١٢ - جواب الأمير عبد القادر لبعض من استفتاه في مسائل شرعية تتعلق بالمخالفين أو الرافضين للمقاومة. وهو جواب معلل وموثق. ويدل على تمكن الأمير، وهو في الثلاثين من عمره، من الأحكام الشرعية واطلاعه الواسع. وهو يسمى أولئك المخالفين (بالمتنصرة). ويقول ابنه في تحفة الزائر راويا عن والده، ان الأمير كتب جوابه وهو بعيد منقطع في بعض الثغور وليس له مواد الكتابة، وذلك في ذي الحجة سنة ١٢٥٨ (حوالي ١٨٤٣) (١).
١٣ - حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام، وضعه محمد البشير الإبراهيمي، وقد بدأه أيام إقامته في دمشق، حوالي ١٩١٦ - ١٩٢٠، ثم أتمه بعد ذلك على فترات. ومن موضوعاته مصادر المال في الإسلام وغيرها من مصادر الثروة (٢). ومن الأكيد أن هذا الكتاب لم يطبع، ولم يذكر الإبراهيمي أنه قد ضاع منه. ولنا أن نقول حينئذ انه ما يزال في أوراقه الشخصية.
١٤ - فتاوى متناثرة للشيخ الإبراهيمي. ولا ندري موضوعاتها وحجمها (٣). والمعروف أن الإبراهيمي كان يصدر فتاوى خلال مسؤوليته في جمعية العلماء وحتى قبل ذلك، حين كان ممثلها في تلمسان. ولكن هذه الفتاوى ما تزال متفرقة، وربما عند تلاميذه وأنصاره، وربما في أوراقه الخاصة. ولم نتتبع (آثاره) لنعرف ما إذا كانت قد تضمنت بعض فتاويه.
١٥ - النثر الرائق (في الوثائق)، لإدريس بن محفوظ الدلسي. ويبدو أن هذا كتاب في طريقة كتابة الوثائق الشرعية على الوجه الذي يقتضيه السياق الأدبي والشرعي معا وي لعبارات التقنية الأساسية. ولا نعرف أن هذا الأثر مطبوع.
стр. 3117
١٦ - مجموع البجائي في المسائل العرفية، جمعه للقاضي الفرنسي سوطيرة آخر القرن الماضي. ولا نعرف الاسم الحقيقي للبجائي، وقد قيل انه كان عارفا بالعربية والقبائلية والقوانين العرفية لزواوة، كما كان يعرف بعض الفرنسية. وقد اشتكى من أن كل خدماته لم تساعده في الحصول على ما كان يطمح إليه (١). وكان سوطيرة من أعيان المشرعين الفرنسيين ورؤساء المحاكم في الجزائر المعارضين للشريعة الإسلامية.
١٧ - بداية المجتهد لابن رشد، ترجمة أحمد لعيمش. وقد اكتفى منه بترجمة مسائل الزواج والطلاق، لأن ذلك هو الميدان الذي سمح به القضاء الفرنسي للقضاء الإسلامي. وكان يعبر عن ذلك بالأحوال الشخصية. وصدرت الترجمة الفرنسية سنة ١٩٢٦، في ٣٠٦ صفحات. ويغلب على الظن أن الهدف كان توفير مادة الفقه والأحكام الشرعية للمحاكم الفرنسية وأيضا للمستفيدين في المحاكم الإسلامية.
١٨ - كتاب لاستعمال المترجمين القضائيين في أفريقية الشمالية، وضعه أحمد حسين، ونشره سنة ١٩١٧، ربما بدعم من الحكومة العامة.
الردود والاعتراضات
نقصد بالردود ما كان يجري بين العلماء من نقاش حول مسألة فقهية أو دينية وينتصر فيها ثالث لهذا أو ذاك (٢). وأحيانا تتوسع المسألة فتشمل أكثر من واحد وتصبح مسألة عامة يسيل حولها حبر كثير وينقسم من حولها الناس. وقد استغرق هذا النوع من الردود، وحتى المهاترات والسباب أحيانا، كل عهد الاحتلال. ولعله بدأ بالخلاف حول الهجرة وانتهى بالخلاف حول دور العلماء في السياسة وقضية البدع والإغراق في الخرافات.
стр. 3118
ونحن لا نطمح أن نغطي كل المسائل التي دار حولها النقاش والردود. وقد تحدثنا عن بعض ذلك في مكانه من الفصول الأخرى. إنما نريد أن نأتي على ذكر المؤلفات التي عالجت هذه الردود:
١ - منذ أول الاحتلال وجدنا علي بن محمد الميلي المعروف بالجمالي، نزيل مصر، يشن الحملات على بعض خصوم المذهب المالكي والأشعري. كما اعترض على ما جاء عن الشيخ أحمد التجاني. وهكذا نسبت إليه كتب التراجم العناوين الآتية:
أ - الحسام السمهري في تكذيب ما نسب إلى الإمام الأشعري.
ب - الصمصام الفاتك في الرد على القادح في مذهب الإمام مالك.
ج - الصوارم والأسنة (في الاعتراض على أحمد التجاني).
وقد عرفنا أن الميلي قد استوطن مصر وتوفي بها سنة ١٨٣٣ (١٢٤٨)(١). ولا نجد في كتبه أي أثر للاحتلال الفرنسي لبلاده. واستعمال كلمات مثل الصوارم والحسام والصمصام يدل على أن الرجل كان يعتقد أنه في معركة حامية.
٢ - دار حول مسألة الهجرة من الجزائر بعد احتلالها نقاش طويل وأحيانا كان حادا بين العلماء. واشترك فيه أكثر من واحد ... وكان الذين قالوا بالهجرة هم أنصار المقاومة والجهاد، وقاسوا الأمر على ما وقع في العهد النبوي، وعلى رأي محيي الدين بن عربي أثناء الحكم الصليبي للقدس. وكان من أنصار هذا الموقف العلماء الذين انضموا للأمير عبد القادر، ومنهم قدور بن رويلة وعلي بن الحفاف. أما الذين رأوا ضرورة البقاء في الوطن رغم الاحتلال فهم الذين قاسوا القضية على ما حدث في الأندلس، واستشهدوا بكلام الونشريسي في فتواه الشهيرة (أسنى المتاجر)، ونذكر منهم المفتى مصطفى الكبابطى والمفتي محمد بن الشاهد. وكان من
стр. 3119
نتيجة هذا النقاش الذي تناولناه في مناسبات سابقة، مجموعة من الآراء والكتابات جمعها محمد بن عبد الكريم في كتاب نشره بعنوان: حكم الهجرة (١).
ومما يذكر بهذا الصدد أن الأمر انتهى بابن رويلة بالهجرة الاختيارية إلى تونس فالحجاز والشام، وبالهجرة الإجبارية للكبابطي إذ نفاه الفرنسيون. أما ابن الشاهد فقد توفي بالجزائر عاجزا وأعمى ومحروما، وهاجر المهدي السكلاوي وتوفي في دمشق. وأما ابن الحفاف فقد ظل يفكر في الهجرة مدى حياته، وأدى فريضة الحج، ولكنه رجع وتوفي في الجزائر. ولا نتكلم الآن عن المهاجرين الآخرين أو المنفيين، ومنهم الأمير. وقد أيد مؤلف (تحفة الزائر) مسألة الهجرة واستند إلى أحاديث الرسول ﷺ وبعض الآيات، وإلى رأي محيي الدين بن عربي الذي أفتى بعدم زيارة بيت المقدس ما دامت بيد الصليبيين (٢). أما المشرفي فقد قال في كتابه (طرس الأخبار) بعدم تكفير من لم يهاجر (٣).
٣ - المقراض الحاد، كتاب للأمير عبد القادر في الرد على من زعم أن الغدر وعدم الوفاء غير مستقبح ولا منهي عنه في الإسلام. وقع التأليف أثناء سجن الأمير بأمبواز (فرنسا) في آخر الأربعينات من القرن الماضي. وقد شغل الأمير نفسه بالبحث في هذه المسألة، وأثبت في المقدمة والأبواب الثلاثة التي عقدها أن الإسلام بريء مما ينسب إليه، وأنه دين الفضائل والأخلاق. وقد مهد لكتابه بأن بعضهم قد ألح عليه في الرد، فاعتذر لانزعاجه من وضعه كأسير ولكن السائل أعاد الإلحاح، فاستجاب له. وذلك عندما تولى لويس
стр. 3120
نابليون رئاسة الجمهورية الفرنسية (١٨٤٨). ولا ندري ما العلاقة بين هذا الحدث وتأليف الكتاب. غير أننا قد نفهم أن الذي طلب منه الجواب كان أيضا مسيحيا، وأن الأمير قصد بجوابه الدفاع عن الإسلام من جهة وتسلية نفسه من جهة أخرى.
يقول الأمير في خطبة الكتاب: لا أما بعد، فإني في أيام إقامتنا في امبواز عند الدولة الفرنساوية الفخيمة تكلم أحد رؤساء الدين المسيحي في الإسلام وقال إن الغدر وعدم الوفاء فيه غير قبيح ولا منهى عنه. فسمعه بعض من له محبة ورغبة في إظهار الحق، فجاء إلي وألح في الطلب على أن أضع في هذا الأمر رسالة تتضمن بيان ما في شرع الإسلام مما يكذب قوله ونبذ سخفه. فاعتذرت إليه بالحال التي نحن فيها، ثم أعاد الطلب وشدد فيه، وذلك حين انضمت رئاسة الجمهورية إلى ... نابليون ... فأجبته الخ) (١). والمتأمل في هذه الخطبة يحكم بأنها قد تكون كتبت من خارج فرنسا، وبعد تأليف الكتاب.
وقد أقام الأمير كتابه على مقدمة في الكلام عن العقل، ثم ثلاثة أبواب هي:
الأول: في إثبات الألوهية وفيه ثلاثة فصول: أولها في خلق الأرض وما ينتج منها، والثاني في النظر في السماوات وما فيها، والثالث في النظر في خلق الإنسان المقصود بالإيجاد.
والباب الثاني في إثبات النبوة مع الرسالة. واشتمل على فصلين: الأول في إثبات الرسالة على الإطلاق، والفصل الثاني في إثبات شرع الدين الإسلامي خصوصا.
أما الباب الثالث فهو في موضوع الرسالة وبيان ما ورد في الشرع من وجوب الوفاء والأمر به، ونبذ الغدر والنهي عنه، وما يتعلق بذلك كالصدق والكذب. ويفهم من هذا الترتيب أن الباب الثالث هو المقصود من التأليف.
