الكبر وأودعوه سجن الحراش إلى أن مات فيه. كما سجنوا معه أولاده وأبرز أنصاره، ومنهم إبراهيم، المؤلف المذكور. ورغم أن الكتاب تناول أيضا الجوانب الفقهية والفرائض فإننا نتصور أن الجانب الصوفي قد تغلب عليه، فقد ترجم فيه لنفسه، وتعرض لحياة والده وكراماته وعلامات الصلاح عنده. وروى عن عدة أعلام في هذا المجال.
وبناء على دراسة أحد المختصين بالمنطقة، فإن كتاب (حكمة المغانم) يقع في ١٥٩ ورقة. فهو إذن كتاب ضخم، ولكنا إلى الآن لا نعرف قيمته، لأن الدراسات حتى الآن منصبة على النشاط السياسي والديني للرحمانيين في الأوراس وليس على نشاطهم الفكرى (١).
٦ - كتاب المبشرات: ومؤلفه مجهول، ولكنه من أهل الأوراس، وقد يكون من تأليف أحد شيوخ زاوية الصادق بن الحاج. وقد ذكر بعض الدارسين أن هذا الكتاب، هو رسالة صغيرة كما فهمنا، يحتوي على وصايا لأنصار الطريقة حول أفضل الفصول لزيارة الزاوية (الربيع والخريف) وفيه الحث على الزيارة وفوائدها، لأن فيها لقاء مع الشيخ. كما أن في الكتاب بيانا لكيفية الدخول في طاعة الشيخ، أي نوع من المبايعة، وكيفية التلقين وتلقي الأوراد الصوفية (٢).
٧ - المنح الربانية في بيان المنظومة الرحمانية: تأليف مصطفى باش تارزي. والمنظومة أصلا لوالده عبد الرحمن أحد تلاميذ الشيخ الأزهري في الطريقة الخلوتية (الرحمانية). وقد توفي مصطفى المذكور سنة ١٨٧٠ (١٢٨٧ هـ) حسبما جاء في تعريف الخلف. واشتهرت المنظومة وشرحها بين طلبة العلم والتصوف. ويبدو أنها نالت رضى بعض العلماء خلال هذا القرن، مثل عبد الحميد بن باديس، الذي قدم لطبعتها في المطبعة الإسلامية الجزائرية.
بدأ مصطفى شرح المنظومة بقوله: (نحمد من وهب من نوره
стр. 3152
القدسي، وأبرز من إشراق الضياء الحسي ... وبعد فلما لم ينفعني التعلل بلعل وعسى، عن اقتراح بعض الإخوان في كل صباح ومساء، أن أكتب فوائد لايقة، بطالعة المنظومة الرحمانية التي وضعها الشيخ الوالد ... في الآداب الشرعية المتعلقة بالطريقة الخلوتية، تحفظها من الضياع وتخرجها إلى حيز الانتفاع)، واعتذر الشارح على أنه ليس من أهل التأليف. وكونه قد تقادم العهد بينه وبين زمن تعاطي العلم عن والده. وأن إقدامه على الشرح إنما كان استجابة لدعوة بعض الراغبين في تقييد وبيان ما في المنظومة من الفوائد.
ومن فوائد هذا الشرح أنه ذكر تاريخ السند الذي أخذ به والده عن الشيخ الأزهري عن الشيوخ الآخرين، إلى أن وصل إلى مصطفى البكري الشامي الحنفي الخلوتي. فالأزهري أخذ إذن عن محمد بن سالم الحفناوي عن مصطفى البكري الشامي (١).
ومن الملاحظ أن عائلة باش تارزي بقسنطينة قد جمعت بين التصوف والسياسة أيضا خلال الاحتلال. فبالإضافة إلى شغلها في ميدان الطريقة تولى بعض أفرادها الوظائف الإدارية والسياسية. وفي التقويم الجزائري ١٩١٢، أخبار عن متأخري رجالها (٢). ونجد بعض اسمائهم في قائمة العرائض التي تقدم بها الأعيان إلى السلطات الفرنسية حول المظالم في آخر القرن الماضي. وهذا الاندماج في الحياة المدنية قد أضعف دور العائلة ربما في الحياة الروحية في الأطراف، إذ أن الزويا الفرعية التي أخذ مؤسسوها عن الشيخ عبد الرحمن باش تارزي قد استقلت بتشجيع من السلطات الفرنسية وباندماج العائلة التارزية نفسها في حياة المدينة، كما ذكرنا.
٨ - تأليف في أطوار الطريقة الرحمانية: ألفه محمد أمزيان الحداد،
стр. 3153
شيخ زاوية صدوق في وقته. وقد ذكره المهدي البوعبدلي، وقال أن الحداد وصف في كتابه حالة البلاد بعدما أذن له شيخه المهدي السكلاوي اليراتني في رياسة الطريقة. وكان السكلاوي قد هاجر إلى بلاد الشام حوالي ١٨٤٦ (١٢٦٢)(١). وقد عرفنا أن للشيخ الحداد بعض المؤلفات والإجازات. والغريب أن البحث قد جرى عن كتابات ابنه عبد العزيز الحداد فلم يعثر الباحثون له على أثر حتى الآن، رغم تعلمه ومكانه.
٩ - نصرة السني ردا على ذي الوهم البدعي: نظم وضعه محمد بن راشد المايني - قرب بوقاعة (سطيف). وقد انتصر المايني في نظمه للشيخ محمد أمزيان الحداد في واقعة له مع أحد المشائخ، رمز له بالبدعي أو المبتدع. وقد تضمن أيضا رسالة من الشيخ الحداد للناظم. وتدور المنظومة حول الصوم وعيد الفطر (٢).
١٠ - رسالة في تلقين الأوراد الصوفية: ألفها السعيد بن الطاهر بن محمد البهلولي. وهي في الرد على العوام القائلين بوجوب تلقين الذكر لكافة الناس، وقال مؤلفها بتأثيم الذاكر الذي ليس له ملقن. كما تعرض فيها لبينان شروط الشيخ المربي (الملقن) وإلى حكم اللحن في الأذكار، وحكم ما حملوا عليه من إنشاد الأشعار وكذلك حكم القبض في الصلاة المفروضة، الخ. وهي رسالة مطبوعة (٣).
١١ - النصيحة العزوزية: منظومة الشيخ الطاهر العبيدي. أرخ فيها
стр. 3154
وأشاد بالطريقة الرحمانية وكذلك بفرعها (نفطة)، وعدد رجالها، ومدحها بأنها رحمة للناس وجامعة بين مختلف الطرق الصوفية، وأن أصلها طريقة الجنيد. وهاجم العبيدي الذي قد يكون درس في زاوية نفطة العزوزية، أولئك الذين درسوا قليلا من العلم في المشرق ثم رجعوا ممتلئين كبرا، مدعين الاجتهاد والعلم، وهم لا يحملون السبحة ولا الكتب وإنما يحملون المجلات الشرقية والجرائد. ولعله كان يعرض بذلك بمعاصره مولود الزريبي الذي رجع من مصر مملوءا حماسا وداعية إصلاح، رغم صغر سنه. وبدأ العبيدي منظومته بقوله
إن ترد عزة، وفضل مزية ... فتلق الطريق (عزوزية)
وتلقن أورادها وتبرك ... بحماها ففي الرجال بقية
كم توالت لأهلها رحمات ... فهي حقا والله (رحمانية)
وبعد أن ذكر أصولها وكونها ترجع إلى أهل الطرق جميعا مثل الشاذلي والطيب والجيلي والتجاني، قال العبيدي:
كلهم قد روى الطريق إلى النور ... (الجنيد) طريقه مرضية
إن أهل الطريق أعلام علم ... سلكوا بالمناهج الشرعية (١)
وعنوان (النصيحة) يكمل معناها إذ هو (في نصرة الأولياء والصوفية). وقد كان العبيدي من أعيان العلماء في وقته ومن أعذب الشعراء نظما، ولكنه لازم التدريس في جامع تقرت، ولم يخض، فيما نعلم، في ميدان الإصلاح، وسنرى أن للعبيدي نصيحة أخرى للشباب لا تختلف كثيرا عن دعوة المصلحين.
١٢ - الفيوضات الربانية والتدرجات الإنسانية في نشر الطريقة الخلوتية، ألفه علي بن محمد المغازي الزواوي، وهو من أتباع الطريقة الخلوتية - الرحمانية. ولا نعرف الآن عصر الزواوي سوى أنه قد توفي سنة
стр. 3155
١٨٨٤ (١٣٠١)، وأن عمله قد يكون مطبوعا بمصر في هذه السنة (١).
١٣ - القصيدة الاسمائية التي نظمها محمد بن أبي القاسم الهاملي، شيخ زاوية الهامل المتوفى سنة ١٣١٥ (١٨٩٧). وهي في في أسماء الله الحسنى وخواصها. وقد قام تلميذه ونصيره محمد بن عبد الرحمن الديسي بشرح (القصيدة)، وسماه (فوز الغانم في شرح ورد سيدي بلقاسم)، وقد طبع الشرح في تونس ١٣١٠. وبهامشه تعاليق لمحمد بن محمد بن أبي القاسم الهاملي، وهو ابن أخ الناظم. ويقع الشرح في ١١٠ صفحات (٢).
١٤ - الإفادة في خوارق العادة، ألفه إدريس بن محفوظ الشريف الدلسي. وهو تأليف في كرامات الأولياء التي يبدو أن الشيخ يؤمن بها رغم مكانته العلمية والسياسية. وقد ألف الدلسي عددا آخر من رسائل التصوف منها:
أ - بزوغ الشمس.
ب - المسائل المفيدة في فضل الأولياء عند الله.
ج - إجلاء المرآة لإظهار الضلالات، وهو وإن كان في الرد على رجل من الوهابية (؟)، فإنه يبدو أنه قد مال فيه إلى التصوف.
د - التهاني والفتاوى في ما صح لدى العلماء من أمر الشيخ العلاوي. وهو يعني به الشيخ أحمد المصطفى بن عليوة، صاحب زاوية مستغانم عندئذ، وقد انتصر له (٣).
وإدريس الدلسي من العائلات الجزائرية المهاجرة إلى تونس بعد الاحتلال. وربما هاجر والده محفوظ من دلس زمن هجرة المهدي السكلاوي منها. وكان إدريس قد ولد في تونس حوالي ١٨٦٦ ونشأ ودرس فيها. وألف في عدد من الفنون. ومنها سيرة العائلة، وذلك في كتاب سماه الحدائق
стр. 3156
الزاهرة الغصوة في ذكر آبائي إلى النبي الكريم ... إلى عدنان. وقد توفي الدلسي سنة ١٩٣٤ بتونس. وكان يقطن بنزرت (١). وكانت له مواقف من الاحتلال الفرنسي لتونس، ومن التجنس جعلته في صف الوطنيين التونسيين.
