسته على السنوسي أن ذلك كان قبل مغادرة السنوسي الحجاز إلى مصر وليبيا. وكان السنوسي قد توفي بليبيا سنة ١٨٥٩. ومهما كان الأمر فانا نفهم أن البحيري قد أصبح من تلاميذ السنوسي في العلم والطريقة. فقد أجازه فيهما. فمتى رجع إلى الجزائر وشارك في التدريس بمدرسة تلمسان الرسمية؟ ذلك ما لا نعرفه حتى الآن. والغالب أن يكون ذلك خلال الستينات. وهو الزمن الذي كان فيه محمد

стр. 3082

الزقاي أيضار مديرا للمدرسة المذكورة. ٦ - إجازة السنوسي: لمحمد المدني بن عزوز. والمقصود بالسنوسي محمد بن علي الذي سبقت إليه الإشارة في هذا الفصل. وكان في إقامته بالحجاز وقبل انتقاله إلى ليبيا وزاوية جغبوب، يجيز الجزائريين الواردين للحج والعمرة والهجرة. ومنهم من ذكرناه. ومحمد المدني هو ابن عم مصطفى بن عزوز مؤسس زاوى نفطة، ومن شيوخ الشاعر الخنقي الشهير. وهو المدني بن أحمد بن إبراهيم بن عزوز البرجي، كما ذكر الكتاني، نسبة إلى برج طولقة ولاية بسكرة الآن. وكانت الإجازة لمحمد المدني عامة. ٧ - إجازات علماء الجزائر: للمكي بن عزوز. وهو محمد المكي بن مصطفى بن عزوز البرجي. ولد حوالي ١٢٧٠ في نفطة بعد هجرة والده إليها من برج بن عزوز على أثر الاحتلال الفرنسي لنواحي بسكرة، وقد تناولناه في عدة مناسبات. ويقول الكتاني عنه انه رغم كونه شيخ طريقة كان (من المطلعين على الأفكار العصرية ... وهذا نادرة النوادر في زماننا هذا الذي كثر فيه الإفراط والتفريط) (١). أما الإجازات التي حصل عليها من علماء الجزائر فنذكر هذه الأسماء، كما أوردها الكتاني، وهي من ضمن ثمانين شيخا أجازوه في العالم الإسلامي، وكان الكتاني قد تبادل معه الإجازة وحصل منه على معلومات لو جمعت لجاءت في مجلد، كما قال. وهو يروى عنه كل مؤلفاته. وإليك أسماء الجزائريين الذين أجازوه: علي بن الحاج موسى، ومحمد بن بلقاسم الهاملي، وقد أخذ عنه الطريقة الرحمانية أيضا، ومحمد بن الأمير عبد القادر،

стр. 3083

صاحب كتاب تحفة الزائر، ومحمد المكي بن الصديق الخنقي، ومصطفى بن عزوز، وهو والده، وعلي بن عثمان شيخ زاوية طولقة الرحمانية، والمفتي علي بن الحفاف صاحب التأليف الهام في علم القراءات، وعلي بن الرحمن خوجة، وهو جده لأمه (١). وابن أبي القاسم الديسي (من الديس قرب بوسعادة) وربما يكون من عائلة صاحب كتاب تعريف الخلف، ومحمد بن القزادري، ومحمد العربي بن محمد التارزي بن عزوز، وعمر بن مصطفى بويراز نزيل تونس وهو من عائلة أحمد توفيق المدني، وأبو راس المازوني حفيد أبي راس الناصر (ويقول الكتاني ان الاستدعاء للإجازة قد حصل ولكنه لا يدري إن كان نالها منه) (٢). ٨ - إجازتا ابن عزوز والونيسي: لابن طعيوج. والمقصود محمد المكي بن عزوز سابق الذكر، وحمدان الونيسي أحد علماء قسنطينة وشيخ ابن باديس. وقد تحدثنا عن الونيسي في غير هذا. وأما بلقاسم طعيوج فهو أحد علماء ومتصوفة زواوة، وتوفي سنة ١٩٣٢. وقد تناولناه في فصل آخر. ولا نملك الآن نصي الإجازة، وإنما حصلنا على خبر وجودهما بالمراسلة (٣). ٩ - إجازة المنور بن البشير إلى بلهاشمي بن بكار. وكان الشيخ المنور عمدة معهد سيق العلمي حيث درس ابن بكار حوالي عشر سنوات ولازم شيخه فيه. وبعد الإجازة استمر ابن بكار في المعهد المذكور مدرسا، ونائبا عن شيخه في الصلاة خمس سنوات. وهذه الإجازة عامة في العلوم