стр. 3121
ولكن الأمير أقام حجته على أساس العقل، كما أن ترتيبه لمواد الكتاب كان منطقيا عقليا، (لأن إثبات الألوهية مرتب على وجود العقل، وإثبات النبوة والرسالة مرتب على إثبات الألوهية، وبيان ما يحمد وما يذم من الأقوال والأفعال والصفات مرتب على إثبات النبوة والرسالة (١). وقد اقتصر محمد بن الأمير على تفاصيل الباب الثالث لأنه المقصود بالذات، وهو في الأخلاق وما ورد في القرآن في مكارمها. ثم أخلاق العرب كأمة تعتز بالشرف والشجاعة ومجموعة من الفضائل تميزها عن سائر الأمم.
٤ - حسام الدين لقطع شبه المرتدين، ألفه الأمير عبد القادر أيضا.
٥ - المشرفي الحمزاوي لقطع فؤاد الخبزاوي، تأليف أبي حامد العربي المشرفي. وهي رسالة في الرد على أحد المعاصرين (قد يكون محمد الخبزاوي (٢) وهو من جهة سيدي بلعباس من قبيلة الهزج، وقد عمل في المحاكم بمعكسر من السبعينات إلى التسعينات من القرن الماضي، وأصبح عضوا في المجلس الأعلى للفقه الإسلامي). ويبدو أن الخبزاوي قد عاب على المشرفي مقطوعات شعرية صدرت منه، ولكننا لا نعرف موضوعها ومصدر الخلاف حولها.
٦ - عجيب الذاهب والجائي في فضيحة الغالي اللجائي، للمشرفي أيضا. وقد رد فيه على المذكور لأنه كان، كما قيل، يتنطع على الأمير عبد القادر، فهل كان ذلك أثناء كفاح الأمير أو بعد سجنه وليه؟ وكان المشرفي في (طرس الأخبار) يتهم الأمير بأنه قد اتخذ بطانة سوء ...
стр. 3122
٧ - الدر المكون في الرد على العلامة جنون، للمشرفي أيضا. وقد انتصر فيه لأصحاب الطرق (الصوفية؟)، ورد فيه على المخالفين ردا شنيعا، حسب رواية ابن سودة، صاحب كتاب (دليل مؤرخ المغرب).
٨ - الحسام المشرفي للمهاجر المقتفي، وهو أيضا للمشرفي، ولا نعرف الآن المقصود بالرد والمردود عليه.
٩ - الحسام المشرفي لقطع لسان الساب الجعرفي الناطق بخرافات الجعسوس سيء الظن الكنسوس، من تأليف المشرفي أيضا. وقد ذكرنا عنوانه الطويل لنحس بقيمة الرد والألفاظ المستعملة. وهو في الرد على محمد اكنسوس صاحب كتاب (الجيش العرمرم). وتدخل الطرق الصوفية في الموضوع، إذ الرد على التجانيين والانتصار للقادريين والأشراف. ولا شك أن ذلك كان بإيعاز من الأيادي الخفية. ورغم ذلك فالكتاب له قيمة من جهة أخرى إذ يحتوي على أخبار هامة عن تاريخ الجزائر وثورة الدرقاوة.
١٠ - تقييد في ذم أهل فاس، للمشرفي كذلك (١).
فأنت ترى أن المشرفي كان من زعماء هذه الحركة التي اتخذت الاعتراضات والمجادلات سبيلا لها. ولو كان في عصر الصحافة في المغرب لملأ ربما أعمدتها بالدفاع والهجوم، والنقد والتجريح. ولكن ما الهدف؟.
١١ - وشارك بعض أفراد من عائلة بو طالب (وهي قريبة من عائلة الأمير عبد القادر) في الردود أيضا. وكان كثير من هذه العائلة قد تولوا القضاء، سيما في الناحية الشرقية من الوطن. وكانوا على صلة قوية بالثقافة العربية كثر من غيرهم ربما لمحافظتهم على التقاليد، ولتمسكهم بالشرف، ولهجرة بعضهم إلى المشرق ورجوعهم بعد ذلك إلى الجزائر. فشاركوا في (المنازعات) الثقافية التي كانت في معظمها تدور حول الدين وشعائره. وتدل
стр. 3123
العناوين على حدة الطبع وقوة الكلمات المستعملة ضد الخصوم. من ذلك رد أحمد المجاهد الغريسي - وهو من عائلة بو طالب - على خصمه (الذي لا نعرفه الآن) في مسألة الصيام أيام العيد. وقد سمى الأرجوزة التي نظمها للمناسبة: (زبرة الحداد لدق عنق صائم الأعياد) (١). وكان أحمد المجاهد قاضيا.
١٢ - وكتب أحمد المجاهد نفسه رسالة سماها (الإنصاف في رد اعتراضات السفساف ونصر ابن الحفاف) وسبب كتابة هذه الرسالة يرجع إلى خلاف وقع بين علي بن الحفاف مفتي المالكية وأحد علماء المشارف، وهو محمد المصطفى المشرفي. فقد ألف المشرفي رسالة سماها (الإشراف في الرد على الحمار الهفهاف) وطبعها سنة ١٨٦٣، ويبدو أنه كان قاسيا على خصمه فيها (٢). وأصل المسألة خلاف حول ثبوت هلال رمضان. وقد تبادلا الرأي واشتد الخلاف بينهما. ويدو أن المشرفي قد أساء الأدب مع ابن الحفاف. ورغم أننا لا ندري ماذا كتب ابن الحفاف في الموضوع فإن تلميذه أحمد المجاهد قد تولى الدفاع عنه بعبارات ساخرة وأحيانا جارحة ضد المشرفي، رغم أنهما من بلدة واحدة. وبعد أن كتب أحمد المجاهد رسالة الإنصاف (٣)، رد عليه المشرفي برسالة سماها (السهام الصائبة في رد الدعاوى الكاذبة) ولكن أحمد المجاهد لم يستسلم وكتب رسالة أخرى في الرد عليه سماها (الحسام في تكسير السهام).
قلنا إن أحمد المجاهد كان تلميذا لابن الحفاف. وكان قاضيا في عدة
стр. 3124
أماكن منها سطيف والأربعاء (قرب العاصمة)، وأثناء وجوده قرب العاصمة كان يتردد على مجلس ابن الحفاف. وبقي أحمد المجاهد ثلاثين سنة في القضاء، وكان صهرا أيضا للمجاوي الذي كان عندئذ مدرسا في قسنطينة. وأدركته الوفاة في سطيف في نفس السنة التي توفي فيها ابن الحفاف في العاصمة، وهي سنة ١٣٠٧ (١٨٩٠)(١). وإذا غضضنا النظر عن الجانب السلبي من هذه الردود بين الرجلين فإننا نظن أن هناك جانبا إيجابية فيها وهو الكشف عن بعض النواحي الثقافية والعادات الاجتماعية. وربما صدق الشيخ البوعبدلي عندما سمى ذلك كله (معركة فكرية).
١٣ - ومن هذه الردود منظومة النابتي حول السدل في الصلاة. كان محمد الخرشي النابتي (أولاد نابت قرب سطيف) من قرية تلمان ببني ورتلان، وكان من الذين درسوا في الأزهر الشريف، ولا ندري إن كان قد تولى القضاء أو الوظائف الدينية الأخرى. غير أننا نعرف أنه نظم منظومة تقع في أربع صفحات، وسماها (السيف المسلول في الرد الوجيع على منكرى سدل الرسول) (٢). وموضوعها بين من عنوانها. ولكننا لا نعرف إن كان النابتي يرد على شخص بعينه أو على رأي عام شاع بين أهل الوقت. وقد شارك أحمد بن عليوة فيما بعد بتأليف حول مسألة السدل أيضا (انظر فقرة الفقه).
١٤ - وفي أول الحرب العالمية الأولى أفتى مفتى اسطانبول (شيخ الإسلام) بتكفير المسلمين الذين يحاربون في صفوف أعداء الدولة العثمانية. وكان ذلك يعني أيضا الجزائريين الذين جندتهم فرنسا للحرب ضد الدولة العثمانية. وقد واجهت السلطة الفرنسية دعاية إسلامية مضادة وكان عليها أن تعد وسائلها وأن تعلن حربا دعائية من عندها للرد على أعدائها. فجندت أولا (رجال الدين) الرسميين الموظفين في المساجد وغيرها، ثم رجال الطرق
стр. 3125
الصوفية الموالين، وجعلهم يعلنون عن ولائهم (وينصحون) مسلمي الجزائر بعدم اتباع الدولة العثمانية لأنها انحرفت عن جادة الإسلام بارتمائها في أحضان ألمانيا وتضحيتها بمصالح المسلمين. وقد تعرضنا إلى ذلك في محله.
أما ما نريد أن نتعرض له الآن فهو تجنيد بعض العلماء الجزائريين للرد على فتوى شيخ الإسلام بأسطانبول. ولنتذكر أنه لم يكن للجزائر شيخ للإسلام في العهد الفرنسي، وليس هناك (مفتي الديار)، وإنما هناك مفتون محليون لا فرق بينهم وبين الأيمة العاديين تقريبا. ومعنى ذلك أن السلطة الفرنسية في الجزائر لم تجد شخصية دينية في وزن شيخ الإسلام بأسطانبول. لذلك لجأت إلى شيخين من شيوخ العلم والدين، أحدهما معروف وهو بومزراق (الونوغي) المقراني، وهو ابن أحمد بومزراق المقراني، الذي خلف أخاه محمد المقراني في ثورة ١٨٧١. وقد أصبح بومزراق المقراني معروفا بالونوغي فقط، وكان متوليا للقضاء في ناحية الشلف. أما الثاني فهو عبد الرحمن قطرانجي. وهو غير معروف بعلمه عندئذ ولا بمؤلفاته، ويبدو أنه من رجال الدين بالعاصمة ومن الأصول العثمانية.