١٥ - شرح دعوة السباسب في غاية الحكماء وبلوغ المنى: وضعه محمد السعيد السحنوني. ويبدو أن الموضوع هو الأدعية وما إليها من مظاهر التصوف. غير أننا ما زلنا نجهل موضوعه بالضبط كما أن عنوانه غامض (٢). ولدى العائلة السحنونية الخبر اليقين.
...
ولنذكر الآن بعض المؤلفات التي ترجع إلى الطرق الأخرى، مثل الشاذلية والدرقاوية والعليوية. والمعروف أن الشاذلية هي الأصل لهاتين الطريقتين وغيرهما، كالمدنية.
١ - قصائد وغوثيات عدة بن غلام الله. بعضها فصيح والآخر ملحون. وقيل إن له أحزابا صوفية عديدة، وقد أثبت له ابن بكار قصيدة استغاثية في آخر كتابه. وعدة بن غلام الله كان شيخا لبعض شيوخ الشاذلية في القرن الماضي منهم محمد الموسوم (الميسوم) صاحب زاوية قصر البخاري الذي سنذكره بعد حين. وقد تلقى عن شيخه العربي بن عطية المتوفى في تونس مهاجرا، وتوفى عدة بن غلام الله سنة ١٢٨٣ (٣).
٢ - التحفة المختارة في ثواب الزيارة: تأليف محمد الموسوم (الميسوم)، أشهر شيوخ الشاذلية في القرن الماضي، والمتوفى سنة ١٨٨٣. وقد تناولنا حياته في غير هذا، ونكتفي هنا بذكر مؤلفاته في التصوف. وهي
стр. 3157
في الحقيقة رسائل صغيرة وكثيرة. وقد ذكرها ابنه أحمد المختار لصاحب تعريف الخلف فسجلها هذا في كتابه، ومنها:
أ - الأنوار المضيئة في الصلاة على خير البرية.
ب - الرسالة في اسم الجلالة.
ج - كشف الغمة في الصلاة على خير الأمة.
د? تفريج الهموم في الصلاة على النبي كل يوم.
هـ - العقد الثمين في الصلاة على النبي يوم الاثنين.
و- حزب الأنوار الجامع لسائر الأدعية والأذكار.
ز- ترجمان الأشواق في رؤية سيد الخلق على الإطلاق. قال عنه الحفناوي انه في ٢٨ ورقة بالربعي.
ح - الدرر البوعبدلية في الصلاة على خير البرية.
ط - عصا موسى في الرد على من أنكر وأسا (ولسنا ندري إن كان هذا أيضا في التصوف. لأن الإنكار هنا غير معروف).
ي - المكيال الأوفى في الصلاة على المصطفى.
وربما كان بعض هذه المؤلفات قصائد وتوسلات (١).
وله تآليف أخرى في التوحيد والرحلة والولد، ونحوها. وسنذكرها في محلها. وقد تلقى الشيخ الموسوم العلم عن الحاج الشفيع والتصوف عن الشيخ عدة بن غلام الله. وتتميز مؤلفات الموسوم أنها كلها تقريبا في الصلوات على الرسول ﷺ ، فهي أدعية ونصائح. ورغم هذا الحرص على (رؤية سيد الخلق على الإطلاق) فإننا لا ندري أنه قد أدى فريضة الحج. ومن تلاميذه في التصوف علي بن الحفاف مفتي مدينة الجزائر (٢).
стр. 3158
٣ - شرح ياقوتة الصفا في حقائق المصطفى: تأليف قدور بن محمد بن سليمان، المتوفى سنة ١٩٠٤. وهو من علماء ومتصوفة مستغانم، نشأ بها وأخذ بها العلم والتصوف. ومن شيوخه في الناحية أيضا محمد الموسوم في الطريقة الشاذلية. كما أنه أخذ الطريقة التجانية عن أحمد التجاني (شيخ عين ماضي). وكانت لقدور بن محمد زاوية بمستغانم. وقد وجدنا في مخطوط بالمغرب أن قدور بن سليمان كان قد هاجر إلى الحجاز، ومن هناك كان يراسل علماء الجزائر، ومنهم القاضي شعيب الجليلي (١). ولكن صاحب تعريف الخلف قد تلقى معلوماته عنه من الشيخ عبد القادر بن قارا مصطفى، مفتي مستغانم سنة ١٩٠٦. وقد نفهم من ذلك أن الشيخ قدور بن محمد رجع إلى الجزائر من الحجاز، وتوفي بمستغانم، كما جاء في تعريف الخلف.
ومهما كان الأمر فإن للشيخ قدور كرامات نسبها إليه من ترجموا له، وهي قائمة على ما ذكره بنفسه في كتابه (المرائي). ورؤية الرسول مناما، وحتى يقظة، قد أذاعها بعض المتصوفة قديما. وقد نسب قدور إلى الرسول ﷺ أقوالا قالها له أثناء هذه المرائي.
ومما جاء في هذه المرائي أيضا ذكره لأحمد التجاني، صاحب الكناش، أي مؤسس الطريقة. وأخبر قدور أنه رأى التجاني مناما، والشيخ محمد الموسوم مناما قبل رؤيته حسيا. ومنهم أيضا صاحب زاوية الهامل محمد بن أبي القاسم. وهناك آخرون. وقد أحيا قدور هذه العادة لدى المتصوفة وهي تسجيل المنامات أو المرائي كما فعل محمد الفراوسني وغيره في العهد العثماني. ووجدنا له نصا من المنامات، وهو في شكل رسالة موجهة إلى أحد العلماء، يبدو أنه هو نفسه علي بن عبد الرحمن، مفتي وهران، أخبره فيها عن البيعة وعن رؤية الشيخ الموسوم مناما. وقد نصب له منبر بحضرة قدسية وحضرت جموع من أهل الله. وقد كان علي بن
стр. 3159
عبد الرحمن من مقدمي التجانية رغم أنه كان على رأس الفتوى بوهران مدة طويلة (١).
ومن مؤلفات قدور في التصوف أيضا (درر الفيض اللدني فيما يتعلق بالكسب العياني والسني).
٤ - فتح الفتاح القدير بشرح حزب الفلاح والحزب الكبير، تأليف محمد الصالح بن محمد بن مهنة. وهو شرح على الحزب الكبير لشيخ الطريقة العيساوية، محمد بن عيسى، دفين مكناس (المغرب). والحزب يبدأ هكذا:
لي سادة من عزهم ... أقدامهم فوق الجباه
إن لم أكن منهم فلي ... في ذكرهم عز وجاه
وقد اعترف ابن مهنة أن الذي بدأ الشرح هو علي بن الغول، لكن الوفاة أدركته قبل إتمامه، فتصدى ابن مهنة للموضوع. ومع ذلك فإننا نفهم أن ابن مهنة لم يبدأ من حيث انتهى الشيخ المذكور وإنما اعتمد شرحا خاصا به. وافتتح عمله بشرح حزب الفلاح الذي أخذه محمد بن عيسى عن شيخه الجزولي صاحب دلائل الخيرات. ولم يترجم ابن مهنه لا لابن عيسى ولا ابن الغول. وجاء بفضائل البسملة والصلاة على الرسول والتوكل على الله، وفضل التكبير والتسبيح. وبعد حوالي عشرين ورقة انتهى من شرح حزب الفلاح، ثم أخذ في شرح الحزب الكبير، ويبدأ بسبحان الدائم لا يزول، وفيه حديث عن الفقر الصوفي وعن التواضع والحب الإلهي والوصول إلى الله، والإيمان بالله، وميزة العقل.
اعتمد ابن مهنة في شرحه على بيان الألفاظ، والنقل عن كتب التفسير والحديث والتصوف. وجاء ببعض أخبار الخلفاء الأربعة، وأضاف إليهم الحسن بن علي. وتحدث عن الشفاعة والولاية. وقال إنه زار قبر ياقوت
стр. 3160
الحبشي دفين الإسكندرية، وكان الحبشي من تلاميذ أحمد المرسي تلميذ أبي الحسن الشاذلي. وكذلك زار قبر عبد الله بن أبي جمرة بمصر، وقبر أحمد البدوي بطنطا الذي قال إنه قد زاره مرارا وتبرك به. والحزبان المذكوران، كما فهمنا، لمحمد بن سليمان الجزولي الذي جعل ترجمة حياته خاتمة تأليفه (١).
وكان ابن مهنة قد نشر بعض المؤلفات، كتعليقه على رحلة الورتلاني. وقد أثار زوبعة حين تعرض لموضوع الأشراف، فتصدى له خصوم، منهم الشاعر عاشور الخنقي ودخل معه في شجار، كما دخل في عراك مع غير عاشور. فقد ظهر كتاب (ضوء الشمس) لأبي الهدى الصيادي وفيه مدح الأشراف. فألف ابن مهنة كتابا في الرد عليه سماه (تنبيه المغترين في الرد على إخوان الشياطين). وأثار رده ضجة في أوساط الأشراف ورجال التصوف وأنصارهم في الجزائر وخارجها، فكتب المهدي بن محمد العمراني الوزاني كتابا عنوانه (السيف المسلول) في الرد على ابن مهنة، ولكن هذا لم يسكت بل كتب عملا آخر سماه (الفتح الرباني). وقد تعرضنا إلى حياة ابن مهنة وما ناله من العنت والضيق من جراء آرائه، ووصل الأمر أن اتهمته الإدارة الفرنسية بالمس بسيادتها. ونذكر هنا أن لابن مهنة كتبا أخرى حول هذه الموضوعات مثل (إظهار الحق) الذي لم نطلع عليه حتى نعرف بالضبط مقصوده منه ويبدو أنه أيضا في التصوف (٢).
٥ - معراج التشوف إلى حقائق التصوف: ألفه محمد بن أحمد الهاشمي بوجمعة. وهو من المهاجرين إلى دمشق. ولد بسبدو (قرب تلمسان)، وكانت هجرته مع شيخه محمد بن يلس، أثناء الرعب الذي أصاب تلمسان، وكل الجزائر، من فرض التجنيد على الشباب. وابن يلس هو شيخه في الطريقة الدرقاوية. كما أخذ عن غيره. وعاش محمد الهاشمي في دمشق
стр. 3161
على التدريس والتصوف. كما تعرض فيها للا ضطهاد في آخر العهد العثماني وكذلك أثناء الانتداب الفرنسي.