стр. 3084

التي تلقاها مثل الفقه والنحو والبلاغة. وقد ساق ابن بكار صيغة الإجازة في كتابه. ومما جاء فيها: (أما بعد، فإن أحلى ما يتحلى به الإنسان، وأعلا ما يتجلى به أهل العرفان، الجد والاجتهاد في مسالك العلوم، والأخذ بالأعناق لنيل المنطوق والمفهوم، سيما الأحكام الإلهية والعلوم الشرعية ... ولذلك هاجر الأوائل عن الأهل والوطن، وهجروا لذيذ التمتع عارجين أصعب سنن). وتحدثت الإجازة عن بلهاشمي بن بكار وفطنته العلمية وهجرته في سبيل التحصيل. وكونه لازم شيخه ما ينيف عن الأربع سنوات، وتلقيه العلوم التي تلقاها الشيخ نفسه عن أشياخه، واستعداده للرجوع إلى وطنه (معسكر؟) لنشر العلم بين قومه. وكونه طلب الإجازة من شيخه فأجازه (بكل مروياتي وما صح من مسموعاتي) (١). ١٠ - إجازة الإحريزي: (الحريزي) لليجري. والإحريزي هو الشيخ السعيد بن عبد الله الإحريزي السطوري. ولا نعرف عنه الآن إلا القليل وهو أنه كان عند الإجازة في جامع سيدي الصوفي ببجاية. وربما كان إماما، وذلك سنة ١٣٣٤ ومن شيوخه في المعقول والمنقول نذكر الحسن الأخليفي، ومحمد بن جمعة القلي، ويحيى بن حمود الورتلاني، ومحمد الطاهر بن المختار المايني. وهي إجازة عامة إلى الشيخ السعيد بن علي اليجري (في جميع ما صحت لي درايته وثبتت لي روايته، من منقول ومعقول، كما أجازني بذلك أشياخي الفحول) وبداية الإجازة هكذا، (وبعد، فقد التمس مني من حسن بي ظنه، واعتقد أن قربنا جنة، الأخ في الله والمحب من أجله، الداعي إلى الله بقوله وفعله ...). وكان الشيخ السعيد اليجري من علماء الوقت، وتوفي سنة ١٩٥١ (٢).

стр. 3085

١١ - إجازات الجيلالي: ونقصد بها الإجازات التي حصل عليها الشيخ عبد الرحمن الجيلالي من شيوخه الآتية أسماؤهم: المولود الزريبي، وعبد الحليم بن سماية والحفناوي بن الشيخ. ونحن إلى الآن لم نطلع على نصوص الإجازات التي قيل انها في صحيح البخاري. وقد تكون عامة، ذلك أن المشائخ الثلاثة ممن كانوا يجمعون بين عدة علوم عقلية ونقلية، ولهم باع طويل في فن الإنشاء والأدب، أما الشيخ الجيلالي فهو صاحب تاريخ الجزائر العام. وقد تناولناه في فصل التاريخ (١). ١٢ - إجازات بعض علماء الجزائر: وتونس والمغرب للشيخ علي البوديلمي. فقد ذكر مترجما الجيلاني بن عبد الحكم في (المرآة الجلية) أن هذا الشيخ قد أجيز من شيوخه في البلدان المذكورة. وذكر منهم مجموعة من كل بلد، ومنهم ابن باديس في قسنطينة ومعاوية التميمي في تونس وعبد الحي الكتاني في المغرب. وجاء في (المرآة الجلية) أن نصوص الإجازات متوفرة عند صاحبها. ويغلب على الظن أن بعضها على الأقل مكتوب بأسلوب رفيع، وأنها علمية وليست صوفية. على أن الشيخ علي البوديلمي كان أيضا من أهل الطرق الصوفية، فلعله أخذ من شيوخها إجازات، سيما الرحمانية والدرقاوية (العليوية) (٢). ... هذا عن الإجازات في مجال العلوم، أما الإجازات الصوفية، فهي كثيرة بين الجزائريين. ومن الصعب الإحاطة بها. وسنحاول هنا الإلمام بنماذج من الإجازات المكتوبة والممنوحة من كبار الشيوخ لتلاميذهم. وكذلك إلى زملائهم ومعاصريهم الذين يلتمسون منهم الإجارة. ونقصد
следующие страницы →