في أول الحرب عينت السلطات الفرنسية الشيخين المذكورين: الونوغي وقطرانجي إمامين للجيش، أو بعبارة أخرى للمجندين الجزائريين في الجيش الفرنسي. فانتقلا إلى أوروبا، واستقرا في فرنسا. فهل كان عملهما هناك دينيا فقط؟ الغالب أن الأمر أكثر من ذلك. لقد كان دورهما هو ما نسميه اليوم بالحرب النفسية أو التوجيه المعنوي. وذلك لا يكون إلا إذا كانا مقتنعين غاية الاقتناع بمهمتهما الحساسة. الرسالة التي صدرت عن مفتي اسطانبول عنوانها (المسلمون في الجيش الفرنسي)، حوالي ١٩١٥. وهو تاريخ دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا. أما الرسالة (الكتيب) التي حررها الونوغي وقطرانجي فعنوانها (القول الناصح في مجادلة المائن الكاشح) (١). والمجادلة هنا وإن كانت فى ظاهرها دينية، فانها فى
стр. 3126
الحقيقة مجادلة سياسية، انها تهدف إلى التعرض لدعاية الدولة العثمانية الموجهة للمسلمين، وإثبات أن هذه الدولة بانضمامها للحرب مع ألمانيا قد تخلت عن واجباتها نحو المسلمين.
مسألة تدوين الفقه الإسلامي
كتب ألفريد لوشاتلييه سنة ١٩١٠ حول (الإسلام الجزائري) هذه العبارات: في مدة ثمانين سنة اصطنعنا (يقصد الفرنسيين) إسلاما فذا في العالم، إسلام بدون أوقاف، وله مساجد إدارية، وأيمة تغربلهم الإدارة أحسن غربلة، وقضاة موظفون وحج لا يكون إلا برخصة. ثم ها نحن نصوغ الآن أحكاما موحدة لقيطة من نتاج الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي. إن نصف الحملات والجيوش التي دامت بين أربعين وخمسين سنة ترجع إلى اضطهاد المؤسسات الإسلامية (١).
وقد تحدثنا عن هذه المسألة في مكانها من فصل السلك الديني والقضائي. ونريد هنا فقط أن نتعرض إلى الانتاج الذي ظهر نتيجة الاهتمام بتدوين الفقه الإسلامي. إن الاهتمام بهذا الموضوع كان شائعا في الدولة العثمانية ومصر وتونس. وقد ظهرت محاولات هناك لتوحيد المصطلحات في المعاملات، ولا سيما أمام ضعف رجال الدين وفقدان مركزية دينية مرجعية. وكان الفقه في الجزائر قائما، كما ذكرنا، على مذهب الإمام مالك ومشروحا بمختصر خليل وغيره، وبدت الدعوة منذ آخر القرن الماضي إلى تدوين الشريعة، دعوة بريئة في ظاهرها، المقصود من ذلك هو توحيد المعاملات بين القضاة. ونحن نذكر أن أول محاولة كان قد قام بها ابن العنابي بطلب من محمد علي باشا والي مصر، قبل منتصف القرن الماضي، وذلك في كتاب سماه: صيانة الرياسة في القضاء والسياسة. فأمام تلاعب المتخاصمين واضطراب الأحكام الصادرة من المحاكم لجأ محمد علي إلى
стр. 3127
مشروع ابن العنابي في توحيد الأحكام الصادرة عن المحاكم، طبقا للمذاهب الأربعة (١).
أما الفرنسيون فقد كان غرضهم أمرا آخر. كانوا يريدون إخضاع المعاملات الإسلامية للقانون الفرنسي وحصر الشريعة في مسائل الزواج والطلاق، لأن التركات قد تدخل فيها القانون الفرنسي أيضا. وهكذا فبعد نصف قرن (منذ ١٨٥٠) من تجريد القضاء الإسلامي من اختصاصاته، عين الفرنسيون لجنة لتدوين الفقه في مجلة يصدرونها بعنوان (مجلة الأحكام الإسلامية). وكان ذلك في عهد دومينيك لوسياني الذي كان على رأس إدارة الشؤون الأهلية. تعين مارسيل موران، أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق على رأس اللجنة، وكانت تضم عناصر من الجزائريين والفرنسيين. ورغم دور لوسياني وموران فإن (مجلة الأحكام) صدرت بإسم عالمين جزائريين هما: مصطفى بن أحمد الشرشالي وعبد الرزاق بن محمد الأشرف. وظهرت المجلة سنة ١٩٠٧ واستمرت في الظهور على الأقل إلى سنة ١٩١٣. وعنوانها الكامل هو (مجلة الأحكام السارية الجزائرية) ولها بالفرنسية عنوان معناه (مجموعة القوانين الدينية الجزائرية). وصدر منها مجلدات بين ١٩٠٧ - ١٩١٢ بالإسمين المذكورين، لكن عدد سنة ١٩١٣ لم يظهر فيه سوى اسم الشرشالي. فهل توفي الأشرف عندئذ أو تجند للحرب أو تخلى؟ إن الأمر غير واضح (٢).
ورغم جهد موران وضغوطاته ومساعي لوسياني وحنكته فإن مشروع تدوين الفقه الإسلامي في الجزائر لم يثمر لوجود معارضة واضحة. وكانت المعارضة من الجزائريين تقوم على الشك في نية الفرنسيين المكشوفة، وهي
стр. 3128
أن العملية كلها جاءت لإتمام اندماج الشريعة الإسلامية في القانون الفرنسي، وفتح أبواب التجنس والزواج المختلط، وما يترتب على ذلك من عواقب تؤدي إلى ذوبان الجزائريين في غيرهم. فالتدوين كان ممكنا في تونس ومصر وغيرهما حيث الشريعة سيدة نفسها تقريبا. ولكنه استحال أمام بلاد يسودها القانون الفرنسي باسم الاحتلال ويزعم محتلوها أن لها إسلاما خاصا بها يمكن التعايش بينه وبين القانون المذكور. وقد حاول موريس فيوليت خلال العشرينات، عندما كان حاكما عاما، إحياء المشروع عشية الاحتفال المئوي بالاحتلال، ولكنه فشل أيضا، ومنذئذ دفن المشروع (١).
من الذين كتبوا في الموضوع وأيدوا التدوين: أبو بكر عبد السلام الجليلي فقد كتب بحثا نشره في مجلة العالم الإسلامي سنة ١٩٠٩ أيد فيه أعمال لجنة تدوين الفقه، وبسط القول في المذاهب الأربعة وأصول الفقه، وعارض الذين وقفوا ضد التدوين الذي رآه خطوة (تجديدية). ورأى أن التدوين إذا تحقق سيكون مفيدا للقضاة وغيرهم من رجال الدين. ولم يذكر ما إذا كان مفيدا أيضا في الحالات الاجتماعية التي أشرنا إليها. وكان المتجنسون (المطورنون) من المؤيدين للمشروع، كما سبق. وقد أكدنا على أن كاتب البحث هو ابن القاضي شعيب الشهير والذي كان حيا عندئذ، فهل هذا الرأي هو رأي والده أيضا؟ لنا أن نفترض ذلك (٢).
جهود أخرى في الفقه لبعض الجزائريين والمستشرقين
في مجال الفقه أيضا قام بعض الجزائريين بترجمة نصوص فقهية والتعريف ببعض كتب الفقه الأساسية ورجال الفقه من أصحاب التراث.
стр. 3129
وشاركهم في ذلك بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون مباشرة مع الإدارة، وكذلك أساتذة التعليم القانوني المتخصصين في الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى بعض القضاة الفرنسيين. كل هؤلاء انتجوا أعمالا تخدم الفقه من جهة وتخدم الإدارة بالطبع لأن المحاكم والمدارس والجهات المدنية والعسكرية تحتاج إلى معرفة مصادر التشريع الإسلامي وأصول الفقه وفروعه. وهكذا أخرجت المطابع منذ منتصف القرن الماضي عددا من المؤلفات أو المنشورات التي تلخص أو تعرف بكتب الفقه.
ومن أوائل من ترجم مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي الدكتور بيرون، وهو طبيب فرنسي اعتنق المذهب السان سيموني الاشتراكي، وعمل سنوات في مصر في المدارس الطبية (مديرا لها) التي أنشأها محمد علي باشا. وقد كتب بيرون عن الطب النبوي والطب العربي، وعن الأدب الجاهلي وغيره، ثم استدعته بلاده سنة ١٨٥٧ لإدارة المدرسة السلطانية (المعهد الامبريالي) التي أسست عندئذ للدراسة العربية والمزدوجة. وتشهد ترجمته لمختصر خليل على معرفته للعربية وعلى اطلاعه على كتب التراث، ومنه الفقه، والترجمة موجهة، كما هو متوقع، إلى الإدارة الفرنسية، عسكرية ومدنية، وليس إلى الجزائريين. وقد تعين بيرون سنة ١٨٦٤ لتفتيش المدارس الرسمية الثلاث التي كان الفقه من موادها الأساسية (١).
وفي النصف الثاني من القرن الماضي عاش بالجزائر مستشرق فرنسي آخر، وهو هوداس، اهتم كثيرا بالتراث الإسلامي وترجم منه. وقد بدأ حياته بالجزائر معلما في الثانوية الرئيسية منذ ١٨٦٣، أستاذا للغة العربية. وتعاون مع زميله مارتيل الذي كان أستاذا بمدرسة الحقوق، على ترجمة كتاب (تحفة الحكام) لابن عاصم في الفقه. وقيل إن مدة الترجمة قد دامت قرابة عشر سنوات (٢).
стр. 3130
وكان ادمون فانيان أستاذا أيضا في مدرسة الآداب قبل أن تتحول إلى كلية. ويشهد له فهرس المخطوطات الذي وضعه عن المكتبة الوطنية بالجزائر على مدى معرفته بالمناهج واطلاعه على التراث العربي الإسلامي. ويهمنا هنا ترجمته وجهوده في ميدان الفقه والشريعة. فقد ذكر مترجموه أنه نشر جزءا من مختصر سيدي خليل وهو باب الجهاد (وقد كان ممنوعا في الخطب والتدريس على علماء المسلمين) وباب الزواج والطلاق. ونشر كذلك كتاب الخراج لأبي يوسف يعقوب. كما أن فانيان نشر رسالة ابن أبي زيد القيرواني المشهورة في الفقه. وهي تعتبر الثانية بعد مختصر خليل في الشهرة بين طلبة العلم، وربما تكون الأولى بالنسبة للمبتدئين منهم (١).
وبعد حياة مغامرة في لاروشيل والجزائر استقر أرنست ميرسييه في قسنطينة. ويهمنا من أعماله هنا نشر التراث، ولا سيما الفقه. ومن أعماله في مجال الفقه ما نشره عن الأملاك في بلاد المغرب طبقا للمذهب المالكي، ومن كتبه حالة المرأة المسلمة في شمال افريقية، والملكية العقارية الإسلامية في الجزائر (٢).