وبالإضافة إلى معراج التشوف، له مؤلفات أخرى في نفس الموضوع، طبع منها (شرح شطرنج العارفين) للشيخ محيي الدين بن عربي. وله مؤلفات في علم الكلام، ومذكرات. وقد زفي سنة ١٩٦١ (١).
٦ - شرح منظومة أبي مهدي عيسى بن موسى التوجيني. وقام بهذا الشرح محمد السليماني الغريسي الفاسي المعروف بابن الأعرج. والشارح يرجع نسبه إلى محمد الأعرج السليماني صاحب الزاوية المعروفة باسمهم في غريس. وقد عثر ابن كار على هذا الشرح في خزانة أحد الأعيان، وهو أحمد بن حسن الشرقي، فطبعه ضمن كتابه (٢).
٧ - نسمات رياح الجنة في فضائل أهل البيت وأولياء الله وأذكار الكتاب والسنة، ألفه مع حاشية، الهاشمي بن بكار وطبعه ضمن كتابه (مجموع النسب). وقد علل لذلك بقوله انه نظم سنة ١٣٧٩ أبياتا في حب الله ورسوله وفضائل أهل البيت، وفضائل أولياء الله، وفضائل الأذكار الواردة في الكتاب والسنة، وكذلك في ذكر سنده في علم الشريعة وفي الطريقة وفي النسب الشريف (فجاءت نصيحة دينية وأحكاما شرعية ومآثر وتوسلات) ثم جعل على المنظومة حاشية توضح معانيها باقتراح من زميله أحمد البدوي مفتي سيدي بلعباس وملقن أوراد الطريقة التجانية، وقرأ عليه المنظومة بقصد التبرك به واعتبر أسلاف أحمد البدوي من التجانيين أساتذة له وأولياء نعمته. وأما الحاشية فقد سماها ابن بكار (رياض النزهة على نسمات رياح الجنة) (٣).
стр. 3162
ولا علاقة لابن بكار بالشعر وإن حاول نظمه بعد أن تجاوز الستين، كما قال. ونقله تلفيق من الكلام غير الموزون. ولكن روحه كانت صادقة فسجل في نظمه من (كتب الأفاضل، أهل الإيمان الكامل، مذاهب السنيين). وذكر منهم الرازي والشعراني والنبهاني والسنوسي (الظاهر أنه يقصد محمد بن يوسف دفين تلمسان) والإسكندري والفاسي واللقاني والخازن، الخ.
ومن فوائد هذا الشرح (وكذلك النظم) أن صاحبه ذكر فيه معلومات تاريخية عن حياته ونسبه وأخبار الناحية وحياة الأمير عبد القادر وبعض المعاصرين، وجاء بتقاريظ وتفاصيل، وبعض الآراء حول موقف رجال التصوف والطرق من الحركة الإصلاحية. فقال عن نفسه إنه ظل مفتيا في معسكر حوالي عشرين سنة، وإنه شريف النسب، وخصص حوالي عشر صفحات (٣٥ - ٥٣) لترجمة حياة الأمير وغطى الشرح حوالي ٢٠٠ صفحة من كتابه.
٨ - كتاب رؤية المصطفى ووصيته: تأليف محمد بن محمد الشريف، ولا نعرف من هو المؤلف الآن (١).
٩ - منهل الظمآن في كرامات ابن أبي زيان. وهو لمؤلف مجهول، ويتعلق بأبي زيان، مؤسس زاوية القنادسة. ولا ندري الآن عصر التأليف. وهو مخطوط خاص ذكره هواري التواتي في بحثه بمجلة (أرابيكا) (٢).
١٠ - مخطوطات في التصوف للقاضي محمد بن الطيب، وليس لتأليفه (أو تآليفه) عنوان. ذكر ذلك الإسكندر جولي عند حديثه عن نشاط الشاذلية وآثار الشيخ محمد الموسوم في ناحية المدية وقصر البخاري وغريب والبرواقية. وذكر أن هذه المخطوطات كانت شهيرة جدا عند الأهالي بالناحية. أما حياة سي محمد بن الطيب فقد لخصها في عبارات غامضة، فهو
стр. 3163
من بني عباس، وقد فهمنا أنه من الناحية الوهرانية، إذ كان قد درس في مدرسة مازونة، وحل بالمدية، وانخرط في الطريقة الشاذلية، التي كان محمد الموسوم شيخها، وذلك بنصيحة من زميله قاضي المدية علي بوحلي (بوحله). وقد عاش محمد بن الطيب في المدية أو في البرواقية فترة ثم تولى القضاء في المدية (١). أما مخوطوطاته فلم تصل إلى أيدينا.
١١ - تآليف أحمد بن مصطفى المعروف ابن عليوة المستغانمي. وهو من أعيان المتصوفة في هذا القرن. أسس زاوية في مستغانم حوالي ١٩١٩. وألف مجموعة من الكتب. وأنشأ مطبعة وجريدة. وذاع صيت ابن عليوة خلال العشرينات ومنتصف الثلاثينات، ودخل طريقته المسلمون وبعض النصارى. وتجاوز تأثيره الجزائر. وقد طبع عددا من كتبه في تونس. وبلغت مؤلفاته حوالي أربعة عشر تأليفا، معظمها رسائل. ويختلف المعاصرون في أصالة آراء ابن عليوة وفي قدرته على النظم والتأليف. ولكنهم لا يختلفون في مكانته وتأثيره.
وبالإضافة إلى التصوف الذي تلقاه عن شيوخه الدرقاويين نجد له آراء ومؤلفات هي أقرب إلى الفلسفة منها إلى التصوف المعتاد المقصور على الذكر والأوراد. ومن ذلك الكتاب المنسوب إليه بعنوان الأبحاث العلوية في الفلسفة الإسلامية (٢). وفي دراسة أوغسطين بيرك عنه آراء فلسفية نسبت إليه تجعله في مصاف أعلام الفلسفة المعاصرة (٣). بينما اتهمه البعض بأنه كان حلوليا، أي أن مذهبه الصوفي يقوم على مذهب الحلول.
ومن كتبه أيضا (القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف)، المطبوع سنة ١٩٢٠. وقد قام عبدالحي الكتاني بتقريظ هذه الرسالة وحاول
стр. 3164
أن (يثبت للتصوف مرجعا دينيا في الإسلام). وكان الكتاني من المتداخلين في السياسة والتصوف والدين خلال فترة طويلة في المغرب (والمغرب العربي عموما). وكان يحضر مؤتمرات الزوايا التي تشرف عليها السلطات الفرنسية، ظاهرا وباطنا. كما أن بعض الأوروبيين المندسين حاولوا استعمال ابن عليوة في أغراض قد لا يكون هو واعيا بأبعادها. كدعوته لحضور افتتاح مسجد باريس، وحديثه اللاهوتي مع القس جياكوبتي، وانتماء عدد من الأوربيين إلى طريقته. وتشهد بعض الكتابات الإنكليزية (كتاب مارتن لنغز وحتى كتابة أوغسطين بيرك) أن ابن عليوة كان ربما مستعملا. ومن الذين ساهموا في الرد على مذهب ابن عليوة، الشيخ عثمان بن المكي التونسي، وكان أحد مدرسي جامع الزيتونة، في كتاب سماه (المرآة لإظهار الضلالات) (١).
١ - المنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية: وهو شرح على المرشد المعين في العقائد لابن عاشر، وقد استعمل ابن عليوة التحليل الصوفي في دراسته لبراهين ابن عاشر على وجود الله ولوازم ذلك. ألف المنح في عهد شيخه البوزيدي ولكنه أعاد النظر فيها قبل طبعها.
٢ - الأنموذج الفريد المشير لخالص التوحيد. وقد تناول فيه رمزية حروف الهجاء، أ، ب. وذهب إلى أنه كلما ذكر النقطة فهو يعني بها غيب الذات المقدسة المسماة وحدة الشهود. وكلما ذكر الألف فإنما يعني بها واحد الوجود المعبر عنه بالذات المستحقة للربوبية. وهكذا بقية الحروف، فكل حرف يرمز إلى قيمة معينة. وقد استعمل الطهارة والصلاة والوضوء استعمالا رمزيا أيضا. وكان قد انتهى من تأليف الأنموذج سنة ١٩١٠ ونشره بعد ذلك.
٣ - مفتاح الشهود في مظاهر الوجود: وهو كتاب صغير في علم الكون والفلك. وقد اعتمد فيه على ما وراء الطبيعة بطريقة (عصرية) حسب ادعاء لنغز. وكان ابن عليوة يحيل فيه على عدة مراجع منها: القرآن الكريم،
стр. 3165
وروح البيان للبرسوي، ومؤلفات الغزالي. ويقع مفتاح الشهود في ٢٢٠ صفحة. ولعله لم ينشر.
٤ - المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية: وهو تأليف علق فيه على مأثورات وحكم أبي مدين الغوث دفين تلمسان. ألفه حوالي ١٩١٠، أي بعد وفاة شيخه البوزيدي بقليل، ولم يطبع جزء منه إلا سنة ١٩٤٢، أي بعد وفاة ابن عليوة بثماني سنوات.
٥ - القول المقبول فيما تتوصل إليه العقول، كتبه سنة ١٩١٣، وتعرض فيه لمعاني الإسلام والإيمان والإحسان.
٦ - دوحة الأسرار في معنى الصلاة على النبي المختار، رسالة ألفها سنة ١٩١٧.
٧ - مبادئ التأييد في بعض ما يحتاج إليه المريد. وهو تبسيط للمبادئ التي يسير عليها تابع الطريقة العليوية، أتم جزءه الأول سنة ١٩٢٦، وهو خاص بأصول الدين والطهارة. ولم يكمل بقية الكتاب.
٨ - القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد، ألفه حوالي ١٩٢٧.
٩ - رسالة الناصر معروف في الذب عن محب التصوف، ١٩٢٧ (١).
١٢ - رسالة النصر لثبوت الطرق المحمدية، من وضع أبي القاسم طعيوج، قيل انه انتهى منها سنة ١٣٤٧/ ١٩٢٨. وهي تقع في ١٥ صفحة. وقد دافع عن الطرق الصوفية ومشروعيتها، وذلك في وقت تدهور فيه الاهتمام بالتصوف بعد انتشار الحركة التعليمية على الصعيد الرسمي والشعبي، وبعد أن أثرت الحرب العالمية الأولى في التيارات السياسية.
١٣ - السيف المسلول الرباني في ضرب عنق من ابتدع في الطريق
стр. 3166
الرحماني: وهو أيضا لطعيوج السابق، وموضوع الكتاب في التحصن والمنعة وحرمة الولائم والدف والزغريت مع الأذكار. وواضح أن الكتاب يدعو إلى نبذ بعض الممارسات التي (ابتدعها) بعض المتصوفة وأتباعهم عند اجتماعهم للذكر. ويقول من اطلع عليه انه كتاب متداول بين أتباع الرحمانية، وأنه يشمل الحديث عن التقوى والاستقامة وأحوال التربية الصوفية، وطريقة أخذ العهد، والذكر على الجنائز وأصل الإجازة. كما يتناول تحريم الدخان واستعمال الآلات الموسيقية والرقص في اجتماع الذكر (١).
ومما جاء في مقدمة (السيف المسلول) أن صاحبه ألفه أثناء حالة تذمر، وقصد به النصح العام وإفادة الأجيال. ومن ذلك قوله: (أما بعد، فان الدهر أبو العجائب ويبوع الغرائب، وفي المثل: الأيام حبلى لا درى متى تلد). وقال انه ألفه ليشغل نفسه بشيء ينفع الناس ابتعادا عن البطالة، وإفادة جاهل أو تنبيه غافل، واستمطار علم جديد، عند الاشتغال بالتقييد، ثم تعليل النفس ببعض الأنس، وتخليد المحفوظ وتفصيله، ولا سيما مثلي ممن ترامت به الأقطار، وتباعدت عن الأوطان والأوطار. ومن ذلك أيضا تنبيه من قد يرتكب معصية، والنصح العام للعامة، ورجاء الدخول في حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة ...) (٢).
...
وهناك مؤلفات أخرى في التصوف لا ندري انتماءات أصحابها
стр. 3167
الطرقية. ونحن نذكرها باختصار:
١ - إرشاد أهل الهمم العلية فيما يطلب منهم من الأدعية الدينية: تأليف عبد الله بن غانم الدراجي. وهو من علماء الحضنة (المسيلة؟ أو أولاد دراج نواحي بريكة؟). وقد توفي في حدود ١٢٩٦ (١٨٧٩). ويبدو أنه هاجر إلى الحجاز بعد أن ولد وتربى ودرس في الجزائر وتونس. وفي الحجاز انتصب للتدريس بالمدينة المنورة. وكتاب (الإرشاد) يقع في سبعة أجزاء حسب المترجمين له. كما ذكروا له كتابا آخر عنوانه (اتحاف المريدين) (١).
٢ - غوثية مصطفى بن التهامي. وهي منظومة طويلة نظمها في سجن امبواز عندما ضاق بهم الحال وطالت الغربة (٢).
٣ - تأليف في علم القوم لمحمد بن أحمد المعروف بوتشنت. وهو من جبل ندات بناحية ثنية الأحد (الحد). وقد نشأ هناك، ودرس على علماء مازونة عن طريق الشيخ الحاج الزراق (؟). وله تأليف آخر في الصلاة على الرسول ﷺ قيل انه قد مزجه بالشمائل النبوية. وقد توفي بوتشنت عام ١٣٢٦. وله شهرة دينية في الناحية (٣).
٤ - نصيحة الإخوان: تأليف عبد القادر المجاوي، وهو شرح لقصيدة نظمها محمد المنزلي في التصوف. والظاهر أن المنزلي كان من أعيان الطريقة القادرية. وقد رأيا له إجازات لمقدمين جزائريين في هذه الطريقة. ولم يكن المجاوي معروفا بممارسة التصوف بل كان من العلماء المدرسين الذين ألفوا في عدة علوم منها المنطق والفلك والنحو. والقصيدة المذكورة وشرحها في آداب المريدين. ونحن نفهم من ذلك أن المجاوي قد يكون له هوى في القادرية، وقد عرفنا أنه كان من أصهار عائلة الأمير عبد القادر. وقد طبع
стр. 3168
شرحه بتونس، ربما من أنصار القادرية بها (١).
٥ - السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني: تأليف المكي بن عزوز. وقد ذكرنا المكي بن عزوز في عدة مناسبات، أما كتابه المذكور فقد طبعه في تونس أيضا وضمه مجموعة من التقاريظ شملت ثلث الكتاب تقريبا. وواضح من العنوان أن الكتاب في الرد على المنتقدين لطريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني (٢).
٦ - ربح التجارة في آداب الزيارة: تأليف علي بن الحاج موسى، أحد علماء الجزائر في النصف الثاني من القرن الماضي وقيم ضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي. واشتمل الكتاب على مقدمة في علم الأولياء، والمقصد الأول ما حكم زيارتهم، والمقصد الثاني في شروط الزيارة وآدابها. والمقصد الثالث في حكم التوسل بهم، ثم خاتمة في أصول الشيخ أحمد بن يوسف الملياني. وذكر أن دافعه إلى تأليف الكتاب يرجع إلى إنكار البعض زيارة الصالحين. والمؤلف كان قد خدم الشيخ الملياني عندما كان قيما على ضريحه، وقد ألف الكتاب أثناء زيارة لهذا الضريح، سنة ١٢٧٣ هـ. وبدأه بهذه العبارة الدالة على مقصده، وهي قوله: (أما بعد، فيا لسعادة من تمسك بأولياء الله في كل حال، وتشبث بأذيالهم في الإدبار والإقبال). وللتذكير نقول ان المرحلة التي ألف فيها الكتاب كانت فعلا مرحلة (الانغماس) في عقيدة الولاية في الصالحين، وقد تناولنا ذلك في فصلي التصوف (٣). ولا
стр. 3169
شك أن علي بن الحاج موسى قد استفاد من كتاب (الأنس) لأحمد زروق، في ترجمة أحمد بن يوسف الملياني وأصول الطريقة الزروقية، كما استفاد من كتاب بستان الأزهار للقلعي (١).
٧ - الإرشاد في تجديد العهود والأوراد: تأليف عبد الله بن محمد علي حشلاف (قاضي الجلفة). ولهذا القاضي عدة مؤلفات تدور حول التصوف، ومنها أيضا (القول الفصل في جواز زيارة الأولياء الكمل) وهو مطبوع (٢). وقد جاء هذا التأليف في وقت اشتد فيه الخلاف بين أهل الطرق وأنصار الإصلاح، بين دعاة الزيارات والزردات والحضرات عند أضرحة الأولياء، وذبح الذبائح عندهم ونحو ذلك من الممارسات، وبين دعاة الكف عن هذه الأمور على أساس أنها بدع لم تكن في الدين وأنها خرافات وعقائد مضرة بالدين والعبادة، وأنها تخدم الاستعمار والتخلف. وللقاضي حشلاف مؤلفات أخرى ذكرناها في بابها لأنها تتعلق بالمناقب والسيرة النبوية وبالأدب.
في علم الكلام والمنطق
ألف ونظم عدد من العلماء والمتصوفة أعمالا في علم الكلام أو التوحيد. واشتهر من بينهم في ذلك الأمير عبد القادر ومحمد بن يوسف أطفيش ومحمد بن عبد الرحمن الديسي. وكان عنوان هذا العلم عادة هو العقائد. وقد اشتهرت عقيدة السنوسي المعروفة بأم البراهين، كما أسلفنا، فظلت منتشرة بين المتأخرين، وقد أشبعوها شروحا وحواشي، كما ترجمها دومينيك لوسياني إلى الفرنسية فأصبحت متداولة أيضا بين مزدوجي اللغة وحتى من لا يعرف العربية من الجزائريين.
وإلى جانب أم البراهين، كان المرشد المعين على الضروري من علوم
стр. 3170
الدين لعبد الواحد بن عاشر وكتاب الإرشاد لإمام الحرمين المعروف بعبد الملك الجويني عمدة الطلبة في علم الكلام (١). كما أن آخرين قد ألفوا في العقائد بنظرتهم المعاصرة واختاروا لذلك عناوين جديدة، كما فعل قاضي تلمسان شعيب بن علي الجليلي، والهاشمي بن بكار وعبد القادر المجاوي.
ومع ذلك فإن التكرار والتقليد ظلا السمة الغالبة على هذه التآليف والمنظومات. ولم تدخل العقائد حيزا جديدا في الفكر والعلوم الاجتماعية إلا على يد ابن باديس وأنصاره وتلاميذه من العلماء الذين مزجوا بين العلوم الدينية والدنيوية وفسروا العقائد الإسلامية في ضوء العلم الحديث. ومن تلاميذ هذه المدرسة مالك بن نبي الذي تعمق في الفلسفة والدين والعلم.
ولكننا الآن سنكتفي باستعراض المؤلفات والمنظومات التي تعرفنا عليها أو سمعنا بها لهذا الجيل من العلماء.
١ - شرح على أم البراهين: تأليف أحمد الطيب بن محمد الصالح العيسوي الزواوي. واسم الشرح (تكملة الفوائد في تحرير العقائد). وواضح أنه تعليق وتفسير لعقيدة السنوسي. وهي التي كانت متداولة بين طلبة العلم. وكان والد المؤلف من تلاميذ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، مؤسس الطريقة الرحمانية. وقد تخرج هو من جامع الزيتونة وانتصب للتدريس في زاوية الأزهري (آيت إسماعيل)، وألف بعض الكتب، حسب المترجمين له. وتوفي - محمد الصالح- في آيت إسماعيل ودفن بزاوية الأزهري، سنة ١٢٤٢ (٢).
وأخذ ولده أحمد الطيب الإجازة عنه. ولا نعرف أن أحمد قد درس
стр. 3171
خارج الجزائر. وقد ألف عدة كتب منها ما ذكرنا في التوحيد، وكذلك منظومة في نفس الموضوع سماها الدرة المكنونة:
هذا وإنني لما نظمتها ... بدرة مكنونة سميتها
ويبدو أن أحمد الطيب كان من النظامين، لأن له منظومات أخرى في مختلف العلوم. وقد عاصر بداية الاحتلال. ولكنه توفي قبل أن يحتل الفرنسيون زواوة التي تقع فيها زاوية الأزهري (١).