أما موتيلانسكي فقد اهتم بالمذهب الإباضي على الخصوص. ثم اللهجات البربرية في الصحراء والجنوب، سيما غدامس والهقار وميزاب. وقد أخذ ينشر منذ ١٨٨٦ عن القرارة وعن المذهب الإباضي، ومن أبرز أعماله في المجال الذي نحن بصدده، نشره لمدونة ابن غانم في المذهب الإباضي، وقد قال عنه زميله رينيه باصيه إنه قدم عنها الصورة الوحيدة الباقية من المخطوط (يعني كتاب المدونة)، أما الصورة الأخرى لها فقد اختفت، حسب قوله، وبعد ذلك نشر موتيلانسكي (المخطوط البربري لزواغة) في
стр. 3131
باريس ١٩٠٦، أي سنة قبل وفاته، وكان ينوي تقديم طبعة كاملة منه. ولذلك دعا باصيه العارفين باللهجة البربرية والفقه الإباضي إلى استكمال مشروع موتيلانسكي (١). ومما يذكر أن موتيلانسكي قد تعرف جيدا على الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي كان عندئذ ذائع الصيت وغزير الانتاج. وقد أصدر أطفيش سنة ١٨٨٦ شرح كتاب النيل، كما سبق.
واهتم دومينيك لوسياني، رغم أنه إداري أكثر منه عالما بالاستشراق، بالدراسات الفقهية والتراث العربي الإسلامي. فنشر سنة ١٨٩٦ (الرحبية) في الفرائص في نصها العربي والترجمة الفرنسية. وكانت الرحبية مقررة في المدارس الرسمية وحتى الزوايا. وقد قال فانيان الذي راجعها في المجلة الأفريقية، أن معرفة الرحبية واجبة وكذلك ترجمتها. وكان نشرها على يد لجنة للترجمة والنشر ألفتها الحكومة العامة بالجزائر، وربما عاونه أبو يعلي الزواوي في شبابه، ومحمد السعيد بن زكري. ولا ندري إن كان قد نشر أيضا. كتاب (أعز ما يطلب) لابن تومرت. وقد قلنا انه ساهم في تحضير مشروع تدوين الفقه الإسلامي مع زميله موران أستاذ الشريعة في كلية الحقوق، ولكنه فشل فيه. ومن نشاطه أيضا نشره (كتاب الحوض) في الفقه وهو بالبربرية، وقد استحضر نسخه من عدة جهات. وترجمه إلى الفرنسية مع النص الأصلي (٢).
وكذلك قام عدد من الجزائريين المتصلين باللغة الفرنسية بالتعريف بكتب التراث الفقهي أو ترجمتها تمشيا مع هذا التيار أو ذلك، إما للنفع المادي إذا كانت من الكتب المقررة في المدارس وإما النفع المعنوي استجابة
стр. 3132
لشروط الترقيات والسمعة والاندماج في بوتقة المثقفين الفرنسيين. ولكن الملاحظ أن الجزائريين الذين كتبوا في هذا السياق قليلون. إننا نجد لهم أعمالا هامة حول المعاجم واللهجات والتاريخ المحلي والفولكلور ونحو ذلك، أما الدراسات الفقهية فرغم شيوعها فإنها قليلة لديهم.
نوه عدد من الكتاب بما قام به أحمد لعيمش. وقد كان محاميا ومتصلا اتصالا وثيقا بالفقه الإسلامي والقانون الفرنسي. وكان مدرسا في مدرسة تلمسان الرسمية، وعضوا في عدة لجان تهتم بموضوع الشريعة. قام أحمد لعيمش بترجمة جزء من بداية المجتهد، لابن رشد. واكتفى من الترجمة ببابي الزواج والطلاق (١). والمعروف أن المحاكم الإسلامية لم يبق لها منذ آخر القرن الماضي ما تنظر فيه من المسائل الفقهية في المعاملات، سوى الأحوال الشخصية.
ويشبه ذلك ما كتبه أحدهم (مجهول؟) حول الصوم عند المسلمين طبقا لما جاء في رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٢). وهكذا كان الاهتمام بالعبادات في هذا المجال أكثر من المعاملات. وفي هذا الصدد ساهم محمد قندوز بمحاضرة في الجمعية الجغرافية، ثم نشرها في مجلتها بعنوان (انطباعات صائم)، وهي عن رمضان وتقاليده الدينية والاجتماعية وآدابه العامة أثناء أيامه ولياليه (٣).
стр. 3133
الفصل الثاني
العلوم الاجتماعية
стр. 3134
يشمل هذا الفصل علوما اجتماعية ودراسات شتى. منها التصوف الذي قيل انه ازدهر خلال العهد الفرنسي ازدهارا لم تشهده البلاد من قبل، سيما منذ السبعينات من القرن الماضي. وقد تناولنا الطرق الصوفية العاملة خلال هذه الفترة وأطوارها وعلاقاتها وتعاليمها في غير هذا الجزء. وكان علينا أن ننتظر إنتاجا غزيرا في التصوف نتيجة ازدهار الطرق، ولكن الحصيلة، كما سنرى، قليلة وضعيفة. فظهر أن التصوف كان ممارسة بطريق الذكر والحضرة ومنح الإجازات وادعاء الكرامات أكثر منه تصوفا نظريا قائما على التفكر في الكون وخالقه والإنسان ومصيره ودوره في الحياة، وسندرج ضمن فقرة الصوفي الكتابات الاصلاحية الداعية إلى نبذ البدع والخرافات والردود على المبتدعة وأدعياء التصوف، والكشف عن العلاقة بين بعض الطرق الصوفية والاستعمار (١).
ولم تكن الطرق الصوفية على حد سواء في الإنتاج والتأليف. وربما كان الذين ألفوا حول كل طريقة علامة على علاقة تلك الطريقة بالعلم والثقافة. مثلا من بين الطرق التي ظلت على صلة بالتعليم عموما هي الرحمانية. فوجدت من بين أنصارها ممن وضع التعاريف برجالها وكتب الإجازات وألف حول انتشارها وتعاليمها. وفي الدرجة الثانية تأتي الشاذلية وفروعها كالدرقاوية، ثم القادرية والتجانية والسنوسية على الترتيب تقريبا (٢). وهناك مؤلفات لم نستطع تصنيفها حسب الطرق الصوفية لأن أصحابها وضعوها حول نظريات التصوف عموما، أو لأننا لم نطلع على محتواها ولم نهتد للانتماء الصوفي لصاحبها.
стр. 3135
ومن المواد التي سيشملها هذا الفصل علم الكلام. وقد كنا ننتظر أن نعثر على عدد من المؤلفات الهامة في هذا العلم. ولكن خاب ظننا، فما وجدناه قليل جدا، ثم ان مستواه ضعيف لا يرقى إلى أي تنظير أو فكر عميق، باستثناء ما ألفه الأمير عبد القادر وعبد القادر المجاوي، ربما. ومعظم المؤلفات في هذا المجال عبارة عن منظومات مكررة لمعارف سابقة، وبطريقة تقليدية، أو شروح بنفس الطريقة أيضا. ولم يخرج المؤلفون في هذا العهد عن عقائد السنوسي المعروفة بأم البراهين، وهي التي سادت معاهد العلم في العالم الإسلامي خلال القرون الخمسة الماضية من المحيط الأطلسى إلى الشرق الأقصى، وترجمت إلى أكثر من لغة (١).
ولم نكد نعثر على مؤلفات في المنطق خلال هذا العهد. وقد ظل علماؤنا عالة على (السلم المرونق) لعبد الرحمن الأخضري وشروحه، وهو من المؤلفات التي ترجع إلى القرن العاشر الهجري (١٦ م). وقد سهل الفرنسيون أنفسهم تداوله بترجمته ونشره مع النص الأصلي أوائل هذا القرن. ولا نجد أثرا للرجوع إلى المؤلفات العربية والإسلامية في المنطق مثل كتابات ابن رشد وترجمات أرسطو. رغم انتشار الثقافة الفرنسية أيضا، بين فئة من المتعلمين.
وهناك علوم اجتماعية أخرى غير التي تعرضنا إليها في الفصول المعروفة كالتاريخ والأدب ونحوها. وهكذا سيضم هذا الفصل المؤلفات القليلة التي تتعرض لجوانب معينة في الثقافة الإسلامية والنظم السياسية والإصلاح الاجتماعي. ومن ذلك المؤلفات السياسية والنظريات الاجتماعية كالتربية والتعليم ودراسة أحوال المرأة المسلمة من الوجهة الدينية والاجتماعية. والدفاع عن الإسلام ضد الهجمات الاستعمارية والتنصيرية،
стр. 3136
واتهام المسلمين بالتعصب وممارسة تعدد الزوجات والرق ومعارضة التقدم، ومسألة التجنس والاندماج في المجتمع الفرنسي. وإضافة إلى ذلك، هناك مؤلفات قليلة وضعها أصحابها حول مسائل عسكرية وصناعية واقتصادية وإدارية ونحوها.
ومن الواضح أننا لا نتعرض هنا للمؤلفات الفرنسية عن الطرق الصوفية وإنما نكتفي بالمؤلفات الجزائرية. لقد تعرضنا إلى ما كتبه الفرنسيون عن هذا الموضوع في الدراسة النظرية التي وضعناها في الفصل المخصص لذلك. وقد لاحظنا هناك أن من المصادر التي اعتمد عليها أمثال لويس رين في كتابه (مرابطون وإخوان) الرسائل والتقاييد التي كان يبعث بها إليه، وبطلب منه، أعيان المتعلمين وشيوخ الزوايا أنفسهم. وفي معظم الأحيان كانت مهمة رين هي الترجمة والتصنيف والصياغة فقط. أما المادة فمعظمها قد توفر له مما ذكرنا وكذلك اعتمادا على تقارير المكاتب العربية المنتشرة عبر القطر والتي كانت مهمتها تشمل كتابة الملاحظات على نشاط الطرق الصوفية وتواريخها ورجالها وأنسابهم.