٢ - تعليقات على حاشية عبد القادر بن خدة في علم الكلام: وضعها الأمير عبد القادر. وابن خدة هو جده. وكان الأمير مولعا بتدريس أم البراهين للسنوسي أيضا. وله ميول للفلسفة والمنطق منذ نعومة أظفاره، وكان أثناء المقاومة ورغم ضيق الوقت، يستغل أوقات الفراغ وأداء الفرائض فينتصب للتدريس في علم الكلام. ومن ذلك أنه أنشأ أثناء إقامته بالمدية بعد معاهدة التافنة (١٨٣٧)، درسا جامعا يحضره الأعيان من العامة ومن الجيش. وختم أثناء ذلك أم البراهين، واحتفل بالمناسبة ترغيبا للناس في معرفة دينهم وإقناعهم أن الحاكم ليس فقط رجل السيف وجمع الضرائب، ولكنه أيضا عالم ومدرس ومتكلم. ذكر محمد بن الأمير في (التحفة) أن يوم ختم أم البراهين كان (يوما مشهودا) حضره العلماء من القطر الجزائري وقدموا له المدائح، ومنهم قدور بن رويلة الذي أنشد في هذه المناسبة قصيدة طويلة:
أغيوث السماء سحت بروض ... أم نسيم الصبا زكت بربوع (٢)
ولم نطلع على التعاليق المكتوبة التي وضعها الأمير على حاشية جده المذكور، وربما تكون هامة نظرا لتعلق الأمير نفسه هذا العلم.
٣ - بدور الأفهام أو شموس الأحلام على عقائد ابن عاشر الحبر
стр. 3172
الهمام: تأليف المولود بن محمد الزريبي البسكري. نشره في تونس في حدود ١٣٣٤ (١٩١٣) وكان قد درس بالأزهر ورجع إلى وطنه وأصبح مدرسا متطوعا (حرا) في قرية الحجاج بالأوراس. وقد عرض الكتاب على علماء الجزائر وتونس فأجازوه ولذلك قدمه للطبع. وهو كما يدل العنوان، يشرح نظم عبد الواحد بن عاشر في العقائد، وفي رأي الزريبي أن النظم لم يحظ بشرح جيد، ولذلك قام هو بهذه المهمة. قال في المقدمة: (أما بعد ... لما كان من أجل ما يرخى العنان إليه، ومن أعظم ما تناخ الرحال إليه، علم الكلام الذي رق عرفه وراق، وعم وجوبه سائر الأقطار والآفاق، وكانت عقائد (المرشد المعين) غير مشروحة شرحا يشفي الغليل، ويبسط القاعدة ويقيم الدليل ... نسجت عليه فرائد، وغزلت له فوائد، وبسطت اليد الطولى في الرد على بدع أهل هذا الزمان بأدلة قطعية وحجج عقلية ونقلية، وسميته بدور الأفهام ...).
وقد تميز الكتاب بأسلوب سهل وعبارة واضحة غير مسجعة. واغتنم المؤلف الفرصة وعالج فيه موضوع البدع ورد على المبتدعين. ونقل من السنوسي في العقائد والأخضري وإمام الحرمين وغيرهم. وأشاد بشيخه في مصر محمد بخيت المطيعي. وهو الذي كان قد أجاز ابن باديس أيضا. وإجازة العلماء للكتاب واهتمام الطلبة وتدل على تقديرهم لصاحبه الذي قيل انه توفي شابا دون الثلاثين، وهو أمر يحتاج إلى دليل (١). وقد ترجمنا له في غير هذا.
٤ - شرح عقائد السنوسي الصغرى: ألفه محمد الموسوم (الميسوم). شيخ الشاذلية في زاوية قصر البخاري، وقد قال صاحب تعريف الخلف عن هذا الشرح انه طالعه فوجده (عجبا عجابا). ولا ندري المقصود بهذا التعبير. لا ولعل محمد الموسوم قد مزج في شرحه بين العقائد والتصوف، فأجاد (٢).
стр. 3173
٥ - منظومة في التوحيد للحبيب بن المصطفى، نزيل وجدة (المغرب). وقد ذكره الطيب بن المختار في كتابه القول الأعم. ومطلع هذه المنظومة هو:
الحمد لله الغني عن العبيد ... ثم صلاته على خير شهيد
وبعد فالقصد بذا النظام ... بث العقائد إلى الأنام (١)
أما حياة الناظم فهي مجهولة لدينا. ولعله كان من المهاجرين إلى المغرب. وقد يكون أصلا من جهة معسكر.
٦ - مجموع الفوائد في جمع عقائد الإيمان والإسلام لمن يريد، وضعه محمد الطاهر بن محمد المنصوري، من بني وغليس. ولا ندري حجم التأليف ومنهجه بالضبط لأن المراسلة لم وضح لنا ذلك (٢). والظاهر أنه رسالة صغيرة.
٧ - شرح عقيدة العزابة، تأليف محمد بن يوسف أطفيش، المتوفى ١٩١٣. والعقيدة أصلا لابن جميع. كما ألف أطفيش حاشية على الموجز الذي وضعه أبو عمار عبد الكافي في التوحيد أيضا. وبدأ أطفيش شرحا لمعالم الدين لعبد العزيز الثميني ولكنه توفي قبل الانتهاء منه. وقيل إن (معالم الدين) يعتبر أعظم كتاب في علم الكلام وضعه الثميني. كما قيل إن ثقافة أطفيش الأدبية واللغوية والدينية جعلته لا يكتفي بالشرح المجرد، وإنما يغوص في المعاني وينتقد بعض الأفكار ويضيف إلى الأثر الذي يشرحه إضافات هامة من محفوظاته وأسلوب وتأملاته (٣).
٨ - شرح الكلمات الشافية في شرح العقيدة الشعبية الجليلة الكافية: وضعه محمد بن عبد الرحمن الديسي على عقيدة (منظومة) قاضي تلمسان
стр. 3174
شعيب بن علي الجليلي التي سماها (الرجز الكفيل بذكر عقائد أهل الدليل). وقد نوه أحمد سكيرج المغربي بالعقيدة وبشرح الديسي عليها. وقرظها قدور بن محمد بن سليمان وغيره، وبذل الديسي جهدا كبيرا- في الشرح، وتبادل الإجازات مع القاضي شعيب نفسه، وراج الشرح بعد طبعه، وربما لم يحصل لعمل آخر شهرة مماثلة في نفس الموضوع سوى تأليف المجاوي الذي سنذكره، أو عقيدة السنوسي نفسها (١). وقد تناولنا حياة الرجلين الديسي والجليلي، في غير هذا.
٩ - الموجز المفيد في شرح درة عقد الجيد، وهو شرح في العقائد للديسي سابق الذكر. (والدرة) هي منظومة وضعها الديسي في التوحيد ثم وضع عليها شرحا سماه الموجز المفيد. ورغم إمكانات ابن عبد الرحمن الديسي اللغوية والفقهية فإن تأليفه يبدو أنه كان موجها لتلاميذ الزوايا. ولا نعرف أنه طبع. ومهما كان الأمر فإن تعدد شروحه في التوحيد يدل على تعلقه بهذا العلم الذي كادت تغطي عليه عندئذ علوم أخرى وتيارات إلحادية أو متحررة ناشئة مع العصر الجديد (٢).
١٠ - القواعد الكلامية: تأليف عبد القادر المجاوي. ولعله آخر ما صدر له قبل وفاته، على ما نعلم، فقد طبع سنة ١٩١١، وكانت وفاته بعد ذلك بسنتين، وكان عند تأليفه وطبعه يشغل منصبين رسميين: إمامة جامع سيدي رمضان والتدريس في المدرسة الثعالبية حيث كان يدرس لطلبة القسم العالي. ولعل هذا الانتاج كان موجها إلى الطلاب. ولذلك جاء في المقدمة: (وبعد، فقد مست الحاجة إلى تأليف رسالة في علم التوحيد تكون سهلة المأخذ، قليلة الكلفة، يستعذب موردها القاصر والكليل، ويقتبس من مشكاتها المتحير في تصحيح عقيدته بالدليل ... كي يستغنى بها التلميذ عن
стр. 3175
كبار الدواوين، ويتخرج من ربقة التقليد إلى ساحة اليقين ... سميتها (القواعد الكلامية) ونسقتها على مقدمة وعشرة فصول وخاتمة). ومن الملاحظ أن المجاوي قال فيها إنه جعلها ملائمة لروح العصر، ومساعدة لملكات التلاميذ في هذا الزمان. كل ذلك يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه قد يكون ألفها لتكون عونا لتلاميذه بأسلوب دقيق وواضح.
في المقدمة عرف علم الكلام وموضوعه ومن وضعه وفائدته وحكم المشرع فيه، ثم اسم هذا العلم ومسائله. وذكر أيضا بعض المباحث مثل سر التوحيد، والإيمان والإسلام، والنطق بالشهادتين، وتاريخ علم الكلام، ومرتبة العقل في إدراك الحقائق. وأما الفصول فجعل أولها في الحكم العقلي وأقسامه، والثاني في بيان التوحيد بالاستدلال. وداخل كل فصل مجموعة من المباحث والمطالب الفرعية. وقد جعل الخاتمة مطالب، وداخل كل مطلب مسائل كالخلاف بين الأشاعرة والماتريدية. ومن هذه المطالب أيضا أقاويل الفلاسفة المخالفة للشرع، وكذلك عقيدة أهل السنة، ثم المعجزات. ومن الذين قرظوا هذا الكتاب نثرا الشيخ محمود كحول. وهو أحد تلاميذ المجاوي عندما كان في قسنطينة (١).
١١ - تحفة الأخيار في الجبر والاختيار: تأليف عبد القادر المجاوي أيضا. ولا ندري إن كان قد طبع أم لا.
١٢ - منظومة في التوحيد، للمجاوي أيضا: قيل إن تلميذه المولود بن الموهوب قام بوضع شرح عليها. ولا ندري هل هذه المنظومة قد طبعت أم لا. وما إذا كانت هي أساس كتابه السابق (القواعد الكلامية) أو هي غيره. كما أن شرح ابن الموهوب عليها غير معروف لدينا. وفي أي شيء يختلف عن القواعد الكلامية والكلمات الشافية للديسي (٢). وكان ابن الموهوب من
стр. 3176
أعيان علماء وقته في الإصلاح والأدب والإفتاء. وقد تعرضنا لحياته في مكانها.
١٣ - منظومة العوامر في العقائد، وهي رجز قصير نظم به إبراهيم بن محمد الساسي العوامر (بن عامر) عقيدة الست والستين (كذا) التي وضعها محمد العربي بن مصباح بن سيدي سالم الأعرج، شيخ الزاوية السالمية (الرحمانية) في وادي سوف. وصاحب العقيدة هو الذي طلب من العوامر نظمها وقد بدأ الرجز بقوله في أبيات متوسطة:
يجب لله علل الوجود ... والقدم والبقاء والتوحيد
وخلقه للخلق والقيام ... بالنفس والبصر والكلام (١).