المؤلفات الصوفية
١ - القادرية: وهي من أقدم الطرق في الجزائر. وكانت لها مراكز وزوايا وشيوخ في أماكن عديدة قبل الاحتلال. وكان ارتباط هذه الطريقة بحركة المقاومة منذ ١٨٣٠ قد جعلها تصعد إلى الصدارة في الأحداث. وقد مثلها عندئذ الشيخ محيي الدين بن مصطفى والد الأمير عبد القادر، ثم تولى الأمير نفسه المسؤولية الوطنية والسياسية وأسس الدولة الجديدة وتجاوز نشاطه المسألة الصوفية أو بالأحرى تجاوز الطريقة القادرية. وأصبح رمزا وطنيا. ولكن أخاه الأكبر محمد السعيد هو الذي ورث عن والده بركة الطريقة، وهي العادة الجارية، واستمر على ذلك حتى بعد فشل المقاومة والهجرة إلى الشام. وقد خلف محمد المرتضى والده محمد السعيد في تمثيل
стр. 3137
الطريقة في لبنان. ولكن القادرية في الجزائر قد استمرت في فروع جديدة. حقيقة أنه لم يكن لها مركز رئيسي أو شيخ وحيد، لأن ولاء مقدميها كان دائما مربوطا بمركزها في بغداد. ومن الفروع القادرية التي نشطت في العهد الفرنسي فرع واد رهيو، وفرع منعة (الأوراس)، وفرع سوف (عميش)، وفرع كنته، وفرع ورقلة. وكانت زاوية ابن علي الشريف في آقبو قادرية أيضا. وقد كانت القادرية ممثلة في معظم المدن الرئيسية. ولم يظهر دورها السياسي من جديد إلا فيما كان من الشيخ الهاشمي وابنه عبد العزيز في سوف. أما ما عدا ذلك فقد كانت الزوايا القادرية قد دجنت، مثل غيرها، في أغلب الحالات.
ولعل للشيخ محيي الدين بعض التقاييد التي لا نعرفها في الطريقة وأصولها وتعاليمها، أو في التصوف عامة (١). والرجل الذي تساوت سمعته في الحرب والتصوف هو الأمير عبد القادر. ويعنينا هنا مؤلفاته في التصوف. ونحن نعلم أنه قد أضاف إلى القادرية التي تلقاها عن والده في الجزائر، الشاذلية والمولوية والنقشبندية التي تلقاها في المشرق بعد الهجرة. ومن شيوخه محمد الفاسي بمكة أثناء أداء فريضة الحج للمرة الثانية سنة ١٨٦٣. ونتيجة ذلك كتب قصيدته الصوفية الشهيرة (يا مسعود) (٢). ومن أشهر مؤلفات الأمير كتاب (المواقف) الذي يقع في ثلاثة مجلدات، وكان الأمير قد استغرق في التصوف منذ حجه، وقد اختلى في غار حراء أثناء مجاورته. وفي دمشق كانت له خلوة يتعبد فيها. وفي آخر سنواته ازداد تعمقا في هذا الباب، وكان يطالع أمهات كتب التصوف ومنها الفتوحات المكية وفصوص الحكم
стр. 3138
لابن العربي، الذي يعده شيخه الأكبر. ويبدو أنه قد تأثر به كثيرا في (المواقف) إذ بناها على نظريات شيخه، حسب العارفين بهذا الفن (١). وكان الأمير قد أرسل إلى قونية عالمين ثقتين لتصحيح الفتوحات المكية على النسخة الموجودة بخط مؤلفها ابن عربي. ويقول عمار الطالبي: (لا تخفى تبعيته (أي الأمير) لمحيي الدين بن عربي، وأنه من الذين أدركوا وفهموا الفهم الصحيح كتابه (فصوص الحكم) و (الفتوحات المكية). وهو يذكره كثيرا، ويشير إلى نصوص من مؤلفاته، ولكن ينفي هذا أن له أذواقا خاصة وفهوما ذاتية في هذا المجال) (٢).
وكتاب (المواقف) يضم ٣٧٢ موقفا، وقد طبع مرتين أولاها كانت في عهد ابنه محمد، أي سنة ١٩١١ (٣). وقد قدم الأمير كتابه بعبارات صوفية مغرقة ووشح ذلك بمقامة أدبية - خيالة عن معشوقة تشبه معشوقة ابن الفارض. وكل موقف من مواقفه تقريبا يبدأ بآية ذات معنى توحيدي أو صوفي، ثم يأخذ في شرح الآية شرحا صوفيا يغلب عليه الفكر الباطني الذي يعبر عنه بالأسرار والغيبة عن الشهود. وطالما عرض الأمير بأهل الرسوم وعلماء الظاهر الذين لا يدركون أسرار الوجود ولا الحقيقة الإلهية. وهو يستشهد لتفسيره آية الموقف الذي اختاره بآيات وأحاديث تزيد الصورة الصوفية التي يرسمها لمعانا وعمقا. وقد أورد عددا من المرايا التي حدثت له، وجاء بأخبار و (مواقف) حدثت له، يقظة أو مناما منذ كان بالجزائر، ولا سيما منذ حج ثانية. يقول الأمير في المقدمة: (هذه نفثات روحية، وإلقاءات سبوحية، بعلوم وهبية، وأسرار غيبية، من وراء طور العقول، وظواهر النقول، خارجة عن أنواع الاكتساب، والنظر في كتاب، قيدتها لإخواننا
стр. 3139
الذين يؤمنون بآياتنا، إذا لم يصلوا إلى اقتطاف أثمارها، تركوها في زوايا أماكنها، إلى أن يبلغوا أشدهم، ويستخرجوا كنزهم، وما قيدتها لمن يقول هذا إفك قديم وأساطير الأولين) (١). ومن الواضح أن كتب المواقف (لإخوانه) الصوفية أو الذين لهم استعدادات صوفية، مؤمنين بمبادئ أهل الباطن ذوي اللقاءات السبوحية والعلوم الوهبية والأسرار الغيبية. أما من يكذب بذلك ويعتبره من الأساطير فالمؤلف غير مهتم بهم، بل يعتبرهم من الجاهلين الذين يكتفي بقوله لهم سلاما، كما ورد في الآية.
آمن الأمير بوحدة الوجود تبعا لشيخه ابن عربي. وهو يتمنى أن يكون إيمانه كإيمان العجائز. ونفهم من المعلومات التي تضمنها كتاب المواقف أن فكر الأمير قد طور كثيرا عما كان عليه. فمن الاهتمام بالسياسة والشؤون العسكرية والفقه والحديث والتفسير إلى الاهتمام بعلوم القوم. فمتى حدث هذا التحول ولماذا؟ أما زمنه فهو وسط الستينات وبالضبط عند حجته الثانية ومجاورته بالحرمين وأخذه الطريقة النقشبندية على شيخه محمد الفاسي. ونحن نعلم أنه كان قد تربى على والده في القيطنة وتخرج من تراث الأسرة والطريقة القادرية، ومن تراث الحضارة الإسلامية المتمثل في المخطوطات الفلسفية والصوفية والأدبية والتاريخية المخزونة في مكتبة والده. وقد شغلته المقاومة الوطنية سبعة عشر عاما، ثم سنوات السجن بفرنسا حوالي خمس سنوات، وسنوات بروسة حوالي ثلاث سنوات. ثم حدثت أزمة الشام سنة ١٨٦٠، فبرز فيها الأمير كمدافع عن الحق وحقوق الإنسان والتسامح. ولفت إليه الأنظار من جديد، فبعد أن كان معروفا، ببطولاته العسكرية واستماتته في الدفاع عن وطنه ودينه ضد دولة أجنبية معتدية، أصبح منذ ١٨٦٠ معروفا بموقفه الإنساني في حماية من ليسوا على دينه ولا في وطنه الصغير. وحظي من أجل ذلك بالأوسمة والهدايا ورسائل الشكر من عظماء الدول ورموزها.
стр. 3140
وتردد اسمه ليكون ملكا على العرب وحتى بلاد اليونان وغيرها. وظهر المحبذون له والمتحفظون منه. وبدأت الضغوطات من مختلف الدول المستفيدة والخائفة. فإذا بالأمير يتوجه إلى الحج تاركا كل الإشاعات والمناورات وراءه. وقضى في الحرم الآمن حوالي سنتين بعيدا عن الأنظار السياسية والضغوطات الدبلوماسية.
فهل كان الإغراق في التصوف ابتداء من هذه الرحلة مقصودا من الأمير لكي يبتعد عن المسرح السياسي؟ وهل كان موقفه من التصوف عندئذ جوابا لطالبي يده في تولي المناصب وتبني وجهات النظر الضاغطة عليه؟ حقيقة أن الأمير كان يطمح إلى أداء هذه الزيارة، بل الإقامة، في الحجاز منذ ترجل عن صهوة جواده في ديسمبر ١٨٤٧ واضعا بذلك النهاية لسنوات طويلة من المقاومة، ولكن السلطات الفرنسية حملته إلى سجونها بدل الشرق. فكان لسان حال الأمير سنة ١٨٦٤ قول الشاعر محمد العيد الذي حدث له في التصوف ما حدث للأمير تقريبا:
وجنحت للحرم الذي فارقته ... زمنا جنوح الطير للأوكار
إننا نرجح أن (عودة) الأمير إلى التصوف بتلك الصفة التي تدعو للدهشة كانت هروبا من محاولات استعماله في أدوار لم ير الفرصة سانحة للقيام بها، وقد كانت له همة قعساء ومروءة شماء أيضا. فرأى أن خير ما يبتعد به هو اللجوء إلى الفتوحات المكية وفصوص الحكم لابن عربي، وغيرهما من كتب الحقيقة الصوفية. ورغم أنه ظل يعيش مشاكل الظاهر بالنسبة لأسرته وضيوفه ومن يلوذ به، فإنه انسحب إلى الباطن أو ما يسميه بالسبوحات الوهبية والغيبيات بالنسبة لحياته الخاصة. وقد أصبح كثير الغيبة عن الوجود الحسي. وكثيرا ما وجدناه في (المواقف) يردد عبارة معينة، وهي أنه كان في حالة مشاهدة فصعق فكلمه الله وقال له: إنني أنا الله لا إله إلا أنا. وكان يحصل له، كما أخبر، بعد الرجوع إلى الحس، فرح وبشارة.
стр. 3141
وجاء في (الموقف) الأول قوله: (إن الله قد عودني أنه مهما أراد أن يأمرني أو ينهاني أو يبشرني أو يحذرني أو يعلمني علما ... إلا ويأخذني مني مع بقاء الرسم، ثم يلقي إلي ما أراد بإشارة آية كريمة من القرآن، ثم يردني إلي فأرجع بالآية قرير العين ملآن اليدين، ثم يلهمني ما أراد بالآية). ثم يقول: (وأتلقى الآية من غير حرف ولا صوت ولا جهة، وقد تلقيت، والمنة لله تعالى، نحو النصف من القرآن بهذه الطريقة. وأرجو من كرم الله تعالى أن لا أموت، حتى أستظهر القرآن كله، فأنا بفضل الله محفوظ الوارد في المصادر والموارد، ليس للشيطان علي سلطان ...) (١). وهذا يعني أنه كان يتلقى القرآن وحيا وإلهاما أثناء غياب روحه وبقاء رسمه في لحظات معينة. ولا ندري إن كان قد حقق الله رجاءه فحفظ القرآن كله بطريق الوحي والإلهام، كما تمنى. والآن التي بدأ بها (الموقف) الأول هي قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
أعلن الأمير أنه يرحم من خالف قوله، وقرر ألا يجادل هذا الصنف من الناس (من علماء الرسم، القانعين من العلم بالاسم)، وغيرهم. وهو يعذرهم لأنه جاءهم بأمر مخالف لما تلقوه من مشائخهم المتقدمين، وما سمعوه من آبائهم الأولين، فالأمر عظيم والخطب جسيم، والعقل عقال، والتقليد وبال، فلا عاصم إلا من رحم ربي) (٢). وهو يعترف أن طريقة فهم التوحيد التي آمن بها مختلفة عما اعتاده الناس الذين يتلقون العلم من المتكلمين والحكماء المعلمين، ولكنها طريقة أخرى مختلفة وهي (طريقة توحيد الكتب المنزلة، وسنة الرسل المرسلة، وهي التي كانت عليها بواطن الخلفاء الراشدين، والصحابة والتابعين والسادات العارفين). وعلى إثر ذلك جاء بالمقامة الصوفية التي أشرنا إليها والتي استوحاها من مسامرة لأهل الظرف ومن نادى العارفين فدار بينهم حديث ذو شجون، إلى أن تكلم عريف الجماعة فحدثهم بحديث هو أغرب من حديث عنقاء مغرب، وقد أسميناها
стр. 3142
نحن (المعشوقة) (١) استلهاما مما جاء فيها.
من ألوان تخريجات الأمير فهمه لما روى عن الإمام الغزالي (ليس في الإمكان أبدع مما كان). وقد دار نقاش بين المتأخرين حول المقصود من هذه المقولة. وخاض فيها حمدان خوجة في كتابه (حكمة العارف). ولكن الأمير تناولها من وجهة نظر صوفية فقال إن فيها إشارة إلى معنى الآية: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾. فالآية تشير، حسب رأي الأمير، إلى (سر القدر المتحكم في المخلوقات الذي هو العلة. فقد أخبر الله (أنه أعطى كل شيء من العالم المخلوق في مرتبة وجوده الخارجي خلقه، أي استعداده الكلي الذاتي الغير مجهول ولا مخلوق الذي هو عليه في مرتبة ثبوته وعدمه. فإن كل ممكن له استعداد خاص، لا يشبه استعداد ممكن استعداد ممكن آخر. وبالاستعداد كانت الحجة البالغة لله - تعالى - على من أشقاه وابتلاه وأفقره ونحو هذا. فإن استعداده طالب لذلك. ولو أعطاه غيره على سبيل الفرض لرده، وما قبله لاستعداده ضده) (٢).
ومما يذكر أن الناشر للمواقف اعتمد على عدة نسخ. منها نسخة الأمير بخط يده. وقوبلت على نسخة جمال الدين القاسمي التي كانت بدار الكتب الظاهرية، ثم نسخة عبد الرزاق البيطار (وهو صديق الأمير وتلميذه) وكانت على هذه النسخة تعاليق بخط الأمير نفسه. ولكن عبارة (منقحة) التي وردت في طبعة دمشق، محيرة، لأن التنقيح لا يصح إلا على يد المؤلف نفسه. أما تصحيح الأخطاء ومقابلة النسخ والنصوص فهو ما يقوم عليه التحقيق للآثار القديمة. وقد استفدنا أيضا من المواقف أنها احتوت على مجموعة شعرية للأمير قد لا تكون مضمومة إلى الديوان، والغريب أن بعض شعره قد وقع فيه التصحيف لدرجة مهولة. وسنذكر ذلك في مكانه (٣). كما أن نثر الأمير في المواقف يختلف عن نثره في مؤلفاته الأخرى، كذكرى العاقل، ورسائله.
стр. 3143
أ - والذين ترجموا لمحمد السعيد، أخو الأمير، ذكروا له أيضا بعض المؤلفات، منها شرحه الذي وضعه على رسالة في علم الوضع، وقد طبعت (انظر بعد). وقيل إن له رسائل كثيرة، لعل منها ما كان في الطريقة القادرية. فقد كان له مريدون في المشرق والمغرب، ولا بد أنه كان بمنح الإجازات ويلقن الأوراد. وكان له أولاد متزوجون من بنات أخيه الأمير، ومنهم محمد المرتضى الذي خلفه في الطريقة. ولكننا لا نعرف أن محمد المرتضى قد ترك بعض التأليف في التصوف أيضا. وكان محمد السعيد من علماء الوقت، وقد لازم أخاه الأمير إلى آخر لحظة في كفاحه. كما أن محمد المرتضى تتلمذ على أبيه وعمه معا. وكان يقرض الشعر في شبابه.
ب - أما الأخ الآخر للأمير، وهو أحمد بن محيي الدين، فقد ترك مؤلفين على الأقل في التصوف. وقد طبع أحدهما ولده بدر الدين. والتأليف الأول في بيان أن العلم نقطة وعنوانه الكامل (نثر الدر وبسطه في بيان كون العلم نقطة) (١). وقيل إن هذا العنوان مبني على مقولة الإمام علي أن العلم نقطة كرها الجهلاء. أما التأليف الثاني فهو رسالة بعنوان (الجنى المستطاب)، وهي شرح لأبيات أولها: فأنت في مستنقع الماء رجله. ولأحمد هذا تأليف آخر في التاريخ تناول فيه المقاومة التي قادها أخوه عبد القادر وتاريخ حياته ومن ثمة تاريخ الجزائر إلى حوالي ١٨٤٧ (٢).
ج - وليس لدينا الآن مؤلفات أخرى من المنتسبين إلى الطريقة القادرية. فشيوخ عميش ومنعة ووادي رهيو وغيرها غير معروفين بمؤلفاتهم. وقد اشتهر أحمد البكاي بنواحي كنته بالعلم. فهل ترك مؤلفات لم تصل إلينا (٣)؟ كما اشتهر ابن علي الشريف دون أن نعرف له تأليفا في التصوف،
стр. 3144
ويبدو أنه كان مهتما بالسياسة.
٢ - وكان المصدر الأساسي للطريقة التجانية هو كتاب (الكناش) الذي ينسب إلى الشيخ أحمد التجاني نفسه. وربما أضيفت كتابات وملاحظات أخرى إلى هذا الكتاب الذي لم يطبع حتى الآن، حسب علمنا، وإنما عرف به أحد العلماء الفرنسيين ولخصه. وقد كان للتجانية فرعان رئيسيان في الجزائر، عين ماضي وتماسين، وكانتا تتبادلان النفوذ طيلة القرن الماضي وأوائل هذا القرن. وفي بعض الوقت لعبت قمار دور الفرع الثالث، سيما في عهد الشيخ محمد العروسي (ت. ١٩٢٥). ومن أبرز شيوخ الطريقة، خلال الاحتلال الحاج علي بتماسين وابنه محمد العيد وحفيده العروسي المذكور. ولكننا لا نعرف أن الاثنين الأولين قد تركا تآليف، فشهرتهما قامت على احتضانهما للطريقة ونفوذهما الشخصي أكثر من العلم والتأليف، أما محمد العروسي فقد ترك بعض المؤلفات، منها (المخدرة) التي لم نطلع عليها ولكن هناك من أخذ منها، مثل إبراهيم بن عامر - العوامر -. ويبدو أن (المخدرة) كتاب جامع أيضا، وهو غير مطبوع أيضا، حسب علمنا. وهو كتاب يشبه التقييد فيه أخبار وحوادث وليس كتابا في التصوف فقط على أغلب الظن.
أما عين ماضي فمن أشهر شيوخها محمد الصغير (ت. ١٨٥٣) الذي سمي أيضا محمد الحبيب، فيما بعد. وهو، فيمازعموا، والد أحمد التجاني زوج الفرنسية أوريلي بيكار، والبشير الذي تزوج أيضا، هذه الأرملة بعد وفاة أخيه المذكور. ورغم شهرتهم جميعا في وقتهم واعتقاد أنصارهم فيهم، فإنهم لم يتركوا تآليف تذكر، حسب علمنا. وكان أحمد والبشير قليلي التعلم، حسب المصادر الفرنسية، وعاشا حياة مضطربة (١).
ولكن الأتباع تناولوا الطريقة التجانية ببعض التأليف، ومنهم:
стр. 3145
أ - أحمد بن عاشور السمغوني (من بوسمغون؟) وقد قيل انه من أتباع وأصحاب أحمد التجاني (بن محمد الصغير). والتأليف لا نعرف عنوانه بالضبط، ولكنه في حياة الطريقة التجانية والأحوال العامة، أي أنه كتاب جامع في شكل كاش. وروى عبد الباقي مفتاح أن فيه أخبارا عن العلاقة بين الأمير عبد القادر ومحمد الصغير التجاني والمعونة التي قدمها هذا لصالح الجهاد والمقاومة (١). ويبدو أنه عمل صوفي وربما تاريخي هام أيضا.
ب - ولمحمد بن المشري كتاب في شكل كناش أيضا، تناول فيه حياة الشيخ أحمد التجاني، مؤسس الطريقة وتطورها بعده. ويبدو من الخبر المحدود الذي عندنا أنه كتاب جامع إذ عنوانه هو (الجامع لما افترق من درر العلوم الفائضة من بحار القطب المكتوم). والقطب المكتوم هو الشيخ التجاني نفسه. والعبارة توحي بشيء من المهدوية (٢) والإمامة المنتظرة. أما المؤلف (ابن المشرى) فلا ندري من هو ولعله من عائلة الريان الذي رعى الزاوية وتولى للفرنسيين إدارة عين ماضي.