١٤ - الكلام في علم الكلام، لأبي يعلى الزواوي. وقد أشار إليه بنفسه في مجموع مؤلفاته. ولا ندري هل قدمه للطبع أم لا. وقد كان الزواوي من علماء الدين والدنيا، ومن أهل الفتوى والرأي. وله إسهامات تدل على مدى تعمقه في علم الكلام. وقد ترجمنا حياته في غير هذا. ولو اطلعنا على هذا الكتاب لربما اكتشفنا منه جوانب أخرى من حياته.
١٥ - مفتاح الجنة في شرح عقيدة أهل السنة: تأليف محمد بن أحمد الهاشمي التلمساني أصلا الدمشقي هجرة. وقد ألفه وهو في دمشق بعد أن امتد به العمر، وشارك في العلم والتصوف على الطريقة الشاذلية - الدرقاوية. بدأ الهاشمي تأليفه بقوله: (أما بعد ... هذا شرح لطيف لرسالتي في التوحيد الموسومة بعقيدة أهل السنة، يصحح مبانيها ويوضح معانيها ... ووضعته للعوام والمبتدئين في علم التوحيد. وسميته مفتاح الجنة ...) وواضح من هذا أن (المفتاح) هو شرح وبيان لما غمض في (العقيدة) وكلاهما له.
وقد أضاف الهاشمي خاتمة إلى كتابه جعل عنوانها (الأسرار البادية في الأسباب العادية). وهكذا فالكتاب الذي نصفه يضم في الواقع ثلاثة أقسام، الأول
стр. 3177
الشرح (المفتاح) والثاني (العقيدة) التي هي متن ذلك الشرح، ثم (الأسرار). وفي النسخة التي تصفحناها لا وجود للخاتمة التي ذكرها. وفي آخر الكتاب ملاحظات على أن المؤلف من تلاميذ محمد بن يلبس التلمساني، وكونه يستمد العطف من بعض أعيان دمشق، منهم بدرالدين الحسني. (بحر الشريعة وشمس الحقيقة). وقد وضع الهاشمي في آخر كل قسم نظما ليسهل حفظها (أي الرسالة) بعبارات واضحة وأبحاث باهرة) وقد جاء في بعض كتب التراجم أن المؤلف توفي بدمشق سنة ١٩٥٩ (١).
١٦ - الحدائق الندية في الدروس التوحيدية، لمحمد الهاشمي المذكور قبل هذا. ولعل هذا الكتاب غير مطبوع (٢). ويظهر من مجموع أعماله أنه كان مهتما بعلم الكلام، بالإضافة إلى اهتمامه بالتصوف. وتأليفه في التوحيد موجه، مثل غيره، إلى العامة والطلبة المبتدئين في أغلب الأحيان، ولم يقصد إلى وضع نظريات أو مناقشة مسائل تجريدية.
...
أما في المنطق فالتآليف قليلة بل نادرة، والغريب أن مادة المنطق مع ذلك، كانت تدرس في بعض الزوايا وفي بعض المدارس الرسمية. كما أن بعض المؤلفات قد ترجمت إلى الفرنسية مثل (السلم المرونق) كما سبقت الإشارة. وإليك ما وجدناه في هذا المجال:
١ - إتقان الصنع في شرح رسالة الوضع، ألفه محمد السعيد بن محيي الدين (وهو أخو الأمير عبد القادر) وهو كتاب في المنطق والحكمة. يبدو أنه شرح به الرسالة العضدية (عضد الدين الإيجي) وعلم الوضع في الاصطلاح: هيئة عارضة للشيء بسبب نسبتين، نسبة أجزاء بعضها إلى بعض، ونسبة
стр. 3178
إجزائه إلى الأمور الخارجية عنه. وهو يشمل المنطق والحكمة والتصوف مثل المقولات العشر (١).
٢ - ميزان الحق في المنطق: تأليف سليم السمعوني، وهو ابن أخ الشيخ طاهر الجزائري. وكان سليم هذا شاعرا قوميا وجنديا مناضلا ومثقفا عصريا، انضم للقضية العربية، وكان ضحية طغيان جمال باشا حاكم دمشق خلال الحرب الأولى. وقد طبع كتابه على إثر الحرب (٢).
٣ - شرح الجمل المجرادية: وضعه عبد القادر المجاوي، وقد سبق إلى شرحه عدد من العلماء، منهم عبد الكريم الفكون. ولكن المجاوي كان يتمتع بقدرة لم تكن لمعاصريه في فهم كتاب (الجمل) وتقديمه إلى طلابه على أكمل وجه. كان كتابا متداولا إذن، ولكنه غير متوفر للجميع، كما أن أسلوبه وأسلوب شراحه القدماء يجعل الرجوع إليه والاستفادة منه أمرا صعبا. وقد عرفنا أن المجاوي المتمرس على التدريس طول حياته كان أولى بوضع شرح على هذا الكتاب وإثراء المكتبة به.
٤ - رسالة في المنطق: تأليف محمد بن أبي شنب. لم تنشر إلا سنة ١٩٢٨ قيل وفاته بسنة واحدة. وكان ابن أبي شنب من أعيان العلماء في أول هذا القرن، ألف وحقق مجموعة من المؤلفات، فلا غرابة أن يكون عمله في المنطق من آخر ما صدر له.
دراسات حول الإسلام والإصلاح
أدت صلات المسلمين بالعالم الأوروبي، سواء عن طريق الاستعمار أو التأثير التجاري ونحوه، إلى ظهور دراسات تناولت أوضاع المسلمين من وجهة نظر جديدة إلى حد كبير. كما أن النهضة الإسلامية والعربية المتمثلة
стр. 3179
في حركة الجامعة الإسلامية من جهة والقومية العربية (العروبة) من جهة أخرى، قد أدت بدورها إلى بلورة الفكر العربي الإسلامي وإعادة النظر في التراث والبحث عن بدائل. وهكذا بدأ الكتاب والقادة المتنورون ينشرون أفكارهم على المتعلمين من قومهم. وفي ضوء ذلك لا بد من التنويه بكتاب (أقوم المسالك) لخير الدين التونسي الذي ظهر في حدود ١٨٦٧ وكان له أثر بارز في الجزائر، سيما بعد أن نشرته جريدة (المبشر) مسلسلا (١). وقد نوه به الأمير عبد القادر وحسن بن بريهمات (٢)، وألف عبد القادر المجاوي رسالة (إرشاد المتعلمين) (٣) بعد ذلك بعشر سنوات.
ومن نتيجة هذا الزخم ظهرت أبحاث وكتب ورسائل عالجت موضوع الإسلام وقابليته للتقدم والنهضة ومسايرة العصر، وموضوع الإصلاح الاجتماعي والديني كالدعوة إلى تجديد دور الزوايا ومناهج التعليم الإسلامية، وتدريس اللغات، وتقليد الغربيين، ونبذ الخرافات والبدع الضارة، ونحو ذلك.
كما ظهر مجتهدون استمدوا حججهم العقلية من التراث نفسه. وانطلقوا في سبيل النهضة. ونذكر من هؤلاء عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي وعبد الرحمن بن الحفاف. وقد كان على هؤلاء أن يوائموا بين تعاليم الدين وحاجات العمر، وأن يواجهوا مشكل التخلف بمختلف مظاهره.
وإليك الآن بعض العناوين التي تمكنا من الحصول عليها. وإذا تيسر لنا فإننا سنذكر أيضا بعض المعلومات عنها:
١ - حكمة العارف بوجع ينفع: لحمدان بن عثمان خوجة. وهي رسالة ما تزال مخطوطة حسب علمنا، ألفها في اسطانبول، وتناول فيها مسألة
стр. 3180
(ليس في الإمكان أبدع مما كان) المنسوبة لأبي حامد الغزالي. ويذهب خوجة إلى تأييد هذه المقولة. وقد ناقش ذلك مناقشة مستفيضة. وحمدان خوجة كان من أعيان مدينة الجزائر عند الاحتلال، ومن التجار والمثقفين أيضا. ومن أسرة متنفذة دينا ودنيا. وحاول جهده في الحصول على إجلاء الفرنسيين عن الجزائر، وحين عجز هاجر إلى اسطانبول حيث توفي حوالي ١٨٤٥. وله عدة مؤلفات منها (المرآة) الذي ضاع أصله العربي وبقيت طبعته الفرنسية، وكتاب (اتحاف المنصفين) الذي طبعه بالتركية باسم (سنى الاتحاف) وظل أصله العربي مخطوطا إلى أن نشره محمد بن عبد الكريم (١).
٢ - ذكرى العاقل وتنبيه الغافل: ألفه الأمير عبد القادر عندما كان في بروسة، أوائل الخمسينات من القرن الماضي. وقد تناول فيه قضايا العلم والفلسفة والدين والحكمة والكتابة. وكان كتابا أقرب إلى الفلسفة الإسلامية منه إلى الدين والشريعة. وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية أحد المستشرقين الفرنسيين - وهو غوستاف دوقا - سنة ١٨٥٨. ويبدو أنه كان لنشاط هؤلاء المستشرقين ورجال الكنيسة وربما رجال الماسونية، أثر في تحرير هذا الكتاب. فبعد أن أطلق نابليون الثالث سراح الأمير من السجن، تلألأ اسم الأمير في عالم السياسة والفكر، وأثبت علماء الفرنسيين هذا الاسم (في ديوان العلماء من كل أمة وملة من أهل القرون الماضية)، كما يقول ابنه محمد في تحفة الزائر. وقد كتبوا إليه بذلك.
وكان رد الأمير على هذا التفضل أن كتب لهم رسالة ذكرى العاقل، وقسمها إلى مقدمة وثلاثة أبواب، وفي داخل الأبواب فصول. وقد جعل المقدمة في الحث على النظر والتأمل، ونبذ التقليد وذمه. وهذا من آثار التعمق في فهم الإسلام من جهة وربما من أثر التحدي الأروبي من جهة
стр. 3181
أخرى. وكان الباب الأول في فضل العلم والعلماء، وتعريف العقل وفضل المدركات العقلية على المدركات الحسية. وأنهى الباب بخاتمة في بيان العلوم المحمودة والعلوم المذمومة. وخصص الباب الثاني لفضل العلم الشرعي. ومن نقاطه إثبات النبوة ومعرفة النبي، وفي المكذبين بالأنبياء والمرسلين. أما الباب الأخير فقد تناول فيه الكتابة وتعددها عند الأمم الأخرى وفي واضعي الكتابة، وفي الحروف العربية، ومن نقاطه حاجة الناس إلى التصنيف والتدوين (١).
٣ - ذكرى ذوي الفضل في مطابقة أركان الإسلام للعقل: ألفه محمد بن عبد القادر (ابن الأمير). وقد سار فيه على منوال كتاب والده السابق. واطلعنا على نسخة منه مطبوعة (٢). وعاش محمد النصف الثاني من القرن الماضي، وهو فترة متوترة بين حضارة الشرق والغرب التي أشرنا إليها، وتفاعل معها في بعض كتبه الأخرى، كما سنرى، وكان يسير على هدى أبيه في مجموع آرائه.
وهذا الكتاب يقع في حوالي مائة صفحة (٩٩ صفحة). وقد رتبه على مقدمة وسبعة عقود (وليس فصولا) وتتمة وخاتمة. وقد جعل المقدمة في أسرار وضع الشريعة في العالم. وافتتحها بنص طويل من محيي الدين بن عربي الذي تأثر به الأمير عبد القادر، أخذه من كتاب الفتوحات المكية، وهو نص يتعلق بأمل الأديان الذي قال ابن عربي انه واحد، ولكن الشرائع مختلفة، كما نقل محمد عن والده في (ذكرى العاقل) من كون أصل الدين واحدا والتفاصيل مختلفة، وكون الدين واحدا والأنبياء متعددين مثل مجموعة من الرجال أبوهم واحد وأمهاتهم شتى. وإن تكذيب بعضهم أو جميعهم أو تصديق البعض فقط قصور. ورد محمد على المستشرق (هانوتو) لسوء فهمه مقالة الأمير عبد القادر المترجمة، وهي أن أصحاب الأديان الثلاثة إخوة
стр. 3182
يشبهون ثلاثة إخوة من ثلاث أمهات. وأرجع محمد مقالة أبيه تلك إلى سوء ترجمة غوستاف دوقا لنص والده، لأن الأمير إنما أقام مقالته على قول الرسول:» الأنبياء أولاد علات: أبوهم واحد وأمهاتهم شتى «.
وتتبع محمد بعد ذلك موجبات إرسال الرسل وظهور النبؤات وأسرارها، متخذا حججه من القرآن، وأشار إلى ما جاء في التوراة والإنجيل عن الأنبياء وأولاد نوح ﵇: سام وحام ويافث. وقد استغرقت المقدمة عدة صفحات (٢ - ١٦).
أما العقود (أو الفصول) فكانت سبعة، وهي تدور حول عدة موضوعات دينية وأخلاقية واجتماعية. أولها: في أسرار بعث الرسل من أهل القرى المتوسطة في الأرض، وفي جنسهم ولسانهم، ثم في سر الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. وتأتي بعد ذلك عقود في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج. وتناول في تتمة الكتاب ما أجمع عليه الأيمة الأربعة في الأركان الإسلامية، وما اتفقوا عليه من العبادات ولكنه خارج عن الأركان كصلاة العيدين وتكبيرة الإحرام. أما الخاتمة فهي في مكارم الأخلاق، ومنها وصايا الرسول ﷺ للإمام علي وكذلك لأبي هريرة.
ورغم أن محمد قد أكثر من النقول فإنه حاول أن يتناول الموضوع بطريقة عقلية، وأن يبرهن بطريقة عقلية كذلك. وقد استند في ذلك أيضا. على الفطرة. والخلاصة أن (ذكرى ذوي الفضل) ينطبق عليه ما حاول المؤلف إثباته وهو (مطابقة أركان الإسلام للعقل). وكان نفي ذلك أو إثباته موضوعا شائعا عندئذ طرحه المستشرقون وأجبروا المسلمين على الخوض فيه من جديد منذ عصر المعتزلة (١).
٤ - أنوار اليقين بل السيف المتين (؟) في قطع ألسنة من نقص الأيمة المجتهدين. لقدور بن محمد بن سليمان. وكان هذا من أعيان الصوفية في آخر القرن الماضي. وألف عدة رسائل في هذا الميدان. وهاجر إلى الحجاز.
стр. 3183
ولا نعرف ما إذا كان (الأيمة المجتهدون) هنا هم رجال التصوف أو رجال العلم الظاهري (١). وقد وضعنا عنوان هذا الكتاب هنا على أساس أن المؤلف يعني أيمة العلم وربما يكون من كتب التصوف.
٥ - حول تدوين علوم الإسلام: مداخلة قدمها القاضي شعيب بن علي الجليلي سنة ١٣٠٧ (١٨٨٩) أثناء مؤتمر المستشرقين الذي انعقد بالسويد (استكهولم). وقد وصفه من رآه بأنه تأليف جيد أملاه من حفظه في المؤتمر المذكور. ولم نستطع أن نتوصل إلى نسخة من هذا الأثر (٢).
٦ - إقامة البراهين العظام على نفي التعصب الديني عن الإسلام: تأليف محمد بن مصطفى الكمال (خوجة) سنة ١٩٠١. وكان هذا الكتاب، كما يدل عنوانه، من وحي الوقت. فقد كثر التهجم على الإسلام والمسلمين، واتهام الإسلام بكونه السبب في تخلف المسلمين وتعصبهم، ولولاه لانساقوا في تيار الحضارة والتقدم، في نظر هؤلاء الخصوم، ولم يكن الكمال هو أول من عالج هذا الموضوع، وإنما كان من الذين شاركوا فيه بحماس وحجة. وكان الكمال متداخلا مع الفرنسيين، يصحح في جريدة المبشر ويدرس في المساجد الرسمية، وكان شاعرا، وكذلك كان تلميذا وفيا للشيخ محمد عبده وأفكاره الإصلاحية.
وفي هذا النطاق ألف (إقامة البراهين). وقد ترجم بعضهم الكتاب في الحال إلى الفرنسية بما مفهومه (التسامح الديني في الإسلام) ونشر مسلسلا في مجلة فرنسية عن الإسلام (٣)، وتلقت القنصليات الفرنسية في العالم الإسلامي نسخا، من الكتاب لتوزيعها من أجل الدعاية. وراجعت الكتاب بعض الصحف والمجلات التي تهتم بالموضوع. وذكر أجرون أن الكمال اعتبر الشيخ عبده أستاذه (وعالم علماء الدنيا) وأنه سار على منواله في الدعوة
стр. 3184
إلى التسامح فيما لا يتعارض مع الدين. وملأ الكتاب بالشواهد على كون الإسلام ليس دين تعصب. وقد اعتبر الكمال، مثل الشيخ عبده، الجهاد الحقيقي هو الذي يكون ضد الجهل والفساد، وذهب أجرون أيضا إلى أن الكمال دعا مثل شيخه إلى نوع من المساواة بين الجنسين. وكان ذلك هو الموضوع المفضل عندئذ بين العصريين الذين يحتفلون بالروح الليبرالية للقرآن (١).
وقد توفي محمد الكمال في الخمسين من عمره، وكان غزير العلم متفتح العقل. وقد نشر أعمالا أخرى في هذا المجال سنعرض إليها. ومن ذلك رسالة السيوطي (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض). ولعلها طبعت بعد وفاته (٢). وموضوعها يتماشى، كما يدل العنوان، مع قناعته الفكرية.
٧ - أوضح الدلائل في إصلاح الزوايا ببلاد القبائل: تأليف محمد السعيد بن زكرى. وهذا التأليف يدخل في نقد الأوضاع الاجتماعية والتعليمية عندئذ. فقد كانت بلاد الزواوة كثيرة الزوايا، وكانت تقاوم التدخل الفرنسي في شؤونها، وترتب عن ذلك نوع من التقوقع والجمود في برامجها وعقليات شيوخها. وكان ابن زكري من تلاميذ هذه الزوايا حيث قضى سنوات طويلة يتعلم القرآن فقط. وقد انتقد طريقة التعليم الإسلامي التي سادت إلى ذلك الحين ورآها غير مجدية، ودعا إلى التجديد في برامج الزوايا. وقد ذكر بالخصوص زاوية سيدي منصور، وتحدث عن شيوخها، ومنهم محمد الطاهر الجنادي والشيخ البوجليلي.
وقد رتب الكتاب على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وفحوى الرسالة كلها هو التقريب بين الزواويين والفرنسيين بعد أن حدث بينهم ما حدث أثناء ثورة ١٨٧١، مما هو من وساوس الشيطان، حسب تعبيره. والشيخ بن ذكرى كان داعية وفاق بين (الفريقين) وقد وضحهما بقوله (وسكان الوطن القبائلي)
стр. 3185
ورجال الجمهورية الفرنسية. وكان سيسمي رسالته (إرشاد الفريقين إلى ما به إصلاح ذات البين). ويكاد الإنسان يرى أن الشيخ ابن زكري كان موعزا له بكتابة كتابه في وقت كان فيه الفرنسيون يخشون من حدوث ثورة أخرى إذا قامت حرب أوروبية. وقد جاء بالآية التي تقول: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾. وقال إن الجزائر قد تداولت عليها الدول، وأحدثها هي الدولة الفرنسية، وإذن فلا فائدة من الثورة. ولعل أهم الفصول هو الثالث الذي تحدث فيه عن عمارة الزوايا في نظره (١).
٨ - روح وفلسفة الشريعة الإسلامية: ألفه أبو بكر عبد السلام بن شعيب، وكان كوالده قاضيا ومدرسا بتلمسان. كان من هذه الفئة التي تأثرت بالثقافة الفرنسية والمحافظة مع ذلك على روابطها مع التراث العربي الإسلامي. وقد شارك أبو بكر في عدة مؤتمرات، وألقى عدة بحوث وكتب بعض المقالات حول الموضوع أعلاه، ومنه تدوين الفقه الإسلامي ومسألة العرف بتلمسان. ولكن طموحه، فيما يبدو، كان أكثر من إمكاناته الفكرية. فرغم جهوده لم يؤلف عملي ذا قيمة. ولكن أثره يرجع إلى سمعة والده، وسمعة شيخه وزميله المستشرق ألفريد بيل، وازدواجية لغته وثقافته في فترة ظهور ما أطلق عليه اسم النخبة. ولذلك نميل إلى تعليق الان كريستلو عندما قال عن رسالة (روح وفلسفة الشريعة) إنها تذكر الإنسان بعنوان كتاب مونتسكيو (روح القوانين)، ولكن شتان بين المؤلفين (٢).