ج - وفي سنة ١٩٢٣ نشر الصحفي الشهير عمر بن قدور كتابا في الإشادة بالطريقة التجانية عنوانه (سائق السعادة والدليل إلى أقوم سبيل). والمعروف أن ابن قدور قد نفي خلال الحرب العالمية الأولى إلى عين ماضي والأغواط، وعانى من السلطات الفرنسية الأمرين لمواقفه الصريحة المعادية للتجنيد الإجباري، ولتدخل الغرب، ومنه فرنسا، في شؤون العالم الإسلامي، وعارض النشاط الصهيوني في فلسطين والحرب الإيطالية ضد ليبيا. وكل هذه المواقف جلبت عليه نقمة تلك السلطات فنفته شر نفي. ولم تكن مواقفه الصوفية معروفة قبل نفيه، فقد كان من دعاة الإصلاح والتجديد
стр. 3146
والنهضة الوطنية والإسلامية. فهل اكتشف قيمة الطريقة التجانية خلال نفيه فاحتمى بها، وقد كانت ذات نفوذ ودالة على السلطات الفرنسية؟ أو كان على صلة بها قبل نفيه؟ إننا لا ندري ذلك. أما كتابه المذكور فقد كان يعبر عن تحول كبير في حياته وفكره (١). ولم نطلع على الكتاب.
٣ - وقد ألفت كتب كثيرة عن الطريقة السنوسية، من رجالها ومؤسسيها وكذلك من غيرهم. والمعروف أن محمد بن علي السنوسي الخطابي هو نفسه من مواليد الجزائر ومن أهلها. وقد ترك مؤلفات عديدة، بعضها مطبوع، في أصول الطريقة التي أنشأها في مكة نم جغبوب بليبيا. وقد ذكرنا ذلك في عدة مناسبات، منها أثناء الحديث عن الدور السياسي والديني للطريقة وأيضا أثناء ذكر الأسانيد والأثبات. ولا نريد الآن الرجوع إلى ذلك. وقد تعرض عبد الحي الكتاني وغيره إلى مجموعة من تلك المؤلفات. كما أن الفرنسيين رجعوا إليها وترجموا بعضها. وكان مدار السنوسية على الكتاب والسنة، كما ذكرنا.
وكان للسنوسية فرع واحد معروف في الجزائر، وهو بناحية مستغانم، والذي كانت تشرف عليه عائلة تكوك. وقد ذكرنا ذلك الفرع وما عانى أصحابه من اضطهاد ونفي وسجن على يد السلطات الفرنسية. أما المؤلفات فقد كان هذا الفرع معتمدا على ما كتبه الشيخ السنوسي نفسه وما يصلهم من إجازات ونحوها من الزاوية الأم. ولا نعرف كتابا قد ألفه واحد من عائلة تكوك في هذا الموضوع.
وقد تحدث الكتاني عن كتاب (الأنوار القدسية في مقدمة الطريقة السنوسية) الذي ألفه أحمد الشريف حفيد محمد بن علي السنوسي. وكان
стр. 3147
المؤلف رحالة وعارفا بأحوال الشرق الإسلامي، عاش في مكة أيضا واسطانبول وغيرهما. ومن المفهوم أن الكتاب يتناول أصول الطريقة ورجالها وأسانيدها، ولا سيما في كتب الحديث والتصوف. ويبدو أن الكتاني لم يتعرف على المؤلف وإنما عرفه من خلال ابن عمه الشيخ أحمد بن تكوك (١).
وألف محمد بن عيسى السعيدي القاسمي كتابا في الطريقة السنوسية أيضا سماه (المواهب الجليلة في التعريف بإمام الطريقة السنوسية)، وقد ذكرناه في المناقب (٢).
ومهما كان الأمر فإن هذه الطرية لم تحظ بتأليف كثيرة في الجزائر. ولعل ذلك يرجع إلى أنها كانت معادية للاحتلال والتوسع الفرنسي، فلم يخصها كتاب الطرق الصوفية بتأليف خشية المتابعة. ومن جهة أخرى نعلم أن الفرنسيين قد سلطوا بعض الطرق على بعضها لتحييد واحتواء المعارضة لهم. وتذكر مؤلفات الفرنسيين أنهم أوعزوا إلى الطريقتين الطيبية والتجانية بذلك الدور، ولا سيما في الجنوب، وتفيد أخبار الفرنسيين أن زعماء السنوسية قد وصلوا إلى نفطة من تونس، ودعموا ثورات الجنوب، وبالأخص ثورة محمد بن عبد الله في ورقلة في الخمسينات وثورة محيي الدين بن الأمير عبد القادر في ناحية تبسة وسوف في مدار السبعينات. وقد كانوا على علاقة وطيدة مع الزوايا الرحمانية في الجنوب ولا سيما زاوية نفطة (تونس) التي كان يشرف عليها المهاجرون، وذلك قبل احتلال تونس. فهل هناك مؤلفات لم نطلع عليها؟ ربما.
٤ - حظيت الرحمانية بأكبر نصيب من التأليف. ويرجع ذلك في نظرنا إلى استمرار الصلة بين هذه الطريقة والتعليم. ذلك أن معظم الزوايا
стр. 3148
الرحمانية، سواء في الشمال أو في الجنوب، كانت مراكز لنشر التعليم العربي والدين الإسلامي، وكانت غالبا مراكز أيضا للثورات. ولكن الطريقة الرحمانية تلقت ضربات موجعة منذ احتلال زواوة، ثم منذ ثورة ١٨٧١ واحتلال تونس الذي أضعف دور زاوية نفطة (العزوزية). وسنتتع الآن عناوين المؤلفات التي تركها الزعماء الرحمانيون أو أتباعهم.
١ - حزب الفلاح ومصباح الأرواح، تأليف عبد الحفيظ الخنقي الونجلي. وهذا العمل عبارة عن رسالة في الطريقة الخلوتية التي أخذها بدوره عن محمد بن عزوز عن عبد الرحمن باش تارزي عن محمد بن عبد الرحمن الأزهري عن الحفناوي الخلوتي. أول الرسالة هو: باسم الله العظيم الأعظم الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ... اللهم نور قلوبنا ... الخ (١).
وعبد الحفيظ المذكور كان صوفيا. ومناضلا سياسيا أيضا. وقد عاصر ثورة الزعاطشة واحتلال بسكرة. وجاهد بسيفه، وكان، رغم علمه وكبر سنه، من المحاربين الأشداء. وقد قيل انه قتل الضابط سان جيرمان قبل أن يستشهد هو، أثناء معركة وادي براز قرب بلدة سيدي عقبة سنة ١٨٤٩، لكن المراجع المتأخرة تذكر أنه نجا من الموت، وأنه هاجر إلى نفطة على إثر ثورة الزعاطشة، وتوفي بنفطة سنة ١٨٥٠. وهو رأي لا نرجحه.
وترك عبد الحفيظ مجموعة أخرى من الرسائل (الكتيبات) في التصوف وما يتصل به، وهي حوالي سبعة نذكرها بعناوينها فقط:
أ - التعريف بالإنسان الكامل.
ب - الحكم الحفيظية، وهي الرسالة التي شرحها المكي بن الصديق الذي كان مدرسا ومفتيا بجامع سيدي المبارك (٢). وقد ألفها
стр. 3149
الشيخ عبد الحفيظ سنة ١٢٥٧.
ج - الجواهر المكنونة في العلوم المصونة.
د - غنية المريد، ولعل هذه الرسالة هي التي توجد منها ورقات في تونس تبدأ هكذا: (وهي هنا بدون عنوان): قال شيخ التربية وإمام الأولياء وطريق الأصفياء، الواصل الموصل، والكامل المكمل، سيدي عبد الحفيظ بن محمد: يا أخي إن أردت أن تنظر روحك في براز؟ في الأرواح، فكن روحا بلا روح، ولا تكن روحا حتى تشاهد روحك بين الأرواح. وهي تنتهي بأبيات في التصوف مكتوبة بالعامية. ألفها سنة ١٢٥٦ (١).
هـ - سر التفكر في أهل التذكر.
و- غاية البداية في حكم النهاية (٢).
وللشيخ عبد الحفيظ أبناء وأحفاد استقروا في زاوية خيران (قرب خنشلة) وتامغزة وتونس. وقد تأقلموا مع الأوضاع السياسية والدينية التي سادت الجزائر وتونس، وكانوا على علاقة بزاوية نفطة العزوزية.
٢ - رسالة الكامل بن المكي بن عزوز. نقل منها صاحب تعريف الخلف في ترجمة محمد بن عزوز، وعائلة ابن عزوز توزعت بين الجزائر وتونس والمشرق. ومن أشهر رجالها المكي بن عزوز. ورغم شهرة مصطفى والمدني في التدريس فإنهما لم يتركا مؤلفا في التصوف على ما نعلم، وأبرز من ألف منهم في العلوم المختلفة هو المكي بن عزوز. وقد ترك ابنه الكامل بعض الآثار، كما ذكرنا (٣).
٣ - فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم، ألفه علي بن عمر الطولقي. وعند بعض المترجمين أن الكتاب من عمل الحسين بن علي بن
стр. 3150
عمر الطولقي (١). وهناك فرق بين الرجلين. وتذهب بعض المصادر إلى أن الحسين ألف (رسالة لطيفة في الطريقة ضمنها فوائد نفيسة). ثم اختار سكنى تونس (ربما بعد الاحتلال الفرنسي لها). وتوفي بها سنة ١٣٠٩. وقد رثاه المكي بن عزوز بأبيات بدأها بقوله:
ما ثم موعظة لكل مشاهد ... مثل المنية، وهي أرصد راصد
ويفهم من الذين ترجموا له أيضا. أن له رسالة أخرى لا ندري موضوعها، ولعلها في التصوف، وعنوانها (دقائق النكت). وقد تكون في شكل كناش أو مذكرات. وسواء كانت (فاكهة الحلقوم) له أو لغيره فهي من مصادر الطريقة الرحمانية (٢).
٤ - النبذة المنيفة في منهج الحقيقة، تأليف علي بن عثمان بن علي بن عمر الطولقي المتوفى سنة ١٨٩٨ (١٣١٦). وقد عاصر المؤلف فترة حرجة من تاريخ البلاد، اشتد فيها طغيان الاحتلال مما ألجأ عددا من شيوخ الرحمانية إلى الثورة أو إلى الحياد والاعتكاف على التعليم وممارسة الزهد. ويبدو أن علي بن عثمان قد اختار الطريق الثاني في الوقت الذي اختار فيه الشيخ الحداد الطريق الأول (٣).
٥ - حكمة المغانم في البلوى في جميع الغنائم، تأليف إبراهيم بن الصادق بن الحاج، صاحب ثورة ١٨٥٩ بالأوراس. وقد كان محمد الصادق بن الحاج من تلاميذ محمد بن عزوز أيضا، اعتقله الفرنسيون على
стр. 3151
الكبر وأودعوه سجن الحراش إلى أن مات فيه. كما سجنوا معه أولاده وأبرز أنصاره، ومنهم إبراهيم، المؤلف المذكور. ورغم أن الكتاب تناول أيضا الجوانب الفقهية والفرائض فإننا نتصور أن الجانب الصوفي قد تغلب عليه، فقد ترجم فيه لنفسه، وتعرض لحياة والده وكراماته وعلامات الصلاح عنده. وروى عن عدة أعلام في هذا المجال.
وبناء على دراسة أحد المختصين بالمنطقة، فإن كتاب (حكمة المغانم) يقع في ١٥٩ ورقة. فهو إذن كتاب ضخم، ولكنا إلى الآن لا نعرف قيمته، لأن الدراسات حتى الآن منصبة على النشاط السياسي والديني للرحمانيين في الأوراس وليس على نشاطهم الفكرى (١).
٦ - كتاب المبشرات: ومؤلفه مجهول، ولكنه من أهل الأوراس، وقد يكون من تأليف أحد شيوخ زاوية الصادق بن الحاج. وقد ذكر بعض الدارسين أن هذا الكتاب، هو رسالة صغيرة كما فهمنا، يحتوي على وصايا لأنصار الطريقة حول أفضل الفصول لزيارة الزاوية (الربيع والخريف) وفيه الحث على الزيارة وفوائدها، لأن فيها لقاء مع الشيخ. كما أن في الكتاب بيانا لكيفية الدخول في طاعة الشيخ، أي نوع من المبايعة، وكيفية التلقين وتلقي الأوراد الصوفية (٢).
٧ - المنح الربانية في بيان المنظومة الرحمانية: تأليف مصطفى باش تارزي. والمنظومة أصلا لوالده عبد الرحمن أحد تلاميذ الشيخ الأزهري في الطريقة الخلوتية (الرحمانية). وقد توفي مصطفى المذكور سنة ١٨٧٠ (١٢٨٧ هـ) حسبما جاء في تعريف الخلف. واشتهرت المنظومة وشرحها بين طلبة العلم والتصوف. ويبدو أنها نالت رضى بعض العلماء خلال هذا القرن، مثل عبد الحميد بن باديس، الذي قدم لطبعتها في المطبعة الإسلامية الجزائرية.
بدأ مصطفى شرح المنظومة بقوله: (نحمد من وهب من نوره
стр. 3152
القدسي، وأبرز من إشراق الضياء الحسي ... وبعد فلما لم ينفعني التعلل بلعل وعسى، عن اقتراح بعض الإخوان في كل صباح ومساء، أن أكتب فوائد لايقة، بطالعة المنظومة الرحمانية التي وضعها الشيخ الوالد ... في الآداب الشرعية المتعلقة بالطريقة الخلوتية، تحفظها من الضياع وتخرجها إلى حيز الانتفاع)، واعتذر الشارح على أنه ليس من أهل التأليف. وكونه قد تقادم العهد بينه وبين زمن تعاطي العلم عن والده. وأن إقدامه على الشرح إنما كان استجابة لدعوة بعض الراغبين في تقييد وبيان ما في المنظومة من الفوائد.
ومن فوائد هذا الشرح أنه ذكر تاريخ السند الذي أخذ به والده عن الشيخ الأزهري عن الشيوخ الآخرين، إلى أن وصل إلى مصطفى البكري الشامي الحنفي الخلوتي. فالأزهري أخذ إذن عن محمد بن سالم الحفناوي عن مصطفى البكري الشامي (١).
ومن الملاحظ أن عائلة باش تارزي بقسنطينة قد جمعت بين التصوف والسياسة أيضا خلال الاحتلال. فبالإضافة إلى شغلها في ميدان الطريقة تولى بعض أفرادها الوظائف الإدارية والسياسية. وفي التقويم الجزائري ١٩١٢، أخبار عن متأخري رجالها (٢). ونجد بعض اسمائهم في قائمة العرائض التي تقدم بها الأعيان إلى السلطات الفرنسية حول المظالم في آخر القرن الماضي. وهذا الاندماج في الحياة المدنية قد أضعف دور العائلة ربما في الحياة الروحية في الأطراف، إذ أن الزويا الفرعية التي أخذ مؤسسوها عن الشيخ عبد الرحمن باش تارزي قد استقلت بتشجيع من السلطات الفرنسية وباندماج العائلة التارزية نفسها في حياة المدينة، كما ذكرنا.
٨ - تأليف في أطوار الطريقة الرحمانية: ألفه محمد أمزيان الحداد،
стр. 3153
شيخ زاوية صدوق في وقته. وقد ذكره المهدي البوعبدلي، وقال أن الحداد وصف في كتابه حالة البلاد بعدما أذن له شيخه المهدي السكلاوي اليراتني في رياسة الطريقة. وكان السكلاوي قد هاجر إلى بلاد الشام حوالي ١٨٤٦ (١٢٦٢)(١). وقد عرفنا أن للشيخ الحداد بعض المؤلفات والإجازات. والغريب أن البحث قد جرى عن كتابات ابنه عبد العزيز الحداد فلم يعثر الباحثون له على أثر حتى الآن، رغم تعلمه ومكانه.
٩ - نصرة السني ردا على ذي الوهم البدعي: نظم وضعه محمد بن راشد المايني - قرب بوقاعة (سطيف). وقد انتصر المايني في نظمه للشيخ محمد أمزيان الحداد في واقعة له مع أحد المشائخ، رمز له بالبدعي أو المبتدع. وقد تضمن أيضا رسالة من الشيخ الحداد للناظم. وتدور المنظومة حول الصوم وعيد الفطر (٢).
١٠ - رسالة في تلقين الأوراد الصوفية: ألفها السعيد بن الطاهر بن محمد البهلولي. وهي في الرد على العوام القائلين بوجوب تلقين الذكر لكافة الناس، وقال مؤلفها بتأثيم الذاكر الذي ليس له ملقن. كما تعرض فيها لبينان شروط الشيخ المربي (الملقن) وإلى حكم اللحن في الأذكار، وحكم ما حملوا عليه من إنشاد الأشعار وكذلك حكم القبض في الصلاة المفروضة، الخ. وهي رسالة مطبوعة (٣).
١١ - النصيحة العزوزية: منظومة الشيخ الطاهر العبيدي. أرخ فيها
стр. 3154
وأشاد بالطريقة الرحمانية وكذلك بفرعها (نفطة)، وعدد رجالها، ومدحها بأنها رحمة للناس وجامعة بين مختلف الطرق الصوفية، وأن أصلها طريقة الجنيد. وهاجم العبيدي الذي قد يكون درس في زاوية نفطة العزوزية، أولئك الذين درسوا قليلا من العلم في المشرق ثم رجعوا ممتلئين كبرا، مدعين الاجتهاد والعلم، وهم لا يحملون السبحة ولا الكتب وإنما يحملون المجلات الشرقية والجرائد. ولعله كان يعرض بذلك بمعاصره مولود الزريبي الذي رجع من مصر مملوءا حماسا وداعية إصلاح، رغم صغر سنه. وبدأ العبيدي منظومته بقوله
إن ترد عزة، وفضل مزية ... فتلق الطريق (عزوزية)
وتلقن أورادها وتبرك ... بحماها ففي الرجال بقية
كم توالت لأهلها رحمات ... فهي حقا والله (رحمانية)
وبعد أن ذكر أصولها وكونها ترجع إلى أهل الطرق جميعا مثل الشاذلي والطيب والجيلي والتجاني، قال العبيدي:
كلهم قد روى الطريق إلى النور ... (الجنيد) طريقه مرضية
إن أهل الطريق أعلام علم ... سلكوا بالمناهج الشرعية (١)
وعنوان (النصيحة) يكمل معناها إذ هو (في نصرة الأولياء والصوفية). وقد كان العبيدي من أعيان العلماء في وقته ومن أعذب الشعراء نظما، ولكنه لازم التدريس في جامع تقرت، ولم يخض، فيما نعلم، في ميدان الإصلاح، وسنرى أن للعبيدي نصيحة أخرى للشباب لا تختلف كثيرا عن دعوة المصلحين.
١٢ - الفيوضات الربانية والتدرجات الإنسانية في نشر الطريقة الخلوتية، ألفه علي بن محمد المغازي الزواوي، وهو من أتباع الطريقة الخلوتية - الرحمانية. ولا نعرف الآن عصر الزواوي سوى أنه قد توفي سنة
стр. 3155
١٨٨٤ (١٣٠١)، وأن عمله قد يكون مطبوعا بمصر في هذه السنة (١).
١٣ - القصيدة الاسمائية التي نظمها محمد بن أبي القاسم الهاملي، شيخ زاوية الهامل المتوفى سنة ١٣١٥ (١٨٩٧). وهي في في أسماء الله الحسنى وخواصها. وقد قام تلميذه ونصيره محمد بن عبد الرحمن الديسي بشرح (القصيدة)، وسماه (فوز الغانم في شرح ورد سيدي بلقاسم)، وقد طبع الشرح في تونس ١٣١٠. وبهامشه تعاليق لمحمد بن محمد بن أبي القاسم الهاملي، وهو ابن أخ الناظم. ويقع الشرح في ١١٠ صفحات (٢).
١٤ - الإفادة في خوارق العادة، ألفه إدريس بن محفوظ الشريف الدلسي. وهو تأليف في كرامات الأولياء التي يبدو أن الشيخ يؤمن بها رغم مكانته العلمية والسياسية. وقد ألف الدلسي عددا آخر من رسائل التصوف منها:
أ - بزوغ الشمس.
ب - المسائل المفيدة في فضل الأولياء عند الله.
ج - إجلاء المرآة لإظهار الضلالات، وهو وإن كان في الرد على رجل من الوهابية (؟)، فإنه يبدو أنه قد مال فيه إلى التصوف.
د - التهاني والفتاوى في ما صح لدى العلماء من أمر الشيخ العلاوي. وهو يعني به الشيخ أحمد المصطفى بن عليوة، صاحب زاوية مستغانم عندئذ، وقد انتصر له (٣).
وإدريس الدلسي من العائلات الجزائرية المهاجرة إلى تونس بعد الاحتلال. وربما هاجر والده محفوظ من دلس زمن هجرة المهدي السكلاوي منها. وكان إدريس قد ولد في تونس حوالي ١٨٦٦ ونشأ ودرس فيها. وألف في عدد من الفنون. ومنها سيرة العائلة، وذلك في كتاب سماه الحدائق