٩ - علاقة الدين بالفلسفة، بحث لعبد الحليم بن سماية، قدمه سنة ١٩٠٥ إلى مؤتمر المستشرقين ١٤ بالجزائر. وكان عبد الحليم معروفا، في الساحة الفكرية منذ آخر القرن الماضي، ربما بشهرة والده علي بن سماية، وقد كان فنانا ومدرسا ومصححا في المبشر. كما أنه اكتسب شهرة بنزول الشيخ عبده في داره سنة ١٩٠٣ مدة الزيارة التي دامت عشرة أيام. ويفهم من
стр. 3186
تعاليق المعاصرين أن عبد الحليم كان له مخطوط تحت العنوان أعلاه، ورأى أن يقدم منه فصلا في المؤتمر، ثم يكون ذلك فرصة لطبع الكتاب على نفقة الحكومة التي كانت تشجع المطبوعات التي تخدم غرضها، ولكن خاب ظن عبد الحليم فقد قيل إن الحكومة لم تكن راضية عما جاء في الكتاب من أفكار (١).
ومهما كان الأمر، فإن الكتاب بقي في المهملات، حسب علمنا. وحتى الفصل الذي قرأه منه لم ينشر أيضا. ولولا تلخيص نقاطه من قبل ابن أبي شنب لما عرفنا محتواه. قدم ابن أبي شنب موضوعات مؤتمر المستشرقين بملخصات أساسية، ومنها بحث زميله ابن سماية. وبناء على ابن أبي شنب ان محتوى الكتاب هو: العلم نوعان علم الأبدان وعلم الروح (العقل Esprit) وما يميز الإنسان عن الحيوان، وثبات الحق رغم من يريد طمسه، والتجريدي تحكمه نفس قواعد الثابت، وللفنون علاقة متينة بالعقيدة، وأهمية التوكل على الله، والحكمة (الفلسفة؟) وتطبيقها على العقائد، والفلسفة ترهن على وجود الخالق. ثم الفرق بين العقل والشعور وعدم دقة الأخير، ووسائل معرفة المجرد، وتاريخ الأنبياء يؤكده التواتر، وتعدد الزوجات، والحجاب عند المرأة المسلمة، وعن الطلاق، وعن الرق، وعن الميراث.
وأعلن ابن سماية للمؤتمرين أنه لا غرض له من تأليف الكتاب سوى البحث عما يسعد الإنسان، ومعرفة أصله وملامحه. وفي مكان آخر ذكر ابن أبي شنب أن ابن سماية قرأ بحثه عن الإسلام كحقيقة مجردة لا تختص بشعب من الشعوب، وذكر ابن سماية خلال ذلك حقيقة المسلم في نصوص أوردها من القرآن والحديث، ومن ملامح الإنسان المسلم عنده: الصدق والإخلاص والمروءة والتواضع والعدل واحترام الجار. وختم ان سماية بحثه بقوله إن
стр. 3187
الإسلام يمكن تلخيصه في الثلاثية المعروفة عندئذ: الحرية والمساواة والأخوة (١).
ومن سوء الحظ أن هذا الكتاب لم يطبع في عهد جونار، ولا نعرف أنه طبع بعد ذلك، رغم أن مؤلفه عاش طويلا بعد تقديمه وشارك في الحياة السياسية والثقافية بجهود معتبرة (٢).
١٠ - مستقبل الإسلام: لمحمد بن رحال. ليس هذا كتابا ولكنه مشروع كتاب، إنه بحث في حالة المسلمين والإسلام أمام هجمة الغرب والمسيحية. ألقى ابن رحال هذا البحث في مؤتمر المستشرقين في باريس، سنة ١٨٩٧. ثم نشره في مجلة متخصصة في العلاقات الدبلوماسية (٣) وصف ابن رحال حالة النهضة الإسلامية أمام مدفع الحضارة الغربية، كما قال. وأخبر سامعيه وقراءه أن جهل المسلمين جعلهم يردون بقوة وامتعاض ورفض لكل ما جاء من الغرب ولو كان في صالحهم. ودعا أوروبا إلى أن تتدارك الوضع. وتنبأ بأن المسلمين سينهضون لا محالة سواء برضى أوروبا أو عدم رضاها. إن بحث ابن رحال يسير في تيار حركة الجامعة الإسلامية عندئذ. ومن الصدف أن إلقاءه كان في سنة وفاة جمال الدين الافغاني. وكانت دعوة الشيخ محمد عبده قد امتدت إلى تونس والجزائر، وكذلك امتدت آثار السلطان عبد الحميد الثاني في المنطقة، وتجند علماء الفرنسيين لدراسة هذه الظاهرة الإسلامية.
لقد تعرضنا إلى حياة محمد بن رحال في مناسبة أخرى. والواقع أنه كان هنا شديد اللهجة وصريحا أمام الأوروبيين. كان يعرف المناورات منذ
стр. 3188
كان والده قاضيا للأمير عبد القادر ثم آغا في نواحي ندرومة. وقد تعلم محمد في المدارس الفرنسية ولكنه لم ينفصل عن المدرسة العربية والطرق الصوفية فظل وفيا لتراث العائلة والإسلام. كان يكتب ويحاضر بالعربية والفرنسية، ومطلعا على أوضاع المسلمين ماضيا وحاضرا، بخلاف الاندماجيين المعاصرين له. ومن أوائل ما نشر محمد ترجمة لموضوع عن السودان الغربي في القرن السادس عشر الميلادي نقلا عن كتاب (نزهة الحادي) للأفراني (١). وتابع ابن رحال حالة التعليم في البلاد العربية، وطالب منذ ١٨٨٧ بنشر اللغة العربية في الجزائر. ودافع عن حقوق الجزائريين أمام لجنة جول فيري سنة ١٨٩٢. وقد ظل على مواقفه المتحدية إلى العشرينات من هذا القرن. ولذلك قلنا إن بحثه وإن لم يكن كتابا فهو مشروع يشبه ما عرفناه عن كتاب ابن سماية.
١١ - الدعاية إلى سبيل المؤمنين: تأليف إبراهيم أطفيش. وهو ابن أخ محمد بن يوسف أطفيش الشهير. هاجر إبراهيم إلى تونس تم مصر، وشارك في الحياة السياسية والدينية والفكرية حيثما حل. وأسس الصحافة. وكان صديقا للزعيم الليبي سليمان الباروني. وعاصر أحداثا كبيرة مرت بالعالمين العربي والإسلامي، وشارك في بعضها مثل المؤتمر الإسلامي بالقدس الشريف.
وفي سنة ١٩٢٣ (١٣٤٢) نشر كتابه (الدعاية) في مصر حيث كان نزيلا. وهو كتاب في قضايا الوقت التي يتعرض لها العالم الإسلامي، إضافة إلى فوائد العلوم الآتية: التاريخ والجغرافية والفلك والإنشاء (الأدب) والصحافة والصحة، واللغات الأجنبية، وترجم فيه لعلماء أمثال الثميني وأطفيش، وابن مسكويه. وعالج فيه موضوع التقليد والتجديد. وقد أهدي كتابه إلى روح عمه المذكور، معتبرا إياه من المجتهدين. وحمل إبراهيم على
стр. 3189
الأدعياء والمفسدين ومن يتذرعون بالدين ويخفون غايات شخصية، ولهم صلات (بالسلطة الاستبدادية). وذكر الأحزاب الإصلاحية التي ظهرت ومن عارضها من الخاملين. وقال ان (وطننا أصيب منذ أمد ببعض الحائرين، فجروا عليه الغباوة والجهالة. ولكن أشخاصا، تصدوا لذلك ونادوا بالنهضة والعلم وخدمة الدين).
يتلخص الكتاب في كونه دعوة إلى الإصلاح وإلى الدين الصحيح في نظره. وإلى العمل من أجل ذلك، والمحافظة على ثوابت الدين. وإحياء ما اندرس من المبادئ ورفض الاستكانة والجمود والدعوة إلى مجاراة العاملين من الأمم. وقال إن الفلسفة جيدة في حد ذاتها وانها هي التأمل في آيات الله ولا تعني، كما يفهم البعض، سوء العقيدة في الدين والإلحاد فيه. واعتبر الفلسفة أقساما: الإلهية وهي العبادات، والسياسية وهي تدبير الأحكام، والمدنية، وهي الأعمال التي يؤديها الإنسان من تجارة وصناعة، ثم أخلاقية وهي النفس وتهذيها. ودعا إبراهيم أطفيش إلى أن يتعلم المفتون والفقهاء شتى العلوم بما فيها الهندسة والكيمياء، لأن كثيرا من المستحضرات تأتي من أوروبا، فإذا أفتوا كانوا على بينة. وفي نظره أن الغربيين أهل جد واجتهاد وعلى المسلمين ألا يقفوا أمامهم مكتوفي الأيدي (١).
١٢ - الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير، تأليف محمد السعيد الزاهري (٢). وقد بدأ الزاهري حياته الفكرية بالشعر والمقالة. وكان من أبرز
стр. 3190
الكتاب والشعراء خلال العشرينات والثلاثينات ومن أكثرهم غيرة على الوطن والدين، قبل أن تتقلب به ظروف الحياة. ومن بحوثه في الإصلاح والنهضة ومن وحي التبشير (التنصير) الذي كان يقوم به الآباء البيض في الجزائر، كتب الكتاب الذي نحن بصدده. ومحور الكتاب هو التصدي للتبشير الذي كان يمثله في الجزائر جمعية الآباء البيض والأخوات البيضاوات. وقد كشف الزاهري عن وسائل المبشرين والمبشرات، ودعا المسلمين إلى القيام بدور فعال لنشر الإسلام وحماية الشباب، ولا سيما الفتيات. والأمثلة التي ذكرها كانت من واقع الحياة، ولذلك كانت تبدو كأنها قصص اجتماعية (١).
١٣ - روح السعادة وسر الشهادة في الحسنى وزيادة: تأليف أحمد بن يحيى الأكحل. وهذا المؤلف كان من الشعراء والكتاب الشباب عند ظهور كتابه، ومن تلاميذ جيل من العلماء على رأسهم المجاوي وابن سماية وكحول. وينتمي أحمد الأكحل حسب الشائع، إلى الأشراف، وكان معتزا بذلك في حينه فكان يذكر عبارة (الحسني) اسمه. وكان معتزا بشيوخه فجعلهم يقرظون كتابه. والكتاب صغير ولكن أفكاره كبيرة. فهو يتناول الدعوة إلى النهضة الإسلامية والعربية بتبني العلوم العصرية والرقي طبقا لتعاليم الإسلام. وفيه دعوة حارة إلى الجزائريين ليستيقظوا مع تمسكهم بالإسلام. ومن محتوى الخمس والعشرين صفحة التي تضمنها: أساس المدنية الحقة، والإسلام والرقي (عبارة حلت محل عبارة التقدم التي طالما رددها الفرنسيون قبل ذلك)، وتقدم الإسلام بالعلم، والثبات والأعمال، والتعليم القويم، والحكمة الدينية (٢).